Archive for category مقالات

البعد الأمني في العلاقات الفلسطينية المصرية

البعد الأمني في العلاقات الفلسطينية المصرية

في البدء لا أجد كلمات تعبر عن المصير الوجودي بين مصر وفلسطين، ابلغ من ما دونه الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” في كتاب” فلسفة الثورة” عندما كان يحارب في فلسطين عام 48م، بانه عندما كان يقاتل في الفلوجة ” كان يقاتل ليدافع عن اسرته وبناته”، وبانه حين كان يقاتل في فلسطين فانه” لا يشعر بانه يقاتل في ارض غريبة” وقوله عن حدود مصر مع فلسطين وخاصة معبر رفح، بان “حدود مصر السياسية لا تنتهي عند رفح” وقوله ”ان هذه المخاطرة الجريئة –يقصد حرب فلسطين- لم تكن حبا في المغامرة، ولا كانت رد فعل للعاطفة في نفوسنا، انما كانت وعيا ظاهرا لايماننا بان رفح ليست اخر حدود بلادنا، وان نطاق سلامتنا يقضي على ان ندافع عن حدود اخواننا الذين شاءت لنا احكام القدر ان نعيش معهم في منطقة واحدة”                                                          وهذا يلخص جوهر العلاقة بين فلسطين ومصر، التي تضرب جذورها في عمق الزمن، حيث ان هذه العلاقة الفلسطينية المصرية قديمة ليست وليدة الحاضر, لكونها تعود لازمان سحيقة من ايام الفراعنة الذين ادركوا ان الامن القومي المصري يبدأ من بلاد الشام- فلسطين, والتي أثبت التاريخ صدق هذه الحقيقة, فكل الغزوات التي تعرضت لها مصر, عبرت من فلسطين..ففي معركة عين جالوت خرج الجيش المصري لملاقاة التتار في هذه المعركة عين الفاصلة على أرض فلسطين وانتصر فيها نصرا حاسما بقيادة القائد قطز, كما خرج بعد ذلك الجيش المصري وانضم الى الجيوش العربية بقيادة صلاح الدين الأيوبي . حيث التقى هذا الجيش مع جيوش الصليبيين على أرض فلسطين في معركة حطين الخالدة , وكان الانتصار المؤزر لهذا القائد العظيم , ذلك الانتصار الذي مهد لاستعادة بيت المقدس من جيوش الصليبيين. ولذا ادرك محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة , الى ان امن مصر يبدأ من بلاد الشام , ومن هنا كان ارساله حملة مصرية بقيادة ابنه ابراهيم باشا لبلاد الشام.

وتاكيدا لذلك استمرت هذه العلاقة الفلسطينية المصرية الوطيدة والراسخة حتى عصرنا الحديث , فكانت قضية فلسطين قضية مصر الاولى منذ نشأتها , في كل العهود، وخاصة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وحتى الان.. وقد لعبت مصر عبر تاريخها الحديث دورا رئيسيا في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة, وحقه في اقامة دولته الفلسطينية المستقلة, وعندما تولى رئاسة السلطة الفلسطينية الرئيس محمود عباس, ازدادت هذه العلاقة الفلسطينية-المصرية رسوخا وثباتا, لان الرئيس حرص على التنسيق مع الشقيقة مصر , باعتبارها الدولة العربية الكبرى , ولما لها من ثقل سياسي كبير في المنطقة والعالم أجمع . وذلك انطلاقا من ايمانه بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين الاولى -وخاصة مصر- وليست قضية الشعب الفلسطيني وحده.

وعندما حدث الانقسام ضد الشرعية الفلسطينية استضافت مصر العديد من اللقاءات والاجتماعات, من اجل تحقيق المصالحة ووضع حد نهائي لهذا الانقسام بين جناحي الوطن الضفة الغربية وقطاع غزة, ولأهمية المصالحة لدى الجانب المصري , أوكلت هذا الملف للمخابرات المصرية.

ومن هنا نؤكد بان العلاقات الفلسطينية المصرية تعد نموذجا مثاليا للعلاقات بين الشعوب العربية , لما فيه مصلحة الأمة العربية والشعبين الشقيقين فمصر أرض الكنانة، والحضن الدافيء للفلسطينيين.

والعامل الأمن بين مصر وفلسطين، قد أصبح اليوم غير مقتصر على الجانب العسكري التقليدي، بل غدى ينسحب على الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية والديمغرافية والتكنولوجية وغيرها من الجوانب الحياتية الضرورية للانسان والمجتمع والدولة.. والعلاقات الفلسطينية المصرية، بالمفهوم الامني الشامل، تبين ان مصر -باعتبارها الدولة الاهم في العالم العربي والاسلامي- كانت دوما  القلعة الحصينة ضد المؤامرات وهجمات الغزاة.. وهذا ما يؤهلها لان تكون من اهم الدول لنا، حيث جمعت بين عناصر قوة الموقع، فهي بالجغرافية افريقية، وبالتاريخ اسيوية، ومتوسطية بالمركز، وفرعونية جذرا، وعربية اصلا، واسلامية تهجا، وقد ادت دورها بكفاءة وهي فرعونية وعربية واسلامية الخ.                                                                                      واذا اردنا ان نخصص الامر على قطاع غزة على وجه الخصوص فان استقرارها يمثل جزء اساسي من امن مصر القومي، وبالتالي فان انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني وحرمانه من ابسط احتياجاته الانسانية من قبل العدو يعتبر انتهاك للقانون الدولي الانساني على حدود مصر الشرقية مع غزة الصغيرة الامر الذي يمثل تهديدا صريحا للامن القومي المصري.

ان الحلفاء مهمين مهما صغر اقليمهم او قل تاثيرهم او ضعفت مصادرهم، وغزة امنيا في ظل تقدم التكنولوجيا لها دور هام في مجال قطاع المعلومات والاستخبارات حيث تشكل غزة بالنسبة لمصر مثال حي على ذلك، لان بامكانها في ظل تعاون كثيف وعمل مشترك دؤوب ان تفيد بشكل مثمر في مسألة رصد تحركات العدو وسبر اغوار اسراره ومكنوناته الداخلية..كما انها ستكون بمثابة خط الدفاع الاول لمصر من المطامع الاسرائيلية، فشعب فلسطين عامة من اكثر الشعوب المحبة للشعب المصري،  وراسخ في ذهن كل فرد فيه بان مصير مصر وفلسطين واحد وتاريخهم مشترك وعدوهم مشترك .

ولذا بقيت العلاقات المصرية الفلسطينية تدار في إطار الكل المصري ممثلا في الدولة، وفي الإطار الفلسطيني ممثلا في السلطة الوطنية الفلسطينية، وهكذا بقيت وما زالت السياسة المصرية تقوم على أساس أن القضية الفلسطينية بكل تفرعاتها مكون أساسي من مكونات الأمن المصري، وبقيت هذه العلاقة تقوم على ركيزة أساسية تنفرد فيها علاقة مصر بفلسطين وهي إن المكون المصري في السياسة الفلسطينية مكونا أساسيا ، بل إن محددات القرار الفلسطيني لا يمكن أن تتجاهل الدور المصري،

وهذه الخصوصية في العلاقة أدت وفرضت ضرورة البحث عن صيغة للعلاقة قد تخرج عن علاقة دولة بدولة أخرى في الظروف العادية . وتقع في قلب خصوصية هذه العلاقة خصوصية من نوع آخر، هي خصوصية الكل مع الجزء ، أو الجزء مع الكل ، أو خصوصية العلاقة بين الجزء من الكل.. وهنا تبرز خصوصية العلاقة المصرية الفلسطينية، هذه الخصوصية التي لا تنفي منذ البداية أن سيناء ليست غزة -كما يحلو للبعض أن يقزم العلاقة- وليست غزة هي سيناء ، لذلك ومنذ البداية ينبغي أن نستبعد أي شكل من أشكال العلاقة رغم خصوصيتها تصل إلى حد الاندماج أو الابتلاع ، وعليه لا يمكن تصور إن الجزء الصغير وهو غزة يمكن أن يصل إلى درجة إن يكون قادرا على ابتلاع الكل وهو سيناء وذلك بحكم العديد من المحددات في هذه العلاقة تفرضها محددات تاريخية وجغرافية وأمنية وسياسية واقتصادية وسكانية ممتدة، وخصوصا الجزء الملاصق جغرافيا وهو ما يعرف بمناطق رفح المصرية وحتى العريش، وفي هذه المنطقة تقع خصوصية العلاقة التي تفرض صيغ متينة للعلاقة.
فالعلاقة الكلية بين مصر بفلسطين، ودور السلطة الوطنية الفلسطينية ترفض أي شكل من خصوصية العلاقة لغزة على حساب العلاقات الكلية عن جسدها الفلسطيني، لان هذا يتعارض مع أهم محددات السياسة المصرية وهو الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية.
ومن هنا تكمن أهمية البحث عن صيغة للعلاقات لا تتعارض مع العلاقات المصرية الفلسطينية، وهذا يستوجب أن تعمل مصر وهي مؤهلة لهذا الدور أكثر من ذي قبل في اتجاه إنهاء الانقسام السياسي ، والبحث عن صيغة فلسطينية تصالحيه، ويبقى هذا هدفا رئيسا لها..وفي الوقت ذاته للسياسة أولوياتها وضروراتها الملحة، التي تفرضها الوقائع على الأرض، ومحددات خصوصية العلاقة لكلا الجانبين
وعليه ينبغي أن تقوم هذه الصيغة الجديدة في العلاقات على أهداف ومحددات ومرتكزات، وآليات للتنفيذ بما يؤكد على خصوصية هذه العلاقة ، وبما لا يتعارض مع كلية العلاقة، وأقصد بصراحة أن تكون الصيغة الجديدة في العلاقة علي أساس أن سيناء أرض مصرية غير قابلة للتنازل أو حتى جزء صغير منها.. فالأمن القومي المصري لا يتجزأ ، وعلى أن غزة أيضا جزءا لا يتجزأ من فلسطين ، وفي إطار هذا التصور يمكن قيام علاقات أمنية كاملة.

ولذا نرى إعادة النظر في موضوع معبر رفح الذي ينبغي أن يخضع بالكامل للسيادة المصرية من ناحية  والسيادة الفلسطينية من ناحية أخرى مع ضمانات مصرية وفلسطينية، ودولية إن لا يتحول هذا المعبر لأن يكون معبرا يخرج منه ما يعرض الأمن المصري والفلسطيني ، للخطر.

وحتى تكتمل الصورة ينبغي أن يكون للفلسطينيين ، ولغزة تحديدا تصورها ورؤيتها لأمنها ، فغزة وبحكم تركيبتها السكانية ومحدداتها الجغرافية ترتبط امنيا بمصر، وعلى إسرائيل أن تدرك أن احتلالها وحصارها لغزة ينبغي أن يرفع مقابل أن يقدم الفلسطينيون نموذجا سياسيا وأمنيا وحضاريا في غزة يخدم قيام الدولة الفلسطينية ، التي ينبغي أن تكون نواتها الأولى في غزة ، وهذا قد يقتضي الدخول في صيغة جديدة في العلاقة بين فلسطين الدولة، ومصر الدولة.
وهكذا تبدو العلاقة الأمنية تفرض على فلسطين إن تفكر في مستقبل علاقاتها مع مصر من خلال إدراك كامل لمحددات الأمن المصري، ماذا تريد مصر، وبالمقابل تدرك مصر إن خصوصية العلاقة تفرض عليها أدوارا أمنية وسياسية مهمة، في ظل قيام دور مشترك للسلطة الفلسطينية في صياغة علاقة مشتركه، في ظل رؤية كلية للعلاقة المصرية الفلسطينية .

