أرشيف لـ24 أبريل, 2011

“الأزمة الأمنية في فلسطين وسيكولوجية

1

الأزمة الأمنية في فلسطين وسيكولوجية الفلتان الأمني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، وبعـــــــــد …
ملخص البحث:
يتناول هذا البحث بين طياته موضوعاً هاماً وخطيراً يشكل تحدياً حقيقياً على أمن وسلامة المجتمع الفلسطيني.
ويهدف هذا البحث إلى الولوج في عمق الأزمة الأمنية المتمثلة في عملية الفلتان الأمني في فلسطين، خاصة في عمقها النفسي الذي يمثل أهم مكوناتها.
وأهمية هذا البحث تكمن في كونه يلقي الضوء على العوامل المؤثرة على تشكيل هذه الأزمة، وخاصة العامل النفسي الذي أثر بشكل بالغ على هذه الأزمة.
وقد تبين بأن أفضل الطرق وأصوبها للوصول إلى الحلول المناسبة هو التقصي السيكولوجي لهذه الظاهرة التي لا يمكن أن تتجرد عنها.

The security crisis and psychological
the security unrest in Palestine
Abstract
This research studies one of most important and critical subject, which demonstrates real challenges on the security and safety of the Palestinian society.
The goal of this research is the intromission in the security crisis in depth, which represented in the security unrest phenomenon in Palestine. It is concentrated on the psychological depth in particular which is considered as one of the main components affected the crisis.
The importance of this research derives from the highlighting on the main effective factors of the constituents of this crises, in particular, the psychology one which have overdo impact on the crisis.
The researcher have proposed the psychological investigation as the best method that could control the appropriate solutions, and it could not be denied or neglected.

المبحث الأول: خلفية الدراسة
المقدمة
إن حاجة الإنسان إلى الأمن، مرتبطة بدوافعه الطبيعية، وبناءه النفسي، وبحكم هذه الطبيعة البشرية بشقيها النفسي والجسمي، يمثل الأمن للإنسان ضرورة من أهم ضرورات الحياة.
“وإذا تقطعت الروابط الأولية التي تمنح الإنسان الأمن، فإنه يبحث عن بدائل ثانوية “تمنحه الشعور بالأمن وترد إليه الإحساس بالهوية، وترفع عنه عبئ الشعور الذي لا يطاق بالوحدة والعجز واللاجدوى بالاندماج في شيء يعطيه الإحساس بالقوة والأمان” (1)
فالأمن هو الحياة, والحياة لا تستقيم في ظل غياب الأمن, وما أدراك لو أن الحياة ذاتها هي الممارسة الأمنية, أو العمل الأمني كوظيفة, فان الأمن بذلك ينحي منحا أكثر ضرورة وأهمية, بل لا تستقيم الحياة بمعزل عن هذا العمل. وبالتالي فان “المشكلة المحورية للوجود الإنساني هي فقدان الأمن اللازم للإنسان، والذي يعايشه الإنسان في جميع مراحل حياته من الطفولة حتى الشيخوخة”(2)
وقد يشكل الإنسان المصدر الأكثر خطورة لأخيه الإنسان في الحياة، فيشكل عامل تعاسة، أو عامل سعادة له، كما وقد يشكل له عامل فقدان للتوازن الداخلي، بما يحمل من بواعث الشر في سلوكه،
وبما يعكس ذلك السلوك من تأثير على حركة المجتمع، بحيث أن أي مجتمع لا يخلو من المشاكل والمعضلات التي تواجهه، فحركة الحياة بما فيها حركة المجتمع لا يمكن أن تخلو من المشكلات.
لذا فقد رافقت الكوارث والأزمات الإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض وتعامل معها وفق إمكاناته المتاحة للحد من آثارها أو مارس دور المتفرج فقط إن تجاوزت الأزمة قدراته وإمكاناته المحدودة
إن جوهر وحقيقة حركة الفرد والمجتمع، السعي نحو هدف، قد ينجح أحيانا في حل ما يتعرض له من مشكلات أثناء السعي نحو ذلك الهدف، وقد يفشل أحيانا أخرى في الحل ، لكن في المحصلة النهائية لا تتوقف الحياة ولا تنتهي بوجود المشكلات. وبالتالي فإن المشكلة ليست في وجود المشكلة بحد ذاتها، وإنما في تأزمها ووصولها لحد يصعب فيه الوصول لحل لهذه المشكلة.. حيث أن تأزم أي مشكلة ينشأ في الغالب من طبيعة التعامل والتفاعل معها، وفي طريقة حلها، أو في عمق المؤثرات الطبيعية أو المادية أو الاجتماعية التي تعيق التقدم نحو الحل لها. أي أن الأزمة بشكل عام هي تعقد المشكلة، بحيث يستعصى حلها بشكل دائم أو مؤقت. وهي كذلك مجموع السلوكيات غير المنضبطة، أو الموزونة بميزان علمي صحيح ، غالبا ما تتغلغل فيها العديد من العوامل والاعتبارات التي تعمل على تضخيمها وتعميمها بشكل تصاعدي يؤدي لرفع مستواها لدرجه تصبح شكلا من أشكال الفوضى العارمة، أو شكلا من أشكال الفوضى الممنهجة والمبرمجة، وكلا الحالتين خطر، وإن كانت الحالة الثانية أشد خطورة وأعمق انحرافا كونها أزمة موجهة تسعى لتحقيق أهداف مبرمجة.
والأزمات بشكل عام والأزمة الأمنية بشكل خاص، تنشأ في كل مجتمع نتيجة لوجود مشكلة معينة تواجه هذا المجتمع في مجال من المجالات، أو عدة مجالات في آن واحد، تؤدي لخلل يؤثر تأثيرا ماديا ومعنوياً على النظام والمجتمع كله، ويهدد الدعائم الرئيسية التي يقوم عليها هذا النظام.
والأزمات بشكل عام والأزمة الأمنية بشكل خاص، تنشأ في كل مجتمع نتيجة لوجود مشكلة معينة تواجه هذا المجتمع في مجال من المجالات، أو عدة مجالات في آن واحد، تؤدي لخلل يؤثر تأثيرا ماديا ومعنوياً على النظام والمجتمع كله، ويهدد الدعائم الرئيسية التي يقوم عليها هذا النظام.
والأزمة الأمنية نتاج لمشكلة أمنية تراكمت مع مر الزمن، وهي تعبير عن تلك الحالة التي يستفحل فيها الحدث الأمني وتتصاعد فيها الأعمال المكونة لها إلى مستوى التأزم الذي تتشابك فيه الأمور ويتعقد فيه الوضع إلى الحد الذي يتطلب معه ضرورة تكاتف جهود العديد من الجهات الأمنية وغيرها لمواجهتها بحكمة وقدرة على احتواء ما يترتب عليه من أضرار والحيلولة دون استفحالها.
والمشاكل الأمنية تعتبر أحد أهم المشاكل التي تواجه المجتمعات اليوم، هذه المشاكل التي تشكل تحديا لجوهر وكينونة الفرد والمجتمع على حد سواء، مما يتطلب الإسراع في التصدي لها ومجابهتها بالحل، وعدم تركها تتراكم لتتحول إلى أزمة، حيث أنه في حال تحولها إلى أزمة قد تمس وتؤثر على جميع مناحي الحياة، كون العامل الأمني يتغلغل في كل جنبات المجتمع برمته، وهذا ما يجعل الأزمة الأمنية أكثر حساسية لدى الفرد والمجتمع عن غيرها من الأزمات الأخرى.
والأزمة الأمنية تتميز بسمات خاصة بسبب طبيعة الأمن وخطورة المساس به سواء على صعيد الفرد أم على صعيد المجتمع, الأمر الذي يضاعف من حجم الإحساس بجسامة أي محاولة للنيل منه، و خطورة أي إجراء غير مناسب للعمق السيكولوجى لها مما يوجب ولذا يجب أن تلاحق الأزمة الأمنية ومظهرها السائد في فلسطين المسمى (بالفلتان الأمني)، أول ما تلاحق في عمقها السيكولوجي الذي يؤثر على جميع أبعادها، كونه يؤطر للمشكلة، ويضع لها رأسا للبروز، فتستفحل في المجتمع وتتشعب لتشمل جميع مناحي الحياة الأخرى، وبالتالي تتأثر بها حركة الفرد والمجتمع بشكل سلبي.

دواعي اختيار البحث (مشكلة البحث)
عمد الباحث لتناول هذا الموضوع الحساس والخطير على المجتمع الفلسطيني، بارتكازه على تحدي خطير للأمن بما يمثله في الواقع المعاش من ضغط لتحطيم الروح المعنوية، مما أثار التساؤل التالي: ما هي معالم الأزمه الأمنيه في فلسطين ممثلة في العمق النفسي لظاهرة الفلتان الامني؟.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى التعرف على دراسة الأزمة الأمنية المتمثلة في فلسطين بطورها المتقدم (الفلتان الأمني) الذي يشكل موضوعاً هاماً وملحاً في نفس الوقت حيث يتعرض النسيج الوطني الفلسطيني جراء ذلك إلى تمزق وتأكل يقود إلى تفسخ الحياة برمتها لذا يتعين ضرورة الإلمام بهذه الظاهرة التي باتت جد خطيرة على الساحة الفلسطينية والتي إن لم يتم تداركها فقد تفتك بمظاهر الحياة في جميع مجالاتها.
أهمية البحث:
من أهمية دراسة الأزمة الأمنية في فلسطين(الفلتان الأمني) في أن هذه الأزمة لم تعد حدثاً امنياً محصوراً في مجال ضيق بل غدت امتداد للتهديد الأمني الذي يشمل الحياة برمتها. وقد كان تأثيرها بالغاً علي الفرد والمجتمع، وعلي جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وعلي ثقافة وفكر الناس وسلوكهم وممارساتهم ، مما يؤكد علي إلحاحية الحل لهذه الأزمة.
كما تكمن أهمية دراسة عملية الفلتان الأمني في طبيعته الموضوع الذي يتناوله، مما يجعله ذو أهميه بالغه بالنسبة لما يحتله ذلك من موضوع حساس وهام له علاقة بحياة الناس في المجتمع الفلسطيني.
كما تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تركز على العمق النفسي الذي يشكل مع مجموعة من العوامل الأخرى مكونات هذه الأزمة التي كادت تعصف بالمجتمع الفلسطينية برمته.
وكذلك تنبع أهميته من خلال الفترة الزمنية محل البحث، وهي فترة انتفاضة الأقصى، وما لوحظ فيها من تزايد لعمليات الفلتان الأمني في الأراضي الفلسطينية .
كما تنبع أهميته من خلال استفادة رجال العلم والدعوة، على مستوى العمل الشعبي والتنظيمي، في التركيز من خلاله على تنمية الروح المعنوية، والصمود والمقاومة وعدم القنوط واليأس، وفي الاستفادة منه على مستوى الدراسات والبحوث الأكاديمية وغيرها.
كما تنبع أهميته في إمكانية استفادة رجال الأمن في عدم التأثر بما تبثه وسائل الإعلام الصهيوني، وخاصة الحرب النفسية من كذب وافتراء لتزيد من حالة التدهور الأمني.
منهج البحث:
سوف يحاول الباحث الإجابة عن مشكلة البحث، وفق المنهج الوصفي التحليلي، الذي يدرس الظاهرة كما هي في الواقع، ويفسرها ويحللها في ضوء معطياته، ثم يقدم المقترحات والحلول والتوصيات المناسبة للتعامل معها بشكل يفيد في التخفيف من آثارها الآنية واللاحقة.
صعوبات البحث في هذا الموضوع:
إن من أبرز الصعوبات في الكتابة في المجال الأمني إنه يمثل كياناً منغلقاً تلفه السرية والخصوصية, يجعل من الصعب أن يتدخل أحداً في شئونها الداخلية ليطلع على خباياها، مما يكون له أثر بالغ في قلة الاستفادة من المعلومات التي تشكل الظاهرة، مما يشكل صعوبة للباحث منشأها الندرة المعلوماتية.
تعريف المصطلحات:
الأزمة في اللغة: أزمة الشدة والقحط. ويقال أصابتنا أزمة، أي شدة.(3)
” الأزمة، والآزمة: جمع إزم وأزم وأزمات وأوزام: الشدة والضيقة. نقول أزمة اقتصادية، وأزمة سياسية..الخ. (4)
الأزمة في الاصطلاح: هي حالة وصول الحل لمشكلة ما إلى طريق مسدود يعيق التقدم تجاه حلها.
الأمن في اللغة: أمن: الأمان والأمانة بمعنىً, وقد أمِنتُ فأنا أمِنٌ, وآمنت غيري من الأمن والأمان. والأمن: ضد الخوف. والأمانة ضد الخيانة. والإيمان : ضد الكفر, فأما آمنتُهُ المُتَعَدي فهو ضد أخفته. وفي التنزيل: ” آمنهم من خوف”. قال ابن سيده: الأمن نقيض الخوف, أمن فلانٌ يأمَنُ أمناًً وأمَناًً (حكى هذه الزَجاج), وأمنةً وأمنا فهو أَمِن. والأمَنَةَ: الأَمن, ومنه: ” أَمنةً نعاساً ” و” إذ يغشاكم النُعاسُ أَمَنَةَ منه”. في أمانة, وقد أمّنه وآمَنَهُ والمأْمَنُ: موضع الأمن. (5)
أمن(الأمانُ) و(الأمانة) بمعنى ًوقد (أمِن) من باب فهم وسَلم و(أماناً) و(أمَنة) بفتحتين فهو (آمِن) و (آمَنه) غيره من (الآمن) و( الأَمَان) و(الأيمان) التصديق والله تعالى (المؤمن) لأنه (آمنَ) عباده من أن يظلمهم. و(الأمْنُ) ضِد الخوف و(الأمِنة) الأَمن كما مَرَّ ومنه قوله تعالى ” أمَنَةٌّ نُعاساً”. و(استأمَنَ) إليه دَخلَ في أمَانه. وقوله تعالى” وهذا البلد الأمين” الأمن.(6)
أمِنَ: أمناً وأماناً وأَمنة: اطمأن فهو أَمِن وأمين وآمن والأسد ومنه: سَلِم, استأمنه: طلب منه الأمان. الأمان: الطمأنينة والعهد والحماية والذّمة. الأمَنة: الاطمئنان وسكون القلب. الأَمُون: المطيَّة المأمونُة العثار. المأمن: موضع الأمن. أَمن- أمناً: وثق به وأركن إليه فهو آمِن. آمن ايمانا به: صدّقه ووثق به. الأمانة: من يثق بكل احد. الأُمنة: الموثوق به الأمين. (7)
الأمن اصطلاحاً: هو مفهوم يشير إلى مجتمع شعر أفراده بحاجاتهم إلى الأمن فقاموا بإجراء استعادوا به أمنهم) (8)
ويعرف بالأمن العام” ويقصد به كل ما يطمئن الفرد على نفسه وماله”(9)
ويعرف بأنه “عبارة عن المحافظة علي المعلومات والأسرار التي تسبب عن إفشائها بدون مبرر وضرورة، خطر يمس بمصالح الدولة ويعرضها للخطر الفادح ” (10)
وهو مصطلح “يشتمل إجراءات الأمن الدفاعية التي تتم اتخاذها من قبل كافه القيادات والإدارات المعينة والتي تهدف إلي حماية المعلومات من البحث العلني والبحث السري والمنشئات من التخريب والأفراد من الأنشطة والإجراءات الايجابية التي تتخذها أجهزة الأمن”(11)
وقد عرفه عبيد بأنه “ثمرة الجهود المبذولة المشتركة من قبل الدولة وأفراد المجتمع خلال مجموعة من الأنشطة والفعاليات في شتى مجالات الحياة للحفاظ على حالة التوازن الاجتماعي بالمجتمع”(12)
وعرفه نافع بأنه “الشعور الذي يسود الفرد أو الجماعة بإشباع الدوافع العضوية والنفسية، واطمئنان الجميع بزوال ما يهددهم من مخاطر” (13)
واعتبره قدورة “بأن حاجة الإنسان الغريزية إلى الأمن تدفعه إلى الدأب في السعي إلى استكشاف البيئة المحيطة به سواء كانت بيئة مادية، أو اجتماعية للتعرف عليها، والتفريق بين النافع والضار فيها، بحيث يشبع حاجته إلى الأمن” (14)
وتعتبر الموسوعة السياسية بأن الأمن هو “التنمية… والتي بدونها لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية التي لا تنمو في الواقع لا يمكن أن تظل آمنة” (15)
ويقول روبرت ماكنمارا: وزير الدفاع الأميركي في كتابه جوهر الأمن (1968) “الأمن هو القضاء على الجوع و الفقر” (16)
وعرفه المشاط بأنه “حالة يوجد بها الإنسان لتستثار فيها دوافعه الغريزية للدفاع أو الهرب أو العدوان، وهذه الحالة كما توجد في الأفراد توجد في الجماعة” (17)
ويعرفه وولتر ليبمان عام 1943 بقوله “أن الدولة تكون آمنة حينما لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتجنب الحرب” (18)
تعريف الأزمة الأمنية: هي “عملية اختلال في التوازن الذاتي الداخلي، أو البيئي للفرد أو المجتمع”.
أو هي” تلك الحالة التي يستفحل فيها الحدث الأمني وتتصاعد فيه الأعمال المكونة لمستوى التأزم الذي تتشابك فيه الأمور ويتعقد الوضع إلى الحد الذي يتطلب معه ضرورة تكاتف الجهود من الجهات الأمنية وغيرها، لإحتواء بحكمه وخبرة ما يترتب عليها من أضرار والحيلولة دون استفحالها”.
الفلتان في اللغة: ” جمع فلتان.. سريع..رجل فلتان: نشيط جريء، حديد الفؤاد، متسرع إلى الشر. والفالت: الشاب السائر على هواه، الفلتى الذي لا يصون نفسه عن ارتكاب المعاصي. (19)
“والفلتان: المتفلت الى الشر، وقيل: الكثير اللحم. والفلتان: السريع، والجمع فلتان. والفلتان والصلتان، من التفلت والانفلات.(20)
الفلتان الأمني اصطلاحاً: هي حالة متقدمة من حالات الأزمة الأمنية تصل الأمور فيها لحد فقدان الأمن والأمان النسبي أو الكلي للوطن والمواطن.
تعريف سيكولوجية الفلتان الأمني هي” البنية النفسيه الأكثر عمقا في تكوين المشكلة والتي تؤثر على جميع أبعادها بشكل كبير كونها تؤطر لها وتتشعب بها لتشمل جميع مناحي الحياة الأخرى.
محددات الدراسة:
المحدد الزماني: يتناول البحث الحقبة الزمنية الممتدة من بداية انتفاضة الأقصى حتى إعداد البحث.
المحدد المكاني: يتناول البحث المساحة المكانية المتمثلة في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية.
المحدد الأكاديمي: يتناول البحث موضوعاً يشغل بال كل الحريصين على وحدة المجتمع الفلسطيني.
خطة البحث:
سوف قسم البحث لأربع مباحث هي:
المبحث الأول: ويشمل خلفية الدراسة وهي: المقدمة، وأسباب المشكلة، وأهدافها، وأهميتها، والمنهج المتبع فيها، والصعوبات التي واجهت الباحث، والمصطلحات، ومحددات الدراسة، ثم خطة الدراسة.
المبحث الثاني: ويشمل: أولاً: سمات الأزمة الأمنية. وثانياً: عوامل بروز الأزمة الأمنية.
المبحث الثالث: ويشمل: أولاً: مراحل الأزمة الأمنية. وثانياً: آثار نتائج الأزمة الأمنية.
المبحث الرابع: ويشمل: أولاً: العوامل المساعدة في حل الأزمة. وثانياً: أساليب وطرق حل الأزمة الأمنية.
ثم تعقيب عام على الدراسة، وخاتمة تشمل: ملخص للبحث، وأهم النتائج، والتوصيات.
المبحث الثاني: سمات وعوامل الأزمة الأمنية
أولاً: معالم وسمات الأزمة الأمنية:
ويمكن رصد عدد من السمات التي تحدد طبيعة هذه الأزمة الأمنية والتي تسمى في فلسطين بعملية (الفلتان الأمني) والتي منها سمة:
التشعب والتمدد: تمتاز الأزمة الأمنية التي تنغرس اليوم في جسم الشعب الفلسطيني بكونها ذات طبيعة تمدديه تتشعب في جميع مجالات الحياة. حيث لا تقتصر فقط على الحياة الأمنية ومجالاتها المتعددة، بل لقد امتدت اليوم في الواقع الفلسطيني لعصب الحياة برمتها سواء النفسية أو الاقتصادية أو السياسيه أو الفكرية أوالاجتماعية وغيرها، وهذا التشابك والتمدد قد طفا على جميع مجالات الحياة، بحيث يصعب الفصل فيه على سبيل المثال بين العامل النفسي وغيرة من العوامل الأخرى.
الترويع الأمني: ومن ابرز سمات وخصائص الأزمة الأمنية في فلسطين (الفلتان الأمني) هو تخويف وترويع أمن المواطن، ومما يزيد الطين بله أنه سرعان ما يمتد هذا الترويع ليشمل الوطن برمته.
حيث امتدت الأزمة الأمنية لتشمل جميع الأنشطة والقطاعات المدنية والأمنية، ولم يقتصر الأمر بالاعتداء على الأجهزة الأمنية، بل امتد وتشعب لكافة الأجهزة المدنية، ابتداء من المعابر كمعبر رفح البري بسبب الإغلاق، وما يحدث من عمليات اعتداء على ممتلكات المعبر من قبل بعض العابثين،
إلى الاعتداء على الوزارات كما حدث في العمليات المتكررة على وزارة الصحة والتعليم، وكذلك الاعتداء على البلديات والمحافظات.
وكانت ذروته قتل الأطفال من عائلة بعلوشة فأصبح الأهل غير آمنين على أبنائهم في خروجهم وانتقالهم إلى مدارسهم ورياضهم خوفا من هذا الانزلاق الأمني الخطير وعمليات القتل المتكررة التي لم يتم التعرف على كثير من مرتكبيها حتى الآن.
صعوبة السيطرة: إن صعوبة السيطرة على الأزمة الأمنية تشكل كذلك ابرز السمات والصفات التي تميز حالة الفلتان الأمني في فلسطين وانعدام السيطرة تعنى عدم قدرة المؤسسة الأمنية بشكل خاص والمؤسسة الحاكمة بشكل عام على تطويق الأزمة وإيقافها ثم السيطرة عليها والقضاء عليها بشكل تام وصعوبة السيطرة على الأزمة تؤدى إلى تجرؤ عناصر مسلحة منظمة أو غير منظمة الاستهانة والاستهتار بالأجهزة الأمنية، بل قد يتعدى الأمر إلى استفزاز هذه الأجهزة وجرها إلى معارك جانبية لا تخدم المصلحة العامة للوطن.
التسويف والمماطلة: إن من خصائص وسمات الأزمة الأمنية في فلسطين كذلك التسويف والمماطلة لكي يستمر عمرها أطول وقت ممكن. لأن التسويف والمماطلة عملية خداعية يهدف من ورائها كسب الوقت هروبا من مواجه الأزمة ذاتها وعدم حلها مما يزيد التعقيد للازمة والتشابك فيما بينها. وهذا ما لمسناه في عملية الهروب المقصودة من مواجهة الأزمات التي كان تتعرض لها الساحة الفلسطينية. فمثلاً عندما كانت تندلع أحداث جانبية بسيطة بين بعض العائلات كانت تحتاج لبعض الحزم والقوة لإخمادها تتريث السلطة ولا تحرك ساكناً حفاظاً على بعض المصالح الآنية والمؤقتة، مما يزيد من تفاقم هذه المشكلة وتطورها بشكل يصعب أو حتى يستعصي الحل لها، وبالتالي ينقلها من مرحلة المشكلة لمرحلة الأزمة وربما يتطور الأمر لتصل لمرحلة الاستعصاء أو الفلتان الأمني الذي يقود الوطن برمته لحالة من الفوضى لا تحمد عقباها.
التخريب غير المبرر: ومن أهم سمات الأزمة الأمنية في فلسطين كذلك استخدامها لوسائل عنيفة وأكثر دموية تسعى إلى تخريب وتدمير البنية التحتية للمجتمع. وهذا التخريب يشل الساعين ونشاطهم لعلاج هذا التأزم ويهدف بكل وضوح إلى بث الرعب في نفوس المواطنين ويحد من القدرة على العلاج بشكل مناسب.
ومن عمليات التخريب الاستيلاء على المؤسسات العامة والخاصة، من قبل بعض العناصر المدعومة والمنتفعة، وكذلك التخريب المتعمد للمؤسسات الأمنية وتدمير محتوياتها والاعتداء على عناصرها، بالإضافة على عمليات الاعتداء على الجامعات والمعاهد العلمية خاصة في قطاع غزة مرات عديدة، وذلك باستخدام أدوات كالمتفجرات والعبوات الناسفة والصواريخ المحلية الصنع، كما حدث في جامعة القدس والجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر. وغير ذلك من الشواهد التي كثرت في الآونة الأخيرة، والتي توجد مئات الأمثلة والشواهد التي تؤكد هذه الظاهرة.
الانتشار و(الاستطراق الأمني): إن الإعمال والممارسات التي تحدث نتيجة لعملية الفلتان الأمني، قد تنتقل بسهولة من مجال إلى مجال، ومن موقع لآخر، وهذا يؤدى إلى استطراق الجريمة أي انتقالها من مركز بدايتها لتعم وتشمل جميع المناطق في الوطن، وكذلك لتشمل جميع مجالات الحياة فيه.
حيث بدأت على سبيل المثال المناوشات والاشتباكات المسلحة وعمليات الخطف المتبادل بين حركتي فتح وحماس، وامتدت لتشمل جميع أنحاء قطاع غزة، وثم امتدت إلى الضفة الغربية خلال الشهور الأخيره قبل توقيع اتفاق مكة الشهر الماضي.
ثانياً: عوامل بروز الأزمة الأمنية:
تعتبر الأزمة الأمنية أكثر الأزمات خطورة باعتبار أن الأمن بمثابة ملح الطعام لجميع مناحي الحياة، لتداخل عوامل كثيرة ومتشابكة في خلق تلك الأزمة، لكون الأمن يشكل عصب نماء وتطور الحياة.
ويقصد بالعوامل ” مجموعة المعطيات التي تتكاثف فيما بينها لتساهم في إنشاء الأزمة أو تطويرها “. (21)
وقد تتنوع وتتعدد تلك العوامل التي قد تكون عوامل ذاتية أو موضوعية شخصية أو جماعة سياسية أو فكرية اجتماعية أو مؤسساتية أو عوامل نفسية أو عقلية أو وجدانية إلى غير ذلك. كما أن سمات وخصائص هذه العوامل التي تميزها عن كونها مشكلة أمنية تتشابك وتتداخل بشكل يصعب فيه التمييز والتفريق بين بعضها البعض.. لذا يجب أن يحاول الأخصائيون في علم النفس فصل هذه العناصر عن بعضها، مما يتطلب دراية جيدة بأبعاد الأزمة الأمنية، وبالعوامل السيكولوجية التي تؤثر فيها، حيث أن العامل النفسي يعمل على تنمية الأزمة ونقلها من طور إلى طور، وذلك بعملية التفاعل التي تمتد لتشمل مساحة واسعة أكبر من ذي قبل. ومهما حاولنا الابتعاد عن هذه العوامل الخارجية والداخلية المؤثرة في وجود الأزمة الأمنية أو التي تزيد من تناميها واستمرارها فلا يمكن أن نقفز عن دور تلك العوامل في التأثير على الأزمة.
أما الأزمة الأمنية في فلسطين والتي تسمى (الفلتان الامنى) فهي محصلة وحصيلة تشابك وترابط مجموعة من العوامل والدوافع، أدت بالوضع القائم بشكل أو بأخر إلى الحالة المتردية التي تخيم على سماء الوطن. وبالتالي لا يجوز بأي حال من الأحوال النظر إلى مكونات ومسببات الأزمة بمنطق أحادي السبب أو العامل، قد يزيد من تعمق الوضع الأمني سوءاً .
لذا لابد من سبر غور أهم هذه العوامل لكي نتمكن من الوصول إلى مستوى متقدم باتجاه الحل لها لان تداخل هذه العوامل العديدة يزيد من تعقيد المشكلة، ويزيد من صعوبة حلها. خاصة أن هذه الأزمة قد وصلت لحد الفلتان الأمني، الذي أدى إلى بروز عصابات الحرب التي غدت تقتات على تجارة السوق السوداء من السلاح وغيره، والتي حولت كثير من الشباب جراء منطقها الفئوي إلى مجرد طلاب بحث عن العمل كمرتزقة مع هذه العصابات، التي تجاوزت حد العمل المنظم من خلال الفصائل والتنظيمات.

أ) عوامل بروز الأزمة الأمنية على المستوى النفسي الفردي: ومنها:
ضعف التعبئة النفسية: إن دور التعبئة النفسية هو غرس عقيدة التضحية، وزرع ثقافة البذل والولاء في إعداد الفرد في المجتمع، من خلال تعريف الفرد بأهمية عمله الديني والوطني، وتأدية المهام الموكلة إليه، وانتماءه الخالص لوطنه. وهذا ما يفتقر إليه كثير ممن عملوا في المؤسسة الأمنية.
“فالعقيدة والثقافة التي يحملها الإنسان تساهم في خلق الأفكار والتصورات التي تصنع الموقف وفي الميل إليه واتخاذ قرار الفعل فنجد أن نوع الثقافة والفكر الذي يحمله الإنسان يؤثر في سلوكه، وعلى رجل الأمن أن يكون على قدر عال من الثقافة والمعرفة وان يتابع الأمور وتطوراتها وملاحقتها حتى يكون على بينة من أمره وأمر الآخرين لأنه بذلك يحمي شخصيته وسلوكه من الوقوع في الخطأ.(22)
حيث لاحظ الكثير من المراقبين للحالة الفلسطينية على مدى العقد السابق عدم قيام الأجهزة المعنية على الصعيدين الأمني والمدني بعملية التعبئة النفسية السليمة، حيث نجد أن العلاقات العامة التي يفترض بها أن تقوم بهذا الدور قد قصرت تقصيرا واضحا فلم تمنح عنايتها لهذا الأمر بشكل كاف، ولعل الأمر يرجع إلى عدم تحديد الصلاحيات، أو أن القائمين على الأمر لم يكونوا بالكفاءة العلمية والعملية، ليؤدوها هذا الدور المهم بالشكل والطريقة المناسبة لتدعيم العقيدة ورفع الروح المعنوية وترسيخ القيم والمبادئ والأخلاق في مختلف أجهزة السلطة الفلسطينية.
تدني احترام الذات: إن من أخطر ما يواجه رجل الأمن في حياته سواء داخل المؤسسة الأمنية، أو في الحياة المدنية، هو فقدانه لذاته، أي أن يغيب وتغيب معه معانيه الذاتية الإنسانية في العمل الامني، وهذا الخطأ المسئول الأول والأخير عنه المؤسسة الأمنية نفسها التي تحاول تطبيق قواعد عسكرية صارمة على رجل الأمن، الذي من المفترض -حسب وجهة نظرنا من خلال تجربتنا الشخصية- أنه لا يجوز سحب الحياة العسكرية الميدانية المحضة على رجل الأمن، لأن حياة رجل الأمن تتراوح بين المدنية والعسكرية، وبالتالي فإن المنهج والقواعد التي يجب أن يخضع لها تكون من المرونة التي تقارب العمل المدني، ومن الحزم الذي يقارب العمل العسكري، ولكنها لا هذه ولا تلك. وهنا يتوجب على القائمين على هذه المؤسسة أن يأخذوا ما يناسب رجل الأمن من الحياة في المؤسسة الأمنية، وما يناسبه من الحياة في المجتمع المدني، ويشكلوا خليطاً يتلاءم مع هذا الوضع لرجل الأمن.
التعامل بفوقية: إن العمل في المجال الأمني هو سلاح ذو حدين، إما هو نقمة أو نعمة، أو هو رصيد إيجابي أو رصيد سلبي لرجل الأمن. ومن يحاول أن يستغل الموقع الذي هو فيه من رجال الأمن. ويوصد أبوابه أمام الآخرين، ويعاملهم بشيء من الفوقية، فإنه حتما سوف يفقد كل حب واحترام وتقدير منهم، وأما إذا تعامل مع الناس بشكل مؤدب وأعطى كل ذي حق حقه واستأنسوا به فإنه سوف يلقى بكل تأكيد ودعم وعطف ومحبة من قبلهم.(23)
تفشي سيكولوجية الكرسي: كثير من القيادات يعتبر أن التواصل النفسي بينه وبين القاعدة, قد يمس من مكانته التي يحاول بمجرد أن يتسلم مهمة قيادية, أن ينشئ الحواجز ويقيم السدود, ويدشن السواتر بينه وبين القاعدة لديه، ويتخذ من الموقع القيادي أسلوباً للاستعلاء والتكبر, ناهيك عن التسلط والتأمر.
وبهذه النفسية المرضية يدخل الكرسي في شخصيته, ويصبح جزءاً لا يتجزأ من هذا الكرسي, فلا يستطيع أن يفارقه أو يبتعد عنه, فيبدأ يؤهل ذاته نفسياً لأنه والكرسي توأمان لا ينفصلان. والحياة الأمنية في فلسطين قد أفرزت قيادات تخوض غمار العمل الأمني لا تمتلك مؤهلات قيادية, وتفقد القدرة على التطوير الذاتي, بل الفشل حليفها الوحيد في خلق تواصل بينها وبين من ابتلي بها.
تعميم مبدأ التقاعس: كثير من الناس ما يملأ الدنيا ضجيجا وصراخا، ليجعل من نفسه محط أنظار للآخرين، لا يعجبه رأي، ولا يقنعه موقف. ويترفع عن كل سلوك، ونشاط، وعمل، تحت مظلة التبرم والتذمر. انه شخص متقاعس بكل ما تحوي هذه الكلمة من سلبية. والحقيقة النفسية لهذا الشخص غاية في الخوف والجبن، الخوف من الفشل، والجبن من العمل.. إنها شخصية هشة لا تمتلك مقومات العمل والممارسة. وهذه الشخصية تشارك بتقاعسها وانطوائيتها وشخصانيتها في تفاقم الأزمة الأمنية والفلتان الأمني. لأن المتقاعسين يغطون عجزهم هذا بكثرة النقد، واللوم للآخرين، وإذا طلب منهم القيام بأي عمل فإنهم أعجز من تنفيذه، أو حتى تحقيق أدنى النجاح فيه.
الحالة الشخصية لرجل الأمن: يعتبر رجل الأمن هو”الشخص المكلف بالمحافظة على الأمن في جميع الأماكن المحيطة بأمن المواطن وممتلكاته وتنفيذ أوامر السلطة وتطبيق أنظمتها دون المساس بأموال الناس وأعراضهم وحرياتهم الشخصية (24)
لذا لا بد أن يكون رجل الأمن على قدر كبير من الشجاعة والثقة بالنفس وتحمل الأعباء والمسؤوليات في كافة الأحوال فهو لا يحمي نفسه فقط بل انه مسئول عن شعب بأكمله، وعليه أن يشعر كل من حوله بالأمان وينشر الطمأنينة والعدل بين الناس، فرجل الأمن أكثر إنسان عرضة للمسؤولية لطبيعة عمله الأمني، وللحالة الشخصية له حيث “أن من أخطر العوامل السيكولوجية التي تؤثر في المشكلة الأمنية هي الحالة الشخصية للعاملين في المؤسسة الأمنية، والصفات والسمات التي يمتلكونها، والتي قد تكون أحد أبرز جوانب المشكلة. فليست قدرات الإنسان الجسدية ولياقته البدنية هي أساس قوته، وإنما قدراته العقلية وذكائه، ولا بد لرجل الأمن أن يتمتع بقدر من الذكاء والفراسة، بحيث يكون قادر على فهم العلاقات بين الأشخاص والأشياء والأحداث والوصول إلى النتائج الإيجابية”.(25)
وقد رأينا للأسف الشديد في فلسطين كثير ممن تصدروا العمل الأمني، وخاصة بعض مسئولي ومنتسبي الأجهزة الأمنية، لا يحملون من الخصائص والصفات التي تؤهلهم لهذا العمل، ناهيك عن بعض المظاهر السيكولوجية المرضية التي كانت تحكم البعض منهم، مما شكل أحد عناصر وجود الأزمة الأمنية، بالإضافة لعدم وضوح الرؤية للعاملين في العمل الأمني لكيفية التصدي للازمة وحلها على المستوى النظري والتطبيقي، بسبب قلة الكفاءة والخبرة.
شدة الضغوط المتعددة: يتم افتعال بعض الأزمات باستغلال بعض الأحداث لخلق أزمة قد تؤثر في نفسية الخصم تستفيد منها الدولة العدو التي تستخدم هذا الأسلوب. فتستخدم إسرائيل مثلاً هذا الأسلوب بشكل مكثف بالتحدث عن قوتها العسكرية، واستخدامها في الواقع وجعل الشعب الفلسطيني دوماً في حالة تأهب وترقب لهجوم ما. وقد استهدفت عمليات الضغط خلق نوع من الاضطراب الانفعالي والتفكك العقلي، وذلك بممارسة الضغوط الجسمية والنفسية، ومن ذلك التجويع أو نصف التجويع، وكذلك استخدام العزلة. ويختلف الناس في رد فعلهم لهذه الممارسات وفقاً لبناء شخصيتهم(26).
التقمص والتوحد مع المهنة: في عملية التوحد مع المهنة يتصرف رجل الأمن في حياته المدنية بنفس المستوى والطريقة التي يتصرف فيها في عمله في المؤسسة الأمنية، حيث يمارس التصرف التسلطي في العلاقة مع الآخرين في المجتمع، مما يخلق حالة من النفور بينه وبين أفراد المجتمع، ويفرض عليه حالة من العزلة والانطواء تؤثر عليه بالسلب في هذه العلاقة.
ولهذا فإن بعض رجال الأمن غير المؤهلين وفق مقاييس ومعايير علم النفس الحديث، أي لم يتعلموا أو يُعلموا، قد تقودهم بعض أمراضهم النفسية التي قد اكتسبوها من حياتهم السابقة، إلى عملية التعويض، كأن يبرز لديهم رغبة جامحة في عملية التعويض عما كان يمارس بحقهم من اضطهاد أو عنف، فيجد في هذا الموقع متنفسة الذي يعوض من خلاله عمليات رد الجميل المعكوس لهذا الواقع الذي عاشه، فنراه يجمع كل قواه لكي يصب جام غضبه وحنقه ضد كل ما يواجهه من أبناء مجتمعه.
ب) عوامل بروز الأزمة الأمنية على مستوى المجتمع: ومنها:
ضعف التقيد بالقيم الأخلاقية: إن العمل الأمني يفتح لدى كثير من ضعاف النفوس، تحاملا على القيم والمعايير الأخلاقية، لأن بعض رجال الأمن يشعرون بأنهم في حصانة من القانون. وكأن العمل الأمني يمنحهم رخصه لفعل ما يريدون، وهذا في حد ذاته أحد أمراض المؤسسة الأمنية.
وهذا المرض ليس مسئول عنه الشخص ذاته فقط، بل مسئول عنه المؤسسة الأمنية، التي ترعى كل سوء ورذيلة تقترف بحق المواطن، من قبل هؤلاء الأدعياء بأنهم ضباط أو رجال أمن، الذين يهددون أمن المواطن أكثر من توفير الأمن والأمان له، باعتبار أن حقيقة الأمن تكمن في توفير الاطمئنان للمواطن، فكيف بهؤلاء يجعلون من أنفسهم مصدرا للخوف والرعب وعدم الأمن والأمان للمواطن.
حيث كثير من بعض قادة الأجهزة الأمنية قد استغلوا مراكزهم القيادية في تطبيق أجندة خاصة بهم تحقق مصالحهم الذاتية بعيداً عن القيم والأخلاق، فظهرت جراء ذلك جرائم خطيرة، فإنتشرت الرشوة والمحسوبية، وسادت الشللية، وتبلورت العصابات التي تجاوزت جميعاً القانون بل تجرأت عليه بأن قامت بإستغلاله أسوء استخدام.
الخلل في مفهوم المواطنة : الخلل في مفهوم المواطنة يتطلب أن تقوم السلطة الفلسطينية والمؤسسات المجتمعية بحملة توعية شاملة لتعليم الأبجديات التي تساعد في ترسيخ مفهوم المواطنة، والتعريف بالمفاهيم التي تساعده بذلك والتي أدى طول غيابها للسقوط في براثن الضعف والوهن على الصعيدين الاجتماعي والنفسي، هذا الضعف الذي جعله يشعر أن ليس هناك من يستطيع أن يحقق له طموحه.
ولم تقم للأسف الأجهزة الأمنية بدورها في التوعية بهذا المفهوم بسبب معوقات جوهرية كانتشار مفاهيم بديلة كمفوم الحزبية والعائلية والتنظيمية والشللية وغير ذلك من المفاهيم التي كانت على مدى العقد الأخير لا تمارس دورها بشكل فاعل، والتي أعاقت ترسيخ مفهوم المواطنة لدي رجل الأمن ورسخت مفاهيم بعيدة عن مفهوم المواطنة.
انتشار الفساد والمحسوبية: لقد انشغلت شريحة بذاتها فأهملت هموم المواطن واحتياجاته، فرغم الحديث المتواصل عن الأمن والإصلاح، سادت المحسوبيات ووزع البلد بين الفئات والأحزاب وهذه الممارسات أضعفت حس المشاركة الأمنية عند المواطن، وكيف يستطيع المواطن أن يحافظ على أمن جهة يشعر بأنها تحاول إقصاءه. ومما زاد من تعميق الأزمة الأمنية الفساد الإداري والأمني والمالي للسلطة، والذي أثر بشكل بالغ في الوضع الراهن.
المفهوم السلبي للأمن: لقد ولد الإهمال والتدهور الأمني المقصود على مدى السنين نوعاً من النفور إزاء أي قانون، ترسب في اللاوعي للفرد الفلسطيني. مما يفسر لنا سلبية المواطن، وهو يتعامل مع مفهوم الأمن، حيث أن المواطن هو وسيلة الأمن وغايته. لذا لا يمكننا تخيل قوة مهما تعمقت بإمكانها الحفاظ على الأمن بخلاف رغبة المواطن ذاته، وإحساسه بحاجته لهذا الأمن. ولكن مفهوم الأمن يبقى نسبياً ومن الممكن أن يختلف فيه الكثيرون، ففي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى الأمن على أنه الحفاظ على كيان المواطن وممتلكاته الشخصية وأسباب ديمومة حياته، ينظر له البعض الآخر بشكل أشمل من هذا الفهم فيعني له أنه هو أمن الوطن بأكمله. ولعل مرجع ذلك لحداثة السلطة وقلة خبرتها وللفهم الخاطئ لدى البعض لمفهوم الحرية والديمقراطية من جهة، ومن جهة أخرى لدور الاحتلال وترسيخه لمفهوم الأمن حسب الرؤية الإسرائيلية في العقلية الأمنية الفلسطينية، والتي جعلت جل اهتمام الأجهزة الأمنية المتخصصة التركيز بشكل واضح على إيقاف العمليات التي تؤثر على الاتفاقيات المنعقدة بين الجانب الإسرائيلي والفلسطيني وبالتالي تبني مفهوم الأمن الإسرائيلي ولو بشكل غير مباشر.
كراهية الناس لتطبيق القانون: هناك عوامل كامنة في المجتمع تتمثل في كره الناس لتطبيق القانون، فالقانون بحذافيره مكروه عند الأغلبية، فمثلا التجاوز في الشوارع وعلى المرافق العامة، والاستهتار بالتعامل مع الأملاك العامة، تدلل على أن هناك كرهاً للقانون، وهذا ينبع من الإرث التاريخي الطويل من الاحتلال والاضطهاد، والعقاب القاسي جراء المساهمة في الحياة السياسية والعمل على تقرير مصير الوطن، مما أنتج بالتالي الكرة للسلطة والقانون والتمرد عليه، وأنتج كذلك الكثير من الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية في الواقع. وبالتالي يجب أن تعمل مؤسسة الأمن العام على احترام القانون لتبني الثقة مع الجمهور ويتعزز التعاون المجتمعي. مما يساهم في حل النزاعات والشكاوى بالطرق السلمية. (27)
وهذه الكراهية قد انبعث من خلال الخبرة السابقة المختزنة في ذاكرة المواطن الفلسطيني التي رسخت نتيجة ممارسات الاحتلال من ثقل القوانين العسكرية والإدارية التي مارسها الاحتلال ضده، وخاصة تلك التي شملت عمليات الاعتقال، والتعذيب، وهدم البيوت، ومصادرة الممتلكات، وتقييد الحريات، التي أوجدت لدى المواطن الفلسطيني في مكنونات نفسه كراهية لهذه القوانين، ثم انسحبت هذه الكراهية على كل قانون ونظام
طغيان الحزبية الضيقة : إن وجود الحزبية الضيقة عند بعض قيادات الفصائل والأحزاب مثلت نقطة انطلاق آمنة لمصالحها، أفرغت الوطنية من محتواها وساعدت على إضعاف الحس الأمني عند الكثير، وأنتجت سلوكيات شاذة وجدت ملجأ وملاذاً عن المتابعة والمحاسبة.
وإن الانتماءات الحزبية المتطرفة التي سادت في المجتمع، قد أضعفت الشعور الوطني، وأصبح التفكير الوطني في ظل وجودها ثانوياً، وهذا خلق انفصام بين المواطن والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، حيث وجد المواطن نفسه في فراغ كبير بسبب الانهيار الكامل للأجهزة الأمنية، فإرتكس ثانية باتجاه العائلة، التي أسست على هذه التركة الثقيلة من الانهيارات. وهذا الإخفاق جعل الممارسة تبقى في إطار الأمنيات، حيث لا يمكن تفعيل دور المواطن تجاه الأمن ما لم يشعر ذلك المواطن بالانتماء للوطن.
حالة الفوضى والشغب: من الصعب الفصل بين افتعال الأزمات وإثارة الفوضى، لأن افتعال الأزمات لا بد أن يؤدي لإثارة الفوضى تحسباً لما يمكن أن يترتب على الأزمات التي أثيرت. كما يمكن استغلال القلق لشعب من الشعوب في افتعال أزمة معينة لأن الناس في مثل هذه الحالات ربما يصدقون بعض الافتراءات أو الشائعات. (28)
تركة الاحتلال: إن المواطن الفلسطيني قد عانى من أزمة ثقة في كل شيء وفي كل شيء، والسبب هو تركة الاحتلال، لأن وجود الاحتلال الإسرائيلي يشكل بحد ذاته أكبر عامل تهديد للفرد، بسبب فقدان الجانب الأمني، فينشأ النقص النفسي الذي يدفع بالفرد لضرورة إشباعه باتجاه حمايته الذاتية، لأنه حين يحس الفرد أن أمن المجتمع يتعرض للانهيار يدفعه ذلك للجوء إلى الخيارات البديلة لحماية نفسه” (29)
وقد أعتقد البعض من ضعاف النفوس بأن الالتصاق بالاحتلال (التعامل) هو أحد أسباب توفير الأمن والمساعدة للمحتل من أجل حماية نفسه من الخوف على رزقه أو حاجته أو مصلحته، أو لشعوره بالضعف. (30)
التضليل الإعلامي الأمني: “أن معظم المحاولات التي أجريت لتغيير الاتجاهات استخدمت الأساليب الإقناعية, إلا أن هناك محاولات أخرى استخدمت أسلوب إثارة الخوف. وذلك بإخبار المستمعين مثلا أن الفشل في إتباع التعليمات سوف يؤدي إلي نتائج خطيرة, مثل الفشل في إتباع الأساليب الوقائية أو التدريبات السليمة يؤدي إلى الضرر أو المرض وأحيانا الموت “(31)
ج) عوامل الأزمة الأمنية على مستوى العمل الأمني، والأجهزة الأمنية: ومنها:
ضعف الحس الأمني: كثير من العاملين في مجال الأمن لا يتمتع بملكة الحس الأمني المناسب، والذي يعني “الشعور أو الإحساس المتولد داخل النفس والمعتمد على أسباب أو عوامل موضوعية، تؤدي إلى توقع الجريمة بقصد منعها أو ضبط مرتكبيها بقصد العقاب عليها” “والحس الأمني عملية مزدوجة يجمع بين نوعين من العناصر ذات الطبيعة الذاتية والموضوعية في آن واحد. وتنعكس تلك الطبيعة على الحس الأمني فتظهره تارة بمظهر الميل الوجداني القائم على الشعور والإحساس، بينما قد يظهر تارة أخرى بمظهر التوقع العقلاني على الفكر والاستنباط (32)
عدم الثقة بالأجهزة الأمنية: إن الأمن لا يمكن أن يتحقق ما لم تتعزز الثقة بالأجهزة الأمنية، وفي ظل الأوضاع الحالية للأجهزة الأمنية لا يجد المواطن عوناً حقيقياً من هذه الأجهزة تدعم عوامل الثقة، لأن هذه الأجهزة ما زالت ضعيفة بسبب محدودية إمكاناتها، وبسبب عدم التكاتف الحقيقي بين أبناء هذه الأجهزة التي تعيش حالة من التشرذم والأنانية من جهة. ومن جهة أخرى فهم بحاجة إلى قوة كبيرة تحركهم لأن الخلل والإحباط وصل إلى العمق السيكولوجي لهم، وأصبح لديهم عدم مبالاة عالية لا يستطيعون بها مواجهه مشاكلهم بأنفسهم، ويبحثون في حلها عن كبش فداء لهم.
الخلل في العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمجتمع: إن أحد أهداف الوجود الإنساني هو إقامة العلاقات فيما بين الناس من أجل التعارف الذي ينشأ عن تطور الحياة البشرية واستمراريتها ونماءها وبناءها، فلولا التعاون والتعارف والتفاهم بين الناس لما سارت الحياة بشكلها الطبيعي، ولما استطاع الإنسان بمفرده أن يستمر بالحياة، ناهيك عن تطورها.. حيث لا يعقل أن تقوم الحياة وتتطور وتتقدم بدون أن تنعقد جسورا للتعارف والتفاهم والتآلف فيما بينهم. والشرطة أو (جهاز الأمن) في حاجة إلى الحصول على ثقة الشعب وعليها أن تسعى لكسب هذه الثقة ومتى وثق الشعب فيها مد لها يد العون، وظفرت بتأييده في كل ما تتخذه من إجراءات)(33)
الفشل في حل الأزمة الأمنية: إن الأجهزة الأمنية التي تتبنى في سياستها عملية التراكم الكمي للعناصر والكوادر، دون اعتماد منطق التوزيع والتخصص، هي أعجز عن مواجهة الأزمة الأمنية، ففاقد الشيء لا يعطيه، فالجهاز الأمني هو في الحقيقة مجموع للأنشطة العملية للكوادر الأمنية، فإذا كان أفراد الجهاز يفرض عليهم سياسة التجهيل المتعمد أو غير المتعمد، فإن أدائهم أعجز من مواجهة الأزمات الأمنية العفوية، ناهيك عن الأزمات المخططة أو المبرمجة من قبل الآخرين.
المبحث الثالث: مراحل الأزمة الأمنية ونتائجها
أولاً: مراحل الأزمة الأمنية:
إن التطور المتلاحق، ودخول المشكلة الأمنية الداخلية، في فلسطين لمرحلة الأزمة، ينبع أولا وأخيرا من التراكم النفسي والاجتماعي الممتد من عقود متواصلة من التدهور الأمني، وليس وليد مرحلة معينة، أو مؤقتة، حيث عاشت فلسطين على مدار هذا القرن تهديدا أمنيا بفعل عوامل داخلية وخارجية في آن واحد.. وغذاها هذا الواقع اللاأمني المتراكم والمتزايد بمرور الزمن، حتى أصبح التهديد الأمني النفسي جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للفرد والمجتمع الفلسطيني.
وقد تصل الأزمة الأمنية إلى مرحلة من الاستفحال، حيث تتعمق الأزمة وتستفحل لتصل حداً يصعب التصدي له أو مواجهته، وعملية الاستفحال هي وصول الأزمة لمرحلة متقدمه تغطي المشكلة فيها كل المساحات المحيطة بها نتيجة للتداخل العميق بين أسبابها. بحيث تتجسد مظاهر تلك الحالة في انفراط عقد المجتمع، ووصول حالة الفوضى الأمنية فيه إلى الحد الذي يوضح وجود إفلاس في الأجهزة الأمنية في مواجهة أعراضها بشكل يجعل لبعض الأفراد أو الجماعات أو التنظيمات سلطة أمنية تفرض سيطرتها على بعض المناطق بكل ما فيها من موارد وأفراد.
وقد تتجاوز الأزمة الأمنية بعد عملية استفحالها أن تتعدى مجالها فتنتقل لمجالات أخرى قريبة منها لها تأثير عليها، حيث قد تنتقل مثلا إلى الحالة الاقتصادية، وبالتالي تشتد خطورتها مما قد يقود إلى انعدام القدرة على السيطرة عليها، بحيث يفقد المتصدين لها أي قدرة على التحكم فيها وعلاجها، لأنها تنتقل لمرحلة أكثر صعوبة، لسرعة الانتشار والتمدد في جميع الاتجاهات.
ولعل الخطورة الحقيقية في تلك المرحلة تكمن في أن أي قدر من الإفلاس الأمني المتمثل في الإخفاق في الحل يعتبر بحد بذاته من أهم عوامل زيادة درجة التصاعد والاستفحال لتلك الأزمة بسبب ما يعنيه من مضاعفة درجة التجرؤ على الأفراد والجماعات القائمة على التخطيط للأزمة والعمل على تنفيذها، وانتقالها إلى الطور الأخطر فيها وهو مرحلة أو عملية الفلتان الأمني.
ففي حالة أزمة أمنية، كالفلتان الأمني في فلسطين مثلاً.. الذي تحول من مرحلة المشكلة لمرحلة الأزمة وامتد على مساحة مكانية وزمانيه أكبر من كونه مشكلة، حولته لأزمة وليست مجرد مشكلة، حيث لم يجابه منذ البداية بأدوات ووسائل وأساليب ناجحة، وإنما تم التعامل مع هذه المشكلة بسطحية مطلقة، ولم يدخل إلى أعماقها السيكولوجية، مما أدى لتفاقمها وزيادة وتيرتها، ونماءها بشكل تراكمي.
وقد انقسمت مراحل تطور الأزمة الأمنية في فلسطين (الفلتان الأمني) لعدة مراحل هي:-
1- مرحلة اختلال التوازن الأمني (حدث أمني سلبي): وهي الحالة الأمنية التي يبدأ فيها الانزلاق السلبي في شكل حدث امني منحرف عن الحالة الطبيعية للاستقرار الطبيعي داخل المجتمع والدولة. وهذا يتطلب الشعور بالاختلال (الجسمي- الحسي- العقلي- العاطفي) بمدخل واحد، أو أكثر. والمعرفة والعلم بطبيعة الاختلال:(تواتر المعلومات اللازمة عن المشكلة وطبيعتها أسبابها ومسبباتها)
إن الحياة تسير بوتيرة تراتبية قد تكون كسمفونية متناغمة الإيقاع متوازنة الأنغام، و قد يخرج صوت نشاز من هنا أو هناك لا يؤثر علي الإيقاع العام لهذه السمفونية لكن من تكرار هذا النشاز قد يخلق حال من اختلال التوازن في هذه المنظومة المتناسقة المتناغمة .
والحدث الأمني عندما يتكرر سلباً ويؤدي إلي إحداث حالة من عدم التوازن الأمني يكون ذلك بداية التشكل لحالة لاحقة لها تكون أكثر صعوبة منها وهي عملية الدخول في طور المشكلة.
2- مرحلة المشكلة الأمنية: هي مرحلة دخول حالة اختلال التوازن المبدئي للمجال الأمني وتحول هذا الحدث السلبي لحالة من استمرار هذا الحدث الأمني لمدة أطول يجعل المجتمع يتأثر بها بشكل واضح وجلي، وتتبلور مرحلة المشكلة من عملية تراكبية لأحداث أمنية لا تجد لها اهتمام أو تلقي إهمال. والمشكلة الأمنية قد تتعمق وتمتد جذورها لتضرب إطنابها في ارض الوطن فتشكل عامل استنفاذ لطاقات وقدرات تمتد لتشمل العديد من جينات الحياة الاجتماعية مما قد ينقلها لطور التأزم .
3- مرحلة التأزم الأمني: وهي المرحلة التي تدخل فيها المشكلة الأمنية لحالة من الانتشار والاستفحال التي يفشل المجتمع في السيطرة عليها، وقد تتخذ المشكلة الأمنية شكلاً جديدا نتيجة لتطورها السلبي وتحولها من طور المشكلة إلى طور الأزمة، لتتشابك بشكل يتعزز معه التأزم حداً يصعب القضاء عليه، ولكن يتوقف السيطرة على المشكلة الأمنية وعدم منعها من الانتقال إلى طور الأزمة، هو تدخل العديد من العوامل الذاتية والموضوعية التي تساعد في الوصول لحل للمشكلة وعدم وصولها لحالة الفلتان الأمني كما هو الحال اليوم في فلسطين.
ويعتبر الباحث من خلال تخصصه في مجال علم النفس، ومهنته في المجال الأمني، أن لعملية الأزمة الأمنية الواقعة اليوم في فلسطين، والتي يطلق عليها(الفلتان الأمني) عوامل ذات جذور أعمق من الشكل الظاهر لها، والتي قد تخدع الكثير ممن يحاولون التصدي لهذه العملية بالوقاية أو العلاج، أن ينخدعوا بحلول قشريه تعالج المظهر ولا تدخل إلى عمق الأزمة والتي يمثلها البعد السيكولوجي.
ثانياً: آثار نتائج الأزمة الأمنية:
أ) آثار الأزمة الأمنية على المستوى النفسي للفرد:
الاضطراب النفسي الناجم عن فقدان التوازن: من المعلوم أن منشأ الاضطرابات والأمراض النفسية، هي عملية الصراع الداخلي لدى الإنسان الناجم عن اختلال التوازن النفسي لديه، ذلك التوازن الذي يحدث نتيجة للتكيف والتوافق الداخلي بين الإنسان وذاته، التي تمثلها حالة الرضى عن الذات، والتي تنتج الأمن والسكينة والاطمئنان، والتي تترجم السعادة في الحياة، والتي تعني بالصحة النفسية لديه.
ولا يظن الإنسان أن تحقيق التوازن الداخلي لديه يتم بمعزل عن المحيط، الذي يشكل الهواء الذي يستمد به استمرار بقاءه النفسي في الحياة، فالإنسان مرتبط بالضرورة، وليس بالاختيار، بنوعين من الضرورات أو بعالمين عالم الغيب والشهادة الضرورة المادية والضرورة غير المادية. وفي هذه العوالم يجب أن يحدث التوازن بينه وبين هذه العوالم، وأي خلل في إحداث هذا التوازن، يؤدي بالسلب على حياته النفسية، أي يفقده قدر معين من صحته النفسية، وهذه العوالم قد تشكل عليه ضغوطات نفسية، تؤدي إذا لم يستطع حلها إلى اضطراب، وربما لأعراض نفسية بعد ذلك.
ويعاني بعض الأفراد العاملين في المجال الأمني جراء تدهور الوضع الأمني وازدياد الفجوة بين رجل الأمن، وبين رجل الشارع، من ضغوطات نفسية حادة تقود إلى حالة من الإحباط الشديد، قد يؤدي إلى انهيار دفاعاته الداخلية، فتنشأ الأمراض النفسية العصابية.
الشك والأزمة الأمنية: عملية الشك “إننا نجد أن الشك بالمعنى السيكولوجي يرتبط بأحاسيس المرء وما يدور بخلده من مشاعر وعواطف وانفعالات. ولعل الحكم الذي يصدر في هذه الحالة إنما يتعلق بالمعقول والعادي من الشك وكذا الشك منه”. (34)
وبالنسبة لرجل الأمن لا يمكن له أن يزاول عمله إذا وصل الشك لديه إلى حاله مرضية، وعلى رجل الأمن أن يتغلب على ذلك بمواجهة هذا الشك والتعامل معه كأنه غير موجود. بل أن شجاعته وثقته بنفسه وقدرته على ضبط نفسه وقناعته التامة بتنفيذ المهمة الموكلة إليه بدون تردد أو وفق حسابات شخصية، ستساعده على التخلص من هذا الشعور ومواجهته بكل سهولة. ومن هنا تظهر أهمية دور الجهات الأمنية المسؤلة في توظيف كوادرها وترسيخ قاعدة عدم الشعور بالشك لدى العاملين لديها ليكونوا قادرين على أداء عملهم بنجاح .
الميل للعدوانية (نظرية التطهير): تتمحور نظرية التطهير في ” أن الفرد خلال مسيرة الحياة اليومية يواجه بإحباط تقوده بالتدرج للمشاركة في أعمال عدوانية، والتطهير هو إراحة النفس من مثل هذه الإحباطات من خلال مساهمة بديلة في عدوانية على الآخرين”.(35)
ومن أخطر الأمراض النفسية السلوكية التي قد ينحرف إليها رجل الأمن باعتباره رجلاً مسلحاً الميل للعدوانية وربما للانتقام من الآخرين هذا بالإضافة إلى التكبر والغرور والاستعلاء على الآخرين, لأن السلاح قد يتطاول في يد بعض الأفراد الأمنيين الذين لا يحترمون السلاح في أيديهم .
مرض الاكتئاب: “الاكتئاب هو خبرة وجدانية ذاتية أعراضها الحزن، والتشاؤم، والإحباط، والضيق، وفقدان الاهتمام، والشعور بالفشل وعدم الجدوى من إنجاز أي شيء، وضياع الإحساس بالرضا، والرغبة في إيذاء الذات، والتردد في اتخاذ أي قرار مهما كان تافها، وترك الأمور معلقة دون حسمها، والإرهاق دون مجهود يذكر، وفقدان الشهية للطعام، ومشاعر الذنب واحتقار الذات، وتأخر الاستجابة للمثيرات المحيطة وعدم القدرة أو عدم الرغبة في بذل أي جهد”.(36)
عدم الإحساس بالهوية:”إذا تقطعت الروابط الأولية التي تمنح الإنسان الأمن، فإنه يبحث عن بدائل ثانوية “تمنحه الشعور بالأمن وترد إليه الإحساس بالهوية، وترفع عنه عبئ الشعور التي لا يطاق بالوحدة والعجز واللاجدوى بالاندماج في شيء يعطيه الإحساس بالقوة والأمان، وهذه القوة قد تكون شخصا أو مؤسسة أو إلها أو أمة أو ضميرا أو قهرا نفسيا”.(37)
انتشار سيكولوجية الخوف: الخوف من الطبائع التي فطر عليها الإنسان فهو موروث من جانب ولا أمل في اقتلاعه من جانب آخر وإنما يراعى فيه حسن التوجيه، وللبيت والمجتمع والخبرات الفردية أثرها في التخفيف من عبء هذه الفطرة أو زيادتها.
“فالخوف غريزة كامنة في النفس الإنسانية وللخبرات التي يراكمها الإنسان منذ طفولته دورا هاما في كسب المعرفة بالأسباب التي تثير هذه الغريزة وتوقظها” (38)
والخوف “شعور غير مريح ينشأ كردة فعل طبيعي لخطر حقيقي وواقعي وهو عبارة عن عاطفة تنتج من استقبالنا أو شعورنا بوجود خطر واضح أو أحيانا عند الشعور بخطر كامن”. (39)
كما أن شعور رجل الأمن بالخوف يتنافى تماما مع الصفات التي يجب أن يتحلى بها ومتطلبات العمل الأمني فرجل الأمن هو: “الشخص المكلف بالمحافظة على الأمن في جميع الأماكن المحيطة بأمن المواطن وممتلكاته وتنفيذ أوامر الدولة وتطبيق أنظمتها دون المساس بأموال الناس وأعراضهم وحرياتهم الشخصية”. (40)
يتعرض رجال الأمن لمواقف وأحداث مخيفة بسبب طبيعة عملهم الأمني، وبالتالي قد نجد أحيانا أننا غير قادرين السيطرة على الأشياء أو الأحداث التي نمر بها أو تحدث لنا لكننا نستطيع التعلم السيطرة على عقولنا وردود أفعالنا وتصرفاتنا وبهذه الطريقة نتخلص من الخوف. “فليس من الممكن التحكم بالأحداث الخارجية لكننا ببساطة إذا سيطرنا على عقولنا فما الحاجة للسيطرة على الأشياء الأخرى المحيطة.”(41)
ومهما يكن مصدر الخوف فان الإنسان يحاول طلب النجاة لنفسه والبحث عن ملاذ يلوذ به ويبعد عنه “وإذا ما عرفنا أن حياة الكائن الحي هي عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات من المخاوف عندها تكون الحاجة للأمن من أهم متطلبات الإنسان في حياته، من هنا تنشأ العلاقة الوثيقة بين الأمن والخوف ويكونان معا قطبي الحياة الإنسانية، فإذا كان الخوف قطبها السالب فان الأمن قطبها الموجب” (42)
وتقليل “الحساسية من الخوف يكون من خلال ممارسة أي عمل ممتع عند الشعور بالخوف وبذلك تقلل من الحساسية بالخوف وتشغل العقل بعمل ممتع تقوم به”.(43 )
ب) آثار الأزمة الأمنية على مستوى المجتمع:
التصدع المجتمعي: إن من اخطر النتائج التي يخلفها الفلتان الأمني ضخامة الآثار السلبية لتلك التبعات التي تلحقها وذلك بسبب مساسها بالعديد من المصالح الجوهرية بالمجتمع وذلك بما تمتلكه من قدرة علي تفتيت اللحمه الداخلية وتحطيم الوحدة الوطنية القائم عليها عملية الفلتان الأمني وقد تتجاوز النتائج والتبعات والآثار مجال العمل الأمني الذي أفرزته الأحداث لتمتد علي مساحة اعم واكبر واشمل في كافة أنحاء الوطن، وفي كافة المستويات، وفي جميع الاتجاهات.
إن المجتمع الذي يتعرض في حياته بشكل كبير ومتواصل لعمليات القمع الأمني قد يجد في الصدامات مع الآخرين منفذا أو وسيلة للتصريف والتفريغ الانفعالي، مما يؤدي لتفاقم الوضع سوءاً على المستوى الأمني الواقعي وعلى المستوى الأمني الفردي، فينشأ نوعاً من التصدع المجتمعي، مما جعل التصدع هو عنوان المرحلة، لذا يجب العمل لرأب هذا التصدع، باتخاذ إجراءات محسوسة من خلال ترسيخ مفهوم أمني شعبي، والتأكيد على ضرورة إيجاد علاقة تفاعلية بين المواطن والأمن، ووفق هذا يمكن إشراك المواطن في العملية الأمنية، بحيث يعاد بناء المجتمع ليس وفق المحسوبيات والعلاقات الحزبية والشخصية، لأن ذلك يعني الدوران في حلقة مفرغة تجعل مطالبة المواطن بالمشاركة في تعزيز الأمن، قضية بائسة بلا معنى. أو يقود أحيانا الوضع اللامستقر وغير الأمن الذي يتعرض له المجتمع من حالات عصاب ما بعد الصدمة، وفي هذه الحالة يشعر رجل الأمن بنزيف نفسي داخلي متواصل يؤدي به لفقد كم كبير من طاقته النفسية التي تقوده إلى حالة من التعب والإرهاق الشديد، يشبه ما يصاب به الجندي بعد خوض معركة قاسية.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا ظننتم فلا تحققوا) الظن أحيانا الذي هو بعبارة أخرى شكلا من أشكال الوسواس الشرير الذي يغزو الفرد. أي هو كما يقول البعض (حديث النفس) والخواطر التي ترد على الإنسان وتجعله يظن الشر في فلان أوعلان.
سيادة القلق في المجتمع الفلسطيني: القلق في جوهره موجه للمستقبل.. فهو توقع حصول شيء مكروه أو غير محبوب للنفس، أو فقدان لشيء عزيز أو محبوب للنفس. ينتج عن هذا التوقع شعور نفسي سلبي (خوف) يؤثر على النشاط النفسي والجسمي. وثمة إتفاق بين المشتغلين بعلم النفس، والطب النفسي في أن القلق يمثل عصب الحياة النفسية، ويعتبر المدخل الجوهري لدراسة الصحة النفسية للإنسان، وأن “القلق خبرة انفعالية كامنة ومتأصلة في وجود الإنسان، قديمة قدم الإنسان نفسه، وأن درجة الشعور بالقلق ومستواه تختلف باختلاف الظروف المهيئة للقلق، والعوامل والأسباب التي تساعد على نشوئه، بالإضافة إلى المكونات النفسية للأفراد، والتي من شأنها أن تجعل البعض من الأفراد يشعرون بمستوى مرتفع من القلق، في حين تكون درجة معينة من القلق، أمرا لا مناص منه لمن أراد أن يطور حياته وينجز عمله”. (44)
وأحيانا ما يقود الخوف جراء تردي حالة الأمن الداخلي إلى حالة من القلق الشديد، الذي قد لا يعرف له سبب. ومن أخطر ما ينمي القلق ويطوره، إذا امتلك الشخص شخصية تضخيمية أي تضخم المواقف بشكل أكبر من حجمها الطبيعي، وأحيانا تحميل هذه المواقف لما لا تحتمل.
“والأمة التي تحوز الأمن التام في الدنيا والآخرة، هي أمة التوحيد والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها إذا سعت للحصول على الأمن في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما معا، بغير ذلك، فسعيها ضرب من اللعب واللهو”. (45)

المبحث الرابع: أساليب وطرق حل الأزمة الأمنية
أولاً: العوامل المساعدة لحل الأزمة الأمنية (الفلتان الأمني):
إن هناك بعض العوامل لو حسن استغلالها لأدت إلى المساعدة في حل هذه الأزمة الأمنية ومنها:
التعاطي الصحيح مع الأزمة : لقد أخطأ كل من حاول التصدي لحل الأزمة عندما جردها من التراث السيكولوجي لها، وعمد إلى التعاطي مع الحل من خلال الواقع القشري والسطحي لها.. وهذا هو جزء مهم من تفاقم الأزمة، اضافه إلى أن من تصدى لحلها أناس إما كانوا ضعفاء في الجانب الأمني، أو كانوا يفتقرون إلى العلم النفسي للتعاطي مع المشكلة، كطريقة التشخيص والحل والمتابعة.
والأمر الأكثر حساسية على الفرد والمجتمع، ليس وجود الأزمة بحد ذاتها، حتى لو تعقدت إنما الأخطر من ذلك أن يكون الإنسان نفسه هو الضحية لحل هذه الأزمة.. أو بمعنى آخر أن تنتهج وسائل لا أخلاقية ولا إنسانية لحل هذه الأزمة على حساب الإنسان. وهذا بحد ذاته يعتبر حلا لمظاهر المشكلة والأزمة, ولكنه في الحقيقة ينقلها من مرحلة التوقد لمرحلة الكمون، حيث يعتقد البعض ممن يتصدى للحل أنه قد أفلح في إذابة هذه الأزمة، ولكن في الحقيقة ما قام به هو مجرد إطفاء اللهيب، وإبقاء الجمر على توهج وتوقد، سرعان ما يعود تحت أي رياح بسيطة.
وهذا مجرد نقل من الجانب الشعوري للجانب اللاشعوري الأخطر، الذي قد يريح الفرد نوعا ما، ولكنه قد يشكل وبالاً عليه في المستقبل، لأنه لم يحل الأزمة، إنما قام بعمل إحالة لا شعورية لها، قد تتفجر في أي حين بشكل أكثر عمقاً، وأشد عنفاً من ذي قبل. وكثيرا ما يلجأ الأفراد للترحيل عبر التبريرات الخاطئة، وذلك لعدم القدرة أو الرغبة على مواجهة التجربة العنيفة التي تفقد الإنسان تماسكه الداخلي، وتؤدي إلى موته بالمعنى النفسي وليس بالمعنى المادي، وهذا قد يعود إلى أن من تصدى لحل الأزمة لم يكن على علم أو دراية بأن لكل مشكلة ولكل أزمة بعدا نفسيا، أو أن يعمل على تأجيل هذا البعد في التعاطي مع الحل، أو في عملية إدارة الأزمة أثناء الحل.
عدم تقزيم المشكلة : إن من أكبر عوامل فشل مواجهة الأزمة الأمنية يكمن في عملية تقزيمها وتهوينها، أو ترحيلها، أو تجاهلها. وظاهرة التهوين الأمني (تقزيم المشكلة).. هي تلك الممارسة التي تسيطر على فكر بعض الكوادر الأمنية وتصورها بشكل يجعلها تكابر دائما ولا تسلم بوصول الحالة الأمنية إلى حد التأزم القلق، ومن ثم تلجأ لأسباب عدة إلى التقليل من حجم الحالة الأمنية بصفة عامة إلى الحد الذي يجعلها وكأنها حالة عادية .
عدم الإسراف في الثقة : إن حالة العجز كسلوك إجرائي، لا بد أن يسبقه شلل فكري ونفسي، يصل بالفرد إلى حالة من العجز، لا يستطيع الحراك فيه في أي اتجاه.. حيث ينتظر مصيره المحتوم.. وهو شبه مخدر لا يفكر حتى بالذود عن كيانه الذاتي الداخلي وعملية الاسراف فى الثقه تبدأ أحيانا من عملية الغرور الأمني على المستوى النفسي، حيث يعتبر الإسراف في الثقة والإفراط في استشعارها وتصديرها للعاملين فيها من اخطر المعوقات التي تحول دون إمكان غرس الإيمان الحقيقي بضرورة التدريب على إدارة الأزمات في نفوس الأفراد.
سوء إدارة حل لازمه الأمنية : إن المتتبع لكثير من الأزمات الأمنية، يرى بوضوح أن المنطق العقيم الذي يستخدم في مواجهتها هو السبب الأساس في تعقدها وتأزمها، حيث أن سوء إدارة الأزمة.. قد ينبع منذ البداية من عملية التصدي المجزوء لها، والأخطر من ذلك علاجها عبر عوامل مادية بمعزل عن العوامل النفسية التي قد يكون لها الأثر الأكبر والأبلغ في تطورها.
لذلك لا بد من التأكيد على أهمية مشاركة علم النفس في التصدي للعوامل السيكولوجية المؤثرة في الأزمة الأمنية وتفاقمها بالحل والعلاج. حيث أن تصدي البعض لذلك دون مؤهل نفسي علمي، قد يؤدي إلى تشخيص أو علاج خاطئ لعوامل الأزمة، أو قد يقود إلى علاج سطحي قشري، سرعان ما يقود الأزمة إلى سابقتها بشكل أخطر.
لذلك ننصح بالتعرف على طبيعته ومكونات كل مشكلة على حدة، ثم بيان مدى عمق الترابط والتأثير والتأثر كل مشكلة بأخرى ثم نتناول الحل للمشكلتين بشكل متوازٍ وليس بشكل متتابع مع عدم التأجيل. وفرق كبير بين تأجيل المجابهة لتحضير أدوات المواجهة، وبين تأجيل التعامل مع الأزمة، تحت شعار عدم القدرة، عبر إحالة حلها لعامل الزمن-وكأن الزمن نظام يعمل لحساب الكسالى والجبناء- لأن الإحالة تنم عن إبقاء الوضع على ما هو عليه.
عدم إزاحة المشاكل بإزاحة الأشخاص : إن كثير من الناس ما يفرض على نفسه مواقف هو في غنى معها، وذلك بتحميل ذاته مواقف وآراء بإمكانه أن يقفز عنها، أو يتعارض عنها، وذلك بتكبيل اليدين، بأنه يجب عمل كذا، وإلا التوقف. إن هذا المنطق يعود بالضرر على عملية التفكير لديه وعلى أسلوب العمل والممارسة. فيرى خطأ بأن إزاحة فلان من طريقه هو الأسلوب الأنجع للتعامل مع الآخرين.
لكن إذا اقتنع بأن هذا الموقف سيئ، فيجب أن يمارس معه أسلوب التغيير.. الذي ينطلق من مساعدة الشخص ذاته على ممارسة الصواب، والبعد عن الخطأ.. لا أن يصادقه أو يوافقه لكي يستمر بل يدافع عن الخطأ، وكأنه يدافع عن ذاته.
عدم ترحيل المشاكل للمستقبل : إن سيكولوجية عدم مواجهة الذات بحقيقتها وبمشاكلها، وترحيل هذه المشاكل للمستقبل هو في الحقيقة يزيد ويفاقم من الأزمة، لأن ترحيل الأخطاء، هو تأجيل مواجهة الذات (الأنا) بأخطائها، وهو أخطر من عدم الاعتراف، لأن عدم الاعتراف بالخطأ في الغالب يكون حالة شعورية للهروب من الخطأ، أما تأجيل المواجهة للخطأ فيكون إرادي شعوري في الغالب.
وهذا خطر كبير لأن إحالة حل المشكلة التي تواجه الفرد أو الجماعة للمستقبل، وعدم مواجهتها آنياً، هو ضخ دم جديد ومتواصل في تغذية المشكلة، وأما البحث عن حلول، أفضل من ترحيلها للمستقبل.
عدم ترحيل المشاكل باسم الأولويات : يحاول البعض ترحيل المشاكل، تحت اسم (الأولويات) أو ما يطلق عليه البعض من الفقهاء (فقه الأولويات) الذي فهمه البعض بأنه فقه ترحيل المشاكل، وهذا خطأ، فهناك فرق كبير بين عملية ترحيل المشاكل ومواجهتها، وعملية فقه الأولويات.
ففقه الأولويات يعني أن تبرمج حياتك وفق سلم من الحاجات تنطلق من الأهم فالمهم وهكذا أو تنطلق من مواجهة الحياة بمشاكلها بعملية عقلية منتظمة تبدأ بحل المشكلة الأكثر أهمية، وهذه يحددها نفس الشخص، ولا تعرض عليه من الخارج. لأن (فقه الأولويات) ينطلق من فلسفة (فقه الواقع)، أي ما نحتاج له نقوم بتنظيمه وبرمجته، وفق سلم متسلسل نسعى طوال الحياة لتحقيقه.
عدم الاعتراف بالخطأ : إن جزء مهم من حل أي مشكلة هو الإعتراف بفشل حلها، أي الاعتراف بالخطأ، وعملية الاعتراف بالخطأ سهلة في حد ذاتها، ولكنها تحتاج لقرار عقلي، والقرار يحتاج لقناعة، والقناعة تحتاج لموقف تحليلي لما حدث، والموقف التحليلي يحتاج لمعلومات عقلية لتفسير هذا الحدث، كما يحتاج أحياناً للمساعدة من الآخرين لإدراك هذا الخطأ. فعندما يعاني شخص من مشكله أو موقف نفسي أو عاطفي ولا يطلب المساعدة من أحد، لا أحد يهب لمساعدته وهذه المشكلة قد تقتله. أي إنه بعدم طلب المساعدة لا يساعده الآخرون، ولا يشعرون بأنه يعاني من مشكلة، لذلك عليه أن يشعر الآخرين بمشكلته، لا أن يلعنهم لأنهم لم يساعدوه، أو لأن هؤلاء الناس غارقون في مشاكلهم الذاتية، التي قد يرى الشخص أنهم لا يعانون منها، لكن في الحقيقة المشاكل تملأ كيانهم، لذلك فهم مشغولون بأنفسهم عنه، وبالتالي لا يستطيعون حل مشاكله، لأنهم لا يستطيعون حل مشاكل أنفسهم.
ثانياً: طرق وأساليب حل الأزمة الأمنية (الفلتان الأمني):
تحجيم الأزمة الأمنية : و تتم عملية التحجيم من خلال التعرف على أسباب وعوامل الأزمة الأمنية، وكذلك التعرف على حجم نشاطها وأخطارها، وبالتالي لا يمكن تحييد الأزمة أو تحجيمها بشكل منقطع عن نشأة وتتطور تلك الأزمة وعواملها، بحيث تسعى عملية التحييد إلى عزل تلك الأزمة عن عواملها ثم توفير عوامل أخرى تعيد الحالة النشاز إلى وضعها الطبيعي.
و(يقصد بتحجيم الأزمة الأمنية مجموعة الأعمال التي تبذل من جانب الأجهزة المختصة لتحديد نطاق تلك الأزمة وتحييد العوامل المؤثرة فيها بهدف حصر أضرارها والسيطرة على أخطارها).
وعملية التحجيم تهدف إلى انحصار الأزمة في نطاقها الذاتي دون التصاعد لكي لاتصل حداًً لا يمكن معه السيطرة على الوضع، ولكي يعود الوضع تدريجياًً إلى ما كان عليه قبل ابتداء أو انطلاق تلك الأزمة، لا بد أن يتم تقليص أو تحجيم خطر الأزمة وذلك بتحديد نطاق الأزمة بشكل دقيق وواضح، وبقطع روافد تغذية هذه الأزمة التي تزيد من وتيرة إشعالها. و لضمان عملية التحجيم للأزمة يجب أن يختار الوقت المناسب لها بدون تقاعس أو تأخير، لأن إطالة أمد الأزمة يطيل من عمرها ويزيد من تعقيدها ويصاعدها بوتيرة أكبر.
إحتواء الأزمة الأمنية : ومن أبرز عوامل المواجهة للأزمة الأمنية (تحجيمها) أي احتواءها… وهذه العملية تأتي كرد مباشر لوجود أزمة حقيقية في الواقع، يجب أولا أن نحس ونشعر بها ونسلم بوجودها، ومن ثم نحاول أن نضرب حولها طوقا مناسبا يوقف تمددها، ويحجز أطرافها في نطاقها، لكي نحول دون استفحالها، واستعصاء حلها… أي السعي ليس إلى البحث عن حل مباشر لها إنما لقطع إمدادات التغذية والنماء التي تمد بها روافده.
تجفيف منابعها: ثم نبدأ بعمل عدة إجراءات تنفيذية فاعلة لقطع روافدها، أي تجفيف منابع تلك الأزمة بطريق إلتفافي بدون مواجهه أو مجابهة.. وهذا لا يتأتي إلا بوضع اليد على عوامل بقائها ووجودها الحقيقي، وذلك بالتعرف على المتغيرات الأساسية التي لها علاقة بالمشكلة التي أنتجت الأزمة، وفي نفس الوقت التعرف على المتغيرات الثانوية التي تشكل عاملا مساعدا لوجودها.
التدرج في الحل: من الخطأ الجسيم أن نسعى مباشرة إلى مجابهة الأزمة لمحوها أو القضاء عليها، حيث نستسهل هذه الأزمة، فنوجه قدر غير مناسب للتعامل معها، مما يستفزها ويثيرها ويزيدها، وربما يخرجها عن طريقها ومسارها. لذا فإن التدرج في الحل لأي مشكلة يساعد في تحجيم المشكلة.
وللتدرج في الحل لا بد من توافر عدة عوامل وهى: -
العامل الأول: توافر المعلومات وقاعدة بيانات دقيقة وحقيقة عن كل ما يتعلق بجذور تلك الأزمة سواء على مستوى الأشخاص أو الأهداف أو الدوافع أو العوامل بحيث تكون تلك المعلومات صادقة ومؤكدة والعامل الثاني: يتمثل في سرعة التعاطي مع هذه المعطيات ميدانياًً وعدم تراكمها والمبادرة بشكل مخطط لوأدها وإيقافها.
العامل الثالث: يتمثل في القضاء على عوامل تغذية الأزمة ومدها بكل روافد التأزم لأن عملية تطور الأزمة لا يتم إلا بقطع دابر العوامل التي تغذي هذه الأزمة التي تؤجج لهيبها.
أساليب إدارة حل الأزمة الأمنية في فلسطين:
إن البداية الأكثر صوابية في حل الأزمة الأمنية يكمن في كيفية إدارة هذه الأزمة منذ البداية من حيث حسن توظيف كافة المعارف والقدرات في المجال الأمنى بالوصول إلى اختيار أفضل البدائل المتاحة والقادرة على حل المشكلة الأمنية المعقدة، ولذا فإن إدارة الأزمة لا بد أن تعتمد على جوانب هي:
1- الاستعداد والقدرة والإرادة (الذاتية- والموضوعية) أي توافر شروط نية الإصلاح والتغيير لدى المعنيين بالتغيير وذلك من خلال اتخاذ إجراءات التغيير والمواجهة والمجابهة والتنظيم لذلك يحتاج إلى خطة تتمثل في المنهج- القيادة- التنظيم
2- تقييم إعادة التوازن للفرد أو المجتمع:
أ- نسبة الخسارة بعد مرحلة المواجهة، وتتم هذه العملية بحساب نسبة المتبقي من التوازن ليكون الناتج الخسارة، ومن ثم معرفة نسبة الفاقد لتعويضه.
ب- ترميم وإصلاح ما فقد من التوازن أثناء الأزمة إلى حالته الصحية، أو إلى ما كان عليه في الوضع في السابق (وإذا كان حاصل فقدان التوازن أكبر، فإن الأمر ينتقل من الإصلاح لحالة التغيير)
ففي الحالات المادية يتم (الهدم ثم إعادة البناء) وفي الحالات العقلية يتم (غسيل الدماغ) وفي الحالات الانفعالية يتم (تغيير المشاعر السلبية إلى إيجابية).
ج- التقييم النهائي واستخلاص العبر للمستقبل في عملية التنبؤ أو الوقاية أو العلاج.
د- وضع قواعد ضبط وتحكم لبقاء حالة التوازن على حالها الطبيعي، وإعطاءها مصل من أجل التحمل عبر أساليب ( امتصاص الصدمة، وتشتيت الصدمة، وتفتيت الصدمة ).

كما تتم عملية أدارة الأزمة بالعديد من الأمور الفنية والتي تتمثل في مراعاة عدة جوانب هى:-
-الجانب المعلوماتي: وهو عملية الإلمام بالمعلومات الضرورية اللازمة لمواجهة الأزمة الأمنية ويتوفر هذا الجانب عن طريق توفير قاعدة بيانية جيدة من المعلومات.
-الجانب التنظيمي: وهو كل ما يمكن أن يكون من تخطيط وتنظيم وتوجيه وإعداد وبناء ولما كل ما يمكن أن يعتبر عمل منظم يؤدى إلى تحديد للأهداف والمرامي.
-الجانب الفني: وهو الجانب الذي يتمثل في التدريب على ما يمكن أن يحققه من وسائل ووسائط إجرائية فنية لذلك.
-الجانب الاقتصادي: وهو عملية حساب للتكلفة الكاملة لما سوف يحققه العمل الأمني لمواجهة الأزمة الأمنية.
-الجانب الاجتماعي: وهو عملية التعرف على إحساس الجماهير ومدى تقبلها للخطة الأمنية ومواجهتها.
-الجانب السياسي: وهو عملية الاستعداد التام من قبل القيادة السياسية على تحمل تبعات هذا القرار لمواجهة الأزمة وصناعها .
العملية الإجرائية لتطويق الأزمة الأمنية في فلسطين ( مقترح ):
1- الانتشار الأمني النفسي: وهذه العملية تمثل أول عمليات التحجيم أو التطويق الأمني للأزمة القائمة حيث يتطلب نشر أعداد كبيرة من القوى الأمنية بشكل استعراضي عرضي وغير مباشر بهدف نشر الرعب والخوف لدى عناصر الفلتان الأمني وخلق نوع من الاطمئنان والسكينة في نفوس الشعب. وذلك من أجل خلق حالة من الإعياء تصيب أصحاب الأزمة، وتقلل من حالة إحباط أفراد الشعب بشكل عام لكي تنحصر أعمال المستفيدين من هذه الأزمة وتتوقف أمانيهم من تحقيق مآربهم.
2- التطويق للأزمة: وتتم عملية تطويق الأزمة من خلال التعرف عل العوامل التي سببت وجودها، وكذلك العوامل التي تغذيها وتنفخ في إذكائها وانتشارها، وأيضاً تحليل المعلومات التي تم الحصول عليها من خلال البحث المستمر من جراءها.
3- المعالجة العملية: وتتم عملية هذه المعالجة عملياتياً من خلال وضع خطه عملية جيدة ومتواصلة. وهذه الخطة يجب أن تكون مباشرة على الأرض، تندفع فيها قوة كافية من القوة الشرعية (الشرطة) مسنودة بجميع أطياف البلد.
تعقيب عام:
إن الأزمة الأمنية التي يتعرض لها المجتمع الفلسطيني اليوم، يجب أن يراعي فيها البعد السيكولوجي، في أثناء دراسة الأزمة، وأثناء التصدي لحلها، وأثناء المتابعة لهذا الحل. وهذا ما يجهله كثير ممن يحاول التعامل مع الأزمة، بحيث يجردها من العوامل المؤثرة فيها, وخاصة العامل النفسي.. باعتبار أن المشكلة والأزمة تتعامل وتتفاعل مع الإنسان بمكوناته الأساسية (الجسمية، والنفسية) التي يجب أن تراعي إلى أبعد حدود. وإن سيكولوجية الأزمة الأمنية، تتطلب من كل من يحاول التصدي لها دراسة المكونات السيكولوجية لهذه الأزمة، والنفاذ لها بحسب نفاذها للعمق النفسي للفرد أو الأمة.
إن الفشل في التعاطي مع الأزمة الأمنية في فلسطين والممثلة في الفلتان الأمني منذ البداية، كان فشلا نابعا من طبيعة التعامل مع نفسية الفرد الفلسطيني، وعدم دراية جيدة بهذه النفسية، وفي نفس الوقت تجريد المشكلة الأمنية في طورها الأول من عواملها ومكوناتها الأساسية، وخاصة المكون السيكولوجي لها. باعتبار أن الأزمة الأمنية تنبع من عوامل داخلية وخارجية (نفسية- اجتماعية) ومن خلال التفاعل بين هذه العوامل تنمو وتتطور وتتصاعد هذه الأزمة.
ومما ساعد أيضاً على تنامي هذه الأزمة (رغم التصدي لها للمعالجة والحل) أن أغلب المتصدين للحل لا يحاولون التعرض للعوامل الداخلية لها، التي قد يصعب التدقيق فيها أو التعامل معها، خاصة أنها في الأغلب عوامل ذات طابع شخصي سيكولوجي وإنما يبحثون عن العوامل الخارجية. أي أن الأزمة الأمنية إذا لم تواجه منذ البداية، في مراحلها الأولى بشكل عميق ينفذ للجانب النفسي فيها ويحلها من جذورها، تنفذ لمرحلة أشد تعقيد وأكثر خطورة.
إن حالات التدهور الأمني التي تتعرض لها المجتمعات (جراء عوامل داخلية أو خارجية، أو بسبب انهيار النظام السياسي، أو عمليات التهجير القصري، أو بانتشار الفساد، أو بالعصابات المنظمة.. إلخ) لها مردود سلبي على مواطني هذه المجتمعات، خاصة أن الأمن يشكل للإنسان المطلب الثاني من ضروريات وجوده في الحياة. وبالتالي فإن من اخطر ما يتعرض له الكيان النفسي لدى الفرد، هو استمرار عملية التدهور (الفلتان الأمني)، حيث يفرض على نفسه التأقلم مع الوضع اللاأمني القائم في البلد، أو المحيط الذي يعيش فيه، وهذا الأمر بما أنه ينافي الطبيعة الوجودية للإنسان، ويهمش حاجياته، فإنه بالتالي يفرض وضعا نفسيا غير مستقر يغلي به كيانه النفسي الداخلي فيحاول أن يوهم نفسه بالقدرة على العيش مع هذا الوضع غير المقبول لكيانه وكينونته الداخلية، وبالتالي تصبح ذاته النفسية عرضة للأمراض النفسية، وكذلك عرضة للاضطرابات السلوكية، التي في حقيقتها تفريغ الشحنات من الغضب الداخلي المخزون الذي يبحث عن متنفس بأي شكل وأي ثمن.
إن من يقود عوامل التهديد الأمني (داخليا وخارجيا) يسعي إلى تدمير مقومات ودفاعات النفس لدي كل مواطن ليتسنى له فرض واقع امني يخدم مصالحه, ويدمر أو يعطل مصالح المجتمع, وذلك باستغلال عوامل نفسية ذاتية, وتقوية هذه العوامل الشخصية الذاتية, علي حساب المجموع, فتنطلق حفنه (قام المحتل أو المعتدي بعمل غسيل دماغ فردي أو جمعي لها) بنشر عوامل التخريب الأمني, والانسياب والفلتان الأمني علي حساب المجموع.
إن تعرض الفرد، أو المجتمع، لهذه الحالة من التدهور الأمني قد يسوق البعض إلى الانحراف بالواقع بشكل قهري مما قد يعكس هذا القهر في نفسه منظومة من التناقضات قد لا يقوى على حلها، فيلجأ إلى الإحالة (إحالتها للزمن)، وهذه الإحالة هي أول عمليات القضم النفسي، أو بعبارة أخرى التآكل للذات، أو يندفع لعمليات تفريغ لهذه الشحنات النفسية المكبوتة، بقدر غير متطابق أو مساوي لما يتعرض له من مواقف، فيعبر بها على شكل عدواني على الآخرين.
إن الأزمة الأمنية في فلسطين التي يطلق عليها (الفلتان الامنى) قد وصلت اليوم إلى الذروة التي إما أن تبدأ في الانحدار والهبوط شيئا فشيئا حتى تذوب وتنتهي وإما أن تنهار المؤسسة الوطنية بما فيها المؤسسة الأمنية وتحدث حالة الفوضى العارمة التي تعطل سير عجلة الحياة بشكل عام .
وحسب روايتنا فإن الأسباب التي تعيق التقدم في حل الأزمة الأمنية في فلسطين اليوم هي ذاتها الأسباب التي قد تساهم في حلها وانهيارها. وهذا ما يميز الأزمة الأمنية في فلسطين عن غيرها من الأزمات الأمنية التي تحدث في كثير من مناطق العالم.
إن الفلتان الأمني الذي أصبح جزءاًً من الحياة في فلسطين وشكل أزمة أمنية متواصلة، لا بد أن نجابهه بشكل فوري وسريع ضمن خطة علمية عملية تنتهج وسائل وأساليب حاسمة ومنطقية للوصول إلى حالة إعادة التوازن الأمني الذي أحدث هذا الفلتان وهذا يتطلب إعادة التوازن من أصحاب القرار وذوي النفوذ على مستوى الوطن وأن يسارعوا إلى وضع خطة شاملة ومتكاملة لذلك.
ورجل الأمن الفلسطيني كجزء من المجتمع، ولكونه إنسان أولا وأخيرا، لا بد أن يكون على قدر كبير من تحمل الأعباء والمسؤوليات في كافة الأحوال فهو لا يحمي نفسه فقط بل انه مسئول عن شعب بأكمله وعليه أن يشعر كل من حوله بالأمان وان ينشر الطمأنينة والعدل بين الناس. وهو الأجدر بان يكون قادرا على التحكم بمشاعره، باعتباره أكثر المؤثرين والمتأثرين بالأزمة الأمنية، لكونه يعمل في المؤسسة الأمنية، كان الضحية الأولى لهذا الفشل في حل الأزمة الأمنية، إذ كان هو أحد أركانها، وأحد عوامل تفاعلها بشكل سلبي، وبالتالي جني أول الثمار لها، جراء التعاطي السلبي مع هذه الأزمة في الواقع الحياتي. وأصبح العاملين في الأجهزة الأمنية على الساحة الفلسطينية، هم أكثر الناس اليوم الذين تنعكس عليهم تلك الأساليب الخاطئة التي تم التعاطي فيها في إدارة الأزمة الأمنية الداخلية، بل كانوا هم الضحية مرتين، مرة عندما أوكل إليهم حل الأزمة الأمنية بأساليب ووسائل وطرق غير صحيحة ولا تقوم على أسس سيكولوجية معمقة، ومرة عندما فرض عليهم الآخرين مسئولية هذه الأزمة، وباتوا هم وحدهم من يجنون التفريغ النفسي ضدهم. وباتوا معزولين ومنعزلين عن الحشد السيكولوجي الجماهيري الذي توهموا يوما منا أنهم محاطين به من كل جانب.
وإعادة التوازن في الواقع الفلسطيني بما يمثله من خصوصية تحتاج لأكثر من عامل مترابط للخروج من حالة الأزمة والعودة بها لبر الأمان. ومن أهم هذه العوامل توحيد الجهود الداخلية للقوى السياسية على الساحة الفلسطينية، من خارج وداخل المؤسسة الحاكمة، والالتفاف على موقف وطني داخلي موحد باعتبار الأمر الداخلي يجب أن يكون له الأولوية في المرحلة القادمة. ثم التقدم بمشروع وطني أو وثيقة وطنية تدعمها وتباركها وتلتزم بها جميع القوى العاملة على الساحة الفلسطينية.
وقد تولد قناعة للباحث من خلال تخصصه في مجال علم النفس، ومهنته في المجال الأمني، أن لعملية الأزمة الأمنية الواقعة اليوم في فلسطين، والتي يطلق عليها (الفلتان الأمني) عوامل ذات جذور أعمق من الشكل الظاهر لها، والتي قد تخدع الكثير ممن يحاولون التصدي لهذه العملية بالوقاية أو العلاج، أن ينخدعوا بحلول قشريه تعالج المظهر ولا تدخل إلى عمق الأزمة والتي يمثلها البعد النفسي.
لذا عمد الباحث إلى تناول هذا البعد بشكل معمق غير متجاهلاً الأبعاد الأخرى التي تؤثر على هذه العملية، باعتبار أن السلوك الانسانى انعكاس لما يختزنه الفرد من خبرات سابقه، قد حفرها الزمن في ذاته لتشكل مجمل أفكاره وعواطفه ونشاطه. وبالتالي أي سلوك هو نتاج للإنسان ذاته، ومن هنا لابد من التعمق في هذه الذات لوضع حد لما يمثله السلوك الشاذ في الواقع .. وهذا لا يتأتى إلا من خلال التعرف على العمق النفسي المؤثر بشكل كبير على النشاط السلوكي، ثم العمل على علاج هذا السلوك ليس عبر أساليب تعالج ظاهر السلوك، إنما عبر وقاية تنفذ لداخل النفس، وتعالج النفس التي استمرأت الانحراف وانجرفت في تيار السلوك الخاطيء والذي يعنى خروج على عادات وقيم المجتمع.
الخاتمة
ملخص البحث:
لقد استهل البحث بخلفية تشمل المبحث الأول والذي تناول: المقدمة، وأسباب المشكلة، وأهدافها، وأهميتها، والمنهج المتبع فيها، والصعوبات التي واجهت الباحث، والمصطلحات، ومحددات الدراسة. ثم منهج البحث.
والمبحث الثاني يشمل: أولاً: معالم وسمات الأزمة الأمنية التي تناول فيها الباحث عدد من السمات التي تحدد طبيعة الأزمة عن غيرها من المشاكل، كالتشعب، وحال الترويع، والصعوبة، والتسويف، والتخريب وسرعة الانتشار.
وثانياً: عوامل بروز الأزمة الأمنية، سواء على مستوى الفرد، أو تلك العوامل التي تكون على مستوى المجتمع، أو على مستوى المؤسسة الأمنية ذاتها. كالحالة الفردية للفرد سواء النفسية أو الانفعالية أو حتى الجسدية. أو حالة الفوضى وسيطرة حالة الشغب، وعدم احترام الناس للقانون، وما إلى ذلك. ووضع الفرد والمؤسسة الأمنية يؤثر تأثيراً بالغاً على عملية الفلتان الأمني.
والمبحث الثالث يشمل: أولاً: مراحل الأزمة الأمنية، والتعرف على المراحل وأطوارها التي تمر بها .. بحيث تسلم مرحله لأخرى، حيث تشكل هذه الأزمة مراحل متعاقبة ومتداخلة، كمرحلة اختلال التوازن الأمني، ومرحلة المشكلة الأمنية ، ومرحلة التأزم والفلتان الأمني.
وثانياً: آثار نتائج الأزمة الأمنية على المستوى السيكولوجي للفرد من حيث الاضطراب النفسي، وحالة الشك، والإحباطات، والاكتئاب، وعدم الإحساس بالهوية، وانتشار الخوف. ثم آثار الأزمة على مستوى المجتمع، والتي من أبرزها التصدع المجتمعي، وسيادة حالة القلق المجتمعي.
والمبحث الرابع: يشمل: العوامل المساعدة في حل الأزمة، والتي من أبرزها التعاطي الصحيح للازمه، وعدم تقزيم المشكلة، بالإضافة إلى عدم في الثقة، وسوء الإدارة للأزمة، وكذلك الحل المناسب لها.
وثانياً: طرق وأساليب حل الأزمة الأمنية، والعمل أولا على تحجيم وتطويق الأزمة، ثم القيام بعملية احتواء هذه الأزمة وتجفيف منابعها، ثم التدرج فى عملية ممارسة الحل ثم طرق وأساليب إدارة حل الأزمة الأمنية.
ثم تعقيب عام على الدراسة، وخاتمة وتشمل: ملخص للبحث، وأهم النتائج، ثم التوصيات.
أهم نتائج البحث:
- لقد تبين للباحث من خلال هذا البحث بان الأزمة الأمنية في فلسطين، والمسماة بالفلتان الأمني ذات عمق سيكولوجي يجب أن لا يغفل عنه في دراسة هذه الظاهرة التي تشكل تحدياً للذات الفلسطيني قبل أن تشكل تحدياً للمجموع. وأن العامل السيكولوجي الذي يغفل عنه الكثيرون في التعاطي مع الأزمة الأمنية، لابد أن يؤخذ بعين الاعتبار في أثناء عملية تشخيص وعلاج هذه الأزمة.
- كما تبين للباحث بان البنية النفسية التي تربى عليها قطاع غزة أكثر تعقيداً من غيرها من المناطق، لما يكتنز هذه المنطقة من نفسية ذات مخزون هائل من الألم والمعاناة جراء الممارسات الهمجية من قبل قوات الاحتلال.
- كما اظهر البحث بان الأزمة الأمنية التي يتعرض لها المجتمع الفلسطيني ليست نتيجة عامل واحد فقط، إنما هي محصله لجملة من العوامل المتشابكة والمترابطة التي تتضافر فيما بينها لتشكل تجمعاً ضاغطاً باتجاه خلق الأزمة وتواصلها، وهذه العوامل لا يمكن فصلها أو تجريدها عن بعضها البعض.
- كما تبين للباحث بان الأزمة الأمنية في فلسطين .. هي أزمة ذات طابع شمولي لا تبقى في نطاق أو مجال الأمن، إنما تمتد لتشمل جميع جوانب الحياة في المجتمع .. سواء الاقتصادي منها أو الاجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي …..الخ
- كما تبين للباحث بأن المعالجة الصحيحة والعميقة لحل هذه الأزمة يكمن في تعميق مبدأ التخلية والتحلية، حيث يجب أن تتخلى من النفوس كل ما يشوبها من بغضاء وضغائن، وتحليها بكل ما ينشر فيها من معاني الحب والوئام
- كما تبين للباحث بان الأزمة الأمنية في فلسطين لا تنفصل عن العمق الزمني الممثل في البعد التاريخي للصراع العربي الصهيوني، الذي افرز واقعاً يمثل العنف جزءاً فاعلاً من حياته اليومية. حيث أصل العنف الذي كان موجهاً للعدو الصهيوني أصلاً، لنفسيه ممتدة تاريخياً لممارسة العنف.
- كما قد تبين للباحث أن هناك علاقة بين عملية الفلتان الأمني وبين العمق المكاني المتمثل في البعد الجغرافي الذي يدور عليه رحى الصراع الواقع على وجه الخصوص في قطاع غزة .. دون الضفة الغربية مما ركز عملياً ممارسة العنف في هذه البقعة دون غيرها.
- كما اظهر البحث بان عملية الفلتان الامنى قد أصبحت عمليه معقده يجب التعامل أثناء حلها إلى اخذ جميع الاحتياطات اللازمة للحل، وخاصة لا يجوز أن يتصدى للحل من لا يملك الخبرة والقدرة.
- كما اظهر البحث أن من اكبر عوامل تنامي الأزمة هو تجاهلها أو الهروب منها، أو تقزيمها، مما يتطلب من أهل الحل والعقد الجرأة في الحل دون الالتفات إلى كثير من المبررات الغير مقبولة، فالإسراع في الحل يشكل جزءا مهماً من الحل.
- كما اظهر البحث بان رجل الأمن المخول بضبط الأمن والتصدي لحالة الفلتان الأمني هو أول من يجنى ثمار انتشار الأزمة لأنه أول من يكتوي بنارها.
توصيات:
- إنشاء بنك معلومات لرصد جميع الأزمات الأمنية السابقة سواء التي حدثت على المستوى المحلى
أو على المستوى العالمي وذلك بهدف التعرف على طرق وأساليب ووسائل حل الأزمات .
- إعداد برامج وخطط جاهزة لازمات أمنية افتراضية ووضع حلول وبدائل للتعاطي مع الأزمة والسيطرة عليها .
- إعادة النظر في المكون البشرى لعنصر رجل الأمن بحيث يكون عنصراً صالحاً لخلق مناخ أمنى وليس عنصراً مشاركاً في خلق الأزمة وتناميها.
- العمل على إنشاء إدارات عامة ضمن الأجهزة الأمنية تقوم بتدريب وتأهيل أفراد يتخصصون
في التعامل مع الأزمات.
- تعميق التعاون والمساعدة بين المؤسسة الأمنية وغيرها وخاصة فيما يتعلق بتبادل المعلومات والخبرات ومن ثم التنسيق لمكافحة هذه الظاهرة الأمنية السلبية.