إن من أبرز المعطيات في البعد الأمني .. التعاون الأمني بين الدول والكيانات .. والذي يزداد الأمر فيه إلحاحاً عندما تواجه هذه الدول أو الكيانات مخاطر أمنية واحدة (كمصر وفلسطين) ناهيك عن وحدة المصير والهدف بيتهما، وهذا ما تجسد خلال حقب التاريخ قديما وحديثا. ففي الواقع الحديث شكل الكيان الصهيوني أكبر المخاطر المحدقة بكلاهما، والذي مثل الخطر الأبرز عليهما، مما يستوجب على كلاً من فلسطين ومصر تعاوناً قد يصل إلى حد التوحد الامني بينهما، بكل ما يتحمل ذلك المفهوم من معانٍ تبدأ من التعاون في تبادل المعلومة الأمنية بكل أبعادها ومكوناتها، حتى تنتهي بالقيام بعمل امني مشترك لو تطلب ذلك التدخل المباشر.

كما ظهر مكون أخر لا يقل خطورة عن المكون الأول، يشكل تهديداً أمنياً لمصر وفلسطين وحتى المنطقة برمتها وهو خطر الارهاب الذي تسربل ظلماً وعدواناً بأطهر رسالة وأسمى دين، وهو الدين الاسلامي الذي هو براء من هذه الجماعات التي حرفت بندقيتها ووجهتها إلى صدر أبناء وطنها بدلاً من أن توجهه إلى العدو الصهيوني المتركز في فلسطين، وبالتالي فقدت بوصلتها.. وصدق أحد المفكرين الفلسطينيين عندما قال ” بوصلة لا توجه إلى القدس ضالة” وبندقية لا توجه باتجاه فلسطين هي بندقية خائنة” .

والخطر الثالث الذي يهدد (مصر وفلسطين) والمنطقة العربية برمتها، هو سعي بعض الدول وعلى رأسها أمريكيا الى تفكيك ثلاث دول عربية تشكل قواعد التثبيت للأمة العربية، وهي مصر وسوريا والعراق، والتي أفلح هذا العدو في الانقضاض عليها، باعتبارها الدول الاهم والاقوى في هذه المنطقة، وباعتبارها تمثل الحضارات الثلاث الأبرز في المنطقة وهي الحضارة (الفرعونية – والأشورية – والكنعانية) وذلك من اجل إنهاكها وتفكيكها وانغماسها وتدمير قدراتها -خاصة العسكرية والأمنية- وتحويلها إلى دويلات تقوم على قاعدة الاختلافات العرقية، او الطائفية، او المذهبية إلخ) ليحتدم الصراع بينها، ويقود إلى الاستعانة بعدوها ( ضد بعضها البعض) كما حدث سابقاً قبل قدوم صلاح الدين الأيوبي، وحصل في الممالك العربية في الأندلس.. وكلنا يرى اليوم بأم عينيه ما حدث ويحدث في العراق وسوريا، من كوارث ونكبات جراء ذلك، وأما المحروسة (مصر) فقد وقاها الله سبحانه وتعالى حمى من هذا الخطر الذي كان ينتظرها، والذي لا ننسى الموقف الأمريكي الحاقد أثناء هذه الحملة .

وعلى ضوء هذه المخاطر الثلاث لا بد ان تقف فلسطين مع مصر وتدور معها حيث تدور .. ليس فقط لمواجهة هذه المخاطر الامنية الثلاث.. وإنما لما لمصر من مكانه في ضمير وقلب كل فلسطيني (وطني حقيقي، وقومي صادق، ومسلم مخلص) .

وعلى ضوء هذه المخاطر، نوصي بالتالي:

  • تشكيل لجنة امنية عليا فلسطينية مصرية، تبحث جميع المشاكل السابقة والعالقة واللاحقة التي سببها الواقع، او الجمود، او عدم المسئولية (كموضوع المعبر المصري)
  • بناء تحالف وجودي مع مصر .. يجعل من أي جهة او طرف فلسطيني .. يخترق هذا التحالف، عدو للشعبين المصري والفلسطيني، وبالتالي العمل المشترك على إزاحته او حتى إزالته .
  • الاتفاق بشكل استراتيجي مع مصر على الرؤى المطروحة لحل القضية الفلسطينية على المستوى الاستراتيجي او التكتيكي، وعدم قبول الطرف الفلسطيني بأي اطروحات تهدد الامن القومي المصري، سواء في ربوع مصر عامة، او سيناء خاصة
  • وضع ألية مشتركة للعمل على محاربة الارهاب أي كان مصدره، ومبحثه، ووضع حلول لتخفيف هذه الظاهرة، ثم القضاء عليها نهائياً، باعتبارها ظاهرة غير وطنية، وغير عروبيه، وغير إسلامية حقيقية .
  • العمل المشترك على إحياء دور مصر القيادي والريادي في المنطقة العربية ورفض قيادة هذه المنطقة من قبل بعض الدول القزم التي تآمرت على مصر والعروبة .. وسحب الأدوار منها، وتسليمها إلى مصر لكي تعود مصر العظيمة القائدة كما كانت في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر .
  • تشجيع مصر لأن تكون في حلف جديد في المنطقة بقيادة روسيا والصين ومن أراد أن يرغب في الانضمام لذلك، وتشكل فيه ( مصر وروسيا والصين) دوراً هاماً في السياسة الدولية، مقابل أمريكيا وحلفائها الذين سعوا وما زالوا إلى تركيع العالم العربي ومن أجندات لا تخدم إلى الصهيونية العالمية .
  • الاتفاق مع مصر على عدم خوض حروب بالنيابة عن احد، وعدم الاشتراك في اللعبة الأمريكية لخلق نزاعات في المنطقة بين الدول الشرق أوسطية على أساس ديني، او طائفي، او عرقي .

أضف تعليقاً

البعد الأمني في العلاقات الفلسطينية المصرية

البعد الأمني في العلاقات الفلسطينية المصرية

في البدء لا أجد كلمات تعبر عن المصير الوجودي بين مصر وفلسطين، ابلغ من ما دونه الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” في كتاب” فلسفة الثورة” عندما كان يحارب في فلسطين عام 48م، بانه عندما كان يقاتل في الفلوجة ” كان يقاتل ليدافع عن اسرته وبناته”، وبانه حين كان يقاتل في فلسطين فانه” لا يشعر بانه يقاتل في ارض غريبة” وقوله عن حدود مصر مع فلسطين وخاصة معبر رفح، بان “حدود مصر السياسية لا تنتهي عند رفح” وقوله ”ان هذه المخاطرة الجريئة –يقصد حرب فلسطين- لم تكن حبا في المغامرة، ولا كانت رد فعل للعاطفة في نفوسنا، انما كانت وعيا ظاهرا لايماننا بان رفح ليست اخر حدود بلادنا، وان نطاق سلامتنا يقضي على ان ندافع عن حدود اخواننا الذين شاءت لنا احكام القدر ان نعيش معهم في منطقة واحدة”                                                          وهذا يلخص جوهر العلاقة بين فلسطين ومصر، التي تضرب جذورها في عمق الزمن، حيث ان هذه العلاقة الفلسطينية المصرية قديمة ليست وليدة الحاضر, لكونها تعود لازمان سحيقة من ايام الفراعنة الذين ادركوا ان الامن القومي المصري يبدأ من بلاد الشام- فلسطين, والتي أثبت التاريخ صدق هذه الحقيقة, فكل الغزوات التي تعرضت لها مصر, عبرت من فلسطين..ففي معركة عين جالوت خرج الجيش المصري لملاقاة التتار في هذه المعركة عين الفاصلة على أرض فلسطين وانتصر فيها نصرا حاسما بقيادة القائد قطز, كما خرج بعد ذلك الجيش المصري وانضم الى الجيوش العربية بقيادة صلاح الدين الأيوبي . حيث التقى هذا الجيش مع جيوش الصليبيين على أرض فلسطين في معركة حطين الخالدة , وكان الانتصار المؤزر لهذا القائد العظيم , ذلك الانتصار الذي مهد لاستعادة بيت المقدس من جيوش الصليبيين. ولذا ادرك محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة , الى ان امن مصر يبدأ من بلاد الشام , ومن هنا كان ارساله حملة مصرية بقيادة ابنه ابراهيم باشا لبلاد الشام.

وتاكيدا لذلك استمرت هذه العلاقة الفلسطينية المصرية الوطيدة والراسخة حتى عصرنا الحديث , فكانت قضية فلسطين قضية مصر الاولى منذ نشأتها , في كل العهود، وخاصة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وحتى الان.. وقد لعبت مصر عبر تاريخها الحديث دورا رئيسيا في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة, وحقه في اقامة دولته الفلسطينية المستقلة, وعندما تولى رئاسة السلطة الفلسطينية الرئيس محمود عباس, ازدادت هذه العلاقة الفلسطينية-المصرية رسوخا وثباتا, لان الرئيس حرص على التنسيق مع الشقيقة مصر , باعتبارها الدولة العربية الكبرى , ولما لها من ثقل سياسي كبير في المنطقة والعالم أجمع . وذلك انطلاقا من ايمانه بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين الاولى -وخاصة مصر- وليست قضية الشعب الفلسطيني وحده.

وعندما حدث الانقسام ضد الشرعية الفلسطينية استضافت مصر العديد من اللقاءات والاجتماعات, من اجل تحقيق المصالحة ووضع حد نهائي لهذا الانقسام بين جناحي الوطن الضفة الغربية وقطاع غزة, ولأهمية المصالحة لدى الجانب المصري , أوكلت هذا الملف للمخابرات المصرية.

ومن هنا نؤكد بان العلاقات الفلسطينية المصرية تعد نموذجا مثاليا للعلاقات بين الشعوب العربية , لما فيه مصلحة الأمة العربية والشعبين الشقيقين فمصر أرض الكنانة، والحضن الدافيء للفلسطينيين.

والعامل الأمن بين مصر وفلسطين، قد أصبح اليوم غير مقتصر على الجانب العسكري التقليدي، بل غدى ينسحب على الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنفسية والديمغرافية والتكنولوجية وغيرها من الجوانب الحياتية الضرورية للانسان والمجتمع والدولة.. والعلاقات الفلسطينية المصرية، بالمفهوم الامني الشامل، تبين ان مصر -باعتبارها الدولة الاهم في العالم العربي والاسلامي- كانت دوما  القلعة الحصينة ضد المؤامرات وهجمات الغزاة.. وهذا ما يؤهلها لان تكون من اهم الدول لنا، حيث جمعت بين عناصر قوة الموقع، فهي بالجغرافية افريقية، وبالتاريخ اسيوية، ومتوسطية بالمركز، وفرعونية جذرا، وعربية اصلا، واسلامية تهجا، وقد ادت دورها بكفاءة وهي فرعونية وعربية واسلامية الخ.                                                                                      واذا اردنا ان نخصص الامر على قطاع غزة على وجه الخصوص فان استقرارها يمثل جزء اساسي من امن مصر القومي، وبالتالي فان انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني وحرمانه من ابسط احتياجاته الانسانية من قبل العدو يعتبر انتهاك للقانون الدولي الانساني على حدود مصر الشرقية مع غزة الصغيرة الامر الذي يمثل تهديدا صريحا للامن القومي المصري.

ان الحلفاء مهمين مهما صغر اقليمهم او قل تاثيرهم او ضعفت مصادرهم، وغزة امنيا في ظل تقدم التكنولوجيا لها دور هام في مجال قطاع المعلومات والاستخبارات حيث تشكل غزة بالنسبة لمصر مثال حي على ذلك، لان بامكانها في ظل تعاون كثيف وعمل مشترك دؤوب ان تفيد بشكل مثمر في مسألة رصد تحركات العدو وسبر اغوار اسراره ومكنوناته الداخلية..كما انها ستكون بمثابة خط الدفاع الاول لمصر من المطامع الاسرائيلية، فشعب فلسطين عامة من اكثر الشعوب المحبة للشعب المصري،  وراسخ في ذهن كل فرد فيه بان مصير مصر وفلسطين واحد وتاريخهم مشترك وعدوهم مشترك .

ولذا بقيت العلاقات المصرية الفلسطينية تدار في إطار الكل المصري ممثلا في الدولة، وفي الإطار الفلسطيني ممثلا في السلطة الوطنية الفلسطينية، وهكذا بقيت وما زالت السياسة المصرية تقوم على أساس أن القضية الفلسطينية بكل تفرعاتها مكون أساسي من مكونات الأمن المصري، وبقيت هذه العلاقة تقوم على ركيزة أساسية تنفرد فيها علاقة مصر بفلسطين وهي إن المكون المصري في السياسة الفلسطينية مكونا أساسيا ، بل إن محددات القرار الفلسطيني لا يمكن أن تتجاهل الدور المصري،

وهذه الخصوصية في العلاقة أدت وفرضت ضرورة البحث عن صيغة للعلاقة قد تخرج عن علاقة دولة بدولة أخرى في الظروف العادية . وتقع في قلب خصوصية هذه العلاقة خصوصية من نوع آخر، هي خصوصية الكل مع الجزء ، أو الجزء مع الكل ، أو خصوصية العلاقة بين الجزء من الكل.. وهنا تبرز خصوصية العلاقة المصرية الفلسطينية، هذه الخصوصية التي لا تنفي منذ البداية أن سيناء ليست غزة -كما يحلو للبعض أن يقزم العلاقة- وليست غزة هي سيناء ، لذلك ومنذ البداية ينبغي أن نستبعد أي شكل من أشكال العلاقة رغم خصوصيتها تصل إلى حد الاندماج أو الابتلاع ، وعليه لا يمكن تصور إن الجزء الصغير وهو غزة يمكن أن يصل إلى درجة إن يكون قادرا على ابتلاع الكل وهو سيناء وذلك بحكم العديد من المحددات في هذه العلاقة تفرضها محددات تاريخية وجغرافية وأمنية وسياسية واقتصادية وسكانية ممتدة، وخصوصا الجزء الملاصق جغرافيا وهو ما يعرف بمناطق رفح المصرية وحتى العريش، وفي هذه المنطقة تقع خصوصية العلاقة التي تفرض صيغ متينة للعلاقة.
فالعلاقة الكلية بين مصر بفلسطين، ودور السلطة الوطنية الفلسطينية ترفض أي شكل من خصوصية العلاقة لغزة على حساب العلاقات الكلية عن جسدها الفلسطيني، لان هذا يتعارض مع أهم محددات السياسة المصرية وهو الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية.
ومن هنا تكمن أهمية البحث عن صيغة للعلاقات لا تتعارض مع العلاقات المصرية الفلسطينية، وهذا يستوجب أن تعمل مصر وهي مؤهلة لهذا الدور أكثر من ذي قبل في اتجاه إنهاء الانقسام السياسي ، والبحث عن صيغة فلسطينية تصالحيه، ويبقى هذا هدفا رئيسا لها..وفي الوقت ذاته للسياسة أولوياتها وضروراتها الملحة، التي تفرضها الوقائع على الأرض، ومحددات خصوصية العلاقة لكلا الجانبين
وعليه ينبغي أن تقوم هذه الصيغة الجديدة في العلاقات على أهداف ومحددات ومرتكزات، وآليات للتنفيذ بما يؤكد على خصوصية هذه العلاقة ، وبما لا يتعارض مع كلية العلاقة، وأقصد بصراحة أن تكون الصيغة الجديدة في العلاقة علي أساس أن سيناء أرض مصرية غير قابلة للتنازل أو حتى جزء صغير منها.. فالأمن القومي المصري لا يتجزأ ، وعلى أن غزة أيضا جزءا لا يتجزأ من فلسطين ، وفي إطار هذا التصور يمكن قيام علاقات أمنية كاملة.

ولذا نرى إعادة النظر في موضوع معبر رفح الذي ينبغي أن يخضع بالكامل للسيادة المصرية من ناحية  والسيادة الفلسطينية من ناحية أخرى مع ضمانات مصرية وفلسطينية، ودولية إن لا يتحول هذا المعبر لأن يكون معبرا يخرج منه ما يعرض الأمن المصري والفلسطيني ، للخطر.

وحتى تكتمل الصورة ينبغي أن يكون للفلسطينيين ، ولغزة تحديدا تصورها ورؤيتها لأمنها ، فغزة وبحكم تركيبتها السكانية ومحدداتها الجغرافية ترتبط امنيا بمصر، وعلى إسرائيل أن تدرك أن احتلالها وحصارها لغزة ينبغي أن يرفع مقابل أن يقدم الفلسطينيون نموذجا سياسيا وأمنيا وحضاريا في غزة يخدم قيام الدولة الفلسطينية ، التي ينبغي أن تكون نواتها الأولى في غزة ، وهذا قد يقتضي الدخول في صيغة جديدة في العلاقة بين فلسطين الدولة، ومصر الدولة.
وهكذا تبدو العلاقة الأمنية تفرض على فلسطين إن تفكر في مستقبل علاقاتها مع مصر من خلال إدراك كامل لمحددات الأمن المصري، ماذا تريد مصر، وبالمقابل تدرك مصر إن خصوصية العلاقة تفرض عليها أدوارا أمنية وسياسية مهمة، في ظل قيام دور مشترك للسلطة الفلسطينية في صياغة علاقة مشتركه، في ظل رؤية كلية للعلاقة المصرية الفلسطينية .

إن من أبرز المعطيات في البعد الأمني .. التعاون الأمني بين الدول والكيانات .. والذي يزداد الأمر فيه إلحاحاً عندما تواجه هذه الدول أو الكيانات مخاطر أمنية واحدة (كمصر وفلسطين) ناهيك عن وحدة المصير والهدف بيتهما، وهذا ما تجسد خلال حقب التاريخ قديما وحديثا. ففي الواقع الحديث شكل الكيان الصهيوني أكبر المخاطر المحدقة بكلاهما، والذي مثل الخطر الأبرز عليهما، مما يستوجب على كلاً من فلسطين ومصر تعاوناً قد يصل إلى حد التوحد الامني بينهما، بكل ما يتحمل ذلك المفهوم من معانٍ تبدأ من التعاون في تبادل المعلومة الأمنية بكل أبعادها ومكوناتها، حتى تنتهي بالقيام بعمل امني مشترك لو تطلب ذلك التدخل المباشر.

كما ظهر مكون أخر لا يقل خطورة عن المكون الأول، يشكل تهديداً أمنياً لمصر وفلسطين وحتى المنطقة برمتها وهو خطر الارهاب الذي تسربل ظلماً وعدواناً بأطهر رسالة وأسمى دين، وهو الدين الاسلامي الذي هو براء من هذه الجماعات التي حرفت بندقيتها ووجهتها إلى صدر أبناء وطنها بدلاً من أن توجهه إلى العدو الصهيوني المتركز في فلسطين، وبالتالي فقدت بوصلتها.. وصدق أحد المفكرين الفلسطينيين عندما قال ” بوصلة لا توجه إلى القدس ضالة” وبندقية لا توجه باتجاه فلسطين هي بندقية خائنة” .

والخطر الثالث الذي يهدد (مصر وفلسطين) والمنطقة العربية برمتها، هو سعي بعض الدول وعلى رأسها أمريكيا الى تفكيك ثلاث دول عربية تشكل قواعد التثبيت للأمة العربية، وهي مصر وسوريا والعراق، والتي أفلح هذا العدو في الانقضاض عليها، باعتبارها الدول الاهم والاقوى في هذه المنطقة، وباعتبارها تمثل الحضارات الثلاث الأبرز في المنطقة وهي الحضارة (الفرعونية – والأشورية – والكنعانية) وذلك من اجل إنهاكها وتفكيكها وانغماسها وتدمير قدراتها -خاصة العسكرية والأمنية- وتحويلها إلى دويلات تقوم على قاعدة الاختلافات العرقية، او الطائفية، او المذهبية إلخ) ليحتدم الصراع بينها، ويقود إلى الاستعانة بعدوها ( ضد بعضها البعض) كما حدث سابقاً قبل قدوم صلاح الدين الأيوبي، وحصل في الممالك العربية في الأندلس.. وكلنا يرى اليوم بأم عينيه ما حدث ويحدث في العراق وسوريا، من كوارث ونكبات جراء ذلك، وأما المحروسة (مصر) فقد وقاها الله سبحانه وتعالى حمى من هذا الخطر الذي كان ينتظرها، والذي لا ننسى الموقف الأمريكي الحاقد أثناء هذه الحملة .

وعلى ضوء هذه المخاطر الثلاث لا بد ان تقف فلسطين مع مصر وتدور معها حيث تدور .. ليس فقط لمواجهة هذه المخاطر الامنية الثلاث.. وإنما لما لمصر من مكانه في ضمير وقلب كل فلسطيني (وطني حقيقي، وقومي صادق، ومسلم مخلص) .

وعلى ضوء هذه المخاطر، نوصي بالتالي:

  • تشكيل لجنة امنية عليا فلسطينية مصرية، تبحث جميع المشاكل السابقة والعالقة واللاحقة التي سببها الواقع، او الجمود، او عدم المسئولية (كموضوع المعبر المصري)
  • بناء تحالف وجودي مع مصر .. يجعل من أي جهة او طرف فلسطيني .. يخترق هذا التحالف، عدو للشعبين المصري والفلسطيني، وبالتالي العمل المشترك على إزاحته او حتى إزالته .
  • الاتفاق بشكل استراتيجي مع مصر على الرؤى المطروحة لحل القضية الفلسطينية على المستوى الاستراتيجي او التكتيكي، وعدم قبول الطرف الفلسطيني بأي اطروحات تهدد الامن القومي المصري، سواء في ربوع مصر عامة، او سيناء خاصة
  • وضع ألية مشتركة للعمل على محاربة الارهاب أي كان مصدره، ومبحثه، ووضع حلول لتخفيف هذه الظاهرة، ثم القضاء عليها نهائياً، باعتبارها ظاهرة غير وطنية، وغير عروبيه، وغير إسلامية حقيقية .
  • العمل المشترك على إحياء دور مصر القيادي والريادي في المنطقة العربية ورفض قيادة هذه المنطقة من قبل بعض الدول القزم التي تآمرت على مصر والعروبة .. وسحب الأدوار منها، وتسليمها إلى مصر لكي تعود مصر العظيمة القائدة كما كانت في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر .
  • تشجيع مصر لأن تكون في حلف جديد في المنطقة بقيادة روسيا والصين ومن أراد أن يرغب في الانضمام لذلك، وتشكل فيه ( مصر وروسيا والصين) دوراً هاماً في السياسة الدولية، مقابل أمريكيا وحلفائها الذين سعوا وما زالوا إلى تركيع العالم العربي ومن أجندات لا تخدم إلى الصهيونية العالمية .
  • الاتفاق مع مصر على عدم خوض حروب بالنيابة عن احد، وعدم الاشتراك في اللعبة الأمريكية لخلق نزاعات في المنطقة بين الدول الشرق أوسطية على أساس ديني، او طائفي، او عرقي .