التوثيق
(1) محمد إبراهيم عيد، الهوية والقلق والإبداع، دار القاهرة، ص34
(2) منيب البلبيسي،2002م، “الأمن النفسي وعلاقته ببعض المتغيرات الشخصية، والديمغرافيه لطلبة الصف الحادي عشر بمدارس محافظات غزة”، جامعة عين شمس، والأقصى بغزة، ص25.
(3) ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، لبنان، ج24- ص74
(4) الياس، المنجد، بيروت ، ص10
(5) محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي، “مختار الصحاح”، ص26-27، دار الفيحاء، بيروت
(6) ابن منظور، مصدر سابق، ج24 ص76
(7) المنجد، مصدر سابق، ص 18
(8) محمد عبد الكريم نافع‘ “أمن الدولة العصرية”، ط2-1992، كلية الشرطة-مصر، ص30
(9) محمد مدحت المراسى، “تنظيم إدارة الشرطة”، السنة الأولى، أكاديمية الشرطة- مصر، 1994، ص 135
(10) مركز أفق للدراسات والتدريب، كراسة الأمن، 1998 م، ص6
(11) جامعه مؤتة، كلية العلوم العسكرية “محاضرات في مادة الأمن الوقائي”،1995-1996، ص20
(12) حسن إسماعيل عبيد، “سسيولوجيا الجريمة”، الناشر ميد لايت– لندن، 1993، ص 18.
(13) عبد الكريم نافع ” الأمن القومي ” مطبوعات الشعب، 1975 م ، ص 29
(14) عمر قدوره، شكل الدولة، مدلولي، القاهرة.1997 م، ص 12
(15) الموسوعة السياسية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، ب-ت، ص 50
(16) مكنارا روبرت، جوهر الأمن، دار الطليعة، بيروت، 1989م، ص33
(17) عبد المنعم المشاط ” نظرية الأمن القومي العربي المعاصر” دار الموقف العربي، 1987، ص 16
(18) ليبمان وولتر، مؤسسة الأهرام الدولي، القاهرة، 1984، ص25
(19) المنجد، مصدر سابق، ص 529
(20) ابن منظور، مصدر سابق، ص 3454
(21) الأزمة الأمنية، ب-ت، ص 35
(22) موقع البلاغ، العوامل المؤثرة في سلوك الفرد”، 7/8/2003 :19 http://www.balagh.com)
(23) علي الرفاعي”العلاقات العامة في الشرطة” روز اليوسف، أكاديمية الشرطة، ص51
(24) شرطة جدة، 19/7/2003 :1 www,jeddahpolice.gov
(25) حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، المسلكية الثورية، ص 45 .
(26) عبد الرحمن محمد العيسوي، علم النفس العسكري”، دار الراتب الجامعية،1999م، ص143
(27) السلطة الوطنية-الأمن العام ” مناهج تدريب القيادة والاداره ” 1999 ، ص 417
(28) معتز عبد الله “الحرب النفسية والشائعات”، دار غريب للطباعة والنشر-القاهرة1997، ص85.
(29) محمد البيومي،”ظاهرة تصفية العملاء” الطبعة الأولى، غزه، 1994، ص 71.
(30) خضر عباس، ” دراسة لبعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي”
رسالة الماجستير،2000م، ص145
(31) سفيان أبو نجيلة، “مدخل علم الاجتماع النفسي، غزه، جامعة الأزهر، 2001 ، ص66 .
(32) أحمد خليل “الحس الأمني وأثره في تحقيق المواجهة الجنائية، السنة الرابعة، أكاديمية الشرطة، ص24.
(33) نصار نصار، أحمد أبو السعيد، العلاقات العامة ب – ت ، ص36.
(34) نبيل راغب “سيكولوجية الشك” ب-ت، ص22
(35) عبد الرحيم نور الدين،”طرق الكتابة التلفزيونية”، أكاديمية نايف‘ 1998، ص9.
(36) نبيل راغب ” اخطر مشكلات الشباب، دار الغريب، القاهرة، ص 223 .
(37) محمد إبراهيم عيد 213- الهوية والقلق – دار القاهرة، ص 213
(38) محمد أبو رحيم “4/9/2003 : 3، http://www.saaid.ne )
(39) جريدة الرياض-العدد 12642، 31/1/2003 : 1، http://www.alriyadh.com.sa
(40) رجل الأمن” شرطة جدة، 19/7/2003: 1 www,jeddahpolice.gov
(41), 1/10/2003 http://www.dealingwith fear.org
(42) عبد العزيز الناصري، مجلة النبأ العدد 61، أيلول 2001 : 2- http://www.annabaa.org 3
(43) مصطفى أبو سعد، “خطوات التربية الإيجابية” الفرقان العدد244، 24/5/2003: 1-2، http://www.forqan.com
(44) محمد إبراهيم عيد،”أزمات الشباب النفسية، الناشر زهراء الشرق دار الغريب، القاهرة، ص79
(45) 29/أكتوبر/2001 : 2، من 288 http://www.islah.org)

المراجع
مراجع الكتب:
- أحمد ضياء الدين خليل، “الحس الأمني وأثره في تحقيق المواجهة الجنائية”، السنة الرابعة، أكاديمية الشرطة، ب-ت.
- ابن منظور، ” لسان العرب” دار المعارف– لبنان، 1119م
- كرم الياس، المنجد، بيروت ، ب-ت
- الأزمة الأمنية، مركز افق ب-ت،
- حسن إسماعيل “عبيد سوسيولوجيا الجريمة”، الناشر ميدلايت-لندن، 1993م
- حركة التحرر فتح، “قواعد المسلكية الثورية”، ب-ت
- خضر عباس، “دراسة لبعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي” رسالة الماجستير، غير منشورة، الجامعة الإسلامية-غزة، مكتبة المنار، 2000م
- دوسيه دورات في الأمن، دورة التخطيط والقيادة، ب-ت .
- سفيان أبو نجيله، “مدخل إلى علم الاجتماع النفس” 2001م، جامعة الأزهر- بغزة.
- السلطة الوطنية الفلسطينية- الأمن العام، “منهاج تدريب القيادة والإدارة” ، 1999م
- عبد الكريم نافع، “الأمن القومي”، مطبوعات الشعب، 1975 م .
- عبد الرحمن محمد العيسوي، “علم النفس العسكري” دار الراتب الجامعية،1999م
- عبد العزيز المحمد السلمان، “الكواشف الجلية في معاني الواسطية” الطبعة العاشرة، شركة الراجي للصرافة ولتجارة 1401هـ 1981م الرياض- السعودية.
- عبد الرحيم نور الدين، “طرق الكتابة التلفزيونية والأخبار والبرامج التلفزيونية ومعالجتها للقضايا الأمنية، 1419هـ- 1998، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية- السعودية.
- عبد المنعم المشاط، “نظرية الأمن القومي العربي المعاصر”، دار الموقف العربي، 1987م
- علي الرفاعي، “العلاقات العامة في الشرطة” مطابع روز اليوسف الجديدة، وزارة الداخلية- أكاديمية الشرطة- كلية الشرطة، ب-ت.
- عمر قدوره، “شكل الدولة وأثره في الأمن”، مكتبة مدلولي، القاهرة، 1997 م
- كلية العلوم العسكرية- جامعه مؤتة، “محاضرات في مادة الأمن الوقائي”، 1995-1996م
- مركز أفق للدراسات والتدريب، كراسة الأمن، 1998م
- ليبيمان ولتر، مؤسسة الأهرام الدولي، القاهرة، 1984م.
- محمد إبراهيم عيد، “أزمات الشباب النفسية” كلية التربية- جامعة عين شمس، الناشر زهراء الشرق- القاهرة
- محمد إبراهيم عيد، الهوية والقلق والإبداع- دار القاهرة.
- محمد عبد الكريم نافع‘ “أمن الدولة العصرية”، ط2-1992، كلية الشرطة-مصر، ص30
- عبد الرحمن محمد العيسوي، “علم النفس العسكري” دار الراتب الجامعية،1999م
- دوسيه دورات في الأمن، دورة التخطيط والقيادة،ب-ت .
- محمد مدحت المراسي، “تنظيم إدارة الشرطة”، السنة الأولى، وزارة الداخلية، أكاديمية الشرطة-مصر، 1993-1994
- محمد البيومي، ظاهرة تصفية العملاء ” الطبعة الأولى،غزة،1994م
- معتز السيد عبد الله الحرب النفسية والشائعات دار غريب للطباعة والنشر -القاهرة. 1997م.
- منيب البلبيسي،الأمن النفسي وعلاقته ببعض المتغيرات الشخصية والمتغيرات الديمغرافية لدي طلبة الصف الحادي عشر بمدارس محافظات غزة” جامعة عين شمس والأقصى،2002م، ص25.
- مكنارا روبرت، جوهر الأمن، دار الطليعة، بيروت، 1989م.
- الموسوعة السياسية، مؤسسة الأهرام، القاهرة،ب-ت.
- نبيل راغب، “أخطر مشكلات الشباب”، دار الغريب- القاهرة،ب-ت .
- نبيل راغب “سيكولوجية الشك” ب-ت، ص22
- نصار نصار، أحمد أبو السعيد “العلاقات العامة والتوعية الجماهيرية” ب-ت
- هشام الطالب، “دليل التدريب القيادي المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، 1995م .
مراجع الانترنت:
- موقع الفرقان، مصطفى أبو سعد، “خطوات التربية الإيجابية” الفرقان العدد244، 24/5/2003 : 1-2، http://www.forqan.com
- موقع سيد، محمد أبو رحيم، “كيف تطرد الخوف من الموت والمرض”4/9/2003: 1،www.saaid.net )
- موقع نجمي، أصول إدارة الأفراد(Najemy Elias, the causes of fear, 1/10/2003 : 1-2 ص125
- موقع البلاغ، العوامل المؤثرة في سلوك الفرد”-اثر الثقافة والمعتقد الذي يؤمن به الشباب، 7/8/2003 :19 http://www.balagh.com)
- موقع نشرة الإصلاح، “الأمن الوطني إرهاب فكري” 29/أكتوبر/2001: 2، العدد 288 http://www.islah.org)
- موقع شرطة جدة، “تعريف رجل الأمن”، 19/7/2003 www,jeddahpolice.gov)
- موقع سبرايت سنتر -types of fear, 1/10/2003 http://www.freespiritcentre-info
- جريدة الرياض -العدد 12642، 31/1/2003 ،www.alriyadh.com.sa )
- موقع الطريق عدد 1/10/2003 : 1-2 http://www.dealingwith fear.org)
- مجلة النبأ، عبد العزيز الناصري، مجلة النبأ العدد 61، أيلول 2001 : 2-3 http://www.annabaa.org)

أضف تعليقا

عائلات بيت المقدس

المقدمة:
القدس ليست كأي مكان في العالم، فكل بقعة من أرض بيت المقدس الطاهرة، تنطق بالتاريخ المعبق برائحة الرسل والأنبياء، والصحابة والصالحين، ورجال جبلوا بدمهم وعرقهم وجهدهم ملاط كل بلاط وأحجار القدس.. فالقدس التاريخ محفوظا فيها بين ذرات ترابها وأزقتها, ذلك التاريخ الذي لا يمكن تزويره أو بيعه أو العبث به، أو حتى إزالته.. فهو تاريخ منقوش في الصخر، كما هو مسطور في الدهر.
وقد شكل سكان القدس عصب وعصبية هذا التاريخ، فالعصبية كما ذكر ابن خلدون في مقدمته، عامل أساس في بناء المجد السياسي، وفي إقامة الدول.. ثم زوالها بعد ركون أصحابها إلى الخمول والكسل، وزوال عامل التعاضد والتناصر بين رجالاتها..ولهذا شكلت العصبية بين السكان الفلسطينيين مجال حماية على التراث والحضارة والتاريخ والمقدسات في القدس..حيث كما ميز الله سبحانه وتعالى بيت المقدس عن غيرها من عواصم العالم في النواحي التاريخية والدينية والسياسية، وميزها بتراثها وفنونها المعمارية ومبانيها الشامخة بمقدساتها الإسلامية وبتاريخها العريق.. ميز عائلتها وأسرها الشريفة والعريقة.. فكانت عائلات القدس من أشرف العائلات وأعرقها وأنبلها على الإطلاق..فمن عائلاتها من سكن بيت المقدس للمرابطة في الحرم القدسي الشريف للتقرب إلى الله تعالى، فتركوا لنا تاريخا مشرفا وأثارا تاريخية عريقة غنية عن التعريف, ومنهم من دخلوها فاتحين مع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 15 هـ, ومنهم من دخلوها محررين مع الناصر صلاح الدين الايوبي رحمه الله عام 583 هـ، ومنهم من هاجر اليها وسكنها بعد الفتح والتحرير تبركا بها..وقد عمدت هذه الأسر العريقة في القدس، مجدها بالمحافظة عليه على أساس من الجهاد والعلم والمال، واقترنت بالزعامة القائمة على العمل الزاهر والكرم الباهر والأعمال الحميدة، وكانوا جميعا نعم الجار ونعم المجير.
وقد تسامحت المدينة كما هي طبيعتها، فضمت بين أحضانها جميع الملل والنحل، من كل مله ودين، فكان فيها المسلم مع المسيحي مع اليهودي جنبا إلى جنب، دون تعصب أو تحيز أو عنصرية، رغم أن الأكثرية الساحقة دوما من سكان مدينة القدس، كانت تتألف من المسلمين العرب، حيث وفدوا إليها جهادا وحبا وتبركا بها من أقطار إسلامية وعربية مختلفة، كالمغرب ومصر وسوريا والعراق وغيرها من دول أسيا وأفريقيا.
وسكنها الإخوة المسيحيون، رغم أنهم ليسوا طائفة واحدة، حيث كانوا منقسمين إلى عدد من الفرق والطوائف والقوميات..منها: لاتين، وروم، وأرثوذكس، وأرمن، وأقباط، وأحباش، وصرب، وسريان، وكرج…الخ، غير أن الأكثرية منهم كان من الروم الأرثوذكس العرب.
وأما اليهود فقد تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية لم يحظوا بمثلها في أي من البلدان الأوربية، ولم تتخذ ضدهم أية إجراءات عدائيه تساعد على التمييز بينهم وبين السكان، وقد نتج عن ذلك قيام علاقات متينة بينهم وبين الجاليات السكان الآخرين، وكانت حضنا دافئا لهم إبان الدولة العثمانية حيث ازداد عددهم بشكل ملحوظ بوصول الكثيرين من اليهود بعد إقصاءهم وتشريدهم من أسبانيا والبرتغال عام 1492 م، وذلك بعد سماح السلطات العثمانية لهم بالعيش في فلسطين، وبحلول سنة 1522م أصبحت في القدس جالية يهودية “سفاردية” تزايد نموها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بوصول بضع مئات من اليهود “الحسيديم ” من بولونيا سنة 1777م مما ساهم في تأسيس طائفة اشكانازية في المدينة إلى جانب الطائفة “السفارادية ” وفي سنة 1806 أصبح عدد اليهود في القدس 2000 نسمة وقفز بحلول سنة 1819 إلى 3000 نسمة وتعززت هذه الجالية خلال العقدين التاليين بوصول العشرات من يهود صفد هجروا مدينتهم بسبب الهزات الأرضية التي تعرضت لها خلال السنوات 1834-1837 م.
ويبلغ عدد سكان مدينة (القدس الشرقية في الوقت الحاضر حوالي 300 ألف نسمة، معظمهم من السكان العرب والمسلمين، وهناك عدة آلاف من العرب النصارى لا يتجاوز عددهم خمسة عشر ألفا، وتقدر مساحتها بأربعة آلاف ومائة دونم منها (871) دونم منطقة بناء سكني.. وذلك حسب ما جاء بنشرة (جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني)
وقد تمثلت الزعامة في القدس في الغالب في أسرة الحسيني التي تتربع على رأس الأسر اليمنية. بينما تربعت أسرة الخالدي على رأس الأسر القيسية.. وقد تقلدت في الغالب عائلات الحسيني والخالدي اهم المناصب في القدس، واحتكروا الإفتاء ونقابة الأشراف ومشيخة الحرم ونيابة الشرع وباشكاتبية المحكمة الشرعية.. رغم ان بعض العائلات قد نافستها على هذه المناصب مثل: آل جار الله أبو اللطف، والجماعي الخطيب، والعلمي، والدجاني، وأبو السعود.. حيث تقلد أبناؤها من حين لآخر وظائف مهمة مثل الإفتاء والنقابة ونيابة الشرع.
ووجدت أسر مقدسية أخرى عريقة الوجود في المدينة أقل شهرة، تقلدت وظائف علمية وإدارية بوظائف أقل مكانة ونفوذاً، وقد عايشت هذه العائلات فترات صعود وهبوط في مكانتها ونفوذها على مر الأجيال مثل: الإمام، والبديري، الفتياني، وجودة، ونسيبة، والعسيلي، والموقت، والإمام، والشهابي، والدقاق، والأنصاري.. وغيرها من الأسر المقدسية المعروفة، الذين فقدوا فرصهم في الحصول على وظائف مهمة كانوا يتقلدوها في الأجيال السابقة، واكتفوا بأدوار ثانوية في المدينة المقدسة.
وأما بعض عائلات القدس العريقة ايضا في تاريخها وحسبها ونسبها مثل: آل الجاعوني، والقطب، والعفيفي وقطينة، وسموم، وشهوان، والنشاشيبي، والحموري، ومعتوق، والنمري، ويوزباشي..
فقد خسرت وظائفها العلمية والإدارية العالية، واكتفى أبناءها بوظائف متواضعة في الخدمة والتدريس في المساجد والمدارس والزوايا ونسخ الكتب والمؤسسات الخيرية، لكنهم تميزواعن سابقيهم بأن بعضهم طرق أبواباً جديدة في سبيل الحراك الاجتماعي، إما عن طريق الخدمة العسكرية، وإما عن طريق التجارة.
والعائلات المقدسية.. تنقسم حسب الحقبة التاريخية التي قطنت فيها القدس، إلى قسمان:
العائلات المقدسية القديمة: هي التي دخلت القدس محررة في ركاب التحرير لصلاح الدين الأيوبي أو بعده وتتابعت في دخولها واستقرارها في بيت المقدس حتى عام 1100هـ. وهي:
(الخالدي- البديري- الشهابي- العفيفي- الخطيب بني جماعة –الدجاني- الغوانمة- جار الله- الامام- السروري – النقيب- المفتي- ابو السعود- الفتياني- العلمي- بو مدين- نسيبة- النشاشيبي- العسلي-الحسيني- الجاعوني- درويش- الأنصاري- جودة- النمري- قطينة- الداودي- العارف- رصاص- كمال-البخاري-الترجمان”الصالح” -غنيم- المؤقت- شتية- شرف- نور الدين- الشعباني-لأيوبي)
العائلات المقدسية الجديدة: وهي التي استقرت ونزلت في القدس الشريف ابان الحكم العثماني وبالتحديد في الفترة الواقعة بين عامي 1100 م و 1280 هـ. وهي: (الجبشة- هندية- البشيتي- الوعري- الموسوس- المظفر- الترهي- البغدادي- الهدمي- البامية- الكلغاصي- اليوزباشي- المتولي-اسطمبولي-معتوق -حب رمان- القرجولي- نجم- طه- عبده- سموم- نجيب- غوشة- اهرام- قرش- الكالوتي- حجازي- زحيكة- جعفر-بدية ازحيمان- الحواش- القضماني- طوطح- الشاويش -ابو الحاج- البيطار- صيام- قليبو- ارناؤوط- الشرفاء- الحلاق- المملوك- السمان- طقش- وهبة- طزيز-السيفي- عبد اللطيف- عويضة- القطب- الطحان- النجار -القباني- عكاوي- الديسي- الزماميري –القزاز- التوتنجي- الحلواني- الماني- الدقاق- الشامي- سوميرة- ابو عيد- الخلفاوي- الدسوقي- المغربي-أفغاني -مراد- زلاطيمو- سرندح- مشعشع)
وعائلات الأشراف في القدس هي: (آل الشريف-آل برهوم-آل الخالدي-آل البديري-آل الشهابي-آل العفيفي-آل الخطيب بني جماعة الكناني-آل الدجاني-آل الغوانمة-آل جار الله-آل السروري-آل الامام-آل النقيب-آل المفتي-آل ابو السعود-آل الفتياني-آل العلمي-آل بو مدين-آل نسيبة-آل النشاشيبي-آل العسلي-آل الحسيني-آل الجاعوني-آل درويش-آل الأنصاري-آل جودة-آل النمري-آل قطينة-آل الداودي-آل العارف-آل رصاص-آل البخاري-آل كمال-آل الترجمان”الصالح”-آل غنيم-آل المؤقت-آل شتية-آل نور الدين-آل الشعباني-آل الأيوبي)
ومن عائلات القدس أيضاً: (أل جودة, أل اليوزباشي، أل قطينة, أل الشهابي, ,أل النمري, أل السروري، أل الامام, أل النقيب الجاعوني، والعفيفي والقطب والحموري وسموم وقطينة وعائلة أبو السعود وأبو اللطف والدجاني والموقت والجماعي والدبيري والفتياني والعسيلي آل جار الله أبو اللطف والبديري والعسيلي والدقاق والأنصاري والمفتي وأل الخطيب الكناني, أل الخالدي, أل الغوانمة, أل الحسيني, أل العلمي, أل البديري, أل نسيبة, أل جار الله, أل النشاشيبي، قليبو، الكرد، خوري، الفتياني).
وأما العائلات التي تنسب الى قبيلة بني حسن في بيت المقدس هي: (آل الحسيني, أبو دية، آل درويش, ابو سبيت , العويسات , الأطرش , الأعرج , وهدان , التويمي , الجندي , آل ساري , النقرة , الغباري , آل علي , الهيبة، الحجاجلة الأخليفة , الصيفي , العلاونة , القواسمة , آل معالي , النواصرة , أبو تين , آل عيسى , الأيوب , أل عرباش , آل حمدة , ال داوود, اسليم , المصري , شلعب , ابو عيشة , الصواونة , الصافي، الزريقات، الحماد، الفرهود، زرينة، مكركر، الخوالدة، قوار، الصواملة، الأخرس، الحراذين، السرحان، الكرايم، الجواريش، طشقة، العثمان، العواد، الحواري، المرشد، العمّر، الخطيب، آل سعادة، العلمي، آل عبد النبي، آل شيخة، المراجحة، الصعوب، السبع، فرج، البصابصة، ابو الحاج، ابو حارثية، ابو حسين، ابو مر، ابو نعمة، البطمة، الصغيّر، السالم، الشيخ، العليان، العيّاش، قطوش، محاجرة، معمّر، القيق، آل سلمان، العمري، الغيث، الجعافرة، الحوامدة، السفافرة، آل جادالله، ابو عابد، الخطار، الحمدان، الغنّام، الصويص، الغنية، الخلايلة، المشني، الدعدور، دعبور، آل زعتر، السمّور، العباد، ابوطبيخ، الجلب، الهديري، وقاد، العياد، آل ريّا، ال عبد الكريم، العساف، الحسن، النعرة، البركات، العياف، الزواهرة، المزاهرة، الحواتمة).
حارات وأحياء القدس: لقد ضمت هذه العائلات المقدسية العريقة حارات وأحياء في مدينة القدس، والتي عبق نسيمها بهم عبر التاريخ الطويل الذي امتد قرونا متواصلة..ونذكر من أهم هذه الأحياء والحارات السكنية..
(حارة الشرف وحي المغاربة وحارة الوادي وحارة السعدية وحارة باب حطة وحارة النصارى وحارة الأرمن حارة العلم، وحارة الحيادرة، وحارة الصلتين، وحارة الريشة، وحارة بني الحارث، وحارة الضوية.. وهناك حارات تقع خارج سور المدينة، منها: حارة الشيخ جراح، وحارة واد الجوز، وحارة المصرارة…وغيرها).
وحارة الشرف: هي منطقة سكنية قديمة في القدس كانت تملكها عائلة عربية تدعى عائلة شرف.. وهذه الحارة كانت ملاصقة لحائط البراق، وتقع في جنوب شرق البلدة القديمة لمدينة القدس، بجوار حائط البراق، وأهلها جميعا من الفلسطينيين.. ويقول الباحث الأستاذ النمري “إن تسمية حي الشرف نسبة إلى أحد أكابر رجالات القدس ويدعى شرف الدين موسى، وعرفت ذريته ببني شرف، وعرفت منطقة سكناهم قديما بحارة الأكراد ثم سميت بحارة العلم.. وشملت حارة الشرف العديد من الحارات والأحياء أبرزها حارة الحيادرة، والصلتيين، وحارة سوق البطيخ والشاي، وحارة الريشة، وحارة صهيون، وحارة اليهود.. وجميع منازلها عامرة بسكانها..ومن عائلاتها العريقة عائلة ابو السعود الشهيرة الملاصقة لسور الأقصى الغربي.
حي المغاربة: وهو أحد حارات أو أحياء حي الشرف، ويقع بجوار حائط البراق. وقد ضح السيد النمري: أن حي المغاربة يتكون من مهاجري المغرب العربي (تونس والجزائر ومراكش) نتيجة لعمل رائد قام به ابو مدين الغوث وهو مغربي، حيث استطاع امتلاك بضعة الدونمات بالحي وبدأ يسكن فيها من يأتي من المغرب العربي وبدأت تلك العائلات تنمو واتسع الحي وتفرع عن حي الشرف لتصبح مساحته 16 دونم.
وفي حرب عام 1967, احتل العدو الإسرائيلي الجزء الشرقي من مدينة القدس. ودمر حارة المغاربة، التي كانت مساحتها 116 دونما، وفيها 136 منزلا، وزوايا دينية أشهرها (بومدين)، وأربعة مساجد، ومدرسة. وأصبحت أهم الآثار الأيوبية والمملوكية والتراث المغربي الأندلسي المميز ركاما..وطردت نحو 700 فلسطيني من الحارة، إضافة إلى ثلاثة آلاف من حارة الشرف المجاورة، والتي تحولت إلى حارة اليهود.
حارة النصارى: وهذه الحارة سميت بالنصارى لأن أغلب ملاكها من النصارى وهي تمتد من درج باب خان الزيت وسط السوق وحتى باب الخليل (مشارف باب الخليل) غرب السوق وحتى سويقة علون من جهة الجنوب. ومعظم اصحاب الدكاكين من المسلمين المقدسيين وابناء الخليل، رغم تسميتها بحارة النصارى غير ان عدد اصحاب السوق غالبيتهم نصارى. ويعيش المسلمين والنصارى بكل محبة وسلام داخل المدينة منذ عهد عمر بن الخطاب الذي بني له مسجد داخل الحارة وسمي باسم مسجد عمر, ويقع مقابل كنيسة القيامة.
حارة الغوانمة: وعرفت بحارة بني غانم، أو حارة أولاد غانم..لأن جميع سكانها هم من بني غانم، التي يزيد وجودها في القدس على ألف عام، حيث اكتسبت تسميتها من الجد الأول للعائلة شيخ الإسلام غانم بن علي بن حسين الأنصاري الخزرجي المقدسي، الذي نزل بها بعد تحريرها من الفرنج عام 583هـ.
وتقع حارة الغوانمة في الجهة الشمالية الغربية للحرم القدسي الشريف..ويحدها من جهة الجنوب ساحات الحرم القدسي الشريف، ومن الشرق التخوم الجنوبية لحارة باب حطة (حارة شرف الأنبياء)، ومن الشمال طريق النيابة المعروفة اليوم بطريق الآلام، ومن الغرب خط وادي الطواحين المعروفة اليوم بطريق الواد.
أشهر العائلات المقدسية:
عائلة الحسيني:
الحسيني عائلة فلسطينية مقدسية شهيرة..وأفراد العائلة يعتبرون أنفسهم أحفاد الحسين ابن الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وزوجته فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. ويقولون بان جدهم هو محمد بن بدر الذي يرجع أصله إلى الحسين ابن علي بن أبي طالب.. وقد رحل ابن بدر إلى القدس عام 82 هـ من وادي النسور (وادي غرب القدس)، وسكن أجداده هذا الوادي منذ أكثر من 200 سنة، بعد أن هاجروا من الحجاز.
وقد قيل بان آل الحسيني قد سكنوا القدس وضواحيها منذ القرن الثالث عشر الميلادي، وأدوا دوراً مهماً في تاريخ بيت المقدس منذ عهد المماليك. وهناك بعض أعداء العائلة الحسينية لفّقوا قصة في بداية القرن العشرين مفادها أنّ العائلة الحسينية سكنت في قرية (دير سودان) وسمّيت العائلة الحسينية بعائلة (أسود) إشارة إلى اسم القرية..ولقد اختلف الباحثون والمؤرخون في تقديراتهم بشأن نسب الحسيني، وذلك على خلفية الصراع السياسي بين الحاج أمين الحسيني، وبين المعارضة من آل النشاشيبي..
وتبين من قراءة سجلات المحكمة الشرعية في القدس أن شجرة العائلة التي أعادت أصولها إلى آل الوفائي الحسيني البديري ليست دقيقة. وأن شبك شجرة فرع عبد اللطيف آل غضية مع آل الوفائي في شخصية عبد القادر هو أحد أسباب البلبلة بالنسبة إلى أصول هذه العائلة وصحة انتسابها إلى الأشراف.. وعلماء القرن الثاني عشر الهجري مثل حسن بن عبد اللطيف، ومرتضى الزبيدي صاحب تراجم هاتين العائلتين المختلفتين، ترجموا في معجم شيوخهم لعلماء بارزين من العائلتين وأوضحوا الغموض بشأن نسب العائلتين المقدسيتين المختلف حوله. حيث ذكر في معجم التراجم لشيوخ عائلة الحسيني لمرتضى الزبيدي تأكيد انتساب العائلتين إلى الأشراف على الرغم من الاختلاف والتمييز بينهما..ويبين الزبيدي نسب عبد اللطيف بن عبد الله الذي ورث نقابة الأشراف من أولاد عمه فرع محب الدين آل غضية سنة 1158هـ ويشير إلى أنه سمي باسم جده عبد اللطيف بن عبد القادر بن عبد الرحمن بن موسى بن عبد القادر بن موسى بن علي بن شمس الدين محمد غضية الأسودي المقداداي المقدسي..ووصف عبد اللطيف والد مفتي القدس بأنه نقيب السادة ببلده سبط آل الحسن وأحد الكرماء المشهورين..وقد ظلت النقابة في العقود التالية تنتقل بالوراثة بين أولاد محب الدين وأحفاده حتى وصلت إلى فرع آخر من أسرة آل غضية وهو فرع عبد اللطيف ابن عم محب الدين في عام 1158هـ، وتجدد تعيين عبد اللطيف للنقابة لثلاثة عقود حتى وفاته عام 1188هـ، ثم انتقلت النقابة لأولاده وأحفاده.. كما نجح أحد أولاده حسن بن عبد اللطيف في تقلد إفتاء الحنيفة..وجاء بروز هذه العائلة بعيد ثورة نقيب الأشراف في القدس (1703-1705) التي أطاحت آل الوفائي الحسيني ثم عززت مكانة آل الحسيني الجدد (فرع عبد اللطيف من آل غضية)..ومنذ أواسط القرن الثامن عشر وصلت العائلة إلى أوج نفوذها أيام تقلد عبد الله بن عبد اللطيف نقابة الأشراف في أواخر ذلك القرن وتولى أخوه حسن إفتاء الحنيفة حتى وفاته سنة 1224هـ…وهم ينتمون للمذهب الحنفي بعكس معظم أهل فلسطين الذين ينتمون للمذهب الشافعي.
وقاد نقيب الأشراف في القدس محمد بن مصطفى الوفائي الحسيني ثورة انتهت بإعدامه.. ثم اختيار محب الدين بن عبد الصمد الشهير بنسبه بابن غضة خلفاً له بعد إخماد نيران تلك الحركة وتقلد محب الدين نقابة أشراف القدس عقدين من الزمان بلا منازع تقريباً فجمع خلال المدة ثروة كبيرة وتملك الكثير من العقارات في المدينة. .وفي أواخر العهد العثماني ظهرت أصول آل الحسيني الجدد التي تعود إلى آل غضية الذين كان منهم محب الدين نقيب الأشراف، وعبد اللطيف بن عبد القادر آل غضية، وسقطت الكنية عنهم فصاروا يعرفون بآل الحسيني منذ القرن التاسع عشر.
ويتربع آل الحسيني بنو غضية سابقاً..على رأس عائلات النخبة المقدسية من علماء وأعيان منذ نهاية القرن الثامن عشر على الأقل، حيث نجحت العائلة في السيطرة خلال تلك الفترة وما بعدها على ثلاث وظائف علمية مهمة تقلدوها هي إفتاء الحنيفة ونقابة الأشراف ومشيخة الحرم القدسي. وبالإضافة إلى ذلك فإن أبناء العائلة تقلدوا وظائف مهمة أخرى في التدريس وتولي أوقاف عامة مثل وقف النبي موسى وتنظيم الموسم والزيارة لهذا المقام سنويا.. وقد تميزوا كذلك بالعلم والتجارة والقيادة..
وقد حافظ آل الحسيني على مكانتهم ونفوذهم في القدس خلال أواخر عدة عهود فكان ذلك الأساس الطبيعي لتقلدهم قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية أيام الحاج أمين الحسيني فترة الانتداب البريطاني. ولكن ساءت فيما بينها وبين عائلة النشاشيبي زمن الانتداب البريطاني.. وأخذت عائلات القدس تنقسم في تاييدا لعائلة ضد أخرى من هاتين العائلتين.. وقد كان الاحتلال البريطاني يزيد من هذه المنافسات اشتعالا.
وقد كان لعائلة الحسيني دور تاريخي ومكانة كبيرة في القدس، حيث لعبت دورا هاما واصبحت مشهورة في كل فلسطين، بل وامتدت عائلات سميت بالحسيني في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وبعض منها عاش في فلسطين وقد عين عدد منهم قضاة في القدس.
وقد كانت علاقة عائلة الحسيني مع العائلات المسيحية التي سكنت فلسطين علاقة طيبة. وخاصة أن بعض هذه العائلات كانت تسكن فلسطين منذ زمن طويل، فمثلا عائلة جودة، وعائلة نسيبة، ما زالتا تحتفظان بمفتاح كنيسة القيامة، وهو المفتاح الذي كان قد تسلمه الخليفة عمر بن الخطاب عندما فتح القدس عام637م، من البطريرك صفرونيوس.
علماء وأعيان قدماء بارزين في عائلة الحسيني:
- محمد بن مصطفى النقيب الوفائي الحسيني قائد ثورة في أواخر القرن الحادي عشر الهجري استمرت سنتين, وكانت بسبب سياسة التسلط والانتهازية في فرض الضرائب الباهظة على السكان والفلاحين ، ودعمهم آل الغوانمة، حيث حمل الأهالي السلاح وهاجموا القلعة وأطلقوا سراح المساجين ، وبعد ذلك أرسل الوالي حوالي 2000 من الانكشارية والجنود إلى القدس، وتمكنوا من احتلال المدينة وتم اعتقال “النقيب ” وأرسل إلى استنبول ونفذ فيه حكم الإعدام.
- علي بن موسى بن مصطفى بن ابن أخ محمد بن مصطفى النقيب الوفائي الحسيني قائد ثورة نقيب الأشراف في القدس.
- الشيخ علي بن موسى بن مصطفى بن شمس الدين أبي الوفاء الحنفي القدسي الأزهري المعروف بابن النقيب لأن جدوده توالوا النقابة..ولد في بيت المقدس سنة 1125هـ، أي بعد ثورة عمه نقيب الأشراف.. ثم رحل إلى الشام وعاد إلى القدس.ويذكر الجبرتي في ترجمته لعلي بن موسى أنه مات في سنة 1186هـ.
-عبد اللطيف (الجد) شيخ الحرم القدسي، ونقيب الأشراف في القدس، وكان له ثمانية إخوة، وتوفي في عام 1188هـ، وخلفه أولاده الأربعة، وهم عبد الله، والحاج حسن الذي أصبح مفتيا للقدس، وهو أول شخص يصبح مفتيا، بعد أن فقدتها العائلة في القرن السابع عشر، والحاج مصطفى، والحاج عبد الصمد، الذي انتقل الإفتاء اليه بعد أخيه، وبقي الإفتاء في يد عبد الصمد، وذريته من بعده حتى زمن الحاج أمين الحسيني.
-عبد الله بن عبد اللطيف وهو أكبر أولاد عبد اللطيف، لما توفي عبد اللطيف ورثه في نقابة أشراف القدس ومشيخة حرمها.. وبعض الأعيان تسببوا بنفيه من بلده مع ولده الكبير السيد عبد اللطيف. وبقي نقيباً على أشراف القدس حتى توفي عام 1208هـ، ودفن بباب الرحمة جوار شداد الصحابي رضي الله عنه.
-حسن بن عبد اللطيف أخ عبد الله بن عبد اللطيف، صار مفتياً للقدس. وصنف كتاب تراجم أهل القدس. وأشار حسن بن عبد اللطيف في أن هناك علاقة مصاهرة كانت قائمة بين آل عبد اللطيف بني غضية وبين أولاد النقيب الوفائي الحسيني الذين خسروا نقابة أشراف القدس بعد الثورة (1703-1705) وقد أدى حسن بن عبد اللطيف بعد وفاة أخيه عبد الله دوراً في المحافظة على إبقاء النقابة في أبناء العائلة حتى انتقلت إلى عمر بن عبد السلام، أما إفتاء الحنيفة فانتقل بعد وفاة حسن بن عبد اللطيف لابن أخيه طاهر بن عبد الصمد.
- الشيخ طاهر بن عبد الصمد أفندي الحسيني مفتيا للقدس، اخذها بعد وفاة اخيه حسن الحسيني عام1809م، لأن أولاد حسن كانوا صار السن. وقد كان طاهر عالماً مفتياً ومدرساً حافظ على علاقات العائلة بعلماء القاهرة ودمشق وإسطنبول. وعمل الشيخ طاهر في المسجد الأقصى كمدرس للأحاديث الشريفة في صحيح البخاري، وكانت وظيفة تدريس العلوم الدينية في المسجد الأقصى من اختصاص العلماء فقط.
- عبد اللطيف بن عبد القادر بن عبد اللطيف الحسيني (الحفيد) لمع نجمعه أكثر من جده، حيث شغل وظيفة نقيب الأشراف، وشيخ الحرم القدسي، وقد تم تعيينه نقيبا للاشراف عام 1158هـ، من قبل نقيب الاشراف في اسطنبول، وبسبب هذه الوظائف أصبح عبد اللطيف الحفيد أكثر شهرة من المفتي نفسه، الذي لم يكن من أسرة الحسيني. وقال د. بطرس أبو منة في «نسيلة من الشرق» عن العائلة الحسينية في القرن الثامن عشر: «إن عبد اللطيف بن عبد القادر بن عبد اللطيف الحسيني هو أكثر أفراد العائلة الحسينية شهرة، لأنه مؤسسها.
- عمر أفندي النقيب ورث الزعامة السياسية والمكانة الاجتماعية التي كانت لأجداده، وحافظ على تقاليد الضيافة وفتح منزله للضيوف والزوار والأمراء والحكام من شتى أنحاء العالم.. وقام عمر أفندي من أجل تعزيز زعامته بمصاهرة عدد من عائلات القدس وأعيانها..واهتم بالقرى والنواحي المجاورة فكانت عائلة أبو غوش أقوى عائلات مشايخ جبل القدس، وعائلة بدر التميمي وآل العمرو في الخليل من أهم حلفائه .
-عبد القادر بن كريم الدين تولى منصب الإفتاء في القدس في بداية القر ن السابع عشر، وعندما توفي عبد القادر انتقل هذا المنصب الى علماء من عائلات محلية أخرى في القدس.
-الشيخ عمر الحسيني بن عبد السلام الحسيني (نقيب الأشراف) يشغل أعلى المناصب الدينية في فلسطين، ولكنه ينفى هو والشيخ طاهر إلى القاهرة في عام1834م، بسبب ثورة القدس التي اشتعلت ضد إبراهيم باشا بن محمد علي باشا حاكم مصر، وقد مكثا في المنفى الى أن انسحب إبراهيم باشا، وجيوشه من سوريا.
- مصطفى الحسيني (جد الحاج أمين)، مفتي القدس عام 1856م .
- طاهر الحسيني (والد الحاج أمين) مفتي القدس بعدة.
- كامل الحسيني (الأخ الأكبر للحاج أمين) مفتي القدس بعدة.
- الحاج أمين الحسيني مفتي القدس أخيرا.
-عمر بن عبد السلام الحسيني، تولى إدارة شؤون القدس .
- موسى الحسيني زعيم هذه العائلة شغل في عام 1886م منصب رئيس المحكمة الجنائية في القدس، وكان أخوه سليم نقيب الأشراف.
-سليم الحسيني في زمن السلطان عبد الحميد أصبح رئيس بلدية القدس، وقد شغل هذا المنصب من بعده ابناه حسين وموسى الحسيني تولوا إدارة شؤون القدس في فترات متباعدة.
-سعيد الحسيني انتخب عضوا في البرلمان العثماني مرتين، وأصبح سعيد الحسيني فيما بعد وزيرا للخارجية في حكومة الملك فيصل في دمشق عام 1920م، وتوفي عام1945م.
شخصيات آل الحسيني الحديثة: شغل عدد من أفرادهم مراكز هامة في فلسطين، فمنهم من شغل مناصب الإفتاء للقدس كالحاج أمين.. ومنهم من شغل منصب المحافظ ورئيس البلدية وغيرها من المناصب الدنيا.
الحاج أمين الحسيني: ولد أمين الحسيني في القدس عام 1895 وتلقى تعليمه الأولي بها قبل أن ينتقل إلى الأزهر ليستكمل دراسته العليا هناك. وأدى فريضة الحج وهو لم يزل شابا فلازمه لقب الحاج طيلة حياته. وكان لدراسته في مصر وتعرفه على قادة الحركة الوطنية أثر في اهتمامه المبكر بالسياسة. ثم التحق بعد ذلك بالكلية الحربية بإسطنبول التي تخرج فيها برتبة ضابط صف. والتحق بالجيش العثماني، والتحق بالثورة العربية، في جيش الشريف حسين بن علي بهدف إقامة دولة عربية مستقلة أثناء الحرب العالمية الأولى.
وعقب صدور وعد بلفور قرر الحاج أمين الحسيني العودة إلى القدس وبدأ الكفاح ضد الوجود اليهودي والبريطاني، فأنشأ عام 1918 أول منظمة سياسية في تاريخ فلسطين الحديث وهي “النادي العربي” الذي عمل على تنظيم مظاهرات في القدس عامي 1919، وعقد في تلك الفترة المؤتمر العربي الفلسطيني الأول. وقد تسببت تلك المظاهرات في اعتقاله عام 1920م، لكنه استطاع الهرب إلى الكرك جنوب الأردن ومنها إلى دمشق. وأصدرت الحكومة البريطانية عليه حكما غيابيا بالسجن 15 عاما، لكنها عادت وأسقطت الحكم في العام نفسه بعد أن حلت إدارة مدنية محل الإدارة العسكرية في القدس، فعاد إليها مرة أخرى. ثم انتخب مفتيا عاما للقدس عقب وفاة كامل الحسيني المفتي السابق، فأنشأ المجلس الإسلامي الأعلى للإشراف على مصالح المسلمين في فلسطين، وعقد المجلس في المسجد الأقصى مؤتمرا كبيرا عام 1931 سمي المؤتمر الإسلامي الأول حضره مندوبون من مختلف البلدان العربية والإسلامية.وأصدر الحاج أمين الحسيني فتوى فيه اعتبرت من يبيعون أرضهم لليهود والسماسرة الذين يسهلون هذه العملية خارجين عن الدين الإسلامي ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين. ونشط الحاج أمين في شراء الأراضي المهددة بالانتقال إلى أيدي اليهود وضمها إلى الأوقاف الإسلامية. ورأى الحسيني أن الشعب الفلسطيني لم يكن مؤهلا لخوض معركة عسكرية بطريقة حديثة، فأيد الجهود السياسية لحل القضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه كان يعمل بطريقة سرية لتكوين خلايا عسكرية اعتبرت النواة الأولى التي شكل منها عبد القادر الحسيني فيما بعد جيش الجهاد المقدس. وعقب استشهاد عز الدين القسام عام 1935 اختير الحسيني رئيسا للهيئة العربية العليا التي أنشئت في العام نفسه، وضمت مختلف التيارات السياسية الفلسطينية، وكان له دور بارز في ثورة 1936 من خلال تسهيل دخول المتطوعين الذين وفدوا للدفاع عن فلسطين من مختلف البلدان العربية.ورفض الحاج امين مشروع تقسيم فلسطين بين العرب واليهود الذي طرح عام 1937 وقاومه بشدة، فعملت السلطات البريطانية على اعتقاله، لكنه التجأ إلى الحرم القدسي الشريف فخشيت بريطانيا من اقتحام الحرم حتى لا تثير مشاعر الغضب لدى العالم الإسلامي ظل الحاج أمين الحسيني يمارس دوره في مناهضة الاحتلال من داخل الحرم القدسي.
وبعد اغتيال حاكم اللواء الشمالي إندروز أصدر المندوب السامي البريطاني قرارا بإقالة المفتي أمين الحسيني من منصبه واعتباره المسؤول عن الإرهاب الذي يتعرض له الجنود البريطانيون في فلسطين. واجتهدت السلطات البريطانية في القبض عليه لكنه استطاع الهرب إلى يافا ثم إلى لبنان عبر مركب شراعي، فقبضت عليه السلطات الفرنسية لكنها لم تسلمه إلى بريطانيا، وظل في لبنان يمارس نشاطه السياسي.واضطر للهرب من لبنان مرة أخرى بعد التقارب الفرنسي البريطاني، فتنقل بين عدة عواصم عربية وغربية، ووصل أولا إلى العراق ولحق به بعض المجاهدين، وهناك أيد ثورة رشيد عالي الكيلاني، ثم اضطر لمغادرتها بعد فشل الثورة فسافر إلى تركيا ومنها إلى بلغاريا ثم ألمانيا التي مكث فيها أربعة أعوام. وقد طالبت بعض الدول الأوروبية بمحاكمته على أنه مجرم حرب ومن مؤيدي النازية، وضيقت الخناق عليه، فاضطر للهرب إلى مصر ليقود من هناك الهيئة العربية العليا مرة أخرى، وليعمل على تدعيم جيش الجهاد المقدس، وتولى مهمة التجهيز والتنسيق والإمداد للمجاهدين. وهناك أنشأ منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الكشافة والجوالة لتدريبهم على السلاح. وفرض عليه الإقامة الجبرية في منزله بعد النكبة الكبرى عام 1948 وشددت عليه الرقابة. وظل على تلك الحال إلى أن اندلعت ثورة 1952 في مصر، فتعاون مع قادة الثورة في نقل الأسلحة سرا إلى سيناء ومنها إلى الفدائيين الفلسطينيين في الداخل، واستمر على هذه الحال حتى قرر عام 1959 الهجرة إلى سوريا ومنها إلى لبنان، واستأنف هناك نشاطه السياسي فأصدر مجلة “فلسطين” الشهرية، وظل في لبنان حتى توفي عام 1975 ودفن في مقبرة الشهداء.
عبد القادر الحسيني: هو عبد القادر موسى كاظم الحسيني، ولد في استانبول في 8/4/1908م، نشأ في كنف والده. والده شيخ المجاهدين في فلسطين موسى كاظم الحسيني، شغل بعض المناصب العالية في الدولة. تربى الابن عبد القادر منذ نعومة أظفاره في بيت علم وجهاد، حيث كان هذا البيت بمثابة الحضن الأول له والذي كان يجتمع فيه رجالات العرب الذين يفدون إلى القدس، لأن والده موسى الحسيني كان رئيساً لبلديتها التحق بكلية العلوم في الجامعة الأمريكية في مصر، وهناك التقى بالعديد من الشباب العربي وتوثقت صلته بهم، وتحول بيته إلى ناد نضالي، يناقش فيه مختلف القضايا القومية والدينية، وأثناء سنوات دراسته التي قضاها في الجامعة، استطاع عبد القادر أن يكشف الدور المريب الذي تقوم به الجامعة الأمريكية في مصر، ذلك الدور المقنع بالعلم والمعرفة، والذي يحمل وراءه بعض أوبئة الاستعمار الخبيثة. بعد عودته للقدس، تلقفته السلطات البريطانية حين وصوله، ووضعت بين يديه عدة وظائف رفيعة المستوى وعليه انتقاء ما يلائمه منها ـ محاولة بذلك أن تضمه تحت جناحهاـ إلا أنه آثر العمل في مجال أكثر رحابة يستطيع به ومن خلاله أن يعبر عن آرائه، فالتحق بسلك الصحافة محرراً في جريدة (الجامعة الإسلامية)، وكان الاتجاه الوطني الذي نهجته الجريدة من أهم العوامل التي دفعته للعمل بها. انضم عبد القادر إلى (الحزب العربي الفلسطيني) بالقدس، وتولى فيما بعد منصب السكرتير في هذا الحزب، وبدأت نشاطاته تبرز في الأفق الفلسطيني، مما أثار عليه حفيظة سلطات الانتداب، فأعادت عليه عرضها لشغل وظيفة (مأمور لتسوية الأراضي) بهدف إبعاده عن مجال السياسة. ارتضى عبد القادر هذه الوظيفة بعد أن أيقن بأهميتها، واستطاع تحت ستارها أن يتصل بإخوانه المواطنين في القرى الفلسطينية المختلفة، الذين يمثلون القاعدة للثورة، فتعرف عليهم وانتقى منهم خيرهم فاستقطبهم، وشكل منهم خلايا سرية، وبث فيهم روح الحمية والجهاد، واشترى أسلحة ومعدات، وخزنها في أماكن أمينة، واستفحل الخطر اليهودي على فلسطين. وتنادى الشعب الفلسطيني بضرورة مواجهة المخططات الاستعمارية بصورة فعلية وعلنية… استقال عبد القادر من وظيفته الحكومية، وبأمر من الحاج محمد أمين الحسيني تشكلت منظمة من معظم التنظيمات السرية الفلسطينية، أُطلق عليها (منظمة الجهاد الإسلامي) كي يتسنى للمجاهدين تنظيم شؤونهم النضالية، ومواجهة المستعمر بصورة أكثر دقة وشمولاً، واختير عبد القادر الحسيني قائداً لهذه المنظمة. قرر عبد القادر ولأسباب عديدة أن يتخذ بلدة (بير زيت) مقراً لقيادة الجهاد المقدس، كما قسم فلسطين إلى مناطق قتالية، وولى على كل منطقة منها قائداً من قادته، أما الخلايا السرية وقياداتها فظلت تابعة له مباشرة. كان عبد القادر أول من أطلق النار إيذاناً ببدء الثورة على بطش المستعمر في 6 أيار 1936، حين هاجم ثكنة بريطانية (ببيت سوريك) شمالي غربي القدس، ثم انتقل من هناك إلى منطقة القسطل، بينما تحركت خلايا الثورة في كل مكان من فلسطين… وبلغت الثورة الفلسطينية أوج قوتها في تموز عام 1936، حيث انضم إليها من بقي من رفاق الشهيد عز الدين القسام، وبلغت أنباؤها العالم العربي كله، فالتحق بها المجاهدون العرب أفواجاً، وخاض الثوار العرب معارك بطولية ضد المستعمرين البريطانيين والصهاينة، ولعل أهم هذه المعارك كانت (معركة الخضر) الشهيرة في قضاء بيت لحم، وقد استشهد في هذه المعركة المجاهد العربي السوري سعيد العاص وجرح عبد القادر جرحاً بليغاً، وتمكنت القوات البريطانية من أسره، لكنه نجح في الفرار من المستشفى العسكري في القدس، بعد مغامرة رائعة قام بها المجاهدون من رفاقه فهاجموا القوة البريطانية التي تحرس المستشفى وأنقذوه وحملوه إلى دمشق حيث أكمل علاجه.عاد عبد القادر إلى فلسطين مع بداية عام 1938، وتولى قيادة الثوار في منطقة القدس، وقاد هجومات عديدة ناجحة ضد البريطانيين والصهاينة، ونجح في القضاء على فتنة دينية كان الانتداب البريطاني يسعى إلى تحقيقها ليوقع بين مسلمي فلسطين ومسيحيها. وفي مطلع عام 1944 تسلل عبد القادر من السعودية إلى ألمانيا، وتلقى دورة تدريب على صنع المتفجرات وتركيبها، ثم انتقل وأسرته إلى القاهرة وبسبب نشاطه السياسي وصلاته بعناصر من حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين، وتجميعه الأسلحة، وتدريبه الفلسطينيين والمصريين على صنع المتفجرات، أمرت حكومة السعديين المصرية بإبعاده. لكن الضغوط التي مارستها القوى الإسلامية المصرية حالت دون تنفيذ ذلك الإبعاد. وعندما علمت الهيئة العربية العليا نية الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، سارعت الهيئة برئاسة المفتي أمين الحسيني إلى الانعقاد، وقررت مواجهة الخطط الاستعمارية الصهيونية بالقوة المسلحة، وتقرر إنشاء جيش فلسطين لممارسة الجهاد الفعلي، واختير المفتي قائداً أعلى لهذا الجيش وأعاد تموين منظمة الجهاد المقدس، ثم حولها إلى جيش الجهاد المقدس الفلسطيني. وأسند قيادتها العامة إلى عبد القادر الحسيني.
استشهد عبد القادر عن عمر يناهز الأربعين صبيحة 8/4/1948، ووجدت جثته قرب بيت من بيوت القرية، فنقل في اليوم التالي إلى القدس، ودفن بجانب ضريح والده في باب الحديد. وسمي ببطل معركة القسطل.
هند الحسيني: هند طاهر الحسيني (1916 ـ 1994م).. مربية فاضلة، وامرأة مناضلة، كرست حياتها لخدمة شعبها، ورعاية الأيتام والفقراء وأبناء الشهداء، فكانت نموذجاً فريداً للمربية والمعلمة والأم المخلصة لأمتها ووطنها.وفي عام 1961 تمكنت من بناء الطابق الأول من بناية المدرسة، وفي عام 1970تم بناء عمارة الأطفال من التبرعات. وتدرجت مؤسسة دار الطفل العربي حتى أصبحت تشكل حياً تعليمياً كاملاً، يضم الحضانة وبساتين الأطفال، والمرحلة الإعدادية والثانوية، وقسم الكمبيوتر والسكرتيرة، ومكافحة الأمية، والخياطة ,والتدبير المنزلي..وفي عام 1917 تم إنشاء معهد التربية والخدمة الاجتماعية. وفي عام 1982 تم إنشاء كلية الآداب الجامعية للبنات، وهي تمنح درجة البكالوريوس، كما تم افتتاح مركز الأبحاث الإسلامية.
فيصل الحسيني: والده هو عبد القادر الحسيني، ولد فيصل في بغداد.. تعرف على ياسر عرفات إبان دراسته الجامعية في القاهرة. واشترك في حركة القوميين العرب عام 1957 م. وشارك في إنشاء وتأسيس المنظمة الطلابية الفلسطينية عام 1959م، التي أصبحت فيما بعد نواة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد عمل في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في القدس عام 1966 في قسم التوجيه الشعبي. ودرس الهندسة في الأكاديمية العسكرية في حلب وتخرج منها في عام 1966م، ثم انضم إلى قوات جيش التحرير الفلسطيني المرابط في سوريا أوائل عام 1967 م. وعين مسؤولا عن ملف القدس وانتخب من المجلس الوطني الفلسطيني عضوا اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1996م. وقاد العديد من المظاهرات المطالبة ضد الاستيطان توفي في الكويت أثناء قيامة بالمصالحة بين السلطة الفلسطينية والكويت. ودفن في باحة الحرم القدسي بجوار أبيه وجده. وهذه المرة الأولى التي يدفن فيها فلسطيني بهذا المكان منذ احتلال إسرائيل للقدس عام 1967 م.
عائلة الخالدي:
عائلة الخالدي المقدسية احدى اقدم العائلات العربية التي ارتبطت روحيا بمدينة القدس، كما ارتبط تاريخها بالقائد العربي الإسلامي خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب القرشي المخزومي سيف الله المسلول .. وبني مخزوم بطن من بطون قريش أما أقسام قبيلة بني خالد فهي لعدة أقسام منهم من ينتهي إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومنهم من ينتهي نسبه إلى إخوته ومنهم من ينتهي نسبه إلى أبناء عمومته، ومنهم من ينتهي نسبه إلى شيبه بن عثمان بن طلحة وهم سدنة الكعبة المشرفة واغلب هذه القبيلة يرجع نسبها إلى سليمان بن خالد بن الوليد، والى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والى محمد بن خالد بن الوليد والى المهاجر بن خالد بن الوليد .
لكن بعض الباحثين الذين درسوا وحققوا في تاريخ عائلة الخالدي شكك في هذا النسب الذي أحدثه المتأخرون ليليق بمكانة العائلة وتاريخها العريق.. وقالوا بان نسبهم يعود إلى بني مخزوم -وليس إلى خالد بن الوليد المخزومي- لأن خالد بن الوليد انقطع عقبة منذ القرن الثاني للهجرة..وعلى كل الأحوال فإن نسب الخالدي العريق صار مقبولاً في القرن الثامن عشر، وهذا ما تؤكده وثائق المحكمة الشرعية وكتب تراجم علماء ذلك العصر وأعيانه، حيث تعود معظم المعلومات عن العائلة إلى الوثاثق والحجج الوقفية، والفرامانات السلطانية التي دونت منذ العصر الأيوبي مرورا بالمملوكي فالعثماني فالانتداب، ضمن قوالب زمنية مختلفة، على يد أفراد تلك العائلة داخل المحكمة الشرعية في القدس، والموجودة في مكتبة الحاج راغب الخالدي بمدينة يافا.
ويعتبر القاضي والعالم المشهور شمس الدين محمد بن عبد الله الديري، الذي قدم من قرية الدير في لواء نابلس أول من سكن القدس وأسس فيها هذه العائلة من نسله..وما زالت كنية الديري -نسبة إلى قرية الدير- تطلق عليهم حتى أواخر القرن الثامن عشر.
وبخلاف العديد من عائلات القدس فإنهم لم ينسبوا أنفسهم إلى سلالة الرسول، وظلوا بعيدين عن المنافسة في شأن نقابة الأشراف. وعلى الرغم من انتمائهم إلى المذهب الحنفي، لم يحاولوا الحصول على وظيفة إفتاء الحنفية في المدينة، وبقوا بعيدين عن صراعات القوى فيما يتعلق بتلك الوظائف.
ولكن احتل آل الخالدي مكانة مهمة في القدس خلال أجيال متتالية، حيث استمد أبناء هذه الأسرة مصدر نفوذهم من عملهم في المحكمة الشرعية كتاباًَ ورؤساء لكتاب المحكمة باشكاتب ونواباً للشرع، وقد خدم كثير من أفرادها -وهم من حملة العمائم- في الأماكن المقدسة بها. وقد نجحوا في صيانة وظائف المحكمة الشرعية لأبناء عائلتهم، ومن خلال العمل في سلك القضاء نجح بعضهم في تسلق سلم الوظائف فعين لنيابة الشرع أو حتى لحكم الشرع في القدس وأماكن أخرى، وعلى الرغم من الصعود والهبوط الذي أصاب مكانتها فإن الأمر البارز في تاريخها أنها حافظت على دورها في المحكمة الشرعية، ومن خلالها أقامت نفوذها.
وهناك أملاك لعائلة الخالدي تشمل ممتلكات تنتمي لزمن بعيد، وهي مبان لا تزال داخل البلدة القديمة في القدس، أهمها المكتبة الخالدية، وحواكير لم تعد، بحارة اليهود، وأخرى خارج الأسوار، مثل قصر الشيخ الخليلي المعروف بمشروع السفارة الأمريكية، وهو في الأساس وقف السلطان صلاح الدين الأيوبي.
ابرز شخصيات العائلة:
- محمد صنع الله الخالدي الذي شغل وظيفة باشكاتب المحكمة الشرعية، وبعد وفاته في سنة 1140هـ، ورث مكانه ولداه خليل ثم إبراهيم حتى وفاتهما، ثم انتقلت إلى آخرين من أبناء الأسرة.
- علي أفندي الخالدي الذي عين باشكاتباً في محكمة القدس الشرعية منذ سنة 1782بعد موت عمه إبراهيم بن محمد صنع الله، وفي بداية عمله نشب صراع بينه وبين ابن عمه إبراهيم الذي حاول أن يرث وظيفة والده على عادة ذلك العصر. وكان علي أفندي كاتباً في المحكمة الشرعية عقدين من الزمان.
- موسى أفندي الباشكاتب عين أكثر من مرة خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر نائباً للشرع، ثم عين قاضياً شرعياً أيام الحملة الفرنسية سنة 1799وفي سنة1801م، عاد علي أفندي من يافا حيث كان قاضياً نائباً للشرع وعين ثانية باشكاتباً في القدس ونائباُ لقاضيها. ونجح موسى أفندي في تعزيز مكانته وتسلق سلم وظائف القضاء بعد بدايته الموفقة في القدس. وقد نجح في ترقي سلم جهاز القضاء العثماني، وعين قاضي المدينة المنورة واستمر موسى أفندي بعد ذلك في التقدم في وظائفه حتى عين في منصب قاضي عسكر الأناضول ثاني أهم وظيفة علمية بعد شيخ الإسلام. وقد نجح في جمع ثروة كبيرة استثمر بعضها في شراء الأملاك والعقارات في القدس وفي سنة 1828، أنشأ وفقاً ذرياً شمل عدداً من الأملاك والعقارات. وقام بحث أهالي القدس على محاربة جيش محمد علي..وقد توفي علي أفندي الخالدي في القدس سنة 1231هـ.
- محمد علي أفندي وورث والدة على افندي، في وظيفته ومكانته العالية، فاخذ باشكاتبية المحكمة ونيابة الشرع سنوات طويلة، وخلال العقود التي شغل فيها محمد علي أفندي وظائفه وسع آل الخالدي نفوذهم كثيراً خارج القدس أيضاً وخصوصاً في غزة ويافا وغيرهما من مدن القضاء، ومن خلال عملهم في تلك المحاكم الشرعية أو دورهم في تعيين نواب الشرع نجحوا في حماية مصالحهم الاقتصادية وزيادة استثمارهم .
-أبو السعادات نجل شيخ الاسلام مفتي الفرق شمس الدين ابي عبد الله محمد الخالدي المعروف بابن الديري الحنفي الناظر في الاحكام الشرعية بالديار المصرية واعمالها. ولد بالقدس سنة 768 هجرية ونشأ بها فحفظ القرآن وكان سريع الحفظ مفرط الذكاء، تفقه على ابيه وغيره من العلماء، واشتغل بالعلم وتفرد بعلم التفسير، وتولى عدة وظائف منها مشيخة المنجكية والتدريس في المعظمية بالقدس. وفي عام 842 هجرية تولى في مصر قضاء الحنفية واستمر 25 سنة فباشره بمهابة وصلابة وعفة. وقد طعن في السن وضعف بصره وصار عمره نحو ماية سنة.. فصرف عن القضاء سنة 866 هجرية وما لبث ان توفي سنة 867 هـ، ودفن بتربة الملك الظاهر خشقدم بحضور السلطان والقضاء والامراء والاعيان. ومن مؤلفاته شرح العقائد المنسوبة للنسفي، والسهام الخارقة في كبد الزنادقة، والحبس في التهمة وتكملة شرح الهداية للسروجي .
-عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الديري المقدسي (وهو اخو سعد) ولد سنة 817 ه ببيت المقدس. قدم للقاهرة وفيها درس الفقه والبيان والاصول، وله نظم، كان مفرط الذكاء سريع الحفظ، رئيسا فصيحا له ذوق بالادب. درس بالمعظمية بالقدس وولي نظر الحرمين: القدس والخليل، توفى سنة 856 هجرية
- الشيخ طه بن صالح بن يحيى بن قاضي القضاة وشيخ الاسلام نجم الدين أبي البركات محمد المكنى بأبي الرضا الديري المقدسي الحنفي، اخذ العلم عن علماء بلده، وكانت له اليد الطولى في علم الاصول والنحو والتفسير، وولي نيابة الحكم وكتابة الصكوك في القدس ثم ولي نيابة الحكم بمكة، واخذ فيها الحديث عن علمائه ثم عاد الى القدس، وانعكف بمحل سكنة بالمدرسة الفارسية بطرف المسجد الاقصى، يدرس فيها ويفيد السائلين . توفي سنة 1070 هجرية
-الشيخ فتح الله بن المرحوم صدر العلماء الاعلام شيخ الاسلام مولانا طه أفندي الخالدي، الذي عمل بوظيفة المشيخة بالمدرسة الفارسية الكاينة بالقدس الشريف، وقام بالتدريس في المدرسة المزبورة.
- القاضي شرف الدين (كان قاضيا سنة 1636 ميلادي)
- روحي ياسين محمد علي السيد علي محمد خليل صنع الله الخالدي 1864 – 1913 السياسي الاديب، قنصل الدولة العثمانية في مدينة بوردو وعضو مجلس المبعوثان، وابرز اعلام فلسطين في العهد العثماني.
ولد في القدس في محلة باب السلسلة وكان والده ياسين الخالدي رئيس كتاب المحكمة الشرعية ونائب قاضيها سنة 1865. وفي سنة 1878م عين ياسين الخالدي قاضيا شرعيا في مدينة نابلس فالتحق روحي بالمدرسة الوطنية التي انشأها الشيخ حسين الجسر وفي عام 1880 سافر عبد الرحمن نافذ افندي الخالدي –عمه- الى الاستانة مصطحبا معه روحي. وقد عاد روحي الى القدس بعد رحلة قصيرة للاستانة وحضر الدروس في المسجد الاقصى، وتردد على مدارس الاليانس ومدرسة الرهبان البيض “الصلاحية” ليتقن اللغة الفرنسية، ثم التحق بالمدرسة السلطانية في بيروت وظل فيها الى حين انحلالها، فعاد للقدس وواصل حضور حلقات الدرس في المسجد الاقصى وتعين في ذلك الوقت موظفا في دوائر العدلية، وتعين رئيسا لكتاب محكمة بداية غزة ولكنه رفض الوظيفة والتحق بالمكتب السلطاني بالاستانة سنة 1887.
رجع روحي الخالدي الى القدس عقب اعلان الدستور فانتخبه اهلها نائبا عنهم في مجلس النواب العثماني المبعوثان في تشرين الثاني سنة 1908م.
- الحاج راغب نعمان “الشيخ راغب” محمد علي السيد علي محمد بن الشيخ خليل بن الشيخ محمد صنع الله الخالدي 1866. ولد في القدس ودرس في مدارس الاقصى. وهو يمثل الحلقة الاخيرة في سلسلة متوارثة من الشيوخ، ممن اتجهو الى دراسة الشريعة والعمل في المحاكم الشرعية في فلسطين. وقد عين عضوا في محكمة البداية، ثم في مجلس المعارف بمتصرفية القدس. وهو مؤسس المكتبة الخالدية سنة 1900م، بحي باب السلسلة، في تربة بركة خان. التي تميزت بحيازتها الكثير من النسخ الاصلية للمصادر المهمة والنادرة.
وقد كتب بالصحافة الفلسطينية ابان الحكم العثماني مؤيدا الاصلاح بالمحاكم الشرعية في فلسطين. وعاش بين عصرين هم نهاية الحكم العثماني لفلسطين وعصر الانتداب، وبعد الاحتلال البريطاني سنة 1920م، وعين قاضيا للصلح، ثم قاض اعلى، وفي سنة 1923 تعين عضوا في محكمة مركزية حيفا ومنها نقل إلى مدينة يافا. وقد نجح في دخول المجلس التشريعي الفلسطيني الذي لم يستمر بسبب المعارضة العربية له، كما استمر بسنوات الانتداب نشيطا في الحياة السياسية، وكان من زعماء المعارضة في فلسطين.
عائلة الغوانمة :
عائلة الغوانمة من العائلات المقدسية الشريفة، التي لها أصول وجذور مثبته في سجلات ديوان العائلة، في المملكة المغربية المأخوذة من أرشيف المحكمة الشرعية في القدس الشريف، ووزارة الأوقاف، ووزارة الآثار في المملكة المغربية.. ويؤكد المؤرخين بانهم عائلة عربية اسلامية عريقة التاريخ شريفة النسب عالية المقام.
وهم من اولاد شيخ الإسلام القدوة المحقق الحجة غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن الحسين المقدسي.
ويذكر الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه الاصول التاريخية للأشراف في المشرق أن اسم شيخ الاسلام غانم الكامل هو: شيخ الاسلام وحجة الزمان العارف بالله والولي الصالح الشريف غانم بن نور الدين علي بن الامام الأوحد أبو العباس احمد الغماري (نسبة لمنطقة غمارة) بن مولانا القطب الزاهد والشيخ العابد أبو محمد عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر منصور بن علي بن حرمله بن عيسى بن سلام بن مروان بن علي حيدرة بن محمد الشكور بن ادريس الأصغر بن مولانا ادريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن مولانا الحسن المثنى بن مولانا الحسن السبط بن سيدنا الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه زوج سيدتنا فاطمة الزهراء ابنة سيد الانام و مبعوث السلام نبينا المصطفى المختار محمد صلى الله عليه و سلم.
وقد عرف آل الغوانمة قديما ببني غانم وذلك لانتسابهم الى جدهم الأول القطب الرباني والفرد الصمداني غانم بن علي ثم عرفوا بعد ذلك بآل الغوانمة بسبب تكاثرهم وانتشارهم في البلاد”.
ويقول الدكتور المغربي زيدان الحسن في كتابه أشراف الشام: ” ان آل الغوانمة في فلسطين الذين يعودون بنسبهم الى الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه زوج فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم تولوا ارفع المناصب و المراتب مثل مشيخة الخانقاه الصلاحية و مشيخة الحرم القدسي الشريف و قاضي قضاة بيت المقدس و مفتي بيت المقدس ونقيب الاشراف في القدس الشريف”.
وقال فيهم الشيخ العلامة خير الدين الرملي:ما انجبت بطون العرب كبني غانم, وما خرج من أفواه العرب وعقولهم كما خرج من شيوخهم و فقهائهم.
قدم والدة الشيخ علي من المغرب من منطقة غمارة الواقعة بين مدينتي طنجة وتطوان الساحليتين قاصدا الديار الحجازية لأداء فريضة الحج، ثم ارتحل مع رفاقه المغاربة إلى فلسطين عام 558هـ وأقام في بورين من قضاء نابلس.
وقد لد الشيخ غانم في بورين من عمل نابلس عام 562هـ. وكبر وتتلمذ تأدب علي أيدي شيوخ من الشام ومصر. وتزوج غانم بن علي من احدى بنات امراء أشراف الشام, وأنجب منها أولاد كثر.
وعندما أصبح في العشرين من عمره التحق بصفوف المجاهدين ضد الاحتلال الصليبي, فوقع بالأسر عام 583هـ, فأنقذه السلطان الناصر صلاح الدين من أيدي الصليبين .وشارك معه في تحرير بيت المقدس, وولاه صلاح الدين مشيخة الحرم القدسي الشريف والخانقاه (المدرسة) الصلاحية بعد القدس.
وقد سكن بالقرب من باب الوليد وهو أحد أبواب الحرم القدسي الشريف والذي يعرف الأن بباب الغوانمة نسبة للقدوة غانم بن علي ونسله من بعده, وعرفت تلك المنطقة بعد ذلك بحارة الغوانمة كما وبني فيما بعد مئذنة وجامع باسم بني غانم الغوانمة هناك.
وقبل وفاته ببضع سنوات شد الرحال الى دمشق ليجالس فقهائها ويتبادل العلوم مع علمائها ولينشر فقهه الجليل, وبعد مكوثه بفترة بسيطة اشترى غلامين من سوق الرقيق في دمشق, كان اسمهما محمود وجهاد, لم يكن يعرف أن العبد محمود الخوارزمي هو بطل المسلمين المنتظر ليحررهم من التتار. وقد عمل على تربيتهما وتأديبهما وكان لذلك أثرا خاصا في حياة القائد المسلم محمود, وأحبهما حبا جما, حتى بلغ به الأمر أن أوصى لهما ببيت في دمشق, ومن ثم مات بعدها بسنين قليلة في دمشق ودفن فيها تاركا قطز ملك مصر المنتظر في الخامسة عشرة من عمره.
ومن أعقابه وسلالته في بيت المقدس عائلة آل الغوانمة (بني غانم) وعائلة آل السروري (بني سروري بن غانم) وانتشرت سلالته الكريمة في مدن فلسطين ودول العالم العربي الاسلامي.
ومن الوظائف التي شغلها بني غانم آل الغوانمة مشيخة الحرم القدسي الشريف بالوراثة والخطابة في الحرم القدسي الشريف والامامة في الحرم القدسي الشريف والافتاء في القدس والشام ومصر والقضاء في القدس و الشام و مصر ومشيخة الخانقاه الصلاحية بالوراثة..ومناصب وظيفية سياسية عالية مختلفة كالوزير والمتسلم و مسؤول جباية الضرائب وغيرها.
عاش بني غانم آل الغوانمة في بيت المقدس على مر العصور العباسية و الأيوبية و المملوكية و العثمانية حياة كريمة عزيزية, تولوا فيها أرفع المناصب و أعلاها على الاطلاق, و كانوا من أعيان أعيان بيت المقدس المقدرين و من أولياء الأولياء الصالحين و من أصحاب الكلمة و المشيخة فيها كما ذكر مجير الدين العليمي الحنبلي في كتابه الانس الجليل.
و في أوائل القرن الحادي عشر الهجري ولد الشيخ العلامة حافظ الدين بن محمد الغانمي المقدسي والذي عرف بالسروري, وعرف نسله من بعده بعائلة السروري المقدسي, وهنا تفرعت من عائلة الغوانمة عائلة جديدة ألا وهي عائلة السروري المقدسي.
و في أواسط القرن الحادي عشر الهجري عين أحد أبناء آل الغوانمة مسؤولا لجباية الضرائب في سنجق القدس وضواحيها ومن ثم رفع الى خازندار القدس الشريف, وهو الأمير عبد الدايم بن الأمير أحمد بن قاضي القضاة وحجة الزمان العلامة الفهامة الأمجد نور الدين الحنفي علي بن مفتي القدس شمس الدين محمد الغانمي وقد عرف الأمير عبد الدايم فيما بعد بالأمين الغانمي, وذلك قبل فترة قصيرة من تعين محمد بن مصطفى الحسيني نقيبا للأشراف في سنجق القدس.
و في أواخر القرن الحادي عشر الهجري اندلعت انتفاضة كان على رأسها “نقيب الاشراف محمد بن مصطفى الحسيني” استمرت سنتين, وكانت بسبب سياسة التسلط والانتهازية في فرض الضرائب الباهظة على السكان والفلاحين ، ودعمهم آل الغوانمة، وتمكن الاتراك من احتلال المدينة وتم اعتقال “النقيب” وأرسل إلى استنبول ونفذ فيه حكم الإعدام, واتهم الأمير عبد الدايم بالتعامل مع معارضي الدولة العثمانية الناشطين في الانتفاضة المذكورة, و خاصة انه كان على علاقة قوية بنقيب الأشراف الحسيني, فاعتقل و اعدم بقطع رأسه بالساحة المجاورة لباب الخليل في القدس الشريف, فاقام اهله و رفاقه له مقامين أحدهما لرأسه و الاخر لجسده الطاهر في المكان الذي اعدم فيه, و لا يزال المقامان يشاهدان عند باب الخليل تحت شجرة تين كبيرة.
وبعدها صدر ما يعرف بالفرمان من الباب العالي باجلاء أكثر من عائلة مقدسية ومصادرة املاكهم في القدس الشريف ممن شاركوا بالانتفاضة ضد أمير سنجق القدس, ومن هذه العائلات آل الغوانمة, و لم يبقى في القدس الشريف من بني غانم بن علي الا بني سروري بن غانم وهو حافظ الدين بن محمد المقدسي المعروف بالسرورى من ولد غانم, المعروفين بعائلة السروري المقدسي آنذاك وحتى يومنا هذا.
ومن أملاك واوقاف آل الغوانمة التي صودرت لمصلحة الدولة العثمانية في سنجق القدس الشريف, بيوت في حارة الغوانمة وبيوت في حارة المغاربة وبيوت بالقرب من حارة النصارى وأرض البقعة وأرضي في جبل الزيتون و اراضي شاسعة بين القدس و نابلس.
فخرج آل الغوانمة من القدس الشريف, فتفرقوا و انتشروا في أرجاء فلسطين جنوبا و شمالا في مدنها و قراها, فمنهم من انتقل للعيش في نابلس و طول كرم و رام-الله و غزة و الساحل الفلسطيني. وكان أل الغوانمة يستقبلون بحفاوة واكرام لنسبهم الشريف وسيرتهم العطرة وسمعتهم الزكية وعلمهم الجليل في كل مدينة أو قرية ينزلون فيها.وترك بني غانم آل الغوانمة بصمات واضحة في المدن و القرى التي نزلوا فيها من نشر لعلوم الدين و الفقه والحديث واقامة الجوامع والكتاتيب و المقامات.
وأول من عاد الى القدس من آل الغوانمة بعد خروجهم منها هو الامام الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن حبيب الغانمي المقدسي, وذلك عند وقوع القدس تحت حكم ابراهيم باشا بن محمد علي باشا, والذي عينه ابراهيم باشا شيخا في الحرم القدسي الشريف وخازن لمكتبة المسجد الأقصى ومعلما في المدرسة التنكزية.
من أعلام آل الغوانمة:
-الشيخ الإمام موسى بن غانم المقدسي ولد في بيت المقدس وتولى مشيحة الحرم القدسي الشريف والخانقاه الصلاحية ثم انتقل إلى دمشق ليدرس على علمائها الفقه والحديث, كان شيخا من شيوخ الجامع الأموي في دمشق وحفظ القران وعلمه للناس ونقل الحديث النبوي. توفي ودفن في دمشق:
-الوزير القاضي احمد بن غانم المقدسي ولد في بيت المقدس وتعلم فيها وأخذ عن علمائها, عمل وزيرا بالتعين بمرسوم سلطاني في العهد الأيوبي وتولى قضاء بيت المقدس ومشيحة الحرم القدسي. وتوفي في بيت المقدس و دفن في تربة آل الغوانمة.
-الشيخ الزاهد العابد الناسك عيسى بن غانم المقدسي من أولياء بيت المقدس الصالحين, ولد و تربى في بيت المقدس, عرف عنه الصلاح و التقوى و الورع الشديد, كان شديد التواضع يقوم الليل و يذرف الدموع خشية من الله سبحانه و تعالى, و كان للناس فيه اعتقاد عظيم.
- شيخ الشيوخ سليمان بن غانم المقدسي كان شيخ شيوخ بيت المقدس, لم تعرف الشام شيخا أفضل منه, تولى مشيخة الحرم القدسي الشريف.توفي في القدس و دفن في تربة آل الغوانمة.
-شيخ الاسلام أبو الجود بن غانم المقدسي هو جمال الدين بن غانم المقدسي, كان من شيوخ الاسلام في عصره, عرف عنه الحزم و الشدة. توفي في بيت المقدس و دفن في مقبرة باب الرحمة.
-الشيخ العلامة الكبير شمس الدين محمد بن غانم المقدسي هو أبو عبد الله محمد بن سليمان بن غانم المقدسي, سبط القطب الرباني الحجة غانم المقدسي..عرف عنه الورع والتقوى والكرم, برع في علوم الدين والقفه والادب. وتوفي عام 700 ه في القدس ودفن في مقبرة باب الرحمة.
-القاضي العادل ابراهيم الغانمي المقدسي هو الشيخ ابراهيم بن احمد بن محمد بن سليمان بن غانم المقدسي, ولد في دمشق واشتغل بالأدب والانشاء. توفي عام761هـ في بيت المقدس ودفن في مقبرة باب الرحمة.
-الشيخ العالم العارف بالله غانم بن عيسى بن غانم المقدسي سبط حجة الزمان وقاضي المكان غانم بن علي، شيخ الصوفية في عصره وشيخ الخانقاه الصلاحية في بيت المقدس. توفي عام 770 هـ في بيت المقدس ودفن في مقبرة مأمن الله.
-قاضي القضاة المضيء بنور الله بن غانم المقدسي هو الشيخ عيسى بن غانم بن عيسى بن غانم المقدسي, كان قاضي قضاة القدس له شأن عظيم فيها, و صاحب كلمة حق لا يخشى لومة لائم و حكم عدل لا يعرف الظلم له سبيل, تولى قضاء بيت المقدس سنين طويلة. توفي و دفن في بيت المقدس.
-مفتي بيت المقدس شرف الدين الغانمي المقدسي هو الشيخ العلامة أبو الروح عيسى بن شيخ الاسلام جمال الدين أبو الجود بن غانم المقدسي, مفتى بيت المقدس و شيخ الخانقاه الصلاحية ومن قضاتها المعروفين, وهو الذي اوقف ارض البقعة في ظاهر القدس الشريف. توفي في القدس عام 797 هـ ودفن في مقبرة مأمن الله.
-الشيخ الجليل العلامة ناصر الدين الغانمي المقدسي هو الشيخ محمد بن سليمان بن حسن بن موسى بن حجة الزمان غانم المقدسي, كان شافعيا ملقبا بناصر الدين, وكان شيخ بيت المقدس. ولد عام 707 هـ في بيت المقدس, وكان محدث في القدس وغيرها. توفي عام 770 ه في بيت المقدس و دفن في مقبرة باب الرحمة.
-البرهان ابراهيم بن غانم المقدسي هو قاضي القضاة ابو اسحاق ابراهيم بن القاضي العادل احمد بن البدر غانم بن علي, ولد عام 780 هـ, شيخ الشيوخ وشيخ الخانقاه الصلاحية في بيت المقدس وكان يعرف بابن غانم او الغانمي نسبة لغانميته المتصلة بالحجة غانم بن علي, اخذ العلم عن علماء زمانه. وكان من اكبر الأعيان في بيت المقدس، ولى ابنه في مشيخة الخانقاه. توفي عام 839 هـ في بيت المقدس ودفن فيها
– شيخ الشيوخ نجم الدين بن غانم المقدسي هو الشيخ الفقيه محمد بن البرهان إبراهيم بن احمد بن محمد بن سليمان بن القطب غانم المقدسي, ولد عام 814 هـ, استقر بمشيخة الخانقاه الصلاحية بعد وفاة والده البرهان ثم نزل عن نصفها للشيخ عماد الدين بن جماعة. توفي في بيت المقدس عام 869 ه ودفن بمقبرة باب الرحمة
-الشيخ شمس الدين أبو البركات الغانمي المقدسي والمعروف ايضا بزين الدين محمد بن نجم الدين محمد بن البرهان ابراهيم بن احمد بن محمد بن سليمان بن القدوة غانم بن علي, استقر في المشيخة بعد وفاة والده 870 ه و تولى مشيخة الحرم القدسي الشريف بعدها بعامين. توفي في القدس الشريف عام 878 ه و دفن فيها
-شيخ الاسلام ومفتي المكان والزمان البدر ابن بنانة الغانمي المقدسي هو العالم العلامة الفقيه المبجل عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن احمد بن علي بن احمد بن القطب الرباني غانم بن علي, يعرف بابن بنانة او بابن غانم وهو اكثر نسبة لنسبه الغانمي, ولد في بيت المقدس عام 786 هـ. وطاف كل البلاد ما بين بلاد الافغان وفلسطين واجتمع بكبار علماء زمانه، واقام مدة في مصر. توفي في القاهرة و دفن فيها و له فيها مقام شهير.
- شيخ الشيوخ القاضي سراج الدين بن غانم المقدسي هو قاضي قضاة بيت المقدس عبد الله بن محمد من أعقاب الحجة غانم بن علي المقدسي, ولد في القدس عام 801 هـ, وكان من شيوخها المقدرين, وقد تولى مشيخة الخانقاه الصلاحية والحرم القدسي الشريف وعرف عنه الكرم والزهد. توفي في القدس عام 890 هـ.
- الشيخ الامام الأوحد العارف بالله جمال الدين الغانمي المقدسي هو مفتي بيت المقدس محمود بن عبد الله بن محمد الغانمي نسبة للقدوة غانم المقدسي, ولد عام 827 هـ في بيت المقدس، حفظ القرآن الكريم واخذ الفقه وعلوم الحديث من كبار علماء عصره في القاهرة ودمشق وبغداد وباشر مشيخة وامامة الحرم القدسي الشريف ومن ثم استقر في مشيخة الخانقاه الصلاحية والصوفية. توفي في بيت المقدس ودفن فيها.
-الأمير الوزير سيف الدين العزيز الغانمي المقدسي هو أبو المنذر عبد القادر بن محمد بن علي بن غانم من أعقاب القطب الرباني غانم المقدسي, عرف بسيف الدين والعزيز لمناعته وعزته في الحق, من أمراء بيت المقدس ووزرائها المبجلين، ومن أصحاب الرأي والقرار فيها, عرف عنه الكرم والشجاعة حيث كان يفرق المال في الطرق والسبل ويدافع عن الضعيف وينصر المخذول. توفي في القدس ودفن في مقبرة مأمن الله.
-الشيخ الفاضل الناسك علاء الدين بن غانم المقدسي وهو أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن الحجة البدر غانم بن علي, وهو أحد الكتاب المشهورين بالفضائل وحسن الترسل وكثرة الأدب والأشعار والمرؤة. ولد في بيت المقدس وعاش فيها وحفظ الفرآن والحديث بعد سماعة من كبار علماء الشام, وكان محبوبا بين الناس متواضعا زاهدا, وكان كثير الإحسان الى الخاص والعام. توفي في مرجعه من الحج في منزلة تبوك.
-الشيخ العالم الشهاب بن غانم المقدسي هو شيخ عصره شهاب الدين احمد بن محمد بن سليمان بن القطب الرباني و الفرد الصمداني غانم بن علي المقدسي, ولد في بيت المقدس بعد أخيه بعام, كان شيخا جليلا عالما ورعا بارعا في علوم الفقه والحديث الشريف.توفي في بيت المقدس بعد أخيه بعام ودفن بمقبرة باب الرحمة.
- شيخ الاسلام وشيخ شيوخ عصره وقاضي قضاة الشام ومصر علي بن الأمير شمس الدين محمد بن قاضي القضاة بدر الدين علي بن شيخ الاسلام خليل بن القاضي العادل عيسى بن محمد بن شيخ الحرم القدسي سراج الدين موسى بن البرهان شيخ الخانقاه الصلاحية ابراهيم بن شيخ الشيوخ احمد بن شيخ الشيوخ علي بن الشيخ احمد بن القطب الرباني والفرد الصمداني غانم بن علي المقدسي. وعرف بنور الدين الحنفي المقدسي. ومن مؤلفاته: إغاثة اللهفان، والرمز في شرح نظم الكنز، وبغية المرتاد في تصحيح الضاد، ومجموع منتخب في مصائد الشيطان، وغيرها الكثير. ولد في بيت المقدس ونشأ وتوفي في القاهرة.
-الخطيب الشيخ الزاهد العارف بالله بن غانم المقدسي هو الشيخ العابد الناسك التقي عبد الله بن علي بن ابراهيم الغانمي من اعقاب القطب الحجة غانم بن علي المقدسي, ولد في بيت المقدس وعاش فيها عرف عنه الزهد وكثرة الصوم والصلاة, له أشعار رائعة وكلام قوي و مؤثر في علم التصوف, وانتقل ليعيش في نابلس فمات ودفن فيها, وله زاوية ومقام معروف فيها.
-شيخ الشيوخ الواعظ عز الدين بن غانم المقدسي هو الشيخ الواعظ عبد السلام بن احمد الغانمي من اعقاب القدوة الملك غانم بن علي المقدسي, الواعظ المطبق و الشاعر الفصيح الذي نسج على منوال ابن الجوزي وأمثاله مقطوع النظير في بلاد العرب و المسلمين, وقد أورد له قطب الدين أشياء حسنة مليحة كثيرة وكان له قبول كبير عند الناس, واعظ مبرز في الوعظ والنثر..ومن كتبه: كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار، وتفليس ابليس وهو مناظرات مع الشيطان، وحل الرموز في التصوف، والروض الأنيق في المواعظ.
- زين الدين الغانمي المقدسي هو الشيخ الخطيب أبو عبد محمد الغانمي المعروف بزين الدين الغانمي نسبة لشيخ الاسلام غانم المقدسي, كان شابا فاضلا تتلمذ على يد الشيخ الأمين شهاب الدين الشهرزوري, كان حسن الطريقة له يد بيضاء في التفسير وله تفسير على طريقة التصوف, وهو خطيب مفوه متحدث لبق عرف عنه الصدق والشجاعة في قول الحق, محمود السيرة عطر السمعة وفيه لطافة وظرف ورقة.
-قاضي القضاة العادل الغانمي المقدسي هو الشيخ العلامة أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر من أعقاب القطب الرباني والفرد الصمداني غانم بن علي المقدسي, كان شيخ الاسلام في عصره و قاضي قضاة افريقيا, عرف عنه الحزم والعدل وطلاقة اللسان والفصاحة.
-الشيخ الورع عز الدين بن غانم المقدسي هو بنان بن صخر بن الشهاب موسى من أعقاب الحجة القدوة غانم المقدسي, مفتي بيت المقدس ولد في بيت المقدس وأخذ عن علمائها. توفي فيها ودفن في مقبرة باب الرحمة. نقل عنه كتابه الثمين “شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال.
-شيخ الشيوخ سراج الدين عمر الغانمي المقدسي هو شيخ شيوخ الشام ومصر العالم العلامة عمر بن الأمير أنس بن البدر عبد الرحمن من أعقاب البدر غانم بن علي. ولد في بيت المقدس وتولى مشيخة الحرم القدسي والخانقاه الصلاحية وكان من العباد الزهاد في بيت المقدس. توفي في بيت المقدس ودفن بمقبرة باب الرحمة.
-قاضي القضاة المنتصر بالله الغانمي المقدسي هو القاضي الجليل المنتصر بالله زيد بن الأمير محمد من سلالة القدوة غانم المقدسي, ولد في بيت المقدس عام 1001 هـ, تتلمذ على يد شيوخ بيت المقدس وعلمائها، عرف عنه الشجاعة والكرم بالاضافة الى العلم الواسع والقلب الخاشع.
-المتسلم الأمير عبد الدايم الغانمي المقدسي هو عبد الدايم بن احمد بن علي من سلالة البدر غانم المقدسي, كان مسؤول جباية القدس الشريف وضواحيها في العهد العثماني، وعين متسلم القدس بمرسوم سلطاني بما يعرف بالفرمان, اتهم بالتعامل مع معارضي الدولة العثمانية في انتفاضة القدس أو انتفاضة نقيب الأشراف الحسيني في أواخر القرن الحادي عشر الهجري, فحكم عليه بالإعدام قطعا للرأس, عرف عنه الكرم والتواضع والشجاعة والزهد. قتل ودفن عند باب الخليل في بيت المقدس.
-الشيخ العالم شمس الدين محمد الغانمي المقدسي هو الشيخ محمد بن احمد بن حبيب من أعقاب القدوة غانم المقدسي, شغل عدة مناصب في القدس فقد عينه ابراهيم باشا بعد دخوله القدس شيخ الحرم القدسي الشريف وخازن مكتبة الحرم ومعلما في المدرسة التنكزية. توفي و دفن في القدس.
-الشيخ العالم العارف بالله غانم بن عيسى بن غانم المقدسي سبط حجة الزمان وقاضي المكان غانم بن علي, شيخ الصوفية في عصره وكان شيخ الخانقاه الصلاحية والحرم القدسي الشريف في بيت المقدس. توفي عام 770 هـ في بيت المقدس ودفن في مقبرة مأمن الله.
- الأمير عيسى بن محمد العكاري الشافعي : هو أحد كبار مستشاري السلطان صلاح الدين الأيوبي وقد توفي عام 585هـ بمنـزله في الخروبة – قرب عكا – وحمل الى القدس الشريف ودفن في مقبرة ” مأمن الله ” .
- الشيخ شهاب الدين ” ابو العباس ” 684هـ 728هـ ” هو أحمد بن الشيخ محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي الشافعي، الفقيه والنحوي .
-أحمد بن محمد حامد بن أحمد الأنصاري المقدسي الشافعي، حفظ القرآن الكريم واشتغل بالتحصيل والسماع، عرض عليه قضاء القدس فأبى وكان صالحا زاهدا ناسكا ،قانعا بالقليل. توفي في عام 854هـ .
- قاضي القضاة شيخ الإسلام محمد بن جمال الدين بن سعد بن أبي بكر بن الديري العبسي الحنفي، ولد في حردا بالقرب من مدينة نابلس في حدود عام 750هـ، وسكن بيت المقدس وصار من أعيان العلماء، وكان فقيها ومدرسا، ولاه الملك المؤيد قضاء الديار المصرية، ثم صرف عن القضاء باختياره، واعتذر بعلو سنه. في عام 827هـ قدم إلى القدس، وتوفى فيها ودفن في مقبرة مأمن الله .
-مفتي بيت المقدس شرف الدين الغانمي المقدسي هو الشيخ العلامة أبو الروح عيسى بن شيخ الاسلام جمال الدين أبو الجود بن غانم المقدسي, مفتى بيت المقدس و شيخ الخانقاه الصلاحية و من قضاتها المعروفين, هو الذي حكر ارض البقعة في ظاهر القدس الشريف الجارية في وقف الخانقاه الصلاحية عام 793 هـ, حيث أراد بذلك زيادة ريعها وترغيب الناس فيها. توفي في القدس عام 797 هـ ودفن في مقبرة مأمن الله.
عائلة الدجاني:
يتصل نسبها إلى خير البريّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي من ذرية سيدنا الإمام الحسين رضي الله عنه بن سيدنا الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه وابن سيدتنا فاطمة الزهراء عليهم السلام اجمعين. وممن ذكرهم وشهد بانتسابهم لسيدنا الحسين الشيخ عبد الرحمن الأنصاري في “تحفة المحبين والأصحاب في معرفة ما للمدنيين من أنساب”، قال في سليل أحد نزلاء المدينة منهم “بيت القشاشي، نسبة إلى القشاش هضمًا لنفسه بين أبناء جنسه. وأصلهم القطب الكبير الولي الشهير العارف بالله تعالى شيخ شيوخنا سيدي الشيخ أحمد بن محمد بن يونس القشاشي الدجاني نسبة إلى دجانة قرية من أعمال بيت المقدس.
وقد ذكر العلامة الشيخ مصطفى بن فتح الله الحموي في كتابه ” نتائج السفر في ذكر أعيان القرن الحادي عشر، أنه ينتسب إلى سيدنا الحسين -رضي الله عنه- وذكر نسبته إليه من جهة الآباء، وكان لا يظهر ذلك، واعتماده على شرف التقوى” وذكر: أن مولده في سنة 992، ووفاته 19 في ذي الحجة سنة 1070 بداء حصر البول. وقبره يقع خلف قبة السيدة حليمة السعدية رضي الله عنها ويزار وعليه لوائح الأنوار.
وقال صاحب الإنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ان نسبهم يعود الى السيد بدر بن محمد بن يوسف بن بدر بن يعقوب بن مظفر بن سالم بن محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسن بن العريض الأكبر بن زيد بن زين العابدين على بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضى الله عنه.. إلا أن الشيخ أحمد كان يخفى نسبه اكتفاء بنسب التقوى المفضى للتنصل من أسباب الفخر في الدنيا. فتبعته على ذلك ذريته. وكانت والدة الشيخ محمد المدني من ذرية سيدنا تميم الدارى رضى الله عنه، وهم كثر ببيت المقدس ووالدة من بيت الانصارى”
وممن ترجم لهم العلامة السيد الشريف حسن بن عبد اللطيف الحسيني نقيب اشراف القدس، في مؤلفه الظريف: “تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري”، فذكر منهم الشيخ يحيى الدجاني المقدسي فقال: “ترجمة مولانا المرشد الكامل، والعالم الفاضل العامل، صاحب الطريق، بدر المعالي، وبهجة أهل التحقيق، صحيح النسب، عالي الحسب، المتشرف بخدمة خليفة رب العالمين، سيدنا داود، على نبينا وعليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، مربي المريدين، عمدة الواصلين، السيد يحيى المتصل نسبه الشريف لقطب زمانه، وغوث أوانه، الولي المشهور، ذو الحال المبرور، صاحب الكرامات، والبراهين الباهرات، الشيخ أحمد الدجاني، رضي الله عنه، وأمد المسلمين من فيضه الرباني….”
وممن ذكر نسبهم وشرفهم المرحوم العلامة عبد الزراق البيطار في “حلية البشر بتاريخ القرن الثالث عشر”، يترجم للعلامة السيد حسن بن سليم الدجاني فيقول: “السيد الشيخ حسن أفندي بن السيد سليم الدجاني الحنفي اليافي المتصل نسبه بالسيد المصطفى، العالم الأريب والتحرير الأريب….”
ان عائلة الدجاني مقدسية عريقة تمتد جذورها الضاربة في أعماق مدينة القدس منذ مئات من السنين، وأول من حمل اسم الدجاني هو أحمد بن علي بن علاء الدين. وُلد في دجانية من أعمال القدس الشريف خلال القرن الثامن الهجري، وقد عاش فترة من حياته في قرية دجانية بالقرب من القدس، ولما ارتحل عنها نُسِبَ إليها وظل يُعرَف بهذا الإسم هو وذريته. ويقال إنه لما خرج من دجانية حزن أهلها لفقدان دجانية لهذا الولي العارف الجليل، فأطلقوا عليها اسم “الجانية” (بعد حذف الدال) تعبيراً عن أنها قد جنت على نفسها بخروج هذا الولي من بين ظهرانيها..وحين نزل القدس سكن في دير صهيون ومقام النبي داود الكائن جنوبي القدس.
وفي عام 856 هـ صدر فرمان من الباب العالي من السلطان سليمان القانوني بإسناد الإشراف على نظارة وقف النبي داوود عليه السلام في القدس لعائلة الدجاني, حيث كلّف الشيخ العارف أحمد الدجاني برعاية هذا الوقف, ومن بعد الشيخ أحمد الدجاني استمر أبناؤه وأحفاده في الإشراف على وقف النبي داوود عليه السلام.
وتعتبر عائلة الدجاني من العائلات المقدسية المعروفة بعلاقاتها الوثيقة بالحركة الصوفية وخصوصاً في معقلها الخاص زاوية النبي داود في القدس على جبل صهيون. وقد حافظوا على إدارة الزاوية وخدمة زوار أهل هذا المكان المقدس. ولشدة ارتباط أفراد العائلة بتلك الزاوية فإن فرعاً منها صار يعرف بالداودي.
وعُرِفَ آل الدجاني باشتغال كثير من أبنائها في حقل العلم الشرعي والإفتاء والعمل العام والفكر والاهتمام بالتراث. وكانوا من أكثر العائلات عدداً وأوفرهم مالا لاشتغالهم بالتجارة إلى جانب اهتمامهم بأمور الدين والطرق الصوفية وزواياها. وقد وجدت فروع لعائلة الدجانية في مدن فلسطينية أخرى كمدينة يافا.
بعض علماء الدجانية:
- الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن حسن بن ياسين الدجاني الشافعي، شيخ الصوفية في مدينة القدس في منتصف القرن العاشر الهجري، وهو جد عائلة الدجاني في القدس، سكن في زاوية ومقام النبي داود بعد أن حبّسه عليه وعلى ذريته السلطان سليمان خان القانوني. توفي في القدس ودفن في مقبرة ماملا غربي المدينة بجوار ضريح الشيخ أبي عبد الله القرشي في سنة 969هـ.
- الشيخ عرفة بن الشيخ القطب شهاب الدين أحمد الدجاني؛ كان عبداً صالحاً خيراً عالماً عاملاً فاضلاً منقطعاً في منزله بدير صهيون بجوار ضريح نبي الله داود عليه السلام. سافر إلى مصر مع شقيقيه محمد ومحمود، ودرس في الأزهر واشتغل بمذهب الإمام مالك بن أنس. توفي في مكة بعد أدائه الحج عام 1003هـ.
- الشيخ أبي العباّس أحمد الشهير بأبي زيتون، ينسب جبل الزيتون إلى هذا الولي لله تعالى صاحب الكرامات. وقد توفي في القدس سنة 601هـ، ودفن بجبلِهِ محمد العلمي.
- الشيخ محمود بن الشيخ القطب شهاب الدين أحمد الدجاني، سافر مع أخيه الشيخ عرفه إلى مصر، ودرس في الأزهر الشريف، واشتغل بمذهب أبي حنيفة النعمان، ذكر المحبي أنه قتل شهيداً بعد أن أصيب بسهمٍ ليلاً من قطاع الطريق بين نابلس والقدس قبل سنة 998هـ.
- الشيخ محمد بن الشيخ القطب شهاب الدين أحمد الدجاني، سافر إلى مصر، ودرس في الأزهر الشريف، واشتغل في مذهب الإمام الشافعي، وأصبح مفتياً للشافعية في القدس، وشرح ألفية ابن مالك والرحبية، وصام الدهر أزيد من خمسين عاماً كما ذكر المحبي. توفي وقد جاوز الثمانين سنة 1026بمنزله بدير صهيون، ودفن في فستقية والده بمقبرة ماملاّ.
-الشيخ درويش بن سليمان بن الشيخ محمد بن الشيخ القطب شهاب الدين أحمد الدجاني الشافعي المقدسي كان حافظاً للقرآن الكريم، وتفقه على الشيخ منصور بن علي المحلي في القدس، وأجازه في المشيخة على الفقراء لصلاحه وديانته. توفي في عاشر ذي الحجة سنة 1088هـ.
-الشيخ منصور بن علي المحلي (المحلاني) زاويةً في جبل الزيتون عرفت بزاوية الشيخ منصور المحلاني
-الشيخ أبي الفتح شمس الدين.. محمد بن صالح بن محمد بن أحمد الدجاني القدسي الشافعي. ويُرجّح نسبه إلى قرية بيت دجن، أو قرية الداجون، في حين يرى آخرون أنّها اكتسبت نسبها هذا بسبب مكوث الشيخ شهاب الدين أحمد الدجاني في متعبداً في زاوية النبي داود وإقامته فيه. ومن المؤكد أن نسب المقدسي يرجع إلى مدينة القدس التي استقرت بها عائلة الدجاني منذ مئات السنين، ويمكن أن يُجزم أنّ نسب الشيخ محمد الدجاني إلى القدس قد اقترن بمولده ووفاته. وقد اشتهر بلقب شمس الدين..ومذهبـه هو المذهب الشافعي أسوةً بمذهب عائلته من قبله. ولم تحدد المصادر التاريخية تاريخاً لميلاده، او حتى تاريخ وفاته.
وقد نشأ في مدينة القدس، وعاش في كنف عائلة مقدسية تأثرت باهتمام رجالاتها بالتصوف ومشيخة مقام وزاوية النبي داود، وقد اشتغل الدجاني في أواسط عمره في التصوف اقتداءً بآبائه وأجداده وصنّف كتباً ورسائل متنوعة مستلهماً ذلك من بيئةٍ عملت منذ زمنٍ بالعلم واشتغلت به. وتأثر بالصوفية وله علاقة بالشيخ الصوفي الكبير منصور المحلاوي، جعلت الأخير يشترط في وقفه على زاويته التي أنشأها في جبل الزيتون في القدس أن تكون المشيخة بها للشيخ أبي الفتح محمد الدجاني بن الشيخ صالح الدجاني.
- صالح ابن محمد بن صالح بن محمد بن أحمد الدجاني المقدسي أكبر أبناء الشيخ محمد بن صالح الدجاني المتوفى سنة 1055هـ في حياة والده، وقال إنه كان من أهل الفضل والأدب، كما أفاد أنه ولد في القدس ونشأ بها وقرأ على أبيه في أنواع العلوم بالإضافة إلى نظم الشعر وكتابة النثر، ووصفه بأنه كان مقبول الشيمة؛ لطيف الطبع؛ حسن العشرة؛ خلوقاً متودداً.
- أحمد صدقي الدجاني: وهو من اعلام عائلة الدجاني الحديثين، وهو أحد مفكري الأمة في القرن الرابع والخامس عشر الهجري، وأحد رموز العمل الوطني الفلسطيني، وأحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، وأحد رموز اللسان العربي المبين والفصحى في زمانه، وأحد الأشخاص اذوي مستويات الأخلاق الحميدة. أسهم في تأسيس المؤتمر القومي العربي، وكان عضواً لأمانته العامة. وأسهم في تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي، واختير ليشغل منصب المنسق الأول للمؤتمر بين عامي 1994 و 1997. وأسهم في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان عضوا بمجلس أمنائها وعضوا بلجنتها التنفيذية ونائبا لرئيسها. وشغل منصب عضو مجلس أمناء منتدى الفكر العربي، وأسهم في فعالياته، وفي فعاليات مركز دراسات الوحدة العربية. والتزم بكتابة المقال الأسبوعي. وقد غطت مقالاته موضوعات سياسية وفكرية وأدبية وتاريخية وإنسانية. له ما يربو على ستين كتاباً في التاريخ والفكر السياسي والدراسات المستقبلية والتأملات ومسرحية ومجموعة بحوث ودراسات في العلوم الإنسانية. توفي في القاهرة التاسع والعشرون من ديسمبر 2003 م.
عائلة العلمي:
جاءت تسمية آل العلمي من كلمة (العلم) وهي حسب اللغة..تعني سيد القوم..وهذه التسمية قد جاءت من المغرب العربي، حيث تعود إلى أحد أجداد هذه العائلة وهو القطب الزاهد والشيخ العابد أبو محمد عبد السلام بن مشيش (دفين قنة جبل العلم في المغرب) وقنة الشيء في اللغة.. تعني كل شيء أعلاه، وقنة الجبل معناها الجبل المنفرد المرتفع..ويبدو بأن هذا الجبل قد ُسميّ (جبل العلَم) أي (جبل سيد القوم) نسبة إلى عبد السلام بن مشيش. ومما يؤكد ذلك أن هذا الجبل يدعى أيضا (جبل الحبيب) ويقصد بالحبيب مولانا أبو محمد عبد السلام بن مشيش.. ويعتبر عبد السلام بن مشيش سيد القوم والحبيب، والقطب الزاهد، والشيخ العابد ونسبه يعود للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من جهة الحسن بن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ومما يذكر بأن موسماً كان يقام عند ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش في 14 صفر من كل عام هجري. وعائلة العلمي عربية اسلامية مقدسية ممتدة الشهرة، ومتواجدة اليوم عبر جميع الأقطار العربية والعالم. وخاصة في بلاد الشام، مثل دمشق وحلب وحمص وطرابلس. وجد آل العلمي في القدس وغزة واللد واحد، وكلهم أبناء العلمي من القدس وهم أبناء عمومه.
ويقول الأستاذ مصطفى مراد الدباغ في كتابه بلادنا فلسطين (إن آل العلمي هم من السادة الأشراف في المغرب، نزلت القدس واستقرت فيها ومنهم جماعة أقامت في اللد وغزة).
ويقول د. كامل العسلي (إن عائلة العلمي عائلة عريقة من الشرفاء الأدارسة الحسنيين، قدمت إلى القدس من المغرب في زمن المماليك، وخرّجت كثيراً من العلماء والفقهاء والمفتيين والصوفية والزهاد، وكان أشهرهم الشيخ الصالح محمد العلمي المتوفي عام 1038هـ والمدفون في جبل الطور بمنطقة الزاوية الاسعدية)
ويقول الأستاذ عزمي حسام العلمي (أن نسب هذه العائلة يمتد إلى سيد الأنام نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، من جهة الحسن بن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، سبط النبي صلى الله عليه وسلم)
إن عائلة العلمي تعتبر من إحدى العائلات المقدسية العريقة التي حافظت بشكل أو بآخر على مكانتها بين أفنديات القدس على الرغم من تغير الأزمان وتقلب السياسات خلال العهد العثماني، وقد ارتبط اسم هذه العائلة بالحركات الصوفية وتقلد أبناؤها مشيخة الصوفية من معقلهم في الخانقاه الصلاحية في جوار كنيسة القيامة. وبالإضافة إلى مشيخة الصوفية فإن علماء هذه الأسرة عينوا أحيانا نواباً للشرع وقضاة ونقباء للأشراف. كما أقام أبناؤها فروعاً لعائلتهم في غزة واللد والرملة، الأمر الذي عزز نفوذهم في كل فلسطين.
ويقول عادل مناع في كتابه أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني1800- 1918 (إن عائلة العلمي في القدس تولت وظائف دينية وإدارية مهمة في القرن التاسع عشر).
ومن أشهر أعلامهم:
- وفاء أفندي العلمي عين نقيباً على أشراف القدس عدة مرات أولها عام 1223هـ، وفي آخر العقد الثاني من القرن التاسع عشر عاد وفاء أفندي فتولى النقابة مرة أخرى امتدت عاماً ونصف تقريباً.
- الشيخ محمد بن وفاء العلمي محمد العلمي، ويلقب بشمس الدين، ويلقب بالقطب الرباني، والفرد الصمداني، ويوجد له ولزوجته ضريح في طور زيتا بالقدس.
- مصطفى بن محمد بن وفاء العلمي هاجر من القدس عام1260هـ إلى غزة، حيث عين قاضياً فيها فأحضر أولاده وماله معه وتوطن فيها. فعرف هذا الفرع من نسل وفاء في غزة باسم عائلة وفاء العلمي، وظهر منها علماء وأعيان كبار، كما هي الحال في القدس.
- سعودي العلمي، ويلقب بالجد، وقد ظهر هذا الفرع من عائلة العلمي في اللد.
-الشيخ عبد القادر بن محمد العلمي..وهو من الصالحين، سكن هو وأبناؤه وأحفاده في مدينة اللد. وتوفي في اللد سنة 1079هـ، وقبرة موجود في اللد.
- الشيخ عبد الصمد بن محمد العلمي، شقيق الشيخ عبد القادر العلمي.
عائلة جار الله أبو اللطف: تعتبر عائلة جار الله أبو اللطف من الأسر المقدسية العريقة، حيث وصل الجيل الأول منها إلى القدس خلال القرن الخامس عشر.. ويقال إن آل جار الله ينحدرون من أعقاب شيخ الإسلام شمس الدين أبو اللطف محمد بن علي الحصكفي الشافعي (نسبة إلى حصن كيفا) الذي ولد في حصن كيفا في عام 819 هـ ونسب إليها, وحصن كيفا هو قلعة عظيمة في بلدة تركية صغيرة -تعرف اليوم باسم شرناخ- في منطقة ديار بكر في الأناضول، وهي تشرف على نهر دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر الواقعة إلى الشمال الشرقي من بلدة القامشلي السورية, وكيفا كلمة سريانية تعني الصخر والحجر.
وينقل الدباغ عن كتاب (الأنس الجليل) أن عائلة جار الله تعود إلى حصن كيفا, وأن جدهم شمس الدين أبو اللطف محمد بن علي الحصكفي نزل بيت المقدس واستقرَّ فيها عام 819 هـ, وتوفاة الله في عام 859 هـ. وكانت عائلته تعرف في أول الأمر باسم الحصكفي نسبة إلى حصن كيفا, ثم صارت تعرف باسم آل أبي اللطف, وهو الاسم الأصلي لعائلة آل جار الله نسبة إلى جدهم شيخ الإسلام شمس الدين أبو اللطف, وأخيراً عرفت العائلة في أواخر العهد العثماني باسم جار الله جد العائلة المقدسية وسقط عنها الاسم القديم أبو اللطف، وكنية الحصكفي.. واسم آل جار الله أطلق على العائلة بعد أن انتقل أحد أجدادهم إلى مكة المكرمة وسكن قريباً من الحرم المكي الشريف مجاوراً فأطلق على أعقابه اسم آل جار الله.
ويذكر كتاب (معجم العشائر الفلسطينية) لمؤلفه الباحث محمد محمد حسن شرَّاب.. أن عائلة آل جار الله المقدسية تنتسب إلى الشاعر أبي اللطف ابن اسحق الحصكفي المتوفى في عام 1071هـ، وقد دعيت بآل أبي اللطف ثم غلب عليها اسم جار الله, وينقل شرَّاب عن البوريني في حديثه عن أبي بكر الحصكفي إنه من بيت أبي اللطف, وهو بيت بارك الله فيه وفي نسله فلا تجد فيهم سوى فاضل كبير أو عالم شهير.
ويتحدث المؤرِّخ مصطفى مراد الدبَّاغ في كتابه (بلادنا فلسطين) عن أحد أبناء أبي اللطف بن اسحق الحصكفي، وهو جار الله بن أبي اللطف، الذي ولد في القدس عام 1090 هـ, وكان من خطباء المسجد الأقصى المبارك ومدرساً في المدرسة الصلاحية, وولي القضاء في القدس الشريف, وفي دمشق, وفي استانبول عاصمة الدولة العثمانية، وفيها توفي في عام 1144هـ.
ويتحدث الدبَّاغ عن أحد رجالات آل جار الله وهو الشيخ جار الله بن أبي بكر بن محمد بن القدسي المعروف بابن أبي اللطف الحصكفي, وكان مفتياً للحنفية ومدرساً في المدرسة العثمانية في القدس الشريف، وكان له قصر في جبل الطور. وتوفي في عام 1027 هـ, كما تحدث عن الشيخ محمد بن يوسف بن أبي اللطف الملقب رضي الدين القدسي الحنفي, ووصف آل أبي اللطف بأنهم من كبراء بيت المقدس وعلمائها أباً عن جَد, وله كتاب (فتح المالك القادر بشرح جواهر الذخائر), وتوفي بالقدس عام 1028هـ.
ويذكر الدبَّاغ أن أبا اللطف الحصكفي جد آل جار الله هو محمد بن علي بن منصور بن زين العرب الحصكفي المقدسي, ولد وتعلم في حصن كيفا، ويعرف فيها بابن الحمصي, ونزل ببلاد الشام ومصر وأخذ عن فقهائها ثم استقر في القدس الشريف، وتوفي فيها ودفن إلى جانب والده الذي كان من كبار تجار القماش.
وخلال القرن التاسع عشر برز منهم علماء مشهورون تقلدوا مناصب الإفتاء في القدس وغيرها للمذهبين الحنفي والشافعي لكن في القرن التالي تراجعت مكانة أبناء هذه الأسرة إلا أنهم ظلوا يشغلون من حين إلى آخر وظائف الإفتاء ونيابة الشرع والتدريس في المدرسة الصلاحية وكان آخرمن تقلد إفتاء الحنيفة من هذه العائلة محمد جار الله الذي عين أيضاً نقيباً على أشراف القدس فترة وجيزة.
أما بعد الحملة الفرنسية فلا يرد ذكر لأحد من آل جار الله في منصبي الإفتاء أو النقابة وحتى إفتاء الشافعية الذي كان في أيديهم في الماضي انتقل إلى عائلات أخرى مثل أبو السعود والإمام الحسيني، واكتفى أبناء هذه العائلة بعد ذلك بوظائف التدري وخدمة المساجد.
و من أعلامهم:
- الشيخ أبو بكر جار الله.. الذي كان مفتياً للحنفية في القدس الشريف.. وتوفاه الله في عام 965هـ.
- الشيخ حسام الدين جار الله..شغل منصب ناظر العدلية (وزير العدلية) وقاض للقضاة في حكومة الرئيس حسن خالد أبو الهدى الصيادي المشكلة في 26/7/1926م, وكان جار الله واحداً من أربعة موظفين في حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين، أعيدوا لإشغال منصب الوزارة في حكومة إمارة شرقي الأردن.
عائلة البديري:
إن سجلات المحكمة الشرعية، تثبت أن هذه العائلة تنسب لابن حبيش، وهو الجد الرابع للشيخ البديري. وعائلة البديري هي حالة غير اعتيادية بين علماء القدس وأعيانها في أوائل القرن التاسع عشر، فبعكس العائلات الأخرى كانت هذه الأسرة حديثة العهد في تاريخ المدينة. وقد عرفت بهذا الاسم في القرن الحادي والثاني عشر الهجري. وبعد شهرة الشيخ محمد، الذي يعتبر العالم الوحيد لهذه الأسرة المعروف في القدس، قبل القرن الثالث عشر الهجري.
وفي عصر الشيخ وفيما بعده أصبحت هذه العائلة تنسب إلى ابن بدير أي إلى الشيخ نفسه على اعتبار أن والده كان يسمى بدير، ثم أضيفت ياء النسبة على عادة العرب لتصبح عائلة البديري..ومن أبناء الشيخ، وبالتحديد في الثمانينات من القرن الثالث عشر يلاحظ تداخل اسم عائلة حبيش مع اسم إسلامبولي ونازك، وأصبح يطلق عليها حبيش الإسلامبولي ونازك حبيش.
وقد سكنت عائلة ابن حبيش في القدس قبل الشيخ البديري بمائة وخمسين إلى مائتي سنة، ولهذه العائلة جذور ضاربة بعمق في هذا البلد المقدّس، ويبدو أن الشيخ البديري ما هو إلا أحد الجدود المتأخرين لهذه العائلة.
فقد هاجر جد العائلة محمد البديري المعروف بابن حبيش من المغرب ووصل إلى مصر حيث التحق بالأزهر عدة سنوات وصار من مشايخ الطريقة الخلوتية، ثم جاء إلى القدس كما يبدو في سبعينيات القرن الثامن عشر فأحبه أهلها وأجلوه وأصبح من أبرز علمائها.. ومثل الشيخ محمد أبو السعود فإن البديري لم يدخل حلبة التنافس في شأن الوظائف العلمية الرسمية الأمر الذي أكسبه احترام الأهالي وتقديرهم.
والألقاب التي وردت أمام أسماء أفراد عائلة البديري مثل: باشا، نقيب، تدلّ على المكانة التي تمتعت بها هذه العائلة، فسجيل هذه الألقاب وبشكل رسمي في سجلات المحكمة له مدلول على المركز الاجتماعي للعائلة.
وهذه العائلة عائلة ثرية وأن الثراء متوارث فيها وليس حادث في حياة الشيخ, وقد تمركزت العائلة في تلك الفترة في منطقة باب حطة.
وقد ورد اسم البديري أيضاً إلى جانب أبو السعود في عد كبير من الأوامر السلطانية ومراسيم ولاة الشام وعكا أيام الحملة الفرنسية..كما ذكره محمد باشا أبو المرق في مراسلاته الرسمية وكذلك في رسائله الشخصية إلى أبناء عائلة الحسيني واصفاً إياه بأستاذه المبجل.
لقد كسب البديري احترام العديد من أهالي القدس وحكامها إذا بسبب وفرة علمية وكراماته كشيخ للصوفية وابتعاده عن الصراعات بشان الوظائف الحكومية.
وقد كتب محمد البديري عدة مؤلفات في شؤون الدين والأدب حفظت كمخطوطات في مكتبة العائلة الخاصة كما أنه قرض الشعر واشتهرت إحدى قصائده التي كتبها في مدح أحمد باشا الجزار بعد تغلبه على الفرنسيين ورده جيوش نابليون عن أسوار عكا.
وكان حسن بن عبد اللطيف الذي صار مفتياً للقدس، أحد تلاميذه فشمله في تراجمه لأهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري. وحظي البديري وعائلته بحماية آل الحسيني ودعمهم الأمر الذي عزز مكانة هذا الشيخ في المدينة.
والشيخ البديري لم يتقلد منصباً رسمياً، على الرغم من سعة علم واحترام الأهالي وتقديرهم له، وقد سار أولاده على خطاه وعرف منهم عبد الله أفندي أحد زعماء ثورة 1834 ضد الحكم المصري والذي نفاه إبراهيم باشا إلى مصر، ورفض محمد علي باشا قبول التماسات كثيرة قدمها أفنديات القدس من أجل السماح له بالعودة إلى موطنه.
وقد قبلت عائلة البديري في مجتمع القدس ونخبتها وتم اندماجها بنجاح، لكن مثل هذه الحالة صار نادراً منذ أواخر القرن الثامن عشر، وخلال القرن الذي تلاه فنخبة المدينة من علماء وأعيان تحولت إلى فئة مغلقة تحتكر الوظائف وتنقلها بالوراثة بين أبنائها، ولا تسمح بقادمين جدد يحاولون التنافس في شأنها سواء من داخل أهل البلد أو خارجه.
عائلة النشاشيبي:
إن هذه العائلة لها تاريخ عريق في القدس يعود إلى عهد المماليك مثل أغلبية أسر القدس لكن أحوالها تأخرت كثيراًُ خلال العهد العثماني بقرونه الأربعة.. وقد عرف أل النشاشيبي بهذا الاسم نسبة لمهنة جدهم الذي كان يعمل بصناعة القوس والنشاب.
وقد غاب ذكر هذه الأسرة عن كتب التراجم والتاريخ المحلي قديما.. حيث لا تشير وثائق سجلات المحكمة الشرعية، والمصادر التاريخية الأخرى المتوفرة حول سكان القدس، إلى أنّ أيّ من ابناء هذه العائلة، قد شغل منصباً علمياً أو إداريا مرموقاً حتى أواسط القرن التاسع عشر. وفقط هناك أفراد قليلون من هذه الأسرة ورد ذكرهم في سجلات المحكمة الشرعية يعملون في وظائف متواضعة كخدمة مساجد الحرم والمدارس التي حولها، إضافة إلى بعض الحرف والمهن، كالتجارة في أسواق المدينة.
وقد بدأ بروز شأن هذه العائلة فقط في أواخر القرن التاسع عشر أيام سليمان النشاشيبي وأولاده الذين تقلدوا الوظائف الرسمية ودخلوا علاقات متشعبة مع الفلاحين في جبل القدس، وسمحت سياسة التنظيمات العثمانية بترجمة الوزن الاقتصادي إلى مكانة سياسية فصار من أعضاء مجلس إدارة القدس الشريف، ثم إنه صاهر آل الحسيني فتزوج أخت عمر فهمي أفندي الحسيني رئيس بلدية القدس لاحقاً ورزق منها أربعة أولاد هم عمر ورشيد وعثمان وإبراهيم.. وقد عزز كل من رشيد وعثمان مكانة العائلة السياسية وشغلا الوظائف الإدارية التي زادت في مكانتهما الاجتماعية فصارا من أعيان القدس وأفندياتها في أواخر القرن التاسع عشر. أما قبل ذلك فلم يعرف عن آل النشاشيبي أنهم تقلدوا وظائف علمية أو إدارية مهمة طوال قرون العهد العثماني.
وتشير المعلومات كذلك إلى أنهم حتى أواسط القرن التاسع عشر، لم يكونوا جزءاً من أفنديات القدس، وكان البارزون منهم تجاراً دون الوظائف العلمية أو الجاه المرتبط بمكانة الأعيان المقربين من الدولة ورجالها.
وقد ظهروا مجدداً على الساحة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم تعزز هذا الظهور في أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى وصلوا إلى مرتبة المنافس الأقوى لآل الحسيني، لا في شأن الزعامة المحلية فحسب بل أيضا في شأن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في طول البلاد وعرضها، لذا أصبح لهذه العائلة مكانة ودورها لا يستهان به في التاريخ الفلسطيني.
وقد برزت هذه العائلة في الثورة الفلسطينية في بداية القرن العشرين الميلادي، كإحدى العائلات السياسية في فلسطين. ويخطئ بعض المؤرخين في وضع عائلة النشاشيبي في الصف نفسه مع آل الحسيني والعلمي والخالدي وغيرهم من العائلات المقدسية بسبب تنافسها السياسي مع آل الحسيني، وتزعمها معارضتهم فترة الانتداب البريطاني..حيث عارضوا تعيين الحاج أمين الحسيني مفتياً لفلسطين ولقيادته السياسية فقد اعتبروا بأن انتساب آل الحسيني إلى الأشراف غير صحيح، وأن مصطفى جد الحاج أمين نجح في الوصول إلى وظيفة الإفتاء عن طريق والاحتيال.. وقد وجدت هذه الرواية آذاناً صاغية بين بعض الباحثين الصهيونيين المعادين للحركة الوطنية لفلسطينية، فقاموا بنشرها وتكرارها في دعايتهم ضد الحاج أمين وذلك من أجل تلطيخ سمعة العائلة والمس بالحركة الوطنية الفلسطينية.
ومن شخصيات العائلة:
- حسن جلبي النشاشيبي.. الذي كان أحد كبار تجار القدس، وأبرز رجالها في أوائل القرن التاسع عشر. وقد خلفه نجله محمد جلبي الذي ترك لأولاده تركة كبيرة جداً قدرت بأكثر من نصف مليون قرش.
-راغب النشاشيبي.. ولد في القدس سنة 1880م, واتجه إلى الأستانة ودرس الهندسة فيها. وقد شغل منصب نائب في مجلس النواب العثماني، وعمل ضابطاً في الجيش التركي في الحرب العالمية الأولى. ثم عاد إلى القدس فعُين مهندساً للأشغال العامة في لواء القدس. وانتخب في المؤتمر السوري سنة 1919م، وفي سنة 1920 م عُين رئيساً لبلدية القدس من قبل الانتداب الإنجليزي، وبقي في منصبه مدة أربعة عشر عاماً.
ويعتبر شخصية سياسية فلسطينية خلال فترة العثمانيين والانجليز..حيث أسس عام 1937م حزب الدفاع الوطني، ليلعب دور قوة سياسية تمكنه من مقارعة آل الحسيني الذين يتمتعون بمقاعد شعبية قوية. وبعد ضم الضفة للأردن عام 1948م عُين وزيراً للزراعة، ثم وزيراً للنقل والمواصلات، ثم حاكما عاماً للضفة الغربية والحارس العام للحرم الشريف والأماكن المقدسة، ثم عضواً بمجلس الأعيان الأردني. وتوفي سنة 1951م . -إسعاف النشاشيبي..ولد في القدس سنة 1885م، وجده الأكبر قد قدم إلى بيت المقدس في عهد الملك الظاهر بيبرس، أما والده السيد عثمان بن سليمان النشاشيبي فقد تقلب في مناصب الدولة العثمانية حتى أصبح عضواً في مجلس المبعوثان في تركيا. والتحق إسعاف بكتاتيب القدس، وأخذ عن شيوخها وحفظ بعض القرآن الكريم وبعدها التحق بمدرسة دار الحكمة في بيروت وتتلمذ على يد كبار الأساتذة.
وقد نشأ في بيت حصنه العلم والمال، فكانت تنعقد حلقات الدرس في بيت والده، وتضم عدداً كبيراً من أعيان العلماء. وقد ارتاد حلقات العلم، وسمع نوادر اللغة والأدب، ورأى الكتب النفيسة في خزائن والده والشيوخ.
وكان عضواً نشيطاً من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وانفرد بأسلوب من البيان، وبقدر متميز من الحماسة للغة العربية. توفي في القاهرة عام 1948م.
-ناصر الدين النشاشيبي.. ولد في القدس عام 1920م، حصل على الماجستير من كلية العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بيروت عام 1943م. وأصدر جريدة «الوحدة» لوقت قصير، ثم أصبح مديراً عاماً للإذاعة الأردنية. وعمل مندوباً متجولاً لأخبار اليوم القاهرية حتى عام 1960 م ثم انتقل لجريدة الجمهورية كرئيس للتحرير فيها حتى عام 1966م. وبعد ذلك انتدبته الجامعة العربية سفيراً متجولاً لها.
ومن مؤلفاته «شباب محموم«1949م، “خطوات في بريطانيا» القاهرة 1949م, «عندما دخلوا التاريخ» بيروت «1956 م، ” فلسطين والوحدة» 1959, «ماذا جرى في الشرق الأوسط» بيروت 1960م, «تذكرة عودة” بيروت 1961م, «قصص وأصحابها» بيروت 1962م, «حفنة رمال» بيروت 1965م, «عربي في الصين» القاهرة 1965م, «سفير متجول» بيروت 1970م, «أريد أن أصلي في المسجد الأقصى”.
عائلة أبو السعود:
عرفت عائلة أبو السعود في القرن الثامن عشر كأسرة صوفية انتسب بعض أبنائها إلى طريقة عبد القادر الجيلاني..وكان محمد أبو السعود، أحد كبار مشايخ الصوفية في فلسطين، وشيخ الطريقتين الخلوتية والقادرية في بيت المقدس، ولم يحاول هذا العالم الصوفي تقلد مناصب إدارية معظم حياته، وإنما اكتفى بدوره في نشر طريقته وإقامة طقوس الذكر في تكايا المدينة وزاياها, أما ولداه أحمد ومصطفى فأنهما تقلدا إفتاء الشافعية ونيابة الشرع على المذهب الشافعي. وقد تنافس آل أبو السعود مع آل الحسيني في شأن النقابة، وقد نجح أبو السعود في الحصول على نقابة الأشراف أربع سنوات، الأمر الذي يشير إلى مكانة العائلة القوية وقدرتها على منافسة آل الحسيني بين الفينة والأخرى.
وعندما نشب تمرد سنة 1825-1826 في القدس لم نجد ذكراً لعمر أفندي النقيب أو لأي شخص آخر من آل الحسيني في زعامة هذه الحركة. أما محمد تاج الدين أبو السعود فيبدو أنه كان ضالعاً في ذلك التمرد الذي تزعمه العساكر وبعض أعيان المدينة من غير العلماء البارزين. لذا بعد إخماد تلك الحركة بمساعدة والي عكا عبد الله باشا، هرب أبو السعود هذا إلى مصر خوفاًُ من عقاب الدولة العثمانية، فتدخل محمد علي باشا والي مصر للعفو عنه عند والي الشام وطالب بألا يصاب بأذية أو بضرر لكونه من أشراف القدس. وعاد أبو السعود إلى القدس فعلاً، وظل أحد المنافسين البارزين لآل الحسيني، في شان نقابة الأشراف حتى قدوم الحكم المصري. أما الوظائف الأخرى التي شغلها هذا الأفندي حين لم يكن نقيباً على الأشراف فكانت الخطابة التدريس وتوليته الأوقاف المهمة للحرمين القدسي والإبراهيمي. وفي فترة التنظيمات العثمانية تأخر حال هذه العائلة، واكتفى أبناؤها حينذاك بوظائف متواضعة في المدارس والمساجد وبإقامة الذكر في زوايا الحركات الصوفية في المدينة.
وعلى الرغم من أن الشيخ محمد أبو السعود لم يحاول الحصول على مناصب رسمية في أجهزة الدولة فإن مكانته كانت عالية عند رجالها إذ كان اسمه يدرج في رأس المعنونين في الأوامر السلطانية ومراسيم ولاة الشام ومتصرف القدس محمد باشا أبو المرق، وغيرهم وخصوصاً فترة الحملة الفرنسية.
وعندما تقدم هذا الشيخ بالسن سافر إلى العاصمة العثمانية بدعوة من رجال الدولة فعاش هناك مدة قصيرة حتى وفاته فيها سنة 1813م، يبدو أن الاحترام الكبير الذي حظي به الشيخ أبو السعود في إسطنبول قبل وفاته كان سبباً بتعيين حفيده محمد تاج الدين بن مصطفى لأول مرة نقيباً على إشراف القدس في سنة 1813م، لكن هذا التعيين لم يستمر طويلاً.
ويبدو أو وفاة الشيخ أبو السعود في تلك الفترة ساعدت في نجاح آل الحسيني في إعادة النقابة، لكن ذلك لم يمنع محمد تاج الدين أفندي من تكرار التجربة والنجاح في تقلد نقابة أشراف القدس أكثر من مرة بعد ذلك.
عائلة الإمام الحسيني:
يعود وصول أجداد هذه العائلة إلى القدس إلى أواخر القرن السادس عشر، على الأقل إذ عرفوا حينها بكنية أبناء قاضي الصلت. وتعتبر عائلة الإمام الحسيني من العائلات المقدسية العريقة التي ارتبط اسمها بتاريخ القدس منذ عدة قرون.. وهذه العائلة من العائلات المعروفة بالورع والتقوى في بيت المقدس..وقد عرفوا بأل الإمام نسبة لإمامة الشافعية في المسجد الأقصى المبارك, فقد تولوا إمامة المسجد طوال سنين..حيث انتقلت بالوراثة بين أبناء العائلة جيلا بعد آخر..وقد حافظت على انتمائها إلى المذهب الشافعي على الرغم من تحنف العديد من العائلات المقدسية الأخرى كوسيلة للوصول إلى الوظائف الحكومية.
وقد تزوج جد العائلة محمد شمس الدين بن يحيى شرف الدين بابنه عبد القادر الوفائي الحسيني مفتي القدس ونقيب أشرافها في أوائل القرن السابع عشر، وهكذا صار أولاد هذا الشيخ ونسله من الأشراف لصلة الرحم وعرفوا فيما بعد باسم الإمام الحسيني. ولذلك يخطيء بعض الباحثين بشأن أصول عائلة الإمام الحسيني، وبين آل الحسيني بنو غضية، وذلك بالخلط بين نسب آل الحسيني وبين عائلة الإمام الحسيني.
وبالإضافة إلى انتساب آل الإمام الحسيني إلى الأشراف وشغلهم وظيفة إمام الشافعية في المسجد الأقصى فإن بعض أبنائهم عين في منصب إفتاء الشافعية أحياناً خلال القرن الثامن عشر، كما أنهم اشتغلوا بالتدريس في المدرسة الأمينية المحاذية لسور المسجد الأقصى الشمالي فصارت مسكناً لهذه الأسرة خلال مئات السنيين وفي بداية القرن التاسع عشر.
وقد برز من هذه الأسرة الشيخ عبد الغني الإمام، وابنه محمد صالح، وتقلد الاثنان إفتاء الشافعية في القدس ويافا ونافسا آل أبو السعود في شأن هذه الوظيفة، كما أن محمد صالح أفندي، كان عالما مشهوراُ ومدرساً معروفاً درس عليه العديد من أهل القدس. ويبدو أن حظ هذه العائلة ارتفع في زمانه بسبب علاقات التعاون التي أقامها مع آل الحسيني، ومنافسة أولاد أبو السعود للعائلتين، ويظهر حظ العائلة المادي بوضوح في الأملاك والعقارات التي جمعها عبد الغني وابنه محمد صالح، وفي حبسهما للأوقاف الذرية التي كانت من أهم وأكبر الوقفيات التي أنشأها أهل القدس في ذلك العهد.
عائلة نسيبة:
عائلة نُسيبة عائلة خزرجية عريقة تقيم في بيت المقدس منذ زمن بعيد، ويُعدون من أقدم عائلاتها، وعرف أل نسيبة بهذا الاسم نسبة لنسيبة المازنية, وهي عائلة يحمل ابناءها مفاتيح كنيسة القيامة منذ دهر طويل.
وقد كانت هذه العائلة تقيم في قرية بورين من أعمال نابلس، ثم انتقلت إلى القدس، ويعود ارتباط العائلة بالقدس لأوائل الحقبة الاسلامية، حيث ان هذه العائلة لها الحق في الإحتفاظ بمفاتيح كنيسة القيامة في القدس، حيث منحها الخليفة عمر بن الخطاب لأجدادهم وتبقت في أيديهم حتى فترة الحروب الصليبية حيث سيطر الفرنجة على بيت المقدس، وبعد تحرير السلطان صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس وسائر فلسطين، قام بارجاع مفاتيح الكنيسة إلى آل نسيبة ولا زالت بأيديهم.
ومن شخصيات العائلة:
انور نسيبة..ولد في القدس وتخرج من جامعة كامبريدج, وشغل في فترة ابان الحكم الأردني منصب وزير التربية في حكومة توفيق ابو الهدى، ومنصب سفير الأردن في لندن عامي 1965-1966. ومنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي أهلن بشكل قاطع أنه يفضل قيام دولة فلسطينية، ولا يفضل العودة الى الحكم الأردني.
– سري نسيبة.. وهو ابن انور نسييبة, ولد في 1949م بالقدس. وهو أكاديمي فلسطيني حصل على بكالوريوس ودرجة ماجستير في الاقتصاد والفلسفة والسياسة من جامعة أكسفورد. وحصل على درجة دكتوراة في الفلسفة الإسلامية من جامعة هارفرد. وعاد سنة 1978 إلى الضفة الغربية ودرس الفلسفة في جامعة النجاح إلى حد سنة 1988 م عندما اغلقت الجامعة إثر اندلاع الإنتفاضة الأولى. ودرس في نفس الوقت الفلسفة الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس. وكان إلى ديسمبر 2002 مسؤولا عن ملف القدس داخل السلطة الفلسطينية. ويتولى رئيس جامعة القدس منذ1995 م الى يومنا هذا.
عائلة الخطيب (بني جماعة):
عائلة الخطيب هم آل الجماعي.. عرفوا قبل ذلك ببني جماعة الكناني نسبة لجدهم بدر الدين محمد بن ابراهيم بن جماعة الكناني.. وهم عائلة قريشية من بني هاشم تسكن بيت المقدس منذ التحرير الايوبي.
وقد عرفوا فيما بعد بآل الخطيب.. وعرفوا بهذا الاسم لأنهم تولوا منصب الخطابة بالمسجد الاقصى سنين طويلة.. وتناقلوها أجيالاً بالوراثة فكانت رئاسة خطباء الحرم مسجداً الأقصى وقبة الصخرة وعرفوا فيما بعد بآل الخطيب
عائلة البشيتي:
البشيتي عائلة مقدسية عريقة، وقد كشفت العائلة انها تمتلك موقع كنيس الخراب الذي تم افتتاحه من قبل الصهاينة حديثا، حيث ان هذا الموقع اقيم على أراض تعود ملكيتها للعائلة، وذلك منذ العام 1880، وفق مستند ملكية عثمانية وأردنية، والسجلات تؤكد ذلك.
ويعتبر الدكتور صبحي شعيب البشيتي إن العائلة في صراع مع الحكومات الاسرائيلية المتتالية، لاستعادة الأوقاف والأملاك التي تخص العائلة في حارة الشرف بما فيها أرض الكنيس، التي صودرت بموجب قرار عسكري اسرائيلي بتاريخ 18/4/1968 بحجة الاستفادة منها للمنفعة العامة”.
وأكد البشيتي أن قرار المصادرة يشمل 116 دونماً مؤشرة باللون الازرق وفق الخريطة الموجودة لدى البلدية والحكومة، والموقعة من قبل وزير المالية لا تعود بالكامل الى عائلة البشيتي، وانما لعائلات العلمي والحسيني والجاعوني وغيرها من عائلات المدينة المقدسة.
واكد البشيتي ملكيته منذ العام 1880، فقد اشترت العائلة أرض الكنيس وأوقفتها وقفاً إسلامياً. حيث تؤكد الوثائق بأن جده حسن البشيتي قام في العام 1880 بشراء قطعة الأرض المقام عليها الكنيس اليهودي، بعد أن كان هذا الكنيس قد احترق وعجزت الجالية اليهودية الصغيرة في ذلك الوقت عن ترميمه، فباعته للشيخ حسين محمد البشيتي.
ومنذ الستينات قررت الحكومة الاسرائيلية فور احتلال المدينة الشروع بترميم البناء، ورصدت له مبلغ 28 مليون ليرة بعد قرار مصادرته من عائلة البشيتي. وانه في ذلك الوقت تصدى مختار حارة الشرف المرحوم هشام البشيتي لعملية الترميم والبناء وقام بتوجيه سلسلة من الرسائل، شملت كل من الملك حسين بن طلال والملك الحسن الثاني والرئيس ياسر عرفات ومحكمة العدل العليا في لاهاي بهدف إلغاء قرار المصادرة ومنع البناء على الاراضي المصادرة”.
وقال إنه بعد وفاة المختار البشيتي تولى اوقاف العائلة كل من الدكتور صبحي البشيتي والاستاذ مروات البشيتي والحاج نبيل البشيتي، ومنذ ذلك الحين وهم يحاولون بشتى الوسائل والطرق إستعادة املاكهم المصادرة واستعادة حقهم بالانتفاع به.
وأشار الى إنه منذ العام 2004 حتى يومنا هذا، لم تتمكن العائلة من وقف الترميم واستعادة أملاكها. وأوضح “أن املاك العائلة في حارة الشرف التي باتت تسمى ب( حارة اليهود ) مازالت قائمة ولم تهدم بل تم ترميمها والبناء عليها لتستوعب اكبر عدد من اليهود المتدينين”، مشيراً الى ان السلطات العسكرية الاسرائيلية بعد احتلال البلدة القديمة عام 1967 قامت بهدم تلك المنازل القريبة من سور المسجد الأقصى المبارك لتوسيع ساحة البراق وأبقت المنازل الأخرى حيث فاوضت العائلات المختلفة على قبول التعويض أو البيع.
آل قطينة :
آل قطينة عملوا في التجارة وحققوا نجاحاً كبيراً فيها وبرعوا بالتجارة مع الأقاليم المجاورة مثل تجارة الصابون هي الأكثر ربحاً. وقد عرف من آل قطينة السيد سليمان الذي كان أكبر أثرياء القدس في أوائل القرن التاسع عشر. وسليمان قطينة زادة كما ورد اسمه مراراً في وثائق المحكمة الشرعية شترى بماله العديد من الوظائف العلمية المتواضعة وحصصاً في الصرة الرومية والصرة المصرية الواردتين إلى أهالي القدس سنوياً كما أنه أنشأ أوقافاً كثيرة فحفظ بذلك أمواله المستثمرة من الأزمات الاقتصادية والمصادرة وغيرها من حوادث الزمان كوارثه في المحكمة الشرعية فكان ما ضبط فيها من الأموال نقداًُ من أعلى تركات ذلك العصر في بيت المقدس.
بعد وفاة سليمان قطنية خلفه أولاد ه بالعمل في التجارة والاستثمارات العقارية، وبرز منهم بصورة خاصة موسى أفندي الذي عين رئيساً لتجارة القدس شاهبندر. ولم يحظ سليمان قطينة في حياته بلقب أفندي مثل ابنه موسى وإنما ذكرته الوثائق مع لقب جلبي المرافق عادة لأسماء كبار التجار، لكن الحدود بين كبار التجار والأشراف منهم خاصة وبين فئة الأفنديات من علماء وأعيان لم تكن مغلقة أو غير نافذة. كما يتبين من حالة موسى أفندي قطينة..فبعض كبار أفنديات القدس مثل المفتي والنقيب وغيرهما من آل الحسيني كان صاحب معاصر الزيت والسيرج ومصانع الصابون. كما أن كبار التجار اشتروا بمالهم أحيانا وظائف علمية في المدارس والجوامع عن طريق صلة الرحم.
عائلة العسلي:
هي عائلة عريقة في بيت المقدس، عُرِف منها كبار العلماء مثل أحمد آغا بن فضل الدين آغا العسلي.. وبعض أفرادها دخل الجندية، وخصوصاً في حراسة القلعة فعُين منهم قائد القلعة، الدزدار. ولما شغل أفراد العائلة هذه الوظيفة جيلاً بعد جيل، غلب هذا الاسم على العائلة. وكان والده دزداراً، وجابياً للضرائب من القرى التابعة للخاص السلطاني. وانضمّ أحمد آغا إلى جند القلعة. ولما توفّي والده انتقلت الوظيفة إليه.
عائلة الطرزي:
عائلة عربية عريقة الأصل، مقدسية الشهرة , مسيحية الديانة، قدمت العائلة من قطاع غزة وقاموا بشراء عقرات في القدس واستقرت العائلة بها حتى يومنا هذا. خرجت هذه العائلة العديد من الأطباء. وتوجه البعض منهم في السلك السياسي مثل زهدي الطرزي الذي تولى منصب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة الأمريكية.
عائلة ابو غوش:
هذه العائلة سميت نسبة الى مؤسسها وهو الزعيم القبلي محمد الملقب ابوغوش بن عبداللة بن بن الضرغام من الفداغة من سنجارة من زوبع من شمر من طيء القحطانية..حيث قدم هذا الزعيم من الحجاز في بدايات القرن الثامن عشر ميلادي.. وقيل ان أصلهم من الشركس، ويقال أنهم جاءوا إلى البلاد مع السلطان سليم ونزلوا غربي القدس. وكانت أسرة أبو غوش (بنو مالك) تعتبر من زعماء اليمنية في فلسطين..وكان اول ظهور له في السجلات المدنية للمحاكم الشرعية في القدس. حيث اول ما سكن سكن مدينة القدس، ومن ثم انتقل الى قرية العنب التي تزعمها فيما بعد، وسميت باسم ابوغوش. وقد كانوا متمركزين في قرية العنب “قرية أبو غوش” في لواء القدس، وتحكّموا في الطريق الرئيس بين القدس ويافا.. وكانت منطقة نفوذهم إلى الشمال الغربي من منطقة بني حسن، وأبرز بيوتهم بيت أبو غوش الذين أشتهر منهم الحاج مصطفى أبو غوش.. وقد سيطرت هذه الأسرة على حوالي عشرين قرية منها بيت عنان ولفتا ويالو وبيت لقيا وخربتا وبيت عور الفوقا وبيت عور التحتا..وقد شمل نفوذهم أيضاً مناطق بني حماد والوادية بما فيها بيت لحم وجزءاً من بني حسن، وكذلك الجزء من منطقة جبل القدس الذي كان سكانه من اليمنيين. وكان النزاع الرئيسي في الخمسينات يتمثل في الخصومة الدائمة بين آل أبو غوش “بني مالك” وآل اللحام”العرقوب” حول السيطرة على منطقة بني حسن.. بيد إنه كانت هناك منازعات أيضاً بين آل أبو غوش وبين آل سمحان “بني الحارث”. وكان شيخ أبو غوش هو المعمر أحمد عبد الرحمن..بيد أن القائد السياسي العسكري كان ابن أخيه مصطفى, وهو “شخص ذو خضوع طاغ”. وفي صيف 1853م وخريفها زادت الصراعات “بمشاركة البدو” وكان مثار النزاع الرئيسي هو قرية عين كارم بسبب السيطرة على الفرانسيسكان القائم هناك. ومن اولاده عيسى وعبداللة الملقب ابو قطيش، وكان الشيخ مصطفى ابوغوش ندا قوية للحكومة التركية.
المراجع