أضف تعليقاً

قواعد التحليل النفسي لشخصيات القادة والزعماء

قواعد التحليل النفسي لشخصيات القادة والزعماء  

مقدمة:

لقد اهتمت كثير من الدوائر العلمية العالمية، بشكل كبير بدراسة شخصيَّات قادة وزعماء الدول، وذلك فيما يُعرف بـ”البروفيل”، الذي يضْع تصوُّر تشخيصي نفسي، يعطي وصفًا مختصرًا لملامح شخصيَّة ونفسيَّة القائد او الزعيمٍ..ولذا فانَّ “التصور التشخيصي” أو “البروفيل” هو شيء مُريح يصلح للتعرُّف على شخصيَّة هذا القائد او الزعيمٍ، وهو دليل للفعل الشعوري أو اللاشعوري. بهدف وضْع “تصوُّر يعطي وصفًا مختصرًا لملامح شخصيَّة ونفسيَّة القائد او الزعيمٍ، للمساعدة على فَهْم الكيفيَّة التي يُمكن أن يتصرَّف بها هؤلاء في حدث او قضيَّة أو أزْمَةٍ ما.. ويمزج المحللون للشخصية عبر هذا “التصور التشخيصي” لشخصيَّة ما، بين عِلْم النفس وعِلْم السياسة، ويشكِّلون منهما هجينًا يفحص به بعُمق كتابات ومُلاحظات هذه الشخصيَّة.

ويجب أن تضَعَ التحليلات في اعتبارها السياقَ السياسي والثقافي الذي تعمل الشخصيَّة من خلاله.. ويَجب أن يميِّز التصوُّر التشخيصي لشخصيَّة ما بين الحَدْس والحقيقة.. ويجب إدراك أنَّ التصور التشخيصي هو واحد من عدَّة وسائل أخرى لفَهْم شخصيةٍ ما.. ويجب الحذَرُ عند وضْع هذا التصور من أن يُصاغ في صورة عقلانيَّة بَحْته تغفُل التأثيرات اللاعقلانيَّة على سلوكيَّات هذه الشخصيَّة.

وتستخدم هذه المعلومات المتوافرة عن شخصيَّة هذا الرئيس في مساعدة صانعي القرار في الدولة المعنية، على فَهْم الكيفيَّة التي يُمكن أن يتصرَّف بها هؤلاء الزعماء في قضيَّة أو أزْمَةٍ ما.. مما يساعد على كيفية التعامل معهم، سواء في تكتيكات التفاوض، أو المساومة، أو الاستمالة، أو التهديد، او في استراتيجيات اللجوء الى القوة والحرب .

والتحليل النفسي (التصور التشخيصي”البروفيل”) لشخصيات الزعماء والرؤساء، يقوم به عادة،  علماء نفسٍ وأطبَّاء نفسيين، وقد أُسْنِدت هذه المهمة الحساسة إلى وحدات خاصَّة، تتكوَّن من علماء في الامن وعلم النفسٍ، ومن هنا عُنِي الباحثون بتوجيه اهتمام العلماء والأطبَّاء النفسيين إلى أنهم قد يُخطئون في تحليلاتهم إذا أسقطوا من اعتباراتهم السياقَ الإستراتيجي والجغرافي والاقتصادي، الذي يعمل الرئيس من خلاله. واعتبر أنَّ صانعي القرار هم أقلُّ الناس اهتمامًا بالتفاصيل الدقيقة عمَّا تَكْشفه تقارير التصوُّرات التشخيصيَّة النفسيَّة للرؤساء.

وفي تصميم “التصور التشخيصي” لشخصيَّة رئيس ما، لا يلتقي بالضرورة مصمِّمُ هذا “التصور التشخيصي” بالشخصية التي يرسمها، وليس بالضرورة ان يبحث عمق هذه الشخصية، من حيث القلق أو الصراعات المكبوتة التي تَجري بداخلها، إنما يفحص بعُمق كتابات ومُلاحظات هذه الشخصيَّة، ويعتمد على مصادر ثانويَّة تتعلَّق بحياته ومُقابلاته مع أُناس آخرين، ويبحث عنْ مفاتيحَ تَكشف له عن اتِّجاهاته ودوافعه السلوكيَّة.

العوامل التي وفقها يصنف الرؤساء:

-يجب أن تضَعَ التحليلات في اعتبارها السياقَ السياسي والثقافي الذي تعمل الشخصيَّة من خلاله، وقت اجراء التحليل.

-ويَجب أن يميِّز التصوُّر التشخيصي لشخصيَّة ما بين الحَدْس والحقيقة.

-ويجب إدراك أنَّ التصور التشخيصي هو واحد من عدَّة وسائل أخرى لفَهْم شخصيةٍ ما.

-ويجب الحذَرُ عند وضْع هذا التصور من أن يُصاغ في صورة عقلانيَّة بَحْته تغفُل التأثيرات اللاعقلانيَّة على سلوكيَّات هذه الشخصيَّة.

مناهج التحليل النفسي للشخصية:

اولا التحليل النفسي للشخصية باستخدام المنهج التكاملي:

يرى هذا المنهج أنَّ فَهْمَ شخصيَّة الرئيس، تكون على ضوء الدوافع الشخصية له، ووَفْق العوامِل الموضوعيَّة والمصالح القومية للدولة.

وقد اعتمد المنهج التكاملي في تحليلات القادة، من خلال التعرف على الديناميات النفسيَّة للقائد أو الرئيس الذي يعمل في بيئة سياسيَّة، بالاضافة الى دراسة سلوكه وأشكال تفاعُلاته، ورغباته، وحاجاته الشعورية واللاشعوريَّة، إلى جانب تركيزه على دراسة تاريخ الشخص، والأحداث الرئيسة التي عاشَها في طفولته وما وراءها..وأكَّد على أهميَّة الحصول على معلومات كافية حول السنوات التشكيليَّة الأولى للقائد أو الرئيس، مؤمنًا بأهميَّة هذه المعلومات؛ ذلك لأن الهُويَّة السياسية للشخص تتكوَّن عادة في مرحلة المراهقة.

وعمد الى ان يُعيد النظر في أحاديث القائد أو الرئيس، وملاحظاته، وكتاباته وقِيَمه، وحاوَل أن يحدِّد أهمَّ العوامل التي تحدِّد استجاباته، كما كان يرسم خريطة لأفعال القائد عبر الزمن: كيف كان القائد يتصرَّف في الأزمات الماضية؟ هل كان سلبيًّا؟ أو كان متهوِّرًا؟ وما هو ردُّ فِعله في المواقف الضاغطة؟ وما هي دوافعه الأساسية للحفاظ على السلطة؟ وهل يريد القائد أن يضعَ بَصمة لنفسه في سِجِلِّ التاريخ؟ وهل يريد أن يكون محبوبًا أو معبودًا عند الناس؟

ثانيا التحليل النفسي للشخصية باستخدام منهج اللسانيات النفسيَّة:

ويعني التحليل وفق منهج “اللسانيات النفسيَّة” الفحْص الدقيق لِمَا يَصدر من الشخصيَّة من بيانات شفهيَّة ومكتوبة، في محاولة لوضْع خريطة عن العقلية لهذه الشخصيَّة.. ويمثل تحليل اللغة-اللسانيات لخطابات ومقابلات وتصريحات الساسة والزعماء والرؤساء والملوك مبحثاً علمياً مهماً في العلم الاجتماعي المعاصر.. وهناك مناهج متعددة لدراسة هذه الخطابات. منها أسلوب تحليل المضمون الكمي والكيفي، الذي يتعقب المفردات التي يشيع استخدامها في اغلب خطاباته. والمنهج الأحدث في تحليل الخطاب الذي يحاول أن يتلافى سلبيات أسلوب تحليل المضمون، وذلك لأن تحليل المضمون –بحسب تعريفه الكلاسيكي– هو تحليل المحتوى الظاهر للاتصال، في حين أن تحليل المضمون لا يقنع بتحليل المحتوى الظاهر، بل إنه –على العكس– يغوص في التربة العميقة للنص، إن صح التعبير، لكي يكشف عن المضمر، ويبرز المخبيء فيه..ومن هنا جاء الاهتمام بالمسكوت عنه في الخطاب، وما لم يفكر فيه الخطاب.. وفي ضوء هذه الملاحظات المنهجية العامة، يمكن أن نحلل الخطابات للزعيم او الرئيس.

وقد اعتمَدوا في تحليلاتهم على التركيز على الخطابات الحديثة التي يُدلي بها الرؤساء، ولقاءاتهم مع غيرهم، واستخدموا دليلاً كُودِيًّا مشتقًّا من علْم النفس التجريبي للحصول على معلومات أو بيانات عن شخصيَّة المبحوث.

واما علماء التحليل حديثا فلَم يهتمُّوا بالبحث في جذور سلوكيَّات الشخصية المبحوثة، بل تركَّز اهتمامهم على ما يُعْرَف بمنهج “اللسانيات النفسية” الذي يُعنى الفحْص الدقيق لِمَا يَصدر من الشخصيَّة من بيانات شفهيَّة ومكتوبة، في محاولة لوضْع خريطة عن عقل هذه الشخصيَّة.. وقد اعتمَدوا في “اللسانيات النفسية” على التركيز على الخطابات الحديثة التي يُدلي بها الرؤساء، ولقاءاتهم مع غيرهم، للحصول على معلومات أو إعداد بيانات عن الشخصيَّة موضع الدراسة.

طرق التحليل النفسي للشخصية (التصور التشخيصي”البروفيل”):

1- التحليل النفسي للشخصية وفق التاريخ الشخصي:

وينصب هذا التحليل على ثلاث امور:

-حياة والدية:

-السيرة الطفولية (النشأ والتكوين):

-البيئة المحيطة به:

2- التحليل النفسي للشخصية وفق سماته وصفاته:

وتسمى بنظرية “الرجل العظيم” التي تعتبر “أنَّ الشخصية القوية للرئيس هي المحرِّك لسياسته” وبالتالي تركز على صفاته الذاتية، وسيرته –خاصة في الصغر- وبيئته التكوينية..ولقد رتَّب العالم “وينتر” القادة وَفْق تصورات من ثلاث سمات عوامل، هي: (الإنجاز، والقوَّة، والانتماء) والتي يمكن عن طريقها القيام بوضْع تنبُّؤات مشروطة حول الأفعال المستقبليَّة لشخصيَّة الرئيس.