- أحمد زكي الدجاني “عائلة الدجاني.. المجتمع والناس في مدينة يافا.. عام1750 ـ 1948م”.
- أحمد سامح الخالدي،أهل العلم والحكم في ريف فلسطين،عمان، عام 1968م.
- أمل دجاني “مسجد ومقام النبي داود في القدس” جامعة القدس، رسالة جامعية غير منشورة، 1996م.
- أمين الحسيني “كذبة بيع الفلسطينين لأرضهم” 1895- 1974م.
- تيسير جبارة “الحاج محمد أمين الحسيني..نشاطاته الإسلامية 1921 – 1937″ دار الفرقان ط1 1995م.
- تيسير يونس جبارة “تاريخ فلسطين” دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، ط3، 1998م.
- تيسير موسى نافع “الإمبريالية والصهيونية والقضية الفلسطينية”.
- جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني.
- حسن بن عبد اللطيف الحسيني “تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري”.
- حضرة عزتلو يوسف بك آصاف “تاريخ سلاطين بني عثمان” مكتبة مدبولي-القاهرة،1995م.
- صالح زهر الدين “موسوعة رجالات من بلاد العرب” المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، ط1، 2001م.
- عبد الهادي التازي “الأصول التاريخية للسادة الأشراف في المشرق”.
- عبد الرؤوف المناوي “الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية”.
- عمران الحسيني “لمحات تاريخية من الأزقة المقدسية” .
- عبد الله العقيل “من أعلام الحركة الإسلامية” دارالتوزيع النشر الإسلامية، ط1، 2000م.
- عبد الكريم رافق “العرب والعثمانيون” مكتبة ومطبعة السروجي للنشر، عكا، ط2، 1978م.
- عبد الرازق البيطار ” حلية البشر بتاريخ أعلام القرن الثالث عشر الهجري”.
- عادل مناع “أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني 1800– 1918″
- كامل العسلي ” معاهد العلم في بيت المقدس”.
- كامل العسلي ” أجدادنا في ثرى بيت المقدس”.
- مجير الدين العليمي الحنبلي ” الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل”.
- مصطفى مراد الدباغ ” بلادنا فلسطين” .
- محمود إبراهيم ” فضائل بيت المقدس” الكويت،1985م.
- محمد محمد حسن شرَّاب ” معجم العشائر الفلسطينية”.
- محمد أبو مليح ” مقال ” موقع القدس أون لاين .
- المؤسسة العربية للدراسات والنشر ” قضية فلسطين في سيرة الشهيد الحي عبد القادر الحسيني” بيروت- 1982م.

أضف تعليقا

” الأمن القومي الإسرائيلي نظريات ومستوياته “

سلسلة علم النفس الأمني

” الأمن القومي الإسرائيلي نظريات ومستوياته “

تأليف
د.خضر محمود عباس

إصدارات
مركز الوعي للدراسات والتدريب

فلسطين – غزة

1423 هـ ـ 2003م

خلفية الدراسة
مقدمة:
استندت إسرائيل في مفهومها “للأمن القومي” على مبادئ صهيونية منها ” نكون أو لا نكون”، وعلى اعتبار أنها “في تهديد مستمر” من الدول العربية، وأن قضية “الأمن” هي المفتاح الرئيسي لجميع خطوطها السياسية ومنهج عمل الحكومات والقيادات الأمنية والعسكرية.
وانطلقت إسرائيل في بناء نظرياتها “الأمنية” على العوامل الديمغرافية والاقتصادية والجيوسياسية.
إن قواعد نظريات الأمن الإسرائيلي، تعتبر في تطور دائم بناءً على إدراك القيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بأنه من الصعب المحافظة على نظريات ثابتة، لا سيما في ظل مفاهيم الأيدلوجية الصهيونية التي تتمحور حول التوسع والسيطرة.
رغم ذلك، تعاني نظريات الأمن الإسرائيلي التي تخضع للتحليل والتقييم السياسي والأمني إلى العديد من الثغرات في استراتيجيتها وتكتيكها وخططها التطويرية في جميع المجالات العسكرية. ويحاول خبراء الأمن الإستراتيجيين الإسرائيليين البحث عن إستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي بالتكيف مع المستجدات على الساحة العالمية وبما يتناسب والمتطلبات الخاصة بالفكر الإسرائيلي (الصهيوني).
وتحقيقاً لهدفنا قمنا بالدراسة والتحليل، والبحث في أهم المكونات التي تشكل “نظرية الأمن القومي” وذلك من خلال عدة فصول .
مشكلة الدراسة :
وتحاول هذه الدراسة طرح المفهوم النظري والعملي لما تسميه إسرائيل ” بالأمن القومي الإسرائيلي”، استنادا إلى التجارب التي خاضتها “إسرائيل” نفسها في صراعها مع الدول العربية.
وتمثل مشكلة الدراسة السؤال الرئيسي التالي :
ما هو مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ، وأهم النظريات الأمنية التي يستند عليها ؟
وينبثق عن هذا السؤال التساؤلات الفرعية التالية :
ما هو مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ؟
ما هي النظريات التي يقوم عليها مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ؟
ما هي حدود القوة في العقيدة الإستراتيجية الإسرائيلية ؟
أهداف الدراسة :
- التعرف على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي .
- التعرف على النظريات التي يقوم عليها مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي .
- التعرف على حدود القوة في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية .
أهمية الدراسة :
- قد تستفيد منها القيادة السياسية والأمنية والعسكرية في المجتمع الفلسطيني من خلال التعرف على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ، وكيف ينظر الإسرائيليون إليه.
- قد يستفيد منها مراكز التخطيط في مواجهة هذه النظريات الإسرائيلية ، وكيفية تحقيق ثغرات ممكنة فيها .
- قد يستفيد منها الأكاديميون في دراستهم عن الكيان الإسرائيلي ، وخاصة في الجانب الأمني والعسكري .
- قد تثري هذه الدراسة المكتبة الفلسطينية والعربية من خلال التعرف على أهم جانب من جوانب الكيان الإسرائيلي .
- قد يستفيد منها المفاوض الفلسطيني من خلال الإطلاع المسبق عن طريقة تفكير المفاوض الإسرائيلي الأمني وكيفية انطلاق في التفاوض من الأسس النظرية في “الأمن الإسرائيلي”.
- قد تشكل هذه الدراسة رؤية جديدة علمية في تشجيع الكتاب العرب والفلسطينيين على تناول المجتمع الإسرائيلي من جميع جوانبه ، وتقديم ثقافة عامة في متناول القارئ العربي.
مصطلحات الدراسة
تعريف الأمن :
- يعرف عمر قدورة الأمن على أنه ” حالة يوجد بها الإنسان لتستثار فيها دوافعه الغريزية للدفاع أو الهرب أو العدوان ، وهذه الحالة كما توجد في أفراد توجد في الجماعة” -
وعرف نافع عبد الكريم الأمن على أنه ” غياب المخاطر التي قد تواجه الدول بهدف توفير الظروف الداخلية والخارجية لمجتمعها للمضي قدماً نحو تحقيق الغايات المشتركة بين أفراده ، والأمن يعني الشعور الذي يسود الفرد أو الجماعة بإشباع الدوافع العضوية والنفسية ، واطمئنان الجميع بزوال ما يهددهم من مخاطر ، وذلك هو الأمن كشعور … وقد تكون الجهود التي تصدر عن الفرد أو الجماعة لتحقيق حاجاتها الأساسية ، أو للرد على العدوان عن كيانها ككل … وهذا يعني الأمن كإجراء”
تعريف الأمن القومي :
عرف جوهان أ. كولينز الأمن القومي على أنه ” دفاع عن شعب ضد جميع أنواع الأعمال العدوانية من الخارج” .
وُعرف على أنه ” هو تأمين سلامة الدولة من أخطار داخلية وخارجية قد تؤدي بها إلى الوقوع تحت سيطرة أجنبية نتيجة ضغوط خارجية أو انهيار داخلي”
وعرف عمر قدورة الأمن القومي على أنه ” مجموعة من الوسائل الناجعة والقوى المادية والمعنوية التي تتوفر لدولة ما لحماية كيانها ونظامها ومجتمعها من الأخطار الداخلية والخارجية التي تطالها أو تهددها”
تعريف الأمن القومي الإسرائيلي :
اعتبر تسفي شور ” أن الوضع الدفاعي لدولة إسرائيل يختلف عن وضع معظم أمم العالم ، فالتهديد العسكري المستمر منذ إقامة إسرائيل ، من جانب الدول العربية يضع أمامها مشكلة وجود أساسية ، ويلزم بإقامة قوة عسكرية تكون قوية بما فيه الكفاية لمواجهة هذا التهديد والتصدي له ” كما يعتبر أنه ” لا توجد دولة في العالم تعتبر مسألة الأمن القومي حيوية لوجودها كما هي لإسرائيل ، حيث أن مسألة الأمن القومي بالنسبة لها ليست مسألة وجود قومي فحسب ، بل هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لمواطنيها ، ولا يوجد مكان في العالم ينطبق عليه قول جون كيندي، أن الأمن القومي يبقى مجال النشاط ، حيث ” أن خطأ واحد بإمكانه قتلنا ” بأكثر مما ينطبق على إسرائيل .
منهاج الدراسة :
هو المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن ، وذلك من خلال استعراض مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ، وأهم النظريات المرتكز عليها ، وحدود القوى في العقيدة الإستراتيجية الصهيونية ، وتحليل هذه المعطيات والنظريات والخروج بنتائج والمقارنة بينها.
خطة الدراسة:
يتناول الفصل الأول مفهوم الأمن القومي بشكل عام.
ويتناول الفصل الثاني مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي .
ويتناول الفصل الثالث مرتكزات صنع القرارات في الأمن القومي لإسرائيل.
ويتناول الفصل الرابع نظريات الأمن القومي الإسرائيلي.
ويتناول الفصل الخامس الثابت والمتغير في نظريات الأمن القومي الإسرائيلي.
ويتناول الفصل السادس حدود وعناصر ميزان القوة العسكرية الإستراتيجية
ويتناول الفصل السابع معادلة الأمن القومي الإسرائيلي.
ويتناول الفصل الثامن تطور القوة في سياسة الدفاع
ثم ِالخاتمة وتشمل الاستخلاصات والنتائج.

الفصل الأول
مدخل إلى مفهوم الأمن القومي
أولاً : مفهوم الأمن :-
تعريف الأمن:
عرف الأمن على أنه ( حماية الأمة وحرمة أراضيها وسيادتها واستقلالها السياسي واستقرارها) ويشمل عنصرين:
الأول: عسكري.. أي الوسائل الكفيلة لحماية الدولة ضد أعمال العدوان وسياسات التوسع.
الثاني: غير عسكري.. أي عدم التدخل في الشئون الداخلية للدولة، أو تعريضها لحرب دعائية، أو ضغوط اقتصادية.
فالأمن حالة يوجد بها الإنسان تستثار فيها دوافعه الغريزية للدفاع أو الهرب أو العدوان،وهذه الحالة توجد في الفرد كما توجد في الجماعة” ” “.” إن حاجة الإنسان “الغريزية” إلى الأمن تدفعه إلى الدأب في السعي إلى استكشاف البيئة المحيطة به سواء كانت بيئة مادية، أو اجتماعية للتعرف عليها، والتفريق بين النافع والضار فيها، بحيث يشبع حاجته إلى الأمن “. .
وعرف آخرون ” الأمن ” بأنه غياب المخاطر التي قد تواجه الدول بهدف توفير الظروف الداخلية والخارجية لمجتمعها للمضي قدماً نحو تحقيق الغايات المشتركة بين أفراده، والأمن يعني الشعور الذي يسود الفرد أو الجماعة بإشباع الدوافع العضوية والنفسية، واطمئنان الجميع بزوال ما يهدده من مخاطر، وذلك هو الأمن كشعور.. وقد تكون الجهود التي تصدر عن الفرد، أو الجماعة لتحقيق حاجاتها الأساسية، أو للرد على العدوان عن كيانها ككل.. وهذا يعني الأمن كإجراء ..
ويثير مفهوم ” الأمن ” قضيتين هما:-
- الأمن حقيقة متغيرة تخضع للعديد من العوامل والظروف الداخلية والخارجية.. فهو كحقيقة متغيرة مرتبط باعتبارات مختلفة منها داخلي كالطابع القومي والحدود الآمنة التي ترغب الدولة على تأكيد سلامتها في نطاقها، ومنها الخارجي كعلاقة الدولة بالدول المجاورة لها.
- الأمن حقيقة نسبية أيضاً، فتحقيق ” الأمن ” المطلق لدولة يعني التهديد المطلق لغيرها من الدول التي تسعى هي الأخرى لزيادة قوتها بهدف تحقيق أمنها فتصبح مصدر خطرٍ على غيرها، و خاصة إذا اعتمدت الدولة في تحقيق أمنها على النواحي العسكرية فقط.
واستناداً لما ذكر، يمكننا القول بأن مفهوم ” الأمن ” مفهوم غامض ومعقد يستوعب في نطاقه معانٍ متعددة تندرج من مجرد قيام الدولة بإجراءات وقائية لحماية نفسها من المخاطر الخارجية، ووضع القواعد المناسبة لحراسة حدودها وسواحلها وأجوائها، والمحافظة على أسرارها وتشكيلاتها المسلحة، وعمل الأحلاف العسكرية، إلى حد قيام الدولة بإجراءات إيجابية لتحقيق أمنها بدءً من الإجراءات الخاصة بتأمين المواطنين داخل الدولة ضد الأخطار المحتملة التي تمسهم وأموالهم، ووضع القوانين والتشريعات، التي تكفل هذه الحماية ،وما يتضمنه ذلك من وجود السلطات القائمة على تنفيذ القانون، بل تمتد هذه الإجراءات لتشمل الإجراءات المتعلقة بتأمين الدولة في مواجهة غيرها من الدول.
ولم يقتصر مفهوم الأمن على الإجراءات التي تتخذها الدولة فحسب، بل شمل وامتد لمعانٍ جديدة مثلما يعرف بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والأمن الغذائي.. وهي معاني جديدة في نطاق مفهوم الأمن أصبحت تحتل مكانةً بارزة عند معالجة قضايا الأمن.
إن ” الأمن ” بمفهومه الواسع لا يمكن أن ينحصر في مجرد التحرر من التهديد العسكري الخارجي، كما لا يمكن تحديد مفهومه بسلامة الوطن وأراضيه وسيادته، وإنما امتد إلى آفاق أوسع تشمل معاني الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي للمجتمع، حيث أن الأمن يرتبط بعلاقة ديناميكية جدلية بين الاستقرار الداخلي والعدواني الخارجي، ولا يمكن الفصل بين الأمنين الخارجي والداخلي.
ثانياً: مفهوم ” الأمن القومي “:-
حاول العديد من الباحثين الإستراتيجيين تقديم اطروحات لتعريف ” الأمن القومي “، وفي المراحل الأولى لدخول مفهوم ” الأمن القومي ” مجال العلوم السياسية والعسكرية، اختزل هذا المفهوم لدى _ الأمريكيين _ لعنصرٍ أساسي تمثل في قدرة الردع العسكري التي تمتلكها الدولة، والتي تحدد موقعها ضمن شبكة العلاقات الدولية السائدة، وهو ما عبر عنه وولتر ليبمان عام 1943 حين قال أن ” الدولة تكون آمنة حينما تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتجنب الحرب، وتكون قادرة على التحدي لأجل المحافظة على تلك المصالح بالحرب ” ” “.
وقد تعرض هذا المفهوم إلى الانتقادات، فقد قال جوهان أ. كولينز بأن ” الأمن القومي: هو دفاع عن شعب ضد جميع أنواع الأعمال العدوانية من الخارج ” ” “.
ويذهب البعض إلى تعريف الأمن القومي على أنه ” قدرة المجتمع على مواجهة ليس فقط الأحداث والوقائع الفردية للعنف، بل جميع المظاهر المتعلقة بالطبيعة الحادة والمركبة للعنف “، أي أن الأمن القومي _” تأمين كيان الدولة والمجتمع ضد الأخطار التي تهددها داخلياً وخارجياً، وتأمين مصالحها وتهيئة الظروف المناسبة اقتصاديا واجتماعيا لتحقيق الأهداف والغايات التي تعبر عن الرضا العام في المجتمع. ” “.
واقترح آخرون التعاريف التالية:
“الأمن القومي ” مجموعة الوسائل الناجعة والقوى المادية والمعنوية التي تتوفر لدولة ما لحماية كيانها ونظامها ومجتمعها من الأخطار الداخلية والخارجية التي تطالها أو تهددها” ” “.
ويعرف الأمن القومي بأنه ” التنمية ” أي الأمن ليس هو المعدات العسكرية وإن كان يتضمنها _ والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي _ وإن كان يتضمنها ، إن الأمن هو التنمية، وبدونها لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية التي لا تنمو في الواقع لا يمكن أن تظل آمنة.. ” ” “، وتضيف إلى أن : ” المشكلة العسكرية لا تمثل غير وجه سطحي ضيق لمشكلة الأمن الكبرى، فالقوة العسكرية يمكن أن تساعد في توفير القانون والنظام، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بقدر ما يتناسب مع الوجود الفعلي لقاعدة صلبة للقانون والنظام في المجتمع النامي،. ورغبة أساسية في التعاون من جانب الشعب ” وأنه ” لا يمكن للدولة أن تحقق أمنها إلا إذا ضمنت حداً أدنى من الاستقرار الداخلي، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بتوفر حد أدنى من التنمية” ” ” .
الأمن القومي هو أمن الدولة ” قاطبة داخلياً وخارجياً محلياً وإقليمياً ودولياً مع ارتباط هذا المفهوم بفلسفة النظام السياسي وبمفهوم السيادة والمصلحة العليا للدولة ” “.
الأمن القومي ” الجهد اليومي الذي يصدر عن الدولة لتنمية دعم أنشطتها الرئيسية السياسية والعسكرية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية ودفع أي تهديد أو تعويق أو أضرار بتلك الأنشطة ” ” “.
ثالثاً مستويات الأمن القومي :
تدخل الدولة بحكم عضويتها في المجتمع الدولي في علاقات مع غيرها من الدول، أو المنظمات، أو الهيئات الدولية.. وتتحدد هذه العلاقة بمجموعة من الاعتبارات منها الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، ولكن هناك جانباً آخر يؤثر في طبيعة هذه العلاقات، وهو الجانب المتعلق بالأمن ، وهذا الجانب يحكمه اعتبار هام، وهو الأمن القومي للدولة ذاتها، الذي يهدف إلى أضعاف تأثير أي من الاعتبارات السابقة على تأمين الدولة وحمايتها، فلا تطغى الاعتبارات الاقتصادية أو السياسية أو غيرها على اعتبارات الأمن، وللأمن القومي حدود يعمل في إطارها بهدف تحقيق الأمن والاستقرار في داخل الدولة أولاً، ثم في علاقاتها بغيرها من الدول ثانياً، وأول هذه الحدود هي حدود الدولة المعترف بها دولياً، والتي تمارس سيادتها في إطارها،ويلي ذلك بعد آخر وهو الحدود التالية لحدود الدولة، أو ما يطلق عليها ” العلاقات الإقليمية ” ويتبع ذلك البعد الثالث، وهو خطر غير مرئي تحكمه الاعتبارات الدولية وعضوية الدولة في المجتمع الدولي.
وهنا يمكن القول بأن هناك ثلاث مستويات للأمن القومي لأية دولة وهي:
المستوى الداخلي: ويتعلق بحماية الدولة من التهديدات الداخلية، خاصة تلك المدعومة بقوة خارجية.
يضع حدود الدولة الجانب الأول: ذاتها في الاعتبار الأول، والعمل على حماية استقلالها وسيادتها الإقليمية، وسعي الدولة إلى حماية هذا الكيان وما يرتبط به، كشكل نظام الحكم، أو القيم الهامة الواجب حمايتها داخل الدولة، وذلك بالنص عليها صراحة ضمن مجموعة القواعد الأساسية للدولة التي اصطلح على تسميتها بـ ” الدستور ” أو من خلال مجموعة الإجراءات التي تهدف إلى حماية الجماعة ذاتها أو مجسدة في الحكومة من أعدائها في الداخل أو في الخارج، في الحاضر والمستقبل.
ويجري استخدام “اصطلاح ” ( أمن الدولة ) أو ( الأمن الداخلي ) عادة للإشارة إلى تحقيق الأمن في المستوى الداخلي، وهو بذلك يختلف عن الأمن القومي الذي يشمل هذا المستوى والمستويين الإقليمي والدولي.
المستوى الإقليمي: ويرتبط هذا المستوى بعلاقة الدولة بالدول المجاورة لها في نفس الإقليم الجغرافي، وهو ما يطلق عليه النظام الإقليمي، ويؤثر هذا المستوى تأثيراً مباشراً على الأمن القومي للدولة، لذلك تولي الدولة أهمية خاصة من أجل إقامة علاقات طيبة مع الدول المجاورة لها في نفس الإقليم، فتدخل معها في اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف لحماية الحدود المشتركة، أو لإنشاء منظمة إقليمية تهدف إلى تحقيق الأمن والمصالح المشتركة لهذه الدول.
المستوى الدولي: ويشير إلى علاقة الدولة بالمجتمع الدولي، ويتأثر هذا المستوى بعلاقة الدولة بغيرها من الدول _ خاصة الكبرى _ وطبيعة تحالفاتها الدولية والسياسية التي تنتهجها اتجاه الأمن الدولي، ومشاركتها في المؤتمرات الدولية، والقيود التي يفرضها عليها نظام الأمن الجماعي الذي ارتضته الدولة في إطار المجتمع الدولي.
لا يمكن لأي دولة أن تغفل أي مستوى من هذه المستويات، خاصة وأن التقدم التكنولوجي في مجالات الاتصال والأسلحة وسرعة التحرك أدت إلى تشابك هذه المستويات وأصبح من الصعب التفرقة بين ما هو متعلق بالأمن الداخلي أو الأمن الإقليمي أو الأمن الدولي.
إن تقسيم الأمن إلى مستويات ثلاث ينعكس على الجانب التطبيقي الذي تنتهجه الدولة لحماية كيانها، حيث تقوم هذه الدولة بإنشاء أجهزة تختص بحماية كيان الدولة حسب مصدر الخطر الذي يمكن أن يواجه الدولة.. فيتولى جهاز أو أكثر حماية الدولة من الأخطار الخارجية والداخلية.

الفصل الثاني
مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي
تمهيد:
يستند مفهوم إسرائيل للأمن القومي على قاعدة تقول: ” إن إسرائيل تعيش في حالة من التهديد المستمر لوجودها ذاته.. ” ومن هذا المنطلق ظل موضوع ” الأمن القومي ” منذ عام 1948 يشغل اهتمام حكومات إسرائيل المتعاقبة ويشكل مصدر إلهامها.
إن نقطة الانطلاق لجميع تلاوين المفهوم الإسرائيلي للأمن القومي هي الفرضية القائلة “أن إسرائيل هي أمة تعيش في محنة كيانية”. هذا التوافق في الرأي، وبغض النظر عن الإختلاف في المواقف الأيديولوجية والسياسية، يعكس مكانة إسرائيل كفريق في نزاع متواصل.
ويعتبر الإستراتيجيون الإسرائيليون بأن لهذا النزاع مستويان ينطويان على تحديين تتصدى لهما مفاهيم إسرائيل للأمن القومي منذ سنة 1948. فعلى مستوى النزاع بين دول المنطقة، وفي ظل انعدام السلام بين إسرائيل و”جاراتها العربيات”، تتصدى إسرائيل لتحدي “البقاء العسكري في بيئة إستراتيجية معادية”، وأما على الصعيد القومي _ الأيديولوجي للنزاع، بين “القومية اليهودية” و”القومية الفلسطينية”، على مصير الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، تسعى إسرائيل إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بشرعية وجودها كدولة ذات سيادة.
وهناك ارتباط متبادل بين هذين التحديين الأمنيين على المستوى القومي _ العسكري والسياسي، وثمة اتفاق في الرأي يكاد يكون شاملاً، بالنسبة لحقيقة وجود ارتباط بين البعد العسكري والبعد السياسي “لأمن إسرائيل القومي”. على الرغم من الاختلاف في تقييم الأهمية النسبية لهذين البعدين.
وعبارة ” السياسة الخارجية والأمن ” المتداولة في إسرائيل تعكس الاعتراف بالعلاقة المتبادلة القائمة بين هذين العاملين. وكذلك مصطلحي ” خارجية وأمن ” يظهران أيضاً في إسم لجنة الكنيست التي تعالج هذين المجالين معاً، ومع ذلك فالمفهوم المهيمن للأمن القومي في إسرائيل يميل إلى اعتبار الدبلوماسية بمثابة خادم للإستراتيجية، وليس العكس. واصل هذا الأمر يكمن في مفهوم “التهديد الكياني” الذي ينظر إليه “كتهديد جاد وحقيقي”. فضمان البقاء القومي كهدف رئيسي للإستراتيجية والدبلوماسية على حد سواء يتساوق مع المفهوم القائل أن إسرائيل تعيش في حالة ” الحرب الراقدة “.
ويستدل من ذلك، أن المفهوم الأمني الإسرائيلي يميل إلى التشديد على ضمان قدرة إسرائيل الدفاعية الذاتية كمنطلق لتعيين الأهداف التي تشن إسرائيل الحرب من أجلها ، ويلاحظ وبشكل مضطرد بروز دلائل تشير إلى أن المفهوم الذي يتوجب على إسرائيل بموجبه استخدام قوتها العسكرية، لأغراض تتجاوز التحذير والإحباط و ” الضربة الوقائية”، ” قد احتل مركز الصدارة في أوساط قيادتها الأمنية والسياسية.
وقد افترض في هذا المفهوم “أن إسرائيل تعيش في نزاع كياني غير قابل للحل”، لا بالوسائل السياسية ولا بالوسائل العسكرية، لأنه لا يوجد في هذا النزاع حد واضح وفاصل بين حالات الحرب وحالات ” لا سلام ولا حرب “، ولأن هوامش إسرائيل الأمنية ضيقة جداً نتيجة الدونية من الناحية الكمية، أو سواء على صعيد السكان أو الموارد، ونتيجة لانعدام العمق الإستراتيجي، والذي استخلص من هذه الفرضيات أنه لا خيار أمام إسرائيل سوى منح اعتبارات الأمن العسكري قدراً كبيراً من الاستقلال الذاتي، خاصة وأن العناصر السياسية المكونة للأمن القومي ينظر إليها كعوامل إكراه خارجية. وقد كانت إحدى فرضيات النظرية الإسرائيلية المتعلقة بالأمن القومي، أن جهود إسرائيل الرامية إلى تطوير ” خيار نووي ” لا ينبغي لها أن تؤثر في النظرية العسكرية الإسرائيلية في إطار النزاع غير النووي، وبمعنى آخر، “على إسرائيل وفق النظرية الإسرائيلية المألوفة، الاحتفاظ بقدرة عسكرية تقليدية، غير مرتبطة بدرجة تطوير ” خيارها النووي ” ” “.
أولاً: أهمية مفهوم “الأمن القومي لإسرائيل”:-
لا شك أن الأمن القومي هو أحد أهم الموضوعات في دول العالم جميعاً، لكن أهميته بالنسبة لإسرائيل تفوق أهميته في أي دولة أخرى. لذا يتوقع أن تتبنى إسرائيل سياقاً لصناعة القرارات وأن تبنيه على أكثر الوسائل والأجهزة المتقدمة الموجودة لصناعة القرارات في العالم.
“لأن الوضع الدفاعي لدولة إسرائيل يختلف عن وضع معظم أمم العالم، فالتهديد العسكري المستمر منذ إقامة إسرائيل، من جانب الدول العربية يضع أمامها مشكلة وجود أساسية، ويلزمها بإقامة قوة عسكرية تكون قوية بما فيه الكفاية لمواجهة هذا التهديد والتصدي له” ” ” كما عبر عن ذلك تسفي شور هذا من جهة.
أما الوجه الآخر لمشكلة الأمن الإسرائيلي، فهو مرتبط إرتباطاً وثيقاً بسياسة الاستقطاب والدوران في فلك الدولة الكبرى “الولايات المتحدة” إبقاءً على قناة الدعم، بشتى أنواعه، فإسرائيل معنية بمواصلة دورها، حارسا أمنيا في المنطقة، وتصريحات شارون التي جاء فيها “أن ما تقدمه إسرائيل لأمريكا من خدمات يفوق أضعاف، المساعدات التي تتلقاها من واشنطن” ، تظهر الصورة الحقيقية التي يحرص الزعماء الإسرائيليون على إبقائها حية في الذهن الأمريكي خصوصا.
وإذا خيل للبعض، أن هذا الدور الإسرائيلي، قد تلاشى، فإنه يقع في خطأ، فدور إسرائيل يتعدى دور الشرطي الذي يحرس المصالح الأمريكية ليصل إلى دور العصا والقوة التي تتصدى لكل نمو في القدرات العربية، لإبقاء دول المنطقة العربية والإقليمية أحجار شطرنج تحركه الأصابع الأمريكية، متى شاءت.
فسياسة إسرائيل الأمنية، هي إستراتيجية، بمثل ما هي تكتيك اجتماعي يتناول الشارع الإسرائيلي، الذي أصبح التطرف زاده اليومي، بفعل التعبئة العامة في شتى الميادين. لهذا نجد أن صيغة السلام، تتلقى اعتراضا إسرائيليا، إذا لم تأخذ بالاعتبار “مسألة أمن إسرائيل”، و”أمن إسرائيل” لا حدود له فهو، يتصل بالأرض والإنسان.
وتبقى جميع الاتفاقيات السلمية والمشاريع القادمة مربوطة في ذيل مصطلح “أمن إسرائيل”، الذي لا يتحقق إلا بالقوة العسكرية الإسرائيلية المتميزة، وكل ما يستطيعون تقديمه للعرب… هو “أمن مقابل سلام”، الأمن الإسرائيلي والسلام الإسرائيلي…وكل شئ إسرائيلي.
ثانياً عناصر الأمن القومي الإسرائيلي:-
ثمة مجالان على الأقل، الاختلاف في وجهات النظر السياسية فيهما يؤثر على مفهوم الأمن القومي، فعلى صعيد البعد الإقليمي للأمن، يوجد لوجهات النظر السياسية تأثير على الاختيار بين حلول بديلة مختلفة لمشكلة العمق الإستراتيجي، وعلى صعيد البعد المتعلق باستخدام القوة العسكرية،كما و يوجد لوجهات النظر السياسية تأثير على تحديد الأهداف التي ستكون إسرائيل مستعدة لشن حرب من أجلها. وهناك توافق وطني بالنسبة لمفهوم شمولي للأمن القومي، لا يحول دون تفكير إستراتيجي منهجي يوضح الخيارات المفتوحة أمام إسرائيل على صعيد الأمن القومي والكلفة السياسية لهذه الخيارات علاوة على ذلك فإن الاتفاق القائم في إسرائيل على الحاجة إلى “التأهب لإزالة أي تهديد كياني من جانب العرب “بواسطة قوة إسرائيل “العسكرية الذاتية”، يشكل أساساً كافياً لتبني مفاهيم متفق عليها بشأن قضايا عملياتية مختلفة تتعلق “بالأمن القومي”، كأسلوب تعبئة الطاقة البشرية وتوزيعها على دوائر الجهاز العسكري الثلاث، (الجيش الدائم والنظامي والاحتياط)،في العقيدة العسكرية الهجومية، كوسيلة لفرض إنهاء الحروب على العدو،ومفهوم الحرب القصيرة، وتفوق اعتبارات الأمن الأساسي على اعتبارات الأمن الجاري،وضمان قدرة إسرائيل التقليدية على الصمود بغض النظر عن إدخال أو عدم إدخال سلاح نووي إلى المنطقة في السنوات المقبلة)” “.
كل هذه الأمور تشكل عناصر المفهوم الأمني التي لم تتأثر بالمتغيرات التي حدثت خلال السنوات الأخيرة في البيئة السياسية المحيطة بإسرائيل، وفي هذه المواضيع جميعاً لا يزال هناك مجال لاعتبارات أمنية مستقلة غير مرتبطة بموقف سياسي، شرط المحافظة على الخط الفاصل بين قضايا الأمن القومي التي لا نزاع عليها، وبين قضايا الأمن القومي التي لم يعد ممكناً فصل جوانبها العسكرية عن جوانبها السياسية.
ثالثاً : مستويات الأمن القومي الإسرائيلي:
على المستوى المحلي:
تعتمد إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي المحلي على مستوى العلاقة الثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يكاد يكون هناك إجماع على مستوى المخططين الأمنيين الإستراتيجيين في إسرائيل على عدم السماح بوجود قوات غير إسرائيلية _ عربية، أو فلسطينية _ داخل الضفة الغربية، لأن ذلك يحرم إسرائيل من قدرتها في الدفاع عن نفسها، بقوتها الذاتية، كما هو مرسوم في إستراتيجيتها الأمنية بشكل عام.
وتبرز مدرستان حول تحليل هذا المفهوم، الأولى (مدرسة الهضاب) التي تؤيد الانسحاب من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، مع الإبقاء على القوات الإسرائيلية على المرتفعات والهضاب داخل الضفة الغربية. وتؤيد الانسحاب من المناطق والاحتفاظ بما هو إستراتيجي لأمن إسرائيل وتفصل بين مفهوم السيادة،ومفهوم السيطرة الأمنية،”حيث تعتبر أن الحدود السياسية التي يمكن أن ترسم لدولة إسرائيل مع الفلسطينيين هي حدود للسيادة الإسرائيلية، أما الحدود الآمنة فهي أبعد من ذلك ويجب أن تشمل الضفة كلها “ “.
وأما الثانية فتدعى (مدرسة غور الأردن) ،والتي ترى ضرورة سيطرة إسرائيل على الحدود الشرقية للأردن “غور الأردن” كعمق إستراتيجي، وتؤيد السيطرة على أرض الضفة كلها ولا تميز بين السيادة والسيطرة العسكرية على هذه المناطق، ولا تفرق بين الحدود السياسية والحدود الأمنية لإسرائيل، إلا أن المدرستان قد اتفقتا على ضرورة عدم الانسحاب الكامل من الضفة الغربية ، والإبقاء على مراكز استيطانية أمنية هامة فيها لضمان أمن إسرائيل، وعلى ضرورة أن تكون الضفة منزوعة السلاح الثقيل، وأن يوجد فيها مراكز للإنذار المبكر ،ومواقع استنفار للجيش الإسرائيلي.
وبهذا اتفق صانعو سياسة “الأمن القومي الإسرائيلي” على أن البدائل لحل إشكالية العمق الإستراتيجي على المستوى المحلي، يكون بجعل الضفة والقطاع منزوعة السلاح، لكي يتم القدرة على الدفاع عن أمن “إسرائيل القومي”.
والمناورة تبقى في حدود الصيغ العملية لكمية الأرض التي يمكن أن تحتفظ بها إسرائيل بحجة الأمن، والتي يمكن أن تتخلى عنها كوجود احتلال عسكري.
على المستوى الإقليمي:
إن التخطيط الإستراتيجي للأمن القومي الإسرائيلي على المستوى الإقليمي يعتمد على أن إسرائيل تعيش في حالة “حرب راقدة”، أي أنها في حالة استنفار دائم لحرب محتملة.
ولهذا فهي تعمل على مواجهة هذا الوضع مع جيرانها عبر الوسائل العسكرية، حتى لو لم تكن هناك حروب عبر قوة أمنية قومية تستطيع إبعاد أي خطر قد تتعرض له على كافة المستويات،وهي بذلك تميل إلى التشديد على ضمان قدرة إسرائيل القتالية الذاتية وضمان التفوق العسكري على جيرانها، بل وتحقيق نظرية الردع التقليدي والنووي، ولذلك تنصب العلاقة مع جيرانها على معالجة التفوق العسكري، قبل أي اعتبار ومن خلال هذا المنطق تحاول أن تحل الإشكاليات التي تواجه نظرية الحرب لديها، حيث تواجه هذه النظرية إشكاليتين:-
الإشكالية الأولى: ضعف العمق الإستراتيجي للدولة.
الثانية: اختلال نسب القوة مع جيرانها.
ولقد عمد المخططون على مستوى الأمن القومي الإستراتيجي لإسرائيل، لحل الإشكالية الأولى بتوسيع رقعة أراضي الدولة بالسيطرة على أراضي الدول المجاورة،. كما حدث في حرب عام 67. وحل الإشكالية الثانية بالاستعانة بنظرية” الكيف مقابل نظرية الكم، في مجال النظرية الأمنية الإسرائيلية،”على مستوى التسليح والتحديث والاتصال.. الخ، بالإضافة إلى اعتماد نظرية “تجييش الشعب” أي الشعب ذو البزات العسكرية الذي يتحول كله لجيش مقاتل عند الحاجة “ “
ولهذا تعتمد إسرائيل على امتصاص الضربة الأولى، وذلك بخلق حدود آمنة يمكن الدفاع عنها، والقتال في أرض العدو، لحين إتمام تجنيد الاحتياط، لشن هجوم معاكس، كما حدث في الجولان في حرب أكتوبر 1973.
والمتتبع لهذه الإستراتيجية العسكرية يرى أنها اعتمدت قبل حرب عام 67 على”نقل المعركة إلى أرض العدو”، وذلك لإدراكها بعدم توفر عمق استراتيجي للدولة.
ولكن هذه الإستراتيجية قد تغيرت بعد ذلك، لاعتقادها، أن الأرض التي احتلتها قد وفرت لها عمقاً إستراتيجياً، فعمدت إلى انتهاج سياسة الأمر الواقع، بالاحتفاظ والإبقاء على الوضع الراهن كما هو عليه، وعدم الانسحاب من المناطق التي احتلت .
وبعد حرب أكتوبر 1973، والضربة العسكرية التي حلت بها، تم اعتماد نظرية الضربة الوقائية، واعتماد نظام” الأسباب المبررة للحرب”، التي وقف على رأسها شارون، كما حصل في اجتياح لبنان عام 1982، وفي إطار اتفاقيات السلام تطور هذا المفهوم لمعالجة هذه الإشكالية بالاتفاق على مناطق منزوعة السلاح بين الطرفين، كما حصل بين مصر وإسرائيل.
إن المتتبع لهذه المواقف يدرك أن إسرائيل تعتبر توفير العمق الإستراتيجي لأمنها يشكل نظرية ثابتة والمتحرك فيها ، هو فقط التطبيق العملي لهذه الإستراتيجية كما يدرك أن أمنها القومي يعتبر هو المحرك لكل إستراتيجيتها وتكتيكاتها على حد سواء، ويشكل لديها الهاجس الأكبر في جميع مجالات الحياة ، السياسية، ولا يستطيع أن يتحرر من هذا الهاجس أي من زعماء إسرائيل.
على المستوى الدولي:
إن نظرة أي دولة لأمنها القومي، تكمن في فهمها لطبيعة العلاقات الدولية، حيث أن هناك نظريتان أساسيتان تتبلور على ضوئها تلك النظرة:-
فالنظرية الواقعية في فهم العلاقات الدولية تنظر إلى الأمن نظرة واقعية معينة ومحدودة وتعتبر أن المحددات الرئيسية للأمن القومي للدولة تنبع من ناحيتين: الأولى تفحص التهديدات العسكرية المحتملة التي تواجه الدولة والثانية تقييم القدرات العسكرية للدولة لمواجهة تلك التهديدات.
أما النظرية الليبرالية في فهم العلاقات الدولية فتنظر إلى الأمن بشكل موسع ويعتمد على عدد من العوامل الغير محدودة والمتشابكة مع بعضها البعض في تفسير هذه العلاقات.
ولكن كلاهما يؤكد أن المفهوم الاستراتيجي للعلاقات الدولية، يعطي الأولوية لحاجات الأمن القومي في التخطيط، وأنه يجب على صناع القرار على مستوى العلاقات الدولية أن يدمجوا بين خيارات السياسة المحلية والإقليمية وبين خيارات السياسة الخارجية، حيث تعتبر الأولى قائمة على التوجهات العسكرية، في حين تقوم الثانية على التوجيهات السياسية التي يتطلب توفيرها للأمن القومي للدولة ،والتي تقوم على مجموع النشاطات التنسيقية الدولية مثل إقامة التحالفات، أو المعاهدات، أو أشكال أخرى في العلاقات الدولية.
ووفق هذا المفهوم تعمل إسرائيل وتسخر كل نشاطها السياسي والدبلوماسي لخدمة الإستراتيجية الأمنية التي تقوم في جوهرها على الإستراتيجية العسكرية، وهناك اتفاق تام في إسرائيل على أن البعد السياسي والدبلوماسية يجب أن يخدم البعد العسكري.
ففي حين تعتمد على القوة العسكرية في مجال أمنها المحلي والإقليمي ،فإنها تعمل على توظيف نشاطها السياسي والدبلوماسي في مجال علاقاتها الدولية من أجل تثبيت هذا المفهوم وتعتمد في رسم العلاقة بين مفهومها للأمن القومي، وبين البعد الدولي على الاندماج أو الارتكاز بقدر ما تستطيع ، على أنظمة أمن أخرى، خاصة في دول العالم الغربي، والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من خلال إدراكها أن العالم غير مستقر، وأنه قد تقع أحياناً تغيرات لا تكون في الحسبان وخاصة في ظل الانتشار السريع لأسلحة الدمار الشامل،والأسلحة النووية والجرثومية. وقد تبين ذلك عبر تاريخ إسرائيل منذ إنشائها وحتى الآن، حيث اعتمدت عبر هذا التاريخ على الحلفاء، بل وتخيرت دائماً الحليف الأقوى في العالم ،حيث ارتكزت في السابق على بريطانيا، التي كان لها الدور الرئيس في إنشائها وترعرعها وحمايتها، وعندما أفل نجمها وانتقل ميزان الثقل والقوة إلى الولايات المتحدة، أصبحت هي الحليف الإستراتيجي والأهم لها في العالم مع عدم إغفالها لشبكة علاقات دولية قائمة على مصالحها.
ويقول”أفرايم غنفر” في وصف هذه العلاقة” كانت الولايات المتحدة، المزود الوحيد لإسرائيل بالسلاح، والدولة الوحيدة القادرة على تقديم المساعدات الشاملة لها، علاوة على ذلك، كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تتفهم حساسية إسرائيل للاحتياجات الأمنية، إلى درجة تمكنها من كسب ثقتها بها للقيام بدور الوساطة في النزاع الإقليمي “ “وبشكل ثانوي عملت إسرائيل على تطوير وتوسيع علاقاتها الدولية مع العالم الثالث، خاصة في المرحلة الأخيرة، وذلك لاعتقادها بأن ذلك يعمل على المساهمة في أمنها القومي عبر التعاون مع هذه الدول على المستوى السياسي والاقتصادي، وأحياناً في المستوى الأمني أيضاً، ومن أجل تأمين سلامة طرق المواصلات الدولية من وإلى إسرائيل عبر هذه الشبكة من العلاقات.
هذا بالإضافة إلى تطوير علاقات مع بعض الدول غير العربية، خاصة المحيطة بالدول العربية، كتركيا، وأثيوبيا وأوغندا وكينيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق، وغيرها من الدول، وذلك لتطويق الدول العربية، وخلق المشاكل لها، وصرفها عن الخطر الحقيقي، وبفتح أبواب صراعات إقليمية. (أي نظرية “شد الاطراف”).

الفصل الثالث
مرتكزات صنع القرارات في الأمن القومي لإسرائيل
المرتكزات :
الخلفية التاريخية: أو التطور النفسي السياسي للاستيطان اليهودي في (أرض إسرائيل)”كدولة” وليدة في فترة الحكم الانتدابي.
مركزية قضية الأمن بالنسبة للوجود الإسرائيلي بسبب الوضع السياسي المتميز بالنسبة لإسرائيل، الأمر الذي أسفر عن إحاطة كافة القضايا الأمنية بسياج مغلق من الكتمان والسرية.
حاجة إسرائيل الدائمة للتجنيد الشامل ،والتام لجميع مواردها لموجهة الحروب والطوارئ.
جهة صنع القرار في الأمن القومي الإسرائيلي:
الحكومة: من خلال” المجلس الوزاري المصغر”.
رئيس الوزراء: هو الذي يتحمل كامل المسؤولية فيما يتعلق بأمن إسرائيل الوطني، لأنه الشخص الوحيد غير المرتبط بأية التزامات محددة أو ضيقة، ويمثل المصالح الوطنية الشاملة.
اللجان الوزارية:”اللجنة الوزارية لشئون الأمن” وهي أكثر اللجان الوزارية أهمية وتقع ضمن صلاحيتها كل الشؤون الأمنية التي تشمل، الجيش الإسرائيلي من حيث انتشاره واستعداداته وتجهيزه وعملياته العسكرية والمواضيع الاستخبارية والحكم العسكري وقرارات الحرب، أو العمليات العسكرية الواسعة خارج الحدود.
وفي فبراير 1991م أقر الكنيست تعديلاً للقانون الأساسي للحكومة ،مؤسساً لجنة دستورية شرعية للأمن القومي. ويقود اللجنة رئيس الوزراء وتضم نائبه ووزراء الدفاع والخارجية والمالية.
وزير الدفاع: له صلاحيات متميزة وسلطة بعيدة المدعى، أ كبر من السلطات التي فوض بها كبار ضباط الجيش ومارسوها باسم وزير الدفاع.
الجيش: وخاصة رئاسة الأركان العامة وهي الجهة الوحيدة التي يعدون فيها أعمالاً ووثائق مسبقة حول قضايا الأمن الوطني _ شعبة التخطيط التابعة للجيش الإسرائيلي
مكانة ومهام الجيش الإسرائيلي والمخابرات في صنع القرار في إسرائيل:
إن شعبة الاستخبارات والشعبة التخطيطية والتنفيذية للجيش الإسرائيلي ورئيس الأركان هم الذين يشكلون نظرية الأمن الإسرائيلية.
أما إبراهام تامير فيقول:”أن آراء وأوراق الجيش هي أحد أهم العوامل المؤثرة في سياق صناعة القرارات”” .
في حين أهارون ياريف يقول:”بأنه لا يوجد لرئيس الحكومة، والحكومة نفسها أيضاً عنصراً أو جهة يمكنها الاعتماد عليها ما عدا الجيش وجهاز الاستخبارات” “.
وقد صاغت إسرائيل إستراتيجيتها العسكرية انطلاقا من إدراكها الدقيق لإمكانيات الدول العربية المواجهة وأهمها:
العامل الديمغرافي: حيث أن إسرائيل تواجه مشكلة الموارد البشرية مقارنة بالتفوق السكاني العددي العربي عليها.
العامل الاقتصادي: محدودية الإمكانيات الاقتصادية الإسرائيلية،واعتمادها على المعونات الاقتصادية والعسكرية الخارجية، وخاصة من الولايات المتحدة.
العامل الجيوسياسي: إن اتساع الرقعة الجغرافية والسياسية للعالم العربي يوفر له عمقاً إستراتيجياً، وهامش مناورة واسع في الأعمال القتالية _ دفاعية كانت أم هجومية مما يمده بالقدرة على تحمل حرب طويلة الأمد، بينما إسرائيل لا تستطيع حسم صراعها مع العرب نهائياً بالوسائل العسكرية نسبة للموضوع الجيو_ سياسي القائم، وعدم القدرة الإسرائيلية على بسط هيمنتها بالوسائل العسكرية من المحيط إلى الخليج.
إن مشكلة إسرائيل تكمن في أن” تكون أو لا تكون” بالتالي فقد ظلت هذه الحقائق تحكم صياغة” نظرية الأمن القومي الإسرائيلي” تفرض نفسها على تطور إستراتيجية إسرائيل العسكرية لتفرز الحقائق التالية:
لابد لإسرائيل من الحفاظ على تفوقها العسكري (الكمي والنوعي) في جميع الظروف، وأن تكون متأهبة دائماً للتصدي بقوتها الذاتية” للخطر الذي يحدق بوجودها”.. وهذا يتطلب جيشاً قوياً ومنظماً يعتمد على تجنيد وتعبئة شاملة لكافة المصادر البشرية والاقتصادية والعلمية والتنظيمية في إسرائيل.
توجهات إستراتيجية ترتكز على النظرية الأمنية، التي تقضي بتكتيك” نقل الحرب إلى أرض العدو”، الذي أطلقه بن غوريون بعد ”قيام إسرائيل” ذلك لمواجهة مشكلة العمق الإستراتيجي.. وقد ترتب على هذا العنصر المبدأ الإستراتيجي الإسرائيلي القاضي بالمبادرة بالهجوم، أو “بالضربة الإستباقية” كما حصل من خلال ضرب المفاعل النووي العراقي.
رفض الحرب الدفاعية الطويلة لقلة الموارد الإسرائيلية، ولكي لا تتأثر المعنويات الإسرائيلية.
إضافة إلى مبدأ الحرب السريعة الخاطفة، والتوصل إلى نتائج حاسمة تجبر “العدو” على قبول وقف إطلاق النار والاستسلام.. فقد جرى تطبيق هذه النظرية الإستراتيجية الأمنية في حرب حزيران 1967م، وفي أعقاب هذه الحرب، حدث تطور هام في نظرية “الأمن القومي الإسرائيلي”.. فقد منحت نتائج هذه الحرب إسرائيل عمقاً إستراتيجياً يوفر لها القدرة على امتصاص الضربة الأولى قبل الهجوم المضاد، وأخذت تتبلور نظرية “الحدود الآمنة” من ثم “الحدود التي يمكن الدفاع عنها من دون مبادرة إستباقية فتحت هذه النظرية الطريق أمام إستراتيجية الردع” التي قلصت من ”إغراء العرب” بالمبادرة إلى شن هجوم على إسرائيل، بأمل إحراز الحسم قبل تعبئة الاحتياط.. غير أن حرب تشرين أول 1973، والنتائج التي تمخضت عنها أحدثت تصدعاً عميقاً في مستوى فعالية نظرية” الحدود القابلة للدفاع عنها” حيث فتحت هذه الهزة العميقة في نظرية” الأمن لقومي الإسرائيلي” نقاشاً حاداً داخل الأوساط الإستراتيجية _ السياسية في إسرائيل، وهو نقاش لا يزال، حيث برزت عدة نظريات كبدائل أهمها:-
المناطق العازلة المجردة من السلاح”.
العودة إلى ”الحرب الوقائية الإستباقية” مع الإبقاء على نظرية “الحدود الآمنة”.
نظرية “الإعلان عن القدرات النووية واعتماد إستراتيجية” الردع النووي المعلن”.
اقتصاد قوي بنسبة كبيرة وكيفية تُمكن من الاحتفاظ بجيش عصري ضخم ومتطور التسليح
صناعة عسكرية ذات نوعية وتكنولوجيا حديثة متطورة.
علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة تؤمن لإسرائيل.
استيراد رأسمال للأمن، أو استيراد مباشر للأسلحة والمعدات القتالية. دعم وتأييد مستمر و دائم، يُمكن إسرائيل من تعزيز قدراتها العسكرية _ خاصة التقليدية _ في مواجهة سباق التسلح.
دعم عسكري _ سياسي لإسرائيل عشية اندلاع الحرب، وخلال الحرب، وبعدها، يُمكنها من تحقيق الحسم.
دعم وتأييد من أجل ردع أي دولة أو مجموعة دول معادية من المبادرة بشن حرب _ تقليدية أو غير تقليدية _ ضد إسرائيل.
-دعم وتأييد من أجل القيام بعمليات عسكرية محدودة تجري في وقت “السلم” مثل هذا الدعم يُمكن إسرائيل من المبادرة بشن حرب، إذا ما اتضح أن هذه الحرب لا مفر منها، وتؤدي إلى عدم التواجد في حالة دفاعية، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة مدة الحرب فترة طويلة، واستنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية، الأمر الذي لا تتحمله الدولة العبرية.
هذه الأسس والقواعد الإستراتيجية “للأمن القومي الإسرائيلي” هي أسس يدرك القادة العسكريين والسياسيين، أنه من الصعب الحفاظ عليها، وضمان وجودها واستمرارها بشكل دائم، فهي تتعرض بين الفترة والأخرى إلى هزات عنيفة تصبح معها حتمية إدخال تعديلات عليها أمراً ضرورياً عليها.
ثغرات “الأمن القومي الإسرائيلي”:
وأهم الثغرات التي تعاني منها إستراتيجية “الأمن القومي الإسرائيلي” هي:
الجيش الإسرائيلي: إن هذا الجيش الذي شهد تزايداً _ كمياً ونوعياً _ منذ حرب 1973 يتعرض لعمليات تقليص كمي، وذلك في الوقت الذي يتمكن فيه من المحافظة على ضمان نموه النوعي.
الاقتصاد الإسرائيلي: تعاني إسرائيل في الوقت الحالي من حالة جمود اقتصادي يتجسد بصورة واضحة في ارتفاع نسبة التضخم، وتدهور احتياطها من العملة لصعبة ،وزيادة العجز في ميدان المدفوعات، مما يترتب عليه ارتفاع حجم القروض، الشيء الذي يجعل هذا الاقتصاد ضعيفاً بحيث لا يستطيع تحمل أعباء ومتطلبات الجيش الإسرائيلي، وكان من نتائج ذلك تقليص ميزانية الدفاع وعدم تحديد ميزانية مبرمجة.
فقدان عنصر الإجماع القومي:
مهدت استقلالية الاعتبارات الأمنية _ العسكرية في الماضي إلى بلورة إجماع إسرائيلي حول قضايا الأمن في إسرائيل،وكان هذا الإجماع، ولا يزال محصوراً في ضرورة منع تحول الضفة الغربية إلى مصدر تهديد عسكري لصميم وجود إسرائيل.
ويرى ”دان هوروفيتش” بأن هذا الإجماع ينسجم مع الفرضية القائلة،”بأن على إسرائيل أن تكون قادرة في كل وضع على الدفاع عن نفسها بقوتها الذاتية في مواجهة كل الدول العربية “ “.
ومنذ أن تم توسيع حدود المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في أعقاب حرب 67 إلى أبعد من الحد الأدنى اللازم لحاجات المحافظة على “الأمن القومي” اعتمادا على القدرة الدفاعية الذاتية، بدأ الانحسار في الإجماع حول قضايا الأمن.. فقد نشأت في إسرائيل كما يقول “ايلون” مشكلة الإجماع حول السؤال:
“ما العمل بـِ”المناطق”؟
غير أن النقاش حول هذا الموضوع “لم يكن جاداً بسبب قرار مؤتمر الخرطوم 1967 الذي نص على: لا سلام، لا اعتراف، ولا مفاوضات، ولا تنازل عن الحقوق الشرعية الفلسطينية “ “.
وتسارع انحسار الإجماع الوطني بعد حرب أكتوبر 73، عندما أصبحت مشكلة الانتشار الإقليمي _ العسكري موضوعاً للمفاوضات بهدف حل أو تسوية النزاع العربي _ الإسرائيلي، كما حدث في اتفاقيتي كامب ديفيد والسلام مع مصر، وتوفرت ”شرعية النقاش العام “بشأن قضايا ”الأمن القومي”.
ويذهب دان هوروفيتش إلى أن حرب “سلامة الجليل”(حرب لبنان 1982 )، وما أثارته من جدل وخلاف في إسرائيل شكلت أبرز نموذج لما أصاب الإجماع القومي، من شروخ، إذ لم تهدف الإستراتيجية الإسرائيلية ببعدها العملياتي _آنذاك _ إلى إحباط تهديد للوجود بواسطة قوة إسرائيل الذاتية ،واعتبار إسرائيل ”دولة وضع راهن”” “، بل هدفت إلى شن ”حرب مبادئه” بهدف تحقيق إنجازات سياسية منذ البداية تتجاوز الإنجازات المترتبة عن “النظرية الإحباطية”، ونتيجة تلك الحرب، أسيء إلى هدف الحرب الأساسي الوحيد، الذي كان يُمكن بلورة وفاق وطني واسع حوله في إسرائيل،وهو إحباط التهديد الكياني بواسطة قوة إسرائيل الذاتية” “.
العلاقات الأمريكية _ الإسرائيلية: بعض الأوساط المطلعة في إسرائيل تذهب للتأكيد على أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تعيش حالة من الانحسار والتردي ، ولا تعتبر هذا التردي مؤقتاً في ظل صعود حكومة الليكود وسياستها التي شلت عملية التسوية في الشرق الأوسط، ومحاولات التدخل الإسرائيلي لأجل إسقاط الرئيس كلينتون من خلال ما سميت بـ”فضيحة مونيكا” حيث ظهر دور اللوبي الصهيوني في هذه الفضيحة، بعد ان كان نتنياهو قد هدد “بإشعال البيت الابيض”.
وبالتالي لم يعد مضموناً حصول إسرائيل على رأسمال للأمن الإسرائيلي (كالتهديد الأمريكي بوقف المساعدات لإسرائيل في حال عدم تنفيذ اتفاق واي) أو تمويل صفقات “كهبة”(كتلك التي أرادت إسرائيل استغلالها بتدعيم أمن المستوطنات) كما لم تعد هناك مؤيدات للخطوات العسكرية التي يمكن أن تبادر بها إسرائيل كما كان الحال عليه في الماضي القريب.
إن أحد المتغيرات الأساسية في”معادلة الأمن القومي” التي يطرحها “ايلون” هي المساعدات التي تعطي لهذه الدولة من دول أخرى، ويعرف ايلون هذا المتغير كما يلي:
“إن المساعدات الخارجية هي بمثابة “قوة مستعارة، ولكونها مرهونة بالاعتماد على الغير فإنها تتحول من دعم إلى قيود أيضاً” لتوضيح ذلك، يعود إلى حرب تشرين أول عام 73، وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار النفط، وارتفاع مداخل الدول العربية المصدرة للنفط، وما تبع ذلك من تسارع في وتائر سباق التسلح الكمي والنوعي في منطقة الشرق الأوسط ،والذي كانت إحدى نتائجه تقليص قدرة إسرائيل على مواكبة هذا السباق دون زيادة كبيرة في نسبة ما ترصده من مواردها لأغراض الأمن.
وكان من نتائج الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري، أن ازدادت ديون إسرائيل الخارجية، حيث بلغت الآثار التضخمية الاقتصادية ذروتها، مما انعكس على وتيرة النمو الاقتصادي سلباً.
وقد أدت هذه الأوضاع إلى زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة، المصدر الأول للسلاح المتطور والحديث لإسرائيل. ويرى رابين أن هذا الاعتماد سوف يستمر في المستقبل وذلك بقوله:”منذ حرب” يوم الغفران”(أكتوبر ) ومنذ التغيير الجذري الذي حدث في مفاهيم الجيش الإسرائيلي،وجهاز الأمن بجهة الاحتياجات الإسرائيلية من الأسلحة والعتاد، أدركنا أنها لا تستطيع الاعتماد على مواردها وحدها هي ستضطر إلى الاستعانة بالولايات المتحدة خلال الثمانينات “
وحول ربط المساعدات الأمريكية بالتأثير في السياسة الأمنية الإسرائيلية يقول لانير:”خلال سير الحرب” حرب أكتوبر 73”هبت الولايات المتحدة لمساعدة إسرائيل بتزويدها بمعدات قتالية متطورة ،وبذلك حالت دون ما كان يعتبر في ذلك الوقت هزيمة إسرائيلية محتملة، بيد أن الولايات المتحدة منعت إسرائيل بالمقابل من استكمال التحركات العسكرية على الجبهة ،فقد لجمت الولايات المتحدة إسرائيل،ولم تسمح لها باستكمال تدمير الجيش الثالث المصري، وليس بسبب الضغوط السوفيتية والدولية التي توخت إجبار إسرائيل على الموافقة على وقف إطلاق النار فحسب، وإنما بالدرجة الأولى لأنها كانت هي نفسها (الولايات المتحدة) معنية بما يحول دون نتيجة عسكرية حاسمة لهذه الحرب، إن انعدام الانتصار الحاسم في حرب يوم الغفران ساعد الولايات المتحدة على جلب الفريقين إلى طاولة المفاوضات، التي جرى حولها في البداية توضيح المشكلات التي نشأت على الأرض” “.
وقد أسفرت هذه المفاوضات عن اتفاقيات فصل القوات، وهذه الاتفاقيات وضعت بعد ذلك الأساس لـ “الاتفاق المرحلي” الذي يمكن اعتباره خطوة حاسمة أدت في نهاية الأمر إلى عملية توقيع معاهدة السلام مع مصر.
إن تزايد اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة للمحافظة على الميزان العسكري بينها وبين الدول العربية، زود أمريكا بوسيلة فعالة للتأثير على مواقف إسرائيل فيما يتعلق بنزاعها مع العرب، وقد استخدمت هذه الوسيلة عدة مرات..
هذا ويمتد الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة إلى مجالات أخرى _ سياسية، دبلوماسية، اقتصادية _ لا تقل أهمية عن المجالات العسكرية والأمنية.. ويمكن القول بأن الاعتماد الإسرائيلي هذا _ والذي تزايد بصورة ملحوظة مع تسارع وتأثر الهجرة اليهودية من “البلدان الاشتراكية سابقاً – قد عزز من العوامل السياسية المؤثرة في نظرية “الأمن القومي الإسرائيلي” .
الصناعات العسكرية: تواجه الصناعات العسكرية أوضاعاً صعبة جداً هذا العام 2001. فهي لا تؤخذ في عين الاعتبار لدى تحديد الاقتصاد الأمني القومي، ويرتبط وجودها الآن بقدرتها على التصدير وعلى الانتقال للإنتاج المدني.
إستراتيجية الأمن القومي: في ظل الأوضاع المستجدة على الساحات العالمية والشرق أوسطية فإن العديد من المحللين العسكريين الإسرائيليين يذهبون إلى الاعتقاد، أنه من الصعب أن تسمح إسرائيل لنفسها بشن حرب، أو توجيه ضربة إستباقية وقائية، من دون أن يكون عليها امتصاص ضربة عربية مضادة، والدفاع عن نفسها وتكبد خسائر فادحة، وذلك قبل أن تتمكن من الانتقال إلى مرحلة هجومية تؤدي إلى انهيار الحرب، وبالتالي لم يبق من كافة العناصر الأمنية وأسسها إلا عنصر “العمق الجغرافي والسكاني” تعتمد عليه الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في الوقت الحالي.
ومن ثم، فإن الواقع يؤكد، انه لا بديل عن العمق السياسي والعمق الاقتصادي، كأساس للأمن الإسرائيلي في ظل المستجدات العالمية الأخيرة وهو ما تحاول إسرائيل تحقيقه من خلال مفاوضات السلام العربية _ الإسرائيلية.

الفصل الرابع
نظريات الأمن القومي الإسرائيلي
” الأمن الإسرائيلي ” لا يعدو كونه مصطلحاً سياسياً، يمسك القائمون على الحكم بأهدابه، ويطرحونه شعاراً على الصعيدين الداخلي والخارجي، بما يخدم سياستهم القائمة على التوسع والعدوان، وإحباط كل المبادرات السلمية.
فعلى الصعيد الداخلي:- عبأ الإسرائيليون أبناء شعبهم، بعقدة الخوف، ذلك أن “إسرائيل الديمقراطية الطابع والسلوك، تعيش في وسط عربي تسوده الدكتاتورية” التي تنادي “بإلقاء اليهود في البحر، وتتحفز للانقضاض على هذه الدولة الصغيرة”، في أول فرصة سانحة. إن إبقاء الإسرائيليين في حالة حرب دائمة، يحل مشكلة عويصة يعاني منها زعماء إسرائيل، تتعلق بشرائح “الشعب الإسرائيلي” المليئة بالتناقضات والتباينات ” التي تهدد بقاء الدولة” فيها لو عم السلام وتلاشي شبح الحرب.
وعلى الصعيد الخارجي:- يبدو أن هذا الشعار اكثر حضوراً، حيث وظفت وسائل الإعلام الإسرائيلية قدرتها في حقن دول العالم بمصل ” مسكنة دولة اليهود “، في مقابل الدول العربية الكثيرة العدد، وهو ما لقي آذاناً صاغية، إلى أن اندلعت الانتفاضة ، التي قدمت خدمات إعلامية، عجز الإعلام العربي ككل عن الاضطلاع بها.
القسم الأول: عرض نظريات الأمن القومي الإسرائيلي.
بنت إسرائيل نظرياتها في ” الأمن القومي ” بناءً على فرضية أساسية تقول ” أن إسرائيل تعيش في حالة من التهديد المستمر لوجودها ذاته” ومن هذا المنطلق صاغت إسرائيل إستراتيجيتها العسكرية انطلاقاً من إدراكها الدقيق قدرات الدول العربية المواجهة لها.
فاتساع الرقعة الجغرافية – السياسية للعالم العربي يوفر له عمقاً استراتيجياً، وهامش مناورة أوسع في الأعمال القتالية، مما يساعدها على تحمل حرب طويلة الأمد، بينما إسرائيل لا تستطيع حسم صراعها مع العرب نهائياً بالوسائل العسكرية نسبة للوضع الجيو – استراتيجي القائم، وعدم قدرة إسرائيل على بسط هيمنتها ” بالوسائل العسكرية ” من المحيط إلى الخليج.
وهنالك وضع غير مماثل بين العرب وإسرائيل، حيث أن انتصاراً واحداً للعرب معناه تهديد بزوال إسرائيل” لافتقادها للعمق الاستراتيجي بينما يستطيع العالم العربي استيعاب اكثر من هزيمة عسكرية دون أن يشكل هذا خطراً على كيانه.
وقد ظلت، وما زالت هذه الحقائق تحكم صياغة ” نظرية الأمن القومي الإسرائيلي ” وتفرض نفسها على تطور إستراتيجية إسرائيل العسكرية.
أولاً: النظريات
إن النظرية الأمنية الإستراتيجية الإسرائيلية، تطورت طبقاً للعوامل الداخلية الإسرائيلية، والإقليمية والدولية بما يتناسب وكل مرحلة، وأهم نظريات الأمن القومي الإسرائيلي هي:
نظرية ايغال آلون / عام 1948:-
ابتكر آلون طريقة جديدة للهجوم الانتقامي هي ” الهجوم المعاكس المستبق”، ويتلخص جوهر هذه النظرية “بأن تضرب إسرائيل العدو عندما يكون في مرحلة التحضير قبل أن يسمح له الوقت بشن هجومه، ويمكن شن الهجوم المعاكس المستبق قبل اشهر، أو أسابيع، أو أيام من موعد الهجوم المتوقع للعدو.وأن هذا الهجوم هو عمل عدواني، لكنه يعتبر من الناحية الأخلاقية عملاً دفاعياً، وتعتمد فعاليته على القدرة على التنبؤ بنوايا الآخرين” وقد ظلت مسالة الانتقام من الهجمات العربية تربك القيادة الإسرائيلية. كما شددت الاستراتيجية اليهودية في تلك المرحلة على عدم السماح باستسلام أية مستعمرة يهودية معزولة.
نظرية الحرب ( الوقائية – الاستباقية ):-
لقد طبقت إسرائيل هذه النظرية – بعد تطورها – في حقبتين من الصراع العربي – الإسرائيلي وهما:-
الحقبة الأولى: حرب 1956، حيث في هذه المرحلة التي كان حزب العمل يتولى الحكم فيها ظلت تتبنى إستراتيجية دفاعية – هجومية.
الحقبة الثانية: هي حرب 1967، وطبقت فيها إستراتيجيات مختلفة أهمها:
- توجيه “الضربة الاستباقية” واتباع أسلوب” الحرب الخاطفة”، مع نقل المعركة إلى ارض العدو، وهذه الاستراتيجيات بمجموعها تشكل أهم مبادئ الحرب الوقائية – الاستباقية، التي طورتها إسرائيل في الحروب التالية:-
- قيام سلاح الجو الإسرائيلي عام 1981 بتدمير المفاعل النووي العراقي كتطبيق لسياسة “الردع الوقائي”.
- اجتياح لبنان عام 1982 وتطبيق مبدأ “الأرض المحروقة”.
إن عودة إسرائيل إلى إستراتيجية ” الحرب الوقائية، ” “ذريعة الحرب”، بعد حرب تشرين أول 73 جرت على مرحلتين:-
المرحلة الأولى: حزيران 1974 – حزيران 1977.
في هذه المرحلة التي كان “حزب العمل” يتولى الحكم فيها، ظلت إسرائيل تتبنى إستراتيجية دفاعية – هجومية، “ذلك أنها لم تكن قادرة على القيام بضربات استباقية” في وقت واحد .
وفي هذه الفترة ظلت متمسكة بإستراتيجية الدفاع مع التأكيد على المبادرة إلى عمليات هجومية لمنع تكرار ما حدث في الأيام الأولى من حرب تشرين أول 1973.
وقد تميزت هذه المرحلة بالتنسيق في استخدام إستراتيجية دفاعية – هجومية، وبناء الجيش المتفوق الذي من واجبه إيقاف “العدو” على الحدود الخارجية، وليس في مناطق إسرائيل الحيوية، وان يتوفر لهذا الجيش شن هجوم مضاد على جبهتين في آن واحد وسحق الجيوش العربية.
وقد عملت إسرائيل في هذه المرحلة على توسيع حجم قواتها المسلحة، وتطوير جيشها بعملية تسليح مستمرة خصصت لها ميزانية ضخمة، وبالاعتماد على المساعدات الأمريكية والأوروبية كما تم إنشاء صناعة عسكرية متطورة، وعززت التحسينات التكنولوجية في أنظمة أسلحتها الدفاعية والهجومية، وفي توازن وتناسب حركية هذه الأسلحة في ميدان المعركة.
كما أعطيت لأسلحة معينة الأفضلية الأولى في التوسيع والتطوير، كالدبابات، والمدفعية ذاتية الحركة وسلاح الجو، إضافة إلى ناقلات الجنود المدرعة، كما أعادت تبني الدفع الإقليمي الذي يستند على إنشاء مستوطنات محصنة على طول وعمق خطوط وقف إطلاق النار مع العرب. فقد قامت إسرائيل بزيادة المستوطنات، وزيادة التنسيق بين الاستيطان وقيادة الجيش، واعتبار كل مستوطنة موقعاً دفاعياً أمامياً.
المرحلة الثانية: منذ منتصف 1977 – 1980:-
في هذه المرحلة استلم حزب الليكود السلطة في إسرائيل، وتم تعيين شارون وزيراً للدفاع، وعادت إسرائيل في هذه المرحلة لتبني إستراتيجيتها الهجومية التي تقوم على “الحرب الوقائية” ذريعة الحرب و يمكن تلخيص الأسباب التي جعلت إسرائيل تعود لهذه الأسباب الإستراتيجية يلي:
رفع المستوى العسكري للجيوش العربية كماً ونوعاً.
وقف المنافسة مع العرب في مجال الأسلحة التقليدية.
تقلص ” العمق الاستراتيجي ” بعدما أن أصبحت الأطراف العربية تمتلك صواريخ “ارض– ارض ” يمكنها أن تصل إلى المراكز الحيوية في إسرائيل، وهو ما يوضحه لنا الجدول التالي يبين مدى الضعف المطلق جغرافياً والنسبي عسكرياً للعمق الاستراتيجي الإسرائيلي
البلد المجاور خط إسرائيل الأمامي المسافة بين الخط الأمامي حتى
المنطقة الحيوية المسافة بين الخط الأمامي
عن العواصم العربية

الأردن الخط الأخضر 1949 -30 كلم حتى حيفا وضواحيها.
-17 كلم حتى تل أبيب وضواحيها
-“كريات أونو”، القدس على الخط
خط وقف إطلاق النار
(1967) -50 كلم حتى حيفا وضواحيها.
-64 كلم حتى تل أبيب وضواحيها.
-40 كلم حتى القدس. 35 كلم عن عمان
سوريا الخط الأخضر
خط وقف إطلاق النار (1974) -55 كلم حتى حيفا (هاكريوت).
-80 كلم حتى حيفا (هاكريوت) 48 كلم عن دمشق
لبنان الخط الأخضر 32كلم حتى حيفا (هاكريوت) 65كلم عن بيروت
مصر -الحدود الدولية.
-خط العريش رأس محمد الخط الذي تعتبره إسرائيل خط لا يجوز الانسحاب خلفه -90كلم حتى تل أبيب وضواحيها (بات يام).
-140 كلم حتى تل أبيب وضواحيها (بات يام) 310 كلم عن القاهرة
لقد جعلت هذه الأسباب القادة الإسرائيليين اقل ثقة بقدرات إسرائيل على امتصاص الضربة الأولى ثم القيام بهجوم مضاد، كما إن التوقيع على معاهدة السلام مع مصر زادت من قدرتها على “الردع” والحسم على جميع الجبهات في آن واحد. و ما زالت تمارس هذه النظرية، كما اتضح ذلك من خلال العمليات الحربية المختلفة ضد الانتفاضة الحالية، على جميع المستويات، ولكن أطلقت على حربها هذه ضد الانتفاضة مسمى جديد وهو “الدفاع النشط” أي الحرب الاستباقية الوقائية بشكل مصغر.
نظرية المجال الحيوي الإسرائيلي:-
حددت إسرائيل منذ عام 1982 دائرة مجالها الحيوي، والتي وسعت مصالحها الأمنية داخلها، لتتجاوز ليس فقط دول المواجهة العربية، بل العالم العربي كله، وتتسع لتشمل تركيا وباكستان وإيران ودول أواسط آسيا شمالاً وشرقاً، وأثيوبيا وزيمبابوي جنوباً وغرباً حتى المحيط الأطلسي.
فقد أعلن شارون حول السياسة الدفاعية الإسرائيلية، “انه ينبغي أن نفهم بوضوح أن مصالح أمن إسرائيل تتأثر في المناخ الاستراتيجي الجديد بتطورات أو أحداث تتجاوز منطقة المواجهة مباشرة “التي ركزت عليها إسرائيل انتباهها في الماضي،واهم هذه الدوائر هي:
الدائرة الأولى: التقليدية لدول المواجهة المحيطة بإسرائيل، بحيث تتسع اهتمامات إسرائيل الإستراتيجية لتشمل مجالين جغرافيين آخرين لهما أهمية أمنية.
الدائرة الثانية:- تتعلق بالدول العربية الخارجية التي تضيف قدرتها العسكرية الإستراتيجية، إلى الخط المباشر المماثل أمام إسرائيل، سواء بواسطة إرسال قوات مقاتلة إلى منطقة المجابهة، أو بواسطة عمليات جوية أو بحرية مباشرة تستطيع تنفيذها ضد خطوط مواصلات إسرائيل الجوية أو البحرية.
المجال الجغرافي الثالث: للمصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية يشمل تلك الدول الخارجية، التي قد تؤثر مكانتها وتوجهاتها السياسية – الإستراتيجية بمقدار “خطر أمن إسرائيل القومي” بكلمات أخرى ما وراء الدول العربية في الشرق الأوسط وعلى سواحل البحر الأبيض والبحر الأحمر، وتوسيع مجال الاهتمام الاستراتيجي والأمني لإسرائيل ليشمل دولاً مثل تركيا وإيران وباكستان والخليج وأفريقيا بصور خاصة أفريقيا الشمالية والوسطى.
إن رؤية شارون للمجال الحيوي الاستراتيجي لإسرائيل، جاء ترجمة لما حصلت عليه إسرائيل من أسلحة تستطيع أن تغطي هذه الدائرة (صواريخ، أريحا، والسفن الحربية الإسرائيلية “ساعر – 5″ والقاذفات الإستراتيجية) و لقد شكلت هذه الرؤية أساساً لبروز ما يسمى بإستراتيجية، “الذراع الاستراتيجي الإسرائيلي من خلال الإغارة على مقر م. ت. ف. في “حمام الشط” في تونس، وقيام سلاح الجو والبحرية باغتيال القائد الرمز أبو جهاد في منزله بتونس.
نظرية (المناطق العازلة) المجردة من السلاح، أو محدودة القوات:-
تعتبر هذه النظرية من أهم البدائل الإستراتيجية التي طرحت عقب حرب تشرين أول 1973، فقد أتاحت هذه النظرية إجلاء القوات الإسرائيلية عن سيناء عقب الاتفاق الذي وقع بين مصر وإسرائيل عام 1979 دون المخاطرة بهجوم بري مصري مفاجئ وفعال على مراكز إسرائيل الحيوية.
فمن مزايا هذه النظرية ما يلي:-
على الصعيد السياسي: أنها خففت من حدة التوتر في العلاقات المصرية الإسرائيلية، وقلصت مدى التنافر بينهما.
على الصعيد العسكري: فقد وفرت إمكانية التحرك في ظل ظروف الخطوط الداخلية، التي تشمل الجهود اللوجستيه، وتسمح بنقل التشكيلة العسكرية بسرعة من جهة أخرى.
ويقابل هذه المزايا جملة من العيوب أهمها:-
على الصعيد السياسي: إذ يقتضي الانتشار الجديد العودة الى تبني سياسة “تحديد ذرائع الحرب” كرد إسرائيلي متوقع على إمكانية خرق المصريين لترتيبات التجريد من السلاح.
على الصعيد العسكري: فان تقليص مجال الإنذار الجوي، وإزالة قواعد إسرائيلية متقدمة – قبل شرم الشيخ – حد من القدرة العملياتية الهجومية للجيش الإسرائيلي.
وإذا كانت نظرية (المناطق العازلة) قد شكلت حلاً لمشكلة “العمق الاستراتيجي ونظرية الحدود الآمنة” إلا أن هذا الحل يبقى مقتصراً على الجبهة المصرية – الإسرائيلية فقط، ولا يزال الخلاف قائماً حول الحل بالنسبة للجبهات الاخرى، خاصة الضفة الغربية، كما يمكن رصد وجهتي نظر أساسيتين بالنسبة لهذا الموضوع داخل إسرائيل:-
الأولى: أصحاب نظرية “الحد الأقصى” بشان العمق الاستراتيجي، وهم يؤمنون بضرورة استمرار السيطرة المباشرة على الضفة الغربية، ويرفضون الفصل بين السيادة والسيطرة العسكرية، ويتطلعون إلى ضم مناطق يعتبرونها حيوية.
الثانية: “نظرية الحد الأدنى” ويكتفون بفرض احتمال تمركز عسكري معاد فيها، وهم يفرقون بين “الحدود الآمنة” و”الحدود السياسية” كحدود للسيادة “الإسرائيلية. ويذهب الخلاف بين الفريقين إلى مسالة جدوى إقامة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
نظرية الحدود الآمنة:
لا بد من الإشارة أنه بالرغم من التحولات في الاستراتيجية الإسرائيلية عقب حرب 73 فان نظرية الحدود الآمنة ما زالت تحتل مكانتها في عقيدة إسرائيل العسكرية، وان كان ذلك بشكل جديد.
فقد فسر الون أهمية “الحدود الآمنة” بعد حرب 73 بقوله ” أن الحجة القائلة بان الحرب الحديثة القائمة على الصواريخ والطائرات النفاثة والمدفعية بعيدة المدى تلغي أهمية الحدود والمواقع الاستراتيجية هي حجة ساقطة، لان الخطر الذي يواجه إسرائيل هو، أن وجود الأسلحة المتطورة عند الجيوش العربية قد تغري تلك الدول بالقيام بهجوم كاسح، بحيث يصعب على إسرائيل التصدي للمراحل الأولى للهجوم، أو استعادة الأراضي التي تفتقدها في هجومها المضاد والعودة إلى حدود 1967يشكل خطراً على إسرائيل لا يمكن قبوله”
وهكذا نلاحظ أن نظرية الحدود الآمنة الناتجة عن تجربة 73 ، لم تعد تلك الحدود الآمنة التي تمنع “القصف المدفعي” وإطلاق الأسلحة التي “تضع العوائق” أمام الطائرات النفاثة والصورايخ والمدفعية بعيدة المدى، والتي “تخفف من خطرها”.
وهكذا أصبحت نظرية “الحدود الآمنة” تشمل كافة الاحتمالات العسكرية، التي قد تواجه إسرائيل، وحسب هذا المنطق فانه يبقى من الصعب أو المستحيل تحديد مواقع الحدود الآمنة النهائية، لان كافة الاحتمالات قد تشكل “خطراً” على إسرائيل مهما ضاق أو اتسع عمقها الاستراتيجي.
وبعد تجربة حرب 73 يمكن القول “بأن إسرائيل تخلت عن المفهوم، بان “الحدود الآمنة” هي التي تحول دون اللجوء إلى الحرب الوقائية، وأصبحت نظريتها تقوم على الحقيقة القائلة “بان إسرائيل لن تتمكن بأي شكل من الأشكال الامتناع عن تبني استراتيجية “الحرب الوقائية” وتوجيه الضربات المسبقة في حال تعرضها لتهديد عربي.
نظرية “الخيار النووي كعامل ردع مستقبلي”:-
لما كانت إسرائيل قد وصلت إلى حدود قدرتها بالنسبة إلى توسيع جيشها، إلا أن القيود الديمغرافية والاقتصادية لا تتيح لها مواصلة سباق التوسع الكمي والتكنولوجي مع العرب نظراً لإمكانيات العرب الهائلة، والقادرة على إرهاق إسرائيل في سباق تسلح مدمر، للاقتصاد الاسرائيلي، ولما كانت إسرائيل قد وصلت إلى درجة الإشباع بالقياسي مع طاقتها البشرية المحدودة إلى درجة الإشباع فيما يتعلق بتكديس الأسلحة، بحيث لم يعد في إمكانها استيعاب المزيد منها خلال بضع سنوات قادمة، فان هنالك اتجاه في الرأي يجزم بان التفوق الذي سيحرزه العرب في المستقبل هو في مجال النوعية التكنولوجية، بالإضافة إلى التراجع البارز في عنصر الكمية للجيش الإسرائيلي، أمام الجيوش العربية قد تفقد إسرائيل تفوقها العسكري، وبالتالي يبطل مفهوم “الردع الإسرائيلي” القائم على التفوق في الأسلحة التقليدية.
وفي هذه الحالة يبرز التساؤل التالي: ماذا سيكون الرد الاستراتيجي الإسرائيلي عندما تبطل فعالية إستراتيجية “الردع” “الحسم و” “للحرب الوقائية”؟
إن الموقف الذي ستلجأ إليه إسرائيل في هذه الحالة سيكون التهديد بالسلاح النووي الذي تمتلكه منذ سنوات مع وسائل قذفه سواء كانت جوية، أو صاروخية أو ربما “بحر – ارض”، هذا السلاح الذي يشكل أعلى مرحلة من مراحل الردع.
ويتميز الوضع النووي الراهن في منطقة الشرق الأوسط، بعدم التكافؤ بين القدرات الإسرائيلية في مجال إنتاج الأسلحة النووية، والقدرات العربية المحدودة نسبياً في هذا المضمار.
إن إسرائيل تدرك جيداً، بأن تفوقها على المدى البعيد يعتمد على امتلاك السلاح النووي، والتهديد باستخدامه بشكل محدد أو شامل كجزء من استراتيجية الردع الإسرائيلي. وحتى تتفادى نشوب “حالة توازن رعب نووي” في الشرق الأوسط، عملت إسرائيل على عرقلة البرنامج النووي العراقي بشتى الوسائل، منها:-
6/4/1979. تعرضت أجزاء من المفاعل النووي العراقي للتخريب من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، في مستودع للشحن قرب مرفأ تولون الفرنسي.
13/حزيران/1980. اغتالت المخابرات الإسرائيلية العالم المصري يحي المشد في باريس، وكان عضواً بارزاً في برنامج العراق النووي منذ عام 75.
30/أيلول/1980. قامت إسرائيل بقصف المفاعل النووي العراقي بهدف تدميره،و أعادت الكرة مرة ثانية في حزيران عام 1981 ونجحت.
بعد حرب الخليج الثانية، وضمن قرارات الأمم المتحدة، التي فرضتها الإدارة الأمريكية وبمساعدة المخابرات الإسرائيلية، تم العمل على نزع برامج التسليح النووي العراقي، حيث عملت الاستخبارات العسكرية ضمن طواقم التفتيش والتدمير لهذا البرنامج والبرامج العسكرية الأخرى.
قصف المفاعل العراقي لم يكن عملاً تكتيكياً لسلاح الجو الإسرائيلي، وإزالة نزع التسليح العراقي من خلال لجنة “اليونيسكو” وفتح بوابة فصل جديد في تاريخ الشرق الأوسط، فقد كان المغزى الاستراتيجي للقرار الإسرائيلي و”الإسرائيلي الأمريكي” هو، ان إسرائيل تحافظ لنفسها على امتياز نووي في الشرق الأوسط، وكما قالت الحكومة الإسرائيلية “الليكودية – بيغن – نتنياهو” لن نسمح بأي شكل من الأشكال ” للعدو” ان يطور ضد شعبنا سلاحاً للتدمير الجماعي”
غير أن العراق تابع نشاطه في هذا المجال، وكان لا بد من اختلاق ذريعة دخول الجيش العراقي للكويت لقيام الولايات المتحدة وحلفائها بشن حرب على العراق نيابة عن إسرائيل من اجل تدمير قدراته العسكرية وخاصة منها النووية والكيماوية، وهذه الحرب الأمريكية ضد العراق ما زالت حتى اللحظة مستمرة ” في حرب استنزاف ضد العراق”
وجاءت عملية “بحيرة دال” الكشميرية، والتي لا تبعد اكثر من 20كلم عن مفاعل “كاهوتا” الباكستاني (الموقع الأساسي لتخصيب اليورانيوم) ، ومحاولة فريق الموساد الإسرائيلي تفجير هذا المفاعل، الذي يعتبر المحطة النووية الكبرى في الباكستان، لتؤكد نظرية “الفيتو” الإسرائيلي على أي محاولة عربية، بل وحتى إسلامية “لكسر” الاحتكار الإسرائيلي في هذا المجال.
وإذا كانت الاستخبارات الباكستانية نجحت في إجهاض الخطة الإسرائيلية، فان هذا الفشل لا يمنع هذه الأخيرة من معاودة الكرة من جديد خاصة، وكان باراك، قد التزم بعد تسلمه حقيبة رئاسة الأركان بتخريب مفاعل كاهنتا، ولا سيما بعد أن قامت باكستان بإجراء عمليات التجارب النووية الأخيرة في عام 1998.
مائير كاهانا عام 1987 صرح “بان إسرائيل والهند تخططان لضرب استباقية، ضد “كاهوتا” وتم في حينه الكشف عن الشبكة الإسرائيلية(من الضباط في الجوية الباكستانية)
نظرية حرب “الخيار واللاخيار”:_
بلور مناحيم بيغن هذه النظرية بهدف التأكيد على زيادة شعور القادة العسكريين بمغزى إقامة جيش يهودي، ووصف الأخطار “التي تعتبر جسيمة” على الوجود الإسرائيلي بأنها تتمثل في:
التهديد النووي ؛الذي “في طريقه للوقوع” في أيدي الدول العربية والاسلامية.
و(م. ت. ف) قامت خلال عام (78-79) 557 عملية أسفرت عن مقتل (108) وجرح 676.
وتعامل بيغن مع نظرية مفادها “إن اليهود في العالم ما زالوا مهددين”، وانه يجب الرد على “أية عملية مضادة لليهود” و”لا يوجد شيء لا أخلاقي اكثر من إراقة الدم اليهودي”
لقد كان مصطلح “حرب الخيار” بمثابة ركن أساسي في نظريات مناحم بيغن الأمنية، فهي – حسب رأيه –” أن إسرائيل من حقها وحدها أن تحدد ساعة المبادرة العسكرية التي تبعد هذا التهديد عنها” ودعا إلى فكرة “الهجوم الدائم” الذي يعتمد على النظرية الأمنية القائلة (حرب الخيار، وحرب اللاخيار) والتي فيها أسس تقوم على:-
أن ثمن حرب اللاخيار اكبر كثيراً من حرب الخيار.
أخطار الدمار أوسع واكبر في حرب اللاخيار.
الإنجازات السياسية التي يمكن تحققها من حرب الخيار هي إنجازات واضحة ومعروفة.
ويقول بيغن ” لقد اضطررنا خلال ثلاث حروب إسرائيلية للقتال، لم يكن أمامنا خيار آخر، الأولى وهي حرب عام 1948م، والتي كانت حرب اللاخيار، بعد ان اجتاحت الجيوش العربية “ارض إسرائيل” ولو لم نتمكن من دفعها لما بقى إسرائيلي واحد على قيد الحياة”.وحرب اللاخيار الثانية كانت حرب عام 1973″ لقد سقط لنا في حرب اللاخيار الأخيرة عام 1973- 2297 وجرح 6067. ولو سقط لنا عدد مماثل من القتلى في حروب اللاخيار، لأصبحنا شعباً من الأرامل واليتامى”، وخلص إلى القول ” أن الواجب لا يقتضينا خوض حرب إذا كانت مفروضة علينا فقط، لأن مثل هذه الحرب كارثة حقيقية، وينبغي على أية أمة، أن تخلق الظروف المناسبة التي لا تجعل أية حرب نخوضها حرب لا خيار”

الفصل الخامس
الثابت والمتغير في نظريات الأمن القومي الإسرائيلي
أولاً: الثابت
إن القاعدة الأساسية لمجموع نظريات الأمن القومي الإسرائيلي تستند على المبادئ التالية:-
جعل الخيارات العسكرية والسياسية القائمة أمام إسرائيل في ازدياد.
تحديث القدرة العسكرية والاحتفاظ بحالة التفوق تسليحاً وتنظيماً.
الحفاظ على القوة الذاتية، وخاصة التعبوية إلى أقصى حد.
استغلال الموارد بفاعلية.
القوات الأكثر قابلية للحركة تكون قادرة على حشد اكبر في نقطة الحسم.
تحسين إصابة الهدف، بهدف تحقيق اكبر عدد من الإصابات بالعدد نفسه من القذائف لحل إشكالية “النوعية مقابل الكمية”.
ولتحقيق أقصى قدر ممكن في القدرات النوعية بما يخدم الفكر الاستراتيجي في المدلول العملياتي، يمتد ذلك التحقيق في المجالات التالية الثابتة:-
القدرة على تعبئة الطاقة البشرية تسليحاً وتنظيماً.
القدرة على تعبئة الموارد المالية.
المستوى التكنولوجي.
الخبرة المهنية.
الفعالية التنظيمية.
المرونة العملياتية في ميدان القتال.
ويشدد الإستراتيجيون الإسرائيليون على بناء الجيش الإسرائيلي، وإعداده المستمر لخوض حرب قادمة، ولهذا تبقى الثوابت الأساسية التالية في إطار نظريات الأمن القومي لإسرائيل -الاعتماد على الدعم الأمريكي وزيادته لدعم الأمن الإسرائيلي وقد وصلت تلك المساعدات إلى ذروتها عندما قفزت من 1.7% مليار دولار إلى 1.8 مليار عام 85/86. إضافة إلى 1.2 مليار هبة، ثم جاءت القفزة الرهيبة في تلك المساعدات عام 1999 إلى 2.1 مليار مساعدات عسكرية و 1.4 مليار كهبة، بالإضافة إلى ما يسمى المساعدات العاجلة مثل منح 40 طائرة أباتشي قتالية لإسرائيل عام 2001 ليتم استخدامها ضد الانتفاضة الفلسطينية.
إضافةً إلى ذلك طور الخبراء الإستراتيجيون الإسرائيليون علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة وبناءً على نظرية أمنية محددة، بلغت حد توقيع ما يسمى “التفاهم الاستراتيجي” حول القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط، حيث أصبحت إسرائيل في علاقاتها مع الولايات المتحدة ذخراً استراتيجياً، وهذا برز في مدى التطوير العسكري النوعي.لإسرائيل.
- التمسك بجميع النظريات الأمنية – التي ورد ذكرها – والعسكرية (وهذا برز في حرب إسرائيل ضد انتفاضة الأقصى من خلال نظرية الضربة الاستباقية التي أخذت مسمى جديد “الدفاع النشيط” ، بما يتناسب مع الظرف الإقليمي والدولي من جهة وساحة المعركة ونوعيتها، من جهة أخرى.
ثانياً: المتغير:
لقد لعبت العديد من المتغيرات والأحداث الداخلية والخارجية الإسرائيلية دوراً مهما في بعض المتغيرات الأمنية والعسكرية في نظريات الأمن القومي الإسرائيلي، بهدف استغلالها كفرص استراتيجية زمنية لرفع وتيرة القوة العسكرية الإسرائيلية، وبما يتناسب مع المبادئ والمفاهيم العسكرية والأمنية لكل نظرية من نظريات الأمن الإسرائيلي، وفي الإطار الغير مسموح بالخروج عنه لهذه النظريات.
العوامل التي أثرت كمتغيرات:
رفع المستوى العسكري للجيوش العربية كماً ونوعاً مما دفع إسرائيل ان تستمر في تطبيق نظرية “الحرب الوقائية” كنظرية ثابتة، وظهر هذا المستوى في ازدياد تعداد الفرق خلال المرحلة السابقة،حيث ازداد الفرق السورية بنسبة 50% والمصرية 20% والفرق العربية بنسبة30%.
المنافسة في مجال الأسلحة التقليدية.
تقلص “العمق الإستراتيجي” بعدما أصبحت الأطراف العربية تمتلك صواريخ “ارض ارض” يمكنها أن تصل إلى المراكز الحيوية في إسرائيل.
المسيرة السلمية مع مصر، أثرت كمتغير في نظريات الأمن القومي الإسرائيلي التي تتعلق “بالحدود الأمنية والمجال الحيوي” حيث جاءت اتفاقية السلام عام 1979، كعامل حاسم في التأكيد على انه تم التوصل إلى سلام مع اكبر دولة عربية، حيث تفتقد الجبهة العربية ضد إسرائيل، جزء هام وصعب.
ورغم هذه المسيرة السلمية إلا أنها لم تلعب دورها كاملاً على صعيدين:
أ) إن المسيرة السلمية لم يليها توقيع اتفاقيات سياسية مع دول أخرى باستثناء الأردن.
ب) شهدت المسيرة فترة ازدهار قصيرة، وبدأ الجمود فيها اثر تطبيق القانون الإسرائيلي على هضبة الجولان عام 1981، الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982
مما زاد الأمر تعقيداً في هذه المسيرة هي “انتفاضة الأقصى” حيث انعكس على المستوى الشعبي المصري من جهة أخرى، وبدأت إسرائيل تنظر إلى مصر “كمهدد استراتيجي جديد – قديم”.
- الحرب العراقية – الإيرانية، غيرت من ميزان الصراع وتوازن القوى في الشرق الأوسط.
- التدخل السوري في لبنان وتورط سوريا استنزف مواردها وطاقاتها حيث أعطى السوريين أهمية أولى لصراعات لبنان الداخلية خلال الفترة الواقعة بين عام 1976 و 1985، حيث احتفظ السوريون بثلث إلى نصف جيشهم تقريباً في لبنان، مما أدى إلى مهلة زمنية مهمة من التحول الاستراتيجي في الأبعاد العسكرية والأمنية لإسرائيل.
- عامل انهيار التحالف بين العراق وسوريا الذي نشأ بعد توقيع اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية.
- تفكك الجبهة العربية، وبروز المصالح المتناقضة للدول العربية، واصبح التعاون بين بعضها شبه مستحيل وخاصة على صعيد الائتلاف أو التكتل ضد إسرائيل.
- حرب الخليج الثانية ( بعد اجتياح العراق للكويت ) وخوض الصراع المسلح بين الدول العربية.
- العوامل الاقتصادية، حيث لعبت التحولات الاقتصادية دوراً في المقدرة العسكرية. وهذه المقدرة التي تعتبر عنصراً هاماً من عناصر الاستقرار و إمكانيات شراء الأسلحة للدول العربية بسبب ارتباطها بالنفط مما لها اثر بالغ في مجال شراء الأسلحة وتعزيز القدرات العربية.
ما هو تأثير الانتقال من نظام الأسلحة الشرقية إلى نظام الأسلحة الغربية الذي يجري في الجيوش العربية، على ميزان القوى بينها وبين الجيش الإسرائيلي، كعامل متغير؟
إن “لانير” يرى بان هذا التأثير يرتكز على فرضيتين ينبغي عدم القبول بهما على علاتهما من دون طرح علامات استفهام حولهما..” تتعلق علامة الاستفهام الأولى بالفرضية القائلة، انه كلما تزود الجيش بأسلحة اكثر إحكاماً وتقدماً ازدادت قوته .
ويرى “لانير” إن الزعم بتفوق الأسلحة الغربية على الأسلحة الشرقية “صحيح جزئياً” ، كما إن التكهن بوجود توافق واضح بين التحسين في تطوير أنظمة الأسلحة المحكمة، وبين التحسين في القوة، يعتبر أيضاً تكهناً غير صحيح في جميع المجالات” فالجيوش العربية سوف تواجه في هذا المجال مشكلات خطيرة في صيانة الأسلحة المتطورة الغربية لان صيانتها تعتمد على أسلوب المجمعات أي ينبغي استبدال المجمع كله لدى تعيين العطل في أحد مكوناته
ويرى “لانير” من الخطأ تفحص القوة التي يوفرها نظام سلاح جديد لدى وضعة في الخدمة، فالمهم ما مدى قوة هذا السلاح بعد مضي وقت، في هذا الموضوع يرتسم منحنى ملفت للانتباه، حيث يحدث انخفاض كبير في مصداقية السلاح، ومستوى جاهزيته بعد فترة قصيرة من التعلم على تشغيله، ويكون هذا الانخفاض اكثر حدة كلما كان السلاح اكثر تعقيداً وتطوراً، وفي هذا المجال تتميز إسرائيل بميزة مهمة، وهي إدخال تحسينات وتعديلات على الأنظمة التي تشتريها لتلائم حاجاتها، ولتحسين أداء هذه الانظمة، وفي بعض الأحيان يتم ذلك بواسطة تبديل قطع اكثر تطوراً، لكنها تعاني من مشكلات مصداقية خطرة بقطعة أخرى، اقل تطوراً لكنها اكثر مصداقية.
ويرفض تسفي لاينر” الافتراض القائل، بأنه كلما كانت أنظمة الأسلحة اكثر تطوراً تقلصت متطلباتها من الجندي لاكتشاف الخبرة المحلية والمهنية والشجاعة والتشبث بالأهداف، وبالتالي فان من شان هذه الأسلحة أن يقلص إلى حد بعيد الأهمية النسبية للتفوق على صعيد نوعية الطاقة البشرية، أن نوعية الطاقة البشرية ستزداد أهميتها، كما إن عدد المهمات والتحديات التي سيضطر المقاتل للتصدي لها في ميدان القتال قد ازداد كلما ازداد عدد التهديدات وفعالياتهاـ وازداد عدد الأنظمة المسلحة الموضوعة تحت تصرف الوحدة المقاتلة، وكل هذا مفروض أن يحدث في ميدان قتال يكون فيه “غلاف القتال” اكبر حجماً وحيث يتحرك ويتغير كل شيء فيه بسرعة اكبر، ومعنى هذا ان عدد الساعات التي يحتاج إليها المقاتل ليصبح في حالة تأهب قتالي اخذ في الازدياد، مع كل ما يترتب على ذلك من توتر، كما إن ثورة أجهزة الرقابة والسيطرة والإشارة والاستخبارات تلقى عبئاً على عاتق الضباط في مستوى الرتب المتوسطة والدنيا، لأنه يترتب عليهم أن يغذوا طوال وقت القتال تلك الأجهزة بالمعلومات” ..
إن إيجاد التوازن الصحيح، بين الحاجة إلى أداء عمل وفق برنامج مدروس سلفاً، وانضباط الأجهزة توازن يستحيل من دونه تشغيل أنظمة الأسلحة الحديثة بفاعلية من جهة، وبين المرونة والمبادرة و الارتجال التي من دونها يستحيل الأداء في ميدان القتال، والرد بصورة مدروسة على الإنتروبيا الحتمية ليس مشكلة نظرية، وانما معضلة مستمرة وحتمية سيضطر الضابط إلى التصدي لها خلال المعركة، وستلقى على المقاتل والضباط في ميدان القتال المستقبلي عبئاً لم تشهد له مثيل في الحروب السابقة.

الفصل السادس
حدود وعناصر ميزان القوة العسكرية الإستراتيجية
أولاً: حدود القوة:-
ما مدى القوة العسكرية اللازمة لإسرائيل ؟
ما هي حدود قدرتها على بناء هذه القوة والاحتفاظ بها ؟
هل تستطيع تعبئة الموارد الأزمة للحفاظ على أمنها ؟
يقول العميد / يوسف معيان “أصبحنا على وشك أن نتخطى حدود قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالقوة العسكرية في حجمها وأساليب عملها الحالية، ولا تترك نفقات الاحتفاظ بهذه القوة سوى القليل من أجل زيادة القوة، فاليقظة تتغلب على الاستعداد، والمشكلة هي أين نجد وسائل وحلول تتيح في الوقت نفسه الحفاظ على اقتصاد مستقر وكذلك على حاجاتنا الأمنية “ “.
ثانياً الضغوط والقيود على بناء القوة:
حسب رأي معيان “إن ما يفرض قيود على متطلبات الأمن هو الضغوط والضروريات الخارجية في حين أن ما يفرض الوسائل المخصصة لهذه المتطلبات هو الضغوط والضروريات الداخلية“ “
الضروريات الخارجية:
تتكون الضروريات الخارجية من:”التهديد العسكري الذي تشكله الدول العربية في مواجهة إسرائيل” “،
في خروج مصر من دائرة المواجهة تحسن لمصلحة إسرائيل في ميزان القوى مع دول المواجهة.
الضرورة الداخلية:
تشمل هذه الضرورات على قيدين:-
1-القيد الديموغرافي: الكمية القصوى من المقاتلين التي يتم إخراجها من السكان في إسرائيل إلى جانب، الكمية القصوى من القادة والطيارين، ويورد معيان مثلاً في مجال سلاح الجو:”فعدد الطيارين المقاتلين (من القوات النظامية والاحتياط) يمليه حجم الدفعات السنوية التي يتم تجنيدها في الجيش الإسرائيلي، وان نسبة صغيرة من المجندين هي من ذوي القدرات القتالية الأولية، والقليل من الذين في الخدمة قد يستطيعون إنهاء دورة الطيران والحصول على تأهيل كطيارين مقاتلين “ “.
”أن التآكل سواء القتالي أو _ الطبي _ يقيد مدة الخدمة الفعلية للطيار، ويؤدي إجمال هذه العوامل إلى أن عدد الطيارين، الذين تستطيع إسرائيل توفيرهم، يقيد حجم السلاح الجوي” “.
2-القيد الجغرافي: تفرض بنية إسرائيل الجغرافية _ الطبوغرافية، حجم القوة، كما أن الأبعاد الصغيرة للدولة، وحدودها البرية والبحرية الطويلة و”الخاصرة”الضيقة، تشكل كلها عائقاً بالنسبة إلى كمية القوة. ويعطي معيان مثال بأنه “لا يمكن أن يقام على أرض إسرائيل أكثر من عدد محدود من المطارات الحربية، لأن المطار الحربي له بيئة خاصة وتتراوح مساحته بين 3x 3 و 5x 5 كم، ويجب أن يكون بعيدا عن أي مطار آخر، لكي يكون المجال الجوي كاف، مع إبعاده عن مجال مرمى مدفعية العدو، مع إضافة معطي آخر هو سعة المطار الحربي من ناحية الطائرات، وضرورة عدم حشد كمية كبيرة من الطائرات في مطار واحد”هذا مثال للقيد الديموغرافي والقيد الجغرافي معاً “ “.ويمكن تطبيق ذلك على فروع وأسلحة أخرى في الجيش الإسرائيلي.
3-قيد الميزانية: تمثل ميزانية الدفاع، بصورة كمية الموارد التي تنفقها إسرائيل على الأمن، تنفق الميزانية كلها تقريباً، على بناء القوة العسكرية والاحتفاظ بها ،وعلى تهيؤ الجيش، والأمن الجاري،وعلى الحرب أيضاً. وحجم الميزانية هو، حل وسط بين متطلبات وحاجات الأمن المتأثرة بحجم “التهديد”، وبين القيود الاقتصادية والديموغرافية والجغرافية التي يتأثر بها بناء القوة وتقسم إسرائيل ميزانية الدفاع إلى قسمين رئيسيين:
”ميزانية البقاء”: وهي الميزانية المخصصة للحفاظ على ما هو قائم، وتمويل النشاط الجاري لاستعداد الجيش وما شابه.
”ميزانية التعاظم”هي ميزانية بناء القوة، وتبلغ نسبتها 20%، بينما “ميزانية البقاء”80%.
وفي إسرائيل توجد عملية مستمرة لتقليل نصيب شريحة “بناء القوة”في مقابل شريحة “جودة القوة”في ميزانية الدفاع. يقول بنحاس فروسمان”إذا كانت ميزانية الاحتفاظ بالقوة تشكل 80% فإن الأمر يتطلب من عام مالي إلى العام الذي يليه، ميزانية أكبر للاحتفاظ بالقوة، ذلك بأن الجيش يزداد نتيجة استيعاب القوة التي تم بناءها في الأعوام الماضية،وعندها تبقى موارد أقل لتطوير القوة “ “.
ثالثاً الدفاع والاقتصاد.
هنالك ثلاث معطيات أساسية تميز حالياً الاقتصاد الإسرائيلي:
-نفقات الدفاع تشكل ربع الإنتاج القومي الخام.
-نفقات الحكومة تتساوى، بل تتخطى الإنتاج القومي الخام.
-الدين العام يتزايد.
-تخصيص إسرائيل 25% من إنتاجها القومي الخام لمتطلبات الدفاع، بينما في الولايات المتحدة 6% ودول الأطلسي 3,5%.إن هذا الإنفاق الضخم والمستمر على الجيش الإسرائيلي يشكل عبئاً متواصلاً على اقتصاد إسرائيل، وله تأثيرات في مجالات أخرى _ اجتماعية وسياسية. ومن المهم التأكيد على أن، نفقات الدفاع معظمها يغطي بالمنحة التي تقدمها الولايات المتحدة.
التشخيص:
تقود السمات الاقتصادية إلى التشخيص التالي:
نقص في الموارد القومية.
الموارد المالية.
القوى البشرية.
الزعماء القادة.
ب_ دين متراكم متسارع.
ج_ اضمحلال تزايد قوة الجيش الإسرائيلي من مصادر إسرائيل الخاصة.
السيناريوهات:
إن الاقتصاد الإسرائيلي سيتميز بتفاقم في المجالات الرئيسية الثلاثة التالية (المتعلقة بموضوع الدفاع):
أ – أزمات ثقة متتالية في موضوع ميزانية الدفاع:
حين تتعدى إسرائيل حدود القدرة على تخصيص موارد للدفاع، فإنها تصارع على ما هو قائم، ويخلق هذا أزمات ثقة، وصراعات شخصية، ووضعاً من صراعات القوة ،ويكون هناك صعود وهبوط في الموارد المخصصة للدفاع، وهذا “سيؤثر على الوضع الأمني”.
ب-وقف التعاظم (زيادة القوة): ستنخفض من عام لآخر إمكانية إسرائيل في إيجاد مصادر ذاتية وتوجيهها إلى متطلبات تزايد القوة، وستتمثل هذه الحقيقة بأزمات في الصناعة العسكرية، وبضغوط ضخمة لزيادة الصادرات العسكرية.
ج- إدمان المعونة الخارجية: هذا الإدمان نتيجة حتمية لانعدام القدرة على توجيه موارد مالية من مصادر ذاتية للدفاع.
وفي الموضوع الإستراتيجي، للخروج من أزمات الميزانية الدفاعية الإسرائيلية، قد تعود إسرائيل إلى مفهوم نظرية “إستراتيجية الهجوم الوقائي”التي تشدد على مبدأ تركيز القوة عن طريق بناء قدرة هجومية واستخدامها من أجل الحسم.. مع تحديد أهداف الحرب، وتبني القوة العسكرية بما يتلائم مع القدرة، ومن خلال التخلي عن إعداد القوة لكل الاحتمالات.
وقد تضطر إسرائيل في الشق الثاني من الموضوع الإستراتيجي لميزانية وزارة الدفاع في تغيير تنظيم جهاز الدفاع، وتوزيع النشاطات على هيئة الأركان العامة.
كتب بن غوريون يقول: [“من خلال رؤية الأوضاع الخاصة للأمن في البلد ،ومن أجل الحفاظ على المبدأين المركزيين اللذين يجب أن نسترشد بهما _ وهما النجاعة والتوفير _ توصلت إلى استنتاج أنه ينبغي لنا ألا نلقى على رئيس الأركان عبء الاهتمام والمسؤولية عن الجانب الاقتصادي والمالي، وذلك لثلاثة أسباب:
-جيشنا فتي ويعيش في أحوال صعبة.
-أن ينال التوفير أهمية أكثر مما ينال في أمريكا وترى العقلية العسكرية الشؤون كلها من الناحية العسكرية
-شؤون الجيش وشئون الاقتصاد غير متطابقة”” “.
رابعاً بناء القوة ومضاعفاتها:
حددت النظريات الأمنية الإسرائيلية في منطلق بناء القوة من الأسس التالية:
اعتبار الحروب الحديثة حروباً شاملة.
المهمة الأساسية لوزارة الدفاع بناء القوة العسكرية الملائمة.
أن المشكلة الرئيسية تكمن في الهوة الواسعة على صعيد الموارد بين إسرائيل والدول العربية.
التهديد الشامل هو العامل الأساسي عن نطاق القوات التي تحتاجها إسرائيل.
التأكيد على أن إسرائيل لا تستطيع التوقف عن مواصلة سباق التسلح وبأشكال مختلفة عن السابق
ومصطلح “مضاعفة القوة”الذي تعتمد عليه إسرائيل في تطبيق سياستها الأمنية تعني”أن يبقى تعداد القوات والمعدات القتالية الرئيسية كالطائرات والمدافع والدبابات على ما هو عليه، مع العمل على تغيير تلك المعدات، بمعدات نوعية أقدر، وذات قدرات تنفيذية به أعلى بشكل يمكنها من تحقيق الإنجاز بشكل مضاعف “ “.
خامساً: عناصر القوة
العنصر الأول تعبئة الاحتياط: فنظام تعبئة الاحتياط في إسرائيل قلص إلى حد كبير من تأثير الفجوة في عدد السكان على ميزان القوى العسكرية بينها وبين الدول العربية، كذلك فان الحرص على تحقيق التفوق التكنولوجي على صعيد الوسائل القتالية المستخدمة في الجو والبر والبحر كان احد النماذج للجهد الإسرائيلي لسد الفجوة على صعيد ميزان القوة الكمي.
العنصر الثاني المهارات المهنية: ويصب في هذا المجال نفسه كيفية استخدام هذه المعدات المتفوقة تقنياً، ولهذا يجرى الاهتمام بتنمية المهارات تلك يهدف إلى تحقيق الأداء الأمثل لهذه الوسائل. ويرى “تسفي لانير” بأنه يمكن عرض “ميزان القوة” بين الفرقاء المتنازعين في معادلة يتم التعبير فيها عن نسبة القوة من الناحية الكمية، والناحية النوعية والتكنولوجية لأنظمة الاسلحة، وناحية الطاقة البشرية ويرى بان معظم الباحثين في مجال “ميزان القوة” نادراً ما يبحثون في مكونات النوعية التكنولوجية لأنظمة الأسلحة المتوفرة لدى الفرقاء بقدر ما يبحثون في الكمية.
العنصر الثالث الطاقة البشرية: فلا يكاد يحظى بأية معالجة والسبب الأساسي في ذلك الميل نحو تعليق أهمية فائقة على عنصر الكمية، وإهمال هذه العقبة التي تعترض البحث في سياق القوة تقود إلى الميل نحو تعليق أهمية فائقة على عنصر الكمية، وإهمال العناصر غير القابلة للقياس كمياً، واحد الانعكاسات الخطيرة لهذا الميل، هو انه يقود إلى استنتاج أن السبيل الوحيد أو الأساسي المتاح أمام الدولة التي تريد المحافظة على مكانتها النسبية في سباق القوة هو عدم التخلف في سباق الكمية.
وفي هذا السياق يدحض “لانير” معادلات “لانشستر” التي تعتمد النموذج الحسابي الذي يعبر عن أهمية الكمية وميزتها على النوعية في ميدان القتال وتحاول هذه النظرية التنبؤ بنتائج الصدام العسكري بين قوتين وفق التقدير الحسابي، وتطرح هذه المعادلات نموذجاً مفاده، انه في حين ان عنصر النوعية يؤثر في النتيجة بنسبة رباعية، لأن وحدة عسكرية قد دمرت لا تطلق النار ولا تستقطب النار أيضاً وبالتالي، فإن الخصم الذي ينجح في حشد قوة اكبر في ميدان القتال هو الذي ينتصر، حتى لو كانت قوته متدنية من الناحية النوعية، فعلى سبيل المثال إذا كان الخصم (أ) يتمتع بقوة كمية تبلغ ضعف قوة الخصم (ب) فإن الخصم (ب) يستطيع ان يحقق التكافؤ بتفوقه النوعي، شرط ان تكون كل وحدة قوة يمتلكها اكثر فاعلية بثمانية أضعاف من فاعلية الخصم (أ) .
يرى “لانير” بأن معادلات “لانشستر” تشتمل على عدة فرضيات غير ثابتة في الواقع. والفرضية الأساسية في هذه المعادلات تقول “بأن هدف القوة المتحاربة هو حتماً تدمير بعضها البعض نجده غير ثابت في المعارك البرية، فهذه الفرضية تشدد على عنصر “النيران” حتى انه من الضروري في بعض الأحيان “تفنين” “عنصر النيران” من اجل إفساح المجال أمام “المناورة” كما ان هناك فرضية أخرى لمعدلات “لانشستر” لا تلائم الواقع في ميدان القتال، وهي انه عندما تفتح القوتان النار على بعضهما،”فان احتمال الإصابة هو عامل وظيفي لعدد الوحدات النارية ونوعيتها، ولعدد الأهداف التي تطلق عليها النار ويرى “لانير” ان هذه الفرضية تنطوي على تجاهل إحدى اكثر المشكلات تعقيداً في مجال المعارك الجوية: مشكلة “ضباب المعركة” ، كما ان فرضية معادلات “لانشستر” تفترض، “انه عندما يتم تدمير أحد الأهداف فان سائر القوات التي تطلق النار، ترتكز نيرانها على الأهداف” الأخرى متجاهلة عدم اليقين الذي يسود ميدان القتال البري إزاء وضع الأهداف لذا تهدر قوى نارية وكميات كبيرة من الذخيرة على أهداف قد تم تدميرها، كما إن نقل النيران إلى أهداف أخرى ليس عملية سهلة فهناك مرحلة “المناوشة” إلى أن تنتقل القوة المطلقة للنيران إلى هدف جديد وتبدأ بإشعاله ويرى “لانير” في حين يرى إن هذه النظرية القائلة باحتمال الإصابة عامل وظيفي لعدد الوحدات النارية ونوعيتها ولعدد الأهداف الموجودة في ميدان القتال “من شانها” ان تتحقق عملياً في أعقاب الثورة التكنولوجية وذلك باستخدام (ذخيرة محكمة التوجيه) في المعركة البرية المستقبلية، والأجهزة المتطورة للقيادة والرقابة والاتصال والاستخبارات، والذي يجب استخلاصه من ذلك هو ان فرضية “لانشستر” آخذة في التحقق بصورة معكوسة وسيكون العنصران الأساسيان لتكتيك التدمير، اللذان سيحددان إلى حد بعيد الحسم في المعركة البرية المستقبلية، هما الإغلاق على الهدف من مسافات بعيدة، وتوزيع مثال للأهداف بين الوحدات المختلفة أما من يحسم المعركة فهو الفريق الذي يتمكن من تحديد مواقع الخصم بسرعة اكبر، وكيف يخصص بسرعة الأهداف التي حدد موقعها لوحداته المختلفة.
ولكن ما هي دلالات جميع هذه الأمور في الساحة الشرق الأوسطية؟
لنفترض إن الجيوش العربية والجيش الإسرائيلي أيضاً سوف يتزودون بأكثر الأجهزة المتوفرة تطوراً، وبأن كمية الأجهزة التي ستتوفر للجيوش العربية ستكون اكبر بكثير من تلك التي ستتوفر للجيش الإسرائيلي، وبأنها ستتمكن في معارك الحسم في إبراز تفوقها الكمي.فإن تأثير هذا التفوق على نتائج المعركة اقل وربما سلبية بالنسبة إلى الفريق صاحب التفوق الكمي، إذا لم يلازمه تفوق على صعيد القدرة على تحديد مواقع الأهداف وتوزيعها بالصور المثلى وعلى هذا الأساس قد يصبح للجيش الإسرائيلي بعض المزايا الأساسية غير قابلة للإلغاء بواسطة قدرة الدول العربية على السماح لنفسها بامتلاك كميات كبيرة من أجهزة القياس والرقابة والإشارة والاستخبارات والميزة الأولى “التي يتمتع بها الجيش الإسرائيلي هي أن إسرائيل تنتج بنفسها قسماً من أنظمة الذخائر الذكية المتطورة تكنولوجياً فضلاً عن ذلك فهي تتمتع بالقدرة على أن تصبح في عداد الدول المتقدمة في العالم، ولها القدرة الذاتية على إنتاج الأجهزة وملاءمتها لأغراض القيادة وطبيعتها. أما الميزة الأخرى ففي مجال القيادة العملياتية والتكتيكية والقيادة التي تجمع بين القدرة على المبادرة والارتجال من جهة، وبين القدرة التنظيمية على استغلال فعال لأنظمة الأسلحة على جميع المستويات من جهة أخرى، وهذه أحد الأرصدة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي.

الفصل السابع
معادلة الأمن القومي
أولاً: موقع وعمل “معادلة الأمن القومي:-
نموذج “معادلة الأمن القومي”المقترح: تعبير “معادلة الأمن القومي”التي جاء بها أيلون، محاولة لاستخلاص قانون أمن قومي من خلال دراسة تجربة إسرائيل في هذا المجال.
ويعرف ايلون مفهوم “الأمن القومي”: بأنه”محصلة الاتصالات المتبادلة لدولة مع بيئتها القريبة والبعيدة -التي في المحصلة _ تعكس قوتها، واستعدادها ووسيلتها ،وقدرتها التنفيذية على الدفاع عن مصالحها الحيوية، وتحقيق غاياتها وأهدافها القومية “ “.ويقوم هذا التعريف على نموذج”معادلة الأمن القومي”على الفرضية القائلة، أنه على غرار “الرابطة”بين قسمي المعادلة الرياضية، هناك أيضاً “رابطة”بين ما تريد الدولة تحقيقه وتأمينه من جهة، وبين قدرتها على إنجاز ذلك _ بهذه الوسيلة أو تلك _ من جهة أخرى.
غير أنه لابد من التنويه إلى أن معادلة ايلون تتكون من عدد من المتغيرات، ولكنها خلافاً للمعادلة الرياضية، التي تكون فيها المعطيات قابلة للقياس الدقيق، فإن معظم المتغيرات في”معادلة الأمن القومي”غير قابلة لمثل هذا القياس، فهي متغيرات نوعية لا كمية، أي أنه ينبغي النظر إلى “المعادلة”قبل كل شيء على أنها قائمة ضبط، تساعد على فهم الماضي والحاضر، وتحويلهما بهدف تحسين عملية اتخاذ القرارات للمستقبل. ويمضي ايلون شارحاً عناصر “معادلة الأمن القومي”،والتي تتكون من ثلاثة مكونات أساسية لطرفي المعادلة، وهي” “:
القدرة: = (قوة القومية + جاهزية قومية).
الوسيلة: = (بأهدافها وأفكارها ووسائلها)
وهذان المكونان موجودان في أطراف “المعادلة”.
الغاية: = (من، ماذا، لماذا، كيف، ومتى ؟)
وهذا المكون موجود في الطرف الثاني من “المعادلة”.
فالقوة تشتمل على نخبة، ومن بينها متخذي القرارات، ووسائل تنبئية (جهاز استخبارات، جهاز إعلام) ووسائل الجبهة الداخلية (موارد متيسرة تغذي متطلبات الجبهة العسكرية) والمساحة (العمق الإستراتيجي، طبيعة الحدود … الخ) والسكان (الطاقة البشرية العاملة والمقاتلة)
والمساعدات (الدعم)، التي تمنح لهذه الدولة من دول أخرى ،ويمكن القول في هذا السياق، بأن المساعدات الخارجية هي بمثابة “قوة مستعارة”لكونها مرهونة بالاعتماد على الغير فإنها تتحول من دعم إلى قيود. غير ان “القوة”بحد ذاتها لا تشكل “قدرة”حتى يلتحق بها متغير “الجاهزية”ليشكلا معاً “القدرة
إن “الجاهزية”في “معادلة الأمن القومي”تشتمل على ثلاثة متغيرات هي:
- التأهب.
- المحافظة على الاستنفار.
- ممارسة الاستنفار قولاً وفعلاً في وقت المحنة.
فهي مرتبطة بمفاهيم مثل:”الإجماع الوطني”،”التلاحم الاجتماعي،”الواقع “ المعنويات”لكن الأهم من ذلك _ وكما تبين من خلال حروب إسرائيل _ أنها مرتبطة بالإجماع على “الغاية القومية”. إن”الغاية القومية”، تشكل أحد أطراف “المعادلة”المقترحة ،وتشتمل على توزيع المسؤولية من أجل تحقيق رزمة مصالح وغايات وأهداف تم الاتفاق عليها كحل وسط في الصراع بين عناصر القوة المختلفة في النخبة (حول سلم الأولويات)، التصميم على تحقيق رزمة المصالح والأهداف استمرارا لذلك الصراع..، توقيت تحقيق رزمة المصالح والأهداف (في المدى القصير والمتوسط والطويل) ويلحق بذلك أحياناً ما يشبه “المحظور مثلاً: تقرر في أهداف حرب “سلامة الجليل”، أنه “يجب ألا نهاجم السوريين إلا إذا بادروا هم إلى الهجوم “.
“هنا يجب التنويه إلى، أن الغاية القومية تختلف عن الأهداف القومية التي هي عامة جداً كي يتفق عليها الجميع _ فالغاية القومية كما أشرنا _ محصلة تقويم الوضع، إذ أن الأهداف القومية تشكل بالنسبة إليها “العنوان الرئيسي”
وتوجد بين القدرة من جهة ،والغاية من جهة أخرى _ في”معادلة الأمن القومي”_ الوسيلة التي يمكن أن تشكل سقفاً لمفاهيم مثل:”العقيدة، السياسة، الإستراتيجية، الإستراتيجية الشاملة، التكتيك، والتكتيك الشامل، ومن دونها لا يمكن تسخير القدرة، ولن يكتب النجاح للتنفيذ ولن تتحقق الغاية. لذا فإنها تعتبر بمثابة “قلب المعادلة”إنها لا تربط بين القدرة والغاية، فحسب، بل تربط أيضاً بين دروس الماضي ،وتوقعات المستقبل، إنها الرد _ إلى الأحسن أو إلى الأسوأ _ على مستلزمات الماضي، والمستقبل، والتهديدات، والقيود، والفرص، والدعم، وعدم اليقين، إنها الرد على التحدي، الذي هو أيضاً جزء من مفهوم المعادلة المقترحة.
وهكذا بعد أن يشرح ايلون مكونات “معادلة الأمن القومي”، حيث ينتقل إلى التنفيذ، “أي عن تسخير القدرة والوسيلة لتحقيق الغاية، ومواجهة التحدي في ظروف من عدم اليقين تفصل بين طرفي “المعادلة”
إن حركة “معادلة الأمن القومي”لدولة ما والتي تضمن بها أمنها القومي، وتناضل من أجل مكانتها على الساحة الدولية، والتي يمكن أن تكون ساكنة أو متسارعة، أو أن تقع تحت تأثير البيئة
إن “معادلة”أمن هذه الدولة تتحرك في اتجاه تسارعي معين، في الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل غير المعروف، في حين تتحرك في مواجهتها _ أو إلى جانبها أو خلفها _”معادلات أخرى”لكل منها وزن ومكانة خاصة بها، مما يتطلب من النخبة التي تقود الدولة إلى تعديل “المعادلة”و وتيرة سيرها، واتجاهها وفقاً للظروف، على سبيل المثال:” في وضع التوتر تحرص النخبة القائدة على تغيير النسبة بين وسائل الجبهة العسكرية ووسائل الجبهة الداخلية في خانة “القدرة القومية”من المعادلة، بحيث تجعل المزيد من إمكانات الجبهة الداخلية تغدي بوتيره إمكانات الجبهة العسكرية، أما في حالة الحرب، إذا تطرقنا مثلاً إلى الوسيلة المستخدمة بأسلوب “العصا والجزرة”فإن النخبة القائدة تستخدم “العصا”أكثر من “الجزرة”أما خلال فترة الهدوء، فإنها تغير النسبة بين مكونات الجاهزية، وتقلص من الاستنفار وتعزز من التأهب (ليس بالنسبة إلى تعزيز إمكانات الجبهة العسكرية، وإنما بالنسبة إلى إمكانات الجبهة الداخلية) غير أن تعيين النسبة بين مكونات “معادلة لأمن القومي”المختلفة ليس مرهوناً دائماً بإرادة “النخبة القائدة”بل مرهون أيضاً بالتحدي الذي تضعة أمامه عناصر البيئة المختلفة، وخصوصاً بجوهر معادلة خصم تلك الدولة” .
وفي ضوء تعريف “الأمن القومي”لنموذج “معادلة الأمن القومي”القائم في أساسه، يعرف أيلون مهمات النخبة القائدة على النحو التالي: .
أ_ تحاول النخبة القائدة التأثير على الاتجاه التاريخي الذي تسير فيه “معادلة الأمن القومي”للدولة، فهي تقوم بدراسة الماضي، وتبني منها عقيدة، وأحياناً تطور دافعاً للعودة إلى الماضي، أو لإزالة عار هزيمة، وكذا تعين النخبة القائدة أيديولوجية تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتبرر العقيدة والسياسة والإستراتيجية التي اختارتها ثم تضع رؤية مستقبلية تسعى “المعادلة”لها.
ب_ تمثل النخبة القائدة مكونات القوة القومية (في المجالات الاجتماعية، الاقتصادية، الأمنية، العلمية، والتكنولوجية..الخ) حتى أنها هي التي تبني هذه القوة وترعاها.
ج_ ترعى النخبة القائدة الجاهزية القومية (التأهب، الاستنفار، والأهم: الاستعداد) وتستعين لهذا الغرض برجال الفكر والأكاديميين وصانعي الرأي العام القادرين على تصوير استعداد قومي.. ويرى ايلون بأن رعاية الاستعداد القومي هي، الغاية القومية التي حددتها هي، تحظى بموافقة الشعب، وإلا سيكون من الصعب عليها ممارسة مهماتها، وخصوصاً في ظل نظام ديمقراطي.
د_ على النخبة القائدة _ أي متخذي القرارات الذين وقع عليهم الاختيار لهذا الغرض، وكذلك المساعدين والخبراء ومزودي المعلومات والمستشارين _ أن تحدد مكونات التحدي التي تمليها مستلزمات الماضي وتطلعات المستقبل، خصوصاً تأثير البيئة في الحاضر، وأن تعين الغاية التي تستجيب لهذا التحدي، وتشكل الوسيلة التي تحققه، ناهيك بتنفيذ استخدام الوسيلة نظرياً وعملياً.
هـ_ على النخبة القائدة، أن تعرف كيف تهضم نتائج التنفيذ وتستنفذها، إذ أنها بسبب ظروف عدم اليقين لا تتماثل أبداً مع الغاية.. هذا ما ينطبق أيضاً على نتائج ثانوية لم تكن متوقعة ولم تؤخذ في الحسبان.
إن النخبة القائدة هي مكون رئيسي في”معادلة الأمن القومي”لأنها هي التي تعين ما ينبغي عمله، كيف ينبغي عمله، وبأية وسيلة ينبغي عمله.. علاوة على ذلك فهي لا تهتم بـ “معادلة”دولتها فقط، وإنما بـ “معادلات”دول أخرى، إذ تقابل بعضها ببعض، وبين ملامحها التي لا تتفق دائماً مع الحقيقة. ويرى ايلون، أنه من الأفضل المقابلة بين “المعادلات الواقعية”التي يمكن بواستطها تقدير النتيجة النظرية للمواجهة بين “معادلات الأمن القومي”بصورة أفضل، والفرق بين “معادلة الأمن قومي واقعة “ معادلة أمن قومي محتملة”هي أن الأولى تعتبر (معامل ر)”معادلة الأمن القومي المحتملة”(محور Y ) ولضغط الظروف (محور X ).
ثانياً: التطابق والنتائج “لمعادلة الأمن القومي” :-
تطابق “معادلة الأمن القومي”نتائج حروب إسرائيل وعملياتها العسكرية: (حسب وجهة نظر العقيد أ – ايلون)
أن تفحص مفهوم “معادلة الأمن القومي”يتيح تحليل دروس الحرب بصورة أكثر تكاملاً بواسطة طرح أسئلة تستوجبها قائمة ضبط مكونات المعادلة المختلفة، والسعي من خلال البحث عن الجواب لتحليل كل واحد من مكونات المعادلة:
_ التحدي: تطلعات قومية هي بمثابة “العنوان الرئيسي، وتهديدات، وقيود متزامنة، ودعم ،ومدى عدم اليقين”.
_ الغاية: رزمة المصالح، والغايات والأهداف، التصميم على تحقيقها، والتوقيت.
_ القدرة: النخبة القائدة ،الموارد، الوسائل، الجاهزية.
_ التنفيذ: مسلك المكونات المختلفة للقدرة خلال تطبيق الوسيلة إزاء المعارضة وظروف عدم اليقين.
و ينبغي أن يضاف إلى ذلك، تحليل الاتجاه التاريخي الذي تسير فيه “معادلة الأمن القومي”لدولة من الماضي بمستلزماته، إلى المستقبل غير المعروف، ودراسة تأثيرات البيئة على حركة المعادلة.
أ_ (حرب 1948): _
يقول ايلون: “خلال هذه الحرب”سارت المعادلة”في اتجاه تاريخي من “الكارثة النازية”خلال الحرب العالمية الثانية إلى تحقيق الفكر الصهيوني بإقامة دولة يهودية مستقلة، وقد واجه سير “المعادلة”في هذا الاتجاه بريطانيا والدول العربية والفلسطينيون، الذين كانت غاياتهم الحيلولة دون إقامة دولة إسرائيل، وإخضاع السكان اليهود في البلد لإقامة دولة فلسطينية على جميع أراضيه، إن رفض هذه الغاية وتحقيق أهداف الصهيونية أمليا الغاية الإسرائيلية: أولاً، الدفاع عن السكان اليهود في البلاد والأراضي التي يسيطرون عليها عملياً، ثم الاستيلاء على الأراضي التي حددت لدولة إسرائيل في قرار الأمم المتحدة ،وبالتالي توسيع الأراضي قدر المستطاع عن طريق تدمير ما يمكن تدميره من القوات العربية المهاجمة”
ويضيف:”إن القدرة الإسرائيلية بالكاد استجابت للغاية، لقد تضمنت مكونات غير متوازنة: قيادة قوية جداً _ بن غوريون_موارد ووسائل شحيحة، وجاهزيه كبيرة.. لكنها كانت في مجمل الأمر مؤثرة ،وفاقت القدرة العربية التي كانت زعامتها منقسمة، ومواردها ووسائلها كثيرة وجاهزيتها ضئيلة ويضاف إلى ذلك طبعاً حقيقة أن الوسيلة الإسرائيلية الأهداف وفكرة تحقيقها ووسائله، كانت أفضل كثيراً من الوسيلة العربية، وكذلك التنفيذ نظرياً وعملياً
“لقد أثبتت نتائج الحرب أكثر من أي شئ آخر تفوق “معادلة الأمن القومي الإسرائيلية”على “المعادلة”العربية، فالقيادة العربية انهارت، والموارد العربية لم يتم القضاء عليها بيد أن الوسائل عطلت تماماً، الجاهزية أصبحت صفراً، كما أصبحت الوسيلة وتنفيذها موضوع سخرية عملياً ونظرياً.. والأهم: أن الغاية التي استهدفت أن تحول دون قيام دولة إسرائيل لم تتحقق، بل على العكس، إذ أن الأمر لم يتوقف عند حد، أن إسرائيل ضمنت حدود التقسيم فحسب، بل وسعتها أيضاً، لقد كانت للحرب، طبعاً، ذيول غير مستحبة: نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، التي ترافقنا حتى هذه الأيام .
ب_ عملية (العدوان الثلاثي على مصر 1956):
“إن هذه العملية لم تكن لترى النور من وجهة النظر الإسرائيلية لو لم تنشأ الظروف السياسية لذلك: تأميم عبد الناصر لقناة السويس، مساعدته للثورة الجزائرية ضد فرنسا، أما بالنسبة لإسرائيل تهديده الكامن في ازدياد قوة “الجيش المصري”التهديد العملي بإغلاق ضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، واستخدام الفدائيين ضد إسرائيل انطلاقا من قطاع غزة، وبهذه المناسبة قررت إسرائيل التعاون مع فرنسا وبريطانيا على الغاية التالية: احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة وتدمير معظم الجيش المصري وقواعده فيها من أجل ضمان حرية الملاحة إلى إيلات، والقضاء على الفدائيين وترميم ميزان القوى الذي تقوض، والمساس بهيبة عبد الناصر حتى إسقاطه
“إن الوسيلة لتي انتهجتها إسرائيل من أجل تحقيق الغاية العملية تم تنسيقها خلال الاتصالات السرية، وخلال هذه الاتصالات وعدت فرنسا بمساعدة عسكرية بما في ذلك امتلاك معدات عسكرية مهمة ،لقد كان كل ذلك بمثابة خلق الظروف التي اعتبرها بن غوريون جزءاً من تطبيق الوسيلة، كما أنه حرص على إطلاع “الشعب”في اللحظات الأخيرة على سر العملية من أجل ضمان الجاهزية القومية “ “.
“إن الوسيلة نفسها _ من حيث فكرتها _ كانت قائمة على المفاجأة، التي كان من المفروض ألا تتحقق بالسر فحسب، وإنما أيضاً بالتضليل والتمويه، إن المفاجأة المفيدة _ بحد ذاتها _ من حيث أنها تضمن نجاحاً بثمن ضئيل جداً من الخسائر، استهدفت أيضاً ضمان أن تكون الحرب مفيدة ليأتي ضررها على الإقتصاد الإسرائيلي _ الذي أصبح مشلولاً بسبب التعبئة _ أقل ما يمكن، وكانت الوسيلة تشمل أيضاً على خطوة إبتدائية واسعة تتمثل في إنزال مظليين بالقرب من القناة بهدف تحقيق هدف ثلاثي
توفير تغطية وكأن العملية انتقام.
اجتياح، يمكن إنهاؤه من دون فقدان الهيبة في حال أخلت فرنسا وبريطانيا بالتزاماتهما.
تهديد مؤخرة الجيش المصري بالذات في سيناء لحمله على الانسحاب.
وقد كان تنفيذ الوسيلة ناجحاً، حيث استكمل الجيش الإسرائيلي العملية خلال أسبوع، كما كان مخططاً لها بثمن نحو 200 قتيل ،وبذلك حقق جميع غاياته، باستثناء العمل على إسقاط عبد الناصر، علاوة على ذلك، فإن النتائج البعيدة المدى من وجهة نظر إسرائيل كانت أبعد من الغاية، إذ أن الحرب بما في ذلك عمليات التخريب التي لم تستأنف إلا سنة 1965 تأجلت حتى آيار 1967، ومتعت إسرائيل بإمكانية تعزيز “معادلة”الأمن إلى درجة كبيرة”.
“كان للحرب ذيول غير مستحبة: تكاتفت الولايات المتحدة و“الاتحاد السوفيتي”من أجل حرمان إسرائيل وبريطانيا وفرنسا من ثمار تحركاتهم العسكرية، كما أن “الاتحاد السوفييتي”، هو الذي خرج رابحاً بتعميق توغله في الشرق الأوسط،وفي مقابل ذلك فإن “خيانة”الولايات المتحدة لحليفاتها في أوروبا تسببت بإحداث ثغرات في الحلف الأطلسي “ “.
ج_ حرب الأيام الستة (حرب حزيران 1967):_
يرى ايلون بأن حرب الأيام الستة ما كانت لتنشب لولا إيمان عبد الناصر، بأنه حدث خلال عهد حكومة أشكول خلل في”معادلة الأمن القومي”الإسرائيلية (قيادة ضعيفة قياساً بالقيادة في عهد بن غوريون، انكماش اقتصادي.. الخ) بالنسبة إلى معادلة مصر وحليفاتها سوريا والدول العربية الأخرى، التي كان من شأنها الانضمام إلى ائتلاف بزعامة عبد الناصر في تدعيم مكانته في الداخل والخارج التي تقوضت بسبب انغماس مصر في حرب اليمن..
في منتصف آيار 1967 أدخل عبد الناصر جيشه إلى سيناء (على خلفية معلومات من مصادر سوفياتية، أوحت بأن إسرائيل تنوي مهاجمة سوريا) وأخلى قوات الأمم المتحدة، وأغلق مضائق تيران، وفي أواخر الشهر نفسه وضع الأردن جيشه في حالة طوارىء، أعقبه العراق الذي أرسل بعض المفارز من جيشه، كما أن سوريا كانت متأهبة للحرب.
في هذا الوضع ، قامت إسرائيل بتعزيز “معادلتها”بواسطة انضمام موشي ديان مناحيم بيغن إلى الحكومة، وخلق ضرورة مريحة لاستخدام وسيلتها وضمان نتائجها.
ونظراً لأن الخصم هو الذي بادر إلى الحرب (حتى لو كانت إسرائيل هي التي ضربت أولاً) فقد كانت الغاية إزالة التهديد عن سكان إسرائيل على امتداد حدودها وفتح المضائق، وذلك بتدمير جيش مصر أولاً،وإذا ما اقتضت الضرورة تدمير جيشي سوريا والأردن ومفارز الجيش العراقي،والمقصود بذلك احتلال أراضي أيضاً، إلا أن الغاية لم تتحدث في البداية عن موقع هذه الأراضي وحجمها باستثناء شرق سيناء وقطاع غزة” “.
إن الوسيلة التي حددت لتحقيق الغاية كانت قائمة على المفاجأة وقد تحددت أيضا سلم الأولويات:-_ ضربة ابتدائية للمطارات.
هجوم بري في الساحة المصرية، والأردنية.
إذا اقتضت الضرورة بعد ذلك في الساحة السورية.
كل ذلك كان يجب أن ينفذ بسرعة لكي تكون الحرب قصيرة وقليلة الخسائر على قدر الإمكان، وغير خاضعة للتأثير الضار للدول العظمى وخصوصاً “الاتحاد السوفييتي”كان تنفيذ الوسيلة ناجحاً نظرياً وعملياً، وتجاوزت النتائج الغاية: وحصلت إسرائيل في النهاية على عمق إستراتيجي وحدود أكثر ملائمة للدفاع.
ذيول الحرب اتهمت إسرائيل بسيطرة المحتل على مناطق ليست لها، ومن بين ُمتهميها أصدقاؤها، والأسوأ من ذلك أنه نشأت في إسرائيل نفسها مشكلة إجماع حول السؤال: ما العمل بـ”المناطق”؟.
د_ حرب الاستنزاف:_
يقول ايلون:”بادر عبد الناصر أواخر عام 1967 إلى حرب استنزاف، بعد عام على انتهاء حرب الأيام الستة ،إذ تهيأ له انه استطاع “معادلة الأمن القومي”المصري بالمساعدات المكثفة التي تلقاها من الاتحاد السوفييتي ،وكانت الغاية المصرية استنزاف إسرائيل وحملها على التخلي عن الإنجازات التي حققتا في حرب 67. كانت الغاية الإسرائيلية على العكس من ذلك، المحافظة على مكاسب حرب الأيام الستة، إلى أن يعترف العرب بها ويجروا معها مفاوضات مباشرة تؤدي إلى سلام حقيقي، وإلى أن يتوقفوا عن إطلاق النار عليها، أما الوسيلة التي خصصتها إسرائيل لتحقيق غايتها، فقد كان الرد على الاستنزاف بالاستنزاف، وكان أول رد إسرائيلي تنفيذ عملية انتقامية وتحذيرية في عمق النيل (عملية نجع حمادي) التي حملت مصر على وقف إطلاق النار مؤقتاً عند القناة لإعادة التنظيم في المؤخرة” “.
وتجددت حرب الاستنزاف في آذار 1969، وحتى ذلك الحين استطاعت إسرائيل بناء خط بارليف، وعززت الوسائل في”معادلة الأمن القومي”بيد أنها “أضعفت مواردها دون أن يشكل ذلك حلاً لوقف الحرب، فضلاً عن ذلك فإنه كلما طالت الحرب وكثرت خسائرها،”تضعضعت الجاهزية”التي هي عنصر رئيسي في”معادلة الأمن القومي”كما أن هناك من القيادة والساسة والعسكريين الإسرائيليين تشككوا في الوسيلة الإسرائيلية، وفي محاولة لتحسين الوسيلة تقرر استخدام سلاح الجو الإسرائيلي في أعماق مصر، مما أدى إلى تدخل الاتحاد السوفييتي في الحرب ونصبت صواريخ، واستخدام طائرات مقاتلة يقودها طيارون روس، وانتهى الأمر بتدخل القوى العظمى بغرض وقف إطلاق النار في آب 1970.