-التركيز على دراسة تاريخه الشخصي، والأحداث الرئيسة التي عاشَها في طفولته وما وراءها.. والحصول على معلومات كافية حول السنوات التشكيليَّة الأولى للرئيس.. لأن الهُويَّة السياسية للشخص تتكوَّن عادة في مرحلة المراهقة.

ووضع لفهم الشخصية بُعدٌ “السيرة الذاتية” الذي عْرَف بـ”البيوجرافيا النفسيَّة”، والذي تعني: فَهْم ما يَجري في عقل شخصٍ ما من خلال دوافعه اللاشعوريَّة، ورغباته، وصراعاته الداخليَّة.

-دراسة سلوكه وأشكال تفاعُلاته، ورغباته، وحاجاته الشعورية واللاشعوريَّة، “لإنَّ القادة السياسيين يُسقطون حاجاتهم الشخصيَّة على الحياة العامَّة، ويُعطون عقلانيَّة لأفعالهم على أساس ما يُعْرف بالخير العام..أي إن القادة يَعكسون صراعاتهم اللاشعوريَّة ورغباتهم الداخليَّة على الواقع الخارجي وحتى في الشؤون الدولية”

-وتحدِّيد أهمَّ العوامل التي تشكل استجاباته، وتحديد اتجاهاته، ورسم خريطة لأفعاله الماضية:  كيف كان يتصرَّف في الأزمات؟ هل كان سلبيًّا؟ أو متهوِّرًا؟ وما هو ردُّ فِعله في المواقف الضاغطة؟ وما هي دوافعه الأساسية للحفاظ على السلطة؟ وهل يرغب في أن يضعَ لنفسه بَصمة بارزة في سِجِلِّ التاريخ؟ وهل يريد أن يكون محبوبًا، أو معبودًا عند الناس؟

3-التحليل النفسي للشخصية وفق السلوك الظاهري (اسلوب اللسانيات النفسية):

عندما تود أن نحلل أي شخصية، نتناول السلوك الذي يعبر عنها، خلال الخطابات والمقابلات والتصريحات –خاصة ان كان شخصية سياسية او اجتماعية او دينية- بتحليل الشكل، والمحتوى ولغة الجسد، وطريقة التواصل والأداء، لكى نفهم الرسالة، التي تصلنا بشكل أكثر عمقا وشمولية. وسوف نستعرض هنا تلك النواحي الثلاث لعملية التحليل، وهي..الشكل، والمحتوى، ولغة الجسد.

– الشكل: وينصب على:

-التوقيت بدقة شديدة.

-مدى مناسبة الكلمة او الخطاب او التصريح او المقابلة..الخ .

-الكلمات تكون محددة ومنظمة وموجهة نحو الهدف دون حشو أو ثرثرة

-لا توجد لزمات كلامية أو لعثمة أو تردد أو زلات.

– المحتوى: ومن الامور الجيدة في ها الجانب:

-ان يعكس محتوى الحديث عقلا هادئا ومنظما وواقعيا وموضوعيا.

-ان يكون متواضع فى كبرياء واعتزاز شديد بالذات، وهذا يلطف من ظهور الأنا

-لا يصدم المتلقى بحضور شخصى مقلق.

-الكاريزما الواضحة والحضور المؤثر.

-ان يعرف حدوده جيدا، ولا يتجاوزها، ولا يدع طموحاته تنطلق بلا حدود، بل يلجمها.

-يتحرك بحسابات وحذر، ويؤمن كل خطوة حتى لا ينزلق.

-يجيد التوقيت لكلماته، كما يجيد التوقيت لقراراته.

-ان يكون لدية سمة التدين والوطنية.

-مسحة الحزن على الوجه، ونبرات الألم فى الصوت، لما يصيب الغير.

-البعد العائلي يكون واضح وعميق لديه.

-إدراك عميق لطبيعة الأفق الفكرى والعقائدي والسلوكي .

-لا يصل خلافة إلى درجة العداوة أو الاحتقار أو التشفي أو المرارة أو الانتقام.

-ليس لدية مشكلة مع الدين أو التدين.

-لا يعمم في الحكم على الغير، او يضع مخالفية تحت لافتة الشياطين والإرهابيين.

-في حديثه ومفرداته اللغوية خلفية ثقافية واضحة

-يكون قارئا ومثقفا، وله رؤية وفلسفة خاصة.

-طموحاته هائلة تجاه التأثير فى الأحداث.

-القيام بدور الزعيم الحامى للوطن، والموجه والصانع للأحداث.

-لدية التزام عالي بحدود دوره الوظيفى.

– لغة الجسد:

لا يمكن فصل لغة الجسد عن اللغة اللفظية فهى إما تؤكدها، أو تعارضها، أو تظهر تناقضاتها.

ومن محسنات لغة الجسد لدى الرئيس:

-أول ملمح في لغة الجسد هي حالة الانضباط والالتزام الصارم، التي تتبدى بالنسبة للرئيس في وقفته أو جلسته المستقيمة المشدودة، ولباسه المهندم بعناية.

-لديه مهارات تواصل جماهيري عالية، تتبدى في نظرات عينيه لمشاهديه (التواصل البصرى).

-اهتمامه بالتوجه نحو مستمعيه يمنة ويسرة، واستشعار انطباعاتهم، وردود أفعالهم في غير مبالغة، أو ابتذال أو استعطاف زائد.

-يتميز صوته بالهدوء والنعومة فهو يستخدم طبقات صوت منخفضة وعميقة وهادئة، ويضغط على كلماته ليؤكدها ويعمقها فى وعى المستمع، وربما يعيدها زيادة فى التأكيد،

-يبتعد تماما عن النبرات الحادة، وعن اللغة الوعظية الخطابية.

-الصوت مفعم بقدر كبير من المشاعر والحميمية.

-في صوته نبرة حزن واضحة تستثير التعاطف.

-تظهر حركة الإصبع السلطوية وحركة الكف المشدود (السيف)، لتكشف الجانب السلطوي.    -الكلمات والنبرات الهادئة تلطف الكلمات وتداريها.

-تكون أغلب حركات اليدين متوازية ومتوازنة.

-حركات الجسم معقولة، وتعكس انضباطا وسيطرة على الانفعالات.

– يصمت كثيرا وتبدو زاويتا الفم متجهتين لأسفل، مما يعكس مسحة حزن وألم قد عايشه.

-ملامح الوجه أصيلة ومألوفة.

-التعبير اللفظي وغير اللفظي تنتمى إلى الطبقة الوسطى للشعب.

-لدية بساطه غير مبتذلة أو شعبوية أو عشوائية، ورقيه غير متعال أو أرستقراطي.

-لدية مظاهر رجولة واضحة وشهامة ومروءة مؤكدة.

أضف تعليقاً

الشهيد/ محمود عرفات الخواجا…

الشهيد/ محمود عرفات الخواجا…

إعداد الدكتور/ خضر عباس

ولد محمود عرفات الخواجا ونشأ وترعرع في مخيم البطولة والاستشهاد مخيم الشاطئ.. بتاريخ 27/12/1970م، وسط أسرة متوسطة الحال، هاجرت من قرية حمامة بفلسطين المحتلة عام 1948م لتستقر في مخيم اللاجئين بالشاطئ، لتعيش المعاناة حال كل الأسر الفلسطينية المهاجرة.

وتلقى تعلميه في مدارس وكالة غوث اللاجئين، وتعليمه الثانوي في مدرسة فلسطين الثانوية، وأكمل تعلميه الجامعي في الجامعة الإسلامية بغزة وحصل على البكالوريوس ودبلوم تربية عام.

وتكونت لدية منذ الصغر بواكير الإباء والتحدي للاحتلال الصهيوني، بعد استشهاد عمه على يد قوات الاحتلال الصهيوني، مما سرع في مشواره الجهادي، مما جعله ينخرط في العمل الثوري مع بداية ظهور الأفكار الجهادية والثورية في قطاع غزة، على يد المفكر الإسلامي الشهيد الدكتور/ فتحي الشقاقي، حيث كان الشهيد من أوائل الذين آمنوا بتلك الأفكار، وتشبعوا بذلك الطرح الجهادي، وأصبح بالتالي مسئولاً في كتلة المستقلين الطلابية في الجامعة الإسلامية بغزة، وترأس الجماعة الإسلامية في تلك الجامعة، التابعة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وقاد المظاهرات التي كانت تنطلق منها، مما أدى إلى اعتقاله لمدة شهر بتهمة حرق العلم الإسرائيلي والأمريكي في الجامعة الإسلامية.. وقد كان الشهيد عضوًا بارزًا في حركة الجهاد الإسلامي في مخيم الشاطئ، وكان جل نشاطه المتميز الدعوة في مساجد المخيم لفكرة الجهاد، لذا كان من أوائل المعتقلين في ضربة الطليعة، عام 1983م، حيث حكم عليه بالسجن لمدة خمسة شهور.

كما اعتقل الشهيد للمرة الثالثة على يد الاحتلال الصهيوني في العام 1985م، وحكم بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة حيازة أسلحة، وقد اعتقل معه والده على نفس القضية، وحكم مدة ستة أشهر.

واعتقل الشهيد للمرة الرابعة في عام 1993م، إثر العمليات الفدائية الاستشهادية التي كان ينفذها المجاهدون المسلمون التي تشهدها الساحة الفلسطينية، وحول إلى الحكم الإداري لمدة ستة أشهر.

وأما على مستوى علاقاته الاجتماعية، فقد كان ابن مخيمه، وامتازا بعلاقات واسعة مع الكثيرين من أبناء شعبه على اختلاف توجهاتهم السياسية، وقليلون هم الذين لا يعرفون الشهيد في حياته، حيث عرفه رواد المساجد، وعرفه أبناء المخيم آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكان حريصا أن يسود مخيمه دومًا الوئام والوفاق بين الفصائل العاملة على الساحة، لذا شارك لعدة مرات في لجان الإصلاح وتسوية النزاعات بين الفصائل في المخيم، خاصة في ظل الانتفاضة الاولى.

كما عرف بحبه للمستضعفين وخدمة للمساكين، وكان متواضعًا ومتفانيًا في عمله في وكالة

الغوث، وقاد تمردا ضد الظلم والإجحاف في الوكالة عندما قامت بفصل 25 عاملاً من عمالها،

وتصدر الدفاع عن حقهم في العمل، وواصل جهوده، إلى أن عادوا جميعًا للعمل، بفضل الله.

كما عرف عن الشهيد حبه لرياضة كمال الأجسام ورفع الأثقال، ولشدة تعلقه بها حرص على اقتناء أدواتها، بل وصل به الحال إلى أن يفتتح صالة رياضية لتدريب الناشئة من أبناء شعبنه.

لقد كان الشهيد محمود مولعا بالعمل العسكري، إلى أن جاءت اللحظة التي انخرط فيها ليؤسس هو ورفاقه بقيادة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، جهازا عسكريا سمى (القوى الإسلامية المجاهدة -قسم).. حيث نفذ في عهده وبمشاركته وتخطيطه أضخم العمليات العسكرية في تاريخ فلسطين، حيث خلال فترة وجيزة سجل هذا الجهاز العسكري بقيادة الشهيد إنجازات هامة عبر عملياته العسكرية النوعية، خاصة تلك العمليات الاستشهادية المزدوجة الأولى من نوعها في تاريخ النضال والجهاد الفلسطيني، التي لا يمكن لنا حصرها هنا، والتي كان من أشهرها:

عملية أسدود البطولية..التي نفذها الشهيد على العماوي من مخيم الشاطئ على محطة تجمع للجنود الصهاينة في أسدود بتاريخ 7/4/1990م سلاح رشاش فقتل اثنين من الضباط أحدهما مسؤول أمن المستوطنات في قطاع غزة وجرح ما لا يقل عن عشرة آخرين، وقد أشرف الشهيد القائد محمود الخواجا مباشرة على تدريب الشهيد على العماوي على إطلاق النار وفن المواجهة فأحسن التدريب، ولشدة حب الشهيد له، فقد سمى طفله (على) تيمنًا بالشهيد على العماوي.