الفصل الثامن
تطور القوة في سياسة الدفاع
الإستراتيجية الإسرائيلية الخاصة باستخدام قواتها العسكرية، تقوم على أساس الدفاع عن وجودها.
وقد تأثرت إستراتيجية إسرائيل بثلاث مناطق خطر، حسب مفهومها الأمني:
أولاً:”الأخطار النابعة”من دول المواجهة العربية.
ثانياً:”الأخطار الناجمة”عن تشكيل إئتلافات واسعة، تتضمن دولاً من المنطقة وخارجها.
ثالثاً:”الأخطار الناجمة”عن عمليات فدائية، ضد إسرائيل، أو محاربة اليهود في دول أخرى.
كما تستند إسرائيل في نظريتها الأمنية على أساس، استخدام قواتها بشكل يقنع العرب بضرورة التخلي عن فكرة استخدام قواتها العسكرية من أجل الحسم السياسي،”سياسة الردع”،و إقامة أحزمة أمنية دفاعية كما حدث في الجنوب اللبناني.
السياسة الأمنية الإسرائيلية تعمل في اتجاه موازنة الخلل الكمي في توازن القوى بين إسرائيل والدول العربية،واستنفاذ الموارد من أجل الدفاع عن “جود إسرائيل”، وضمان قاعدة قوية للإجماع على “قضايا الأمن القومي الإسرائيلي”في مجال الأسس العلمية والتكنولوجية. فقد بلورت إسرائيل سياسة تضمن تطوير بنية الأبحاث والإنتاج الأمني، بشكل يُمكن إسرائيل من المحافظة الدائمة على تفوقها التسليحي والتجهيزي، وتمكين الجيش الإسرائيلي بالعمل في ظل جميع الشروط.
على صعيد الإستراتيجية العسكرية تعمل على الأبعاد السياسية والاقتصادية و التكنولوجية لهذه الإستراتيجية، حيث يمكنها أن تحدد مبادئ (ميزان الرعب) في الميادين المقبولة غير المقبولة، الأمر الذي يدفع الدول على الاعتراف، بأن من الأفضل لها عدم الاتجاه نحو الحرب (الردع الوقائي)، وحسب السياسة الأمنية الإسرائيلية، حول الأسباب الداعية للحرب، يدور الجانب الأهم في هذه السياسية حول إيجاد المبررات لدفع جيشها للعمل العسكري.والخطوط الحمراء التي تضعها إسرائيل في سياستها الأمنية تستند على ما يلي:
تمكن إحدى الدول العربية، أو احتمالية تمكنها من لحصول على “إمكانية نووية”.
تبلور تجمعات عسكرية في إحدى دول المواجهة.
قطع خطوط الاتصالات البحرية والجوية الإسرائيلية.
خرق إحدى الدول المجاورة للاتفاقيات المعقودة.
أولاً. المعالم الأولية للعقيدة “الدفاعية”الجديدة:
إن ما يدور في إسرائيل الآن من سجال حول وجود ، أو عدم وجود نظرية أمن قومي، طرح “إسرائيل تال”الأساس النظري حول هذا الموضوع، حيث دعا إلى التمييز بين قدرة الصمود وقدرة الحسم.
وطالب، تال، القيادة السياسية والعسكرية بأن تفهم حقيقة أنه “قضي على إسرائيل أن تكون قلة أمام كثرة”أن “القلة”لا يمكنها أن تحسم الأمور بوسائل عسكرية ،وان “جل ما يمكنها أن تتطلع إليه هو إحباط أهداف العرب ودفعهم للتخلي عن طريق الحرب “ “.
كما ويرى، تال أن التفوق العسكري لا يعبر البتة عن تناسب “القوى القومية الشاملة”، وإنما هو فقط تفوق عسكري ذو طبيعة مؤقتة، ويقوم على حساب كل الموارد والقوى النفسية “القومية”
ويؤكد، أن “نظرية الأمن القومي الإسرائيلي”كانت صائبة،وأنها حققت أهدافهاً، لكنها الآن لا تستجيب لتحديات المستقبل، وكذلك من الضروري أن تتبنى إسرائيل نظرية أمنية متجددة وأكثر واقعية.
ويشير، تال، إشارة ذات مغزى عميق إلى ما هو متوقع من “نظرية الأمن القومي الجديدة”بالقول: “في ظل غياب العمق الجغرافي “الأفقي”الهام، وفي ضوء حدة المخاطر المرتقبة ثمة ضرورة للتطوير والاستناد إلى كل مقومات العمق الإسراتيجي. ومفهوم العمق في فن الحرب الحديثة، هو أيضاً عمق ثلاثيي متد ليس فقط على المساحة البرية وإنما أيضاً في الفضاء الخارجي وفي مفهوم عصر الحرب الحديثة، فإن هذا المفهوم يتعلق أيضاً بالحجم، وليس فقط بالمساحة “ “.
ويقول إ. تال:”إن إسرائيل أفلحت وتستطيع تحقيق النصر في حروب كثيرة _ وهذه القدرة شرط ضروري لوجودها _ ولكن إسرائيل لا تستطيع أن تملي بواسطة نصر عسكري إرادتها على المحيط العربي والإسلامي، الذي يمتد من المحيط إلى الخليج وأبعد من ذلك.
- ففرض الإرادة على العدو يستلزم نزع سيادته بالقوة وإعادتها فقط إليه فقد مقابل الوفاء بالشروط التي تملى عليه،وهذا أمر لا تقدر عليه إسرائيل “ “.
من الواضح، أن “نظرية الأمن القومي”الجديدة التي يطالب بها تال، هي نظرية مؤقتة، أيضاً، وتنطلق من دوافع النظرية القديمة، مع الأخذ بالاعتبار المستجدات التكنولوجية وفضلاً عن ذلك، فإنها تنطوي أيضاً على المفارقة نفسها وعنصر المجازفة. فهي تحاول مواجهة الأصيل بالمستجد، والكثير بالمختلف، والعميق بالمرتفع. إنها محاولة لمواجهة الأشياء بأبعاد أخرى من خارجها، وهذا يجعل دوماً النظريتان القديمة والجديدة تنطلقان من الرؤية ذاتها: وهي إحداث الصدمة لدى الخصم، الصدمة التي تسبب الإرباك، وتدخل الرعب إلى نفسه. وعموماً وبعيداً عن النظريات، ثمة مواقف ملموسة يجب ملاحظتها، وتتعلق بنظرية “الأمن القومي الإسرائيل”في ظل المستجدات الميدانية.
“إن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تدرك وجوب تغيير “نظرية الأمن القومي”فجنود الاحتياط _ هم العمود الفقري للجيش الإسرائيلي وحربته الحادة _ لم يعودوا يتدربون كما في الماضي على الأسلحة الحديثة ،و “سوف يكون من العسير الاستفادة منهم في المراحل الأولى للمعارك”، كما أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية المكشوفة أمام الصواريخ العادية باتت تتطلب تطوير أساليب رد فعل جديدة “ “.
وضمن سيناريوهات الحرب الجديدة التي يدرسها الجيش الإسرائيلي، في المعطيات التسبيحية الجديدة في المنطقة ،يطالب الجنرالات بإعادة بناء الجيش على أساس، أن الجيش النظامي هو العمود الفقري، وهم يستندون في ذلك إلى واقع، أن جنود الاحتياط لم يعودوا قادرين على مواكبة وتشغيل الأسلحة الحديثة بنجاح، وأن خطط استدعاء الاحتياط يمكن أن تتعرض لعمليات عرقلة ناجعة من جانب “العدو”، ويرون ضرورة الاستناد إلى قليل من وحدات الاحتياطي المتخصصة، إلى جانب الجيش النظامي، بدلاً من قوات الاحتياطي الكبيرة.
وتتناقض هذه النقطة مع أحد أهم مبادئ نظرية الأمن الإسرائيلي التقليدية، التي تمنح الأولوية لقوات الاحتياط، وتقر شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي،”أن هذه النقطة يجري تدارسها، وأنه بينما يستحيل التخلي عن وحدات الاحتياط، فإن الواجب يقضي بإعادة تنظيمها بشكل مختلف، بحيث تغدو مهام هذه الوحدات مختلفة عن مهام الجيش النظامي “ “. وهذا يعني أن القوات النظامية ستكون هي الموكلة بأمر صد هجوم مباغت بمساعدة المروحيات والمدفعية فيما سيدخل الاحتياطي إلى العمل فقط في مرحلة الهجوم المضاد.
“إن “أي شخص مر بتجربة حرب الخليج عام 1991، وهو يقبع في غرفة محكمة الإغلاق مرتدياً القناع الواقي من الغاز، ويسمع دوي سقوط صواريخ سكود العراقية، ينبغي أن يفهم أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تمتلك لا خطة واضحة، ولا أساليب لمواجهة خطر الصواريخ بعيدة المدى. كما أن أزمة الغاز “الأنتراكس”في شباط 1998، أثبتت أن شيئاً لم يتغير منذ حرب الخليج، وأن سبعة أعوام ثمينة ضاعت هباء “ “. ومع ذلك، فإن خطر الصواريخ هو مجرد واحد من الأخطار التي تواجهها”نظرية الأمن الإسرائيلي”فهناك أخطار أخرى تتدارسها إسرائيل حتى في حالة وقوع حرب تقليدية أخرى “ “.
فامتلاك الدول العربية للصواريخ، وقدرة هذه الصواريخ على تهديد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فرضاً موضوعياً إعادة النظر في المهام وحشد القوات الاحتياطية، فضلاً عن ذلك، فإن هذا يفرض، حسب الخبراء الإسرائيليين، إعادة النظر في نوعية التسلح الإسرائيلي، بحيث يكون أفضل مما لدى الجيوش العربية، غير أن تكلفة التسلح بأنظمة جديدة ازدادت أضعافاً مضاعفة عما كانت عليه أسلحة الماضي على سبيل المثال،”أصبح مطلوباً من سلاح الجو الإسرائيلي لمواجهة الصواريخ أن يبقى في الجو ويعمل في الجو وهذا يدخل في باب الميزانيات التي لا تستطيع إسرائيل توفيرها بالكامل” “. ولذلك فإن الخيار الذي يقف أمام إسرائيل، هو المزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة للمحافظة على الفارق النوعي، وحيث أن الأمر يتعلق بمليارات الدولارات، فإن إسرائيل بحاجة إلى برنامج مساعدات عسكرية أمريكية يجمع ما بين الهبات والقروض والتأجير.
وينجم عن ذلك، وبشكل حاسم، أن “أمن إسرائيل”بات أكثر اعتمادا على الولايات المتحدة من أي وقت مضى آخر، وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها في نظرية “الأمن القومي الجديدة”بالتالي يصبح “أي تأخير في تسليم شحنات الأسلحة الأمريكية نتيجة عملية”إعادة تقويم”للعلاقات السياسية الأمريكية _ الإسرائيلية يلحق ضرراً بالغاً وخطيراً بقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها، وهذا ما فهمه اسحق رابين،وليس من الواضح إن كان قد فهمه باراك وشارون أيضا “ “.
كذلك فإن اتفاقيات السلام تغير من مفهوم العمق الإستراتيجي، فإذا ما تم تطبيق اتفاقيات أوسلو، ثم اقامة دولة فلسطينية، فإن العمق الإسرائيلي سوف يتقلص، لذلك فإن السلام مع الفلسطينيين _ حسب الخبراء الإسرائيليين _”ينطوي على مقومات أمنية، وكذلك الحال مع الأردن، لذا يجب على إسرائيل أن تتناول احتمالات الخطر البعيد، مثل التصدي للصواريخ الإيرانية أو العراقية فوق الأردن، أو حتى احتمالات الهجوم المضاد، ليس فقط ضد العراق أو إيران، وإنما ضد سوريا من الأراضي الأردنية وهذا ما يبرر حاجة إسرائيل إلى السلام مع جيرانها والتفاهم على هذه النقاط “ “.
ومع ذلك”فإن إسرائيل ماضياً وحاضراً، تؤمن بأن العرب _ كما يقول تال _ لن يقيموا سلاماً معها نتيجة إقرارهم بحقوق “تاريخية”لها في المنطقة “إنما لأنها تمتلك قوة لردع.
وإذا كانت إسرائيل _ كما تقول يديعوت أحرنوت _ في نظريتها القديمة قد أمنت “الجدار الفولاذي “ “، الذي يضمن عدم إبادتها، فإنها تتطلع الآن إلى الحيلولة دون السماح للعرب من القيام بإمكانية انتزاع مكاسب سياسية أو إقليمية منها عبر التهديد باستخدام القوة العسكرية.
وتضيف،”أما عن مقومات الردع لإسرائيلي التراكمية، فهي توالي الانتصارات التي حققتها خلال الخمسين سنة من وجودها، وقوة سلاح الجو الإسرائيلي، والقدرة النووية التي تتستر إسرائيل عليها بسياسة “الغموض النووي “ “.
ويرى أليكس فيشمان، أن بعض مقومات الردع هذه قد “اهتزت صورتها”سلاح الجو يشيخ، وكانت إسرائيل قادرة حتى الآن على تهديد الجبهة الداخلية للأقطار العربية بواسطة ذراعها الطويل، من دون أن تتمكن الدول العربية من تشكيل خطر مماثل على إسرائيل”” “، غير أن هذه الصورة تتغير الآن. فإسرائيل تريد بناء قوة رادعة جديدة تتقاسمها الآن مدرستان:
مدرسة دافيد عبري ،التي ترى ضرورة إنفاق الأموال على مشاريع الدفاع الفعال مثل، صواريخ حيتس لمواجهة الصواريخ بعيدة المدى، أو مشاريع ضرب الصواريخ في مرحلة إنطلاقها الأولى. ويعترف الإسرائيليون بصعوبة مواجهة الصواريخ القادمة من مسافة 1500كم وحتى مواجهة الصواريخ السورية، ويقرون بأن مشروع صواريخ حيتس يوفر حلولاً جزئية وليست شاملة.
مدرسة إسرائيل تال، الذي يؤكد على ضرورة الردع الهجومي، وهو يرى أن إسرائيل في مواجهتها للأسلحة غير التقليدية ينبغي أن تمتلك، وتعرض قدرة تدميرية موثوقة، قادرة على تهديد المراكز السكانية في العراق وإيران. ويرى أنه إذا كانت إسرائيل تمتلك معلومات استخبارية جيدة وكمية كافية من الصواريخ بعيدة المدى، فإن بوسعها أن تشكل الردع المناسب.
ويمكن لإسرائيل، أن تهدد ليس فقط بضرب المدن الكبرى، وإنما كذلك السدود، بحيث تحدث فيضانات في دول الشرق الأوسط، التي تلتحق بحرب ضد إسرائيل. ويمكن الاستعانة بمثل هذه الحالة بالغواصات، التي توفر القدرة على توجيه “الضربة الثانية”، التي ليست بالضرورة نووية
كذلك فإن نظرية “الأمن القومي الجديدة”سوف تتعامل مع موضوعي خط الأصولية الإسلامية، واستقرار الأنظمة العربية التي توقع على اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وتنطلق إسرائيل في ذلك من توصيفها لهذا الخطر، بأنه خطر “إستراتيجي”يقع تحت قائمة “الإرهاب”تأخذ نظرية “الأمن الجديدة”أيضاً بالاعتبار بالمتغيرات الدولية، واحتمالات استعادة روسيا لدورها في المنطقة، فضلاً عن احتمال تقليص اهتمام أمريكا بإسرائيل.
ويرى خبراء إسرائيليون، أن تخفيض أسعار النفط قلص من اهتمام أمريكا بأمن إسرائيل والعملية السلمية. ويتم النظر باهتمام فائق إلى العلاقة التحالفية مع تركيا.
إن نظرية “الأمن القومي الإسرائيلي تتعاطى أيضاً مع المتغيرات التي طرأت على “المجتمع الإسرائيلي”هناك نظرة تقول، أن الجمهور الإسرائيلي يفقد الثقة بقيادته السياسية، كما أن حرب الاستنزاف في جنوب لبنان كانت قد عززت “أزمة الثقة”هذه.
وللمرة الأولى في تاريخ إسرائيل تضطر “نظرية الأمن القومي الجديدة”إلى تحديد حدود إسرائيل، فقد كانت نظرية الأمن القومي القديمة تسمح للسلطة السياسية بعدم الإفصاح عن ذلك، ويصنف إسحق مردخاي هذه النقطة، بأن قادة إسرائيل في الماضي “لم يكونوا يرغبون في خسارة حرية العمل السياسي “ “.
متان فلنائي، نائب رئيس الأركان السابق، أبدى شكوكه باحتمال تبني الحكومة الإسرائيلية لنظرية أمن جديدة وقال “سوف يعملون ويعدون أوراقاً، لكنهم في النهاية سوف يضعون هذه الأوراق بهدوء على الرف حتى لا تقع فضيحة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية “ “.
تطور في القدرات العسكرية الإسرائيلية.
من أحدث النظريات التطويرية المستمرة لقدرات إسرائيل العسكرية، هي نظرية رئيس الأركان الحالي شاؤول موفاز والتي تحمل في بنودها”خطة تحويل الجيش الإسرائيلي من جيش محلي يعمل في حدوده مع الدول العربية إلى جيش عالمي بذراع طويلة ،وإستراتيجية حديثة من شأنها العمل في دول إسلامية بعيدة مثل إيران و باكستان ،وكازاخستان .
هذه الخطة هي طموحة بحيث تتعدى المجال الشرق أوسطي الإقليمي إلى مدى دولي، وفي نفس الوقت تعبر عن تطرف بصورة غير عادية.
وتشمل الخطة هذه أربع مراحل:
المرحلة الأولى: إعداد قاعدة استخبارية في الدول غير المحاذية لإسرائيل، وسيلعب الموساد الدور الأبرز في هذه المهمة.
المرحلة الثانية: تبدأ بعد عامين من المرحلة الأولى، وفي نهاية المرحلة الثانية يستطيع رئيس هيئة الأركان الحصول على معلومات استخبارية كبيرة الأهمية في اللحظة المناسبة. وسف تبذل الجهود للحصول على معلومات فورية من داخل دول الهدف بدون أي عرقلة.
المرحلة الثالثة: تشمل الحصول على طائرة “إف _ 15 _ أي إضافية و “اف 18″، حيث قامت إسرائيل بتركيب أجهزة إلكترونية محكمة في الطائرة الأمريكية ،وهذه الطائرة تختص بمهمات خاصة مثل قصف العمق الإيراني مع توفير القدرة للعودة إلى إسرائيل بدون تزود بالوقود.
المرحلة الرابعة: تشمل دمج قيادة جديدة، تصلها كل المعلومات الاستخبارية وهي التي ستكون مسئولة عن العمليات سواء المشاة أو الطائرات،وفي هذه المرحلة يبدأ التعاون بين ضباط إسرائيليين وضباط من بريطانيا والولايات المتحدة، من منطلق أن هاتان الدولتين تتقاسمان مع إسرائيل المصالح الأمنية حتى خارج حدودهما.
ثانياً. التحولات في العقيدة العسكرية الإسرائيلية:
إن مجمل الظروف السياسية والعسكرية، تدعو إلى الاعتقاد بأن تغيرات واسعة ستتم في مهام ووظائف الجيش الإسرائيلي، وقد بدأ واضحاً ذلك في سياسة شارون، حيث يسعى إلى إعداد القوات العسكرية لمواجهة التهديدات الفعلية، أو المحتملة التي تواجه إسرائيل في ظل السياسة المتعنتة التي تمارسها حكومته، ولاسيما مواصلة عملية تطوير القوات الإسرائيلية تكنولوجياً وإلكترونيا لمواجهة متطلبات القرن الـ 21.
إن التحولات في العقيدة العسكرية الإسرائيلية لها دلالات سياسية، تنطوي على تحول بالغ الأهمية في السياسة الإسرائيلية تجاه عملية السلام، ولاسيما على المسار الفلسطيني خاصة، وتمثل التحولات تلك في الحد من مشاركة الجيش في المفاوضات مع الفلسطينيين.
تترافق هذه التحولات مع ازدياد تقارير ومؤشرات تدل على إمكانية وقوع مواجهة قريبة بين إسرائيل والدول العربية، وكما جاء في تقرير المخابرات العسكرية الإسرائيلية، أن احتمالات نشوب حرب ازداد بصورة مأساوية بسبب الجمود السياسي في العملية السلمية،ومن المتوقع حدوث مواجهات كبيرة مع الفلسطينيين (وهذه حدثت بالفعل خلال انتفاضة الأقصى).
وتقوم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الوقت الحالي بعملية مراجعة سريعة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، أن القوة العسكرية الإسرائيلية يجب أن تكون جاهزة وفاعلة في جميع الظروف وفي أي لحظة، حيث يعتقد إن هذه القوة هي التي أثبتت فاعليتها ميدانياً وأقنعت العرب بالجنوح إلى السلام مع إسرائيل.
وتضع القيادة العسكرية مبادئ جديدة _ قديمة، قد تستخدمها في أية لحظة، وتعتمد هذه العقيدة العسكرية الجديدة على مبادئ:
-تطوير القدرات العسكرية على أحدث طراز حتى في ظل ظروف السلام.
-العمل على إن تكون الحرب أو الحروب المقبلة بأسلوب الردع المسبق.
-الضرب من بعيد.
ثالثاً. الأمن والعقيدة العسكرية الإسرائيلية.
كما أدت تلك الحقائق إلى قيام إسرائيل ببناء وتنظيم قواتها المسلحة بما يحقق جميع خيارات القيادة الإسرائيلية على النحو التالي:
-قوة هجومية تعتمد أساسا على القوة الجوية والمدرعات.
-تنظيم وتسليح قواتها البرية بأسلوب يسمح لها قابلية الحركة والمناورة العالمية.
-قوات ذات حجم صغير بصورة دائمة مع نظام تدريب دقيق وسريع للاحتياط.
-جهاز استخباري متطور قادر على إعطاء الإنذار المبكر في الوقت المناسب.
-بناء عمق دفاعي من خلال منظومة الدفاع الإقليمي مع تأمين القدرة القتالية لكل مستعمرة ومدنية
- قوة بحرية تعتمد على القطع الصغيرة والسريعة.
رابعاً. أهداف العقيدة العسكرية الإسرائيلية:-
استنادا إلى الهدف الشامل لإسرائيل بفرض سيطرتها العسكرية على منطقة الشرق الأوسط، فقد وضعت أهداف رئيسية ثابتة لعقيدتها العسكرية كما يلي:
-التوسع الجغرافي التدريجي.
-الاحتفاظ بقوات مسلحة متفوقة تكون هدفاً ووسيلة.
-الارتباط بالحليف المضمون.
-إضعاف وتدمير القوات العربية.
-بناء قوة عسكرية هجومية.
-سرعة نقل المعركة إلى خارج أراضيها.
وحسب العقيدة الجديدة، فإن إسرائيل ستقوم ببيع أسلحتها القديمة، وسوف تعتمد على التسلح الإلكتروني على جميع المستويات، والاعتماد على الأقمار الصناعية والتجسس الإلكتروني، وصنع أسلحة صغيرة ذات تكنولوجيا عالية بهدف مواجهة حرب العصابات (مثل القنبلة الذكية) وتطوير سلاح الغواصات الحاملة للرؤوس النووية للمهمات البعيدة جغرافياً.
إن جوهر ومضمون التغيير في العقيدة العسكرية الإسرائيلية يتمثل في أن هذه العقيدة، ظلت تعتمد على مبدأ “نقل الحرب بسرعة إلى أرض الطرف الآخر”في حين تسعى العقيدة الجديدة إلى اعتماد مبدأ “بدء الحرب على أرض الطرف الآخر وعدم الانتظار حتى يشنها ذلك الطرف”تتمثل الركيزة الجوهرية في عملية تطوير العقيدة العسكرية “الإسرائيلية”في الحفاظ على التفوق العسكري باعتباره هدفاً في حد ذاته. ويرتكز تنفيذ هذا المبدأ من الناحية العملية على ضرورة السعي دائماً إلى بناء قوة ضاربة نوعية، وتحقيق تقدم تكنولوجي للأسلحة، ونظام تعبئة محكم، وسرعة إعداد مسرح العمليات.

المراجع
تسفي شور، القوة العسكرية في كماشة الميزانية، دار المنار للصحافة، قبرص 1987.
د. قدورة عمر مصدر سابق.
اللواء نافع عبد الكريم، مصدر سابق.
ليبيمان وولتر، مؤسسة الأهرام الدولي، القاهرة، 1984.
كولبينز جوهان مصدر سابق
الموسوعة السياسية، مؤسسة الأهرام، القاهرة.
مكنارا روبرت، جوهر الأمن، دار الطليعة، بيروت، 1989.
هركابي، الكمية والنوعية، دار المنار للصحافة، قبرص 1987.
بن مائير يهودا، التخطيط للأمن القومي، دار المنار للصحافة، قبرص، 1987.
آيلون، الثابت والمتغير في الإستراتيجية الإسرائيلية، دار المنار، 1986.
غنفر افرايم، الاستراتيجية الإسرائيلية، دار المنار 1986.
تامير أبرهام، معريف، 1989.
ياريف أهرون، الأمن الإسرائيلي، معاريف، الملف، دار المنار، قبرص،1988.
هوروفيتش دان، مصدر سابق.
رابين يتسحاق، حرب الغفران، الملف، دار المنار، قبرص، 1988.
آلون يغال، أمن إسرائيل، وكالة المنار، قبرص.
هآرتس، 19/3/1998.
ارئيل شارون، السياسة الأمنية الإسرائيلية، دار الجليل، 1994.
كاهانا مائير، يديعوت، 3/7/1997.
بيغن مناحيم، حرب الخيار، درا الجليل 1988.
ألون يغال، أمن إسرائيل، وكالة المنار ، قبرص 1986.
معيان يوسف، ، حدود القوة، وكالة المنار، قبرص 1987..
فروسمان بنحاس، الكمية والنوعية، وكالة المنار، قبرص 1987. ص10.
بن غوريون ديفيد، الامن الإسرائيلي، وكالة الأنباء، قبرص 1987.
لانير تسفي، معاريف، 18/12/1981.
لا نشستر “نظرية الأمن الإسرائيلي”، أمن الرئاسة.
نظرية الأمن الإسرائيلي، أمن الرئاسة.
تال إسرائيل، مصدر سابق.
يدعوت أحرنوت، 7/7/1998.
اللواء حسام سويلم، الاتحاد الإماراتية، 13 ديسمبر 2000.
زئيف شيف، مصدر سابق.
فيشمان أليكس، المصدر السياسي، القدس، 1998.
السبيل الأردنية، 17/9/1998.

أضف تعليقا

نحو تأصيل لعلم نفس أمني

نحو تأصيل لعلم نفس أمني
ملخص:
لقد تناول البحث في ثناياه محاولة من قبل الباحث للتأصيل لفرع جديد من علم النفس يخدم الجانب الأمني على غرار علم النفس العسكري.
وقد هدف البحث إلى إرساء قواعد وأسس لبناء فرع جديد من فروع علم النفس التطبيقي، الذي يخدم مباشرة الفرد والمجتمع والمؤسسة الأمنية ويوفر غطاءً مناسباً للحياة الأمنية على جميع الأصعدة والمجالات.
وقد تبين من خلال البحث أن وجود علم نفس أمني قد كان من الأهمية لدرجة أنه أصبح حاجة ملحة لتغطي مختلف الأنشطة الأمنية عبر علوم النفس التي برزت الحاجة إليها من خلال الأهمية القصوى لهذا العلم لكونه يدخل في حياة الفرد والمجتمع والمؤسسة بشكل متلاصق ومتواصل.
وقد ظهر ضرورة متابعة البحث في هذا المجال ومواصلته باعتبار أنه محاولة بسيطة من قبل الباحث لتضع المتخصصين على بداية الطريق لهذا العلم الذي بالتأكيد سوف يخدم مجالا واقعيا وعلميا في علم النفس.

For founding of the security psychological science

Abstract:
Through this research, the researcher tried to establish new branch of psychology that could serve the security side similar to the military psychology.
The goal of this research is to settling the bases of a new branch of the applied psychology that could be employed in the service of the individuals, society and security institution and save suitable cover for the security life on all the fields and levels.
It was ascertained that the existence of security psychology science have great importance whereas it becomes a deed need to cover different security activities through the psychology science , the need for such science manifested because of its interrelation in the life of the individuals, society and security institution in a cohesive and continuous mode.
The research illustrated the importance in continuing the research in this field as it is considered as a simple trial from the researcher to lay the bases for the specialists in this field and pave the way for further researches that certainly could serve a scientific and practical field in the psychology.
خلفية البحث
مقدمة:
انه لأمرُ طبيعي يمليه الواقع الفطري والغريزي لأي كائن عضوي، أو أي منظومة اجتماعية تمثل هذا الكائن، سواء على المستوى الذاتي أو الاجتماعي، أو على مستوى العلاقات بين الدول وبعضها البعض، أن يبحث عن مصادر قوة وحماية داخلية وخارجية تحمية من الأخطار التي قد يتعرض لها. (عباس،2000: 6)
والتي من أبرز هذه الأخطار والمشاكل المهددة ” للوجود الإنساني، فقدان الأمن اللازم للإنسان، والذي يعايشة الإنسان في جميع مراحل حياته من الطفولة حتى الشيخوخة، وهذا الفقدان لا يعبر في كثير من الأحيان عن أي مستوي مرضي، بقدر ما يعبر عن كل تقدم يحرزه الإنسان ويشكل تهديدا وخطرا عليه، وعلي البشرية”. (البلبيسي،2002: 25)
وذلك باعتبار أن الأمن هو جوهر الحياة, ولا تستقيم الحياة في ظل غياب الأمن, لأن الأمن مفهوم واسع يستوعب في نطاقه معانٍ كثيرة ومتعددة، ولا يمكن أن ينحصر في مجرد التحرر من التهديد العسكري الخارجي، كما لا يمكن تحديد مفهومه فقط بسلامة الوطن وأراضيه وسيادته، وإنما يمتد إلى آفاق أوسع تشمل، معاني الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي الخ، حيث أن الأمن يرتبط بعلاقة ديناميكية جدلية بالاستقرار الداخلي والعدواني الخارجي. (عباس، 2006: 6)
ومن هذه العلاقة الديناميكية أن تطور الحياة وتعقدها، قد زاد من الحاجة للأمن، وزاد من الحاجة للعلوم النفسية، لما يوجد من ارتباط وعلاقة بين هذا العلم والحياة الأمنية، ونظرا لما للنفس البشرية من علاقات وطيدة مع الحاجات التي تمس جوهر وجودها، والتي تقف على رأسها الحاجات الأمنية والنفسية، حيث يمثل كلاهما خطا متلازما لوجود الإنسان. مما يؤكد مدى الالتصاق التام بين علم الأمن وعلم النفس، ومكانة وأهمية علم النفس للحياة الأمنية والعكس.
وهذا يؤكد بأن البحث في العلاقة بين الدراسات النفسية والأمنية ليس تهميشا للدراسات النفسية، بل أنها تتيح لهذه الدراسات التعرف على أهمية هذا الفرع من العلوم الإنسانية، وتسمح بفضاء أوسع لاختيار أحسن طرق مناهج البحث العلمي لدراسة لظاهرة. حيث تعتبر دراسة التراث الأمني من منظور نفسي هي بمثابة دراسة لمدى الإسهام الحقيقي الذي قامت به مدارس علم النفس في الحياة الأمنية، ومدى الانسجام بين عنصريها، مما يساعده في توليف فرعاً من فروع علم النفس يمكن توظيفه لمصلحة كلاهما، ويقدم للعلوم الإنسانية الأخرى يد العون والمساعدة, مما يجعل هذا الفرع من علم النفس ليس علماً منفصلاً أو متقوقعاً في مجال معين، بل نافعاً لجميع العلوم الأخرى.
وقد بدأ اهتمام الباحث بالموضوع بإدراكه أن علم النفس يغيب عن اغلب مجالات المجال الأمني، مما يتطلب عملاً يغطي ذلك، بالتوفيق بين هذين العلمين، ودمجهما في مجال يجمع بين كلاهما.
ومما شجع الباحث على القيام بهذا البحث -رغم إدراكه لصعوبة تناول مثل هذا النوع من البحوث التأصيلية- الحديث المتزايد عنه، وارتفاع الأصوات المشجعة لوجود علم تخصصي يتناولهما.
كما شجعه على المضي في هذا العمل، أنه قد يفتح قناة للحوار بين المهتمين بالعمل الأمني، والعاملين في الحقل النفسي، ليكونوا طرفا واحدا في هذا المشروع لرسم معالم جديدة لهذه العلاقة.
ومما شجعه كذلك أن هذا العمل قد يعمل على ردم الهوة الموجودة بين النظرية والتطبيق في مجال الدراسات النفسية والأمنية، والتي أوجدت غربه بين علم النفس والأمن، وولدت ضعف تجاوب مع الممارسة النفسية، لكون علم النفس في مخيلة البعض كلام نظري لا يتفاعل مع المشاكل الواقعية.
وهذا كله أكد للباحث الحاجة للتأصيل لهذه العلاقة الثنائية المميزة بفرع جديد من فروع علم النفس، يتناول هذا الارتباط بشكل علمي وموضوعي، ويدرس الظواهر التي تندرج تحته، ويكون فرعا مستقلا يدمج بين علوم النفس الحديثة, وبين العلوم الأمنية, فينشئ تأصيلاً يضمن له الاستقلالية.
ويعتبر الباحث أن هذا البحث مجرد مساهمة بسيطة في رسم ملامح العلاقة بين علم الأمن وعلم النفس، وان عملية التأصيل هذه بمثابة دراسة نظرية تهدف إلى وضع قواعد وخطوط عريضة قد تشكل محاولة جادة وجديدة لإنشاء فرعًا تطبيقياً من فروع علم النفس، نظرياً من حيث المنهجية، وعملياً من حيث الممارسة. وهو علم النفس الأمني، الذي يأمل الباحث أن يتم خروجه قريباً لحيز الوجود والواقع. ولهذا يعتبر الباحث أن هذا العمل لا يكتمل إلا بعمل الباحثين اللاحقين، التي تتناول أبحاثهم الظواهر الأمنية من منظار نفسي، أسوة بباقي فروع علم النفس الأخرى، التي يعتبر هذا الفرع أكثر إلحاحا وحاجة للتأصيل منها.
دواعي البحث في هذا الموضوع (مشكلة البحث): هذا البحث الذي يعتبر محاولة للتأصيل لعلم نفس أمني، يقوم على أسس، وقواعد علم النفس الحديث، ونظرياته، وهي محاولة يكمن وراءها العديد من الأسباب المدفوعة بالغيرة الشديدة والحرص على النهوض بالعملية العلمية، كما تمثل في جوهرها استجابة للمتطلبات النفسية والأمنية، لما لهذين العلمين من مكانة هامة في الواقع العملي.
مما جعل الحاجة ماسة وملحة لوجود مشروع لتأصيل علم نفس أمني، ليس فقط لتأكيد وترسيخ الأهمية لهذين العلمين فقط، بل ولسد الفراغ الذي يملأ الساحة العلمية بعدم وجود علم تخصصي يبحث الجوانب المشتركة بين هذين العلمين.
وعليه فقد صاغ الباحث مشكلة البحث في التساؤل الرئيس التالي:
ما مبررات التأصيل لعلم النفس الأمني؟ وينبثق عنه التساؤلات التالية:
ما العلاقة بين علم النفس، والعمل الأمني؟
ما مبررات القيام بعملية تأصيل لعلم نفس أمني، وأهميته؟
ما العلاقة بين علم النفس، والأمن الشخصي، والأمن المجتمعي، والأمن المهني؟
ما أهم المجالات المقترحة لفرع علم النفس الأمني بشكل عام، وفي المؤسسة الأمنية؟
ما العلاقة بين علم النفس الأمني، والمهارات والمقاييس النفسية في العمل الأمني؟
أهداف البحث:
التعرف على العلاقة بين علم النفس، والعمل الأمني.
التعرف على مبررات القيام بعملية تأصيل لعلم نفس أمني، وأهميته.
التعرف على العلاقة بين علم النفس، والأمن الشخصي، والأمن المجتمعي، والأمن المهني.
التعرف على أهم المجالات المقترحة لفرع علم النفس الأمني بشكل عام، وفي العمل المهني.
التعرف على العلاقة بين علم النفس الأمني، والمهارات والمقاييس النفسية في العمل الأمني.
أهمية البحث:
- تكمن أهمية البحث باعتباره يلبي حاجة مجتمعية تتطلب وجود فرع جديد من أفرع علم النفس التطبيقي باسم علم النفس الأمني، من حيث أهميته للفرد وللمجتمع، وللمؤسسة الأمنية.
- وقد تستفيد منه القيادة السياسية والأمنية والعسكرية في المجتمع من خلال التعرف على مفهوم الأمن من منظور نفسي .
- كما قد يستفيد منه الأكاديميون في دراستهم وأبحاثهم في المستقبل، المتعلقة بجوانب الأمن وعلم النفس.
- كما قد يثري هذا البحث المكتبة العربية من خلال التعرف على أهم جوانب العمل الأمني، وتفاعله مع علم النفس.
- كما قد يشكل هذا البحث رؤية علمية جديدة قد تشجع الباحثين على تناول موضوع الأمن بشكل يقدم ثقافة عامة في متناول القارئ.
مصطلحات البحث:
التأصيل لغةً: الأصل: أسفل كل شيء، وجمعه أصولاً ولا يكسر، وأصل الشيء: صار ذا أصل، واصل الشيء: قتله علماً، فعرف أصله، ورجل أصيل: له أصل. (ابن منظور،1119:م1-89)
التأصيل اصطلاحاً: أصل: أصالة، أصله: جعله ذا أصل. أصل جمع أصول أسفل الشيء، تأصل: صار ذا أصل، الأصول: هي القوانين والقواعد التي يبنى عليها العلم.(البستاني، 1986: 12)
علم لغةً: علم: من صفات الله، العلم نقيض الجهل، علم علماً، وعلم هو نفسه، ورجل عالم وعليم من قوم علماء فيهما جميعاً. وعلمت الشيء أعلمته علماً عرفته. (ابن منظور، 1119:م4-3083)
النفس لغةً: النفس يجرى على ضربين، احدهما قولك خرجت نفس فلان أي روحه، والآخر: معنى التنفس فيه معنى جملة الشيء وحقيقته. وتجمع أنفس. (ابن منظور، 1119:م5-4500)
النفس اصطلاحاً:” النفس هي مخلوق له كيانه الخاص وصفاته ومميزاته”.. وهي كلمة تدل على الإنسان، وهو مركب من روح وجسد”. (الشريف، 1987: 37)
علم النفس اصطلاحاً: هو ذلك العلم الذي يبحث السلوك ويدرس الخبرة، ويقصد بالسلوك هنا السلوك الظاهر، ويقصد بالخبرة النشاط الذاتي الذي لا يشعر به إلا الفرد لذاته.(عسكر،1991: 1)
الأمن لغةً: الأمان، والأمانة بمعنىً قد أمِنتُ فأنا أمِنٌ, وآمنت غيري من الأمن والأمان. والأمن: ضد الخوف. والأمانة ضد الخيانة. والإيمان: ضد الكفر. (ابن منظور، 1119:م3-2052)
أمن الأمانُ،أمِن: من باب فهم وسَلم وأماناً، وأمَنة بفتحتين فهو آمِن، وآمَنه غيره من الآمن والأَمَان والأيمان: التصديق والله تعالى المؤمن لأنه آمنَ عباده من أن يظلمهم. (الرازي،ب-ت: 26)
الأمن اصطلاحاً: يعرف الأمن البعض بأنه ” يقصد به كل ما يطمئن الفرد على نفسه وماله”. (عجلان، ب-ت: 135)
ويعرفه آخرون بأنه “الأمن ضد الخوف، لقولة تعالى ” أأمنتم من في السماء ” أي هل أمنتم عقاب الله إن أنتم عصيتموه”. (السلمان, 1981: 346)
وقيل بأنه “مفهوم يشير لمجتمع شعر أفراده بحاجاتهم إلى الأمن فقاموا بإجراء استعادوا به أمنهم”. (نافع، محمد:1992: 30)
وهو مصطلح “يشتمل إجراءات الأمن الدفاعية التي يتم اتخاذها من قبل كافه القيادات والإدارات المعينة والتي تهدف حماية المعلومات من البحث العلني والسري والمنشئات من التخريب والأفراد من الأنشطة الإجراءات الايجابية التي تتحدها أجهزة الأمن”.(جامعة مؤتة،:1996: 5)
وعرفه المشاط بأنه “حالة يوجد بها الإنسان لتستثار فيها دوافعه الغريزية للدفاع أو الهرب أو العدوان، وهذه الحالة كما توجد في أفراد توجد في الجماعة”. (المشاط، 1987: 16)
وعرفه نافع بأنه “الشعور الذي يسود الفرد أو الجماعة بإشباع الدوافع العضوية والنفسية، واطمئنان الجميع بزوال ما يهددهم من مخاطر”. (نافع،عبد الكريم:1975: 29)
واعتبر قدورة “أن حاجة الإنسان الغريزية للأمن تدفعه إلى الدأب في السعي لاستكشاف البيئة المحيطة به سواء كانت بيئة مادية أو اجتماعية للتعرف عليها، والتفريق بين النافع والضار فيها، بحيث يشبع حاجته إلى الأمن”. (قدورة،1997: 12)
وأعتبر ووالتر بأن ” الدولة تكون آمنة حينما لا تضطر للتضحية بمصالحها المشروعة لتجنب الحرب”. (ووالتر،1984: 31)
التعريف الإجرائي لعلم النفس الأمني: هو”أحد فروع علم النفس التطبيقي الذي يغطي مجال النشاط الأمني، ويعالج المشكلات السلوكية والنفسية لرجل الأمن عبر برامج تدريب وإرشاد وعلاج نفسي.
منهج البحث: سيحاول الباحث الإجابة عن مشكلة البحث، وفق المنهج الوصفي التحليلي، الذي يدرس الموضوع ويفسره ويحلله في ضوء معطياته، ويقدم الحلول والتوصيات المناسبة لذلك.

المبحث الأول: علم النفس والأمن، وأهمية التأصيل لعلم النفس الأمني
أولاً: علم النفس وعلاقته بالأمن:
إن الحياة لا تقوم بدون ترابط بين عناصرها ومكوناتها، وبالتالي فان هناك علاقة وطيدة بين علوم الحياة مع بعضها البعض بشكل عام، ومع علوم النفس بشكل خاص، وهذا الترابط لم يفد هذه العلوم فقط، بل ساعدها كذلك على التطور والتقدم والاتساع والشمول في الواقع أكثر من قبل. ولكون علم النفس علما له علاقة بجميع مجالات الحياة، وبجميع العلوم النظرية والتطبيقية، فقد أصبح من الأهمية بمثابة ملح الطعام لهذه المجالات والعلوم، حيث غطي مساحه واسعة تشمل أغلب حاجات الفرد والمجتمع.
وأما جوهر العلاقة بين علم الأمن، وعلم النفس، فهي علاقة تكاملية لا تقوم على علاقة من طرف واحد، وإنما هي علاقة تفاعل -تأثير وتأثر- تعود بالنفع ليس فقط على علم الأمن، بل أيضاً على علم النفس ذاته، من خلال إتاحة الفرصة له لإجراء الكثير من البحوث والدراسات والتجارب داخل المؤسسة الأمنية، وخارجها بشكل عملي وتطبيقي، مما قد يضيف لرصيده العلمي معلومات جديدة وهامه. حيث أن من المعلوم أن أغلب فروع علم النفس قد أنشئ في الحقيقة من خلال هذه العلاقة التبادلية والتكاملية بينه وبين العلوم الأخرى. ولذا ” ليس غريبا أن نقول أن جميع المعلومات المستمدة من جميع فروع علم النفس النظرية والتطبيقية يمكن استخدامها في المجال العسكري (وغيره) ابتداء من النمو ونظرياته، والقيادة وأنماطها، والحواس ومداها، والروح المعنوية، ومؤثراتها ومؤشراتها، إلى كل موضوعات علم النفس الاجتماعي الاتجاهات والميول الشخصية وعلم النفس المرضي والأعراض والاضطرابات النفسية..الخ”. (العيسوي، 1999: 5)
وقد يتساءل البعض عن كيفية أن يشكل علم النفس الأمني, فرعاً أو قسماً جديداً من علم النفس. وأجيب بان جميع العلوم كانت دوماً في البداية كلاً متصلاً, فقديما لم يعرف حد فاصل بين علم النفس والفلسفة, ولكن مع تطور الحياة وتقدمها وتكدس العلوم, احتاج ذلك العلم أن يطرح من أحشاء الفلسفة علماً جديداً يسمى علم النفس, ومع تقدم وتكدس العلوم النفسية احتاج الواقع العلمي تولد أقسام وفروع شرعية لهذا العلم, فكان على سبيل المثال لا الحصر “علم النفس الفسيولوجي” الذي ربط الجانب الفسيولوجي “علم وظائف الأعضاء” بعلم النفس “علم دراسة السلوك” وأعتبر بأنه ” علم التطور الكبير الذي حصل لعلم النفس وانبثقت عنه فروع أخرى حاولت قدر الإمكان توظيف مبادئ وقوانين ونظريات علم النفس في المجالات العلمية الأخرى, وخصوصا تلك التي ترتبط مباشرة بالسلوك الإنساني, فظهر ما يسمى بعلم النفس الفسيولوجي”. (الخطيب، 2005: 4)
كما أنتجت العلاقة -على سبيل المثال- بين علم الجريمة وعلم النفس، فرعاً جديدا سمي (بعلم نفس الجريمة) استطاع العلماء من خلاله أن يجروا أبحاثا ودراسات في عالم الجريمة، أفادت في تطوير رؤية سيكولوجية للشخصية السيكوباتية، تم رسم بها خطوطا للتعامل والسيطرة على هذه الشخصية وبهذا استطاع علم النفس ليس فقط أن يقدم خدماته لعلم الجريمة بل أيضا ساعد نفسه على التقدم والتطور. وهذا ليس حكراً على فروع علم النفس بل هو خاصية علمية لجميع العلوم التي تقيم جسور من العلاقة بين عمليتين لتخرج بتوليفه علمية جديدة تكون بمثابة مركب لهذا العلم، تخدم المجالات التي لها علاقة بهذين العلمين. وهذا ما يحاول الباحث الوصول إليه من خلال توليد فرع جديد من علم النفس من خلال العلاقة بين علم النفس وعلم الأمن، يمكن تسمية بعلم النفس الأمني.
ثانياً: أهمية التأصيل لعلم النفس الأمني:
تنطلق أهمية التأصيل لهذا العلم من الأهمية الذي يشكله الأمن في حياة الناس، فالحاجة إلى الأمن من أهم الحاجات النفسية للأفراد والجماعات، ومن أهم الدوافع المحركة للسلوك في هذه الحياة، وكذلك من أبرز الحاجات الأساسية اللازمة للنمو والتوافق النفسي السوي لكلٍ من الفرد والجماعة.
ومن بعض هذه الأهمية لعلوم النفس أنه يمكن توظيفها في المجال الأمني، وإنتاج من خلالها فرع علم النفس الأمني -على غرار ذلك التوظيف الذي تم في المجال العسكري وأنتج فرعاً سمي بعلم النفس العسكري- حيث أن هذا الفرع من علم النفس الذي نحن بصدد التأصيل له، سوف يقدم خدمات مهمة للعمل الأمني، عن طريق تسخير علومه ونظرياته التي يمكن أن تفيد في مجال الإدارة، وأساليب التعليم والتعلم الحديث, وبرنامج التعزيز والعقاب المناسب مع الحالة النفسية، وتكوين العادات والاتجاهات, وكذلك في التوجيه والتدريب المهني، وتوظيف المقاييس والاختبارات النفسية والعقلية في المجال الأمني, ودراسة الأمراض النفسية والعقلية بين أفراد الأمن, ومتابعة المشكلات النفسية والاجتماعية لرجل الأمن، ومواجهة أساليب الحرب النفسية والدعاية, ورفع الروح المعنوية للعاملين في العمل الأمني, إلى غير ذلك من الأمور المهمة للمجال الأمني.
لأن المجال الأمني اليوم يعتبر عنواناً مهماً, ومجالاً خصباً, تولى له جميع الدول أهمية كبيرة وقصوى, وتزداد الأهمية له في الدول التي يتعرض أمنها للخطر, وتهتز المنظومة الأمنية فيها, فيغدو الفرد والمجتمع على حدٍ سواء عرضه للخوف وانعدام الأمن والأمان فيها.
ولهذا فان الأهمية للتأصيل لهذا العلم، أنه يخدم هذا المجال الأمني الهام للمجتمع، ويخدم طبيعة العمل الأمني نفسه في المؤسسة الأمنية، حيث يتعرض العاملون فيها لاضطرابات مختلفة المصادر ومتعددة المجالات، نتيجة للضغوط التي يتعرض لها رجل الأمن، كالإغراق في المركزية، وعدم استقلالية الأداء، وعدم المشاركة في اتخاذ القرار، وسرعة التطور في المجال المهني الأمني، إضافة لما يتطلبه العمل من مواجهة مباشرة مع الناس، وعدم الفهم من قبلهم لطبيعة العمل الأمني، والنظرة المحبطة للجهود المبذولة من قبل رجل الأمن في مجال هذا العمل، وغير ذلك من العوامل التي تشكل على العاملين في مجال الأمن التوتر الدائم، وتترجم بالتالي لردود أفعال إحباطية قد تشكل فيما بعد مخاطر نفسية جمة على أداء وسلوك رجل الأمن، مما يؤكد على الضرورة الملحة لوجود جانب نفسي يعمل في المجال الأمني، يتم توظيفه لتلبية هذه الحاجات والاحتياجات.
ولكون علم النفس غني بالعديد من المصادر التي تشكل منهجًا فياضًا بالمواد الثرية وبالوسائل اللازمة لتغذية التأصيل، ابتداءً من مصادر وقياس ومباحث قد يستفيد باحث علم النفس منها في إقامة دراسته على الأدلة المتفق عليها، والاستفادة من مناهج البحث العلمي في التأصيل لعلم نفس مشترك مع علوم أخرى مثل العلوم الأمنية. وذلك باعتبار أن الأساس في عملية التأصيل لأي علم، هو إيجاد وحدة ثقافية في الدراسات، تتناول مدى الحاجة إلى الربط بين الجوانب النظرية والعملية داخل أوساط علم النفس، وهذه الحاجة تدفع بالضرورة للتأصيل.
ويرى الباحث أن محاولة التأصيل لعلم النفس الأمني من الأهمية التي ترتقي دراسته والانشغال به إلى مرتبة الضرورة لأن التعقد الهائل في الحياة المعاصرة وتشابك الاحتياجات وتعددها أدى إلى هذه الضرورة. وأن رفض ذلك هو تجاهل لمكانته ودوره، وإغفال للعلاقة التي يجب أن تكون بين العلوم وهي علاقة تعود على الإنسان والحياة بالنفع.
ولذا ييسعى الباحث لأن يبرز فرع جديد من علوم النفس -أسوة بما يسمى علم النفس العسكري- يغطي به الاحتياج المهم والملح لأجهزة الأمن, على الرغم من أن المكتبة العربية بشكل عام, والأمنية بشكل خاص، تكاد تخلو من هذا العلم الذي يغطي الجانب السيكولوجي للحياة الأمنية، والذي يمكن تسميته بعلم النفس الأمني الذي نحن بصدد تأصيل له في الواقع ليصبح فرعاً مستقلاً, فإنه لابد له أن تبدأ محاوله من أجل ذلك لكي تحدث نقلة نوعية في حياة الفرد والمجتمع، والمؤسسة الأمنية على حدٍ سواء. وهذا هو الذي جعل الباحث -باعتباره متخصصاً أكاديمياً في مجال علم النفس, وخبيراً أمنياً من خلال التجربة والمهنة- لأن يكرس نفسه للعمل على التأصيل لفرعاً جديداً مستقلاً في مجال علم النفس, وفي مجال الأمن يطلق عليه (علم النفس الأمني). ويعتبر ذلك عملاً أولياً متواضعاً على الطريق, يمهد لمحاولات لاحقه للاستمرار في بلورته حتى يصل إلى المستوى اللائق به, ويلحق بركب أفرع علوم النفس الأخرى التي سبقته، ويتمكن من توفير غطاء نفسي للعمل الأمني، يخرجه من دائرة الجمود والآلية إلى لحيز الحياة الديناميكية
المبحث الثاني: علم النفس والأمن الشخصي، والشعبي، والمهني
أولاً: علم النفس والأمن الفردي (الشخصي):
إن أمن الأفراد عبارة عن ” مجموعة الإجراءات التي يتخذها المسئولون عن الأمن لضمان وعي وولاء العاملين بالمنشأة وعدم تسرب المعلومات المتداولة من خلالهم”. (درويش، ب-ت: 51)
وأما مفهوم الأمن النفسي فيعني “الطمأنينة النفسية والانفعالية، وهو حالة يكون فيها إشباع الحاجات مضموناً وغير معرّض للخطر. والأمن النفسي مركب من اطمئنان الذات والثقة بها، مع الانتماء إلى جماعة آمنة”. أي “أن الشخص الآمن هو الذي تكون حاجاته مشبعة والمقومات الأساسية لحياته غير معرضة للخطر ويكون في حالة توازن أو توافق “. (حسن، 2006: 34)
والأفراد الأمنين نفسيا “يمكنهم الإسهام مع أجهزة الأمن، في وقاية أنفسهم وغيرهم من الجريمة، وتقديم العون في الكشف عن الجريمة ومرتكبيها في حالة وقوعها، وذلك عن طريق المحافظة على أدلتها والإرشاد عن الجناة وضبطهم، ومن خلال الشجب الاجتماعي للأعمال المخلة بالقوانين والأنظمة”. (المنشاوي، 2003: 54)
ويساهم وجود علم النفس الأمني -من خلال الأمور التي سوف يتناولها- في التعرف على أهمية الأمن النفسي الشخصي، وعلى طبيعة ودور الأمن النفسي، وخطورة افتقاد الأمن النفسي، والتعرف على الأمور التي تهدد هذا الأمن النفسي، والعوامل والعناصر المهددة له، سواء عوامل داخلية، نفسية: كالتوحد مع المعتدي، وفوبيا المواجهة، والسلوك الإنسحابي، والسلوك الاستسلامي. وبيئية (ثقافية، واقتصادية واجتماعية) أو عوامل خارجية: (الحروب والنزاعات) أو انتكاسات أمنية داخلية: (تهديدات وأنماط سلوكية سلبية) إضافة إلى كيفية مواجهة انعكاسات مهددات الأمن النفسي وأسس تحصين الشخص باعتبار أن “الشخص الآمن نفسيا يشعر أن حاجاته مشبعة، وأن مطالب نموه محققة وأن المقومات الأساسية لحياته غير معرضة للخطر، وهو يكون في حالة توازن أو توافق أمني. فالحاجة للأمن من أهم الحاجات النفسية، ومن أهم دوافع السلوك في الحياة، ومن الحاجات الأساسية اللازمة للنمو النفسي السوي، والتوافق النفسي والصحة النفسية وهي محرك الفرد لتحقيق أمنه، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بغريزة المحافظة على البقاء”.(شرطة جدة، 2003: 1)
وهذا يعضد من أهمية التأصيل لعلم النفس الأمني، الذي يسعى لتوفير الوئام الذاتي الداخلي لرجل الأمن مع ذاته ومع الآخر من حوله بان يجعل استجابات انفعالية جيدة، وبالتالي فان التمتع بحالة من الاستقرار والأمن مطلب جد هام، حيث هناك من المؤثرات التي تحيط بالعمل الأمني ما يؤدي لعمل توترات داخلية تعيق صحة رجل الأمن “فافتقاد الأمن النفسي خطيرعلى الفرد والمجتمع، لكونه يتعرض لعوامل ضاغطة متنوعة، ويزداد الخطر جراء الحروب والكوارث والانهيارات في منظومة القيم والجوانب الاقتصادية والسياسية، فيخرق نظام الأمن النفسي والاجتماعي..الأمر الذي يستلزم تحديد تلك المهددات التي تخرق الأمن النفسي، والتعرف عليها، والتعامل معها بموضوعية.
وهذا يتطلب وجود علم يهتم بذلك، وهو فرع علم النفس الأمني، (تكميلاً لمبادئ الدين والأخلاق) الذي يرسم لرجل الأمن البعد الأخلاقي والنفسي، ويجعل من تفكيره وسلوكه منظومة أخلاقية، تحمل كل معاني الفداء والتضحية، والتفاني في خدمة الآخرين، على الصعيد الذاتي بنظافة القلب واليد واللسان. كما يبين معالم العلاقة بين رجل الأمن وذاته، وبين ذاته والآخرين، ويصقل نفسيته بشكل توافقي مع رغبات النفس، ومع رغبات المجتمع. ويعمل على تحرير رجل الأمن من مشاعر الطمع والجشع والأنانية والتكالب والنظر لما في أيدي الناس.
ويجعله يمتلك قوة داخلية يستطيع من خلالها ضبط نفسه وشهواته، ويقوم بإصلاحها وتوجيهها لما فيه خير الصالح العام من خلال ضبط انفعالاته وميوله. ويوظف كل طاقته الداخلية ليحرر نفسه من ذلك، ويبذر بذور الأمن النفسي الداخلي لذاته قبل أن يبرزها للآخرين. وهذا يؤدي لبناء نفسي لرجل الأمن بصورة تجعل منه نموذجا يحتذي به، ونبراسا وعلما يقتدي به.
ثانياً: علم النفس والأمن المجتمعي (الشعبي):
إن مفهوم الأمن الاجتماعي (الشعبي) هو أحد أعقد المصطلحات، والفهم الأبسط لهذا المصطلح يعني “العمل على رصد ومراقبة متغيرات الأمن الاجتماعي عبر تحري مستوى مشاعر الأمان لدى أفراد مجتمع ما. هذه المشاعر التي تتدنى إلى حدودها الدنيا في المجتمعات المتعرضة للكوارث والمهددة بها سواء كانت هذه الكوارث طبيعية أو اصطناعية واقعية أم متخيلة”. (الشربيني، ب-ت: 11)
وتحقيق الأمن الجماعي ليس بظاهرة جديدة تميز الحياة المعاصرة، بل أنها رافقت ظهور المجتمع البشري في مختلف مراحل تطوره. فالأمن الشخصي والمجتمعي ممتداً في كل المراحل التاريخية، مما يبين أن أهمية الأمن للمجتمعات لم يبدأ في العصر الحديث ولكنه قد أصبح أكثر اتساعاً وعمقاً.
وهذا قد فرض تعقيداً إضافيا لهذه الحياة، التي تتعرض لأحداث أمنية تشكل تهديدا بارزا وملموسا , مما يتطلب إطلاق مشاعر نفسيه قويه تجاه هذه المهددات من قبل جميع أفراد الشعب، بإطلاق الدفاعات النفسية المكنونة داخل النفوس لمواجه هذا التهديد المباشر علي أمن المجتمع. مما تطلب تدخلاً أكبر من العلوم، وعلى رأسها علم النفس، لحل هذه المشكلات، فيشحذ الهمم, ويولد حالة نفسية جديدة تطلق من خلالها شحنات نفسية داخلية تحمي الفرد من هذا التهديد الأمني لوجوده.
ولهذا السبب أصبحت الحاجة للرعاية النفسية المجتمعية ضرورة من ضرورات الحياة العصرية، وأصبح المجتمع بحاجة ماسة إلى العلوم النفسية كلها، بحيث يغطي كل علم منها مجال تخصصه، ويعمل على حل مشكلات الحياة اليومية المختلفة التي تواجهه، وبالتالي يسعى علم النفس الأمني، كغيرة من العلوم النفسية (باعتباره فرع من فروع علم النفس التطبيقي، وجزء لا يتجزء من هذه العلوم) إلى توفير الحماية الأمنية للمجتمع كله، من خلال توفير وتامين أجواء الأمان والاستقرار والسكينة وعدم الخوف. مما يدعم الفرد في مواجهة مخاوفه الأمنية والمستقبلية, وينعكس وبالتالي علي المجتمع، باعتبار الأمن الفردي والجماعي متداخلان، ومكملان لبعضهما البعض، فأمن الفرد هو أمن الجماعة، وما يفسد أمن الفرد يفسد بالتأكيد أمن الجماعة، والعكس صحيح، لكون الأمن الاجتماعي هو محصلة تراكم خبرات الأمن الفردي.
ولذا يجب تعميم نظرية الأمن الشعبي لدى جميع المواطنين بحيث تكون مطلب جماعي وشعبي، وهذا يتم عبر التنسيق بين جميع الفئات والطبقات والأحزاب والمنظمات المدنية وغير المدنية في المجال الميداني الأمني، -ليس بأقل ما يحدث في الدولة اليهودية حيث إننا نرى في واقع هذه الدولة، أن جميع اليهود هم بمثابة عين ساهرة على أمنهم، خاصة وأن من طبيعة كيانهم أنه لا يوجد حد فاصل فيه بين المدني والعسكري، فالسكان اليهود جميعاً هم مدربون تحت طلب الخدمة العسكرية الاحتياطية، والمخابراتية، ويعتبرون جميعاً جنوداً في الجيش الإسرائيلي عند الحاجة، أو في لحظة الخطر، مما يجعل الحضور الأمني موجوداً في كل مرافق الحياة، بدءاً من عمال المخازن والدكاكين وسائقي السيارات، حتى أعلى أجهزة الدولة. (عباس، 2004: 235)
ثالثاً: علم النفس والمؤسسة الأمنية:
نتيجة للتطور والتقدم في المجال الأمني والنفسي الذي يشهده العلم اليوم، أصبحت المؤسسات الأمنية ” مؤسسات علمية واجتماعية وإدارية متكاملة، وتستخدم المنهج العلمي في انتقاء الأفراد اللائقين صحياً ونفسيا وتوزيعهم على أفرع المؤسسات الأمنية حسب قدراتهم الذهنية والنفسية والعلمية والمهنية، وفي عمليات الحرب النفسية دفاعاً وهجوماً، والقيادة والتمويه وعلاج الأمراض النفسية والجسدية والاضطرابات السلوكية وعمليات الإدراك الحي”. (سامح، ب-ت: 32)
لأن العمل الأمني اليوم بات يشكل كياناً متكاملاً, وتجمعاً عضوياً حيوياً, لا يمكن الفصل فيه بين المجال الأمني والنفسي, حيث ” يشكل في جميع الدول قاطبة، ليس عملاً مستقلاً, أو مجالاًً منعزلاً عن الحياة المدنية, بل أصبحت المؤسسة الأمنية إحدى مؤسسات المجتمع المدني, التي تضم في طياتها, جميع ألوان الطيف المجتمعي, وجميع نخب وطبقات المجتمع”. (المنشاوي، 2003: 12)
وهذا يؤكد بأن “مرفق الأمن لا يخرج عن كونه مرفقا من مرافق الخدمات العامة التي تضطلع بها الدولة، وكان يمكن أن يحكم بالعمل الإداري وبنفس القواعد التي تحكم إدارة أي عمل حكومي آخر، إلا أنه نظراً لأن طبيعة العمل الإداري فيه تتميز عن طبيعة الأعمال الحكومية الأخرى. (المراسي، 1994: 7)
وهكذا نرى بأن المؤسسة الأمنية عبارة عن خليط من الناس تشكل مجتمعاً صغيراً ينبض بكل معاني الحياة التي يتكون منها المجتمع الكبير، الذي هو بالتالي خليط من الأمزجة والآراء والأفكار والمواقف والميول والاستعدادات والهوايات والرغبات، ولكي تتقارب هذه جميعاً وتتجانس, لابد أن يتدخل فرع علم النفس الأمني، ليقدم حلوله وآرائه لرسم معالم صحيحة ومتناسقة لهذا الواقع. فمثلاً
يتدخل هذا العلم لحماية المستجدين من المنتسبين إلى المؤسسة الأمنية، من التعرض لأمراض انفصام الذات، جراء بعض الأخطار المهنية التي تواجهه فجأة جراء انتقاله لهذه الحياة الجديدة التي لم يتعود عليها بعد. بحيث يغيب وتذوب معانيه الذاتية الإنسانية في الكيان الكلي للمؤسسة، وهذا الأمر ينبع من طبيعة المؤسسة الأمنية نفسها، التي تحاول تطبيق قواعد عسكرية صارمة على رجل الأمن، بمجرد التحاقه بهذه المؤسسة، والذي من المفترض قبل سحب نمط الحياة العسكرية عليه أن يتم تأهيله نفسياً لمثل هذه الحياة. فيجب أن يخضع في البداية لأوامر وقواعد عسكرية اقرب للمرونة منها من تلك التي تمتاز بالصرامة والشدة. لأن حياة رجل الأمن تتراوح بين المدنية والعسكرية، وبالتالي فإن القواعد التي يجب أن يخضع لها يجب أن تكون من المرونة ما تقارب العمل المدني، ومن الحزم ما تقارب العمل العسكري، رغم كونها لا هذه ولا تلك. لكون رجل الأمن يعيش نصفه فرضا في ثكنته الأمنية, ونصفه الآخر في مجتمعه, مما يتطلب تدخل علم النفس في حياته لكي ينظم له هذين النصفين، وإلا دخل في أخطر الأمراض النفسية, كونه قد لا يستطيع التوفيق بين ذاته ومحيطة. وهذا التوفيق والتكيف بين بيئة العمل والمحيط الاجتماعي للفرد ليس حكراً على من يعمل في المؤسسة الأمنية، وإنما على كثير من الأعمال الأخرى والحاجة لهذا التكيف تزداد أكثر بهذه المهنة لحجم الضغوط التي يتعرض لها رجل الأمن داخل وخارج المهنة.
ولكن بتقديم المساعدة من قبل علم النفس، وبمرور الوقت يجد الفرد نفسه رويدا رويداً يعود لحالته الطبيعية، لأن بداية الالتحاق بالمؤسسة الأمنية هي لحظة صعبة عليه، لعدم قدرته على التأقلم فيها، ولكن صحة التوجيه والرعاية من قبل القائمين على هذه المؤسسة، ومن قبل المتخصصين في علم النفس سرعان ما يعيد الشخص لحالته الطبيعية، ويوفر له الأمن والسلام مع الذات ومع الآخر، كي لا يحتدم الصراع الداخلي بينه وبين وذاته، أو بينه وبين الآخرين. (عباس، 2003: 42)
المبحث الثالث: مجالات اهتمام دراسة فرع علم النفس الأمني
أولاً: أهم المجالات المقترحة لاهتمام فرع علم النفس الأمني بشكل عام:
مكافحة التجسس والتعامل مع العدو: إن التجسس والتعامل مع العدو من أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة والمجتمع، باعتبارها تعتمد على خيانة البلد، بجمع المعلومات المهمة لمصلحة عدو البلد.
وعملية التعامل باعتبارها ظاهرة سلبية، أو موقف سلبي، هي عبارة عن خليط من التفاعل بين المكونات الداخلية التي شكلت شخصية الفرد، بما تشمل عليه من صفات وسمات شخصية، وبين العوامل الكامنة التي أنشأتها العوامل الاجتماعية السيئة كالتنشئة الاجتماعية الخاطئة، والعوامل الاقتصادية والتعليمية السيئة بالإضافة إلى الموقف الضاغط، فإذا تناغمت المواقف الضاغطة ولاقت قبولاً واستجابة مع المواقف الكامنة، تحدث الاستجابة السلبية. (عباس، 2000: 39)
وأحد هذه الاستجابات وأبرزها، ظاهرة التجسس والتعامل مع العدو، باعتبار أن أي ظاهرة اجتماعية إنما هي انعكاساً للواقع الاجتماعي، وهي عبارة عن ظاهرة اجتماعية تمثل مشكلة اجتماعية يخلقها المحتل، وينشط عواملها الكامنة، ويوفر مناخ مناسب لها يكفل نماءها وبقاءها.
وبالتالي فان وجود فرع علم النفس الأمني، ضروري لتناول هذه الظاهرة الخطيرة، التي يشكل العامل النفسي أبرز وأهم معالمها، حيث يعمل هذا العلم على تناول هذه الظاهرة بالبحث والدراسة والتحليل، بأسلوب جديد من خلال الربط بين العلوم الأمنية النفسية، والخروج منها بفائدة عملية، من أجل الوقوف على الأرضية التي يساعد بروزها، ويؤدي نمائها، لإدراك متغيراتها والعلاقات التبادلية فيها. بالتعرف عليها بشكل علمي وموضوعي، والتعرف على الدوافع والعوامل التي تحركها، وفق منهج مدروس، من أجل تطويق آثارها وتجفيف منابع وروافد بقاءها.
نظرية التحقيق في السجون: يمثل التحقيق “مجموع المواقف الضاغطة التي يتعرض لها المعتقل على المستوى الجسدي والنفسي والعقلي، عبر طرق ووسائل وأساليب إجرائية، تنتهجها الأجهزة الأمنية، في استجواب واستنطاق المعتقلين، للوصول إلى المعلومة المطلوبة”.(عباس، 2005: 22)
ومن ضرورات وجود فرع علم النفس الأمني أنه يناقش أهم الوسائل والأساليب المعتمدة في التحقيق في سجون الاحتلال، بنقل واقع التحقيق كما هو، وبالقراءة الموضوعية للتجربة الاعتقالية باستخدام وسائل علمية تتمثل في الملاحظة والتجربة بشكل مباشر، من خلال المقابلات المغلقة والمفتوحة المباشرة وغير المباشرة، وغيرها من الوسائل والأساليب العلمية. وعليه فسوف يفيد وجود علم نفس أمني على المستوى المعرفي، توفير تحليلاً‏ أعمق‏ لجملة‏ المعطيات‏ والحيثيات‏ التي‏ تحكم‏ السلوك‏ البشري‏،‏ وفهم‏ نمط‏ العلاقة‏ التي‏ تربط‏ المعتقلين‏ فيما‏ بينهم‏ داخل التحقيق‏، وإدراك قدراتهم في الصمود،‏ مما قد يساعد‏ في‏ إلقاء الضوء‏ على‏ طبيعة‏ وسائل وأساليب عمل‏ الأجهزة القمعية‏ الصهيونية في استخلاص المعلومات من أفواه المعتقلين‏. كما سوف يفيد وجود علم نفس أمني على المستوى التعليمي، من التحذير‏ من‏ هذه‏ الأساليب، وتقديم‏ النصائح لما‏ يجب‏ أن يقوم‏ به‏ المعتقل، والإرشاد للصفات‏ التي‏ يجب‏ أن ينميها‏ المعتقل لديه، من خلال الاطلاع على تجارب‏ الآخرين،‏ وأساليب الشعوب‏ المختلفة‏ التي‏ عاشت‏ وضعاً‏ يشبه‏ الوضع الذي نعيشه في ظل الاحتلال، بحيث نستطيع أن نرصد التجارب‏ التي‏ تم معايشتها عبر الخبرات‏ الشخصية المباشرة‏ لنا، أو عبر خبرات‏ الآخرين، التي نتعرف من خلالها على كيفية التعامل مع طرق‏ التحقيق‏ الصهيونية، والوسائل‏ والأساليب المتبعة فيها. كما سوف يفيد وجود علم نفس أمني على المستوى الوقائي، من تقديم شرح‏ لطرق وسبل‏ الوقاية‏ من الوقوع في الاعتراف عبر أقبية التحقيق، وخاصة فيما يتعلق بغرف العار والعملاء، وأساليب الخداع المستخدمة فيها.
علم النفس الأمني والحرب النفسية: تمثل الحرب النفسية عمليات تفاعل بين طرفي هذه العملية، تأثير أو تأثر متبادل بين المنفذين والمستهدفين، باعتبار أن جوهر هذه العملية هو إضعاف الروح المعنوية للأشخاص، باعتبار أن كل الجهود التي تبذل في مختلف أساليب الحرب النفسية تهدف بالأساس إلى أضعاف الروح المعنوية، وخلق الروح الانهزامية لديه. ويسعى علم النفس الأمني في المقابل إلى رفع مستوى الروح المعنوية لدى جميع أفراد المجتمع بشكل عام، والأفراد العاملين في المؤسسة الأمنية والعسكرية بشكل خاص.
وتشكل المؤشرات التالية على ارتفاع الروح المعنوية للمجتمع، كاتجاه أعضاء الجماعة نحو التوحد والتكتل مع بعضهم البعض -ليس نتيجة لضغط خارجي بل نتيجة لتماسك داخلي- وعدم وجود الاحتكاكات والمناوشات التي تسبب انشقاق أفراد الجماعة وانفصالهم عن كيانها، ووجود قدر كاف من التخاطب الفعال والتفاعل البناء والتأثير المتبادل بين أفراد الجماعة، ووجود تناسق واضح بين الأهداف الفردية للأعضاء وأهداف الجماعة، وعدم وجود أهداف فردية متعارضة بتوفير اتجاه إيجابي من أعضاء الجماعة نحو الهدف الرئيس للجماعة والسعي لتحقيقه بأفضل صورة ممكنة.
وهذا يتطلب علم متخصص للتعامل مع هذه الأمور التي يتم استخدامها في الحرب النفسية، وهو علم النفس الأمني، (وهو أولى من علم النفس الاجتماعي بها) الذي تعتبر الحرب النفسية وأدواتها أهم المجالات التي سوف يتم التعامل معها بشكل نظري وعملي، للحاجة الماسة لذلك، مثل: التعرف على أهداف الحرب النفسية، وأدواتها كالنشرات وغيرها، وخصوصاً في وقت الحرب، وأسس الحرب النفسية، ومجالات الحرب النفسية، وأساليب الحرب النفسية، والتدريب على أساليب مواجهة الحرب النفسية والتحصين الأمني منها، ومدى خطورة تعميم إشاعات العدو، وخطورة الثرثرة بالمعلومات وعدم السرية في الأمن، وكيف يستفيد العدو من المعلومة العامة، والوسائل التي تحرم العدو من اقتناص المعلومة” لما لهذه المواضيع من علاقة بأمن ومستقبل الفرد والمجتمع والمؤسسة يجب أن تصنف في مجالات علم النفس الأمني وليس السياسي أو الجنائي أو العسكري، لأن الأمن هي حاجة دائمة لا يمكن الاستغناء عنه في حال السلم أو الحرب. (عباس، 2003: 39)
علم النفس الأمني وغسيل الدماغ : تعتمد فلسفة غسيل المخ أو الدماغ على أن الإنسان عندما يتعرض لظروف قاهرة وصعبة، تصبح خلايا مخه شبه مشلولة عن العمل والمقاومة، وقد تصبح عاجزة عن الاحتفاظ بما اختزنه من عادات، لدرجة أن مقاومتها للأذى والتهديد الواقع عليها قد ينقلب إلى تقبل واستسلام للإيحاء لعادات جديدة، وانعكاسات غريبة عن كيانه. أي أن غسيل الدماغ موجة بالدرجة الأولى إلى تغيير اتجاهات الشخص، والاتجاهات تتكون لدى الفرد أو المجموع، من الخبرة المباشرة، وغير المباشرة، باعتبار أن الفرد أو المجموع يكتسب اتجاهاته أو يتعلمها، نتيجة المواقف والخبرات التي يمر بها أثناء حياته. وعملية التعرف على كيفية تكوين الاتجاه، وأهم المؤثرات عليه يؤدي إلى تسهيل عملية غسيل الدماغ، من حيث كونها عملية تسعى للتأثير على هذه الاتجاهات، وفق مفهوم التخلية والتحلية، أو ما يعرف بميكانزمات الهدم والبناء.
وتستخدم إسرائيل عمليات غسيل الدماغ ضد المعتقلين، بطريقة منظمة ومقصودة، حيث يصل المعتقل إلى مرحلة شديدة من الإجهاد النفسي أثناء التحقيق والاستجواب تهيئة لتقبل الإيحاء المستخدم من قبل ضابط المخابرات للتأثير على قناعاته. وهذا يتطلب علم متخصص للتعامل مع هذه الأمور التي يتم استخدامها، وهو علم النفس الأمني، باعتبار أن هذه المواضيع (كمفهوم غسل الدماغ، والأساليب المتبعة لغسل الدماغ، والأسس العلمية لغسل الدماغ والإجراءات المتبعة فيها، وعملية تغيير الاتجاهات، وميادين غسل الدماغ، وسبل مكافحة غسل الدماغ، وحقيقة مفعول غسل الدماغ..الخ) لها علاقة بأمن ومستقبل الفرد والمجتمع والمؤسسة الأمنية.
علم النفس الأمني والإعلام الأمني: تعتبر وسائل الإعلام اليوم من أبرز مظاهر العصر الحديث، وقد زاد الاهتمام بها في ظل التطور التقني الهائل، باعتمادها على مناهج وأسس علمية، كان أبرزها علم النفس الذي أمدها بالأساليب النفسية المناسبة، مما جعلها تقدم نشاطًا إعلاميًا يمتاز بالقدرة والفعالية.
ومن أبرز مظاهر هذا التقدم الإعلام بشكل عام، الإعلام الأمني بشكل خاص، الذي اعتمد بشكل كبير على سيكولوجية التأثير في الجمهور من خلال إخبار المستمعين. فمثلا الفشل في إتباع التعليمات سوف يؤدي إلي نتائج خطيرة, مثل الفشل في إتباع الأساليب الوقائية أو التدريبات السليمة مما يؤدي إلى الضرر أو المرض وأحيانا الموت”. (أبو نجيلة، 2001: 66)
وفي فلسطين برز الدور الهام لهذا الإعلام الأمني، حيث أفردت وسائل الإعلام الصهيونية مساحة كبيرة من الاهتمام للحرب ضد الفلسطينيين بهذا السلاح، لما يمثله من أهمية جعلته يحتل موضع الصدارة بين أسلحته العدوانية، لما لذلك من أثر فاعل على مستوى الفرد والجماعة، في الحرب ضد الشعب الفلسطيني، تلك الحرب التي استخدمت فيها كل الإمكانيات المتاحة على صعيد تلك الوسائل الإعلامية، للتأثير على الشعب الفلسطيني بشكل يهدف إلى كسر إرادته وتحطيم معنويات المقاومة لديه، عبر وسائل الإعلام المدعمة بأحدث الدراسات السيكولوجية. (عباس، 2005: 13)
وعليه فإنه يجب أن يوظف الإعلام الأمني بشكل جيد، من خلال علم النفس الأمني، ولا يجوز أن يفصل بين أداء الإعلام الأمني وعلم النفس، فيجب على سبيل المثال أن يفرق الإعلام الأمني النفسي بين المادة الإعلامية التي توجه للمواطن، وتلك التي توجه للعدو, لأن لكل شعب وأمة خصائصها النفسية التي قد تصلح لان تكون معبرا للاستجابة للإعلام الأمني الموجه. وبهذا يتبين ضرورة التنسيق بين الإعلام الأمني وعلم النفس، بحيث يكون الإعلام الأمني قائم علي أسس نفسيه وأمنية, وإلا تحول لمجرد إعلام يسرق الوقت ويضيع الجهد, بما يحوي من مضامين لا معنى لها.
ثانياً: أهم المجالات المقترحة لاهتمام فرع علم النفس الأمني في المؤسسة الأمنية:
علم النفس الأمني والتوعية: إن “علم النفس يحتل مكانه هامة في حياة الفرد المعاصر، وحياة المجتمع المتقدم، حيث أصبحت الثروة البشرية مقياسا لتقدم المجتمعات، لذلك تتسابق الدول إلى العناية بهذه الثروة الكامنة في أبنائها، ليسهموا في تقدم الإنسانية”. (أبو معيلق، ب-ت: 4)
والعنصر البشري هو عماد هذه الثروة، وعماد كل عمل وممارسة، في المجال الأمني، ومهما بلغت وتطورت العلوم الأمنية، فلن يتم الاستغناء عن العنصر البشري وأهميته في العمل الأمني، وبالتالي فان وجود علم النفس مهم جدا لرعاية هذا العنصر البشري، والتركيز عليه بالبناء والتأهيل
من خلال التوعية الشاملة له بثقافة المجتمع بشكل عام، وبالثقافة الأمنية بشكل خاص. وتعريفه بطبيعة العلاقة بين الثقافة والتنمية المجتمعية، وبدور الأسرة والمدرسة والدين في عملية التوعية.
ومما يسهل عملية التوعية الأمنية داخل المؤسسة الأمنية أن أغلب الأشخاص الذين تم استيعابهم للأجهزة الأمنية هم من الشباب، “لأنهم عادة أكثر فئات المجتمع حماساً للتجديد والتغيير، وهم أكثر قدرة على التفاعل والاستجابة للمتغيرات من حولهم، وهم أسرع في استيعاب الواقع، وتقبل المستحدث وتبنيه”. (جامعة بن سعود، 2006: 11)
ولزيادة فاعلية المؤسسة الأمنية يجب أن يشرف علي إعداد وتأهيل وتربية هؤلاء الشباب الجدد، مجموعة من الخبراء والعلماء النفسيين الذين يعملون على تخفيف الصدمة الشعورية لهؤلاء الشباب الجدد، التي قد تؤدي إلى ثمار عكسية على نفسيتهم. وتوفر لهم تغطية سيكولوجية توضح لهم مدى أهمية هذا النمط من الحياة في المؤسسة الأمنية، الذي يهدف ليس إلى إلغاء الكيان الذاتي للفرد، وإنما يسعى لترسيخ متوازن من العلاقة بين الجماعية والفرد في الواقع المعاش. وهذا يستدعي
“تدخل علم النفس بعملية التكوين والإعداد للفرد، حتى يكون قادرا على العطاء في عمله بكفاءة. وكذلك يتدخل في عملية التأهيل الأمني التي تعني تحضير الفرد للقيام بعمل ما، أو مجال تخصصي معين، يتأهل فيه، بحيث يصبح كفوءا له”. (مركز أفق، ب-ت: 5)
علم النفس الأمني والتدريب: إن تنمية القوى البشرية تعتبر من أهم خصوصيات التدريب الأمني، حيث تعتمد العلوم النفسية المرتبطة بعملية التدريب الأمني، على برامج تعبوية وبنائية تراعي متطلبات واحتياجات العمل الأمني، وعليه فإن القوى البشرية يفترض أن لا تتم عملية تربيتها أو تنميتها بمعزل عن علم النفس، لكون البرامج التعبوية والتدريبية تمس الكينونة الفردية والجمعية للبناء الشخصي، هذا البناء الذي يجب أن يراعي الإنسان على المستوى النفسي بالدرجة الأولى، بحيث لا يمكن أن تقفز هذه البرامج التنموية مثلاً عن مراعاة الفروق الفردية للفرد، كما لا يمكن أن تتجاوز القدرات الذاتية لهم ولا المزاج العام والخاص بهم خارج داخل أو خارج مؤسسة الأمن.
ولكي يتحقق المستوى المطلوب واللائق برجال الأمن ويكونوا أهلا للأمانة، لا بد من إخضاعهم لعمليات تدريب أمنية مناسبة، ولرقابه نفسيه تهتم بأن تراعي التدريبات فيها درجة النضج الجسمي والعقلي والنفسي والعاطفي لهم، وهذا يتم من خلال دراسة العاملين في المؤسسة الأمنية، خاصة أولئك المستجدين منهم. وفحص قدراتهم وشخصيتهم من خلال العديد من المقاييس مثل: “مقياس الميول والاتجاهات، ومقياس الشخصية المتنوعة، ومقاييس التقدير والملاحظة والمقابلة، والطرق الاسقاطية، واختبارات الأداء، وغيرها من الاختبارات النفسية والأخرى”. (غنيم، ب-ت: 323)
وتتضمن عملية التدريب كذلك برامج دورات تدريبية تسير وفق خطوات منطقية تراعي فيها مبادئ التعلم: (كاستعداد المتدرب للتدريب، والتهيئة الذهنية للمتدربين، وكسب تعاونهم، وعرض البيانات والمعلومات اللازمة لهم، واستخدام وسائل إيضاح مناسبة، وقياس تحصيل المتدربين، وتقويم عملية التدريب) مع الاهتمام بتوفر عوامل تحقيق التعلم (كالممارسة، والاندفاع، والفهم) وكذلك التنويع في استخدام طرق التعلم الحديثة (كحل المشكلات، والتعلم بالنمذجة، والتعلم الذاتي) وتمتاز كذلك “سيكولوجية التدريب الأمني، أنه وهو يتناول المبادئ، وتقدير احتياجات القوى الأمنية من قوى بشرية ومادية وغيرها من العناصر اللازمة لمواجهة احتياجات هذه القوى، يحدد ما ينبغي اتخاذه لسد هذه الاحتياجات، وعلاج ما يعترضها من مشكلات”. (مركز أفق، 2003: 10)
أي يعتمد القائمين على عملية إعداد البرامج التدريبية للتنمية البشرية لأفراد الأمن، ليس على التعلم والتعليم فقط، بل على كذلك على التدريب الذي هو “عبارة عن مجموعة من البرامج المهتمة بالتعلم وتحسين أداء المتدرب ومهارته الفنية والإجرائية، وهذه الإجراءات العملية، لا بد أن يدلي علم النفس دلوه فيها بشكل كبير، باعتبار أن عمليات التدريب ما هي إلا تنمية مهارات عملية، من هذه المهارات التعرف على سيكولوجية الشخص الخاضع للتدريب، والتعرف على قدراته، ثم وضع أسس وقواعد لعملية تدريب نفسية وأمنية، وهي لا تقتصر على رجل الأمن بل تشمل كل متدرب.
وهذا يتطلب تدخل علم النفس ليدلي بدلوه في عملية التدريب من خلال الفرع الجديد المسمى بعلم النفس الأمني، حيث أن المعرفة بقواعد التدريب ومدى أهميته، ومدى خطورته يساعده على تلقي الأوامر في عملية التدريب بشكل علمي، ينبع من قناعة وتقبل داخلي، لكون العلم بالشيء يبدد الخوف لدى المتعلم، حيث يقوم التدريب على سيكولوجية تعديل السلوك التي تقوم على فكرة تعميم السلوك المعدل ليس بمؤثر خارجي، بل بمؤثرات داخلية، تنبعث وتنطلق من أعماق النفس البشرية.
علم النفس الأمني (ومرحلة التحري): تبدأ إجراءات أمن الأفراد في مرحلة التحري بالتعرف على شخصية الأفراد المرشحين للعمل في الوظائف الحساسة، شاملةً اكبر قدر من المعلومات عن تاريخ حياتهم، لاستبعاد غير الموالين ممن يدينون بالولاء لجهة أجنبية، أو يعتنقون أفكارا غريبة عن مجتمعهم، واستبعاد الأفراد غير المناسبين منهم. لذلك فإن من أهم وأدق وأخطر الإعمال الأمنية، هو عملية التحري، تلك العملية الشمولية التي تكاد تغطي اغلب النشاط الأمني بجميع جوانبه.
ويخطيء من يعتقد بأن هذا النشاط هو مجرد فحص آلي لذاتية الإنسان، لأن الإنسان هو بمجمله عبارة عن منظومة سيكولوجية، تتكون من جملة من المشاعر والأحاسيس، حيث من الممكن أن يتقلب مزاجه أكثر من مرة، وقد تصدر عنه أفعال لا تشير إلى جوهر شخصيته، فيلتقطها رجل التحري ويجعل منها محور بحثه ونشاطه. ذلك النشاط الذي يقوم في الأساس على قواعد سيكولوجية تراعي الحالة النفسية لمن يقوم بعملية التحري، وتراعي في نفس الوقت الوضع النفسي للمتحرى عنه. وهي بذلك تكون عملية تراكمية شمولية، وليست عملية انفرادية محدودة.
علم النفس الأمني (ومرحلة الانتقاء): وهي المرحلة التي تلي عملية التحري، وتعتبر مقدمة لعملية الاستيعاب، وهي تخضع لمعايير سيكولوجية جنبا إلى جنب مع المعايير الأخرى، خاصة بعد تخطي الفحص البدني التقليدي. وترتكز هذه العملية على معايير علمية يستخدم فيها اختبارات الذكاء العام، واختبارات القدرات الخاصة، من أجل فرز المجندين حسب إمكانياتهم وقدراتهم ومؤهلاتهم ومواهبهم للعمل داخل الجهاز الأمني.
وهذا يستدعي تدخل من علم النفس ليضع حداً فاصلا زمنيا بين عملية الاستيعاب وبين عملية الضم الفعلي للجهاز، يتخلل هذه الفترة الزمنية -بالإضافة إلي التدريب العسكري الميداني- تدريبا أمنيا نفسيا، يقوم على قواعد وأصول علم النفس الحديث، الذي يحسر الفجوة بين الحياة المدنية التي يعيشها الفرد، وبين ما ينتظره من حياة أمنية عسكرية تقوم على قواعد سلوكية تكاد تتناقض تناقضا جذريا مع الحياة التي تعود عليها.
علم النفس الأمني (ومرحلة الاستيعاب): وهي عملية فرز المتقدمين لشغل الوظائف الشاغرة لانتقاء أفضلهم من حيث توافر المواصفات المحددة لشغلها. حيث تختلف الأعمال والوظائف من حيث ما تتطلبه من سمات ومواصفات معينة، ويختلف الأفراد كذلك من حيث سماتهم وخصائصهم وهذه العملية ” تهدف إلى التأكد من ملائمة الوظائف للأفراد المتقدمين، وملائمة هؤلاء الأفراد للوظائف الشاغرة من حيث المواصفات المطلوبة كالخبرة أو التدريب أو التعليم أو الصفات الجسمية والذهنية، وتقوم عملية الملائمة فيها على التقدير الشخصي للقائمين على الاختيار جنبا إلى جنب مع نتائج الاختيار”. (خليل، محمد، 1993: 145)
وفي مرحلة اختيار وقبول واستيعاب المجند للمؤسسة الأمنية، يبرز دور كبير لعلم النفس الذي يشكل ضمانة حقيقية لنقاء رجل الأمن، ويخلق منه رجلا مهنيا كفوءا يكون أمينا على أمن الوطن.
وتختلف المعايير الأمنية والنفسية التي توضع للقبول في الأجهزة الأمنية من بلد لآخر، أو من جهاز أمني لآخر، أو باختلاف المكان والزمان، أو للوظيفة والمهام، ولكن تتفق في الاختيار وفق قواعد مشتركة، يشكل علم النفس نصيبا وافراً منها. وإن كانت بعض هذه الأجهزة لا تتقيد بأي معايير علمية سواء أمنية أو نفسية في تجنيد واختيار واستيعاب أفرادها.
ومن الخطوات المهمة التي تكون في نهاية مرحلة الاستيعاب خطوات متعددة تشمل سيكولوجية التلقين، وهي عبارة عن الأوامر التي يجب فيها مراعاة الجانب النفسي فيها كالقوانين واللوائح والتعليمات التي تحدد المسئوليات والعقوبات. وشرح طبيعة الأسرار الموجودة في مكان العمل. وشرح المشاكل الأمنية التي تواجه الإفراد، وكيفية التصرُّف حيالها، كالشائعات وكيفية التعامل إزاءها ومنع ترويجها. والتمكن من معرفة طرق التصرف حيال الدعاية المعادية.
علم النفس الأمني (ومرحلة التصنيف): وأما عند القيام بعملية التصنيف والتوزيع للأفراد على الدوائر والإدارات المتعددة، فتتم وفق التصنيف المهني على أسس الانتقاء المهني من خلال تجميع المعلومات عن الأعمال المتوفرة، وكذلك جمع المعلومات عن الأفراد.
وبعد أن يتم قبولهم يتم فحصهم عقليا ونفسيا بما يتناسب مع هذه المواقع، والتي يشترك فيها أخصائيون نفسيون وأمنيون من داخل الجهاز نفسه بحسب حاجته وإمكانياته. وهذا التصنيف يفيد الجهاز باعتباره عملا يحتاج إلى تنوع الطاقات والخبرات والقدرات، لتستثمر وتوظف كلها بشكل جيد من أجل خدمة الجهاز وأهدافه وتطلعاته المستقبلية .
والمؤسسة الأمنية “التي تتبنى في سياستها عملية التراكم الكمي للعناصر والكوادر، دون اعتماد منطق التوزيع والتخصص، هي أعجز عن مواجهة الأزمة الأمنية، ففاقد الشيء لا يعطيه، فالجهاز الأمني هو في الحقيقة مجموع للأنشطة العملية للكوادر الأمنية “. (عباس، 2007: 21)
وأما التوزيع الصحيح للعناصر المقبولة داخل المؤسسة الأمنية, فيتم عبر الاختبارات والمقاييس النفسية حيث ” لا يتم توزيع الفرد عشوائياً أو بمجرد النظر إليه، وإنما طبقاً لنتائج تطبيق اختبارات نفسية مقنعة ودقيقة ومنضبطة تكشف عن قدراته وذكائه وميوله واتجاهاته, وسمات شخصيته وظروفه الاجتماعية والأسرية ورغباته, وبعد أخذ صورة عامة وموضوعية واضحة عن حالته يتم وضعه في أكثر المهن ملائمةً له”. (العيسوي، 1999: 83)
ومما سبق يتضح أن الحاجة الملحة لعلم نفس أمني، يشتغل بمعالجة هذه الأمور الهامة والضرورية للعمل الأمني، وفي نفس الوقت مهمة وضرورية لرجل الأمن ذاته، حيث يتم صقل شخصية الفرد وفق الاحتياج الأمني، ويتم برمجة هذا الاحتياج وفق قدرات الفرد ومؤهلاته الذاتية والشخصية.
علم النفس الأمني وفن القيادة: تعلم مهارة القيادة وتنميتها يتطلب التعرف على السمات والصفات الشخصية القيادية للفرد، والتعرف على ميوله وطموحاته وخلفيته. لأن “العمل القيادي ليس آليا أو ميكانيكيا، وإنما هو عمل إنساني في المحل الأول تتداخل فيه وتتفاعل العديد من المؤثرات والدوافع والبواعث والحوافز والتعزيزات والعراقيل والمعوقات”. (الشعلان، ب-ت: 54)
ويعتبر علم النفس ذو باع كبير في رسم معالم فن القيادة، حيث لا يمكن تنمية المهارات القيادية بمعزل عن هذا العلم, وبدونه تبقى هذه مجرد عملية آلية جوفاء ليس للذات الإنسانية فيها نصيب. وفي تدخله يستخدم كثيراً من القواعد العلمية, ليطور من مستوى الفرد القائد سيكولوجياً، ليتسنى له أن يكون قائداً ناجحاً محبوباً, وليس مجرد أداة قمع. وبتدخله كذلك يجسر الهوة النفسية الواسعة بين الرئيس والمرؤوس, لأنه ينظر إلى العلاقة بينهما على أساس كونها علاقة إنسانية أولاً وأخيراً، وبالتالي يسعى لأن يحررها من قيود الضبط والربط, الذي قد يحيلها لجحيم، يلقى تمرداً ورفضاً نفسياً داخلياً. وفي نفس الوقت يضع ضوابط وقوانين ولوائح وأوامر أمنة يضفي عليها روحاً نفسية تحيل هذه القوانين لحياة ديناميكية متحركة, تتميز بالحيوية العضوية.
وقد يصاب القائد بمرض نفسي يسمي بسيكولوجية الكرسي، يصبح الكرسي الذي يمثل المنصب جزء لا يتجزأ من شخصيته, فلا يستطيع أن يفارقه أو يبتعد عنه, لأنه أهل نفسه سيكولوجياً بأنه والكرسي توأمان لا ينفصلان, فيشحذ طاقاته النفسية والعقلية, وقدراته المادية والسلطوية للمحافظة على هذا الكرسي, الذي ربط نفسه سيكولوجياً به حتى النهاية. وهنا يتدخل علم النفس الأمني ليعيد صقل هذا الانحراف السيكولوجي الذي أنشأه (الكرسي) للمسئول قبل أن تتجذر فيه تلك الخصائص
فيحشد أكبر قدر ممكن من البرامج والدورات والندوات مصحوبة ببعض النشاطات العملية, لتحرير النفوس من كثير من المعوقات التي تحول بين القائد وعناصره وتؤدي لفشله في سوسهم وقيادتهم.
علم النفس الأمني وسيكولوجية الثواب والعقاب: من أهم أنواع الثواب الحوافز التي يعتبرها العلماء “عبارة عن مجموعة العوامل التي تؤدي إلى إثارة كافة القوى الحركية في الفرد، والتي تؤثر على سلوكه وتصرفاته، وكلما كانت عملية التوافق بين الدوافع إلى العمل والحافز إليه الموجودة في التنظيم مكتملة كلما كانت فاعلية الحافز في إثارة أنواع السلوك أكبر” (مركز أفق، 2003: 10)
وعملية تقديم حوافز للعاملين في العمل الأمني تشكل قاعدة هامة للعمل الأمني. حيث يرفع التحفيز مستوى الأداء للفرد، وعدمه يؤدي لخفض مستوى الأداء والإنتاجية، والى خفض الروح المعنوية.
وباعتبار الحافز شيء خارجي يحفز الفرد ويدفعه باتجاه الممارسة بشكل أكبر.. فهو يخضع في الدراسة لعلوم النفس, لان نظام الحوافز قائم بالدرجة الأولى على نظريات علم النفس، وهذا تأكيد آخر على أن لعلم النفس دور هام وكبير في رسم المعالم النفسية للمؤسسة الأمنية.
كما يتم استخدام العلوم النفسية في عملية العقاب، والتي هي إيقاع الجزاء على المقصر منهم، لكي يتراجع عن الخطأ، ويحسن الأداء ويطوره. ويحرص علم النفس عند إيقاع الجزاء أن يكون هذا الجزاء مناسباً سيكولوجياً للجرم المرتكب، ومناسبا كذلك لمن سوف يقع عليه العقاب.
علم النفس الأمني والاستجواب: يستهدف الأسلوب النفسي للاستجواب ” كشف أفكار وانفعالات المشتبه فيه أو الجوانب الأخلاقية للجريمة، ومن ثم نجعله يدرك أنه قد ارتكب خطأ… وإن عملية التحقيق والاستجواب للمجرمين، والمخالفين لقواعد وقوانين المجتمع تعتمد بشكل كبير على الجانب السيكولوجي سواء للمتهم، أو للأسلوب أو الطريقة، أو حتى للمحقق نفسه.
فالمجرم المبتدئ مثلاً يختلف التعامل معه سيكولوجيا عن المجرم السيكوباتي.. حيث أن الشخص الذي يعتبر مجرم لأول مرة، أو الشخص الذي ارتكب جريمة تحت تأثير العاطفة، أو الغضب، أو الغيرة، يكون عادة مستجيبا لموقف التعاطف والتفاعل والتفاهم، وعلى المحقق أن يعامل هذا الشخص كإنسان طبيعي قام تحت ضغط الظروف أو الاستفزاز بارتكاب عمل بعيد عن الطبيعة الحقيقية له”. (جاد، 1995: 177)
ولهذا فان عمل المحقق هو بمثابة لب مجال واختصاص علم النفس بشكل عام، ويمثل موضوعاً أساسياً في علم النفس الأمني الذي نحن بصدد التأصيل له.
علم النفس والحس الأمني: الحس الأمني هو الشعور أو الإحساس المتولد داخل النفس والمعتمد على أسباب أو عوامل موضوعية، تؤدي إلى توقع الجريمة بقصد منعها أو ضبط مرتكبيها بقصد العقاب.. وهو عملية مزدوجة تجمع بين نوعين من العناصر ذات الطبيعة الذاتية والموضوعية في آن واحد.. وتنعكس تلك الطبيعة على الحس الأمني فتظهره تارة بمظهر الميل الوجداني القائم على الشعور والإحساس، وتارة بمظهر التوقع العقلاني على الفكر والاستنباط. (خليل، احمد، ب-ت: 24)
والحس الأمني كذلك هو جماع لكلا النوعين ولا يتحقق إلا بتوافرهما، ولا يتطور إلا بتكاملها، ولعل ذلك باعد بين الحس الأمني بهذا المضمون وبين غيره من وسائل الإحساس الوجداني المجرد كالحدس والتخمين، وكذلك يفرق بينه وبين وسائل الإدراك العقلاني المجرد.
علم النفس الأمني والثقة بالأجهزة الأمنية: أحد أهداف الوجود الإنساني هو إقامة العلاقات فيما بين الناس من أجل التعاون التعارف والتفاهم فيما بينهم، ولولا ذلك لما سارت الحياة بشكلها الطبيعي، ولما استطاع الإنسان بمفرده أن يستمر بالحياة، ناهيك عن تطورها.. حيث لا يعقل أن تقوم الحياة وتتطور وتتقدم دون أن تعتمد جسورا للتعارف والتفاهم والتآلف فيما بينهم. ولكي تكون العلاقة أكثر فاعلية في مجال التعامل مع المواطنين “فإن الدولة تستعين بالأسس التي يقوم عليها علم النفس وعلم الاجتماع في مجال التأثير على السلوك البشري، وجعله أكثر طواعية لتقبل ما تجمله آلية التوعية”.(السلطة الفلسطينية، 1998: 3)
والأمن في أي دولة لا يتحقق ما لم تتعزز الثقة بالأجهزة الأمنية، ولكن كثير من الأجهزة لا تعمل على دعم عوامل الثقة مع المواطن, لأنها تفقد إمكانية التواصل معه. لأن بعض المسؤلين “يوصد أبوابه أمام الآخرين، ويعاملهم بشيء من الفوقية، فإنه حتما سوف يفقد كل حب واحترام وتقدير منهم، وأما إذا تعامل مع الناس بشكل مؤدب وأعطى كل ذي حق حقه، واستأنسوا به فإنه سوف يلقى بكل تأكيد ودعم وعطف ومحبة من قبلهم”. (الرفاعي، ب-ت: 33)
وعلى هؤلاء المسئولين أن يدركوا بأن ” الشرطة (أو أجهزة الأمن) هي في حاجة إلى الحصول على ثقة الشعب، وعليها أن تسعى لكسب هذه الثقة، ومتى وثق الشعب فيها مد لها يد العون، وظفرت بتأييده في كل ما تتخذه من إجراءات”. (نصار، ب-ت، 36)