وكذلك عملية نتساريم الاستشهادية..التي نفذها الشهيد المجاهد هشام حمد من حي الشيخ رضوان على تجمع عسكري للعدو قرب مفترق البوليس الحربي في وسط قطاع غزة، قرب مغتصبة نتساريم بواسطة دراجة هوائية مملوءة بالمتفجرات والعبوات الناسفة، وأدت العملية الاستشهادية إلى مقتل خمسة جنود صهاينة وإصابة 12 آخرين ما بين جراح خطيرة ومتوسطة، وقد جاءت هذه العملية ردًا على اغتيال الشهيد المجاهد هاني عابد الذي اغتيل على يد الموساد الصهيوني.

وكذلك عملية (بيت ليد) الاستشهادية المزدوجة بتاريخ 22/1/1995م، التي كانت بتوجيه مباشر من الشهيد محمود، إلى الشهيد أنور سكرن وصلاح شاكر، اللذان فجرا أجسادهما الطاهرة وسط أكبر تجمع للجنود الصهاينة..فقتلوا اثنين وعشرين جنديا صهيونيًا.. وأصابوا أكثر من سبعين بإصابات بالغة، وكانت هذه العملية الكابوس الذي قض مضاجع قادة الكيان الصهيوني وجنودهم،

وكذلك عملية كفار داروم..التي اقتحم بها الشهيد (خالد الخطيب) بتاريخ 9/4/1995م بسيارته المفخخة سيارة باص تقل جنودًا صهاينة، وأسفرت عن مقتل 8 جنود وإصابة 40 جندي آخر.

وهناك العمليات الفدائية والاستشهادية الأخرى، التي برهنت على نجاح قيادة الشهيد محمود، لجهاز (قسم)، وعلى تميزه بالحزم والشدة، وهيبة في صدور من عرفوه من التنظيم العسكري وكذلك التدقيق في كل صغيرة وكبيرة حتى أتم مهامه على أكمل وجه.

وقد قامت المخابرات الصهيونية بالبحث عن الرأس المدبر لهذا الجهاز الذي مرغ انفهم في التراب، وهذا ما دعى المخابرات إلى تكثيف المراقبة عليه لاكتشاف الدور الذي يقوم به، وعهدوا إلى تكليف بعض أقاربه -وكان أحد عملائهم-  لمراقبته بمتابعة ورصد تحركاته. وقد تم كشف هذا العميل عبر بعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية بغزة، التي قامت بمتابعة خيوط قضية اغتياله، حيث تمكنت من اعتقال هذا العميل الخطير الذي كان له الضلع والدور الأساس في اغتيال الشهيد -لقد جاء اعتقال هذا العميل مفاجئًا لسكان مخيم الشاطئ، لكونه جار وقريب الشهيد وليس له سجل تاريخي سيء أمام الناس..(ولكن حسب اعترافه) سقط في وحل العمالة عام 1982م على يد ضابط المنطقة (أبو طومر) وظل يمارس دوره الخياني حتى تم اعتقاله..   وهو يبلغ من العمر حوالي 52 عامًا ميسور الحال ماديًا، ويلقى قبولاً واحترامًا مجتمعيًا نظرًا لأساليب التخفية التي يتبعها، فقد كان محافظًا على الصلوات في المسجد، ولا يبخل بمساعدة أي محتاج، وهو إنسان اجتماعي لبق يتزاور مع الناس ويتودد إليهم- ففي البداية أمرته المخابرات الصهيونية برصد تحركات المناضلين في منطقته بمعسكر الشاطئ، وكان يجمع المعلومات عن الجميع وبلا استثناء، وبعد بروز القوى الإسلامية المجاهدة (قسم) الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين على الساحة، طلبت المخابرات الصهيونية من العمل مراقبة الشهيد ومتابعة تحركاته ورصد من يزوره ويتردد عليه.. وتم تزويده بجهاز (سلكوم) ليوصل من خلاله المعلومات الأمنية والاستخبارية إلى الضابط المسئول عنه مباشرة أولاً بأول..وبحكم القرابة بين العميل والشهيد إضافة إلى الجوار فقد كان يتردد على بيت الشهيد بكثرة وفي أوقات متقاربة..

وكان العميل يراقب محمود والمترددين عليه ويقوم بنقل أوصافهم للمخابرات الصهيونية، وبعد فترة من المراقبة طلب الضابط الصهيوني منه أن يتفرغ لمتابعة محمود تمامًا وأن يدقق في متابعة تحركاته وساعات خروجه ودخوله بالضبط..وقبل حادث الاغتيال بعشرة أيام خضع العميل لدورة مكثفة في الرسم الهندسي (الكروكي) وطلب منه ضابط المخابرات أن يرسم الشوارع التي تحيط بمحمود ومنطقة عمله بالتفصيل.. كما طلب منه أن يلازم مراقبة محمود بصورة أكثف وأدق..وفي يوم اغتيال الشهيد، توجه محمود كالعادة إلى عمله بعد صلاة الفجر، فاستيقظ من نومه مبتهجًا وأخبر زوجته برؤيا رآها في المنام بأن ثلاثة أشخاص أطلقوا عليه النار فاستشهد، وودع زوجته وخرج..وكان خط سير الشهيد محددًا ومعروفًا، يخرج من بيته إلى مكان عمله في ساعة لا تتغير وخط سير لا يتغير.. وكان العميل له بالمرصاد يرصد ويتابع الشهيد بدقه.. ويوصل المعلومات أولاً بأول عبر جهاز (سلكوم) لضابط المخابرات المرتبط به، حتى ابلغه ضابط المخابرات بالتوقف، عندها سمع العميل –كما قال في اعترافه التي أدلى بها- أصوات تعالت في المخيم بأن محمود قد اغتيل..وأنكر العميل في التحقيق معرفته بفرقة الاغتيال أو مشاركته لها، أو حتى سماعه لصوت الرصاص الذي أطلق على محمود، عندما تم اغتياله.

وحسب شهود عيان فان الاغتيال قد تم بين الساعة السادسة والنصف والسابعة صباحًا من يوم 22-6-1995م، حيث كانت الشوارع خالية إلا من عدد قليل جدًا من المارة أغلبهم من الطلبة.

وقد ارتقى الشهيد القائد (محمود) إلى علياء السماء مع النبيين والصديقين بإذن الله تعالى، وهو من مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وقائد جناحها العسكري (قسم)، الذي كرس جل حياته للعمل له.. بعد أن لبى نداء ربه بأداء الواجب، فكان نبراسًا يضيء وشعلة لا تنطفئ، تقتبس منه الأجيال لتواصل السير على درب الجهاد والاستشهاد.

لقد رحل الشهيد القائد وحيدًا، لكنه أنشأ من بعدة جيلاً كاملاً ومدرسة عسكرية فريدة رغم قلة الإمكانيات والعدة، وقدم الأجمل والأروع في أعماله الجهادية، حيث قدم كل الممكن رغم المستحيل وحقق للمقاومة وللحركة تاريخًا عسكريًا يفخر به جميعً أبناء فلسطين، والمقاومة.

 

أضف تعليقاً

الشهيد القائد.. هاني عابد

الشهيد القائد.. هاني عابد

إعداد الدكتور/ خضر عباس

 

ولد الشهيد القائد هاني محمود عابد (أبو معاذ)، وترعرع في أحضان مخيم الثورة..مخيم جباليا. في شمال قطاع غزة، من العام ١٩٦٢م، هاجرت أسرته عام ١٩٤٨م، من قرية سمسم الواقعة في فلسطين المحتلة.. وأسرة الشهيد هاني أسرة فلسطينية بسيطة، تلتزم بتعاليم الدين، وتعشق تراب فلسطين.. وتتكون هذه الأسرة من عشرة –غير الأبوين- من الأفراد، أربعه من الأولاد الذكور – أكبرهم هاني- وستة من الإناث.

عرف عن الشهيد انتماؤه العميق للدين، حيث يعلن دوماً حبه للإسلام.. وكان يصلي في المساجد

مبكراً منذ نعومة أظفاره..كما انه في نفس الوقت كان تلميذا متفوقاً في دراسته في كل المراحل.

وعرف عنه عشقه الشديد لفلسطين، وكرهه الأشد لبني صهيون، كيف لا وقد نشأ في بيت ثوري

منذ صغره، شاهد بأم عينه جنود الاحتلال وهم يقتحمون -وهو مازال في الخامسة من عمره- بيته ويعتقلون والده في عام 1971م، ليسجن سبعة أشهر..وهذه الصور لم تغب يوماً عن مخيلته حيث كان يتذكر دوماً تلك الساعات الباكرة التي يخرج فيها بصحبة والدته لزيارة والده، داخل السجن الإسرائيلي لتزيده الأيام وعياً إلى وعي..وقد كان يعود من الزيارة بادي عليه علامات الثائر.. وكان يحمل الحجارة بنفسه لكي يضرب بها جنود الاحتلال، الذين يعيثون في الارض إفسادا وفسادا..

ثم انتقلت عائلة الشهيد إلى السكن في مدينة غزة، بالقرب من مسجد اليرموك بمنطقة الغفري، وتلقى تعليمه الأساسي في مدارس الوكالة بالقطاع، ومدرسة فلسطين الثانوية بالقطاع، ثم التحق بكلية العلوم في الجامعة الإسلامية بغزة في عام 1980م، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته.. وتعرف في الجامعة على نمط مغاير من الثوار، من بين الطلاب تميزت عن باقي التجمعات، فاقترب منها وسمع كلاماً لم يسمعه من قبل.. وعرف أن فلسطين والإسلام توأمان لا ينفصلان وأنه تتشكل مرحلة جديدة سوف يحمل فيها أبناء الإسلام راية الدفاع عن فلسطين..وكانت هذه بداية تعرفه على حركة الجهاد الإسلامي..ثم التقي بعدها بالمعلم الفارس فتحي الشقاقي رحمه الله، لينضم معه إلى المسيرة المظفرة التي بدأت من بعض أفراد في الجامعات المصرية..والتي وامتدت الى ربوع فلسطين، لتزهر ثورة لا تنتهي.                                            وقد تخرج في عام ١٩٨٥م, وحصل على بكالوريوس في العلوم (تخصص كيمياء).. ثم أكمل دراسته العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، وحصل منها على درجة الماجستير في الكيمياء في عام ١٩٨٨م.

تزوج الشهيد في العام 1988م، ورزق بولدين وثلاث بنات كان أكبرهم يبلغ من العمر وقت استشهاده خمس سنوات وأصغرهم عام ونصف، وهم: (ولاء، ومعاذ، ومحمود، وأفنان)..ثم رزق بعد استشهاده بأربعة شهور بمولود سمي (قسم).