المبحث الرابع: الأمراض والمقاييس النفسية في العمل الأمني:
أولا: علم النفس الأمني والاضطرابات وبعض الاضطرابات النفسية:
علم النفس الأمني والخدمة النفسية: إن علم النفس- كعلم يدرس النشاط والسلوك الإنساني بشكل عام- يدخل بالتأكيد في نطاقه كل نشاط، أمني وغير أمني يسعى لأن يتدخل ليضع لسلوك هذا النشاط قواعد ضبط نفسية تمهد لبسط حالة من الاستقرار النفسي لدى الفرد والمجتمع برمته.
وتغطي الخدمة النفسية في علم النفس كل مجالات الحياة، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، أو المؤسسة الأمنية, وتكاد تغطي جميع مجالاتها ودوائرها. وبالتالي فان دور هذا العلم ليس مقصوراً على مجال معين بل يمتد نشاط علم النفس ليشمل جميع جوانب الحياة.
وفي مجال العمل الأمني المهني, يزداد الاحتياج للخدمة النفسية في علم النفس، حتى يصبح لا معني للحياة الأمنية بدون الرعاية والحماية من علم النفس، لكون العمل الأمني يمثل تجمعا بشريا حيويا يوجد به جميع الكفاءات والقدرات والطاقات، كما يوجد به جميع المركبات الاجتماعية والاختصاصات المتنوعة والمتعددة, والحياة في المؤسسة الأمنية تتطلب التعامل مع كل الأمور وكل الأصناف والأنواع البشرية, وبالتالي لا يمكن أن تنجح المؤسسة بمعزل عن علم النفس، الذي يتدخل ليقدم الرعاية والخدمة للحياة الأمنية، كون الحياة الأمنية لا تقتصر علي مؤسسات منقطعة عن الواقع, إنما هي نشاط يمارسه رجل الأمن في كل جوانب الحياة.
وقد ساهم علم النفس في أن تمتد خدماته لمجالات متعددة من الحياة, وغطى مساحات واسعة من الاحتياجات الواقعية والعملية للفرد والمجتمع والحياة, وقدم باعاً طويلاً في المجالات الفكرية والتعليمية والتربوية, وفي المجالات الاجتماعية والاقتصادية، والمجالات الإنتاجية والإدارية، والمجالات السياسية والعسكرية والأمنية، وغير ذلك من المجالات الأخرى.
علم النفس الأمني والاضطرابات السلوكية: “إذا تقطعت الروابط الأولية التي تمنح الإنسان الأمن، فإنه يبحث عن بدائل تمنحه الشعور بالأمن وترد إليه الإحساس بالهوية، وترفع عنه عبئ الشعور الذي لا يطاق بالوحدة والعجز واللاجدوى بالاندماج في شيء يعطيه الإحساس بالقوة والأمان”. (عيد، 2002: 213)
ومن أبرز الأمور التي تهدد أمن واستقرار الشخص الضغوط والاضطرابات التي يتعرض لها،
مما يجعله يبحث عن بدائل توفر له الأمن وترفع عنه تلك الضغوط والاضطرابات، فيلجأ إلى اتخاذ الحيل الخداعية النفسية للالتفاف حولها. وخاصة عند الضغوط والاضطرابات التي تصيب رجل الأمن جراء انتقاله من الحياة المدنية العادية، إلى الحياة الأمنية بكل سريتها وخصوصيتها، لكون هذا الانتقال يتطلب منه التنازل عن جزء مهم من طبيعة سلوكه الذي تعود عليه سابقاً، وهنا يتقدم علم النفس (الإرشاد النفسي) ليساعده على معالجة تلك الضغوط والاضطرابات، ويكفل له المحافظة على نفسيته من هذه التقلبات الحادة التي قد تطرأ عليه نتيجة انخراطه في العمل الأمني.
ويساهم وجود الأخصائيين داخل المؤسسة الأمنية على ترميم نفسية رجال الأمن بشكل ينشر روح الأمن والسكينة في نفوسهم، ويقلل من عمليات الخوف والفزع التي قد تسيطر عليهم، من خلال تحديد الأساليب السلوكية الخاصة بهم وتحديثها وتطويرها بشكل متواصل، مع العمل الدؤوب على حل ومعالجة المشكلات النفسية والاجتماعية للمنتسبين للمؤسسة الأمنية.
علم النفس الأمني وضغوط العمل: إن عمليات الضغط التي يواجهها بعض الأفراد من خلال التحاقهم بالمؤسسة الأمنية قد تعرضهم إلى فقدان الاتزان الانفعالي واضطراب الشخصية. كما أن هذا الضغط قد يبلغ أشده في أيام الطوارئ حينما يتطلب الموقف من العنصر أن يمتثل للأوامر التي تصدر إليه ويطبقها بسرعة وبشكل متواصل. وتزداد هذه الضغوط على العاملين في المجال الأمني جراء تدهور الوضع الأمني وازدياد الفجوة بين رجل الأمن، وبين رجل الشارع، والتي قد تؤدي لضغوطات نفسية حادة، تقود لحالة من الإحباط الشديد، الذي قد يؤدي إلى انهيار دفاعاته الداخلية، فتنشأ الأمراض النفسية العصابية. أو يقود هذا الوضع غير الأمن لحالات من أمراض العصاب، التي يشعر رجل الأمن فيها بنزيف نفسي داخلي متواصل يؤدي به لفقد كم كبير من طاقته النفسية التي تقوده لحالة التعب والإرهاق. وهذا يؤكد على ضرورة وجود علم متخصص (علم نفس أمني) يتناول الحياة الأمنية بشكل مركز ومكثف. ومن هنا يتدخل علم النفس في العمل الأمني ليقدم حلولا لجميع المشاكل العملية والنفسية التي يسببها ضغط العمل الأمني, ويساعد علي عميلة التكيف بين الأدوار التي يؤديها رجل الأمن في الحياة المدنية وفي المؤسسات الأمنية.
علم النفس الأمني وسيكولوجية الشك : تتعرض الحياة الأمنية أثناء المسيرة لكثير من الصدمات القاسية، كارتفاع منسوب الشك الأمر الذي قد يقود لتعميم هذا الشك علي اقرب المقربين إليه.
حيث يرتبط الشك النفسي ” بأحاسيس المرء وما يدور بخلده من مشاعر وعواطف وانفعالات. ولعل الحكم الذي يصدر في هذه الحالة، إنما يتعلق بالمعقول، والعادي من الشك، والشك منه”. (نور الدين، 1998: 9)
ودور علم النفس العمل علي نزع فتيل الشك القاتل لدي رجل الأمن من خلال تحجيم نظرة الشك لديه ووضعها في موضعها المناسب والملائم فلا تطغي علي عقل وتفكير رجل الأمن في كل حياته, فيعمم نظرية الشك في كل ما حوله, ويوجهه لكل ما يحيط به, وتنطلق سهام الشك من جعبته يمنا ويسارا في كل آن ووقت لا تفرق بين عدو وصديق, ولا بين موقف وآخر، مما يعود أول ما يعود بالضرر والعنت والمشقة علي الشخص ذاته, وتتحول حياته لوسواس قهري يسيطر علي كل حياته. أي أن العمل الأمني باعتباره حياة ومجتمع وأفراد يحتاج لكل ما يحتاجه المجتمع من تطبيقات علم النفس لعلاج الأمراض والانحرافات السلوكية.
علم النفس الأمني والميول العدوانية: إن بعض رجال الأمن غير المؤهلين والمدربين وفق معايير علم النفس الحديث، ما زالوا يعيشون ببعض مؤثرات الماضي، التي اكتسبوها من حياتهم السابقة، والتي أنشأت في نفوسهم كثير من الأمراض النفسية التي تقودهم لبعض السلوك السلبي المنعكس من رواسب الماضي. كأن يبرز لديهم رغبة جامحة في عملية التعويض عما كان يمارس بحقهم من اضطهاد أو عنف أو قسوة ، فيجدوا في الموقع الجديد متنفس من خلال عمليات رد الجميل المعكوس لما عانوه مسبقاً، فيصبوا جام غضبهم ضد جميع أبناء مجتمعهم. وهؤلاء لا بد لهم من علاج نفسي متواصل قبل تسلم أي موقع أمني لضمان صحتهم النفسية.
وتمثل العدوانية أخطر الأمراض النفسية السلوكية التي قد ينحرف إليها رجل الأمن باعتباره رجلاً مسلحاً، فيميل للانتقام من الآخرين، بالإضافة للتكبر والغرور والاستعلاء عليهم, لأن السلاح قد يتطاول في يد الذين لا يحترمون السلاح. وعلم النفس الأمني هو الكفيل بتقديم الإرشاد الملائم الذي يراعي قدراتهم وذكائهم ويتلاءم مع هؤلاء الأفراد واستعداداتهم وميولهم واتجاهاتهم.
علم النفس الأمني والقلق: جوهر القلق موجهة غالباً للمستقبل” لأنه توقع حصول شيء مكروه أو غير محبوب للنفس أو فقدان لشيء عزيز أو محبوب للنفس ينتج عن هذا الشعور أول شيء (خوف) يؤثر على النشاط النفسي والجسمي بشكل سلبي. وثمة إتفاق بين المشتغلين بعلم النفس والطب النفسي بأن القلق يمثل عصب الحياة النفسية، ويعتبر المدخل الجوهري لدراسة الصحة النفسية للإنسان، وأن القلق خبرة انفعالية كامنة ومتأصلة في وجود الإنسان، قديمة قدم الإنسان نفسه وأن درجة الشعور بالقلق ومستواه تختلف باختلاف الظروف المهيئة للقلق”(عيد، ب-ت: 97)
وأخطر ما ينمي القلق ويطوره امتلاك الفرد للشخصية التضخيمية، التي تضخم المواقف بشكل أكبر من حجمها الطبيعي، وتحملها ما لا تحتمل، أو بناء مجموعة من التخيلات والتوهمات زائدة السلبية للموقف، والتي تقود أحيانا -جراء تردي حالة الأمن الداخلي- للقلق الشديد الذي قد لا يعرف له سبب، والذي قد يصاب به رجل الأمن باعتبار مهنته تصبغ بصبغة القلق المتواصل، مما قد يعيقه عن ممارسة حياته الطبيعية، ويجعله مهيأ لتوتر دائم. مما يستدعي تدخل علم النفس ليقدم له العلاج المناسب، لمواجهة هذا المرض النفسي الذي يصيب العاملين في المؤسسة الأمنية، والذي يفقدهم كثير من طاقتهم النفسية الصحيحة. بالإضافة إلى مراقبة وملاحظة الأداء السلوكي، الذي يمثل الحالة العملية للتكيف مع الواقع الجديد، بأسس علميه نفسية تعيد للفرد حالة التوازن والتكيف.
علم النفس الأمني وسيكولوجية الخوف: إن رجل الأمن يشعر بالرهبة والخوف، من العمل الأمني في بداية الالتحاق بالمؤسسة الأمنية، وهذا الشعور ينشأ من طبيعة العمل وخطورته. ولكن يتدخل علم النفس لانتزاع هذا الخوف من خلال وضع برامج تعليمية للتعامل مع مثيرات الخوف، ففي حالة تعرض رجل الأمن مثلاً لحالة من الخوف يجب أن لا يتعامل مع هذه الحالة بشكل سيكولوجي بحيث يعكس ما بداخله على الواقع، بل عليه أن يتعامل مع الواقع بحياد وموضوعية.
ويعمل علم النفس على وضع حاجز نفسي لدى الفرد بين الاستقبال والإرسال تحكمه معايير أمنية صحيحة تتعلق بالتحكم في ردود الأفعال النفسية وتأجيل التفاعل مع الموقف سيكولوجياً انتظارا للقرار الأصوب من قبله أو من قبل المعنيين بالأمر. وفي هذا يتخلص من الذاتية من خلال الدمج بين الحالة النفسية والمتطلب الأمني، حيث لا يجوز أن يجعل من حالته النفسية تنفيساً لما فيها. فالتحكم بالنفس هو الحالة التي يربي بها علم النفس الفرد من تأجيل عملية الإشباع السيكولوجي لرد الفعل. وهكذا يتصدى علم النفس لمعالجة حالات الخوف التي تسود أحياناً العمل الأمني.
ثانيا: علم النفس الأمني والاختبارات والمقاييس النفسية:
يشكل علم النفس الداعم الأهم لضمان الصحة النفسية لرجل الأمن علي صعيد الذات والمجتمع, باعتباره يعمل على صقل شخصيته بشكل يعيد له حالة التوازن المستمر مع ذاته ومع مجتمعه.
واستخدام هذه المقاييس في مجال المؤسسة الأمنية، يعود بالنفع الكبير على هذه المؤسسة إذ يحررها من العشوائية ومن المحسوبية، بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب, وهذا له أكبر الأثر على الفرد والمجتمع والمؤسسة, لكونه يزيد من دافعية رجل الأمن, ويمده بطاقة داخلية عظيمة, ويترك في نفسيته أثر إيجابي يزيد أدائه ويحسن عمله ويضاعف إنتاجه. كما يعمق لدية الشعور بالثقة بالنفس, والرضا عن الذات, بالإضافة إلى الانسجام والتوافق مع المؤسسة التي ينتمي لها, ومع أفرادها وقيادتها على حدٍ سواء. وبالتالي تصبح وظيفته جزء من كينونته وذاته, فيدافع عنها بكل قوة وحماس, وتتلاشى لديه مشاعر الحنق والغضب والتبرم والضجر, ويقل شكواه وتتناقص لديه مشاعر الإحباط والقنوط واليأس, مما يجعله على استعداد لأن يضحي بنفسه ووقته وماله في سبيل إنجاح المهام الموكلة إليه.
“وأما في الاختبارات العملية أو اختبارات الأداء فيوضع الفرد في موقف فيه موقف فيزيقي حاد، أو موقف عقلي حاد، ليظهر قدرته على الصبر، ويظهر قدرته على الثبات والاتزان الانفعالي، او موقف يظهر فيه المرونة وعدم التحجر. وتستخدم الاختبارات العلمية والمقابلات الشخصية وغير ذلك من أدوات علم النفس في العمل الأمني، فعلى سبيل المثال “اتبع الألمان منهج تطبيق المقابلات الشخصية الرسمية وغير الرسمية، الحرة والمقيدة، واستخدموا اختبارات الورقة والقلم، وكذلك الفحوص الطبية والعقلية، وأبقوا بعض اختبارات الأداء أو الاختبارات العملية، إلى جانب اختبارات الورقة والقلم”.(العيسوي، 1999: 42)
كما تم استخدام الاختبارات الشخصية، حيث ” تعد اختبارات الشخصية من أكثر الأدوات انتشارا بين علماء النفس.. واختبارات الشخصية حاليا لا يمكن حصرها في هذا المجال، فهنالك عدد كبير جدا من الاختبارات السيكولوجية التي يفترض أنها تقيس الشخصية”. (غنيم،ب-ت: 370)
كما استخدمت المقاييس والاختبارات النفسية، ومنها مقياس الذكاء, ومقياس القدرات الخاصة, ومن أبرز الاختبارات، الاختبارات الشخصية والاجتماعية. وقد تم استخدام هذه الاختيارات في السابق في المؤسسة العسكرية بشكل موسع, خاصة في الجيوش الحديثة. التي ” أدى استعمالها إلى تحسين وسائل الاختبارات, ووسائل تصنيف الجنود أو المجندين، على أساس من قدراتهم، وتوزيع المجندين الجدد على الأسلحة أو الوحدات أو التخصصات المناسبة”. (العيسوي، 1999: 82)
وقد برزت أهمية هذه المقاييس والاختبارات في العمل الأمني خلال عمليات الفحص العقلي والنفسي، التي تتم بواسطة مجموعة من علماء النفس الأكفاء، ويستخدم فيها الاختبارات والمقاييس والميول والاتجاهات وغيرها، لمعرفة مستوى الفرد في القدرة على حل المشكلات أو مواجهتها.
ومن الاختبارات كذلك: اختبار الأداء، واختبار الاستعداد، واختبار التحصيل، واختبار التصفية، والاختبار التشخيصي، والاختبار التنبؤي، والتصنيف العام، واختبارات الجدارة الأهلية، وهذه لا تهدف إلى قياس أشياء سبق تعلمها مثل التوعية السابقة، ولكن تهدف إلى التعرف عما إذا كان المتقدم يملك القدرات الأساسية اللازمة لممارسة المهارات التي تتطلبها الوظيفة المطلوبه. وأما
” اختبارات الشخصية، فتهدف إلى التعرف على السمات التي يتمتع بها الشخص مثل: هل هو منطوي أم اجتماعي، أو هو متفائل أم متشائم، ومعرفة مدى الثقة في النفس، وردود الفعل نتيجة لضغوط الحياة اليومية، والتعرف على بعض الصفات، كالمثابرة، والطموح، والحسم والحزم، ومدى إمكانية الاعتماد على الذات وهل هو أناني أو عملي، الخ.”(خليل محمد، 1993: 164)
وهكذا فإن وجود فرع متخصص كعلم النفس الأمني يعنى بالحياة الأمنية، خاصة من خلال تطبيق المنهج العلمي القائم على مجموعة من المقاييس والاختبارات، ويقدم شبكة أمان عمليه للمؤسسة الأمنية، سواء على صعيد التعبئة والإرشاد، أو الوقاية والحماية، أو على مستوى العلاج والتقويم.
تعقيب عام:
لقد تناول هذا البحث المتواضع موضوع هام وخطير، كونه يتناول علمين مهمين في واقع الحياة، هما علم النفس وعلم الأمن، ويدرس العلاقة بينهما، ودور كل منهما في التأثر والتأثير في الآخر. وقد جاء هذا البحث نظراً لما يعاني علم الأمن من قصور وعجز شديد في استثمار مناسب لعلم النفس، ليس فقط على مستوى الدراسة، بل كذلك في مجال التطبيق. ولتغطية هذا العجز والقصور يسعى الباحث لبناء معادلة جديدة تتناول هذا التوجه من خلال إنشاء فرع جديد ومستقل، يخدم العلاقة الثنائية بين العلمين. ويكون مركب من كلاهما، باعتبار أن أي عملية تأصيل لا بد أن تقوم على توليفه عملية تربط بين العلوم المراد الدمج بينها، لتخرج فرعا جديداً مستقلاً. والتي تعتبر هذه المحاولة التأصيلية التي يطلق عليها الباحث علم النفس الأمني استرشاداً وتمثلاً لها.
وعليه فان هذا البحث يمثل محاولة أولية ترسم الخطوط العريضة لعملية التأصيل، التي تعتبر في حد ذاتها، عمل يهدف إلى إيجاد التميز في العلوم الإنسانية، ذلك التميز الذي يخلق الإبداع والتفرد. ويظهر نفعه وفائدته وتميزة كخطوة عملية، تمثل مرحلة انتقالية تبدأ من محاولة تأصيلية لعلم، وتنتهي بوجود هذا التأصيل في الواقع. فعملية التأصيل تبدأ دومًا بمرحلة التنظير ثم التطبيق. والباحث يحاول أن يمهد في هذه البحث لمرحلة التنظير التي تستمد مسلماتها من الأصل الذي تنطلق منه.. ثم يتبعها بمرحلة التطبيق التي تأتي لترسيخ هذا العمل على مستوى البحث العلمي، من خلال السعي على إقرارها كمادة علمية تطبيقية تمارس في الحياة. لأن تكامل أي مشروع تأصيلي لأي علم لا يتحقق إلا بالاهتمام به نظرياً، ثم العمل على ترسيخ أقدامه من خلال التطبيق.
ولكون عملية التأصيل لعلم النفس الأمني، هي عملية اجتهاد علمية بمعنى الكلمة، فإن الباحث سوف يلتزم بشروط البحث العلمي في الاجتهاد، التي تستلهم وتستقى من الأصول العلمية المحضة.
وخاصة أن هذه المحاولة تأتي من خلال قناعة الباحث بأن هذا الفرع من علم النفس، قد يكون أكثر ضرورة وأهمية من فروع علم النفس الأخرى، التي تم التأصيل لها مسبقاً. كعلم النفس العسكري، على سبيل المثال، الذي يقتصر على حالة الحرب فقط، ولا يمتد ليشمل حالة السلم، بخلاف علم النفس الأمني الذي سوف يغطي مساحة أكبر من المساحة التي يغطيها ذلك الفرع من علم النفس.
وأخيراً فان الباحث في هذا البحث يوجه دعوة عامة للعلماء والمفكرين، خاصة المتخصصين في العلوم الأمنية والنفسية، ليدلي كل منهم بدلوه في هذا المضمار، ليكملوا المشوار لبناء هذا العلم الجديد، لأننا بالتأكيد نحتاج لجميع الجهود المخلصة، خاصة من أولئك المهتمين بناء علاقة بين علم النفس والأمن، للعمل على أن يتم هذا التأصيل ليصبح فرعاً مستقلاً قائماً بذاته.
الخاتمة
ملخص البحث:
لقد تصدر البحث بمقدمة، ثم بمشكلة الدراسة، والأهداف، والأهمية، والمنهج، وصعوبات البحث، وكذلك أهم المصطلحات، ومحددات البحث، وخطة البحث. وقد اشتمل على أربع مباحث، هي:
المبحث الأول: ويتناول أولا: العلاقة الوطيدة بين علم النفس والعلوم الأمنية على مستوى الفرد والمجتمع والمؤسسة الأمنية، ومدى أهمية كل علم للآخر لإنتاج فرع علم جديد.
ويتناول ثانيا: الأهمية الناجمة عن اندماج هذين العلمين مع بعضهما البعض، كمقدمة لدمجهما بحيث يلعب هذا العلم دورًا هاماً ومميزًا في الحياة الأمنية والمدنية في آن واحد.
والمبحث الثاني: ويتناول أولا: دور هذا العلم ومدى تأثيره على الحياة الأمنية التي تتعلق بالأمن الشخصي للأفراد، وكيفية تأقلم الفرد من الناحية السيكولوجية والأمنية.
ويتناول ثانيا: العلاقة بين علم النفس والأمن المجتمعي (الشعبي) ويوضح بان الأمن الشعبي هو حاجة سيكولوجية تتطلب أن بتأقلم امن الفرد مع نفسيته .
ويتناول ثالثا: العلاقة بين علم النفس وبين الحياة الأمنية في المؤسسة الأمنية ومدى إسهام هذا العلم الجديد في تطوير رجال الأمن في المؤسسة الأمنية .
والمبحث الثالث: ويتناول أولا: أهم المجالات المقترحة لاهتمام فرع علم النفس الأمني بشكل عام:
كظاهرة التعامل والتجسس، وأساليب وطرق التحقيق الصهيوني، والحرب النفسية، والإشاعة والدعاية، وغسيل الدماغ، والروح المعنوية، وتناول وسائل الإعلام الصهيوني.
ويتناول ثانياً: أهم المجالات المقترحة لاهتمام فرع علم النفس الأمني في المؤسسة الأمنية:
كدور علم النفس في التجنيد، ودوره في التوعية الأمنية، والتدريب الأمني، والاختيار، والتصنيف. والتوزيع، والتحري، والاستيعاب. وبعض المهارات الأمنية كالإعلام الأمني، ومهارات القيادة، وسيكولوجية الحوافز، وكذلك وسيكولوجية مهارة التحقيق، وبناء الحسي الأمني، الخ .
والمبحث الرابع: ويتناول أولا: الأمراض والاضطرابات النفسية، والخدمات النفسية، وبعض الضغوطات في العمل الأمني، وسيكولوجية الشك، والميل للعدوانية، وعملية الشعور بالخوف.
ويتناول ثانيا: دور الاختبارات والمقاييس النفسية في العمل الأمني، وكيف يمكن استثمار هذه الاختبارات والمقاييس في تحسين الحياة الأمنية.
ثم تعقيب عام، وخاتمة، تناولت: ملخص للبحث، وأهم نتائجه، وأبرز التوصيات فيه.

أهم نتائج البحث:
- لقد اظهر البحث مدى العلاقة المتشابكة بين المجال الأمني والمجال النفسي، هذه العلاقة التي لا غنى لكلا العلمين لبعضهما البعض في الحياة الأمنية.
- كما اظهر البحث أهمية التأصيل النظري لفرع جديد من فروع علم النفس يتناول المجال الأمني من منظور نفسي.
- كما اظهر البحث كذلك الدور الهام لعلم النفس في المجال الأمني الشخصي، وكذلك في المجال الشعبي، وأيضاً في المجال المهني (المؤسساتي).
- كما اظهر البحث دور علم النفس الأمني في الاهتمام في مناقشة أهم مجالات الأمن بشكل عام، كالتجسس، والتحقيق، والحرب النفسية، والإشاعة والدعاية، وغسيل الدماغ، والروح المعنوية.
- كما اظهر البحث دور علم النفس الأمني في الاهتمام في مناقشة أهم مجالات المؤسسة الأمنية، كالإعلام الأمني، ومهارات القيادة، وسيكولوجية الحوافز، ومهارة التحقيق، وبناء الحسي الأمني.
- كما اظهر البحث دور علم النفس الأمني في مجال التوعية الأمنية، والتدريب الأمني، والاختيار والتصنيف والتوزيع، والتحري، والاستيعاب.
- كما اظهر البحث دور العلوم النفسية في الوقاية والعلاج لكثير من الاضطرابات والأمراض النفسية التي يتعرض لها العاملون في الأمن، كالخوف والاكتئاب والضغوط والعدوانية الخ.
- كما اظهر البحث كذلك أهمية الاختبارات والمقاييس النفسية في العمل الأمني ودور هذه المقاييس النفسية في العمل الأمني.
توصيات البحث:
- الاستمرار في عملية التأصيل لهذا العلم، باعتبار أن هذا البحث هو مجرد محاولة أولية من الباحث لهذه العملية.
- القيام بتثبيت هذا الفرع الجديد واعتماده نظريا في المؤسسات الأكاديمية والعلمية، تحت اسم مادة (علم النفس الأمني)
- القيام بتطبيق هذا الفرع الجديد من علم النفس في المجال الأمني بشكل عملي وتطبيقي في جميع مجالات العمل الأمني.
- قيام المؤسسة الرئاسية بتبني إنشاء أكاديمية أمنية نفسية، تعتمد على نظرية الدمج بين العلمين.
- قيام المؤسسة العلمية العليا (التعليم العالي) بتوفير الإمكانيات اللازمة، كالدعم المالي والمعنوي لترسيخ مثل هذا العلم.
المراجع
- ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم (1119م) ” لسان العرب” دار المعارف– لبنان.
- أبو نجيلة، سفيان(2001) “سيكولوجية الشخصية” دار النهضة العربية.
- أبو معيلق، مجدي (ب-ت) “علم النفس الجنائي”، الشرطة الفلسطينية غزة.
- البستانى، كرم (1986م) “المنجد في اللغة والإعلام” الطبعة الكاثوليكية، دار الشروق- بيروت- المكتبة الشرقية.
- البلبيسي، منيب (2002م) “الأمن النفسي وعلاقته ببعض المتغيرات الشخصية، والمتغيرات الديمغرافيه لدي طلبة الصف الحادي عشر في مدارس محافظات غزة”، رسالة ماجستير غير منشورة -جامعة عين شمس القاهرة، وجامعة الأقصى غزة .
- البيومي، محمد (1994م) ” ظاهرة تصفية العملاء ” الطبعة الأولى،غزة.
- جاد، نبيل عبد المنعم (1995م) “أسس التحقيق والبحث الجنائي العلمي” مطبعة كلية الشرطة، وزارة الداخلية أكاديمية الشرطة- كلية الشرطة.
- جامعه مؤته، (1996 م) ” محاضرات في مادة الأمن الوقائي” كلية العلوم العسكرية.
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (2006م) مؤسسة اليمامة الصحفية.
- حركة التحرر الوطني الفلسطيني- فتح، ” قواعد المسلكية الثورية” ب-ت.
- حسن، الحارث. ودايني،غسان (2006م) ” علم النفس الأمني” ط1، مؤسسة الدار العربية، للعلوم-بيروت، كلية الملك فهد الأمنية-الرياض، مجلة البحوث الأمنية. العدد رقم 34، كما سُحبت في 29/4/ 2007م. c.edu.sa/Docs/Journal/ http://www.kfs
- الخطيب، محمد جواد (2005م) ” علم النفس وعلم وظائف الأعضاء”، الجامعة الإسلامية-غزة.
- خليل، أحمد ضياء الدين (ب-ت) “الحس الأمني وأثره في تحقيق المواجهة الجنائية” السنة الرابعة، أكاديمية الشرطة.
- خليل، محمد حسين (1993م) “أصول إدارة الأفراد مع التطبيق على القوى العاملة بالشرطة” أكاديمية الشرطة-كلية الشرطة-القاهرة.
- درويش، محمد (ب-ت) “إدارة عمليات الشرطة” أكاديمية الشرطة-كلية الشرطة-القاهرة.
- الرازي، محمد بن ابي بكر بن عبد القادر (ب-ت) “مختار الصحاح” دار الفيحاء، بيروت-دمشق.
- الرفاعي، علي “العلاقات العامة في الشرطة”، مطابع روز اليوسف الجديدة- وزارة الداخلية- أكاديمية الشرطة- كلية الشرطة-القاهرة.
- سامح، احمد (ب-ت) “علم النفس الحربي” من الانترنت.
- السلمان، عبد العزيز المحمد (1981م) “الكواشف الجلية في معاني الواسطية”، الطبعة العاشرة-شركة الراجي للصرافة والتجارة، الرياض- السعودية.
- السلطة الوطنية الفلسطينية، (1998م) “كراسة الأمن”.
- السلطة الوطنية الفلسطينية، (1999م) ” منهاج تدريب القيادة والإدارة” ط1، الأمن العام-الفريق الفلسطيني للإدارة.
- الشريف، عدنان (1987م) ” من علم النفس القرآني”، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، ط1.
- الشربيني، لطفي (ب-ت) “العلوم الإنسانية في خدمة الأمن الاجتماعي” حلقة نقاش في الكويت.
- الشعلان، فهد، وفؤاد عبد الله الكندري، (ب-ت) ” التحفيز” مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. http://www.islamonline.net/arabic/mafaheem
- الطالب، هشام (1995م) “دليل التدريب القيادي”، فيرجينيا-المعهد العالمي للفكر الاسلامي، الاتحاد الاسلامي للمنظمات الطلابية- سلسلة التنمية البشرية.
- عباس، خضر (2000م) “إسرائيل ومفهومي توازن القوى والأمن الجماعي في العلاقات الدولية” مركز أفق للدراسات والتدريب، سلسلة دراسات أمنية، فلسطين-قطاع غزة.
- عباس، خضر (2000م) “دراسة بعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي” دراسة مقدمة لنيل درجة الماجستير في علم النفس، الجامعة الإسلامية- قطاع غزة.
- عباس، خضر (2001م) ” مستويات ونظريات الأمن القومي الإسرائيلي” إصدارات مركز أفق للدراسات والتدريب، سلسلة دراسات أمنية، فلسطين-قطاع غزة.
- عباس، خضر (2002م) “أساليب الحرب النفسية الإسرائيلية ومنطلقاتها في مواجهة الفلسطينيين” مركز الوعي للدراسات والبحوث الانسانية، فلسطين-قطاع غزة.
- عباس، خضر (2003م) “مفهوم الذات ومفهوم الآخر لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي ” دراسة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس-الصحة النفسية، جامعة عين شمس- القاهرة، وجامعة الأقصى- قطاع غزة.
- عباس، خضر (2004م) ” العملاء في ظل الاحتلال الإسرائيلي”، مطبعة الأمل التجارية، فلسطين-قطاع غزة.
- عباس، خضر (2005م) ” رحلة العذاب في اقبية السجون الاسرائيلية”، مطبعة الأمل التجارية، فلسطين-قطاع غزة.
- عباس، خضر (2005م) ” وسائل الإعلام الصهيوني والحرب النفسية ضد الدعوة والمقاومة في فلسطين والتصدى لها” الجامعة الإسلامية بغزة – كلية أصول الدين- مؤتمر الدعوة الإسلامية ومتغيرات العصر، المنعقد في 16-17 /4 /2005م.
- عباس، خضر (2007) ” الأزمة الأمنية في فلسطين وسيكولوجية الفلتان الأمني” الجامعة الإسلامية بغزة – كلية أصول الدين-مؤتمر الإسلام والتحديات المعاصرة، المنعقد في2/4 /2007
- عجلان، أسامة (ب-ت) “محاضرات في إدارة الشرطة” المديرية العامة للشرطة، فلسطين-قطاع غزة.
- عسكر، عبد الله عبد الجبار الفرحان، (1991م) “المدخل إلى علم النفس”، الناشر مكتبة الأنجلو المصرية.
- عيد، محمد إبراهيم (ب-ت) “أزمات الشباب النفسية” كلية التربية- جامعة عين شمس، زهراء الشرق.
- عيد، محمد إبراهيم (2002) “الهوية والقلق والإبداع”، دار القاهرة-مصر.
- العيسوي، عبد الرحمن محمد (1999م) “علم النفس العسكري”، دار الراتب الجامعية.
- قدورة، عمر (1997م) ” شكل الدولة وأثره في الأمن” مكتبة مدبولي-القاهرة.
- المراسي، محمد مدحت (1994م ) “تنظيم إدارة الشرطة” أكاديمية الشرطة-كلية الشرطة-القاهرة.
- المشاط، عبد المنعم (1987م) “نظرية الأمن القومي العربي المعاصر”، دار الموقف العربي.
- مركز أفق للدراسات والتدريب، (2003م) “دوسية الأمن”.
- مركز أفق للدراسات والتدريب،(2003م) “دليل التدريب القيادي”.
- مركز أفق للدراسات والتدريب، (2003م) “الإدارة في الأمن”.
- مركز أفق للدراسات والتدريب، (1999م) “منهاج تدريب القيادة والإدارة”.
- مركز أفق للدراسات والتدريب،( ب-ت) “دورات في الأمن، دورة التخطيط والقيادة”.
- مركز أفق للدراسات والتدريب، (1998م) “كراسة الأمن”.
- محمد منشاوي، (2003) “العلاقات العامة في الأجهزة الحكومية بين النظرية والتطبيق” 6/8/2003 http://www.minshawi.com
- موقع مقاتل، (ب-ت) “أسس ومبادئ الامن الوطني”www.moqatel.com
- موقع شرطة جدة، (2003) “تعريف رجل الامن ” 19/7/2003 http://www.jeddahpolice.gov
- موقع نداء القدس، (2003) “مفهوم الأمن، صفات رجل الأمن”24/6/2003 http://www.qudsway.com
- مؤسسة الأهرام، “الموسوعة السياسية” القاهرة، (ب-ت).
- نافع، عبد الكريم (1975م) “الامن القومي” مطبوعات الشعب.
- نافع، محمد عبد الكريم (1992م) “أمن الدولة العصرية” ط2، كلية الشرطة-القاهرة.
- نصار، نصار أحمد أبو السعيد، (ب-ت) “العلاقات العامة”.
- نور الدين، عبد الرحيم (1998م) “طرق الكتابة التلفزيونية الأخبار والبرامج التلفزيونية ومعالجتها للقضايا الأمنية” أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية- السعودية.
- هيد، كيت (1998م) “كيفية إنجاز المهمات” المعهد الديمقراطي الوطني للشئون الدولية- واشنطن.
- وولتر، ليبمان (1984م) مؤسسة الأهرام الدولي، القاهرة.

تعليق واحد

رحلة العذاب في اقبية السجون الصهيونية

المقدمة:
إن عمليات التعذيب التي يمارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان، هي ميزه يتفرد بها حتى عن أشرس الحيوانات المفترسة، لأن هذه الحيوانات حين تصارع أو تقتل بعضها البعض، لا تستخدم وسائل وأساليب تعذيب تتلذذ في ممارستها ضد ضحيتها، إنما هي غريزة حيوانية وحاجة بيولوجيه ضرورية، تحقق بها حب البقاء بالحفاظ على النوع، ثم تكف عن الصراع والقتل، بمجرد تحقيقها، والحصول على الاشباع لها.
وأما الانسان حين يستخدم التعذيب ضد خصومه وأعدائه مدفوعاً بالتلذذ وحب الإنتقام، فإنه يفوق بذلك حيوانية الحيوان وشراسته، لأنه يتفنن ويبدع في ابتكار الأدوات والوسائل والأساليب لتحقيق ما يصبو إليه في التخلص من هؤلاء الخصوم والأعداء. لهذا فإن التعذيب هو صناعة بشريه، تفرد بها الانسان وتميز عن باقي المخلوقات، وبالتالي حط من آدميته ومن رفعته وتكريمه، التي كرمه بها الله ” ولقد كرمنا بني آدم” لدرجة أدنى حتى من درجه الحيوانيه، “بل هم كالأنعام، بل هم أضل” يهبط بها إلى أعماق سحيقة من الدناءة والانحطاط، لا تعرفها أدنى المخلوقات على الإطلاق.
والمحقق الصهيوني هو المثال الأبرز في هذا الدنو والإنحطاط بما يمارسة من شتى صنوف وألوان العذاب التي يصب بها جام حقدة على المعتقل الفلسطيني، حيث تبدأ رحلة العذاب التي يمر بها هذا المعتقل، من اللحظه الأولى للاعتقال وتمتد عبر مساحة زمنية لا تنتهي بالخروج من التحقيق، بل تتواصل لتغطي جميع فترة وجوده فيه. حيث
كان الإعتقال أو الحبس (رغم أنه أحد الأساليب الكثيرة لممارسة التعذيب) الأسلوب الأكثر إستخداماً وقمعاً ضد مناضلي الشعب الفلسطيني. (عادل سالم، 2003: إنترنت)
لذلك نشط الاحتلال الإسرائيلي في اقامة سلسلة كبيرة من السجون والمعتقلات الجماعية في المناطق المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) وداخل الخط الأخضر (اسرائيل)، التي قلما شهدها العالم إلا أيام النازية والفاشية في أوروبا.
وقد رافق إنشاؤها ممارسة أساليب تعذيب متقنة ومدروسة بعيدة كل البعد عن الإنسانية، تستمد جذورها من عقلية تلمودية، أو قوانين وضعية للاحتلال البريطاني لفلسطين. حيث كان الفلسطيني عندما يعتقل، يحول للتحقيق في أحد مراكز التحقيق الصهيونية، مثل: (المسكوبية، عسقلان، بتاح تكفا، الجلمة، وغيرها) حيث يمدد اعتقالة مرة تلو أخرى، على يد قاضي لتمديد توقيفه مدة من الزمن، مع امكانية أن تصل الفترة ل(90) وأصبحت 101يوم، يستمر فيها ممارسة أساليب الضغط النفسية والمادية المختلفة على الأسير.(موقع الأسير، ب ت: أنترنت)
وزاد نهمها عندما قامت بغزو لبنان، حيث عكفت منذ اللحظة الأولى على إقامة المعتقلات الجماعية التي امتلأت بالآلاف من المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين، من بداية الاحتلال، وانتهاء باجتياح حزيران (يونيو) في سنة 1982. كمعتقل أنصار الذي افتتح في 14 تموز (يوليو) 1982، والغي بعد الانسحاب الإسرائيلي في سنة 1985، والذي يتطابق تقسيمه الهندسي مع المعتقل الألماني”اوشفتز”.(مروة كريم، 1985: 49)
وقد وصفته المحامية الاسرائيلية (فيلتسيا لانغر) حين التقت ب(صلاح التعمري) في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، وسمعت منه قصة المعسكر. بالقول: “ذكرتني بعض عناصر القصة، بقصة زوجي في معسكرات الاعتقال النازية”. (فليتسيا لانغر، 1993: 313 )
وهذا يدل على أن الفهم الإسرائيلي للسجن أو المعتقل، لم يكن وسيلة للعقاب فقط، ولا مكاناً للتأهيل كما تنادي بذلك القوانين الدولية، بل كان أداة للقتل والتصفية ونزع الروح المتمردة والثائرة في الإنسان الفلسطيني، ليتحول من مجرد إنسان إلى رقم لا قيمة له، محطماً ومدمراً بلا قناعات ثورية. (عيسى قراقع، ب ت: 15)
أي أن ممارسة التعذيب تتم بشكل منظم وبطريقة مستمرة ومتواصلة، بدون مراعاة لأبسط حقوق الإنسان، مما يؤدي لخلق بيئة جديدة لدى الفرد الذي يتعرض للتعذيب. ” بيئة قمعية ” Repression ecology ” كما يسميها (Barudy) تشكل حالة عامة من الافتقاد للإحساس بالأمان، والخوف الدائم، وفقدان الثقة بالذات والآخرين، وتفتيت للعلاقات والروابط الاجتماعية.
وقد أكد معظم المعتقلين الفلسطينيين الذين خضعوا للتحقيق، تعرضهم للتعذيب وإجبارهم على الإدلاء بإعترافات رغماً عنهم، وتعرضهم لصنوف شتى من التعذيب النفسي والجسدي في سبيل إدلائهم بإعترافات تدينهم أو شهادات ضد زملائهم. وتمارس السلطات الإسرائيلية عمليات التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين منذ عام 1967. (أجمد أبو شلال، 1999: 8)
ويؤكد ذلك أيضاً ضابطي المخابرات الصهيوني (يوسي ميلمان، ورفيف دان) اللذان ذكرا بإن “أقسى أنواع الضغط وأشده، الذي يتم في داخل السجون والمعتقلات، وخاصة في أجنحة التحقيق (وهي أجنحة يديرها (الشين بيت) في السجون الإسرائيلية) فعندما كان يلقي القبض على السجناء الفلسطينيين، كان يتم إحضارهم مباشرة إلى الأجنحة الخاصة أو مراكز الاعتقال، ولم تلق الشرطة أو هيئة السجون نظرة على ما كان يدور من عذاب في الزنزانات وراء تلك الجدران. وقد اعترفا كذلك بأنه “قد واجه العرب المتهمون بالإرهاب استجواباً وحشيا، وكانت الضربات الجسدية جزءاً منه، كما كانت هنالك أشكال أخرى من التعذيب لم تترك أية علامات، فما إن يدخل السجناء حتى تتم تغطية رؤوسهم بكيس أسود، ثم يستمر الاستجواب لمدة ساعات، عادة ما يحرموا فيها من النوم، وفي بعض الأحيان يتم صب الماء البارد عليهم، وعبر وسائل التعذيب الجسدية والنفسية وغيرها، تتم بعذ ذلك عملية الابتزاز والمساومة لهم. (يوسي ميلمان،ورافيف دان،1990: 147)
وقد تعرض هذا التعذيب لكثير من التقارير عبر الجهات والمنظمات والدول في العالم التي تنتقده وتدينه بشدة. ومن هذه التقارير (تقرير من منظمة العفو الدولية، الصادر بتاريخ ايار-مايو 1992، والذي لخص بشكل عام وسائل وأساليب التحقيق والتعذيب التي يستخدمها المحققون الإسرائيليون ضد المعتقلين الفلسطينيين) والذي جاء فيه بأن: “اسرائيل استخدمت الصدمات الكهربائية، والضرب بسلك كهربائي، والتعليق على عامود، والغمر بالمياه، والأوضاع المؤلمة، والحرمان من النوم والطعام والمرافق الصحية، وتغطية الرأس بالأغلال، والزنزانة الانفرادية، والقن (عش الدجاج) وغرف المتعاونين، والإهانات والتهديدات وغيرها”. (الأمم المتحدة،1982: 24)
وقد امتازت اساليب التعذيب في نظرية التحقيق الصهيونية، بكونها نظرية ديناميكية ومتحركة لعمليات نوعت من وسائلها وأساليبها بشكل دائم ومستمر، لذا نجد أن بعض الأساليب والوسائل التي كانت تستخدم في مرحلة معينة قد تغيرت وتبدلت، أو أُدخل عليها التعديلات الملموسة التي عملت على تطويرها وتحديثها بذاتها، أو باعتماد وسائل تقنية وفنية جديدة لم تعرف في العقود السابقة .
مما يتوجب على أي دراسة أمنية لعملية التحقيق أن تطور من ذاتها، وتستوعب كل ما هو جديد ومستحدث من اجل التوافق مع استخدام هذه الوسائل والأساليب. وخاصة في مجال العلوم النفسية، لما لهذه العلوم من علاقة هامة بعملية التحقيق، رغم أنها لم تخترع التعذيب ولكنها ساهمت في تحويله إلى علم وتقنية. حيث قدمت هذه العلوم –خاصة علم النفس- معلومات وأفكار علمية تستخدم لإجبار الأفراد على البوح بالمعلومات التي لديهم، أو لإكراههم على تغيير قناعاتهم. وقد كان البعض يقوم بإساءة استخدام هذه العلوم النفسية –خاصه المحققين الصهاينه- وهي إساءة تحدث بدرجات مختلفة، وذلك حسب اختلاف المعتقل وأهميته، وحسب الهدف من عملية التحقيق ذاتها.
وسوف يحاول المؤلف في هذا العمل استعراض أهم الوسائل والأساليب المعتمده في التحقيق في سجون الاحتلال الصهيوني بشيء من التفصيل، وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي في نقل الواقع كما هو، من خلال القراءة الواقعية والموضوعية للتجربة الإعتقاليه، وبإستعراض تجربته الشخصية في سجون الاحتلال، مستعيناً بما مرَّ به من محنه قاسية في التحقيق امتدت على مدار ثلاث حقب متتالية، تمثلت المرحلة الأولى في السبعينات والثانية في الثمانينات والأخيرة في التسعينات.
لذا فإن أهم المصادر الذي وثق من خلالها المؤلف هذا العمل تتمثل في الملاحظة والتجربة بشكل مباشر (عبر خبرته الشخصية)، ومن خلال المشاهدة الحية لما تعرض له إخوانه من تعذيب داخل أقبية التحقيق. وكذلك عبر الاستعانة ببعض المعتفلين الذين اخضعوا لعمليات التحقيق في سجون الاحتلال الصهيوني، (خاصة أكثر من مرة) عبر المقابلات المفتوحة المساشرة، التي شكلت نسيج العلاقة بين المعتقلين، (حيث ينقل كل معتقل تجربته الذاتية في التحقيق للآخرين من خلال أسلوب التنفيس بالقصة والحكاية) كما أن هذا الرصيد قد تمصدر كذلك من خلال ما كتبه المعتقلين داخل أو خارج السجون الصهيونية، عبر النشرات والاصدارات والتعميمات والكراسات والكتب الأمنية، التي تهدف لنشر الوعي الأمني لدى المعتقلين، والتي كانت بمثابة طوق نجاة، للكثير من حديثي التجربة الاعتقالية.
وقد عمد المؤلف لمناقشة هذا العمل -التعذيب في السجون الاسرائيلية- لما يمثلة من مشكلة واقعية، تمثل مشكلة خطيرة تمس أمن الشعب الفلسطيني بمجملة، باعتبار أن الفلسطيني عرضة للاعتقال والتعذيب في كل لحظة. مما يتطلب التعرف على أهم المفاهيم، المتعلقة بعملية التحقيق في السجون الاسرائيلية، وعلى أبرز وسائل وأساليب التعذيب المستخدمة فيها، والتعرف على طبيعة المحقق الصهيوني، وأهم الصفات التي يتصف بها، وعلى أصناف وأنواع المعتقلين الفلسطينيين، حسب مواجه عملية التحقيق، والتعرف على أفضل الطرق، للصمود في مواجهة التحقيق في السجون الاسرائيلية، وعلى أخطر الآثار الآنية والبعدية، التي تلحق بالمعتقل جراء عملية التعذيب.
وتنبع أهمية اصدار مثل هذا العمل في كتاب، لكونه يتناول موضوع خطير وهام بثوب علمي جديد، بعيد عن التقليدية والنمطية، حيث قدم نظرية التحقيق بأسلوب علمي، تصنعه‏ مجموعة‏ من‏ العناصر‏ والوسائل‏ التي‏ نتعلمها‏ كما‏ نتعلم‏ أي علم‏ آخر‏.
وقد يفيد هذا العمل كذلك على المستوى المعرفي، من توفير تحليلاً‏ أعمق‏ لجملة‏ المعطيات‏ والحيثيات‏ التي‏ تحكم‏ السلوك‏ البشري‏،‏ وفهم‏ نمط‏ العلاقة‏ التي‏ تربط‏ المعتقلين‏ فيما‏ بينهم‏ داخل التحقيق‏، وإدراك قدراتهم في الصمود،‏ مما قد يساعد‏ في‏ تشخيص‏ الأخطاء وإلقاء الضوء‏ على‏ طبيعة‏ وسائل وأساليب عمل‏ الأجهزة القمعية‏ الصهيونية في استخلاص المعلومات من أفواه المعتقلين الفلسطينيين‏..
وقد يفيد على المستوى التعليمي، من التحذير‏ من‏ هذه‏ الأساليب، وتقديم‏ النصائح لما‏ يجب‏ أن يقوم‏ به‏ المعتقل، والإرشاد للصفات‏ التي‏ يجب‏ أن ينميها‏ المعتقل لديه. من خلال الاطلاع على تجارب‏ الآخرين،‏ وأساليب الشعوب‏ المختلفة‏ التي‏ عاشت‏ وضعاً‏ يشبه‏ الوضع الذي نعيشه في ظل الاستعمار، بحيث نستطيع أن نرصد التجارب‏ التي‏ تم معايشتها عبر الخبرات‏ الشخصية المباشرة‏ لنا، أو عبر خبرات‏ الآخرين، في العقود‏ السابقة، التي نتعرف من خلالها على كيفية التعامل مع طرق‏ التحقيق‏ الصهيونية، وأهم الوسائل‏ الأساليب المتبعة فيها.
وقد يفيد هذا العمل على المستوى الوقائي، من تقديم شرح‏ لطرق وسبل‏ الوقاية‏ من الوقوع في الاعتراف عبر أقبية التحقيق الصهيونية، وخاصة فيما يتعلق بغرف العار والعملاء، واساليب الخداع المستخدمة فيها.
وسوف يتم استعراض الموضوع في خمس فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، وذلك على الوجة التالي :
الفصل الأول سوف يستعرض المقدمة، وأهم التعريفات للمصطلحات، ومحاربة التعذيب دولياً، وتشريع اسرائيل للتعذيب، وأهم صفات وسمات المحقق الصهيوني.
والفصل الثاني سوف يخصص لإستعراض، أهم وسائل وأساليب التعذيب الجسدية، والتعقيب عليها.
والفصل الثالث سوف يخصص لإستعراض، أهم وسائل وأساليب التعذيب النفسية، والتعقيب عليها.
والفصل الرابع سوف يخصص لإستعراض، أهم وسائل وأساليب التعذيب العقلية، والحيل الخداعية، والتعقيب عليها.
والفصل الخامس سوف يخصص لإستعراض، أصناف المعتقلين الفلسطينين في مواجهة التحقيق، وعوامل الإنهيار والصمود أثناء التحقيق، والتعقيب عليها. وأهم الآثار التي يتعرض لها المعتقل جراء عمليات التعذيب، والتعقيب عليها.

هدف التحقيق:
اعتمدت نظرية التحقيق التي تنتهجها المخابرات الإسرائيلية في أقبية الزنازين، على أكثر من نوع وأسلوب، يعمد فيها ضباط المخابرات الإسرائيلية، بالتعاون من إدارة السجون، إلى تحويل كل الوسائط والوسائل المتاحة، إلى أساليب ضاغطة، على نفس المعتقل، حتى يرضخ ويستسلم لإرادتهم، ويعترف بكل ما في جعبته، أو ينهار فيقدم المعلومات التي يعرفها، بكل سهولة، أو يصل لحالة من تفكك والشخصية، الذي قد يقود لتحوله من مناضل ومقاوم إلى معترف ومنهار أو حتى عميل”.
أي أن الهدف من وراء التحقيق لدى المحقق الصهيوني، يختلف عما هو متعارف عليه لدى جميع الدول، لأن التحقيق في أغلب الدول يهدف إلى الحصول من المعتقلين، على المعلومات المطلوبه. لكن الكيان الصهيوني، يعتبر الأنشطة ضد القوات الإسرائيلية المحتلة، أو ضد المتعاونين معها، أو ضد المؤسسات والمرافق التابعة لها هدف مطلوب التعرف عليه، أي تشترك مع هذه الدول في هدف الحصول على المعلومات، ولكن لكونها دولة محتلة تسعى لتفتيت وإلحاق الضرر بالهوية الشخصية للفرد الفلسطيني، وتدمير آلية عمل الأنا لديه، وتحطيم إيمانه بكل المعتقدات الإنسانية.
ويعتمد المحقق الصهيوني في تطبيق هذه الأساليب، على بعض العوامل ومنها:
عامل المفاجأة في الأدوات: حيث يدخل المحقق وسائل لا يتوقعها، ولا يعرفها المعتقل مما يجعله يصاب بقلق التوقع، حيث يتوقع دائماً أن يتعرض لما هو أسوأ من الأدوات التي قد تفوق سابقتها.
وعامل الاستباحة الجسديه: حيث يحاول المحقق أن يشعر المعتقل، أن جسمه مستباح كله، لا حرمه ولا أخلاق في ذلك، يعذبه، يغتصبه، ينهكه، فهو ملكه وله الحق في ايقاع أي صنف من العذاب عليه، ولو شعر المحقق أن شيئاً ما قد يؤلمه فسوف يحول مجرى التحقيق عليه، أو يزيد منه حتى يعترف.
وكذلك عامل الاستباحة النفسيه والعقلية: بحيث يوحي المحقق للمعتقل بأنه لا يوجد للنفس البشرية أي قيمه أو احترام في التحقيق، فلو علم أنه خجول فإنه سوف يسعى لتعريته أمام زملائه، ولو علم أن اخلاقه عاليه ويحافظ على زوجته وشرفه فإنه لا يتورع من استدعاء زوجته للضغط عليه.
تعريف المصطلحات والمفاهيم :
تعريف السجن:
في اللغة: يعرف السجن بكسر السين بأنه موضع الحبس، وبفتحتها يعني الحبس نفسه. وفي الاصطلاح:عرفه القليل من العلماء المسلمين ومنهم العالم ابن تيمية والكاساني، حيث قال ابن تيمية: في تعريفه هو ” تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، ولو بربطه بشجرة، أو جعلة في البيت أو المسجد “. وقال الكاساني في تعريفه هو: ” منع الشخص من الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والاجتماعية. ولم يشرع الحبس في الأصل لإهانة السجين أو تعذيبه أو الانتقام منه أو اهماله، وإنما شرع لاصلاحه وتعديل سلوكه وتأهليه للخروج إلى المجتمع بنفس جديدة ونظرة جديدة إلى الحياة، فيها معاني الاستقامة والصدق والجدية والعطاء”. (حسن أبو عبدة، ب ت: انترنت)
وقد أعتبر (جلوزمان سمون) مجتمع الاعتقال بأنه ” مجتمع ذاتي التكيف بمعنى أنه يمكن للفرد الحفاظ على اتجاهاته الأخلاقية السابقة، وهذا يدل على تأثير البيئة الخارجية على الأسير داخل المعتقل من حيث قدرته على التحمل وحفاظة على اتجاهاته وقيمه التي كان عليها”. (جليلة دحلان، 2001: 14)
تعريف التحقيق:
عرفه عالم النفس (سيلي) بأنه “حالة من عدم التوازن داخل الكائن الحي، والتي يثيرها التباين الواقعي، أو المدرك ما بين مطالب البيئة وطاقة الكائن الحي في التغلب على هذه المطالب، وتظهر من خلال استجابات فسيكولوجية وعاطفية ومسلكية متعددة “. (عبد الرؤوف الطلاع، ب ت: 14)
وعرف عالم النفس (ماكجراف) الموقف النفسي الضاغط بأنه ” إدراك الفرد ضعف قدرته على إحداث استجابة مناسبة لمطلب أو مهام، ويصاحب ذلك انفعالات سلبية كالقلق والاكتئاب”.
ويعرفه المؤلف بأنه: “عبارة عن مجموع المواقف الضاغطة التي يتعرض لها المعتقل، على المستوى الجسدي والنفسي والعقلي، بواسطة طرق ووسائل وأساليب إجرائية تنتهجها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، في استجواب واستنطاق المعتقلين، بهدف الوصول إلى المعلومة المطلوبه، وإلحاق ضرر جزئي أو كلي على كيان المعتقل”.
تعريف التعذيب:
عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة التعذيب، في المادة رقم (1) بأنه هو ” أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يُلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفة أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث أو عندما يلحق مثل هذا العذاب أو الألم لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية “.
تم هذا القرار في 9 كانون الأول عام 1975، وكذلك في الجلسة العامة لاتفاقية مناهضة التعذيب في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984. (الأمم المتحدة، 1993: 426)
ويعرفة (محمد الزير) بأنه ” هو التدمير الجسدي والنفسي والجنسي المعتمد والمنظم من قبل شخص أو أكثر، يعمل لوحده أو بناء على أوامر أي سلطة، ويهدف إلى انتزاع المعلومات، وتدمير شخصية المعتقل والتسبب بمعاناة جسمية ونفسية وجنسية للشخص بعد التعذيب، لإرهابه ومنعه من متابعة النضال بعد خروجه من السجن، ثم لإستخدام الانسان المحطم لنشر الرعب بين أفراد المجتمع.(محمد الزير، 2001: 13)
وتبنت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان تعريفاً للتعذيب النفسي، جاء في هذا القرار بأن: “التعذيب غير الجسدي هو التسبب في الألم الذهني، من خلال خلق حالة من الألم والضغط عبر وسائل غير الإعتداء الجسدي”. وتم ذلك القرار في قضية الدنمارك والنرويج والسويد وهولندا ضد اليونان عام 1969 م. (أمينة سلطان، 2000: 6)
تعريف الألم:
عرفت الجمعية العالمية لدراسة الألم بأنه: ” إحساس كريه وتجربه انفعاليه يشاركان في أبنيه نسيجيه حقيقية أو محتمله أو موصوفه، أو بعبارات من هذا القبيل “. أو هو عبارة عن خبره غير مقبوله من المشاعر والأحساسيس المرتبطه بضرر حاد أو كامن في النسيج الحي، أو الذي يمكن وصفه من خلال مفاهيم مثل هذا التصور “. (ISAP، 1979، أنترنت)
التصدي لممارسة التعذيب عالمياً:
اعتبرت المنظمات والمحافل الدولية، بأن التعذيب في أغلب الدول، لا يهدف الحصول على اعترافات من المتهمين فقط ، كما يخيل لنا للوهلة الأولى، بل أبعد من ذلك بكثير، بما قد يحمله من تفتيت والحاق الضرر بالهوية الشخصية، وتدمير آلية عمل الأنا وتحطيم إيمان الشخص بالمعتقدات الإنسانية جمعاء”.
والتعذيب يتم بشكل منظم وبطريقة مستترة في عالم تحكمه العشوائية، وتحدث دون مراعاة لابسط حقوق الانسان، مما يؤدي لخلق بيئة قمعية، Repression ecology كما يسميها (Barudy)، حيث هناك حالة عامة من الافتقاد للاحساس بالامان، وحالة من الخوف الدائم، وفقدان الثقة بالذات والآخرين، وتفتيت للعلاقات والروابط الاجتماعية. (715-727: Barudy, J. ,1989 )
أي أن ممارسة الدولة العنف المنظم بما يحويه من وسائل التعذيب المختلفة، يشكل في حد ذاته ظاهرة عالمية واسعة الانتشار، تحتاج لكثير من الاهتمام، لأجل التصدي لها.
)Amnesty International, 1992 : 19(
لهذا بدأت عملية التصدي لممارسة التعذيب عالمياً، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: (العمل على منع التعذيب، والتصدي للتمييز، والتغلب على الحصانة من العقاب). ويتوقف إقرار العدالة في ذلك، على مدى اهتمام الإعلام وتعبئة الرأي العام، إذ تنتعش ممارسة التعذيب في ظل لامبالاة الجمهور، لذلك لا بد من تحويل اللامبالاة لغضب، ولعمل جماهيري. ولا بد من العمل على وجود أدلة لا تُدحض كالأدلة الطبية لتأكيد مزاعم التعرض للتعذيب، وقدرة القضاء على متابعة التحقيقات بصورة مستقلة ووافية.
وكذلك العمل على زيادة الوعي بالتعذيب، وكيفية منعه، وحث الناس على العمل على منع التعذيب، عبر التعاون مع منظمات حقوق الإنسان، والنقابات، والمجتمع الأهلي، وكل المعنيين بذلك. والعمل على إنشاء محكمة جنائية دولية للنظر في قضايا التعذيب، وغيرها من الجرائم الدولية ضد الإنسانية. وأيضاً المطالبة بإدانة التعذيب عبر حث الزعماء السياسيين في شتى أنحاء العالم، أن يعلنوا معارضتهم للتعذيب.
وقد تمخض عن كثير من هذه النشاطات الدولية في جميع أنحاء العالم صدور عدة موائيق وقوانين دولية، من أهمها قوانين حقوق الانسان التي اقرتها كافة المواثيق والمبادئ الدولية التي تنص على حقة في الحياة والحرية والسلامة الشخصية والكرامة الانسانية. ولأن التعذيب ينتهك هذه الحقوق، فقد اعتبرته قوانين معظم الدول المتحضرة جريمة، واعتبره القانون الدولي، وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة، “مخالفة جسيمة”. (رزق شقير، 1991: 2)
لذلك ضمنت كل دولة أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة اممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤ ومشاركة في التعذيب. (ابراهيم أبو دقة، 1996: 5)
اسرائيل تشرع لممارسة التعذيب :
لقد ثبت بأن هناك منهجية في استخدام التعذيب في مراكز الاعتقال الاسرائيلية، إذ تظهر الدراسات باستخدام هذه الأساليب بشكل منظم، حيث تعطي الأوامر باستخدامها من قبل المسؤولين، و يظهر بوضوح وجود أدوات للتعذيب مدى تأصل هذه الممارسات في العقلية الصهيونية.
وقد أشارت الحقائق إلى مواصلة هذه السياسة التي يصر رجال الشاباك وصناع القرار في حكومة اسرائيل على التمسك بها، بل ووضع قانون داخلي يجيز للشاباك استمرار تعذيب المعتقلين تحت حجة الخطر الأمني. (عيسى قراقع،2000: 155)
وقد شهدت على هذه الممارسات المحامية الإسرائيلية (فيليسيا لانغر) التي وصفت عملية التحقيق بقولها: ” يسير التحقيق ضد المعتقل في عمليات عدة لا بأس من تعدادها واحدة تلو الأخرى. فهم يهددونه أولا بالضرب، وإذا لم يجد التهديد نفعا يباشر به فعليا، فيعرى ثم يتعاقب عليه أشخاص عديدون يتناوبون على ضربه مع مراعاة أن يكون الضرب على الرأس وفي مكان معين وعلى الأعضاء الجنسية، ثم تسكب المياه على المعتقل عند كل إغماء، وبعد ذلك يستكمل التحقيق بالمياه الشديدة البرودة، تعقبها مياه شديدة الحرارة، أو أن تطفأ السجائر في أيدي المعتقل وجسده، كما يعرض جسده وفي أماكن حساسة لتيارات كهربائية، أو أن تحرق الشفاه، وتدفع بين أصابع القدمين أوراق مشتعلة إلى جانب نزع الأظافر ونتف الشعر، ثم التهديد بمضاجعة الشخص أو مضاجعة زوجته أو أخته أو أمه أمامه، وان يعلق في يديه بطرق مختلفة من علو مرتفع أو أن تكبل قدماه ويداه فترات طويلة”. ( فليتسيا لانغر، 1993: 310 )
واعترفت كذلك اللجنة القضائية برئاسة (موشيه لنداو) التي شكلت في (31/5/1987) للتحقيق في أساليب وطرق ادارة التحقيق من قبل جهاز الأمن العام، في تقريرها بأن هذه الادارة تستخدم أساليب قاسية ضد الفلسطينيين، ولقد أعطت اللجنة الشرعية لاستخدام ضغوط جسدية ونفسية “معتدلة” أثناء التحقيق، وبأن التحقيق مع المشبوهين بالقيام بأعمال تخريبية لا يكون مفيداً أو ناجحاً دون استخدام وسائل ضغط من أجل التغلب على ارادة العناد عندهم ورفضهم الكشف عن المعلومات والتغلب على خوف المشبوه من أن يتعرض للخطر من قبل رجال التنظيم إذا كشف عن المعلومات، ويجب أن تتركز وسائل الضغط في الأساسي على الضغط النفسي، ولا مانع من استخدام درجة معتدلة من الضغط الجسدي”. وهكذا، فقد منح هذا التقرير الشرعية للتعذيب الاسرائيلي، مما أدى إلى تصاعد التعذيب. (رزق شقير،1991: 7)
ولقد كان من المتوقع أن تضع اتفاقيات أوسلو حداً نهائياً لسياسة التعذيب التي مارستها اسرائيل منذ بداية الاحتلال، إلا أن العكس قد حدث، حيث استمرت سياسة التعذيب، واصدرت محكمة العدل العليا الاسرائيلية قرارات علنية ابتداءاً من 1996م تدعو إلى السماح ل(الشين بيت) باستخدام الضغط الجسدي وأساليب التعذيب العنيف اتجاه المعتقلين الفلسطينيين، كما منحت اللجنة الوزارية التي تراقب الشاباك السلطة باستخدام ضغط جسدي زائد، وأساليب تحقيق محرمة دولياً. (عيسى قراقع،2000: 155)
أي أن التعذيب لم يتوقف بعد اتفاقية أوسلو، بل على العكس أخذ غطاءاً قانونياً وبأشكال مختلفة، منتهكة حكومة اسرائيل بذلك كل القواعد والأعراف الدولية التي تحرم التعذيب. ولعل الضجة التي أثيرت في السنوات التي تلت اتفاقيات أوسلو احتجاجاً على سياسة التعذيب، قد جاءت نتيجة لتصاعد هذه السياسة، وبروز مخاطرها على جميع المعتقلين. حيث أشار التقرير السنوي لجمعية حقوق المواطن الاسرائيلية “بيتسيلم” بتاريخ (2/7/1998) أن الشاباك الاسرائيلي يحقق مع (1000-1500) مواطن فلسطيني في السنة، وأن 85% من مجموع الأشخاص الذين تعروضوا للتحقيق خلال السنوات (1996-1997)، قد تعرضوا للتعذيب دون أن تحرك المحكمة العليا الإسرائيلية ساكناً لمنع ذلك، لأن التعذيب يستخدم بشكل منهجي ضد الأسرى”. (عيسى قراقع،2000: 155)
وقد شهد العام 1990 تطوراً في أساليب التحقيق المتبعة من قبل أجهزة الأمن الاسرائلية، حيث تم الانتقال من استخدام طرق التحقيق العنيفة إلى طرق أخرى لا تترك أثاراً ظاهرة، حيث حل التعذيب النفسي محل الضغط الجسدي الأكثر وضوحاً، وتم استبدال الضرب الذي يترك آثاراً وجروحاً على الجسم بالأوضاع الجسدية المؤلمة والحرمان من النوم والعزل، التي تسبب ضرراً جسدياً تظهر اثاره على مر الزمن.
ولكن سرعان ما عادت تلك الأساليب العنيفة، حيث تزايد ذلك في السنوات الأخيرة، تحت شعار عنوان “مكافحة الأرهاب”، وهو الغطاء الذي يمنح حكومة اسرائيل ممارسة ذلك وبشكل علني، حيث صادق الكنيست الاسرائيلي بالقراءة الأولى على اقتراح “قانون الشاباك” الذي يتيح للمحقق أن يستخدم أساليب تحقيق جسدية في حالات معينة، وفقاً لهذا الفهم الاسرائيلي فإن أساليب الضغط الجسدي، وعمليات الهز العنيف لأجسام المعتقلين، في التحقيق لا تعتبر بمثابة تعذيب”.
لهذا فإن رجال المخابرات الإسرائيليه يتصرفون بحماية تامّة ودون ملاحقة أو مراقبة على أعمالهم التعسفية مع المعتقلين بعد أن سمحت محكمة العدل العليا والمستشار القضائي الإسرائيلي بإعطاء تصاريح وأذونات لرجال المخابرات باستخدام وسائل التعذيب مع المعتقلين الفلسطينيين.
“وبعيداً عن كل ذلك الجدل الاسرائيلي الرسمي المتعطش لوضع تشريع للتعذيب، فإن التعذيب قائم ومستمر ومتواصل في أقبية التحقيق الاسرائيلية، وأن هذا الجدل ليس له أية علاقة بعملية السلام، ولا بأي شكل من أشكال احترام حقوق الانسان بقدر ما هو تمرد اسرائيلي رسمي على كل الشرائع الدولية التي تحرم التعذيب، وأن الهم الاسرائيلي، على ما يبدو هو ايجاد مدخل قانوني داخلي يجيز لها تعذيب المعتقل الفلسطيني ودون الحاجة أن إلغاء قرار محكمة العدل العليا، والضحية في النهاية هو المعتقل الفلسطيني. (عيسى قراقع،2000: 155)
أساليب التموية الاسرائيلية على التعذيب:
لم تبرع اسرائيل في ممارسة فنون كثيرة في وسائل وأساليب التحقيق والتعذيب، في سجونها فقط، بل برعت كذلك في إخفاء أدلة التحقيق والتعذيب، بطرق كثيرة منها: -إخفاء أدلة التعذيب حيث ترتكب عمليات التعذيب في سرية تامه، وفي أماكن تكون بمنأى عن أعين وكاميرا الآخرين، ووسائل الاعلام، وتُبذل جهود كبيرة في كثير من الأحيان لإخفاء الأدلة الضرورية، وكثيراً ما تتعثر التحقيقات، بسبب تقاعس جهات التحقيق أو عدم فعاليتها أو تواطؤها.
- تهديد وترهيب الضحايا الذين يستبد بهم الخوف من التعرض للانتقام فيلزمون الصمت. حيث من يتقدم منهم بشكاوى يتعرض للتهديد أو الاعتداء، وفي كثير من الأحيان لا يتيسر لهؤلاء طلب العون من المحامين أو المنظمات غير الحكومية.
- عدم فعالية التحقيقات التي تتولاها الهيئات التي مارس العاملون فيها التعذيب، بحيث قد يفضي التدخل السياسي في العملية القضائية إلى صدور قرار بعدم الملاحقة القانونية لشخص متهم بممارسة التعذيب.
-تواطؤ الضباط الآخرين من زملاء مرتكبي جريمة التعذيب بالتزام ميثاق صمت فيما بينهم.
- عدم كفاية الإطار القانوني لمعاقبة مرتكبي التعذيب، إذ لا يحرِّم القانون ممارسة التعذيب في العديد من النظم القضائية.
- الاستهانة بأحكام القضاء، حيث تتجاهل السلطات السياسية الأحكام الصادرة عن القضاء مما يقوض مبدأ سيادة القانون ويعزز الإفلات من العقاب.
- تقنين التعذيب والعقوبات البدنية عبر سن قوانين تسمح باستعمال التعذيب في العقوبات التي تفرضها المحاكم كعقوبة جزائية، أو النظام الإداري كإجراء تأديبي، وينفذها مسؤولون بالدولة، وتُحاط بالاحترام الذي تحظى به العقوبات القانونية.
- الإفلات من العقاب وفق القانون، حيث تمنح بعض القوانين الحصانة من المحاكمة للضالعين في ممارسة التعذيب. وكثيراً ما تُسن هذه القوانين خلال حالات الطوارئ أو عند إعلان الحكومات وجود تهديد خاص للنظام العام.
- عدم وجود آليات أخرى لضمان المحاسبة، كالعقوبات الإدارية والتأديبية، كأن ينظر على وجه السرعة وباستقلالية ونزاهة في مزاعم التعذيب، بحيث قد يوقف المعني بالحدث ريثما ينتهي التحقيق معه، أو تنحيته من مهامه، أو نقله، أو فصله إذا ثبتت مسؤوليته، مع توقيع العقوبات الأخرى المناسبة عليه، مثل التغريم أو الإلزام بدفع تعويضات للمعتدى عليه.
صفات المحقق الصهيوني (أداة القمع):
إن أغلب المحققين الصهاينة، خاصة في الآونة الأخيرة، قد كانوا من فئة الشباب الذين تخرجوا من جامعات أو معاهد، حيث كانوا يحصلون على تعليم عالي وجيد، بالإضافة إلى تطوير قدراتهم باستمرار، مع توفير الإمكانيات التقنية اللازمه لعملهم. وقد تبين للمؤلف من خلال ملاحظته المباشرة لرجال التحقيق الصهيوني، ظهور هذا التطور، حيث كانوا في مرحلة السبعينيات أقل وعيا وخبرة وثقافة بالوسط الفلسطيني، وأما في المرحلة الأخيرة فقد كان اغلبهم اعمق ثقافة واكثر دراية بالأساليب النفسية، واكثر خبرة بطرق الخداع وأساليب الاستدراج، مع قدرة اكبر على فهم الأساليب العقلية، والقدرة على الحوار والنقاش، من خلال اطلاعهم على الثقافة الفلسطينية العامة، والاطلاع على ثقافة الفصائل والتنظيمات على الساحة الفلسطينية. وذلك من خلال الدورات الثقافية والأمنية والنفسية المكثفة التي مروا بها.
وبرغم كل هذه المؤهلات، إلا أنهم يحملون صفات وسمات قاسية وعنيفة جداً. ومن هذه الصفات التي يمتاز بها المحققين الصهاينه، التي لمسناها خلال التحقيق: الساديه: وهي تعني استمتاع الشخص برؤية الآخرين وهم يتألمون، ويحصلون على نشوة نفسية من القيام بالتعذيب، وإذلال ألآخرين، وهذا قمة السعادة لدى المحقق.
السيوكوباتيه: والتي من بعض صفاتها ما ينطبق على المحقق الصهيوني، مثل: الاستهانة بالقوانين والقيم والأعراف الأخلاقيه والانسانية والدولية، وعدم الاحساس بالذنب والندم والشفقه والرحمه والعدل والكرامه، إضافة للخداع والتستر والانتهازيه.
العدوانية: من ابرز صفات المحقق الصهيوني العدوان، حيث يظهر ذلك بشكل جلي في عملية العدوان الاستباقي أو الوقائي، تحت شعار حماية النفس أو المواطنين من أذى متوقع من الغير (الفلسطيني).
إحتفار الآخر: المحقق الصهيوني يحتقر بشكل عام كل أخر، وعلى وجه الحصوص الآخر (الفلسطيني)، لأنه يعتبره أقل منه انسانيه، لذلك هو يسعى لسحقه وإذلاله عبر عمليات التعذيب.
التبرير: المحقق الصهيوني يكتنز من عمليات التبرير لكل ما يقوم به من عمليات تعذيب الرصيد الكبير، بأعتبار ذلك أحد الدفاعات النفسيه التي عاش بها آباءه وأجداده في الجيتو الأوروبي. فهم يعتبرون التعذيب وسيله مشروعه لتحقيق أمنهم. أي يربطون عمليات التعذيب التي يمارسونها ضد الفلسطينيين، بمجرد فهمهم العاطفي الذي يسعفهم في تبرير التعذيب، بل وإضفاء عليه قيمه دينيه أو قوميه أو وطنيه.
بذاءة اللسان: من أبرز صفات المحققين هي بذاءة ألسنتهم حيث لا يتورعون عن ذكر أدنى وأحط الكلمات البذيئة والسباب والشتائم التي لا تفارق شفاههم، سواء بقلة الأدب مع الله، بنكرانهم له، وعدم اعترافهم به، أو بالمقدسات والمحرمات، والتعاليم الدينية. وكذلك قلة الأدب مع المعتقل على المستوى الأخلاقي والعاطفي والعقلي وغير ذلك.
القسوة الزائدة: أحد المحققين في جهاز الشابك الصهيوني يتحدث عن كيفية التعامل مع المعتقل من لحظة دخوله، وعن قسوة الارشادات والتعليمات التي يلقن بها المحقق. فيقول: ” إن هدفك يتحدد في كسر الجليد، والا فلن تحطم جدار مقاومته.
وذلك يتم من خلال دراسة المواد المسبقة التي توجد حوله. يضاف الى ذلك انطباعك عن الشخص مع دخوله الى الغرفة، هل هو مجروح المشاعر، مضروب، مرهق، ذقنه غير محلوقة. أنت تقوم بتبادل عدة كلمات معه حتى تختبر نبرة صوته وكيفية اندفاعه للإجابة. في البداية يجري الحديث عن أمور عامة، العائلة، وتفضيله للعيش في ظل اليهود، رأيه حول قادة اسرائيل. ومن خلال هذه الإجابات أنت تحاول دراسة وضعه في البيت وحالته المزاجية. عليك ان تعرف كيف تسأل فهناك أمور يحظر طرحها على العربي بصورة مباشرة وإلا فانه سيوصد أبوابه أمامك. وخلال التحقيق يتوجب عليك ان تفكر بألف أمر وأمر، وعليك ان تصغي له جيدا وان تواجهه ببعض الأمور عندما تكتشف انه يكذب، فلا يتوجب أن تسأله عن اسمه الرباعي من دون ان تعرف ذلك سلفا، يجب ان تهز ثقته من خلال إبراز اطلاعك على تفاصيل حياته وحياة عائلته منذ سنوات بعيدة سابقة. يجب ان تنتبه للغة الجسد وان تفكر بلعبتك أنت ولغة جسدك.
وان تشخص اللحظة المناسبة للضغط ومتى يتوجب عليك ان تصمت وان تتركه يقول كل ما عنده. عليك ان تكون قادرا على التغير والتبدل خلال التحقيق دفعة واحدة حتى تزعزع ثقته مثل ان تنتقل من لعب دور الشخص اللطيف فجأة وان تضرب له على الطاولة وان تصرخ في وجهه.
وعليك أيضا ان تسيطر على مشاعرك ولا تظهر له أنك مضغوط أو خائف، وإلا فانك ستضيع. وعليك ان تعرف كيف تستخدم ما تشعر به نحوه، فأحيانا يكون أمامك شتى الأشخاص الجامدين الذين يضيع وقتك معهم هباء، نتنون لم يخلقهم الله. لذلك عليك أحيانا ان تخفض من مشاعر القرف، بل وأحيانا عليك ان تستخدمها ضده. (عميت نافون،2002: 2)
الاحباط الشديد: أكثر ما يميز المحقق الصهيوني هو عملية الاحباط الشديد التي تشكل حياته، ويقول محقق صهيوني في هذا الصدد: ” في كثير من الأحيان تنفس عن احباطاتك وتسقط حالتك النفسية على اقرب الناس لديك, انك لا تستطيع ان تشارك أفراد عائلتك تفاصيل الحياة, يصبح لديك عالم خاص وغريب. والبعض يقول ان عقول أبناء المحققين سطحية لان آباؤهم يكسرون الصحون على رؤوسهم, وكذلك يقولون ان زوجات المحققين لا يستطعن تلبية رغبات ازواجهن, لان المحقق تصبح لديه رغبة بأن يربطها على الكرسي لاربع او خمس ساعات وان يسمعها موسيقى ذات ضجيج صاخب, او يجعلها لا تنام لثلاث ليال, ويصبح لديه رغبة بأن يفرض عقوبات على ابنائه كأن يشبح أحدهم ويجعل رأسه للأسفل ويغطسه في دلو من الماء لمرات عديدة, ويصبح لديه رغبة او عادة ان يمارس مع الناس في الشارع، ما يمارسه مع المعتقلين الفلسطينيين, وهكذا يصبح المحقق شخصية عصبية معقدة مريضة، لا يستطيع مع الأيام الفصل بين عمله كمحقق، وبين طريقة حياته اليومية العاديه. (موقع المقاومة،2003: أنترنت)
الضغوط والإضطرابات: ان طريقة عمل المحققين تتسبب في قدر غير قليل من الضغوط والاحباطات لهم، حيث يقولون ان بيئة عملهم تؤثر على حياتهم الشخصية في أحيان كثيرة. ويدعي المحقق (ر) ان نسبة الطلاق عند أفراد “الشباك” عالية بدرجة غير عادية بالمقارنة مع المعدل السكاني. ويقول في احيان كثيرة تقوم بتفريغ احباطاتك على الأشخاص القريبين منك، تصرخ من دون سبب، تنرفز بسرعة أو تنغلق على نفسك “. ويقول كذلك المحقق (ر) “أن الجميع يشعرون بضغوط العمل ولكن عند الشباك لا يستطيع الإنسان ان يشرك عائلته بما يمر به، وإذا كانت الزوجة من النوع الذي يضغط لمعرفة ما يحدث يتسبب ذلك بإثارة عصبيتك بصورة اكبر. ومن المتطرف جدا أيضا ان تدخل كل يوم للسجن لتلتقي مع أشخاص قذرين!! ومن ثم تعود إلى بيتك”. “في مرات عديدة يحدث ان تعود بصورة متأخرة وفكرك ما زال في التحقيق بعد ان لم تنجح في انتزاع شيء منه، وليست لديك رغبة في ممارسة الجنس. هذه مسألة ليست سهلة. حيث تأثير العمل على شخصية الإنسان يظهر في مجالات عديدة في الحياة العادية مثل استخدامه لوسائل وحيل التحقيق مع الأشخاص الذين يتعامل معهم دون ان يتمكن من الفصل بين عمله وحياته في الواقع الإسرائيلي، وكذلك العلاقة الوثيقة المتداخلة بين المجتمع الإسرائيلي والسكان الفلسطينيين يتسبب أحيانا في أوضاع سريالية يجد فيها المحقق والمحقق معه أحيانا أنفسهم في عمل مشترك معا.ً (عميت نافون، 2002: 3)
الإجهاد الجسمي والنفسي والعقلي: يمر في كثير من الأحيان المحقق الصهيوني بحالات من الاجهاد الشديد، جراء عمليات التعذيب المتواصلة مع المعتقلين. ويقول (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق، في ذلك مبرراً ما يصاب به المحقق من عمليات اجهاد تؤدي لاحباط لديهم. “يجب فهم مدى الإجهاد الذي يلم بالمحقق، فكم من الزمن يمكن للمحقق الجلوس في غرف التحقيق الضيقة يجابه خلالها أولئك القتلة!!! الباغضين لدولة إسرائيل؟ كم من الزمن يستطيع المحقق أن يحافظ على رباطة جأشه بينما يجلس أمامه مخرب قاتل للجنود والمواطنين الإسرائيليين، مستهزأً به بلا حياء؟ في هذه الأحوال لا يزال المحقق ملزما يطلب إذن لكي يمسك بتلابيب ملابس المخرب ويهزه بعنف، عدا الكلام عن صفعة واحدة يوجهها إليه… يعمل الجهاز ويبذل الجهد الكثير لكي يقلل من الضرر النفسي الواقع على المحققين بسبب ما يتعرضون له من شد عصبي. وهناك عدة أسباب لذلك إجازات نهاية الأسبوع مع عائلاتهم، إجازات ترفيهية، الالتحاق بدورات تأهيلية. وكباقي موظفي الجهاز الذين يتعرضون لأزمات شخصية، يمكنهم التوجه لطلب المساعدة للذهاب للطبيب النفسي الخارجي، أما التفاصيل فتبقى طي الكتمان والسرية المطلقة، أما الطبيب النفسي فيقدم تقريره للجهاز فيما يتعلق بعدد الحالات التي وصلته، دون ذكر أسماء، ومن الجدير بالذكر أن من توجهوا بالطلب لهذه المساعدة ضئيل جدا. وأتذكر فقط حادثة واحدة التي طلبنا فيها المساعدة النفسية، حدث ذلك في أحد محافل التحقيق، في أعقاب شكاوي عديدة من أطراف مختلفة والتي كانت منظمة حقوق الإنسان امنستي منها، تبين أن أحد المحققين كان يقود سيارته بسرعة وعصبية ظاهرة، تحدثت مع قائده، وكذلك مع عدد من زملاءه في العمل، فتجلى لي ظرف مهم جدا كان قد أخفاه قبل قبوله في العمل في صفوف الشاباك، وهو انه كان ضحية للعنف الأسرى في صباه، أقنعته بان يتجه للعلاج النفسي، وأفرزنا له وظيفة واحدة، كل هذه الأمور جرت في أجواء من السرية والتكتم، لم يتسرب أية تفاصيل عن القضية، ولا زال الرجل يمارس عمله في الشاباك، ويقوم بواجباته على اكمل وجه.(يعقوب بري،1997: 34)
رجل مهنة وليس رجل مبدأ: إن حياة المحقق معلقة بعملة، حيث أن الشيء المهم أن يحصل على ما يدين المعتقل، ليثبت ذلك من أجل إدانته، فيتمسك بكل كلمة تخرج منه حتى لو كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكي يصل إلى مراده وهدفه الأساس، وهو الارتقاء والحصول على الرتبة والمنصب من خلال رضى المسؤولين عنه، والحصول على وسام البطولة والمهارة والقدرة على انتزاع الاعترافات من المتهمين.
وهذا القول لا غرابة فيه، باعتبار أن المحقق هو موظف ينتظر راتبه في نهاية الشهر، غالبا ما يكون بلا عقيدة أو مبدأ، يستمد قوته من جدران قلعته، ومن أسلحة آلاف الجنود الذين يحيطون به، دون أن يكون لهم أي شأن معك، ومن صلاحيات محددة له لا يستطيع تجاوزها. (على الحتر، ب ت:3)
يقول أحد المعتقلين، انني اطررت للإقرار والإمضاء على أمر خلاف الواقع وحتى المحقق يعلم بأنها تخالف الحقيقة ولكن الواقع لا يصب في مصلحته ولا يمكنه الاستفادة منه. فأجبرت على تغييره بعد مراحل من التعذيب وبعد الإصرار الشديد على ذلك.(سعيد محمد، ب ت:1)
وقد سجل (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق رؤيته حول هذا الاعتراف بقولة: ” إن أحد الركائز الأساسية التي تحكم تصرفات محققي الشاباك هو أن تتضمن اعترافات المتهم ما يعرف بلغة المتخصصين “النتائج الضمنية”. اعني بذلك تلك النتائج التي لم ترد في التقارير الأخبارية والمتعلقة بحدث ما أو هجوم ما والذي ألقى القبض على المتهم في أعقابه. تلك التفاصيل الضمنية والمعروفة لنا فقط وللمتهم تؤدي إلى التأكد من شهادة المشبوه الخاضع للتحقيق، حيث يعترف الأشخاص الخاضعين للتحقيق في حوادث قليلة وكنتيجة للضغط الذي يمارس عليهم، بضلوعهم في حوادث لم يكن لهم بها أية صلة، وعندما ينكشف الأمر، يتم إطلاق سراحهم فورا.
ومن الجدير بالذكر أن الجهاز عمد في كل الأوقات إلى التنبيه على المحققين من مغبة اعتماد الاعترافات الخالية من الحقيقة، لان ذلك يعتبر فشل مهني خطير. لذلك طالت انتقادات أساليب التحقيق في الشاباك محققين غير متمرسين، والذين لم يستطيعوا استخلاص اعترافات المشبوهين رغم معرفتهم بأنهم على علاقة بالعمليات التخريبية.(يعقوب بري، 1999: 34)
وهذه الأعراض هي بشكل عام تلازم معظم المحققين المستعمرين لغيرهم من الشعوب، كالإحتلال الفرنسي للجزائر، حيث يبرز ذلك أحد الصحفيين الفرنسيين (فرانس فانون) الذي عمل طبيباً للأمراض العصبية، واستخدمته المخابرات الفرنسية أثناء الثورة الجزائرية, كأحد ابرز المحققين مع أفراد جبهة التحرير الجزائرية, الذي ألف كتابا بهذا الخصوص تحت عنوان “معذبو الأرض” بقولة “إن المحققين الفرنسيين قد تحولوا مع الأيام إلى مرضى نفسيين بكل معنى الكلمة, وتحول الفرد منهم إلى شخصية مريضة معقدة, لا يحب ان يرى إنسانا لا يصرخ او يتألم, وتستهويه عذابات وآلام البشر, وبعضهم كان يبكي عندما لا يرى إنسانا يتألم او يصرخ من الألم, وتحولت حياتهم الشخصية الى جحيم, يضربون زوجاتهم وبعضهم يعذبون أطفالهم, وبالتالي ينفصلون نهائيا عن مجتمعهم وعن حياة الإنسان العادي.
ويستطرد قائلاً: “بأن شكل وطريقة عمل المحققين تخلق الكثير من الضغوطات ومظاهر الإحباط لدى الكثيرين منهم, وكثيرون منهم أيضا يتحدثون اليوم بل يعيشون حياة متأزمة وتعيسة، حتى ان البعض منهم قد أصبحت تلازمهم حالات عصبية ونفسية لا يستطيعوا الفكاك عنها مثل سماع أصوات الصراخ والألم وحالات العصاب والذهان والهوس, كما ارتفعت بينهم حالات الطلاق، مقارنة بغيرهم من الناس .”
تعقيب:
إن الإعتقال والتحقيق في سجون الإحتلال الصهيوني، كان الأسلوب الأكثر قمعاً على مدار سني الإحتلال البغيض، حيث تفوق فيه المحقق الصهيوني بجدارة على كل محققي العالم بالمستوى اللانساني الذي بلغه، وتغلب فيه على كل دنائة المخلوقات. وذلك بما استخدم وما زال من شتى أنواع التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين، الذي سخر ضدهم كافة العلوم والتجارب والاختراعات (وخاصة علم النفس) في انتزاع الاعترافات منهم وتحويلهم إلى حقول تجارب، مستفيدا من كل تجارب التعذيب التي مارسها بنو البشر في جميع العصور والأزمان. ولم يكتف بذلك بل سعى لقتل الروح والعقل، وتحطيم الذات بكليتها. أي بمعنى آخر تصفيته جسدياً ونفسياً وعقلياً، لتدمير شخصيته، ونشر الذعر والرعب في المجتمع من حوله.
وقد لاحظ المؤلف من خلال تجربته الذاتيه في التحقيق في السجون الإسرائيلية، بانه قد حدث تطور ملحوظ في استخدام وسائل واساليب التحقيق من حقبة لأخرى، (تعرض المؤلف للتحقيق بشكل مباشر في السجون الإسرائيلية عبر ثلاث حقب) حيث إمتازت كل حقبة من حقب الاحتلال الإسرائيلي بالتركيز على بعض الأساليب أكثر من غيرها. وفي مرحلة السبعينيات كان الأسلوب الأكثر شيوعا لدي المحققين الصهاينه في انتزاع الاعتراف من المعتقلين، هو الأسلوب الجسدي بكل معنى الكلمة. أما في حقبة الثمانينيات فقد كان اكثر الأساليب شيوعا، هو الأسلوب النفسي. وأما في المراحل الأخيرة في التسعينيات وما بعدها، فإن اغلب الوسائل والأساليب التي يعتمدها المحققون، كانت أساليب الحيل الخداعية، المباشرة من قبل ضباط التحقيق، أو غير المباشرة عبر العملاء وغرف العار.
ويسعى المحقق الصهيوني عبر تنويع الوسائل والأساليب في ممارسة عمليات التعذيب إلى ايجاد قناعة لدى المعتقل بأنه لا يوجد سقف للوسائل في التعذيب، فكل الوسائل ممكن استخدامها ضده حتى ينهار ويعترف.
ولكن بشكل عام فإن هذه الوسائل والأساليب، ترتكز على ثلاث مجالات رئيسة، (الجسدية، النفسية، والعقلية) لا يمكن القفز عنها أو تجاوزها بأي حال من الأحوال. قد تستخدم منفردة مع المعتقل، أومندمجة، وذلك بحسب الحالة، أو قرار المحقق.

تمهيد:
إن عمليات التعذيب الجسدي التي تمارس ضد المعتقل الفلسطيني في أقبية التحقيق الصهيونية تعتمد على نظرية الألم، الذي يتعرض له الجسد أو (العضو) المعرض للتعذيب، لإن إحداث الألم في الجسم يعتبر المعول الأهم في هدم صمود المعتقل، من أجل إجبارة على الاعتراف أو الإنهيار.
لذلك لا بد من التعرف على مفهوم الألم، وعلى الآلية التي تتم فيها عمليات التعذيب لإحداث الألم. والذي عرفه بعض العلماب بأنه: ” إحساس كريه وتجربه انفعاليه يشاركان في أبنيه نسيجيه حقيقية أو محتمله أو موصوفه، أو بعبارات من هذا القبيل “.
أو هو عبارة عن ” خبره غير مقبوله من المشاعر والأحساسيس المرتبطه بضرر حاد أو كامن في النسيج الحي، أو الذي يمكن وصفه من خلال مفاهيم مثل هذا التصور “. (ISAP، 1977، أنترنت)
والتعرف على الألم المحسوس، يتم من خلال التعرف على طبيعة الألم ذاته، ونوعيته، فالآلام الحاده التي يتعرض لها الانسان، تجعل الجسد يستقبل هذا الألم ويبلغه للدماغ، وتتم الاستجابه له إما عن طريق الاستجابه الشرطيه أو عن طريق الاستجابة الارادية. حيث تقوم الناقلات العصبية، أي المستقبلات العصبية البيولوجية الخارجية والداخلية، (وهي مستقبلات عصبية متنوعة ومتعددة كالدوبامين، والأورينالين، والنورادينالين، والسيروتونين، وغيرها) بنقل ما يتأثر به الإنسان من العالم الخارجي عبر وصلات عصبيه إلى المستقبلات العصبية الداخلية داخل المخ.
أي أن الناقلات العصبية تتأثر بمستقبلات خارجية، فتستقبل المؤثرات القادمه من الخارج، عبر منافذ ووسائط الإنسان المتعددة (الحس-النظر-السمع-اللمس-الشم) سواء كانت هذه المؤثرات قادمة من البشر أو غيرهم، وسواء كانت المؤثرات ايجابيه أو سلبيه، ويحدث نتيجة هذا التأثر تفاعلات في الإنسان يجهل كنهها، ولكنه يجد صداها وآثارها في صورة تغيرات في نشاط الناقلات العصبية، ونشاط المستقبلات العصبيه.

وفي عملية التعذيب عندما يتعرض المعتقل للضرب من قبل المحقق يتم توصيل الألم عبر موصلات (خلايا عصبية) تربطها بسطح الجسم، تنقل هذه الموصلات العصبية الألم للجهاز العصبي، الذي يوصلها بدوره إلى خلايا المخ، التي تصدر تعليماتها للعضو المعرض للضرب بالاستجابات المناسبة.
فمثلاًعندما يمس جسد المعتقل (الذي يتعرض للتعذيب) مثيراً مؤلماً (كالضرب بالعصا) على العضو المستهدف، ينقل هذا الألم عبر ما يمسى (بمستقبلات الألم)، وهي عبارة عن نهايات عصبية (مستقبلات محيطية) تقع غالباً على الجلد الخارجي، وتكون هذه المستقبلات ذات قابلية عالية للاثارة (أي القابلية للاستجابة)، حيث يمكن لهذه المستقبلات عند اصابتها بألم ما، أن تنقل هذه الألم بصورة مباشرة، يتم فيها تحويل الدفقات الحسية للألم في الجهاز العصبي المحيطي من خلال ألياف عصبية خاصة، إلى القرون الخلفية للنخاع الشوكي، ومن ثم تنقلها إلى الدماغ. أي يُنقل الألم من الجهاز العصبي المحيطي، إلى الجهاز العصبي نفسه، للنخاع الشوكي، وخلال مسارات خاصه يتم التحويل إلى الدماغ، حيث تصل دفعة الألم في جزء من مئة جزء من الثانية بعد التأثير الخارجي إلى المهاد في الدماغ (التلاموس)، وهناك يتم تجميع كل مثيرات الألم إلى باقي الدماغ (محطة التوزيع) وتصدر الأوامر المناسبة للتعامل مع الألم، كالهروب من الألم، أو الصراخ …إلخ.
وقد أجمع كثير من خبراء علم النفس والأمن، بأن أغلب عمليات التعذيب في العالم تجعل من الألم الأسلوب المشترك فيما بينها، والتي تهدف في مجملها إلى التأثير على الجهاز العصبي الطرفي للمعتقل للحصول على أكبر قدر ممكن من الألم الواقع على المعتقل، من خلال وسائل التعذيب المستخدمه. لهذا يمارس (المحققون) الصهاينه أشد قدر ممكن من التعذيب لإحداث الألم لينهار المعتقل وتنهار دفاعاته أمام التعذيب الذي يفوق قدرته علي التحمل. كما يسعون لزيادة وتيرته الألم شيئاً فشيئاً بشكل تصاعدي للإيحاء للمعتقل بعدم وجود سقف زمني محدد للتعذيب، حتى يحدث له الانهيار .
والتعذيب الجسدي في التحقيق يتم بواسطة إما الضرب المباشر على الجسد، أو إحداث إرهاق لهذا الجسد، والقصد‏ من‏ استخدام‏ أسلوب التعذيب‏ الجسدي المباشر أو الإرهاق‏،‏ هو‏ التسبب‏ بالألم الشديد‏ لدى‏ المعتقل‏، وإرهاق جهازه‏ العضلي والعصبي إلى أقصى حد‏ بحيث‏ يضطر‏ للانهيار‏ والاعتراف‏. وعندما‏ يستخدم‏ المحقق هذه‏ الممارسات‏،‏ لا يستخدمها‏ مرة‏ واحدة‏،‏ ولا يستخدمها‏ بالترتيب‏، ولكن‏ يستخدم‏ بعضها‏ بشكل‏ تجريبي‏،‏ محاولاً‏ العثور‏ على‏ نقاط‏ الضعف‏ عند‏ المعتقل لمعرفة‏ أثرها عليه‏، وإذا لم‏ يعثر‏ على‏ نقاط‏ ضعف‏ يعمد‏ لممارسات‏ أخرى نفسية‏ أو عقلية لإكتشافها وجعلها مدخلاً للألم.
وقد تطور مفهوم الألم فلم يعد مقتصراً على الحالة الجسديه فقط، بل دخل فيه أبعاد أخرى كالناحيه العاطفيه والوجدانيه والحركيه والاجتماعيه والعقليه. أي أصبح مفهوم الألم يخضع لتفسير العوامل المتعدده، لأنه يرتبط بصوره وثيقه بالانفعالات، حيث يقوى الشعور بالألم بالانفعالات السلبيه، وقد ثبت وجود علاقه لذلك بكمية الاحساس بالألم، حيث بالانفعالات السلبيه يُصدر الدماغ أوامره بتحرير منشطه للألم أكثر.
والشعور بالألم بشكل عام يختلف‏ من‏ إنسان إلى آخر نسبياً‏،‏ حيث يزداد‏ الشعور‏ بالألم أو يقل‏ حسب‏ الوضعية‏ الجسدية والنفسية‏ والعقلية التي‏ يكون‏ فيها‏ المعتقل، ‏(تلعب‏ الحواس‏ والمخيلة‏ والتجارب‏ السابقة‏ دوراً‏ في‏ هذا‏ الصدد‏).
‏والإنسان بطبيعته يتحمل الألم لحد‏ معين‏،‏ ثم‏ بعدها يصل‏ إما لحالة من الإغماء، والتي‏ هي‏ نوع‏ من‏ أنواع الدفاع‏ الذاتي‏ اللااراديه التي يلجأ إليها الفرد ليحمي‏ بها نفسه‏ تلقائياً‏، أو تحدث حالة الانهيار بالاستجابة والتجاوب المتمثل في حالة التحقيق بالاعتراف. لذلك يجب أن يكون لدى المعتقل معرفة بمواطن الألم التي قد تؤدي إلى الخور والضعف، والتي يستغلها المحقق بقصد كسر إرادته، لذلك يجب رفض الخضوع لهذا المنطق، لكي لا تكون هذه الأمور أدوات ضغط على إرادة الصمود لديه.
وتنقسم أساليب ووسائل التعذيب الجسدية، التي تمارس ضد المعتقل إلى قسمين هما: القسم الأول: الأساليب والوسائل التي تعتمد على التعذيب بالألم الجسدي بشكل مباشر. القسم الثاني: الأساليب والوسائل التي تعتمد على التعذيب بالألم الجسدي بالحرمان.

القسم الأول: أساليب التعذيب الجسدي المباشر:-
يبدأ ضباط المخابرات الصهيوني (الشين-بيت) بعمليات التحقيق بواسطة الضرب بكثافة منذ البداية، وذلك لخلق حالة من الهلع والخوف والرعب في نفس السجين. وهذا الأسلوب كان وما زال من الأساليب المعمول به في التحقيق في كثير من الأحيان وهو الأسلوب الأكثر شيوعاً بين أساليب التعذيب، خاصة في بداية الاحتلال الصهيوني
وعمليةالضرب تكون إما بقبضات اليد، أو أدوات أخرى كالعصي، وأعقاب البنادق والسياط، والأنابيب الحديدة، وأسلاك الكهرباء. وفي الضرب يتم التركيز على المناطق الأكثر إحداثاً للألم لدى المعتقل. فالشخص الذي يتألم من ذراعه مثلاً يتم التركيز في الضرب على هذا العضو لكي يشكل للمعتقل أكبر كمية من الألم، باعتبار أن العضو المعطوب أو المريض أو المصاب أكثر استجابة للألم من العضو السليم، لذلك يبالغ في الضغط والتأثير عليه لإرهاقه من أجل انتزاع الاعتراف، و لهذا يعمد المحقق إلى التعرف على مناطق الضعف الجسدية.رغم إن عملية الضرب قد تقلصت بشكل ملحوظ من فترة بداية الاحتلال الصهيوني للمناطق المحتلة، في السبعينات إلى الوقت الحالي، وأدخل بدلاً منها عوامل نفسية أكثر خطورة وأشد وقعاً على النفس والجسد في آن واحد، كما أدخل عليها كذلك عوامل عقلية وحيل خداعية.
وأهم الأساليب والوسائل التي تستخدم أثناء التحقيق، من قبل المحقق الصهيوني، في عمليات التعذيب الجسدي المباشر كثيرة جدا،ً لذلك سوف نتعرض لأبرزها وهي:
1- الضرب المفضي إلى الموت:
يتجاوز في كثير من الأحيان المحقق الصهيوني حتى الأوامر القاسية والوحشية من أساليب التحقيق المتاحة له، فيمارس حقده الدفين حتى يلفظ المعتقل أنفاسه بين يديه، وقد تسببت أساليب التحقيق القاسية التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية إلى استشهاد العديد منهم وذلك إما نتيجة للتعذيب مباشرة أو من خلال المضاعفات المرضية التي نجمت عن التعذيب أو تحت الضغط النفسي .(أحمد أبو شلال، 1999: 13)
ومن أهم عمليات القتل داخل التحقيق التي أحدثت ضجة كبيرة داخل الكيان الصهيوني استشهاد المجاهد (خالد الشيخ) .في شهر كانون الأول 1989 بعد ساعات قلائل من اخراجة من غرفة التحقيق في قسم التحقيقات في سجن غزة، وتشريح الجثة أظهر أن الموت حدث بسبب تلقية لضربات شديدة، و خلال السنوات جرى حديث كثير حول حرية العمل التي يتوجب منحها للمحققين. (عميت نافون، 2002: معاريف)
ويذكر (يعقوب بري) رئيس جهازالشاباك السابق في كتابه (قادم لأقتلك) مبرراً لحادثة مقتل الشهيد (خالد الشيخ علي) بأن: خالد الشيخ علي، مخرب من قطاع غزة، تقول الأخبار الاستخبارية عنه أنه اشترك في نصب كمين لدورية راجلة في قطاع غزة، حيث أطلق النيران نحوها مستعملاً رشاش كلاشينكوف، قتل ضابطين في هذا الحادث، وتم إلقاء القبض عليه ومن ثم بوشر بالتحقيق معه في أحد محافل التحقيق في غزة، وتناوب على التحقيق معه عدة أطقم للتحقيق، والتي كانت تحاول استدراجه للكلام، كان خالد يجيب بكثير من قلة الأدب، وكان يتحدى المحققين مما جعلهم يخرجون عن طورهم، فما كان من أحد المحققين إلا أن لكمه لكمة قوية في بطنه، أخذ خالد يتأوه ألماً وقد انبطح على الأرض، فاستدعى المحققون ممرضاً الذي أصدر أوامره بنقله إلى المستشفى على الفور، ولكنه لفظ أنفاسه الأخيرة هناك”، ويضيف بري قائلا بالمناسبة لقد كانت حادثة الموت خرقاً واضحاً للقانون، وأن الشرطة لم تكشف النقاب عن المتهمين.) (يعقوب بري،1997: 25)
2- أسلوب التعذيب بالضرب:
أساليب التعذيب بالضرب كثيرة منها بقبضة اليد، ومنها بأدوات أخرى، ومن أساليب التعذيب بالضرب نورد الأساليب التاليه:
- الضرب المتقطع لفترة قصيرة: وفي هذا الأسلوب يقوم المحقق بضرب المعتقل، ولكن بشكل متقطع وذلك لأن الأداة التي يستخدم فيها الضرب لا يمكن أن يضرب بها بشكل متواصل لقوتها وشدتها، وخاصة استخدام الهراوات الغليظة والكرباج.
- الضرب المتواصل لفترات طويلة: غالبا ما يستخدم هذا الضرب على أعلى الرأس إما بحذاء أو مسطرة أو بعصا صغيرة أو ما شابه ذلك، وبرغم أن الضرب ليس بالقوي كثيراً، إلا أنه يستمر لفترة طويلة مما يؤثر على العينين، ويرهق المعتقل ويشعره بألم شديد في الرأس، لتكرار هذا الأسلوب. وأحياناً يستخدم الضرب على الرأس والمعتقل مغطى بخوذة أو علبة من الصفيح تحدث ألماً اشد من السابق.
- ضرب الرأس بالحائط: أحد أساليب التحقيق حيث يتم ضرب رأس الأسير بعنف بجدار غرفة التحقيق، أو جدار الزنزانة حتى ينزف أحياناً من جراء ذلك.
- الضرب على الرقبة: باستخدام سيف اليد من جميع الاتجاهات تقريباً خاصة الجهة الأمامية التي تؤثر على القصبة الهوائية وتخلق للسجين ضيقاً وألماً أثناء عملية التنفس والأكل والشرب.
- الضرب على المفاصل: سواء مفاصل اليد أو القدم أوالركبة، ويركز المحقق كثيرا على هذه المواضع باعتبارها أنها تؤثر بإحداث كثير من الألم، وتخلق تشوهات في هذه المفاصل خاصة إن كان مصابا بالروماتزم.
- الضرب على أسفل القدم (الفلكة): وذلك بربط القدمين ورفعهما على طاولة أو كرسي ومن ثم ضرب أسفل القدم حتى تتورم مما يحدث ألماً شديداً لاحقاً عبر عملية التعذيب المتواصلة، ولا يستطيع المعتقل السير على قدميه. واحياناً يقوم المحقق بضرب المعتقل بكابل كهرباء مجدول يسمى “كرباج” يضرب المعتقل به على قدميه ويديه وسائر أعضاء جسمه.
- الضرب على مؤخرة المعتقل: يتم الضرب بعصا أو بشريط من الجلد (كالبربيش) على مؤخرة المعتقل بشكل مستمر ومتواصل حتى يحدث ألماً شديداً ربما أدى إلى التورم أو نزيف أو إحتقان للدم، ولكنه لا يترك تشوهات.
- الضرب على أكثر من مكان في آن واحد: الضرب بسلك كهربائي (كيبل) أو بالعصي، أو الأنابيب المطاطية، على الرجلين واليدين وكل مكان من الجسم. أي توزيع الضرب على جميع أنحاء الجسم.
- الضرب على البطن والمعدة: يحاول المحقق دائما أن يحدث آلاماً للمعتقل لا تكون ظاهرة، ولا تسبب دليلاً في المحكمة، كمثل الضرب بقبضة اليد أو بمقدمة الأصابع على المعدة أو يتم القاء الاسير على ظهره وشد يديه اسفل الطاولة ويقوم المحقق بتوجيه ضربات متلاحقة لمنطقة الصدر والمعدة اسفل الرقبة مباشرة، التي يؤدي في كثير من الأحيان إلى التسبب في نزيف فيها، أو تترك آثاراً سرعان ما تظهر على شكل أمراض في المعدة كالقرحة وما شابه ذلك، وتظهر هذه الآثار بعد انتهاء التحقيق في الغالب.
- الضرب والضغط على الأذنين: يقوم المحقق في هذا الأسلوب بفتح يديه والضرب بهما بقوة على الأذنين مما يؤدي إلى خلخلة الهواء فيسبب ألماً في الأذن، أو حتى تمزق طبلة الأذن مما يسبب ضعفاً في السمع بالإضافة إلى الألم المتواصل.
- الضرب بشدة على رؤوس اصابع اليدين والقدمين: يستعمل المحقق ذلك لخلق حالة من الألم، والضيق المركب الجسدي والنفسي في آنٍ واحد.
-الضرب على الشفاه والأُذن والأنف: ويستعمل المحقق هذه الطريقة، من أجل اذلال المعتقل، مع الحاق أذى جسدي ونفسي في آن واحد للمعتقل، بطريقه قد تستفز مشاعرة. (موقع نداء القدس، كيف تواجه المحقق)
3- أسلوب التعذيب بالوثاق والقيد (الكلبشات):-
هناك نوعين من أدوات التقييد والربط للسجين، (القيد الحديدي) الكلبشات، والمعروفة في كثير من الدول، و(القيد البلاستيكي) وهو اشد إيلاماً من سابقه، حيث يدخل في لحم السجين، ويسبب له جروحاً وتقيحات، تزيد من نسبة الألم وشدته. وتأخذ عملية الربط أشكالا عدة منها:
- توثيق الرسغين من الأمام أو من الخلف: يتم ربط المعتقل وتوثيقه من الأمام، حيث تكون اليدان المكبلتان في وضعهما الطبيعي، وهذا الشكل أيسر أشكال الربط والقيد. كما يتم ربطه وتوثيقه من الخلف، مما يحدث ألما أكبر من سابقه، بحيث يرهق الرسغين والكتفين معاً. وأحياناً يتم الضغط على المعصم بواسطة التضييق التدريجي للكلبشات، أو بثني الرباط “الكلبشات”.
- التوثيق من الخلف والإستلقاء على الظهر أو البطن: ثم الضغط على صدره بالصعود فوق الصدر والبطن معاً. أو الإستلقاء على البطن وشد الرباط لأعلى بواسطة اليد أو آله. ويتم أحياناً ربط المعتقل في أماكن معينة كالحمامات لمزيد من الإهانه والتحقير.
- التوثيق من الرسغين والقدمين : يتم توثيق اليدين من الأمام أو الخلف غالباً، والقدمين مع بعضهما البعض، في حالة الوقوف، أو يتم ربطه في ماسورة مياه، أو عمود، أو سلسلة بالحائط أو السقف. وفي حالة الجلوس يتم ربطة بكرسي التحقيق من الخلف. وتستمر هذه العملية ما دام المعتقل في مردوان التحقيق.
- توثيق الرسغين مع القدمين: يتم توثيق السجين من يديه، وقدميه، مع بعضهما البعض، من الأمام أو الخلف، ولكن الأكثر صعوبة، هي عملية توثيق الرسغين، مع القدمين من الخلف، ويظل كذلك فترة طويلة مما يؤدي إلى حدوث تشنجات في عضلات الجسم.
- توثيق الرسغين مع القدمين بالرقبة: تدمج أحيانا عملية توثيق اليدين، والرجلين، مع الرقبة بسلسلة حديدية، بشكل يجعل الظهر في حالة انحناء وتقوس، مما يؤدي لزيادة الألم بشكل كبير جداً.
4- أسلوب التعليق والربط (الشبح):-
وهذا النوع من التعذيب له خطورته لأنه يرهق الجسم دون أن يترك أثارا ظاهرة على الجسد. وبمرور الزمن يتسبب في أمراض مزمنة مثل القرحة والروماتيزم والديسك والضغط وغير ذلك من الأمراض. ومن أشكال هذا الأسلوب:
- التعليق من الرقبة: يقوم المحقق برفع المعتقل من رقبته عن الأرض مع الضغط عليها (إذا كان المحقق ضخم الجثة، والمعتقل صغير الحجم) وأحياناً يتم التعليق بحبل أو ما شابه ذلك، ولكن فترة قصيرة باعتبار أنها تؤثر على الأحبال الصوتية ومجرى التنفس وتؤدي إلى الاختناق أو كسر العنق مما قد آلاماً شديدة أو قد يحدث الوفاة.
- التعليق من اليدين: يتم ربط المعتقل من يديه في سقف غرفة التحقيق بحيث تكاد أصابع قدميه تلامس الأرض مما يؤثر بشدة على اليدين والقدمين ومعظم أنحاء الجسم، وربما تطول هذه الفترة، وذلك بحسب حاجة المحقق وتقديره للموقف.
- التعليق من القدمين: يتم في هذا الأسلوب تعليق السجين منكساً من رجليه بعد شدهما في سقف الزنزانة، بحيث تلامس أصابع اليدين الأرض مما يرهق الجسم، وتستمر هذه العملية لفترة قصيرة، لأن ثقل الجسم يكون مركزاً بشكل معكوس وسير الدم يؤثر على الرأس باعتبار أن الجسم في وضع غير طبيعي، مما قد يؤدى لغيبوبة لدى المعتقل.
- التعليق من اليدين والرجلين: كالتعليق في سقف الغرفة بحيث يصبح وضع المعتقل كأنه جالس في أرجوحة مما يؤثر على العمود الفقري وجميع أنحاء الجسم بشكل عام، ويصحب أحياناً هذا التعليق ضرب الجسم في حائط الغرفة .
5- أسلوب التعذيب بالوقوف:
- الوقوف‏ المستمر لمدة طويلة‏: يعتبر‏ هذا‏ الأسلوب من‏ الأساليب التي‏ ترافق‏ السجين‏،‏ طوال‏ فترة‏ وجوده‏ في‏ أقبية التحقيق سوى‏ بعض‏ التسهيلات‏ التي‏ تُعطى‏ في‏ فترات‏ متقطعة‏ للذين‏ يقدمون‏ اعترافات‏ كاملة‏،‏ ويدلون‏ بمعلومات.
فالسجين من‏ لحظة‏ اعتقاله‏ ودخوله‏ أقبية التحقيق‏،‏وبدء‏ التحقيق‏ والتعذيب‏ له‏،‏ يتم‏ توقيفه‏ بأغلاله‏ ووجهه‏ مقابل‏ جدار.. ويبعد‏ عن‏ الجدار‏ بمقدار‏ 30 ‏سنتميتراً‏،‏ وطالما‏ هو‏ واقف‏ فهو‏ يقظ‏ ولا ينام.. وقد‏ يستمر‏ وقوفه‏ لأيام طويلة‏،‏ والنوم‏ مرتبط‏ بهذا‏ الوقوف. وكلما‏ طال‏ أمد الوقوف‏،‏ زادت‏ نسبة‏ الإرهاق وزاد‏ الألم وإذا صمد‏‏ في‏ الأيام الأولى رغم‏ قساوة‏ الألم.. فإنه‏ يحتاج‏ لشجاعة‏ أكبر‏ وصبر‏ أعمق‏ كلما‏ زادت‏ فترة‏ الوقوف.
والوقوف لمدة طويلة يستخدم لحرمان السجين من الراحة، ومن النوم، وكثير من السجناء ما كان يسقط على الأرض من عملية الوقوف الطويل والمستمر. وأحياناً يكون الشخص واقفاً رافعاً يديه المقيدتين لأعلى. أو واقفا على رؤوس أصابع قدميه، مما يسبب تشنجاً وألماً في الأعصاب. ويؤدي‏ الوقوف‏ المستمر‏ على‏ القدمين إلى إرهاق الأعصاب،‏ وعدم‏ تحمل‏ القدمين‏ ثقل‏ الجسم حيث‏ يُحبس‏ الدم‏ في‏ القدمين‏ نتيجة‏ لعدم‏ الحركة‏،‏ مما يؤدي‏ إلى انتفاخ‏ القدمين‏،‏ وتورمهما.
- الوقوف على رجل واحدة: وذلك لأطول وقت ممكن حتى يحدث حالة من التعب والإرهاق تؤدي إلى سقوط المعتقل أرضاً في كثير من الأحيان. وعلى المعتقل أن يحاول دائماً في هذه العملية تبديل إحدى الرجلين بأخرى.
- الوقوف مع حمل شيء باليدين: ومن أساليب الوقوف اجبار السجين على حمل شيء (كرسي أو طاولة صغيرة) بيديه أو فوق رأسة لمدة طويلة من الزمن، بحيث يبقى رافعها يدية لأعلى دون ان يتحرك، مما يعمل شد عضلي أو تمزق في يدية وكتفه.
- الوقوف على أطراف اصابع القدم: من أساليب الوقوف جعل المعتقل يقف على أطراف أصابع قدميه، وعدم السماح له بإنزال قدميه إلى الأرض، مما يرهق المعتقل ويؤثر بالتالي على أعصابه، وعلى العمود الفقري، وما إلى ذلك.
- الوقوف على الركبه: يجبر المعتقل أحيانا بالوقوف على ركبتيه لمدة طويلة، وذلك يسبب له ألم شديد في الركبتين، وقد يؤدي ذلك إلى تلف الركبة، بالاضافة إلى الروماتزم وغير ذلك من الآلام.
6- أسلوب التعذيب بالجلوس:
استخدم أسلوب الجلوس بجميع أنواعه وأشكالة في عمليات التعذيب داخل السجون الصهيونية، للتأثير على المعتقل من أجل كسر صمودة وانهيارة في التحقيق، حيث عانى السجناء أثناء هذا الأسلوب وبعده من الآلام الكثيرة الناجمة عن هذه العمليات.
- الجلوس على كرسي الصغير: وقد استخدم هذا الأسلوب حديثا، بدلاً من الجلوس على الأرض. وكرسي التحقيق عبارة عن كرسي صغير –مثل كرسي الأطفال- ارتفاعه‏ تقريباً 25 سم‏،‏ وقاعدته‏،20×20 سم وله‏ مسند‏ خلفي‏ قصير، وقاعدة‏ صغيرة مائلة‏ بانحراف‏ إلى الأمام، –الأرجل الأمامية أقصر من الخلفية- لذلك لا يستطيع جسم السجين أن يثبت‏ على هذا الكرسي إلا بصعوبة بالغة‏،‏ تحتاج‏ منه إلى قوة‏ وتيقظ لكي‏ يمنع‏ نفسه من السقوط‏ إلى الأرض، وبالتالي يصبح الجسد في حالة تكور‏ على‏ الكرسي‏ بشكل‏ مزعج، بحيث يتركز‏ ثقل‏ الجسد‏ على‏ نقطتين‏، هما‏ نهاية‏ العمود‏ الفقري‏،‏ ونهاية القدم‏، مما‏ يؤدي‏ لتخشب‏ الظهر‏ وتصلب‏ العمود‏ الفقري‏ وازدياد‏ الآلام وتخدر‏ الجسم‏ وظهور‏ الدمامل‏ في‏ عجز السجين وبين‏ الفخذين.
وهو كذلك‏ وسيلة‏ إنهاك وإضعاف لطاقة‏ تحمل‏ الجسم‏.. وهو‏ قاعدة‏ يعتمد‏ عليها‏ مناخ‏ التحقيق‏ لأجل تدمير‏ أسس المقاومة‏ الداخلية‏ للسجين‏ طوال‏ فترة‏ وجوده‏ في‏ جلسات‏ التحقيق،‏ وهو‏ منهك‏ الجسد‏ متعب‏ الأعصاب،‏ ضعيف‏ القوة. مما يدفع‏ أحيانا زيادة ضغط‏ الألم بالسجين‏ إلى القبول‏ بخيارات‏ صعبه هرباً‏ من‏ الألم.. حيث أن المحقق‏ يراهن‏ دوماً على‏ انهيار‏ السجين‏ أمام ضغط‏ الألم المتصاعد‏ من‏ الجلوس‏ المستمر‏.
- جلوس القرفصاء لفترات طويلة: خلال هذا الاسلوب يمنع الاسير من ملامسة رأسه الجدار او الارتكاز على ركبتيه على الارض، وذلك للتأثير على الظهر وعلى جميع أجزاء الجسم مما يحدث ألماً متزايداً في أسفل العمود الفقري.
- الجلوس على الركب مع الضغط: ويتم الجلوس لفترات طويله على الركب، يتخللها أحياناً ضغط أو وقوف المحقق عليها أثناء الجلوس، للتأثير بزيادة الألم على الركبتين.
- الجلوس مع ثني الرجلين تحت الجسم: وهذا الشكل من الجلوس يؤثر بشكل كبير على مفاصل الركب مما يحدث ألم شديد في الركب على المستوى الآني، ويحدث في المستقبل مرض الروماتزم.
- الجلوس على الآليتين لمده طويله: وهذا الأسلوب يحدث تورم ودمامل في الآليتين من كثرة الجلوس وخاصة إذا كانت الأرض رطبه، كما يحدث على المستوى البعيد مرض البواصير.
- الجلوس على شكل تكوير: ويتم ذلك بادخال الرأس بين الرجلين مع تقويس الظهر، وهذا الشكل من الجلوس مؤلم جداً، حيث ينهك العمود الفقري للمعتقل، كما ينهك أيضاً فقرات الرقبه، مما يحدث ألم شديد وإنهاك مضاعف.
7- أسلوب الاستلقاء على الأرض:
- أسلوب كسر الظهر أو (الموزه): وهو أسلوب النوم على الكرسي أو الطاوله وهو مكبل للخلف من اليدين والرجلين، ثم يجعل جسمه من أسفل العمود الفقري (العجز) معلق في الهواء، ثم يقوم بثني نصف جسم المعتقل لأسفل، مما يسبب آلاماً فظيعه جداً للمعتقل، قد تصل إلى حد الاغماء والغيبوبه.
- النوم على الظهر مكبل من الخلف: يعمد المحقق إلى القاء المعتقل وهو مكبل وظهرة الى الأرض ثم يجلس على صدره، أو يضع على صدره ثقل معين، أو يجلس مجموعه من ضباط التحقيق على صدره. وذل امعاناً في يقوم زياده في الألم
- النوم على البطن مكبل من الخلف: وكذلك يعمد المحقق إلى القاء المعتقل على الأرض مكبلاً ووجهه تجاة الأرض ثم يقوم بسحب الوثاق إلى أعلى بيده، أو بآله معينه لكي يحدث ألماً شديداً في الظهر وفي الأطراف الآخرى من الجسم.
8- أسلوب التعذيب في المناطق الحساسة:-
- اغتصاب المعتقل: من أخطر أساليب التعذيب غير الأخلاقي على المعتقل، أن يقوم المحقق أو يطلب من بعض العملاء أو الجنود، باغتصاب المعتقل جنسياً بالفعل، ويمارسوا به اللواط بالقوة. وقد حدث هذا بالفعل مع بعض المعتقلين والمعتقلات. كما حدث مع المعتقل اللبناني مصطفى الديراني.
- ضغط وفرك الخصيتين: يجبر المحقق المعتقل على فتح رجليه، وإذا رفض يقوم بالجلوس على رجليه مع ربط اليدين والرجلين مع بعضهما في كثير من الأحيان، ثم يبدأ في ممارسة الضغط أو النقر على الخصيتين تدريجيا، وكلما شعر بأن المعتقل يتألم أكثر، كلما شدد من عملية الضغط حتى يستجيب له المعتقل، أو يغمى عليه، وربما لم يكتف بذلك، بل يقوم برش الماء على وجهه ليواصل معه مرة أخرى.
- ضغط وفرك العضو التناسلي: يتم الضغط أحياناً بواسطة اليد أو بكماشة على العضو التناسلي لكي يخلق أكبر قدر ممكن من الألم وفي فترة السبعينيات كان يتم وضع العضو على طاولة ثم يقوم بالضرب عليه، وفي فترات أخرى كان يتم إدخال أنبوبة قلم جاف في فتحة العضو والضرب عليه بمسطرة أو خشبة، ثم يقوم بسحب الأنبوبة فيتدفق الدم خارج فتحة العضو التناسلي، مما يسبب ألما شديدا لحظة التعذيب، وكلما حاول المعتقل التبول زاد الألم بشكل كبير، حتى بعد انتهاء التحقيق بفترة كبيرة.
- التعذيب عبر فتحة الشرج: يقوم المحقق في هذا الأسلوب بإدخال عصا أو عنق زجاجة إلى فتحة الشرج للمعتقل ويجبره أحياناً للجلوس عليها كأسلوب الخازوق الذي كان يستخدم في العصور الوسطى، لكي يحدث تمزق في الأنسجة الداخلية لفتحة الشرج، وبالتالي يسبب ألما شديدا أثناء عملية التعذيب خاصة عند قضاء الحاجة. وقد ساد هذا الأسلوب بشكل كبير في مرحلة السبعينيات مع رجال العمل العسكري آنذاك .
- ادخال أنبوب أو عيدان ثقاب في الاعضاء التناسلية: وفي هذا الأسلوب يتم ادخال أنبوب قلم جاف في العضو التناسلي للذكر، مع الضرب عليه أحياناً بمسطرة، أو ادخال عود ثقاب ثم اشعاله في بعض الأحيان. وهذ الاسلوب قد كان يحدث في الحقب الأولى من عمر الاحتلال الصهيوني، وأعتقد بأنه قد توقف حالياً.
- فرك المناطق الحساسة من الجسم: يتم فرك وقرص الأماكن الحساسة من الجسم بقوة باليد أو بأدوات مثل كابل السيارات، وخاصة منطقة الأثداء وغيرها.
- جذب ونتف شعر الشارب، واللحية، والصدر: وفي هذا الأسلوب يحاول المحقق إحداث ألم جسدي ونفسي للمعتقل، من خلال نتف الشارب أو الذقن، وخاصة إن كان من التنظيمات الإسلامية.
- جذب ونتف شعر الأبط أو العانة: وفي هذا الأسلوب يحاول المحقق أحداث ألم جسدي مع ألم نفسي للمعتقل، بنتف الشعر الموجود تحت الذراع (الإبط) أو نتف شعر “العانة”، وخاصة عندما يمارس هذا الأسلوب بشكل متقطع.
- نزع أظافر اليدين أو الرجلين: ويتم في هذا الأسلوب استخدام الكماشة، وذلك لإحداث أكبر ألم ممكن للمعتقل. وقد كان هذا الأسلوب سائداً في معسكرات الاعتقال البدائية لدى اليهود عام 1948م، واستعمل كذلك مع فدائيي مصطفى حافظ، وبقليل جداً في بداية الاحتلال عام 1967م، ثم أستعيض عنه بوسائل أخرى، لكونه يترك آثراً للجريمه التي يسعى الصهاينه اخفائها دوماً.
9- أسلوب التعذيب‏ عبر الجروح‏ والإصابات أو الأمراض:-
تسعى‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ في‏ أقسام التحقيق‏ في‏ الحصول‏ على‏ اعترافات‏ من‏ المعتقلين‏،‏ عن‏ طريق‏ استخدام‏ أقذر‏ الأساليب لتحقيق‏ هذه‏ الغاية. فقد‏ يكون‏ السجين‏ في‏ فترات‏ حياته‏ قد‏ أجرى عملية‏ جراحية،‏ أو ربما‏ يحمل‏ مرضاً‏ كالقرحة‏ أو السكري‏ أو ارتفاع‏ ضغط‏ الدم‏،‏ أو‏ يكون‏ قد أصيب بحادث‏ طرق‏ أو عمل‏،‏ فأصبح‏ عنده‏ بعض‏ الكسور‏‏،‏ أو ربما‏ أصيب في‏ معركة‏ عسكرية‏ بطلقات‏ رصاص‏ أو شظايا‏ قنابل وجروحه‏ لم‏ تندمل‏ بعد. إن الموقف‏ الإنساني يقتضي‏ أن يسعف‏ الجريح‏ وأن‏ يعالج‏، ولكن‏ في‏ أقسام التحقيق‏،‏ يقتنص‏ المحققون‏ هذه‏ الجوانب‏،‏ ويعملون‏ على‏ استثمارها‏ في‏ التعذيب‏ لانتزاع‏ الاعتراف‏.‏ وأول ما‏ يبحث‏ عنه‏ ضابط‏ المخابرات‏‏ هو‏ نقاط‏ الضعف‏ في‏ البنية‏ النفسية‏،‏ أو في‏ البنية‏ الجسدية. فإذا وجد‏ جوانب‏ ضعف‏ في‏ البنية‏ النفسية‏،‏ يضغط‏ عليها‏ بشدة‏‏،‏ وإذا وجد‏ نقاط‏ ضعف‏ في‏ البنية‏ الجسدية‏‏ يضغط‏ عليها‏،‏ ثم يبدأ‏ على سبيل المثال بالضرب عليه بمسطرة‏ ،‏ أو قد يضع قلم‏ في‏ داخل‏ الجرح‏ الغائر‏ لكي‏ يحدث‏ ألماً‏ لا يطاق‏، ليساوم‏ المعتقل بين‏ الألم والاعتراف‏.
- رش الملح والمواد الكيماوية على الجروح : أحياناً‏ يقوم‏ المحقق برش‏ الملح‏ على‏ الجرح‏،‏ لكي‏ يشتعل‏ الجرح‏ ناراً‏،‏ فيضطر‏ تحت‏ وطأة‏ الألم الشديد‏ أن يدلي‏ بالأعتراف. إن الجروح‏ تشكل‏ نقاط‏ ضعف‏ في‏ جسد‏ السجين. ولكنها‏ لا تشكل‏ نقاط‏ انهيار‏ لروحه‏ وإرادته والآلام التي‏ تحدث‏ مع‏ نبش‏ الجرح‏ والضغط‏ عليه‏،‏ لن‏ تكون‏ أكبر‏ من‏ الخيانة. لقد‏ أسر‏ الشهيد‏ (عبد‏ القادر‏ أبو الفحم‏‏، القائد‏ العسكري‏ لتنظيم قوات التحرير الشعبية) في‏ معركة‏ عسكرية‏،‏ وكان‏ الرصاص‏ قد‏ اخترق‏ جميع‏ أنحاء جسمه‏، وقد أحضر‏ طاقم‏ متخصص‏ من‏ خيرة‏ المحققين‏ الصهاينة لكي‏ ينتزعوا‏ منه‏ الاعتراف، عذبوه‏ بجروحه‏،‏ وإصابته، ‏ضغطوا‏ عليها‏ نبشوها، رشوها‏ بالملح.. ولكنه‏ كان‏ الأقوى.
وللعلم فإن الطبيب‏ في‏ التحقيق‏،‏ هو محقق‏ في‏ الزي‏ الأبيض. يسأل‏ عن‏ موضع‏ الألم. وعندما‏ يعرفه‏،‏ يُستغل‏ في‏ التعذيب‏، كما قد‏ يقوم‏ هذا الطبيب‏ المحقق بحقن‏ المعتقل‏ بالأنسولين، (وهو‏ مادة‏ هرمونية‏ تخفض‏ من‏ نسبة‏ السكر‏ في‏ الدم‏، وتستعمل‏ في‏ علاج‏ بعض‏ المصابين‏ بالأمراض العصبية‏،) ويوهمه‏ بأن‏ هذه‏ الحقنة‏ ستؤدي‏ به‏ إلى الجنون، لذلك‏ عليه‏ أن يعترف لكي يحمي نفسه من هذا الجنون.
10- أسلوب الكي بالكهرباء أو أعقاب السجائر:-
- إطفاء أعقاب السجائر بالجسم: ساد هذا الأسلوب بشكل خاص في مرحلة التحقيق في السبعينيات، حيث كان يتم كي جسد المعتقل بأعقاب السجائر معظم الوقت، مما يتسبب بحروق وتقيحات في الجسم، وتسلخ في الجلد، وقد أقلع العدوعن هذا الأسلوب بسبب ما يترك من آثار على الجسم.
- تحمية الجسم بولاعة سجائر: كان يتم في هذا الأسلوب تحمية جميع أنحاء الجسم بولاعة السجائر، وخاصة أظافر أصابع اليد والقدم، وقد تقلص هذا الأسلوب في السجون الاسرائيلية في الوقت الراهن.
- اشعال القدمين بعد دهنهما بمادة السبيرتو: في هذا الأسلوب يتم اشعال القدم للحظات فقط، وقد استخدم هذا الأسلوب في بداية الاحتلال، لكن مع قلة بسيطة من المعتقلين.
- الكي بواسطة بالكهرباء: التعذيب بالكهرباء تستخدمه بكثرة النظم السلطوية، وقد اختفى هذا الأسلوب أو قل استخدامه حديثاً، لأنه يترك آثاراً طويلة المدى على جسم المعتقل. ويتم الكي في مناطق معينة من الجسم بتوصيل التيار الكهربائي إلى جسم الأسير، عن طريق وضع مشابك صغيرة مرتبطة باسلاك دقيقة موصولة بجهاز كهربائي وفي العادة توضع المشابك في الاطراف السفلى من الاذن اليمنى واليسرى ويؤدي ذلك الى تقلصات عضلية مؤلمة، وارتجافات عنيفة بالجسد، واذا زاد فولت الكهرباء أو طالت مدته يؤدي ذلك إلى إيقاف عمل القلب أو حصول عطب في خلايا الدماغ أو إحداث حروق سطحية خفيفة في اماكن التوصيل الكهربائي أوفي مناطق خروج الموجات.
ويروي أحد السجناء وأسمه (لافي) أنه بعد ربع ساعة من الضرب العشوائي على كل أنحاء جسمي استعمل الكهرباء التي وضعها بأصابع يدي وبأصابع قدمي وبالعضو التناسلي، مما أتلف أعصابي وأثر على المسالك البولية وعلى الكلى والأمعاء، وأصبحت أنزف دماً مع البول..”. (جريدة النهار الالكترونية، 1998، أنترنت)
11- أسلوب التعذيب بالتمارين الرياضية المرهقة:-
يعتمد هذا الأسلوب على استغلال التمارين الرياضية العاديه، ولكن بنوع من التطرف، بشكل متواصل، ولمدة طويلة، مما يسبب ارهاقاً شديداً للجسم، خاصة أن السجين في مرحلة التحقيق لا يتناول الوجبات الغذائيه الكافية مما يضعف مقاومته.
- تمرين البطن المتواصلة: يستمر ذلك الأسلوب لعدة ساعات تقريباً، حتى يتقيأ المعتقل، ولا يتوقف المحققون عن التمرين حتى يشعروا أن المعتقل قد أنهكت قواه، ولا يفعلون ذلك نظراً لأن آلامه أصبحت لا تطاق، بل لأنه لم يعد قادر على الحراك.
- تمرين الضغط (رقم ستة): يفرض على السجين القيام بهذا التمرين لعدة ساعات تقريبا، حتى يصاب بالارهاق، أو يتقيأ من جراء ذلك، ثم بعدها ينتقلون إلى تمرين آخر، وهكذا، لا يتوقف المعتقل عن التمرين حتى يشعر المحققون بأنه قد أرهق تماماً، أو يكون على استعداد للكلام.
- تمرين الوقوف والجلوس: وهذا الأسلوب يستمر لعدة ساعات تقريباً، حتى يتقيأ المعتقل، ولا يتوقف المحققون عن التمرين حتى يشعروا أن المعتقل قد أنهكت قواه، وبعدها ينتقلون إلى تمرين آخر.
- تمرين القفز والركض في نفس المكان: يجبر المعتقل على القفز لفترة طويلة ولو حاول الوقوف يواجه بالضرب بشكل عنيف مما يضطره لمواصلة القفز حتى تخور قواه ويضعف ولا يستطيع الاستمرار. ويستمر ذلك الأسلوب لعدة ساعات تقريبا.
- تمرين الوثب المتواصل: ويستمر أيضاً هذا الأسلوب لعدة ساعات تقريباً، ولا يتوقف المحققون عن التمرين حتى يشعروا أن المعتقل قد أنهكت قواه، ولم يعد لديه القدرة على المواصلة.
- تمرين الوقوف على اليدين: يفرض على السجين القيام ببعض التمارين وهو منكس الرأس، ويقوم بالضغط لأعلى وأسفل، وفي الغالب لا يستطيع السجين القيام بهذا الأسلوب لمدة طويلة مما يجعل المحققين ينهالون عليه بالضرب.
12- أسلوب الكيس والخنق:-
- وضع كيس أو أكثر في الرأس: من اللحظة الأولى لدخول المعتقل للتحقيق يوضع الكيس في رأسه وتقيد‏ يداه‏ من الخلف‏ وتوثق أحياناً‏ قدماه‏ كذلك. وهذا الكيس‏ عبارة عن قطعة‏ من‏ الشادر الغليظ التي‏ لا يمر‏ من‏ خلالها‏ الهواء،‏ ولا تسمح‏ بالتنفس‏ إلا بصعوبة بالغة‏.
والهدف من ذلك مزدوج، يتمثل في منع السجين من الرؤيه، ثم التضييق عليه في التنفس، بالإضافة لرائحة الكيس غير المقبولة (النتنة). ولزيادة التضييق على السجين يوضع في رأسه عدة أكياس قد تصل في بعض الأحيان إلى عشر أكياس، مما يسبب له صعوبة بالغة جداً في التنفس. والكيس بحد ذاته لا يؤثر على السجين، وإنما يؤثر فقط على بعض المرضى خاصة المصابين بالأزمة (ضيق التنفس). وغالباً ما يحدث السجناء خرقاً أو أكثر في الكيس بواسطة أسنانهم ليخفف عنهم سوء الرؤية والتنفس.
- وضع الكيس مع ربطة من أسفل: قد يلجأ بعض المحققين لزيادة التضييق على المعتقل بربط أسفل الكيس، أو قد يلجأ‏ المحقق‏ بشد‏ أطراف الكيس‏ بيديه ويقوم بلفها‏ على‏ رقبته‏ لمنع مرور‏ الهواء‏ له، مما يضاعف من صعوبة التنفس. فإذا أبدى أي بادرة بالاعتراف‏ يفك‏ الكيس‏ عن‏ رقبته‏ ليدخل‏ الأكسجين له،‏ وإن‏ لم‏ تبدر‏ عنه‏ أي بادرة‏ للاعتراف يستمرون‏ بإغلاق الكيس‏ حتى‏ تفصل‏ بينه‏ وبين‏ الموت‏ لحظة‏،‏ يدركها‏ المحققون،‏ فيفكوا‏ الكيس‏‏ لكي‏ يلتقط‏ نفسه‏ بعد‏ أن شاهد‏ الموت‏ بعينيه. وإذا أصر المعتقل‏ على‏ عدم‏ الاعتراف‏‏ يعيدوا‏ الكرة‏ من‏ جديد‏ حتى‏ يصل‏ لمرحة الانهاك الشديد.
- اسلوب الكيس والخنق بالماء: لا تتورع‏ العقلية‏ الصهيونية‏‏، ‏عن‏ البحث‏ عن‏ أساليب‏‏ لاجبار‏ السجناء‏ على‏ الاعتراف‏،‏ ولا تكف‏ هذه‏ العقلية‏ عن‏ اختراع‏ واكتشاف‏ وتطوير‏ أساليب‏ جديدة ‏، ‏مثل‏ أسلوب الكيس‏ والماء.
وقد يلجأ أحياناً بعض المحققين إلى زيادة التضييق بالخنق من خلال سكب بعض الماء على هذه الأكياس، مما قد يؤدي إلى الاقتراب من درجة الاختناق،وهذه العملية تستمر لثوان فقط. يسكب المياه على الكيس مع إغلاقه من أسفل وهذه العملية لا تستمر أكثر من ثواني أو دقيقة أو اثنتين خوفاً من حدوث الإختناق الحقيقي.
-الخنق عن طريق اليد: ويتم ذلك بواسطة يد المحقق أو عدد من المحققين، لتحدث ضيقا وألماً وشعورا بفقدان الوعي، وأحياناً يفقد المعتقل الوعي بالفعل أثناء عملية الضغط هذه.
-الخنق عن طريق أداة: وقد يحدث الخنق بواسطة أداة، مثل البشكير(الفوطة)، حيث يتم إدخالها عبر مجرى التنفس للمعتقل لتمنع دخول الهواء. أو يوضع أحياناً شيء لاصق، أو يتم لف حبل حول الرقبة والضغط عليه بواسطة قوة المحقق ذاته، أو بالاستعانة بمحقق آخر حتى يصل المعتقل إلى الإغماء من جراء ذلك.
- الخنق بتغطيس الرأس في برميل ماء: وهذا الأسلوب خطير جداً، حيث يفقد في هذا الاسلوب المعتقل القدرة على التنفس، مما‏ يؤدي‏ إلى اضطرابات‏ في‏ المعدة‏،‏ والإصابة بالرشح‏ والزكام‏ والتقيؤ‏ والإسهال والسعال‏ الشديد‏ وتجمد‏ الأطراف وتصلب‏ الجسد. ولو زاد عن حده ربما يؤدي الى الوفاة.
13- أسلوب التعذيب بالماء والتيارات الهوائية المتضادة:-
يعمد المحقق في هذا الأسلوب إلى استخدام الماء البارد، وكذلك التيارات الهوائية الباردة أو الساخنة، ضد السجين لنزع الاعتراف منه. وخاصة في فصل الشتاء، حيث تخفف عنه الملابس، أو يتجرد منها.
- سكب الماء البارد على الرأس والظهر: يستخدم المحقق أو من ينوب عنه من الجنود في مردوان التحقيق هذا الأسلوب لحرمان المعتقل من الراحة أو النوم أو تجميع وترتيب أفكاره بشكل جيد، لكي لا يستطيع مواجهة المحقق بذهن متيقظ. لذلك يبادر رجال التحقيق اذا شعروا بأن أحد المعتقلين يحاول أن يسرق بضع لحظات أو دقائق من النوم أو الراحة بسكب المياه الباردة على العمود الفقري من أعلى الجسم إلى أسفله بشكل غزير أو متقطع، مما يولد‏ حالة‏ الألم‏ الآني،‏ ويترك‏ المعتقل‏ يجالد‏ البرودة‏ لساعات‏ طويلة، مما يؤدي في المستقبل إلى التهابات وآلام شديدة في كافة الجسم. يقول أحد المعتقلين ويدعى عادل: “أكثر ما عذبني هو رؤية زملائي يتعذبون، فزميلي تركوه ثلاثة أيام بالماء البارد بعدما قصوا اللحم عن معصميه ووصلوا الأسلاك الكهربائية مباشرة بالعروق. (جريدة النهار الالكترونية، 1998: أنترنت)
- دش الماء‏ البارد‏‏: يستعمل‏ المحقق الماء‏ البارد‏ كأداة‏ تعذيب‏،‏ عندما‏ يصر‏ المعتقل‏ على‏ الإنكار ولا يدلي‏ باعتراف، حيث يأمره‏ بخلع‏ ملابسه‏ أو يدخله‏ بملابسه تحت‏ دوش ماء‏ بارد‏ ويتركه‏ لعدة ساعات. ويلجأ المحقق لذلك خاصة في فصل الشتاء، أو في‏ ساعات‏ الليل‏،‏ عندما ينتزعه المحقق من النوم الذي خصص لهذا الهدف، لإزعاجه أكثر‏،‏ حيث ينقل‏ من‏ دفء‏ الفراش‏ في الزنزانة‏،‏ ويمارس‏ معه‏ أسلوب التعذيب‏ بالماء‏ البارد‏،‏ البالغ‏ أثره في‏ هذه‏ الحالة المفاجئه، بإعتبار أن اختلاف‏ درجة‏ حرارة‏ الجسم‏ الطبيعية‏ عن‏ حرارة‏ الماء‏ البارد‏ جداً‏،‏ يؤدي‏ لحظة‏ وضع‏ المعتقل‏ تحت‏ الماء‏ إلى سرعة‏ في‏ دقات‏ القلب‏،‏ وصعوبة‏ في‏ التنفس‏،‏ وتجمد‏ في‏ الأطراف وارتجاف‏ الجسد، ويستغل‏ المحقق‏ هذه‏ الحالة‏ لمساومة‏ المعتقل‏ على‏ الاعتراف‏.
- تعريض المعتقل للجو العاصف والماطر: يترك‏ المعتقل‏ أحياناً عارياً‏ أو في بعض الملابس القليلة في‏ مكان‏ مكشوف‏ في‏ ليالي‏ الشتاء‏‏ في‏ البرد‏ القارس وتحت‏ إعصار الرياح‏ اللاهبة‏‏،‏ وللعلم فإن شدة‏ إيقاع وتأثير‏ الماء‏ البارد‏ والريح‏ الصقيعة‏ على‏ الجسد‏ تكون‏ في‏ أقصاها لحظة‏ انهمار‏ زخات‏ الماء‏ الأولى أو لسع‏ الرياح‏ في‏ البداية‏،‏ ثم‏ ما‏ يلبث‏ الجسد‏ أن يتعود‏ إلى حد‏ ما‏ على‏ هذه الحال‏. وقد‏ تعرض‏ عدد‏ من‏ المعتقلين‏ لهذه‏ التجربة‏ القاسية‏ ولكنهم‏ خرجوا‏ منها‏ دون‏ أن يعترفوا‏،‏ لأنها مجرد‏ أسلوب عادي‏ ضمن‏ أساليب التعذيب، التي‏ يستطيع‏ الصمود‏ فيها‏ بقليل من العزم. وقد كثر استخدام هذا الأسلوب في العقد التاسع من القرن الماضي، حيث كان يترك المعتقل في الهواء الطلق (خارج غرف التحقيق) في الجو البارد والقارس، والماطر أحيانا بقليل من الملابس، أو حتى بدونها وذلك خاصة قرب (كرفانات) التحقيق في سجن المجدل.
- الزنزانة المليئة بالماء: يلقى أحياناً السجين في زنزانات صغيرة تكون أرضيتها مليئة بالماء البارد، أو يتم رشها بالماء وهو بداخلها بين الفينة والأخرى، خاصة في فصل الشتاء، وذلك لتحقيق هدفين في آن واحد حرمانه من الجلوس، ومكابدته للبرد .
- الزنزانة (الثلاجة) أو (الفرن): يوضع السجين في زنزانة مفتوحة من أعلى لكي يدخل الهواء البارد على شكل تيار هوائي بارد اليها، أو يكون في الغرفة مكيف بارد (كنديشن) ينفث الهواء البارد على شكل موجات على جسم السجين العاري، او المفتوح الصدر وذلك لفترة طويلة تتدفق عليه التيارات الهوائية الباردة التي تؤثر على جسمه، ويتراكم‏ الهواء البارد‏ وتنخفض‏ درجات‏ الحرارة‏ بشكل كبير ونتيجة‏ للانخفاض‏ الشديد‏ لدرجة‏ الحرارة‏ يبدأ‏ جسم‏ الأسير بالتأثر‏،‏ فيرتجف‏ الجسم‏،‏ وتهتز‏ الأطراف،‏ وتصطك‏ الأسنان،‏ وتعجز‏ الأقدام على‏ حمل‏ الجسد‏،‏ ويصعب‏ التحرك‏،‏ ويحس‏ الأسير بالتجمد‏،‏ وازدياد‏ نبضات‏ القلب‏‏.
أما في الصيف‏ فيستخدم‏ الهواء‏ الساخن،‏ حيث ترتفع‏ درجة‏ الحرارة‏ ‏،‏ ونتيجة‏ للارتفاع‏ الشديد‏ في‏ درجات‏ الحرارة‏،‏ يبدأ‏ الجسم‏ يتصبب بالعرق‏،‏ ويصعب‏ التنفس،‏ ويضيق‏ الصدر‏ ويحس‏ الأسير بالاختناق، ويولد حالة من الضيق الشديد، كما يؤثر ذلك على رأسه ويشعر وكأن دماغه يكاد ينفجر من شدة الحر.
ويستخدم‏ المحقق‏ هذا الأسلوب لإخضاع، وكسر‏ إرادة السجين، سواء‏ أكان‏ السجين‏ في‏ الثلاجة‏ أو في‏ الفرن‏.. لإن‏ المحقق‏ بعد‏ مرور‏ وقت‏ مدروس‏‏ سيساوم المعتقل‏ بأنه‏ أمام خيار‏ التجميد‏،‏ أو الاحتراق‏، أو أن يعترف‏ وينقذ‏ نفسه. فإذا وجد‏ المعتقل‏،‏ خائفاً‏ ضعيفاً يزداد‏ الضغط‏ عليه‏. أما إذا وجده‏ صلباً‏،‏ قوياً فإنه‏ لا بد أن يخرج‏ منتصراً. وعلى السجين عندما‏ يدخل‏ الثلاجة‏‏ أن يبتعد‏ عن‏ اتجاه‏ الهواء‏ البارد‏ قدر الامكان،‏ وأن يلعب‏ حركات‏ رياضية‏ كأن يمارس‏ الجري‏ الموضعي‏،‏ لكي‏ يكتسب‏ مزيداً‏ من‏ الطاقة‏. وفي‏ حالة‏ الفرن‏ عليه‏ أن يبتعد‏ عن‏ مصدر‏ تيار‏ الهواء الساخن،‏ ويقبع‏ في‏ زاوية‏ بعيدة‏ عنه‏،‏ يخفي وجهه عن مصدر هذا الهواء قدر الامكان.
- التيار البارد والساخن بشكل متزامن: يتم ذلك بشكل تناوب بين سكب الماء البارد والساخن على جسم السجين، أو بشكل متقطع عبر موجات متداخلة من الهواء الساخن والهواء البارد، لكي تشكل عدم استقرار على الجسد مما يسبب حالة من الضعف والانهيار للجسم مباشرة، أو يسبب في المستقبل بعض الالتهابات الداخلية والخارجية.
- تنقيط الماء على الرأس: استخدمت المخابرات الصهيونية اسلوب تنقيط الماء على الرأس وذلك من خلال وضع السجين في زنزانة صغيرة جدا لا تسمح له بالتحرك، ومن فوق رأسه صنبور ماء يتساقط منه الماء قطرة قطرة ومع تساقط القطرات يزداد وزن القطرات على الجسم، حتى يشعر المعتقل مع ايقاع القطرات المنتظم والمطرد أن وزن القطرة من الماء على رأسه اثقل من الجبل، وهذا الاسلوب يولد انقباضا حادا في صدر السجين، واحساسا بالارق، والارهاق والاعياء لذلك على السجين ان لا يترك قطرات الماء تتساقط في مكان واحد من رأسه، وعليه ان يحاول ان يوزعها قدر الامكان على مناطق متعددة لافشال هذا الاسلوب.
وحول أساليب التعذيب تبين دراسة أعدها الباحث الأمريكي “جون فايكنز” أن 92% من العينة الاستطلاعية التي أجراها على 500 معتقل فلسطيني قالوا أنهم وضعوا داخل ثلاجات ضمن درجة منخفضة للغاية فيما وضع 77% داخل أفران خاصة معرضة لدرجة حرارة مرتفعة. (موقع الخيمة، ب،ت: أنترنت).
14- أسلوب التعذيب بالهز والرجرجة:-
- الرجرجة اليدوية: من بين أساليب التعذيب المبتكرة، ثمة أسلوب يسمى بالعبرية “ويتلتوليم” أي الهز بعنف أو الخض كالقربة وقد وصفه الاختصاصي بعلم الأمراض الاسكتلندي (ديرك باوندر) بقوله: إن المعتقل يربط إما بملابسه أو حول كتفيه ويهز بعنف شديد “. (موقع الخيمة، ب،ت: أنترنت).
وعملية الهز من أصعب عمليات التحقيق وأخطرها، لأنها تترك مشاكل عضوية في الدماغ، كتحطيم الأوعية الدموية الصغيرة في الدماغ، وتكفي دقيقة واحدة لقتله دون اية علامات، ومن اثاره كذلك ضعف الذاكرة، والدوخة، وخلل في التوازن، ويعد الهز العنيف من اخطر اشكال التعذيب. وقد طوره خبراء ومهنيون اسرائيليون في التعذيب بشكل مدروس لتطبيقه على السجناء الفلسطينيين (عيسى سميرات، 18:2000)
وقد فقد الوعي الكثير من المعتقلين من جراء هذا الاسلوب. ويقوم أحياناً بعملية الهز محققان، حيث يقوم أحدهما بجذب المعتقل المكبل إلى الخلف، بينما يجذبه الآخر إلى الأمام، وهما يضغطان بأقدامهما على القيود الحديدية، مما يسبب للمعتقل آلاماً شديدة، (ويسمون هذه العملية بتمرين التجاذب) أو يتم أحياناً ربط الأقدام إلى الكرسي، ثم جذب الجسد إلى الخلف، وتستغرق العملية مدة قد تطول أو تقصر.
- الرجرجة التقنية (الآلية): وهي من احدث اساءات استخدام المعارف المتوافرة عن دراسات النوم وعلاقاتها بالتوازن النفسي للانسان. وتتلخص تقنية الرجرجة بوضع جهاز يحدث رجرجة بسيطة تحت الرأس بحيث تؤثر في مراحل النوم ويصبح بالتالي تعاقبها معوقا، الامر الذي يؤدي الى زيادة فترات النوم السطحي وانخفاض في فترات النوم التي تحدث فيها الاحلام، فتكون النتيجة اضطرابات في الذاكرة خصوصا لجهة انتقال الذكريات من الحيز الراهن (الحالي) الى حيز التخزين، كما تؤثر هذه الرجرجة على الانماط اليومية للشخص بحيث تضطرب ساعته البيولوجية فيما يتعلق بوقت النوم وبعدد ساعاته ومرات التبول وسائر العمليات المرتبطة بالجهاز العصبي اللإارادي. الأمر الذي يؤثر في القوى الادراكية للشخص فيصيبها باعطال مزمنة. كما قد يؤدي في حالات نادرة الى تطور العديد من الاعطال الدماغية لدرجة التسبب بالوفاة .
15- أسلوب الأصوات المزعجة (الضجه البيضاء):-
الأذن هي‏ الأداة التي‏ تنقل‏ الأصوات،‏ وللأصوات ترددات‏ طويلة‏، ‏وقصيرة.. والأذن البشرية‏ مصممة‏ لاستقبال‏ الأصوات العادية‏ عبر‏ السلم‏ الصوتي، وفي السلم‏ الصوتي‏ الذي تستطيع‏ الأذن التقاطه‏، هناك‏ ترددات‏ لأصوات خافتة‏ جداً، يحتاج‏ الإنسان العادي‏ إلى جهد‏ جهيد‏ من‏ التركيز‏ حتى‏ يستقبلها‏ ويفهمها، وهناك‏ ترددات‏ لأصوات صاخبة وعالية‏ جداً‏ لا تستطيع‏ أجهزة الأذن استقبالها بسهولة حيث تؤثر‏ على‏ الغشاء‏ الشفاف‏ لطبلة‏ الأذن، فإما أن تخرقها مسببة‏ أوجاعاً شديدة‏ وصديداً‏ ودماء، وإما أن تتعب‏ هذا‏ الغشاء وتجعله‏ غير‏ قادر‏ على‏ العمل‏ الطبيعي‏،‏ فيضطر‏ الإنسان لا شعورياً‏ إلى وضع‏ أصابعه في‏ أذنيه اتقاء‏ لأثر هذه الأصوات الصاخبة، مثل أصوات الانفجارات وأصوات أبواق السيارات، والأصوات الصاخبة‏ في التحقيق، حيث يضع‏ في‏ قسم‏ التحقيق‏ الصغير‏،‏ مكبرين‏ للصوت‏،‏ متصلين‏ بمسجل‏ مفتوح‏ لمدة‏ أربع وعشرين‏ ساعة‏،‏ باللغة‏ العبرية‏،‏ والأجنبية.. وما‏ بين‏ الوصلات‏ الغنائية‏ الصاخبة‏، تكون أصوات صراخ‏،‏ وتعذيب‏،‏ وبكاء‏. وهذه الأصوات كلما‏ ازدادت‏‏ حدتها تضرب‏ مباشرة‏ في‏ الدماغ محدثة‏ صداعاً‏ شديداً‏ يشل‏ تفكير‏ الإنسان، ويدفعه‏ إلى الإرهاق.. والتعب.. وبالتالي قد يدفعة للاعتراف.
ويقول الدكتور (هاليرن) ” بأن الصوت الهاديء يلعب دوراً في تفعيل مضادات الألم الطبيعية، فإذا تصافرت هذه التأثيرات معاً فإنها تصنع نوعاً من الاسترخاء الطبيعي يتبع لقوى الشفاء الذاتية، وبالعكس يستخدم الصوت المزعج والموسيقى الصاخبة، في تدمير العقل والتأثير عليه بالسلب، وفي نفس الوقت زيادة تأثير الألم “.
ويعتبر (د. محمد المخزيخي) “بأن الموجات الصوتية عندما تصل إلى أذاننا تتحول إلى نبضات تسري في الأعصاب إلى المخ، ليفسرها ويجعل الجسم يتفاعل معها، أما تلك الموجات التي تصل إلى الجسم فإنها تؤثر بنوع من التموج بين التخلخل والضغط، وهي ترتطم بالجسم مسببه ارتجاجات ميكروسوكبيه خافتة جداً، لكنها تكفي لتنشيط الخلايا والدوره الدموية الدقيقه في الجزء الذي توجه”.(موقع النبأ،ب ت:أنترنت)
وبناءاً على ذلك عمد المحققون إلى اعتماد الصوت والموسيقى للتأثير بواسطتها على الجسد والنفس، من أجل احداث اختلال مما يؤدي إلى اضطرابات نفسية تؤدي إلى اختلال في قدرة الفرد، وبالتالي اتخاذ قرارات سلبية تقود إلى الاعتراف في التحقيق. لأن عمليات استخدام الأصوات المرتفعة جداً، والموسيقى النشاز الصاخبة، تؤدي إلى إحداث ضوضاء عنيفه على مستقبلات الصوت، مما يؤدي لاحداث اهتزازات صوتية عالية، هذه الموجات تدخل أذاننا وتتحول إلى نبضات عنيفة تسري في الأعصاب، وتنقل إلى المخ الذي يتأثر بها بشكل سلبي عندما ترتطم بالجسد مسببه ارتجاجات على الأذن وبالتالي احداث أثار سلبية على مستوى العقل والنفس والجسد، وتعمل على التشتيت الذهني، وعدم التركيز العقلي، وعدم القدره على التفكير المنطقي والسليم، كما يؤدي إلى اضطراب وتوتر وقلق نفسي وإرهاق جسدي، جراء هذا الصوت العالي .
وأما الوسائل المستخدمة لذلك فهي: (الوسائل الإذاعية كالراديو والميكروفون وغيرها) وذلك لتكبير الأصوات، أو لإصدار أزيز قرب آذان السجين، أو أحداث أصوات أنين وتأوه وتألم، لكي يحدث حالة نفسية متردية لديه. وفي التحقيق في السجون الاسرائيلية كان المحقق يلجأ الى تعريض حاستي السمع والنظر لدي المعتقل، إلى مؤثرات مزعجة، مثل الأصوات الرتيبة المستمرة أو العالية المزعجة، والأضواء الباهرة، ومناظر تعذيب الآخرين للتأثير على حالته العصبية. (علي حتر، ب ت: انترنت)
وقد استخدم في البرازيل تقنية “الضجة البيضاء” أي بدلاً من الصمت المطبق (الهادف للحرمان الحسي- السمعي) كان السجين يتعرض إلى ضجة طاغية كفيلة بأن تطغى على ما عداها من الأصوات (بما فيها صوت السجين نفسه). وبهذه التقنية يصبح الشخص عاجزاً عن التمييز بين ما هو واقع وبين هلوساته الشخصية. مما يضعه في حالة اصطناعية من تفكك الشخصية.

القسم الثاني: اساليب التعذيب بالحرمان:-
وهي أساليب تعذيب تنصب على التأثير في الناحية الجسمية للمعتقل، وذلك من خلال، عملية حرمان مبرمجة ومقصودة وهادفه، بشكل مستمر ومتواصل، تعتمد في ذلك على النواحي الغريزية والبيولوجية لدى الفرد، وأهم هذه الأساليب هي:
1- أسلوب الحرمان من النوم:-
إن النوم‏ ضرورة‏ بيولوجية من‏ ضروريات‏ الحياة، التي لا يمكن للكائن الحي أن يستغني عنها، والجميع يعلم أن النوم أو النعاس هبة من الله لهذا الجسد وهو راحة بيولوجية ضرورية له لا يمكن الاستغناء عنه أو إنكاره كواقع أساسي لبقاء الكائن الحي في حالته الطبيعية، لذلك تركز المخابرات‏ الصهيونية‏ في‏ معركة‏ التحقيق‏ بكل‏ ما‏ تستطيع‏ من قوة على أسلوب‏ الحرمان‏ من‏ النوم.‏
ولضمان عدم النوم يلجأ المحقق إلى اعتماد عدد من الأساليب منها أسلوب الوقوف أغلب الوقت، حيث أن النوم مصحوباً بالوقوف‏ ‏يؤثر‏ تأثيراً‏ سلبياً‏ على‏ أعصاب المعتقل‏ ونفسيته، وعلى خلاياه‏ العصبية‏ التي أوشكت على‏ الذبول‏،‏ بحيث‏ تترنح قدماه، ولا تستطيعان حمل الجسد المتثاقل إلا بشق الأنفس،‏ وغالباً ما يجد نفسه قد غلبه النوم وسقط‏ على الأرض. لذلك أول ما يواجه به السجين هو حرمانه من النوم، فيوضع في مردوان التحقيق، ويطلب من الجنود مراقبته وعدم إعطائه فرصة ولو بسيطة للنوم أو النعاس، ويستمر الحال كذلك أغلب فترة مكوثه في مردوان التحقيق، وربما استمر الوضع عدة أسابيع، بحسب القضية التي يتم التحقيق فيها. حتى يصل المعتقل إلى درجة من الإرهاق لا يستطيع أن يسيطر فيها على قواه الجسدية والعقلية والنفسية، أو ربما تحدث عملية الإرهاق نوعاً من الهلوسة لديه.
إن الهدف الأساسي لعملية عدم إتاحة الفرصة للنوم هو إحداث حالة عدم التوازن والسيطرة على قوى المعتقل العقلية والنفسية وبالتالي يحدث الاضطراب والتشتيت الذهني والنفسي مما يخلق حالة من الإنهيار وعدم التحكم في الإرادة الأمر الذي يجبر المعتقل على الاعتراف.
ولكن المعتقل الذي تعود في حياته على الايمان والخشونة وعدم الترف، يعلم أنه في هذه المحنة ليس وحيداً ولا منفرداً، فإن الله لابد أن يمن عليه ولو بسنة من النوم، يسترد بعدها نشاطه وقواه. كم أن على المعتقل التدرب على أسلوب النوم السريع، أو النوم جالساً أو واقفاً، وأن لا يشغل نفسه باقي الوقت بالتفكير المرهق في التحقيق، ولا يستعجل الأمور ويواجه هذه الحالة بالصبر وتذكر من سبقه من الصامدين في التحقيق.
يقول (يعقوب بري) رئيس جهاز المخابرات الصهيوني الداخلي الشاباك السابق “إن المنع من النوم كان أحد الوسائل المتبعة في هذا المجال –التحقيق- الذي أفرزته لجنة لانداو. فعندما يمنع المتهم من النوم الكافي فإنه يتحول إلى إنسان عصبي المزاج، غير مرتاح ومنهك القوى، في هذه الحالة يصعب عليه التمترس خلف حائط الصمت الذي كان يتمسك به. وفي بعض الأحيان وفي حوادث متميزة قد يفشل هذا الأسلوب في تحقيق الغرض منه، حيث أن المتهم الذي يعاني من الإعياء والنعاس الشديد قد يلجأ للإدلاء بشهادات كاذبة، وذلك لكي يسمحوا له بالنوم. ومنذ أن توليت رئاسة الجهاز كان يوضع جهاز كمبيوتر في كل غرفة من غرف التحقيق، وفي هذه الحالة يجب على المحقق أن يحدد الساعة التي يبدأ عندها التحقيق مع المشبوه الممنوع عن النوم، وعندما تصل الفترة التي حددتها لجنة لانداو إلى نهايتها يقوم الكمبيوتر بإصدار صفير خاص، وعندها يضطر المحقق من تمكين الخاضع للتحقيق من النوم. وقد انسحب هذا النظام على أساليب أخرى للتحقيق، حيث يستخدم الكمبيوتر كوسيلة مراقبة مفيدة طيلة الوقت، ومن الجدير ذكره أن نظام التحذير المبكر على أساليب التحقيق، هو من أحد الأساليب المتقدمة المتبعة حديثاً في كل الأجهزة الأمنية المتطورة في العالم. (يعقوب بري،1996: 32)
2- أسلوب الحرمان من الطعام والشراب:-
إن حاجة‏ الإنسان للأكل والشرب حاجة‏ عضوية‏،‏ لأنه عندما‏ يحرم‏ من‏ الأكل أو الشرب‏ نتيجة لعملية التجويع‏،‏ فإنه‏ يحس‏ بأن‏ هناك‏ جفافاً‏ في‏ الحلق‏،‏ وتنبعث‏ رائحة‏ كريهة‏ في‏ الفم‏،‏ ويصاب‏ بالدوار‏ والدوخة‏،‏ ولا يستطيع النوم‏، ‏ولا يقدر‏ أن يقف‏ على‏ قدميه‏ بشكل‏ مستمر‏ ومتواصل‏،‏ وينتابه‏ حالة من ثقل‏ الرأس‏،‏ وهبوط‏ في‏ قواه‏،‏ واصفرار‏ في‏ وجهه‏،‏ وضمور‏ في‏ بطنه، وارتخاء‏ في‏ عضلاته‏،‏ وشعور‏ بالإرهاق الخ.
وأما عندما يتم تقديم الطعام فإنه يتم تقديمه بشكل قليل جداً، حتى لا يقاوم المعتقل حالات التعذيب التي يتعرض لها. كما قد يكلف‏ الجندي‏‏ عندما‏ يوزع‏ وجبات‏ الأكل بالعمل عن قصد على حرمان المعتقل من‏ تناول‏ الطعام‏ لعدة‏ وجبات‏،‏ لذلك كثيراً ما يذهب المعتقل في مردوان التحقيق إلى مكان الطعام فلا يجد له شيئاً يأكله إلا بعض اللقيمات من الخبز، ولو حاول المعتقل طلب الطعام والشرابب فإنه في الغالب لا يستجاب له، وأحياناً يقصد المحقق استدعاء المعتقل وقت الأكل والتحقيق معه لكي يحرمه من الطعام.
وعبر أسلوب حرمان السجين من الطعام، يقوم المحقق بالإيهام بأن زملائه لم يبقوا له شيئاً وذلك من أجل ضرب ثقته بهم، إن أسلوب التجويع‏ والتعطيش‏ أسلوب ضغط‏ وابتزاز‏،‏ ومساومة‏ يقوم‏ على‏ الإرهاق العصبي‏ لممعتقل لدفعه‏ للانهيار،‏ ويكون‏ عادة مصحوباً‏ بحملات‏ ضغط‏‏،‏ وإيحاء مستمر‏ بأن‏ التعذيب‏ أبدي‏،‏ وأن‏ الاعتراف‏ حتمي.
ورغم‏ ما‏ يسببه‏ الحرمان‏ من‏ الأكل من‏ تعب‏ وإرهاق للأعصاب،‏ وخاصة‏ عندما‏ توزع‏ وجبات‏ الطعام‏،‏ وتفوح‏ خلالها‏ رائحة‏ الأكل. إلا أنه يجب‏ ألا يغفل‏ عن حقيقة أن المعتقلين،‏ قد‏ خاضوا‏ الإضرابات عن‏ الطعام‏ لعدة‏ أسابيع داخل السجون،‏ بإرادتهم واختيارهم من أجل تحقيق بعض المطالب البسيطة، والتي لا تقارن بعملية الاعتراف.
إن الإنسان‏ لديه‏ قدرة‏ هائلة‏ وعظيمة‏ على‏ الصبر‏،‏ والتحمل‏،‏ خاصة‏ إذا كان‏ مؤمنا‏ بقضية وهدف‏، تزوده‏ في‏ ساعات‏ المحن‏ بشحنات‏ روحية‏ ونفسية،‏ يسمو بها‏ فوق‏ التحقيق. كما يجب ألا يغفل السجين عن‏ أن المحقق‏ عندما‏ يستخدم‏ أسلوب التجويع‏،‏ فإنه‏ لا يستخدمه،‏ من‏ أجل‏ قتله إنما يستخدمه‏ كأسلوب ضغط‏ لكي يعترف فقط‏.
لذلك على‏ السجين‏ أن يتذكر‏ دوماً‏ أن أسلوب التجويع‏ أو الحرمان‏ من‏ الطعام‏،‏ ليس‏ منفصلاً‏ في‏ معركة‏ التحقيق‏ عن‏ الأساليب الأخرى.. بل إنه‏ مرتبط‏ بها. فكلما‏ صمد‏‏ وأفشل‏ أساليب المخابرات‏،‏ كلما‏ ضغطوا‏ عليه‏ في‏ ذلك لكي‏ يصل‏‏ إلى حالة‏ من‏ الإنهاك والضعف‏ لا تؤهله‏ لمواجهة‏ أساليب المخابرات‏ بقوته‏ وطاقته‏ العادية‏ والطبيعية‏، كما أن‏ المحقق‏ يلجأ‏ لهذا‏ الأسلوب حتى‏ يضعف‏ المعتقل‏،‏ ويطلب‏ الطعام‏،‏ لكي‏ تبدأ‏ المساومة‏ شريطة أن يعترف. إنهم‏ على‏ استعداد‏ أن يقدموا‏ له‏ الأكل والماء‏ وكل‏ ما‏ يريد‏.
إن الواجب‏ يحتم على‏ السجين أن‏ يواجه‏ كل‏ الضغوط‏ التي‏ تمارس‏ عليه‏ من‏ قبل‏ المحقق‏، في معركة التحقيق،‏ بتحمل‏ وصلابة‏،‏ وقوة،‏ وثقة‏ بالله‏، لأن‏ ذلك هو وحده الذي يجعل المحقق يشعر بالفشل رغم‏ تظاهره‏ بعدم‏ الاهتمام‏ لسوء‏ الحالة‏ الصحية‏ له‏،‏ إلا أنه‏ في الحقيقة يراقب‏ الوضع‏ الصحي‏‏ من‏ بعيد‏ من‏ خلال‏ جلاد‏ آخر في‏ ملابس‏ بيضاء (الممرض) الذي‏ يحاول‏ أن يعرف‏ كل‏ يوم‏ حالة الجسم، وقدرته على التحمل.
فإن‏ وصلت‏ درجة‏ الحرارة‏ والضغط‏ إلى المرحلة‏ الخطرة. يضطر‏ المحقق‏ إلى تقديم‏ الحليب‏ والغذاء‏ للسجين. لأن المحقق‏ يريد‏ أن يصل‏ هذا السجين‏ عبر‏ صراع‏ الإرادات‏ إلى الخضوع‏ والاعتراف قبل‏ أن يصل‏ إلى‏ المستوى‏ الصحي‏ السيئ. وفي النهاية من‏ يكون‏‏ أكثر‏ قدرة‏ على‏ الصبر‏،‏ والصمود‏ والتحدي‏ هو‏ الذي‏ ينتصر‏ في‏ نهاية‏ المطاف.
إن على المعتقل أن يعي بأن المحقق‏ عندما‏ يقدم‏ الطعام‏‏،‏ لا يقدمه‏ حباً‏ به‏،‏ وحرصاً‏ عليه‏،‏ بل‏ يقدمه‏ لكي‏ لا يسقط‏ بين‏ يديه‏ شهيداً فيكون‏ فاشلاً‏ من‏ خلال‏ جريمة‏ القتل‏،‏ وفاشلاً‏ بعدم‏ حصوله‏ على‏ معلومات‏ منه‏،‏ لهذا يجب أن يقوم السجين بقهر إرادة المحقق من خلال عدم تناول الطعام، أو يقوم بنوع من المناورة بعدم الأكل وجبة أو وجبتين فقط. مما يجبر المحقق‏ على إطعامه بالقوة‏،‏ حتى‏ لو‏ اضطر‏ أن يوقف‏ التحقيق‏ معه لعدة أيام.
وأسلوب الحرمان من الطعام والشراب، يجب أن يواجهه المعتقل كما واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر وتحمل المشاق عندما حاصره كفار قريش في شعب أبي طالب ما يقارب من الثلاث سنوات حتى أكلوا جلد الإبل والدواب بل إن أراد أن يزيد المحقق إحباطاً أن يشعره بأنه صائم وكأنه يوجه رسالة صريحة له بان أسلوب التجويع لا يمكن أن يجدي نفعاً معه.
3- أسلوب الحرمان من قضاء الحاجة:-
الإنسان بطبعه وطبيعته له حاجات بيولوجية كباقي الكائنات حيث لابد له من قضاء حاجته وتصريف الفضلات من جسمه، وحتى هذه الحاجة يستغلها رجل المخابرات ويستثمرها ضد السجين، بحيث لا يسمح له بزيارة المرحاض ودورة المياه إلا مرتين يومياً أو ثلاث مرات كل أربع وعشرين ساعة فقط مهما كانت حاجة السجين لذلك، ويحاول المسئول عن مردوان التحقيق باتفاق مع رجل المخابرات أن يضغط على بعض السجناء في نيل حقهم الطبيعي هذا بتأجيلهم إلى وقت متأخر أو إجبارهم على طلب المرحاض لكي تبدأ المساومة معه عبر هذه الوسيلة، وحتى لو ذهب إلى المرحاض فإنه أحياناً ما يكون هناك توصية خاصة من قبل المحقق، لمسئول مردوان التحقيق ضد بعض السجناء بعدم توفير الوقت الكافي لهم لدخول المرحاض، أو فتح المرحاض عليهم وإجبارهم بقطع عملية التبول أو التبرز.
وعلى السجين أن يتحمل ويصمد وألا يشعر المحقق بأنه ضعيف أمام هذه الحاجة البيولوجية، وعليه أن يكيف نفسه مع عدد المرات المقررة للمعتقلين، وذلك بالتقليل من عملية الشرب، ويحاول بقدر الإمكان ألا يتناول السوائل بكثرة أثناء التحقيق أو يقوم بالامتناع عن شرب الشاي المقدم مع وجبات الطعام.
ولكن إذا شعر المعتقل أن المحقق يقصد منعه ولمدة طويلة من ذلك، فعليه أن يتصرف وبكل شجاعة بالقيام بالتبول في مردوان التحقيق لكي يغيظ المحقق ويقنعه بأن مثل هذه الوسيلة لا تجدي نفعاً معه.
4- أسلوب الحرمان من النظافة:-
يعتمد المحقق على اهانة المعتقل من خلال منعه من الاستحمام، أو استخدام فرشاة الأسنان، وذلك من أجل أن ينفر من نفسه، كما يقوم المحقق في كثير من الأحيان بعملية اثارة التقزز والاشمئزاز من رائحة المعتقل التي تصدر من جسمه ومن فمه. وقد يزيد من هذا الأسلوب بأن يجعله يدخل الحمام (المرحاض) ثم يخرج، ولا يوفر له الماء أو الصابون لكي ينظف نفسه من أوساخ المرحاض. كما قد يطلب منه في بعض الأحيان بتنظيف المرحاض، زيادة في القذاره، وفي المهانه في نفس الوقت.
5- أسلوب الحرمان من العلاج:-
كثيراً ما ينتاب المعتقلين الأمراض جراء وجودهم في التحقيق، وكم يسعد المحقق لذلك حيث يجعل من المرض طريقاً للاعتراف، ويشاركه في ذلك الطبيب المختص لعلاج المساجين، فإذا علم أن لدى المعتقل آلاماً في المعدة مثلاً، فإن يرفض اعطاءه الدواء لكي يجعله يعاني من عذابين وألمين، ألم التعذيب وألم المرض، مما يتطلب من المعتقل قوة مضاعفه من الصمود والصلابه لا يقوى عليها، إلا من وطن نفسه على ذلك.
6- أسلوب الحرمان الحسي والعزل (الغرفة الصامتة):-
الاحتجاز يتم في مكان صغير وسخ تفوح منه رائحة كريهة، يدعي الزنزانه التي هي عبارة‏ عن‏ غرفة صغيرة‏ الحجم‏ حوالي مترمربع‏،‏ وهي‏ مظلمة‏،‏ ولا يوجد‏ بها‏ نور‏،‏ بحيث‏ لا يستطيع السجين‏ فيها‏ الرؤية‏ إلا بصعوبة بالغة. ولا يوجد‏ فيها‏ أي نوع‏ من‏ النوافذ‏ ولها‏ باب‏ صغير‏ ومبطن‏‏،‏ ويتم إدخال المعتقل فيها، وإغلاقها عليه. والزنزانة تكمن خطورتها في الوحدة، لأن الوحدة تولد الفراغ، والفراغ يولد التفكير في الموقف، والتفكير يولد القلق، والقلق قد يقود إلى الانهيار النفسي، الذي يؤدي إلى القرار الاصعب في حياة الفرد، وهو الاعتراف أو الانهيار في التحقيق.
وفي هذه الزنزانة تتم عملية العزل البصري التي تتلازم مع العزل السمعي حيث أبسط الأصوات، كحفيف الثياب مثلاً، تصم الآذان. حيث يلغي إيقاع الأصوات اليومية التي يحتاجها كل إنسان للارتكاز إلى ذاته، وتلغى كل المثيرات الخارجية الحواسية (ضجيج تعاكس الأضواء والألوان) وهذه المثيرات لا يستغنى عنها في عملية حفظ وصيانة الوظائف الأكثر أهمية عند الكائن الإنساني. لذلك يجب على المعتقل أن يعزز وحدته بالتغلب على الوحدة، وذلك بشغل عقله بالتفكير الايجابي، باستحضار صور ذهنية عن الأبطال الذين صمدوا في التحقيق، مع التحليق في عالم الخيال الذي يرتبط فيه بالمرغبات التي تساعده على ذلك، أو قد يشغل نفسه بالتردد المتواصل والمستمر بذكر الله وتذكر قوته وعظمته، ويستمد منه كل مقومات القوة والعنفوان والصمود.
وفي مقابلة اجراها ( فرانسوا شاليه) يعترف جنرال فرنسي على القناة الثانية الفرنسية باستخدام الفرنسيين لتقنية “الاستجواب العميق” في الجزائر خلال فترة أواخر الخمسينيات، تتضمن أسلوب (تقنية الحرمان الحسي) للشخص لبضعة أيام (أي منعه من الأكل والنوم والسمع والنظر والاستلقاء… الخ).
ولقد طورت بلدان ما وراء الأطلسي ابتداءً من العام 1956 تقنيات متطورة لتفكيك الشخصية. وكلها متمحورة حول عزل السجناء بهدف تعطيل دماغهم وإلغاء أية مقاومة دفاعية عندهم. إضافة إلى التسبب بالقلق والإذلال المعنوي وصولاً إلى إحداث تناذر دماغي يحول الشخص إلى ودود، مطواع على استعداد لتقبل الإيحاءات وصولاً إلى العجز عن سيطرته على نشاطه الذهني.
وفي أيرلندا الشمالية سادت ولفترة الطريقة الآتية: يلبس المسجون قناعاً له فتحة فقط مكان العينين ويتضمن عازلاً سمعياً. ثم يحرم الشخص من النوم نهائيا خلال الأيام الأولى من احتجازه ويجبر أيضاً على البقاء في وضعية الوقوف (لا يسمح له بالاستلقاء) ويحرم من الطعام خلال هذه الأيام.
وقد أجرى البروفسور زيبيك (Zubec) دراسات على أشخاص تعرضوا لتجربة الحرمان الحسي. وخلص من دراسته إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون طويلاً لهذا الحرمان تلاحظ لديهم تغييرات على صعيد تخطيط الدماغ بحيث تصبح موجات هذا التخطيط بطيئة. وكذلك جرت بحوث تحت إشراف وزارة الدفاع الكندية. أظهرت تهيؤات هذيانية لدى المسجون، تتحول إلى الهلوسة مع ازدياد مدة الإقامة. وكان الباحثان سميث ولويتي (Smith and Leuty) قد أثبتا منذ العام 1959 بأن الاحتجاز في غرفة صامتة من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات نفسية تتفاوت حدتها وخطورتها بحسب الشخصية الأساسية للأفراد .
وتبين كذلك في بعض الدراسات التي أجريت، بأن المساجين الذين تعرضوا للحجز الإنفرادي، بالمقارنة مع المساجين الذين تعرضوا للحجز الانفرادي يعانون من ارتفاع نسبة المصابين بينهم، من حدة الآلام في الرأس، والرقبة، والأكتاف والمعدة، مع صعوبة علاج كل هذه الأمراض. (1995: 115 ,Gamman .T)
تعقيب:
ان المحققين في سجون الاحتلال الصهيوني يضغطون‏ عبر الألم بكل‏ قواهم، وبشكل‏ متواصل‏‏ على‏ الجسد‏ لكي‏ يُنهك‏،‏ ولا‏ يقوى على‏ التحمل‏،‏ ويضغطون‏ على‏ الأعصاب لكي‏ تنهار‏ ولا‏ يبقى‏ لديها قدرة‏ على‏ الدفاع عن الذات،‏ ويضغطون‏ على‏ النفسية‏ لكي‏ تستسلم‏ للأمر‏ الواقع، ويضغطون‏ على‏ العقل‏ لكي‏ يُشل‏ ويتوقف‏ عن‏ التفكير، ويضغطون‏ على‏ الغرائز‏ كي‏ تثور‏‏ وتبحث‏ عن الخلاص، ليتجرد بذلك المعتقل من كل أدوات الصمود، فيعجز‏ عن‏ المواجه‏ ويؤثر السلامه وتنهار دفاعاته، ‏فيستسلم‏ ويعترف.‏
وقد بات من المعلوم أنه بواسطة عملية صناعية يقوم بها الانسان، عبر بعض الأدوية المعينة يتم تخفيف الألم، وبالتالي يمكن السيطرة على الألم عبر هذه المواد الكيميائية المعينة التي تكون بمثابة مسكن للألم كمادة (الاندروفين)، حيث تنشط مسارات عصبية هابطة تصل إشارتها إلى النخاع الشوكي (تعمل على كف هابط في النخاع الشوكي). أو عبر (السيروتونين) الذي تكف من جهتها تحرير مواد ناقلة للألم.
ومن خلال ذلك يتم كبح نشاط عصبونات القرينات الخلفية المسئولة عن توصيل الألم في النخاع الشوكي التي تنطلق أغلبها من الجانب العضوي للانسان، والجانب العصبي. أي عبر الخلايا العصبية على الجلد، أو من خلال عصبونات القرينات الخلفية المسئولة عن توصيل الألم للنخاع الشوكي.
والعلم الحديث يتحدث كذلك عن قدرات أخرى لرفع الألم أو تخفيفه، (لا أقول عدم الشعور بالألم، أو إزالته كليه) تتم بطريقة تنطلق من الدماغ عبر وسائل نفسعقلية إلى الجهاز العصبي. لأنه حسب رأي بعض العلماء يمكن أن يفرز الدماغ مواد يمكن أن تحسن من صحة الفرد، وتقوي من قدرته على مواجهة الألم، لأن للدماغ يستطيع انتاج مادة (الاندروفين) وهي مادة طبيعية تفرز لتسكين الألم، ويفرز مادة (جاماجلوبولين) لتقوية جهاز المناعه، ويفرز مادة (انتيرفيرون) لمكافحة الفيروسات. والدماغ (المخ) كما هو معلوم هو بيت العقل، والعقل هو سيد هذا البيت، (العقل هو قوة غيبية ميز الله بها الانسان عن غيره من الحيوانات) وبه يستطيع أن يسيطر على الدماغ، والجسد، والسلوك، وكل شىء في حياة الانسان.
ولكن هذا يتطلب عقلاً بمواصفات معينة، (ليس كل عقل) فمثلما أنه في كثير من الاحيان ما يفقد الرجل قوامته في البيت، يفقد العقل قوامته على الدماغ، وعلى الجسد، وعلى السلوك.
ولكي يتم السيطرة على الألم لابد من أن يكون العقل هو سيد الموقف، ليس في الغرفة الخاصة بإقامته فقط (الدماغ) بل بالسيطرة على البيت كله (الجسد بمجمله) على مستوى انتاج الأفكار، والانفعالات، والسلوك.. وهذا أمر طبيعي قد يحدث عند سيادة العقل بالشكل العادي والطبيعي.
وقد يصل العقل إلى درجة من القدرة في بعض الأحيان من السيطرة، على جميع المخرجات بجميع مكنوناتها، وكذلك على طريقة التعامل مع المدخلات. إي على كل ما يصل إلى الدماغ عبر سلسلة طويله من الموصلات، والمنافذ الحسية (أدوات الاحساس الخمس). حيث قد لا يشعر الفرد بالألم في بعض الأحيان، أو قد يشعر بألم خفيف نتيجة هذه السيطرة، أو قد يتحول الألم في بعض الأحيان إلى لذة ومتعة، أي لأننا من خلال العقل نستطيع أن نصدر تعليمات للجسم قد تصل في بعض الاحيان إلى تخفيف الألم، وفي أحيان أخرى لتحويله إلى غاية نبيلة، لأن العقل يستطيع أن يزود الخلايا العصبية، بمادة مخدرة، ليست مادية، وإنما (طاقة عقلية) تخفف من الألم، وذلك من خلال مضادات حيوية من الطاقة العقلية التي يصدرها (العقل يعمل كموتور صالح يضخ بشكل مستمر من خزان الوعي والارادة عمليات تنطلق من العقل اللاواعي (الباطن) إلى العقل الواعي، بشكل ارشادات وتعليمات تخفف من حدة الألم). أي أن عملية السيطرة على الألم تتم من خلال آليات دفاعية عقلية (وهي بخلاف الآليات الدفاعية النفسية، التي تحدث عنها (فرويد)، ولكن قد تتشابه معها)، وهذه الآليات الدفاعية العقلية تتمثل في قيام الفرد بالعمل وفق مبدأ ملأ الفراغ، هذا المبدأ الذي يعتبر بأن لكل شىء حيز (لابد لكل شىء أن يملأ فراغ ما) فإذا أردت أن تحرم أي شىء من وجوده، فإهدم حيزه أو فراغه.
فالعقل مثلاً (الذي حار العلماء والفلاسفة في تعريفه، والذي يمثل طاقة غير مرئية، لم نعرف كنهها، بإعتباره خاضع لنظام الروح) ندركه من خلال قوته -طاقته- التي يعمل بها ويؤثر بها في الأشياء، رغم أننا لم ندرك كنه هذه الطاقة أيضاً ، إلا أن أثارها شاهدة أمامنا، وبالتالي فهي خاضعة لإداركنا، ولو أنها غير خاضعة لحواسنا. ولكن بيت هذه الطاقة (الدماغ) مشاهد لنا وخاضع تحت مجهر حواسنا، فإذا أزلنا بعض أدواته ومعاوله في الحياه، أي لو تعطل جزء أو حجره من هذا البيت، لا يزال بذلك ولا يفنى. ولكن إذا هدمنا حيزه، وموطنه بشكل نهائي، يؤثر ذلك على نشاطه وقوته، وتتعطل فاعليته وتأثيره بشكل نهائي، وهذا ما نشاهده عند تلف بعض أجزاء الدماغ، أو ما نراه عندما نحقن جزء من الدماغ بمادة مخدره، مما يعطل نشاطه ومفعوله بشكل مؤقت.
وكذلك يمكن أن نخفف من الألم، بملأ الدماغ بشيء آخر، فلا يكون متسع فيه لغير ما وضعنا فيه مسبقاً، (فمثلاً لا يمكن أن تكون الكاسة فارغة بالمطلق، كما تخدعنا بذلك الحواس، لأن الجزء غير الممتلىء بالماء، يملأه حيز من الهواء، الذي قد يكون هواء نقي، أو فاسد). أي أنه لا يوجد في الكون برمته حيز فراغ مطلق، لأن االفراغ عبث، (والله لا يخلق العبث في هذا الكون) وإن شعرنا عبر حواسنا البسيطه والمحكومة بواقع المادة أنه قد يوجد هذا الفراغ.
ووفق هذا الفهم فإن العقل يعمل بقدرته، وطبيعته، وخبرته، وقوته على ملأ جزء من غرف الدماغ، أو جميعها بطاقته، أي يقوم بملأ حيز فراغ هذه الغرف (بالطاقة العقلية) التي قد تكون سلبية أو ايجابية، وهذا ما ينطبق على عملية السيطرة على الألم، والتخفيف منه بشكل عام، وفي التحقيق بشكل خاص، حيث لا يمكن ملأ (الدماغ) بطاقة السعادة، بدرجة لا يجد الألم له متسع في هذا الدماغ. ففي حال وصول دفعات الألم للدماغ يقوم العقل ببث طاقة عقليه للدماغ، لتغطية هذا الألم، بملأ الفراغ فيه، فلا يجد الألم مكاناً ليقطن فيه. (مثل قيام أحد الصحابة ببتر ساقه المعطوبة وهو في الصلاة، باعتبارها صلة مع الله، التي من أحوالها الاستغراق الكلي مع الخالق، بحيث يملأ كيانة بطاقة لا يجد متسع لغيرها فيه، بحيث لا يشعر بعملية البتر وما يصاحب ذلك من ألم). أي يمكن أن يبث العقل من طاقته في الدماغ أفكار ومشاعر وتصورات وخواطر ايجابيه تملأه، وتكون بمثابة دوافع داخليه تحول بينه وبين أي وساوس وأفكار سلبيه، لأن هذه الأفكار الإيجابية تحتل المقاعد فلا تجد الأفكار السلبيه موضع قدم لها لتقف فيه، وبالتالي تنحدر وتنحصر ولا تجروء على الإقتراب أو الدخول فيه.
وقد ثبت بأن الانسان لو كان يحمل موقفاً سلبياً وفكره سلبيه ومشاعر سلبيه وتوقعات سلبيه بعدم شفاؤه مثلاً من مرض ما، فإن الدماغ لا يفرز كميه مناسبه وكافيه من هذه المواد التي يحتاجها لكي تتحسن حالته، ولكنه إذا كان يحمل أفكاراً ومشاعراً وتوقعات ايجابيه نحو شفاءة من المرض، فإن الدماغ سوف يفرز كميات أكبر من هذه المواد تساعده في التغلب على آلامه والشفاء من أمراضه.
وهكذا فإن المشاعر التي تسيطر على المعتقل في التحقيق إذا كانت ايجابيه نحو الحياة، (كأن يكون متفائل) يكون أكثر استجابه للسعاده، وبالتالي يحصل أولئك المتفائلون من الدماغ على طاقة أكبر تساعدهم في التغلب على الألم وعلى الصعاب التي تواجههم. فالجسد يستجيب للأفكار والمشاعر الجيدة، لذا يجب على المرء أن يبني توقعات ايجابيه وأفكار ايجابيه بشأن قدرته على مواجهة الصعاب والمحن، وكذلك الأمراض، التي تواجهه.
وعبر عملية الاستخواذ العقلي كذلك يستطيع الفرد السيطرة الألم، وذلك من خلال السيطرة على مدخلات العقل (الطاقة الداخليه) ومخرجات العقل (الطاقة الخارجية). أي عندما يستحوذ العقل (بطاقته) على كيان الفرد، لا يجعل لأي مدخلات جديدة مكاناً لها، ولكن عندما تنقص هذه الطاقة، تدخل طاقة جديدة. (فمثلاً الشعور بالألم، وإن تم على أكمل وجه ودخل إلى بيت الدماغ (العقل)، يجد هذا البيت كله مخدراً، لا يمكن إثارته، لأن الألم يجد أمامه الأبواب موصده).
إن من المعلوم أن لدى الإنسان ثلاث طاقات، الطاقة العقلية وتصدر عن العقل، والطاقة النفسية وتصدر عن الذات، والطاقة الحركية (الميكانيكية) وتصدر عن الجسد. وكل طاقه تفرز باستمرار ما دام لا يوجد معيق لها، فالطاقة الحركية تلك الطاقة المولده من الكيان المادي، تستنفذ إذا لم تزود بالوقود اللازم لذلك (كالطعام والشراب والهواء). وبالتالي فالعقل يفرز طاقة قويه هائلة، ما دام يتغذى بالأفكار والتصورات والخواطر، هذه الطاقه هي التي قد تحول دون إصدار أوامر الألم من الدماغ إلى مركز الألم (النخاع الشوكي) والعصبي الموصل للألم، أو قد ينشغل بعمليات عقلية آخرى، تستخوذ عليه الطاقة، وتستغرق كل الطاقة لديه، فلا يلتفت للألم، لكونه منشغل بشيء أهم حتى من الألم نفسه، أو قد يجد تكون أن استجاباته بطيئة أو حتى قليلة جداً، بسب انشغاله بأشياء أخرى، (كالتفكير في الاستشهاد، أو التفكير في الموت، أو التفكير بالايديولوجيا والمبدأ والمصلحة العامة للتنظيم)، أو الانشغال بنشاطات عقلية أخرى تستحوذ على العقل كله طاقته أو الجزء الأعظم منها، (كأن يستغرق في السباحة في ملكوت الله، أو يشغل القلب والعقل بالتسبيح وذكر الله بشكل متواصل). مما يحدث في الجسد شبه تخدير بهذا الانشغال، فلا يشعر بالألم إلا القليل، وعملية الاستحواذ هذه تجعل الألم المتدفق إلى غرف الدماغ، في حالة تخدير عقلي يمارسه الفرد بشكل إرادي منظم ومرتب.
إن عملية الاستحواذ هذه هي عملية عقلية إرادية شعورية، قد تتحول مع الوقت إلى عملية شرطية، يلهج بها العقل والقلب، والجوارح بدون وعي وإدراك من العقل الواعي، حيث تمتد \إلى العقل الباطن، الذي زوده العقل الواعي، بمجموعة من الأفكار والرؤى والأحاديث التي زرعت في العقل اللاواعي، وبالتالي عندما يريد العقل الواعي استرداد هذه الأفكار أو جزء منها يجد أن العقل الباطن يمد العقل الواعي بمجموعة من الارشادات والأوامر التي تحدد مسار الممارسة والتطبيق.