كانت محطة الشهيد الأولى في الاعتقال عام 1991م، على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي بتهمة إيواء أحد أقربائه، وحكم عليه ستة أشهر إداري، ورحل إلى معتقل النقب الصحراوي. خرج الشهيد من القيد ليواصل رحلة عطائه الدائم لهذه الأرض الطيبة..وتولى مسؤولية الجماعة الإسلامية -الإطار النقابي الطلابي للجهاد الإسلامي- في الجامعة الإسلامية، حيث كان الشهيد مؤمناً بأهمية دور الطلاب في الصراع الدائر على أرض فلسطين..كما كان مهتما بالإعلام، حيث شارك في تأسيس صحيفة الاستقلال، التي تصدر في قطاع –التابعة للجهاد الإسلامي في فلسطين- وتولى بنفسه إدارتها العامة.. كما قد عمل محاضرا في كلية العلوم والتكنولوجيا في خانيونس منذ العام ١٩٩٣م حتى استشهاده.

وقد كان الشهيد (أبو معاذ) مؤسسا وعضوا قياديا بارزا في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأحد المسئولين الهامين فيها، حيث تنقل –قبل استشهاده- في عدة مواقع ومناصب سياسية قيادية

كان أخرها مسئول الملف السياسي والإعلامي في كل قطاع غزة، وكان مقربا جدا من قيادة التنظيم السياسية والأمنية والعسكرية، والتي توطدت من خلال انعقاد الجلسات الخاصة للتنظيم في بيته.. وبسبب نشاطه المتزايد قامت المخابرات الإسرائيلية، وقوات الاحتلال الصهيوني،  بمداهمة منزله لاعتقاله، ولكنه لم يتواجد فيه، وقامت بتفتيش المنزل وتصويره كاملا، ومنذ ذلك التاريخ أصبح مطلوبا لقوات الاحتلال التي لم تتمكن من اعتقاله .

وبعد توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقيام كيان السلطة الوطنية الفلسطينية على ارض قطاع غزة عام1994م..قامت هذه السلطة باعتقاله بتاريخ 24-5-1994

وذلك في أعقاب قيام أعضاء الجناح العسكري للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمالي قطاع غزة قتل خلالها ثلاثة من الجنود الصهاينة قام الكيان الصهيوني باتهام الشهيد بالمسؤولية عن العملية والتخطيط لها، وليتعرض بعدها لمحنة القيد على أيدي السلطة الفلسطينية وليكون أول معتقل سياسي لهذه السلطة.. ولكن هذا الامر أدى إلى اندلاع احتجاجات عنيفة في القطاع، والى ردود فعل غاضبة، اضطرت السلطة إلى الإفراج عنه بتاريخ 10-6-1994م.

وفي الثاني من تشرين الثاني عام 1994م، توجه (أبو معاذ) إلى كلية العلوم والتكنولوجيا، التي كان يعمل محاضراً فيها، في مادة الكيمياء، ووضع سيارته أمام بوابة الجامعة، مما اتاح للفريق الاغتيال الوقت الكافي لوضع عبوة ناسفه في سيارته، انفجرت بمجرد أن أدار محركها..ليصاب بإصابات خطيرة، وينقل إلى مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، ليرتقي إلى العلا في مقعد صدق عند مليك مقتدر..وليتحول الجو فجأة في قطاع غزة إلى عواصف ورياح ورعود وامطار، وكأن السماء تعلن غضبها من هذه الجريمة البشعة..كما تحولت مدن وقرى القطاع الى هبة جماهيرية عارمة في وجه قوات الاحتلال.. وقد خرجت غزة بأكملها تودع الشهيد في حزن كبير، وتمتد المسيرة من بيته في غزة حتى مقبرة الشهداء في جباليا سيراً على الأقدام، رغم شدة الأمطار التي هطلت في ذلك اليوم.

أما إخوة الشهيد في حركة الجهاد الإسلامي فلم يتأخر ردهم كثيراً.. ففي حفل التأبين الذي أقيم للشهيد بعد أيام قليلة، يوم الاثنين١٩٩٤/١١/١٠ انطلق أحد ابناء الجهاز العسكري (قسم) وهو الاستشهادي (هشام حمد) في عملية استشهادية ليفجر نفسه، بدراجته الهوائية على مفترق الشهداء قرب مستوطنة نتساريم، في مجموعه من الجنود الصهاينة، فيقتل منهم أربعة ضباط  ويصيب اخرين، انتقاماً للقائد (ابو معاذ) ولتعلن الحركة أن هذه العملية هي حلقة من حلقات الرد بالانتقام للشهيد، وبعدها بأشهر قليلة يفجر أيضاً الشهيد (خالد الخطيب) سيارته في حافلة عسكرية ويقتل عشرة جنود ويصيب العشرات.

إن دم هاني عابد كان يبشر بالحقيقة التي يكتشفها الفلسطينيون اليوم فقد كان خيار المقاومة والجهاد نهجه الدائم عمل عليه في جميع أوقاته ومواقفه التنظيمية، ولم تحرفه كل المغريات، فبقى قابضا على الحجر متمسكا بخياره وعقيدته مطاردا في شهور حياته الأخيرة من قبل استخبارات الكيان الصهيوني الذي كان يؤرقه في حينه هجوم الجهاد الإسلامي المكثف ممثلا في ذراعه العسكري قسم ” القوى الإسلامية المجاهدة “في جميع أنحاء فلسطين.                                                                             اعتقد الكيان الصهيوني باغتياله لهاني عابد أن طريق المقاومة والجهاد ستتوقف وسيضرب قدرة حركة الجهاد الإسلامي في مواصلة عملياتها دون أن يدرك أن الأيديولوجية التي انطلقت بها جذوة الجهاد في بداية الثمانينات قادرة على إنجاب القادة والكوادر والاستشهاديين والاندفاع نحو خيار المقاومة والجهاد بصلابة وإرادة أقوى وإيمان مضاعف.

ان الشهيد هاني عابد نموذج في العمل والتواصل والالتزام كان نموذجا يحتذى في أوساط حركة الجهاد الإسلامي وجميع من عرف هاني عابد، ولهذا كان التقدير والاحترام الذي حظي به كبيرا انعكس في الحب الذي يكنه إليه الجميع ممن عرفوه.

أضف تعليقاً

الشهيد المجاهد مصباح عبد الله الصوري

الشهيد المجاهد مصباح عبد الله الصوري

اعداد الدكتور خضر عباس

 

ولد الشهيد مصباح الصوري في العام 1934م بمخيم جباليا للاجئين، وعاش طفولة مؤلمة حيث المعاناة والتشرد وسوء المسكن وانعدام متطلبات الحياة، لأسرة فلسطينية مؤمنة بالله، تعود جذورها إلى بلدة “أسدود” التي هجّر أهلها منها عنوة في عام 1948م.

وقد عاش مصباح كما كل فلسطيني على وقع المجازر الصهيونية والنكبات، ليرى بأم عينيه جنود الاحتلال الصهيوني الذين اغتصبوا أرضه وطردوا أهله، وهم يرتكبون المزيد من جرائم القتل والتهجير بقصفهم الهمجي لمعسكر جباليا في حزيران 1967م، والاستيلاء على ما تبقى من فلسطين بالإضافة إلى سيناء والجولان، لتتبلور في ذهنه فكرة العمل الفدائي المقاوم للاحتلال والرغبة في الثأر والانتقام من العدو الصهيوني المتغطرس

التحق بالمقاومة و بقوات التحرير الشعبية، حيث شارك وقتها في تنفيذ العديد من العمليات البطولية، أصيب  في إحداها برصاصة في أعصاب يديه اليسرى سببت له شللا جزئيا، وقد اعتقل في تلك العملية وحكم عليه بالسجن ثلاثين عاماً، لينتهي فصل من حياة ذلك الإنسان المكافح ويبدأ فصل آخر بين جدران السجن الرهيب

هو رجل من زمن الصحابة حيث تمكن مصباح أثناء فترة اعتقاله من إتمام حفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً كأحسن ما يكون الحفظ، فتراه  يتلو سورة البقرة كما يتلو أحدنا الفاتحة بلا سهو أو خطأ أو توقف وفي وقت سريع بدرجة كبيرة نسبياً، كما كان رحمه الله يعلم الواجب المترتب على حفظ كتاب الله، وحفظ أكثر من ألف حديث، والمعلم الأبرز في النظرية الاستشهادية-

الذي أصر على عدم الخروج من فلسطين والبقاء داخل غزة، حيث عمد منذ اللحظة الأولي لتحريره من داخل السجن بمباشرة عمله

لقد كان يحمل صفات الصحابة الأطهار، لقد كان مثالاً للرجل المؤمن المجاهد الخلوق المتسامح الفذ الواعي القارئ المثقف الملتزم الطائع البار بوالديه .

الشهيد مصباح هو قنديل هذا الزمان ومصباحه الذي ينير لنا الطريق بسيرته في حلكة الزمان المظلم وفي ذكراه لا بد أن نقف على سيرته ونتأملها لعلنا نقتبس منها ما يعيننا على الصبر، فهو بشهادة كل من عصروه، نموذج فريد للشاب المسلم الذي يحتذى

فكان سلوكه سلوك المسلم التقي المجاهد، فتراه مراجعاً لكتاب الله، سواء بالصلاة أو بالقراءة من المصحف الشريف، كما كان حريصاً على عدم إضاعة الوقت وهدره فكان يستغله أطيب استغلال وأحسنه، حيث كان  يطالع الصحف العبرية والانجليزية أثناء تناوله لوجبة الطعام أو الشراب حتى لا يضيع وقتا في الطعام والشراب لإيمانه القوي بأهمية الوقت وحتى وهو داخل زنازين الاحتلال.   تميز شهيدنا مصباح برفعة أخلاقه النبيلة وسيرته العطرة وصفاء قلبه وحسن معاملته وطاعته لوالديه، فكان رحمه الله مؤدباً ملتزماً، فزاده حفظ كتاب الله التزاماً وتأديباً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال : إن الله بهذا القرآن يرفع أقواماً ويضع به آخرين” كما روى الإمام مسلم

ويصفه أبو الوليد أحد من عاصروه قائلا ً: ” لقد عاش الشهيد مصباح في عصرنا حياة الصحابة الأطهار.. كان رحمه الله مثالاً للرجل المؤمن المجاهد الخلوق المتسامح الشجاع الفذ الواعي صاحب الكرامات التي لا تعد ولا تحصى”. وتابع أبو الوليد: لقد تمنى كل من عاصروه ورفاقه من الشباب المؤمن المجاهد أن يلقوا الله معه شهداء على طريق ذات الشوكة”.   سجون مأساوية اعتقل الشهيد مصباح في الفترة الذي كانت فيه السجون والزنازين أسوأ ما تكون من الازدحام، حيث يتكدس فيها الأسرى الأبطال بلا غطاء ولا ملابس، إلا مما يستر البدن، ويحصلون على قليل من الطعام الذي تعافه النفس الإنسانية، إضافة إلى سوء تهوية السجون وعدم نظافتها، ناهيك عما يتلقاه الأسرى من إهانات يومية من المحققين والسجانين، غير أن ذلك لم يؤثر على روح مصباح العالية ولا على إيمانه وإصراره على مواصلة الطريق

وقد أقدم العدو الصهيوني على ارتكاب جريمة يندى لها جبين الإنسانية بحق الشهيد مصباح عندما قاموا بإجهاض زوجته وقتل جنينها أثناء تواجده داخل زنازين الاحتلال ظناً واعتقاداً منهم أن ذلك سينهي ذكر شهيدنا مصباح، لكن نور مصباح أبى إلا أن يبقى فكثرت المصابيح التي شاركت في الانتقام والتي تدفقت لنيل الشهادة ولا زالت تتدفق وتتحدى الأعداء

الانضمام لحركة الجهاد الإسلامي في تلك الفترة العصيبة من نضال الأسرى الأبطال شارك شهيدنا مصباح في إضراب الأسرى الذي استمر لمدة أسبوع، حتى أقدمت إدارة سجن “يونا”  على قمع الأسرى ونقلهم إلى سجن بئر السبع، حيث اطلع  شهيدنا مصباح في ذلك الوقت على الدراسات الإسلامية وفكر الإسلام الثابت والواضح في مواجهة أعداء الله.

تعرف على خيار الجهاد، فانطلق شهيدنا مصباح ومن معه بالدعوة إلى الجهاد والتنظير والحث عليه في كل المناسبات.    وله محاولات متكررة للهروب رغم انشغال الصوري بكتاب الله تعبداً وحفظاً، واستغلاله لوقته حسن استغلال إلا أنه لم يكن ليترك التفكير في الحرية.. ويسعى لها، لا للدعة والراحة أو متاع حياة الدنيا بل لأن السجن يمنعه من شيء يملأ عليه حياته وهو الجهاد في سبيل الله بكل معانيه.   وحاول الشهيد مصباح خلال فترة اعتقاله في سجن بئر السبع الهرب من السجن أكثر من مرة، وقد اكتشفت شرطة سجن الاحتلال المحاولتين وأودع الشهيد مصباح في السجن الانفرادي لمدة شهرين إلى أن جاء تبادل سنة 1985م الشهير وكتب لمصباح السلامة ونيل الحرية.   في الوقت الذي أفرج فيه عن مصباح توفى والده في حادث طرق مروع بالقرب من وادي غزة، غير أن موت والده لم يمنع الشهيد مصباح من السعي إلى هدفه الوحيد وهو الجهاد في سبيل الله، ليعتقل مرة ثانية مع إخوانه

بدأ شهيدنا مصباح التفكير في الهروب لمواصلة الجهاد، فلم يكتب له بداية النجاح رغم محاولته الجادة، ليتمكن في المرة الرابعة من بلوغ مرامه والهروب من سجن غزة المركزي “السرايا” في عملية هروب ناجحة لا يجد فيها عقل الإنسان تفسيرا، غير أنها توفيقا كاملاً من الله عز وجل، وقد هيأ الله لنجاح خطته أسبابا لعلمه تعالى بصدق نوايا مصباح وإخوانه المجاهدين، فكان لعملية الهروب أثر عميق ومبهج وسار للشعب الفلسطيني وخاصة أن سجون الاحتلال تخضع لتحصينات مشددة و معقدة، كما كان لهروبه وزملائه الأثر الخطير على الكيان الصهيوني، خاصة وأن أحد الناجين كان محرراً وآخر كان له اشتراك في عملية طعن صهاينة

إصرار على البقاء والاستشهاد  ورفض الشهيد مصباح وإخوانه بعد عملية الهروب الشهيرة أن ينجوا بأنفسهم ويتنفسوا الصعداء، فأنّى للمجاهد أن يعرف الراحة قبل لقاء الله وهو قد عاهد ربه على الجهاد، فينطلق الشهيد مصباح وإخوانه المجاهدون لينفذوا أروع العمليات البطولية التي أثارت الرعب والخوف والهلع في نفوس اليهود

وانشغل الشهيد القائد مصباح في ذلك الوقت في البحث عن السلاح من أجل قتال أعداء الله، وحاول الخروج إلى سيناء لشراء السلاح، إلا أنه الاحتلال اعتقله بعد أن أصيب بعيارات نارية في أنحاء متفرقة من جسده، فيما استشهد اثنان من مرافقيه قتلهم جيش الاحتلال الصهيوني بوحشية.. بل ذهب حقد العدو الصهيوني إلى حد نسف بيت أسرة الشهيد مصباح المكون من سبع غرف وهم متأكدون أنه لم ينم فيه ليلة واحدة بعد هروبه من السجن، لكنه الحقد الصهيوني الأسود على ذلك البطل

تم نقل الشهيد مصباح إلى أقبية التحقيق وهو ينزف، حيث تعرض للضرب بوحشية لكي يشي للمخابرات الصهيونية عن مكان إخوانه الذين هربوا معه من السجن، لكنه أبى وفضل الاستشهاد تحت التعذيب الشديد على أن يدلي بمعلومة تدل على مكان إخوانه، ليلقى الله مقبلا غير مدبر كما تمنى وسعى، فهنيئاً لك أيها القائد البطل هذا الاصطفاء والاختيار الرباني فأنت بحق النموذج الذي يحتذى به .
كان استشهاد مصباح ورفاقه بمثابة الفتيل الذي أشعل الانتفاضة المباركة كما ثورة القسام التي أشعلت ثورة 1936م، فعلى الرغم من السنين العديدة التي مرت على استشهادهم لازال حي الشجاعية شاهدا على انطلاقة الشهداء الخمسة وكل فلسطين التي فرحت بهروهم من سجن غزة المركزي وعاشت أجواء الانتصارات التي كان حققها الشهداء ضد بني صهيون رغم عمرهم القصير على هذه البسيطة.

 

أضف تعليقاً

لماذا كل هذا العداء للجيش المصري

 

يقف المرء مشدوهاً وهو يرى الاستهداف المتكرر للجيش العربي المصري, على أرض سيناء الغالية, وعلى الحدود مع الكيان الصهيوني.. ومن هنا يحق لنا أن نساءل.. أين البوصلة..  هل البوصلة تشير باتجاه القدس أم القاهرة؟..وهل العدو المركزي أصبح الجيش المصري، بدلا من الجيش الصهيوني؟ وهل توجه البندقية إلى ساحة أرض الكنانة مصر؟ أم توجه نحو أرض فلسطين المباركة ؟؟؟                                   إن من فقدوا بوصلة الاتجاه, فقدوا بذلك بوصلة الدين, وذلك عندما خالفوا قول سيد البرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الجيش المصري الباسل، عندما قال لصحابته “اذا فتح الله عليكم مصر، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن فيها جنودا هم خير أجناد الأرض”..  كما فقدوا جوهر انتماؤهم للقومية الصادقة, وفقدوا ولائهم للوطنية المخلصة.                                                                           إن الهجوم المتكرر على الجيش العربي المصري الذي خاض غمار أربع حروب ضد العدو الصهيوني, وضحى بالغالي والنفيس من جهده ومجهوده وعرقه ودمه، لأطهر وأشرف قضية على الأرض (قضية فلسطين) ألم يعلموا أنهم باستهداف الجيش المصري وزجه في حرب استراق هم خدم للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة التي يسعى جاهداً إلى تركيع الأمة العربية , ناهيك من ألامه الإسلامية .            إننا نؤكد لأولئك الذين لم يطلقوا طلقه واحدة باتجاه العدو الصهيوني (باعتبارهم أهل كتاب) إنهم قد باعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم, بعرض الدنيا الزائل، وباعوا أقدس بقاع الأرض (المسجد الأقصى) لآخوه القردة والخنازير الذين يعيثون فيها فساداً وإفسادا.                                                                وإننا اليوم كأهل فلسطين, نقف على حافة الجرف الذي يحاول هؤلاء القتلة.. “أن يزجونها فيه, ويجعلوا الحمل علينا ثقيل.. بتأليب أهلنا في مصر علينا، لكي نكون نحن الضحايا التي نذبح على موائد القمار قضية فلسطين برمتها, وتنزع قدسيتها من قلوب العرب, وخاصة أهل مصر التي كانت وجيشها عونا ودرعا على مدار التاريخ القديم والحديث .                                                                           ومن هنا يجب أن يدرك الجميع خاصة أهل مصر وفلسطين أن كل طلقة توجه إلى أبناء الجيش المصري, هي طلقة خائن وعميل ومأجور لعدو البشرية والإسلام و العروبة والوطن (إسرائيل)..وعليه يتطلب الأمر أن نتكاتف جميعاً في مصر وفلسطين، على أن نحمي هذا الجيش العظيم جيش مصر الكنانة من أي سوء لا سمح الله .                                                                                              وكسرا لما يقوم به هؤلاء الإرهابيون، وردا على جميع ما يخططون.. نقول لماذا لا تتحول سيناء, والجولان إلى مشاريع مقاومه بدلاً من أن تكونا جبهتي استنزاف للجيش المصري في سيناء, والجيش السوري في الجولان ؟… أي لماذا لا تقوم الدولة المصرية والدولة السورية، بالضربة الاستباقية ضد إسرائيل الذي ثبت بشكل قاطع أنها تقف خلف من يقاتلوا الجيش السوري مع الحدود الإسرائيلية في الجولان، ويقفوا بالتأكيد خلف من يحاربوا الجيش المصري مع الحدود الإسرائيلية في سيناء.                                      هذا هو السؤال العريض الذي يجب أن يطرق أذن كل مسئول، وكل مواطن عربي, لكي تكتمل حلقة المقاومة, من حول الكيان الصهيوني, وتضرب من خلفه طوقاً جبهويا واحداً.. تترسخ فيه أقدام المقاوم تحت عين وبصر الأنظمة العربية, التي غدت هي وجيوشها هدفاً للمؤامرات, باستجلاب كل من هدب ودب, وحمل شعارات, أفقدته البوصلة التي تشير إلى فلسطين..وبالتالي بدلاً من أن يصدر إلينا الإرهاب برعاية إسرائيل ومن يقف خلقها, نصدر له المقاومة بكل فخر واعتزاز، ونشغله بحرب استنزاف, نصوب من خلاله البندقية, ونوحد عبرة الهدف, ونوجه البوصلة إلى القدس بدلا من أن توجه هذه البوصلة إلى عواصم دول عربية هنا وهناك.                                                                                        ومن هنا فإنني أعتقد أن هذا الخيار هو الرد الأمثل على مشروع الصهاينة, ومن خلفهم, في عملية تفكيك الدول الثلاث الأهم في المنطقة (كما قال بن جريون) وتدمير جيوشها, واستنزاف إمكانياتها، وصرفها عن بوصلة الاتجاه، حيث استطاعت للأسف أن توظف شعارات إسلامية كذبا وادعاءا، وتجند لها المرتزقة المدربين سابقا تحت سمع وبصر العدو وحلفائه, أو تجلب بعض من غرز بهم من الشباب المسلم الطيب, الذي تعرض لغسيل دماغ من قبل تجار الحروب والقتل (خاصة من أوروبا) للتخلص منهم أولاً, قبل التخلص من الأنظمة التي سيروا إلى محاربتها..وبهذه الرؤية نقطع دابر المشككين بالجيوش العربية، وبأنها جيوش للمحافظة على الأنظمة فقط، وننزع الزيف عمن يحاول أن يجند الشباب إلى المقصلة، في الحرب الدائرة اليوم في بلاد الشام، وفي ارض الكنانة .

 

 

أضف تعليقاً