تمهيد:
إن النفس البشرية هي الحياة، وهي تفاعل مركب من عالم الغيب (الروح) وعالم الشهادة (الطين)، وهي اللغز الذي ما فتيء الإنسان البحث والتعرف عليه. ولكل إنسان شخصية ونفسيه معينه خاصة به تتشكل من عوامل داخليه وخارجية تؤثر وتتأثر فيه.
وعندما يتعرض الإنسان لأزمة شديدة أو موقف ضاغط صدمي، يصاب بنوع من الاضطراب في نفسيته جراء مثل هذه الضغوط والصدمات والأزمات. وخاصة تلك الضغوط والصدمات التي تحدث أثناء عمليات التعذيب في أقبية الزنازين الصهيونية، التي قد تفوق في كثير من الأحيان، الأزمات والضغوط والصدمات التي تحدثها كحوارث الطبيعة (كالفيضانات والزلازل وغيرها) حيث دلت بعض الدراسات بأن 25% من الناس يتأثرون بهذه الكوارث في المناطق التي تقع فيها فقط، في حين أكد أن الأزمات والضغوط والصدمات التي تكون بفعل الإنسان أشد وقعاً على النفس من مثيلاتها من الكوارث الطبيعيه.
مما يدل على أن الضغوط النفسية الناجمة عن المواقف الصدميه والضغوط الشديدة، خاصة التي تتم في التحقيق أقسى منها بكثير، لأن عملية التعذيب التي يتعرض لها المعتقل، تمثل موقف نفسي ضاغط، يعجز المعتقل عن إحداث استجابة مناسبة له. قد يصحبه أحياناً انفعالات سلبية، تؤدي لحالة من عدم التوازن داخل الكائن الحي، يثيرها التباين الواقعي، أو المدرك ما بين مطالب البيئة وطاقة الكائن الحي في التغلب على هذه المطالب، وتظهر من خلال استجابات فسيكولوجية وعاطفية ومسلكية متعددة. أي أن الضغط النفسي في التحقيق هو حالة من عدم التوازن في العلاقة بين الفرد ومحيطه، وعدم التوفيق بين هذه المطالب والمقدرة على معالجتها، وهو ما قد ينتج عنه الإثارة الزائدة، التي يطلق عليها الضغط الزائد، لأن طاقة التحمل لديه قد اقتربت من النقطة الحرجة (القدرة على الاحتمال) الناجم عن الضغط المستمر في التحقيق.
وتمثل هذه الضغوط مجموعة الحوادث التي تغير حالة الجسم الحيادية (الاعتياديه)، لحالة أخرى تتطلب القيام بمجموعة من الاستجابات المتغيرة المتنوعه، لأن الضغط النفسي بهذا المعنى يكون عملية تفاعلية تشتمل على مجمل العوامل التي تتدخل لإظهاره (كالمثير والاستجابة). وإدراك الوضعية التي هو عليها، وتقييمها. أي تقييم المعتقل للتهديد المعرض له من أجل تنظيم الدفاعات لمواجهته. باعتبار أن العامل المثير للاضطراب، هو تهديد ما يقلب توازن النفس، بحيث لا يعود الترميم ممكناً لها، (العودة الى السواء أو التكيف) إلا بواسطة استجابة خاصة تتعدى الروتين. فالمثير في الحالات العادية تكون استجابة الجسم له آلية، وتحصل بدون صعوبة وبدون مشكلة. ولكنه يمكن أن يفقد عاديته ويصبح عامل ضغط، من خلال ما يميزه عن المثير البسيط. كأن يمتد المثير لفترة أطول من العادي (كعملية الجلوس على كرسي التحقيق فترة طويله)، أو من خلال المعنى الذي يعطيه الفرد لهذا المثير في ظروفه الراهنة، باضفاء عليه قيمه معنويه كبيرة، قد تستحوذ على مقدار كبير من مساحة الذات (كتصور نفسة مشلولاً)، وبمقدار القوة التي يملكها للمواجهه (كقوة الشخصية). أي أن هناك عوامل ذاتية تساعد على حدوث الضغط، اضافة للعوامل الموضوعية، لأن العوامل المسببة للضغط موجودة دائما، لكن نتائجها تتعلق بكيفية التفاعل معها.
إن الفلسفة التي يقوم عليها استخدام الضغط النفسي كوسيلة من وسائل التحقيق ترمي إلى كسر صمود وكبرياء المعتقل الفلسطيني وإذلاله وإجباره على الاعتراف على غيره وتحويله إلى إنسان ضعيف ومهزوز، وسبباً في إحداث الضرر بالآخرين وبالتالي تجريده من عقائديته النضالية وقناعاته الوطنية، ليتحول من إنسانٍ مناضل ذي عزيمة إلى إنسان محطم، فاقد الثقة بذاته وبقضيته، مزعزع الشخصية.
ومن خلال قراءة عملية لتجربة الأسرى الفلسطينيين، فإن المحققين قد استخدموا وسيلة الضغط النفسي مع الأسرى دون تمييزٍ بين كبيرٍ أو صغير، أو رجل وامرأة، فالهدف الحصول على المعلومات دون مراعاة أي اعتبار آخر.(عيسى قراقع،2002:انترنت)
لذلك اعتمدوا وسيلة الضغط النفسي بحق المعتقلين الفلسطينيين منذ بداية الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 كوسيلة من وسائل الحرب على المقاومة الفلسطينية ورجالها بهدف الحصول أولاً على أكبر قدر ممكن من المعلومات، وثانيا لتحطيم الأسير الفلسطيني معنوياً وجسدياًً. وقد شهدت أقبية التحقيق الإسرائيلية صراعاً قاسياً ومريراً بين الأسير والمحقق استخدم خلالها المحقق شتى الأساليب النفسية الضاغطة في محاولة لكسر الأسير نفسياً وتطويعه للإستجابة لإرادته والكشف عن معلومات تؤدي إلى مزيد من الاعتقالات وضرب البنى الثورية للمقاتلين.
لأن المحقق والمعتقل في حالة صراع، يحاول كل منهما أن يوهم الآخر بأن المبادرة قد أصبحت بيده، فإذا نجح أحدهما في إقناع الآخر بأن وسائله قد استنفذت، فإنه بذلك حتماً سيكسب المعركة. لكونها معركة تحتاج لأراده وعزيمة، ولأصحاب نفوس تملأها العزة والإباء، وتحتاج لنفسية لا تعرف الهزيمة أو اليأس لأنها تثق بالنصر.
إن المحقق يسعى لتعطيل قدرة المعتقل في التعامل مع الموقف الآني المفروض عليه، بتحطيم نفسيته، وتعطيل قدرته الجسمية والعقلية، لأن القوة الحقيقية للمعتقل تكمن في مرونة وعمق التفكير في ذلك الموقف، الذي ينتج سلوكاً يمتاز أيضاً بالمرونة، التي تكفل للمعتقل التوافق السليم بين متطلباته الشخصية، وبين متطلبات الموقف.
وهناك نماذج في التحقيق، قد مورس معها كل أصناف وألوان العذاب، ولكن لم يفض ذلك الضغط إلى الاضطراب أو الانهيار النفسي، ولا إلى الاعتراف المطلوب منه. وهذا يؤكد على أن السقوط في يد المحقق الصهيوني، لا تنتجه فقط عمليات التعذيب، وإنما هو عملية تراكمية لها علاقة بشخصية الفرد، من حيث بناءه الفكري، والنفسي، والجسدي، بالإضافة إلى الخبرات الحياتية التي مر بها سابقاً، وكذلك لأسلوب الضغط الذي يعتمده المحقق أثناء استجوابه للمعتقل.
ومن أبرز الأساليب النفسية التي يستخدمها المحقق في الضغط النفسي على المعتقل، إثارة الخوف والقلق لديه، لأن الخوف كما عرفة علماء النفس يعني: ” تعرض الشخص لكارثة أو خطر مباغت، يحدث لديه انفعالاً شديداً يقود إلي حالة من الخوف الشديد -كرؤية حيواناً مفترساً بشكل مباشر، أو التعرض لمصيبة، أو لعمليات تعذيب مبرمجة- ينتج عنها انفعال حاد، يحدث اضطرابات في جسمه يشعر بها الفرد، وتغيرات في سلوكه، قد تؤدي إلى شكلين من السلوك، إما التجمد والبقاء في المكان، أو الفزع والصياح والهروب عن مصدر الخطر “.
والخوافين يصبحوا في الغالب أكثر استجابة للانهيار والاعتراف في التحقيق، لأن الخوف والقلق يشلا الحركة والتفكير في كثير من الأحيان، وإن كانا في بعض الأحيان قد ينشطا الدماغ ويجعلاه أكثر استنفاراً، ويكونا دافعاً لقوة التفكير وسرعته وحدته، ويؤديان لمجابهة التهديد الواقع على الشخص، ويساعداه على أن يكون أكثر حزماًً في المواقف الصعبة.(إيزاك ماركس، ب ت:37)
ولتحقيق نسبه عالية من القلق والخوف لدى المعتقلين، يسعى المحقق لعزل المعتقلين عن بعضهم البعض، لأن الخوف والقلق يقل لدى المعتقلين مع أشخاص آخرين مثلهم في التحقيق، حتى لو كانوا غير معروفين لهم، لكونهم يعيشون نفس تجربتهم العملية في التعذيب، من خلال وجود عامل مشترك فيما بينهم، هو التهديد بالعذيب أو التعرض للتعذيب، مما يدل على أن من يعيش مع آخرين نفس المعاناة يتعاطف معهم، ويزيد ويقوي لديهم عملية الانتماء والصموده. وذلك بخلاف أن يواجه المعتقل الموقف بمفرده، لأن يشكل الموقف الجمعي، عملية دعم وتقوية للمواجهة.
لذلك يسعى المحقق إلى عزل المعتقل ليواجه مصيره بمفرده، وليحرمه من المفردات العاطفية والاجتماعية والنفسية التي يستمد منها قوته. لأن الخوف والقلق يزيد عندما يترك المعتقل مع نفسه في فراغ عميق يؤثر عليه في الغالب بالسلب. لذلك يجب أن يخلق الفرد لنفسه تقديراً ذاتياً بنفسه، سوا كان في التحقيق بمفردة أو مع آخرين.
وبنفس المقدار الذي يستخدمة بالنسبه للضغوط السلبية، يستخدمه أيضاً في الضغوط الإغرائيه حيث يستعمل في بعض الأحيان وسائل (غير عنيفة) تعتمد على قيام المحقق بعملية التخدير بالأماني، أو السيطرة على النفس، بواسطة توجيهه إلى مجموعه من الأمنيات، التي يرغب بها ويتمناها في المستقبل. (عبد الله بن بخيت، ب ت:أنترنت) ومن هذه الضغوط القائمة على الأماني، عرض المحقق على المعتقل أن يعترف في التحقيق، مقابل أن يقوم بتغطية هذا الاعتراف، حيث يشيع لدى المعتقلين روايات تمجد صمودة في التحقيق. وكذلك وعدة بتحقيق كل أمنياته التي يرغب فيها في المستقبل، فإذا كان تاجراً على سبيل المثال يعمل معه صفقه تجاريه، تفتح له من خلالها الأبواب في مجال تجارته، فيجعلة المستورد أو الوكيل الوحيد لها في البلد دون منافس. وإذا كان لديه طموحاً سياسياً، ينفخ فيه بأنه الرجل المناسب لمثل هذا الموقع، أكثر من فلان وفلان، لذلك سوف يسعى لجعلة يفوز بذلك الموقع. وهذا يخدروه بمجموعه من الأماني الجميلة التي تلاقي قبولاً واستحسانا في بعض قلوب وعقول الضعفاء.
وتنقسم الأساليب والوسائل النفسية، التي يستخدمها المحقق، في التحقيق لقسمين هما:
القسم الأول: الأساليب والوسائل النفسية التي تعتمد على التهديد والضغط النفسي.
والقسم الثاني: الأساليب والوسائل النفسية، التي تعتمد على الترغيب والإغراء النفسي.
القسم الأول: أساليب التهديد والضغط النفسي :-
يعتبر أسلوب الضغط النفسي من أكثر الأساليب استخداماً في التحقيق، ويعتمد على عدم ترك أثراً مباشراً على جسد الأسير، وبالتالي فالأسير الذي يعترف تحت الضغط النفسي يدلي بمعلومات كاملة وتفصيلية، مفيدة أكثر لجهاز المخابرات وأكثر نجاعة، من الحصول عليها بالعنف او الضرب الجسدي منه. (عيسى قراقع،2002: إنترنت) ويسعى المحقق الصهيوني في معركة التحقيق أن يشعر المعتقل بتخلي الأسباب وانقطاعها عنه، وأنه وحيداً في المعركة، كما يسعى إلى التعرف على نفسية المعتقل الفلسطيني، وخاصة نقاط الضعف لديه، من أجل الضغط عليها بهدف تولد الضعف النفسي لديه، وبالتالي إلحاق الهزيمة بهذه النفس.
وقد جنّد في التحقيق لهذا الغرض رجالاً متخصصين، يتقنون اللغة العربية بطلاقه، وكذلك على دراية تامّة بطبيعة وتقاليد ومفاهيم المجتمع الفلسطيني وخصوصياته، وعلاقاته الانسانية والسلوكية، وذلك لتسهيل عليه عمله في محاربة المعتقلين، وتحقيق أهدافه في جني المعلومات منهم.
ومن الأهمية أن نؤكّد هنا أنه لا يمكن أن ينجح أسلوب الضغط النفسي دون إرهاق جسد المعتقل عضوياً وعصبياً ونفسياً، وبالتالي لا يمكن الفصل بين مدى نجاعة الضغط النفسي في تحقيق نتائج معينة وبين ما يتعرّض له جسد الأسير من ضغوطات وإجراءات قد تكون أشدّ من الضرب المباشر. بالإضافة إلى القابليه الذاتيه، والإستعداد النفسي من قبل المعتقل للإستجابه لهذه الضغوط.
وتتمثل أبرز أساليب التهديد والضغط النفسي المباشر على المعتقل أثناء التحقيق التالي:
1- اسلوب اعتقال أو التهديد باعتقال الأهل:-
إن العدو‏ يسعى‏ لمحاربة‏ ضعفنا‏ بجوانب‏ قوته‏،‏ فعلينا‏ أن‏ نحارب‏ ضعفه‏ بجوانب‏ قوتنا. فهو يسعى في التحقيق إلى اعتقال بالفعل أو التهديد باعتقال أعز من نود ونحب (كالأم والأب، الزوجه والأبناء‏،‏ الأخوة والأخوات، الخ) لأنه يدرك‏ بأن‏ ذلك يشكل أداة ضغط نفسي ومعنوي كبير. ويقوم أحياناً باحضار الأهل بالفعل إلى التحقيق، وتعذيبهم، وكيل الاتهامات والشتائم لهم، كورقة ضغط ومساومة لانتزاع الاعتراف منه، أو يسجل في بعض الأحيان أصواتهم على أشرطة كاسيت لكي يعتقد بأنهم مازالوا قيد الاعتقال.
2- اسلوب الاعتداء أو التهديد بالاعتداء الجنسي على الأهل:-
إن رجل التحقيق الصهيوني قمة في الفساد حيث لا يتورع عن استخدام أي أسلوب حتى لو كان غير أخلاقي من أجل نيل الاعتراف من المعتقل، بل في كثيرٍ من الأحيان ما يتعمد المحقق ذلك، كأحد وسائل الضغط النفسي للتأثير عليه.
لذلك يلجأ المحقق أمام صمود للمعتقل إلى التهديد بإحضار من يحبه المعتقل من الأهل، كأحد وسائل الضغط النفسي عليه. وفي بعض الأحيان ينفذ تهديده بإحضارهم، وخاصة النساء منهن، حيث يقوم مثلاً باستدعاء إحدى قريباته إلى التحقيق ثم يقوم بتعريتها أمام رجال المخابرات، وربما أمام بعض الشباب من نفس القضية، مما يحدث عند البعض حالة من الانهيار. وربما يحاول إيهام المعتقل أحيانا بأن زوجته أو ابنته أو والدته أو شقيقته تتعرض لعملية اغتصاب بواسطة المحققين في الغرفة المجاورة.
لأن المحقق الصهيوني يدرك أن شرف العائلة يعتبر أهم معالم العرف والعادة في العالم العربي، وأن شرف البنت في عين والدها والأخت لدى أخيها يعتبر أهم من الوطن ومن الثورة، ويدرك أن ذلك‏ يمثل‏ أكبر‏ نقطة‏ ضعف‏ عند‏ الإنسان الفلسطيني،‏ لذلك فهو‏ يستغل‏ هذه المشاعر‏ الحساسة‏ (الشرف‏ والعرض‏ والسمعة‏)‏ كورقة‏ ضغط‏ يلوح‏ بها‏ في‏ وجه‏ المعتقل‏، فيضعه‏ أمام‏ خيار‏ الاعتراف‏ مقابل‏ إنقاذ‏ شرفه‏ وعرضه‏.
إن‏ المحقق‏ عندما‏ يهدد‏ بإحضار‏ الأخت أو‏ الزوجة‏،‏ أو‏ الأم إنما‏ يختبر‏ المعتقل‏ ليكتشف‏ في‏ داخله‏ نقطة‏ ضعف يستطيع‏ أن‏ يتسلل‏ منها‏ لتوجيه‏ ضربة‏ له فإذا وجده‏ خائفاً‏، ‏ضعيفاً‏،‏ متردداً‏، يحضر‏ أهله لكي‏ يستنزفه‏ أكثر، ويحوله‏ لذليل‏.‏ أما‏ إذا‏ وجد‏ المعتقل‏ قوياً‏،‏ غير‏ مبالٍ ولا‏ متأثرٍ فإنه‏ يستمر‏ بالتلويح‏ بهذه‏ الورقة‏،‏ حتى‏ تسقط‏ من‏ يده‏ ولا‏ يحضر‏ الأهل، وحتى لو أحضر‏ الأهل وهدد‏ بالنيل‏ منهن فإنه في الغالب لا ينفذ تهديده، ولكنه يحاول أن يمارس‏ أقسى‏ أشكال التهديد‏‏ والضغط‏ على المعتقل.
3-أسلوب التهديد الجنسي للمعتقل:
- التهديد بالاغتصاب: ومن أبرز أساليب الضغط غير الأخلاقي على المعتقل، أن يقوم المحقق أو بعض العملاء أو الجنود، بأن يوهموه بأنهم سوف يعتدوا عليه جنسياً. ويستخدم هذا التهديد مع المعتقلات الفلسطينيات المقاومات للاحتلال أكثر من الشباب. تقول إحدى الأسيرات الفلسطينيات (التهديد بالاغتصاب هو السيف الذي سلطوه على عنقي. بقولهم اعترفي وإلا هذا الجندي سيقوم باغتصابك أمامنا .. كنت استعد لهذه اللحظة .. وسرت في بدني تيارات هزت كياني هزاً .. ولم تمض إلا لحظات حتى استجمعت أطراف شجاعتي وقلت -افعلوا بي ما تريدون فلا شيء عندي لأقوله لكم) وتقول أسيرة أخرى أن المحققين قد هددوها بإحضار مومسات ليمارسن السُحاق معها وسيقمن باغتصابها بالقوة. وأن حالة من الخوف والقهر والهزيمة قد سيطرت عليها إلا أنها سرعان ما استجمعت قوتها وتغلبت على هذه الرهبة). وقد أكدت أسيرة ثالثة على هذه الأساليب بقولها: (أنهم قد هددوها بإحضار رجل درزي ليمارس معها الجنس إذا لم تعطهم اعترافاً كاملاً بما يريدونه .. وإنها على الفور وبمنتهى الثبات قد تحدتهم).
- تعرية المعتقل: إن المحقق الصهيوني يعلم جيداً أن المعتقل الفلسطيني في الغالب شخص عربي مسلم يرى في العري امتهان لكرامته، لذلك يلجأ لهذا الأسلوب، بحيث يجبره على التعري أمام المحققين أو زملائه، أو يجبر زملائه على ذلك، ليسبب له حرجاً وألماً نفسياً كبيراً. ولكن السجين الذي يصر على الصمود يعلم بأنه لو تعرى أمام زملائه في مردوان التحقيق ألف مرة، أشرف له من أن يفضح ستر إخوانه.
4- أسلوب التهديد بالقتل:
وهذا الأسلوب يعتمده المحقق، بشكل دائم ومستمر، حيث يوهم المعتقل بأن التعذيب سوف يقوده إلى الموت المحقق إن هو ظل ملتزماً بالصمت ولم يعترف. وقد يلجأ أحياناً إلى محاولة اقناع المعتقل بذلك، من خلال عرض نماذج عليه من الصور والأسماء لبعض المعتقلين في حالة النزع الآخير، أو الذين وافتهم المنية وهم في أقبية التحقيق صامدون.
5- أسلوب التهديد بهدم البيت:
وأسلوب التهديد بهدم البيت الذي يمتلكه المعتقل أو يعود لأسرته، يجعل من هذا الموضوع عمليه ضاغطه على نفسية المعتقل ويحاول أن يزيد من هول هذه الصوره، بنماذج من الأسرى والمعتقلين الذين تم تدمير منازلهم، ويصور له حالة الأهل والأسره وهم بلا مأوى أو سكن، مما قد يؤثر على نفسية بعض المعتقلين، الذين يتفاعلون مع ذلك الحدث بشكل كبير.
6- أسلوب التهديد‏ بالإبعاد:-
يستخدم‏ أسلوب التهديد‏ بالإبعاد عند‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ مع‏ نفر‏ قليل‏ من‏ المناضلين‏ والمجاهدين‏ الذين‏ يشكلون‏،‏ بوعيهم‏،‏ وإيمانهم،‏ وإخلاصهم،‏ وجهادهم‏ خطراً‏ شديداً‏ على‏ الاحتلال ولا يرجى‏ منهم‏ أمل بالاعتراف‏،‏ أو المساومة‏،‏‏ فتلجأ‏ أجهزة الأمن لاتخاذ‏ قرار‏ الإبعاد القسري‏ بحقهم‏،‏ ويتم استخدام‏ هذا‏ الأسلوب،‏ كأداة ابتزاز‏،‏ قبل‏ أن يصبح‏ قرار‏ الإبعاد قراراً‏ علنياً‏ عسى أن‏ تجد‏ ضالتها‏ بطرف‏ خيط بالإعتراف.
و‏يستغلون‏ عاطفة‏ الأبوة لديهم نحو‏ الأبناء، فيقولوا للمعتقل سوف نحرمك‏ من‏ أبنائك، لكي‏ يموتوا‏ جوعاً‏ ويتسولوا‏ في‏ الطرقات‏، إننا سنرحلَّك‏ ولن‏ ترى‏ أمك،‏ ولا‏ أباك ولا‏ إخوتك.. سنضع‏ أسماء أهلك‏ جميعهم‏ على‏ الجسر‏ والمعبر ونمنعهم‏ من‏ السفر‏،‏ حتى‏ لا تراهم طوال‏ عمرك‏،‏ وتقتلك‏ الغربة. ولكن على‏ السجين‏‏ أن يدرك‏ أن هذا‏ الأسلوب،‏ هو‏ للتهديد‏،‏ والضغط‏ والابتزاز‏،‏ وحتى لو نفذ ذلك التهديد، فلا يجعل ذلك يغير من صموده شيء، فيثما وجد هو وطنه وشعبه.
7- أسلوب التهديد بالسجن الحربي:-
الأخطر في هذه العملية هو إشراك عوامل تأثير عقلية ونفسية ضد المعتقل، تعمل على فتح طاقة من التفكير الهدام، والوساوس المرعبة لديه، عن هول التحقيق في ذلك المكان (مثل ما كان يشاع عن التعذيب في السبعينات بالسجن الحربي في المجدل) وهو بذلك يحاول أن يخلق وهما يبدو معقولا. كما يبث المروجون والمنهزمون والعملاء في نفسية المعتقل الصامد، بأنه سوف ينقل إلى السجن الحربي، الذي يوجد من الأمور والأهوال التي تقشعر لها الأبدان، مما يولد تحضيراً نفسياً وقناعة مسبقه لدى المعتقل باستحالة الصمود في التحقيق هناك، وفعلاً يسقط وينهار، لأنه عقله الواعي قد سلم بهذه المعادلة، وبالتالي يسارع عقله الباطن بإمداده بكل مسوغات الاعتراف، بل ويدخل له من باب المصلحة والحرص أحيانا.
وتذكر كل لحظة، أن التحقيق سينتهي والتعذيب سينتهي، وأنك ستبقى بعد ذلك، إما حقيرا منهارا معترفا خائنا محكوما بالسجن لأنك مدان، أو بطلا صامدا مشرفا يفتخر الجميع بك. اجعل التجربة تنتهي، بصلابتك، دون تقديم معلومات ودون استسلام. (على الحتر،ب ت : 6)
8- أسلوب تعذيب الآخرين أمام المعقتل:
من أخطر الأساليب النفسية التي تؤثر على المعتقل، قيام المحقق بممارسة أساليب التحقيق الفعلية ضد المعتقلين الآخرين أمامه، بحيث يشعر المعتقل وكأن التحقيق الذي يتعرض له زميله، سوف يتعرض له هو أجلاً أو عاجلاً، مما يخلق في نفسه الوهن والخوف والضعف، حيث أن انتظار العذاب، هو أخطر من ممارسة العذاب نفسه.
9- أسلوب الشتائم :
إن هذا الأسلوب يعتبر من السمات الشخصية التي تميز المحقق الصهيوني، حيث يكيل منذ اللحظه الأولى للمعتقل سيلاً جارفاً من العبارات البذيئة التي تمس الذات الإلهية والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد، وتمس بشرف الأهل والزوجه والبنات وغير ذلك، هذا السيل من الألفاظ البذيئة يقصد به استفزاز المعتقل وتحقيره في نفس الوقت، وتجعله مقتنعاً بأنه صفر لا يساوي شىء.
وهذا الأسلوب النفسي يستخدمه المحقق، خاصه مع المعتقل الذي يشعر بأنه ينتمي لمبدأ أو عقيدة، أو يهتم بالدين والأخلاق. فيلجأ‏ إلى شتم‏ المعتقدات‏ المقدسة‏ لدى‏ المعتقل،‏ ويكثر‏ من‏ استعمال‏ العبارات‏ النابيه ضد‏ الذات‏ الإلهية، ويقوم بإطلاق وابل من الشتائم والسباب على الإسلام والمسلمين وعلى الرسول واتهامه بصفات سيئة لا تليق بمقداره، مما يستفز المعتقل ويجعله في ضيق وحنق، لأنه لا يستطيع أن يرد عليه وبالتالي يتأثر نفسياً من هذا الأسلوب القذر. أو قد يشن حملة على شخص يحبه كزعيم أو رئيس أو شخص يقتدي به، ويحاول مسه بألفاظ وعبارة نابية تحط من قيمته وقدرة.
كما قد يلجأ إلى استخدام عبارات غير أخلاقيه بحق زوجته ووالديه وأولاده وأخواته، فيصفهم بألفاظ غير أخلاقيه، من خلال الطعن في شرفهم، واتهامهم بأشياء من خيالة من أجل اغاظة المعتقل، والتأثير عليه نفسياً.
10- أسلوب احتقار الذات:-
- إلقاء الأوساخ على المعتقل: يعمد بعض المحققين إلى إهانة المعتقل بجعل أحد زملائه المنهارين، أو أحد العملاء في الزنازبن، بالتبول عليه، أو إلقاء بعض القاذورات والأوساخ عليه، من أجل كسر معنوياته وإضعاف نفسيته .
- الجمع بين تناول الطعام وقضاء الحاجة: يلجأ المحقق في كثير من الاحيان إلى دفع المعتقل إلى الامتناع عن بعض الوجبات، أو الأكل بسرعة متناهية، في توفير جو من المسخ لأدمية الانسان، حيث يجبر المعتقل إلى تناول الطعام في المرحاض، ويفرض عليه السجان أن يقضي حاجته الجسمية، وفي نفس الوقت يمارس تناول الطعام. إن هذا الامتهان لأدمية الإنسان المقصود به كسر كبرياء المعتقل وزرع الدونيه والاحتكار للذات، ومن هنا تبدأ مرحله خطره في نفسية المعتقل لو هو استجاب لهذا المنطلق.
11- أسلوب الاستهزاء :-
يحاول‏ المحقق‏ في هذا الأسلوب أن يسقط به نفسيته على المعتقل، ليهز بذلك نفسية المعتقل من داخله، بإشعاره بتفاهة شخصيته ومواقفه، ليكوّن في أعماقه الهزيمة، ويسلب منه الروح المعنوية والقدرة على المواجهة، بتوجيه الخطاب إليه كطرف هزيل، وموضع للاستهزاء والسخرية.
كما يقوم المحقق بالبصق‏ في‏ وجه‏ المعتقل بشكل‏ مستمر‏،‏ أو يقوم بحلق‏ لحيته‏ وشاربه،‏ أو حلق‏ جزء‏ منهما‏ وإبقاء جزء‏ بشكل‏ مشوه‏ ومضحك‏،‏وقد‏ يطلب‏ منه‏ أن يمشي‏ مقلداً‏ الكلب‏ أو يمشي‏ على‏ أربع ويردد‏ عبارات‏ مهينة‏، ‏ليخلق لديه إما ردة فعل سلبية بالتأثير على نفسيته داخلياً، أو الرد بالمقابل بالشتائم وهذا ما يريده المحقق وهو الوصول بالمعتقل إلى الاستفزاز. ويقصد‏ من‏ وراء‏ ذلك‏ قتل‏ معاني‏ الصمود‏ والبطولة‏ في‏ النفس، والذي‏ يقبل‏ الخضوع‏ مرة‏ سيخضع‏ في‏ كل‏ المرات‏،‏ والذي‏ يتجاوب‏ مع‏ المحقق‏ في‏ الأمور الصغيرة‏ سيتجاوب‏ في‏ أمور أكبر‏ وأخطر، لأن عملية‏ التحقيق‏ عبارة‏ عن‏ جملة‏ من‏ التأثيرات‏ والإيحاءات النفسية، وليست‏ مجرد عملية‏ تعذيب‏ مادي‏ لمجرد‏ الإيلام الجسدي‏ فقط.
12-اسلوب الإهمال :-
إن المحقق الصهيوني كثيراً ما يلجأ إلى اعتماد أسلوب انتظار التحقيق قبل الدخول فيه، وهذا الأسلوب سيكولوجياً هو أسلوب خطير جداً، لأنه يعتمد على إثارة الخوف والتهديد، وإثارة الخوف والتهديد لدى الذات قد يستنفذ طاقة نفسية وعقلية، تفوق أضعاف الطاقة العقلية والنفسية التي ينفقها الشخص في دخوله حلبة التحقيق ذاتها.
وهذا الأسلوب لا يلجأ إليه المحقق إلا بعد اليأس من الاعتراف، بحيث يترك السجين عن عمد ملقي في مردوان التحقيق أياماً وربما أسابيع ولا يطلبه ولا يتعامل معه، ولا يقوم بإنزاله إلى الزنازين لكي يجبره أن يعترف ولو في آخر لحظة. وأسلوب إهمال المعتقل هذا مدروس ومبرمج وليس عفوياً، وخطأ الاعتقاد بأن رجل المخابرات قد ينسى زيداً أو عبيداً، إنما العملية مرهونة بمجريات أمور التحقيق فقط. لذلك يخطيء بعض المعتقلين عندما يحاول الطلب من رجل التحقيق إنزاله إلى الزنازين، أو تذكيره بأن التحقيق انتهى معه أو أن له مدة طويلة دون استدعاء من أحد، ظاناً أن المحقق غفل عنه، ولا يدرك بأن هذا الأسلوب من الأساليب الهامة في مجريات التحقيق.
13- أسلوب التنقل‏ بين‏ السجون‏ :-
يستخدم‏ جهاز‏ المخابرات‏ الصهيوني‏ أسلوب التنقل‏ بين‏ السجون‏ مع‏ الأسرى‏ الذين‏ يستعصون‏ على‏ ضباط‏ المخابرات‏،‏ فالمحققون‏ وهم‏ في‏ العادة‏ طاقم‏ كامل‏، ‏عندما‏ يعجزون‏ عن‏ انتزاع‏ الاعتراف‏ بالقوة‏ من المعتقلين‏،‏ يلجئون إلى النقل لسجون‏ أخرى الحربي‏،‏ وذلك‏ لتغيير‏ المكان‏ والأجواء،‏ والمناخ‏ والمحققين‏،‏ ووضع‏ السجين‏ في‏ جو‏ من‏ الرعب والهلع‏ من‏ السجن‏ الجديد‏.
إن سجون‏ العدو‏ الصهيوني‏ جميعها‏ بدون‏ استثناء‏ سجون‏ حربية‏ عسكرية، وأساليب التعذيب‏ التي‏ تمارس‏ فيها‏ نسخة‏ مكررة‏ لمدرسة‏ عنصرية‏،‏ إرهابية،‏‏ واحدة‏ هي‏ مدرسة‏ المخابرات‏ الصهيونية، إن السجن‏ الحربي‏ لا يختلف عن‏ باقي‏ سجون‏ العدو‏.
لذلك على المعتقل أن يدرك‏ وهو‏ يواجه‏ هذا‏ الأسلوب بأن المحققين‏ قد فشلوا‏ معه،‏ وأنه‏ قد قطع‏ ثلاثة‏ أرباع طريق‏ الخلاص‏‏، وأن الفرق‏ بين‏ النصر‏ والهزيمة‏ هو صبر‏ ساعة‏.
14- أسلوب ارباك المعتقل:
يقف الشخص الخاضع للتحقيق في هذا الاسلوب امام مجموعة من المحققين، كل واحد منهم يسأله سؤالا في موضوع ما، وذلك من اجل ارباك المعتقل، الوقوع في التناقض في الاجابة، أو الوقوع ببعض الكلمات التي قد تشكل هفوات وزلات قد يعتمد عليها المحقق -بنفس الطريقة التي يعمل بها عالم التحليل النفسي- في التأثير على الحالة النفسية للمعتقل.
15- أسلوب فقد الأمل بالنجاه:
في أغلب الأحيان ما يتوقع المعتقل أن هناك أملاً لإنهاء عملية التحقيق، ولكن المحقق البارع يحاول دوماً اقناع المعتقل أن فرص النجاه أمامه ضعيفه، ويعمل بكل الطرق على سد منافذ سجل هذه النجاه، ويصور له أن لا نجاه له من عذاب التحقيق إلا عبر المحقق نفسه عندما يحقق له ما يريد.
16- أسلوب ضغط الشهود:-
إن القضية التي يعتقل فيها أكثر من شخص يحاول المحقق الاستفادة فيها، من خلال كبر حجم هذه القضية وكثرة الأشخاص، بحيث يستخدم كل واحد منهم في الضغط على الآخر، فعندما يعترف أحد المساجين يبدأ المحقق باستغلال هذا الشخص الذي اعتقد باعترافه أن الأمور سوف تسير باتجاه بعيد عنه بإجباره على الاعتراف على زملائه، حيث أنه بمجرد أن يعترف شخص يبدأ رجل المخابرات في استخدامه في مواجهة زملائه بهذا الاعتراف، ويطلب منه أن يعترف ويشهد عليهم. وهكذا يحاول ضابط التحقيق أن يحطم نفسية السجين وينال منه الاعتراف عن طريق ممارسة الضغط النفسي عليه من خلال شهادة زملائه عليه الذين اعترفوا على أنفسهم ثم أصبحوا أداة طيعة يسخرها المحقق ضد الآخرين، لكن على السجين أن يقف موقف المتحدي المكذب لهذا الشاهد خاصة إن كان الموضوع يتعلق بأمور تمس أمن التنظيم ولا تقف على نطاق الفرد ذاته. كما أنه يتوجب عليه أن يوقف انهيار زميله في التحقيق بصموده وصلابته.
17- أسلوب دراسة الوجه والحركات:
في بعض الأحيان يلجأ المحقق الصهيوني بالتأثير على المعتقل من الناحية النفسية، فيقوم هو نفسه، أو يستعين بمحقق آخر يدعي أنه عالم نفس، بالنظر إلى عيني المعتقل، أو يمسك يده، أو يحدق في وجهه، ثم يصدار ايمائه واشارة بأن المعتقل كاذب ولا يقول الحقيقه، ويحاول من خلال ذلك التأثير النفسي على المعتقل بأنه قد قام بدراسة حركات الوجه والأطراف، وهذه الدراسة قادته للايمان بكذبه وعدم صدقه. وبالتالي فكيف يمكن أن يصدقه والدلائل العلمية تشير غير ذلك.
18- أسلوب المحقق ضخم الجثه:
يحاول أحياناً المحقق صدم المعتقل باحضار له محقق ضخم الجثه يشبه المصارعين أو الملاكمين، يقوم أمامه بحركات نفسيه توهمه أنه بضربه سوف يقضى عليه، أو يجعله مشلولاً مدى الحياه. وقد يقوم هذا المحقق أو المعاون له بضرب قبضته على الطاوله فيكسرها أو على كرسي فيحطمه، وكل ذلك من أجل زرع الخوف في نفسية المعتقل، واجباره على الاعتراف.
19- أسلوب تثبيط العزيمة:
ومن أبرز الأدوار التي يمارسها المحقق داخل الزنازين، الأسلوب المتمثل بتثبيط عزيمة السجين التي تجعله يقر بأن ضابط المخابرات أقوى منه مثال إيهام السجين بصدق ما يسمى كرسي الكذب أو آلة كشف الكذب، وأن نتيجة الفحص على كرسي الكذب دليل إدانة ضدهم في المحكمة، وأنه لا فائدة من الكذب، أو أن لا أحد يهتم به أو يشعر به، والكل تركة وحيداً ليجابة قوة اسرائيل الاستخبارية التي لا تهزم بتاتاً.
20- أسلوب تضخيم التهمة:-
التضخيم‏ للتهمة كأسلوب للتعذيب‏ يعتمد‏ على‏ استفزاز‏ الجانب‏ الشعوري‏ للمعتقل‏ لتحريك‏ الآليات الدفاعية‏ اللا‏شعورية‏ داخله‏، وجعله‏ يعيش‏ حاله‏ هروب‏ من‏ تهمة‏ مضخمة‏ كاذبة‏، ‏إلى‏ تهمة‏ صغيرة.. وذلك‏ للحصول‏ على‏ طرف‏ خيط‏ من‏ الاعتراف.‏
والتضخيم‏ هو عملية تعتمد على وضع‏ المعتقل‏ في‏ حالة‏ قلق‏ نفسي‏،‏ وتوتر‏ عصبي‏، ‏وعدم‏ التوازن‏ على‏ مستوى‏ التفكير‏.‏ ومن‏ خلال‏ تضخيم‏ قضيته.. تبدو‏ أعماله الحقيقية‏ شيئاً تافهاً‏‏ صغيراً أمامها وتصبح‏ مسألة‏ الاعتراف‏‏ شيئاً‏ ممكناً‏ على‏ المستوى‏ المنطقي والواقعي‏ كعامل‏ هروب‏ من‏ حالة‏ التضخيم‏ التي‏ يواجه‏ بها‏ من‏ قبل‏ المحققين‏.
21- اسلوب تحطيم المثل الأعلى :
تشكل القيادة والرموز الهدف الأول للمحقق، لان الرمز والقيادة، هي القوّة المركزية، والموجّه الحركي للجماعة، وكلما كان للجماعة ثقة برموزها، وتقديس لقيادتها، وارتباط وثيق بها، صعب اختراق تحصيناتها الفكرية والدعائية، لذا فانّ الموقف يتطلب من المحقق تحطيم الرمز، وعزل تأثيره، وتدمير الثقة به لدى أفراد الجماعة. لأن أغلب المعتقلين يكون لديهم مثلاً أعلى في حياتهم، وخاصة أولئك المؤطرين في تنظيمات أيديولوجيه، حيث يسعى المحقق على تحطيم صورة هذا المثل الأعلى في مخيلة المعتقل، وذلك من خلال الطعن فيه، والطلب من المعتقل أن يبصق على صورته أو يدورس بأقدامه عليها، أو حتى يطلب منه أن يمسح بها المرحاض أو ما شابه ذلك. وإذا كان هذا الشخص معه في التحقيق يحاول أن يجعل المعتقل يراه وهو في صورة الدليل المهان الذي لا حول له ولا قوة، لكي يهز صورته لديه ويحطم ما فيها من مثل أعلى له.
22- أسلوب التشكيك بالتنظيم والثورة:
إن المخابرات‏ الإسرائيلية تسعى‏ عبر‏ هذا الأسلوب النفسي الخطير، إلى بذر بذور الشك والريبه لدى المعتقل بالإدعاء بأنهم‏ يراقبونه‏ منذ‏ مدة، ‏وبأنهم‏ اخترقوا‏ تنظيمه‏ منذ‏ فترة‏ طويلة‏، وبأن‏ اجتماعاتهم‏ كانت‏ مرصودة، وبأن‏ التقارير‏ تصل‏ عنهم بشكل يومي‏،‏ ‏وبأنهم‏ يعرفون‏ كل‏ أعضاء الخلية‏، وهم‏ جميعاً‏ معتقلون‏ الآن في‏ السجن، وأنه‏ من‏ الأفضل له‏ أن يعترف‏ كباقي‏ زملائه‏،‏ الذين‏ اعترفوا‏ على‏ كل‏ شيء‏.
إن المحقق يسعى لزعزعة علاقتك مع تنظيمك، بكل وسائل التشكيك الممكنة، فلا تسمح له ولا تصدقه، وإذا قال أن رفاقك هم الذين وشوا بك. لتكن اجابتك الصمت، أو الإصرار على عدم وجود علاقة لك بهذا التنظيم، أو امدح مناضلي التنظيم دون الاعتراف بوجود أي علاقة لك معهم. (علي حتر، ب ت: انترنت)
23-أسلوب التحقيق المتواصل:
يستخدم‏ أسلوب تعدد‏ المحققين‏ في‏ القضايا‏ الخطيرة‏،‏ ففي‏ الحالات‏ البسيطة‏،‏ يكفي‏ المخابرات‏ أن تستخدم‏ محققاً واحداً. وفي‏ القضايا‏ المتوسطة‏ الخطورة‏ تستخدم‏ محققين‏ أو ثلاثة،‏ أما القضايا‏ الخطيرة‏،‏ والأشخاص المهمين‏ الذين‏ يشكلون‏ أعمدة العمل‏ الأساسية،‏ فيستخدم‏ عدة‏ محققين في‏ فترة‏ واحدة‏ ومتواصلة‏ بحيث‏ يشارك‏ فيها‏ على‏ مدار‏ 24 ساعة‏ طاقم محققين يتناوب‏ هؤلاء‏ مع‏ آخرين على السجين لعدم‏ إتاحة فرصة‏ له ليلتقط‏ أنفاسه،‏ أو ليأخذ‏ قسطاً‏ من‏ الراحة. ويشكل‏ هذا الأسلوب أداة ضغط‏‏ وإنهاك لقدرة‏ تحمل‏ المعتقل‏ الداخلية‏،‏ ويصبح‏ إيقاع المعاناة‏ أكبر‏ من‏ حجم‏ مقومات‏ الثبات‏ الداخلية‏ لديه،‏ بحيث‏ يعجز‏عن‏ مواجهة‏ هذه الأخطار القادمة‏ من‏ المحققين‏ فيستسلم‏ لهم.
24- أسلوب صدمة المعلومة:
وهذا الأسلوب يعتبر كذلك من أهم الأساليب النفسية في التحقيق، لإعتماده على احداث حالة من الصدمه السريعه للمعتقل، حيث يدخل المحقق لنفسية المعتقل عبر الإدعاء بأنه على اطلاع تام على نشاطه ونشاط مجموعته، حيث يلقي المحقق كل ما في جعبته دفعه واحده، وهذه المعلومات يكون في الغالب قد استقاها من مصادره التي تخترق التنظيم الذي ينتمي اليه، وهي معلومات هامه وحقيقيه، كي لا يشك المعتقل في نية المحقق أو يعتقد كذبه، وصدمة المعلومات بمثل هذا الكم الهائل مره واحده يشبه بمن يلقي على رأس الشخص صخره لا يقوى على تحملها فيخر صريعاً، في يد المحقق، فيعترف له ما بكل ما عنده، لأنه قد أصبح لديه قناعه بتفاهة ما لديه من معلومات، مقابل ما يمتلك المحقق من معلومات خطيره.
وهذا الأسلوب من الأساليب التي تقوم‏ على‏ الإيحاء القوي‏ والتأثير‏ النفسي‏ على المعتقل،‏ لأنه يحاول‏ به السيطرة‏ عليه‏ عقلياً، من خلال‏ مجموعة‏ ثوابت‏‏ تشكل‏ آليات العمل‏ ومصطلحاته‏ النظرية، ‏ووضعها‏ في‏ إطار تطبيقي‏‏ يتألف‏ من‏ مقدمات‏ ونتائج‏،‏ للوصول‏ إلى الاعتراف.
وعادة‏ ما‏ يكون‏ المحقق‏ الذي‏ يطبق‏ هذا‏ الأسلوب مُلماً بقواعد‏ علم‏ النفس‏،‏ لذلك يقوم بدراسة ملف‏‏ المعتقل‏ بشكل‏ كامل‏ من‏ الناحية‏ الاجتماعية‏ والثقافية‏ والاقتصادية‏ مستنداً‏ إلى المعلومات‏ التي‏ جمعها‏ جهاز‏ الاستخبارات، ويبدأ‏ في‏ دراسة‏ نقاط‏ القوة‏ والضعف‏ لدى‏ المعتقل‏،‏ ليوظفها‏ في‏ آلية‏ التحقيق فلو‏ كانت‏ المعلومات‏ ‏-مثلاً‏-‏ تدل‏ على‏ أن المعتقل‏ لم‏ ينه‏ دراسته‏ بينما‏ هو‏ شخص‏ ذكي‏ ولديه‏ أرضية تعليمية‏ وثقافية‏،‏ فهذا‏ مؤشر‏ على‏ أن سبب‏ ترك‏ الدراسة‏ لا يرجع‏ إلى عامل‏ شخصي‏، إنما لأسباب خارجية‏ كالعوامل‏ المادية‏ مثلاً‏ أو لانشغال‏ المعتقل‏ بأمر‏ آخر غير‏ الدراسة، فإذا تبين‏ أن الوضع‏ المادي‏ له‏ جيد‏،‏ فهذا‏ يعني‏ أن هناك أشغالا أكبر‏ أهمية لديه‏ من‏ الدراسة‏. وهكذا‏ يسعى دوماً لربط‏ المعلومات‏ وتحليلها.
لذا يجب على الأسير التزام الصمت وان يحافظ على رباطة جأشه. لأن مثل هذه التحقيقات لا تستمر الى الأبد، وتنتهي غالبا بان يقتنع المحققون اما ببراءة السجين، او لقناعة بعدم القدرة على انتزاع اعتراف منه.

القسم الثاني: أساليب الترغيب والإغراء النفسي:
وذلك عن طريق الوعود والاغراءات، التي تعرض على المعتقل أو تمنح له، من قبل ضباط التحقيق، كالتودد له والاهتمام به، وبذل المساعي للمساعدة عند الضرورة، وتحقيق بعض الفرص المادية أو المعنوية له، كمنحة فرصة عمل، أو تأمين بعثة دراسية، أو مصلحة معنويه كجعلة في منصب مهم في التنظم وما إلى ذلك.
1- أسلوب اغراء تحققيق المكاسب:
وهناك البعض من يتم اعترافه عبر اتفاق ينشأ عادة بين أشخاص أصحاب مصلحة ما، وبين من يحقق لهم هذه المصلحة، أو مصالح معينة مشتركة بين الطرفين. ويعتبر استغلال الوضع المادي والاقتصادي والمالي، والحاجة الشخصية لدى الأفراد، من أهم الوسائل وأشهرها بالنسبة لعملية الترغيب والاغراء. حيث يركز المحقق بهذا الأسلوب، على الأفراد المحتاجين، أو الغارقين في الديون، أو المعروف عنهم أنهم مستعدون لعمل إي شئ لقاء مبلغ من المال. لأن الشخص الذي يبحث عن مصلحة ذاتية، ويريد أن يحققها بغض النظر إن كانت تتصادم مع مصالح الغير أو تتوافق معهم – كأن تكون رغبة تعذر عليه تحقيقها، كالمخدرات أو الاتصالات الجنسية، أو حتى راغباً في مغادرة البلاد، أو الانفصال عن أسرته، أو راغباً في الحصول على مركز جديد – لا يضيره أحد مهما كان.(عاقل،1973 :232)
وقد تستغل المخابرات السفر للخارج كوسيلة إغراء الشخص ووعده بتسهيل أموره لكي يسافر للخارج للتعليم أو التجارة أو ما شابه ذلك. وكمثل الحاجة للتوظيف، أو الحصول عل مركز.
ويقول العميل (ي.س) “ارتبطت عام 1982 عندما كان عمري 18 سنة ولم اكن متزوجا بل كنت ادرس في الثانوية العامة واعتقلت على خلفية مظاهرات في المدرسة وأخذوني الى التحقيق وأثناء التحقيق قالوا بأنني سآخذ حكم كبير، ولكن وعدوني إذا اعترفت وارتبط فسوف يتم توفير فلوس لي، وخوفاً من السجن والحرمان من التعليم ولسوء الوضع المادي وافقت على الإرتباط”. (عباس، 2002، 27)
2- أسلوب الصفقة :
إن أغلب المعتقلين الفلسطينيين الذين اعتقلوا أو سجنوا، قد وقعوا تحت الضغط ليعترفوا ثم ليصبحوا مخبرين وعملاء للاحتلال، بعضهم طلب أن يبقوا كامنين لحين الطلب، والبعض الآخر بدأ يمد الاحتلال بالمعلومات تحت طائلة التهديد المباشر.(ريجبي،2001: 17)
يعرض المحقق على المعتقل الاعتراف، وأحياناً الارتباط مقابل اطلاق سراحه أو تخفيف الحكم عنه. فيقول له نحن على‏ استعداد‏ أن نطلق‏ سراحك‏ غداً‏ مقابل‏ موقف‏ بسيط منك.. أن تعترف وتتعامل‏ معنا نحن‏ نضحي‏ معك‏ بكل‏ شيء.. وأنت عليك‏ أن تضحي‏ معنا‏ بشيء‏ صغير.. فكر‏ في‏ هذا‏ الموضوع.. ولا‏ أريد منك‏ رداً‏ الآن.. مع‏ السلامة‏،‏ ويصرخ‏ المحقق‏ على‏ الجندي‏ لكي‏ ينزل‏ المعتقل‏ للزنزانة‏ حتى‏ يستريح.
ينزل‏ المعتقل‏ إلى الزنزانة‏،‏ وهناك‏ تتزاحم‏ في‏ رأسه‏ الأفكار.. لقد‏ صمدت،‏ ولم‏ اعترف هل‏ يمكن‏ أن أوقف إدارياً‏ عشرات‏ السنين‏،‏ وهل‏ ممكن‏ أن يلفقوا‏ لي‏ قضية‏ خطيرة‏،‏ وأحكم‏ مدى‏ الحياة هل‏ أعيش هذه‏ الفترة‏ الطويلة‏ من‏ دون‏ أن اعترف مستحيل.. ولو‏ عشتها‏ بماذا‏ سأخدم الوطن‏ في‏ السجن سأكون‏ مشلولاً‏ ولن‏ أخدم‏ وطني‏،‏هل‏ أقبل‏ فكرة‏ التعامل، أو أبقى مدى‏ الحياة.‏ وتتوارد‏ الأفكار وتتزاحم في رأسه في‏ هذا‏ الجو‏ القاتل، وتبرز‏ فكرة‏ الخلاص‏، أوافق على‏ التعامل‏ كحيلة‏ مرحلية‏،‏ وعندما‏ أخرج‏ انقلب‏ عليهم‏.. وأعيش مطارداً.. أقتل‏ منهم‏ كل‏ يوم‏‏ وأجعلهم‏ يدفعون‏ الثمن‏ غالياً‏. وهذا هو بداية الانهيار الخطير، الذي يقود أحياناً للتعامل مع العدو.
وقد تحدث كذلك العميل (د.د) وهو عميل نشيط في شهادة لبتسيلم (1993) بأنه قد ارتبط من خلال مساومته لإلغاء التهمة عنه، وقال: اعتقلت في عام (1976) بسبب إخبارية عني بأني أشعل إطارات سيارات على طريق قرب طولكرم، وكان العقاب على مثل هذه الأعمال غرامة حوالي 600 جنيه لقد كنت ابن سبعة عشر عاماً لا أملك مالاً، عرض جهاز الأمن العام الشاباك عليَ إلغاء التهمة إذا وافقت على العمل معهم، فوافقت على الارتباط. (بتسيلم،1993 213)
3- أسلوب الإغراء الجنسي:
أهتمت جميع أجهزة المخابرات في العالم بطرق الترغيب بالجنس، وخاصة في مرحلة التحقيق، حيث يسعى المحقق الصهيوني إلى إستغلال الغرائز والحاجات البيولوجية، كأحد طرق الضغط على المعتقل، (الغريزه كما يعرفها بعض العلماء هي” غرز (دخول) شيء في شيء آخر بصوره قويه وكاملة وراسخة، أي هي القوى الراسخة المودعة في طبيعة الإنسان، رسوخاً لا يمكن انفصالها عنه بتاتاً)، حيث يعمد من خلال هذه الغرائز والحاجات البيولوجية عبر اللذة والألم، على سبيل المثال إلى اثارة غريزة الجنس لنيل لذة، أو حرمان المعتقل من الطعام والنوم باعتبارها حاجات بيولوجية غريزية يتألم بفقدها الانسان باعتبارها جزء من الغريزة التي فُطر عليها. وكلا الغريزتين لهما مقياس إرادي في العقل، لأن ضغط الغريزة في النهاية متوجه إلى الإرادة، وحيث أن الإرادة هي مصدر القرار، فالقرار إذاً ملك للشخص ولعقله، لا أحد له سيطرة وسلطان عليه. (موقع المدرسي،ب ت:أنترنت)
لذلك يجب أن يكون لدى المعتقل المعرفة بالغرائز التي تؤدي إلى الخور والضعف، والتي قد يستغلها المحقق، لكي يعمل على تهذيبها وتوجيهها الوجه الصحيحة، وتوظيفها بالشكل المناسب واللائق، ويوجه هذه الغر يزه التي قصد منها كسر إرادته إلى قوة لها، لأن قوة الغريزة تضعف الارادة والعكس، لذلك يجب رفض الخضوع لسلطان الغر يزه بشكل مطلق، لكي لا تكون الغرائز أدوات ضغط على الإرادة.
وفي هذا الأسلوب يتم مثلاً إغراء شخص للممارسة الجنسية مع فتاة، أو فتى، حيث يحضر المحقق فتاة عميلة أو مجندة إسرائيلية عارية، وتحاول القيام بحركات جنسية، ثم تقوم بتوريطة بممارسة الجنس معها مما يشكل عامل اعتراف وانهيار للمعتقل، أو قد يلجأون لإحضار صور جنس لإثارة الشهوة لديه لكي يخضع لأساليبهم النذلة. ويعتبر أكثر عرضة للسقوط عن طريق الجنس المنحرفون والشواذ جنسياً، لأنهم ذوي حياة غريبة وتصرفات تنافي المنطق السليم المتعارف عليه اجتماعياً ومعنوياً وأدبياً، لأن المنحرف الجنسي يعتبر دائماً هدفاً سهلاً لرجال المخابرات، وهم أفضل الضحايا الذين يبحثون عنهم للتجنيد والاستثمار، وخاصة إذا ما كان هذا المنحرف ذا مركز اجتماعي أو مالي أو أدبي مرموق. (وود،1990: 61)
4- أسلوب الاغراء بالمكيفات:-
إن البعض من المعتقلين يكون مدمناً على المشروبات كالقهوة و الشاي والتدخين، وهذه العادات قد يحولها المحقق إلى وسائل اغراء لابتزاز المعتقل لدرجة أن بعض الشباب قد أجبرته السيجارة على الاعتراف.
لذلك فان المحقق يهتم بمعرفة شخصية المعتقل ونقاط الضعف فيها، ويحاول بذلك أن يتسلل إلى نفسه من خلالها، وعندما يوقن أن هذا المعتقل مدمن على التدخين مثلاً فإنه يدخن أمامه بكثرة ويحاول نفث دخان السجائر في وجهه، وعندما يتأكد من أن رأسه بدا يلوح يمنة ويسرة ولعابه يسيل يعرض عليه سيجارة، وعندما يوافق على ذلك، يطلب منه المقابل وهو الاعتراف.
5- أسلوب تبسيط التهمة:-
أسلوب تبسيط التهمة يعتمد‏ على‏ رفع حالة الاستنفار لدى‏ المعتقل،‏ ويعمل المحقق بحسب هذا الأسلوب على التقليل من أهمية الاعتراف بالتهمة، بحجة أن الأمر لن يغير شيئاً سواء اعترف أم لم يعترف، لأن المحققين يعلمون بداهةً بكل شيء، وأن كل ما يريدونه هو معرفة الدوافع التي حركت الشخص الخاضع للتحقيق فقط، وإذا تحكم الشخص بنفسه، يتخلى المحقق عن هذا الأسلوب. فيقول المحقق على سبيل المثال للمعتقل هذه ‏تهمة‏ صغيرة، لا تستحق كل هذا العناء، ولا تؤثر على حياتك فإنما هي أيام قلائل حتى تخرج من المعتقل، وذلك‏ للحصول‏ على‏ طرف‏ خيط‏ من‏ الاعتراف‏ يؤدي‏ من‏ خلال‏ مبدأ‏ التدرج‏ إلى‏ انهيار‏ المعتقل‏ واعترافه‏ بالكامل.
وهذا الأسلوب هو‏ أحد الأساليب التي‏ تستخدمها‏‏ المخابرات‏ الصهيونية‏، وينحصر‏ استخدامه‏ بنوعية‏ من‏ المعتقلين وخاصة‏ البسطاء‏ الذين‏ يسهل‏ التأثير‏ والسيطرة‏ عليهم‏،‏ وهم‏ حالات‏ قليلة.
6- أسلوب التعاطف الإنساني:-
يظهر المحقق‏ أحياناً للمعتقل‏ بثوب انساني، ويبدأ‏ بعملية‏ إيحاء فيقول له ” أنت طيب‏ وابن‏ ناس.. لماذا‏ تحمل‏ نفسك‏ كل‏ هذا‏ العذاب‏ والعناء‏ في موضوع تافهة‏ وبسيط‏،‏ والذين‏ معك‏ قضاياهم‏ أكبر‏ من‏ قضيتك اعترفوا‏، وأطلق سراحهم‏ وهم‏ الآن عند‏ أهلهم.. اعترف‏ حتى‏ تعود‏ لأهلك وهذه‏ غلطة أنصحك أن تتعلم‏ منها وحافظ‏ على‏ نفسك.. وأنا سأكتب عنك تقريراً‏ بأنك‏ بريء،‏ وأنك‏ لن‏ تعود‏ لهذا‏ العمل.. ولكن عدني‏ ألا تعود‏ لهذا‏ الطريق‏”.‏ فإذا تجاوب‏ معه المعتقل يبدأ في استدراجه، وتبدأ عملية شد الحبل بينهما، إلى أن ينتهي الحبل كله بيد المحقق.
7-أسلوب الاهتمام بالمعتقل:
وهذا الأسلوب يلجأ إليه المحقق، بقصد خلق انطباع لدى المعتقل بأنه رجل مهم، وذو مكانه محترمة، وبالتالي يتوجب على المحقق احترامه. ومن خلال هذا المنطق يحاول المحقق أن يدخل إلى قلب المعتقل ونفسه، لكي يلقى القبول والتجاوب من قبل المعتقل.
يقول: المحقق (ف) وهو محقق قديم بأن تقديم المشروب هام جداً فبعضهم لا يقبل بالمرة الشرب معك حتى وإن كان ميتا ًمن العطش”، والبعض الآخر ينتقل على مراحل، في البداية شرب ماء بارد، ولكنه لا يشرب القهوة لأن شربها يعتبر عند العرب شيئاً بين الأصدقاء والأقارب. وعندما يصل إلى مرحلة شرب القهوة فإن الحديث يصبح في العادة أكثر انطلاقاً، وتبدأ هنا ديناميكية جيدة. وطريقة تقديمها هامة أيضاً ويجب أن تتلائم مع حركاته وردود فعلة. (عميت نافون،2002: أنترنت)
8- أسلوب المدح للمعتقل:‏‏
إذا وجد‏ المحقق‏ أن أساليبه العنيفة في التحقيق قد‏ فشلت‏،‏ يبحث‏ عن‏ بدائل‏،‏ وكمائن‏ جديدة‏،‏ ينصبها‏ للمعتقل‏ لكي‏ يصل لطرف‏ خيط قد يؤدي‏ إلى الاعتراف،‏ والمحقق‏ يدرك‏ أن ظروف‏ التحقيق‏ قد تدفع‏ السجين للبحث‏ عن‏ حبل‏ نجاة، لذلك‏ يحاول‏ أن يقدم‏ فخاً‏ جديداً‏ في طُعم‏ ‏جديد. ويستخدم المحقق لذلك اسلوباً نفسياً ووجدانياً مؤثراً في الطرف المتلقّي (المعتقل)، بتوجيه الخطاب اللين، والكلمة الجذابة، والاستهواء المؤثر إليه. كي يشعر المتلقّي باحترام المحقق الموجه إلى شخصيته، وحسن النيّة تجاهة، والحرص على حفظ مصالحه وكرامته، لتكوين علاقة حسنة بينه وبين الطرف الذي يوجّه إليه الخطاب فيكسب وده وثقته، ويتقبل أفكاره وخطابه. حيث يجلس‏ مع‏ السجين ويكيل له المدائح، وعبارات الإعجاب، بصموده وبطولته، ويقول‏ له‏ (نريد‏ أن نتحدث‏ بصراحة‏ أنا معجب‏ بصمودك‏،‏ورجولتك). وأحياناً يتوسل إليه كرجل بأن لا يتسبب في طرده من العمل وقطع رزقه، وما عليه إلا أن يعترف بالقليل لكي يسجل قضية ويعده بأن يأخذ حكم بسيط، لأن الهدف ليس الاعتراف بل مساعدة المحقق على إنهاء الملف.
9- أسلوب المعامله عكس المتوقع (الأسلوب الناعم):
وهذا الأسلوب يعتمد على فلسفة الاستمالة والترغيب، حيث يقوم المحقق بقلب نظرية التحقيق المعروفه في مخيلة المعتقل، فيعمد هو وعدد من ضباط المخابرات الكبار، إلى أن يستقبلوه باحترام شديد، وكأن شخصية هامه في زياده لمقرهم، حيث يتعاملون معه بأن مركزه ومقداره يحتم عليهم ذلك، وخاصة إن كان ذو مرتبه عسكرية عليا، أو منصب حكومي أو مدني مهم، أو مسئول بارز في تنظيمه، مما يؤثر على نفسية المعتقل ويدخل في نفق الاعتراف، ارضاءاً لغرورة.

تعقيب:.
إن الناس تحركهم في الحياة وفي المواقف الحاجات، وتحقيق الحاجات يجلب لهم اللذة والمتعة، وفقدانهم لها يحيل حياتهم إلى ألم ومعاناة، وهذه اللذة قد تكون لذة حسية (جسديه) وقد تكون لذة عاطفية، وقد تكون لذة عقليه، وهي أعلاها وأفضلها.
واللذة والنعمة تحصل من صحة الحس والحركة الإرادية والطبيعية للفرد، والله خلق الناس على الفطرة السليمة (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله). وقيل إن سبب اللذة هو الإحساس الملائم بالشيء، أي الإحساس بالشيء كما هو في طبيعته العادية. وسبب الألم إحساس المنافي له، أي إحساس الفرد بفقدان الشيء بطبيعته، أو جزءاً من طبيعته العادية، ولا تحدث اللذة والألم بنفس الإحساس والإدراك، وإنما هو بنتيجته وثمرته، الذي يجلب اللذة والمتعة، وهو منَّه من الله تعالى، فمن صحة الحس والحركة الإرادية والطبيعية تحصل اللذة والنعمة، وبفسادها وفقدها يحصل الألم والعذاب. فمثلاً المرض ألم محقق، وزول هذا الألم هو لذه، أي لذة الصحة. والتكدر النفسي هو ألم قلبي، وزواله هو لذة للقلب، والجهل هو ألم عقلي، وزوالة هو لذه للعقل، وهكذا. وأصعب ألم هو الألم العقلي، وأمتع لذه هي لذة العقل. أي أن اللذة تتحقق بنفي الألم، وعودة الشيء لحالته الطبيعية، وليس بالضرورة أن تكون اللذة فقط، بحصول الشخص على منفعة أو متعه معينه، بل تتحقق كذلك ببقاء الشيء كما هو عليه. فإذا اندفع مثلاً عن العقل والنفس والجسم، السقم والمرض، استوفى الفرد حقه ورجع لطبيعته، وتمتع بنعمة الصحة. أي أن الألم في الغالب ناجم عن فقد ما يوجب أن نكون أصحاء به (فزوال الطعام يولد الوهن والضعف)، وإذا حدث لفرد مرض أحدث له ألماً، فإنه يحتاج لمن يشفيه (والشافي هو الله) “وإذا مرضت فهو يشفين”. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم “ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصبٍ ولا همٍ ولا غمٍ ولا أذىٍ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه”. فلا لذة بدون ألم، ولا ألم بدون لذة، لذلك تعتمد معظم الأفكار البشرية وغيرها، على هاتان الفكرتان، كأحد أهم مداخل الإيمان والاقتناع بالفكرة، باعتبار أن السلوك (كل نشاط يصدر عن الكائن الحي – عقلي، وانفعالي، وحركي) لابد أن يعزز ويدعم ويقوى، إما بلذة، أو يدفع ويضعف ويذبل بأذى، أي أن سلوك الإنسان ينطلق من اللذة والألم، وبهما يتحرك لبلوغ غاياته وأهدافه. والإنسان بكليته هو الذي إما أن يجني لذة أو يجني ألم. وباللذة والألم كذلك يتعامل معه الآخرون.
وتحقيق اللذة والمتعة الحسيه لا ضير فيها ولا غبار عليها، في إطارها الصحيح والسليم فإذا وضع الإنسان المتعة واللذة الجنسية مثلاً عبر عمليه الزواج كان ذلك الفعل محموداً عليه، وإذا وضعها كالحيوان بلا ضوابط ولا قيود تحول بها مجرد حيواناً وإن كان يلبس جسداً آدمياً. وقد أقر المولى عز وجل هذه المتعة الحسية وهذه اللذة البدنية بقوله تعالى “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”.
والبعد عن الألم والمعاناة الحسيه كذلك مطلب يجب أن يصرف الإنسان نفسه عنه، والنفس البشريه بطبيعتها تحاول جاهدة تجنب ما يسبب لها الألم والمعاناة، وتهرب بكل قواها من هذا الألم وتلك المعاناة، سواء ألماً ناجماً عن مرض معين، أو عن موقف، أو صدمه أو عذاب في التحقيق، وقد قدر الله للإنسان أن يتجنب الألم عبر نافذتين أو جانبين الجانب الإرادي والجانب اللاإرادي. ففي الجانب اللاإرادي عندما يوخز الإنسان بدبوس تنتفض يداه مبتعدة عن مصدر الألم، وفي الجانب الإرادي لا يقوم الإنسان بلمس جمره من نار أمامه وإن كان في حاجه لها.
وإن من حكمة الله أن جعل للألم موظفان يذودان عنك الجانب الإرادي واللاإرادي، أما في جلب اللذة والمتعة، فقد جعل لك موظفاً واحداً، وهو الجانب الإرادي، لذلك جعل المولى عز وجل العقوبة تنصب على هذا الموظف الذي يجلب لك المتعه واللذة بشكل إرادي، وبالتالي أسقط عن الإنسان ما أجبر عليه من لذة ومتعه بشكل قهري لا إرادي.
والملاحظ أن أغلب عمليات التعذيب النفسي التي تستخدم في أقبية التحقيق الصهيونية، تقوم على هذين المفهومين اللذة والألم (الترغيب والترهيب)، ووفقهما يتعامل المحقق الصهيوني مع المعتقل الفلسطيني، في معظم عمليات التحقيق، لأن الناس في أغلبهم يتفاوتون بالنسبة لهذين الأمرين، فمنهم من تنجح معه عملية اللذة (الترغيب)، ومنهم من تنجح معه عملية الألم والتعذيب (الترهيب)، لذلك يسعى المحقق الحذق بالتعرف على طبيعة هذه الشخصية التي أمامه لكي يتعامل معها وفق ذلك في التحقيق. فعلى المعتقل أن يدرك بأن معركة التحقيق بمجملها، يمكن اختزالها في مفهومين (اللذة والألم). فبالألم يحاربك المحقق، وباللذة أيضاً يحاربك المحقق.
لذلك على المعتقل أن يوطن نفسه على التحكم بهذين المفهومين وفق أسس عقلية وعاطفية، بشكل يستطيع من خلاله أن يحقن نفسه بمصل مضاد من الفهم والمعرفة لهذين المفهومين، بل ويجعل منهما مضاداً حيوياً لعمليات التغرير باللذة أو التخدير بالألم. وعليك أن ترد عليه بنفس سلاحه وبنفس أدواته، وهذا الأمر في غاية البساطة، فما عليك إلا أن تقلب المعادلة، فتجعل من الألم لذة، ومن اللذة ألم بعكس ما يريد ويصبو، وهذا يتطلب لعزيمة وإرادة قويه.
والمحقق الصهيوني يرتكز أغلب عمله في استخدام عملية اللذة والألم عبر أساليب الثواب والعقاب (الترهيب والترغيب) سواء على المستوى الجسدي أو النفسي أو العقلي. ويحاول أن يحقق لك لذة آنية قد تكون جسديه، أو حسية، أو حاجه أو مطلب مادي معين، وقد يعدك ويمنيك بتحقيق لذة معنويه فيما بعد، وفي نفس الوقت يضغط عليك بالألم والعذاب، أو يتوعدك بذلك، وفي كلا الحالتين يستخدم جسدك معبراً لتحقيق عوامل اللذة والمتعة الحسيه لك.
وأما اللذة العاطفية والألم العاطفي، فهما من طبيعة هذا الكائن البشري، فكثيراً من الناس، تحركهم هذه اللذة وتتحكم في كيانهم وحياتهم، وكم من عاشق ولهان ومحب متيم وجد في الغرام العاطفي والمعنوي لذة لا تضاهيها لذة ومتعه لا تساويها متعه، وكم من محبوب يضحي بقيم مادية ولذة حسية في سبيل تلك اللذة والمتعة العاطفية.
والعاطفة من صفات النفس البشرية تلك النفس التي هي عبارة عن مركب من الجسد والروح، والعواطف توجد من خلال هذا الاندماج، فهي ليست صفات وخصائص للجسد، وفي نفس الوقت ليس من خصائص وصفات الروح، بل هي نتاج لهما معاً، وبالتالي فإن اللذة والمتعة بشريه، وإن كان لبعض الحيوانات نصيب منها مثل عاطفة الأمومة، وما يحققه جلب هذه العاطفة لها من لذة ومتعه، وما يؤثر فقدانها من ألم.
والمحقق يستغل أيضاً العاطفة البشرية، التي لا يتجرد منها أي إنسان بطبيعته وكينونته البشرية، حيث يعمل على توظيفها بما يخدم مصالحه ورغباته، فيجعل مثلاً من عاطفة الأبوة والأمومة وسائل ترغيب وترهيب، وعوامل لذة وألم، حيث يثير في المعتقل الشجون العاطفية تجاه زوجته وأولاده، أو اتجاه والديه وأصدقائه، أو تجاه خطيبته ومجبوبته… الخ ويستمر يضرب على هذا الوتر، ليدغدغ عواطفه ويفجر انفعالاته، ويوقظ وجدانه، لكي يجعله يبحث عن طريق مهما كان، لكي يصل إلى ما انقطع عنه من لذة ومتعه عاطفية، فيستجيب للمحقق الذي يقوده إلى البوار والخسران.
ولكن على المعتقل أن يعكس ما فجره المحقق من عاطفة، بأن يوظف ذلك في الاتجاه المعاكس لرغبته، حيث يجعل من عاطفته لزوجته، وأولاده، وأبيه، وأمه، وإخوانه، وأصدقاءه، وقوداً لصموده من أجلهم ومن أجل رفعة رأسهم عالياً ومن أجل الوصول إليهم بأقرب وقت ممكن وهذا لا يكون إلا عبر صموده. وكذلك على المعتقل أن يعمل بكل ما في وسعه على فتح قلبه على مصراعيه لمشاعر الحب الزائد للمعاني التي قاتل من أجلها، ويجعل سعادته في تحقيق النصر.
وأما اللذة العقلية، والألم العقلي فهما أيضاً محط استغلال من المحقق في عملية التعذيب، وإن كان ذلك بنسبه أقل من غيرها، حيث عبر اللذة والألم العقلي يحاول أن يوهمه ببعض الأشياء العقلية التي يحاول من خلالها أن يبث في عقله مفاهيم وآراء جديده خلال عمليات الخداع وغسيل الدماغ والإيحاء الكاذب، كما يحاول أن يبث فيه ألماً عقلياً كأن ينفث فيه تأنيب الضمير مما قام به.
ولكن على الفرد أن يجعل من اللذة العقلية، والألم العقلي أكبر رصيد له في مواجهة المحقق، حيث أن اللذة العقلية أسمى وأرفع من اللذة الجسدية والعاطفية، لأن اللذة العقلية أطول وأدوم أثراً منهما، وأكثر نفعاً وقيمه منهما، فمثلاً قيمة العلم والفكر، أفضل عند الناس، وعند الله من القيمة الحسيه كالمال، ومن القيمة المعنوية العاطفية، باعتبار أن عالم العقول أرقى وأنبل لأنه ينتمي إلى عالم الروح التي هي من أمر الله سبحانه وتعالى. وبالتالي يجب أن يوطن الفرد نفسه في حياته قبل وبعد الاعتقال والتحقيق على البحث على اللذة العقلية، بالدرجة الأولى، قبل البحث عن اللذة العاطفية، أو اللذة الحسيه، وبالتالي تجنب الألم العقلي قبل تجنب الألم العاطفي والجسدي.
ويجب على المعتقل أن يعمل على مصل ذاته بكميه من المشاعر الإيجابية كالتفاؤل، والعمل على زيادة التخيل بالصور الإيجابية التي تقوي من عزيمته في مواجهة المحن والشدائد، -خاصة محنة التعذيب داخل السجن- وأن يعمد إلى تغيير توقعاته من الأسوأ إلى الأحسن، مما يعزز من الصحة النفسية لديه، ويتوقف عن حقن نفسه بأحاديث النفس الداخلية السلبية، ويحقنها بكميه كبيره من الحديث الداخلي المشجع. وعليه أن يطرد خاصة فكرة الشعور بالذنب، وأن يقنع نفسه بأن هذا الموقف أو البلوى أو المحنه أو الألم الذي هو فيه، ليس بسبب قصور أو عله فيه، بل هو جزء من طبيعة العمل الذي يقوم به، ويشخص محنته بأن جميع الأنبياء والمصلحين والثائرين في العالم يواجهون ما يواجه، فالأمر لا يتعلق بخطأ ما أو موقف جزئي، إنما هذه حقيقة الصراع بين الحق والباطل والخير والشر، والمقاوم والمحتل.
إن استحضار المعتقل أنه في معركة التحقيق، وأن عليه أن يحقق النصر، يجعله يحلم بذلك، ويجعل شعارة حاضراً أمامه على الدوام، (إما النصر وإما الشهادة). وكلا الهدفين يحققان له السعادة لكونها جماع الأمر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، (فأجمل فكره في الحياة هي نشوة النصر ، وأفضل جائزة في الآخرة هي نيل الشهادة)، إن هذه المعاني وحدها هي التي تقهر المحقق، وهي التي تمد المعتقل بالقوة الجبارة التي تجعله يتحدى كل آلامه ومعاناته في التحقيق.
لذلك كن على يقين أخي المعتقل بأنه إذا أصابك ألم، فإن لهذا الألم مهما طال نهاية، ولكن الألم الحقيقي هو الألم الذي يصاحبك ويلاحقك في كل يوم وأنت بين جدران المعتقل تقضي سنوات عمرك، أو خارج المعتقل بين أهلك وذويك. وتذكر أن الألم هو أن تنظر في عين زميلك الذي اعترفت عليه، وأن الألم هو ما سببته للآخرين من عذاب ومن معاناة، وأن الألم هو إغضاب الرب عليك لأنك خنت الأمانة التي حملتها.
وفي المقابل تذكر أن اللذة والمتعه هي في احتفالك مع ذاتك بالنصر على المحقق، وباحتفاء إخوانك بك وتقديرهم لك واعتزازهم بك، وأن اللذة والمتعة ليست هي اللذة والمتعة الحسيه والجسدية، إنما هي المتعة واللذة العقلية، فاللذة الجسدية والحسيه تشترك فيها مع أرذل الحيوانات، أما اللذة العقلية فلا يشاركك فيها أحد من مخلوقات الله، منحها الله لك، فاستغلها واحرص عليها.
وكذلك اقترب من الله – لا تجعل بينك وبينه حجاب- أعلم أنه معك ولن يتركك أبداً، عش في معيته، ومن يعش في معيته لن يخذله أبدا،ً وكلما قرب الوهن والضعف منك تذكر قوه الله وعظمته وجبروته، وأعلم أنه لابد لمن ينتسب لهذا الدين وهذا الوطن من أن يكون قوياً شامخاً عظيماً في مثل هذه المواقف الصعبة.

تمهيد:
إن فكرة الاعتراف لدى المحقق الإسرائيلي، تشبه دحرجة صخرة عن تله إلى الهاوية، هذه هي الطريقة التي يتم بها الخداع الاستدراج والتوريط ، حيث يتم أخذ الشخص المستهدف، وجعله يتدحرج في السقوط تدريجيا.
إن من المعلوم أن الحرب خدعة، والتحقيق لكونه نوعاً من أقسى واشد أنواع الحروب بين المحقق والمعتقل (رغم عدم التكافؤ في هذه المعركة)، يعتبر كذلك خدعة، وبالتالي فإن المحقق الصهيوني قد أكثر في الآونة الأخيرة (خاصة في مرحلة التسعينيات) من استخدام أساليب الحيل الخداعية. رغم أنها ليست وليدة الواقع، أو ابتكار الحاجة، بل هو أسلوب تلجأ إليه الحيوانات للتخلص من عدوها، ويلجأ إليه الإنسان لتحقيق أهدافة.
وقد عرف بعض العلماء الحيل الخداعية بأنها: ” فن تخطيط مجموعة من الإجراءات المنسقة وتنفيذها بإخفاء الحقائق، لإقناع الجهة المستهدفة بهذه الحيل الخداعية “.
كما قال عنها آخرون بأنها تعني ” قيام شخص ما بالتظاهر بحالة تختلف عن الحالة الحقيقية له، مما يؤدي إلى إحداث شعور كاذب لدى المعتقل بالتصديق لهذه الحالة والتفاعل معها، والعمل على تنمية هذا الشعور حتى يتمكن استغلاله لتحقيق ما يريد “.
ويمكن أعتبار أن المخادع بشكل عام بأنه: ” كل من يقوم بالاستيلاء والسيطرة على ما يمتلك الآخر من أشياء (مادية أو معنوية)، ويمارس مع ضحيته أساليب ووسائل ضاغطة (حادة أحياناً) بحيث توصل الضحية إلى التسليم عبر ذلك الضغط إلى القبول بالحيلة الخداعية، ودفع الثمن المطلوب جراء ذلك”.
ويرى (لونيل فنكلشتين) ” أن المحتال أو المخادع شخص ينتحل اسماً أو هوية، بغرض خداع الآخرين. وهو نوع من الكذب الممنهج الذي يأمل صاحبه أن يخدع به ضحيته”.
والمخادع ينجح ولو لفترة على الأقل في إبهار ضحيته وحملها على تصديق خداعه، أي إن لعب الدور لديه مهنة، وهي أشكال من البراعة الذي يتضمن سلوكاً تكرارياً يؤدي لخداع الخصم. كما يشكل الجهل وانعدام الوعي وغياب الحس الأمني لدى الكثير من العناصر ركيزة أساسية يعتمد عليها ضابط المخابرات بانتهاج هذا الأسلوب.
وقد عمدت المخابرات الإسرائيلية لاستخدام الأساليب والوسائل الخفية والملتوية من الخداع، للحصول على المعلومات المطلوبة. (بليدوسكا، ويلوتش،1991: 63)
هدف الخداع والحيل الخداعية في التحقيق:-
إن الخداع في حد ذاته، ليس غاية أو هدف، إنما هو وسيلة لإحداث واقع مناسب وملائم للاعتراف، إذ أن الهدف من كل العمليات الخداعية هو الوصول بالمعتقل إلى مرحلة الاعتراف، أو الانهيار، أو حتى التعامل مع العدو.
كما يهدف الخداع إلى جذب المعتقل إلى هدف المحقق ومبتغاة بطريقة قد يشارك نفس المعتقل فيها أحياناً، وذلك من خلال نظرية الحشد، التي تعتمد على حشد جميع الظروف من حوله لتسويغ هذه الفكرة والقبول بها، سواء كان ذلك أفراد أو أدوات.
وكذلك يهدف الخداع إلى تشتيت التركيز للمعتقل على أسلوب معين، حين يكون المعتقل في حالة شحذ ذاتي وتحفيز كبير على تلقي الضربات المؤلمة والموجعة في التحقيق، لكن أسلوب الحيل الدفاعية، يفرغ هذا التحفز، بل وأحياناً يجعل حالة من الاسترخاء الذهني والعضلي والنفسي، مما قد يجعله أكثر تقبلاً للعملية الخداعية. كما أن الحيل الخداعية تهدف كذلك إلى تضليل وعي المعتقل، وإدخال تفكيره في مزاريب من المتاهات التي لا تستقر إلا عبر نفق الاعتراف المظلم. إن الخداع سيظل العامل الحاسم في تحقيق النجاح ضد المعتقل، حيث يخلق الظروف المناسبة لإنجاح هذه العملية باعتباره في حد ذاته لا يعد هدفاً، بل وسيلة تقود إلى تحقيق الهدف المنشود.
أهمية الخداع والحيل الخداعية:
تبرز أهمية العمليات الخداعية كأحد أهم طرق وأساليب التحقيق في العصر الحديث، لذا تم تعميم هذا الأسلوب في جميع أجهزة المخابرات، بما فيها المخابرات الصهيونية.
وقد ازداد أهميتها في النتائج الباهرة التي حققتها بالنظر للأساليب الأخرى، حيث يمكن عن طريقها تحقيق هدف التحقيق بأسرع وقت ممكن، وأقل مجهود يبذل، وقد تطورت في الآونة الأخيرة وسائل الخداع بشكل كبير، لأنها عملية ناجحة في أغلب الأحيان.
ويلعب الخداع والحيل الخداعية دوراً مهماً وأساسياً في نجاح كثير من عمليات التحقيق في أقبية الزنازين الصهيونية، حتى غدا الخداع هو الأداة والأسلوب الأهم لدى المحققين الصهاينة، لما أحرز من نجاحات للمحقق الصهيوني، وقد اتضح ذلك من خلال الإكثار من استخدام هذا الأسلوب، حيث أن الكثير منهم قد فضلوا استخدامه من خلال التخطيط الجيد، والتطبيق الحاذق والماهر لأسسه وقواعده.
أركان العملية الخداعية:
وللعمليات الخداعية في التحقيق، أركان ثلاثة لا تتم إلا في ظ ل وجودها وهي:
- المخادع (المحقق): ضابط التحقيق، أو طاقم التحقيق، الذي يقوم بالتخطط للعملية. والذي ينفذ هذه العملية الخداعية في التحقيق، ضد المعتقل الفلسطيني هم في الغالب: (ضباط التحقيق، أو طاقم التحقيق. وخبراء أخصائيين (خاصة نفسيين) من خارج طاقم التحقيق. والجيش والشرطة الإسرائيلية) عند الحاجة. والعملاء والخونة والجواسيس. والمنهارين، أو المعترفين من المساجين (خاصة أبناء القضية) عبر الضغط، أو الإغراء لهم. والسذج والبسطاء وخاصة من السجناء أوالأهل والأقارب وغيرهم ).
- المخدوع (المعتقل): وهو الشخص المعتقل الخاضع لعملية الاستجواب والتحقيق، من قبل محققين مختصين.
- العملية الخداعية (أدوات ووسائل): وهي مجموع الوسائل والأدوات البشرية وغير البشرية، التي تستخدم في تنفيذ عملية الخداع.
مراحل عملية الحيلة الخداعية:
كما هو معلوم فإن عملية الحيل الخداعية أثناء التحقيق مع المعتقل، تتم على شكل مراحل تخدم بعضها البعض، بحيث تسلم كل مرحلة إلى التي تليها، لكي تنتج عملية متكاملة الأطراف والمرامي. ومن أهم هذه المراحل: (دراسة حالة المعتقل- انتقاء الأسلوب المناسب للخدعة- انتقاء أدوات الخدعة (البشرية والمادية)- خلق الظروف المناسبة (الزمان والمكان)- الإيحاء بعكس الخدعة- التحضير الذهني للمعتقل- مسرح العملية الخداعية). ولا بد من استعراضها للتعرف عليها أكثر:
مرحلة دراسة حالة المعتقل: وذلك عبر فريق العمل الجماعي من قبل المحققين المكلفين بالتحقيق في قضية المعتقل، حيث يتم دراسة جميع حيثيات الملف والتقارير الواردة فيه، بما فيها الجوانب النفسية والجسمية للمعتقل، ثم لا يُكتفى بذلك بل يقوم أحيانا عدد من المحققين بأنفسهم أو بالاستعانة ببعض الأخصائيين النفسيين بمقابلة المعتقل والتحدث إليه والتعرف على شخصيته، حيث أن لكل معتقل ما يناسبه من الحيل الخداعية.
- مرحاة انتقاء الطريقة والاسلوب: وتتم هذه العملية عبر فريق التحقيق الذي يعمل على التعرف جيداً على شخصية المعتقل بجميع مكوناتها، ثم يقرر بعد ذلك الأسلوب الأمثل والأفضل للتعامل معه، وذلك بدراسة عدة خيارات من الحيل الخداعية التي يمكن ممارستها معه، كأن تكون الحيله مباشرة أو غير مباشرة، أو كلا الأمرين معاً .
- مرحلة تحضير المعتقل (ذهنياً ونفسياً): وهي المرحلة التي يعمل المحقق فيها على جعل المعتقل متقبل لعملية الخداع (كأن يوهمه بأن التحقيق قد إنتهى معه، ثم يقوم بإنزاله إلى الزنازين، مما يجعله في حالة استرخاء وعدم استنفار، ويجعل الحيلة أكثر فاعلية وأكثر قوة وتأثير عليه.
- مرحلة انتقاء الأدوات (البشرية والمادية): يقوم بعد ذلك فريق التحقيق باختيار أدواته لتمرير الحيلة الخداعية على المعتقل. سواء الأدوات البشرية (كاختيار المحقق الأنسب لذلك، أو الاستعانة بخبراء في علم النفس، أو قد يستخدم عملاء أو أشخاص منهارين ومعترفين، أو سجناء سذج ومغرر بهم، أو قد يستخدم أطقم كاملة من الجيش أو الشرطة بحسب الحالة). أو الأدوات المادية (كأن يستخدم للحيلة الخداعية غرف بها أجهزة تنصت أو تصوير، أو يستخدم جهاز التسجيل، أو الصور المدبلجة، أو التواقيع المزورة، إلى غير ذلك من الأدوات المادية).
- مرحلة خلق الظروف المناسبة (الزمان والمكان): على صعيد الوقت (الزمان) فإن الحيلة الخداعية قد تكون أحياناً في الفترة الأولى من الاعتقال، حيث تعتبرالوقت الأنسب لتمرير الخداع، وأحياناً أخرى قد يكون الوقت الأنسب في أخر مرحلة من التحقيق، كما أنه في بعض الأحيان ما يتم استخدام الأسلوب الخداعي قبل استخدام أي أسلوب آخر من أساليب التحقيق، وأحيانا أخرى قد يستخدم الأسلوب الخداعي بالتزامن مع الأساليب الأخرى، وفي بعض الأحيان قد يستخدم كأخِر أسلوب بعد استنفاذ جميع وسائل وأساليب التحقيق مع المعتقل.
وأما على صعيد المكان، فقد يكون مردوان التحقيق، أو غرف التحقيق، أو الزنازين، أو غرف الزيارة للصليب الأحمر أو المحامي أو غرف التوقيف، أو غرف العار (العملاء)، أو أماكن مقصودة خارج المعتقل، كالترحيل من معتقل لآخر، أو الإبعاد للخارج، وما إلى ذلك من الأماكن التي ينتقيها طاقم التحقيق بكل دقة وعناية.
العملية الخداعية (الاجراءات):
وتنفيذ الاجراءات العملية للخطة الخداعية تحتاج لنجاحها لبعض الأمور الهامة مثل:
1- أمور تتعلق بالمحقق لنجاح الخداع:
أ) صفات ومؤهلات المحقق:
– ذكاء ضابط التحقيق، واختيار الضابط المناسب لذلك، من أجل القدرة والإمكانية الجيدة في السيطرة على العملية الخداعية، (بشكل مباشر أو غير مباشر).
- الخبرات السابقة الجيدة لضابط التحقيق، وممارسته لهذا الأسلوب في السابق بنجاح.
- القدرة على التحكم في الوقت والجهد أثناء التنفيذ.
- الإلمام الوافي والواعي بحالة المعتقل بجميع جوانبها قبل البدء في التنفيذ.
- القدرة على التحضير الملائم للمعتقل لتقبل الخداع ببث الطمأنينة والراحة الأمنية له.
- العمل على توفير وتحضير المواد والأدوات المناسبة واللازمة للعملية.
- القدرة على الاستعانة بالعملاء والمساجين الآخرين، في تنفيذ العملية الخداعية.
ب) قواعد يلتزم بها المحقق في الممارسة:
- يعمد المحقق إلى اعتماد مركزية السيطرة في العمل الخداعي، حيث يلزم للخداع السيطرة الحازمة والمركزية على كل إجراءات الخداع بواسطة طاقم التحقيق، وعدم اعتماد أساليب خداعية عفوية أو عشوائية، يمكن أن تحفز المعتقل وتثير فيه الشكوك.
- وينتهج في ذلك السرية التامة عند تنفيذ إجراءات الخداع، بحيث يفرض عدم التحدث في هذا الأسلوب بين ضباط التحقيق إلا عبر غرف مبطنة الأبواب.
- كما يسعى إلى الإعداد الجيد والمنسق لكل إجراءات الحيل الخداعية بما يتناسب وحالة المعتقل وإمكاناته وقدراته وطبيعة ومعتقداته، ومستواه الإدراكي، وما إلى ذلك.
- ويحرص كذلك على الدقة في التخطيط، بحيث يستخدم حيل خداعية، بمستويات عالية جداً من التخطيط الجيد والمناسب من خلال الخبرة والوعي الأمني.
- ويهتم المحقق بأن تكون الحيلة الخداعية ذات قابلية لعملية التجديد والابتكار، بحيث يطور ويجدد دائما أساليبه من وقت لآخر، خوفاً من انكشاف هذا الأسلوب أو ذاك .
- وكذلك يهتم بأن تكون الحيل الخداعية، ذات اتجاهات متعددة، وتشعبات متنوعة، حيث يستعمل أكثر من نوع من الخداع، ويستخدمه بثوب جديد بين الفينة والأخرى.
- كما يهتم بأن تكون الحيل الخداعية ذات شمولية، أي تغطي جميع أوجه مراحل التحقيق، وتمتد على مساحة واسعة منه، قد تستمر منذ بداية التحقيق وحتى نهايته، وقد تمتد إلى ما بعد ذلك، ضمن أدوات ووسائل وأساليب يحددها المحقق ويقتنع بجدواها.
- ويهتم بأن تكون الحيل الخداعية مرنه وغير متقولبة في قوالب جامدة، لدرجة القدرة على التغيير فيها بما يناسب وحالة المعتقل ونفسيته، وتغيير أنواع الخداع بأكثر من طريقة وأسلوب وبأدوات ووسائل متغيرة ومتنوعة حسب القصد والهدف المطلوب.
- ويهتم بأن تكون الحيل الخداعية ذات فعالية، ولا تستخدم حيل قليلة القيمة والتأثير والفاعلية على المعتقل.
- ويعتمد في إيصال المعلومة للمعتقل، على تعدد قنوات الاتصال، بحيث يتم بتصدير المعلومة للمعتقل عبر نشاطات خداعية متكررة ومتنوعة، عبر المحقق أو العميل.
- ويعمد إلى تسريب المعلومات المقصودة واللا زمه للعملية الخداعية للمعتقل، بطريقة ذكية عبر المحقق أو العميل، أو عبر بعض المعتقلين السذج.
- ويحرص المحقق كذلك إلى إيصال الحيلة الخداعية للمعتقل، بأسلوب مقبول، وطريقة مريحة له، بحيث لا يشك فيها أو يرتاب منها.
- ويعمل كذلك على إسباغ الصدق الخادع (خداع الصدق) على أقواله وحيله الخداعية وذلك برصيد من المعلومات الصادقه غير المبالغ فيها كي تنطلي الحيلة على المعتقل.
- ويلتزم المحقق التنسيق المتواصل في الحيلة الخداعية بينه وبين طاقم التحقيق، بحيث يؤدي كل ضابط ما يطلب منه، وقد يستعان بعملاء لتمرير هذه الحيلة الخداعية.
2- أمور تتعلق بتحديد الطريقة:
وللعمليات الخداعية في التحقيق، طرق كلها تقريباً متداخلة ومتشابهة ومتشابكة مع بعضها البعض، ويمكن التعرف عليها بشكل أفضل خلال الممارسة العملية لها وهي:
-طريقة الإيهام: للحصول على تأثير فعال وفق هذه النظرية، فإن أجزاءها يجب أن تكون مقبولة (للمعتقل) ظاهرياً، أي معقولة، وتلقى اهتماما بقدر كاف من قبله بحيث لا يمكن تجاهلها والشك فيها، مما قد يؤدي إلى تأخره في اتخاذ قراره بالتفاعل معها (كأن يوهمه بأن زميله قد اعترف عليه ويزور له اعترافه).
- طريقة التضليل: يعمل المحقق على تقليل عملية الغموض لدى المعتقل، والعمل على جذب انتباه المعتقل نحو الحيلة الخداعية والقيام بالتركيز عليها، ومن ثم التفاعل معها (كعملية تضليلية) كأن يقوم بترحيله إلى خارج الوطن،.حيث يتم تضليله بوسائل وأدوات بشرية وغير بشرية لذلك الغرض.
- طريقة التمويه: كأن يذهب به إلى غرف العملاء، ويموه عليه بأنه داخل غرف مناضلين.
- طريقة الخداع: كأن يسمعه صوت والده أو والدته وهم في الغرفة المجاورة يحقق معهم بشدة.
- طريقة الحيلة: كأن يقوم أحد ضباط المخابرات بدور الرجل الطيب الذي يقف معه ويدافع عنه في وجه المحقق الشرير الذي يحاول أن يفتك به.
3-أمور تتعلق بخصائص الخطة الجيدة:
- حبك الخطة والتمثيلية بشكل جيد، بحيث يمارس المحقق دوره فيها بالشكل المعد له، وذلك بالتقييد الدقيق بالخطة المعدة وعدم الخروج على النص والسيناريو المرسوم لها.
- الترابط المنطقي لمراحل الخطة الخداعية وجزئياتها وفروعها، وعدم تناقض تفاصيل الخطة، أو تضاربها، بل على العكس لا بد لكل جزء من أجزائها أن يكمل الآخر إلى أن تكتمل الصورة بإكتمال كل حلقاتها وأجزاءها بشكل مناسب.
- البعد عن الغموض والضبابية، خوفاً من إثارة المعتقل وجعله يشك في العملية، لأن الغموض يولد التساؤل، والتساؤل غير مرغوب فيه، لأنه التفكير الذي قد يؤدي للشك.
- عدم المغالاة والتطرف في التمويه، لأن ذلك قد يثير انتباه المعتقل خاصة إذا كان صاحب تجربة سابقة، باعتبار أن الانتباه والتركيز من قبل المعتقل عدو كبير لذلك.
4- أمور تتعلق بممارسة الأساليب المستخدمة:
- إخفاء هدف الحيلة الخداعية: يحاول المحقق أن يكون بارعاً في إخفاء هدفه من العملية الخداعية، ويحاول التظاهر بشكل طبيعي، بحيث لا يلفت النظر بحركة أو سكنه أو يتخذ موقف غير عادي يثير شكوك المعتقل. يروي أحد المعتقلين مثالاً يوضح ذلك فيقول: ” قام المحقق بإبلاغة بأن له زيارة للمحامي أثناء التحقيق وبالغ في أن ذلك، حيث ادعي بأنها جاءت بسبب ضغط الصليب الأحمر، وفي غرفة زيارة المحامي، أرسل المحقق معه جندياً من أغبى الجنود في مردوان التحقيق – يعرف المساجين كل سجان من خلال الخبرة المتراكمة من بعضهم البعض- وعندما نزل المعتقل إلى غرفة المحامي، لفت نظره بأن هذا الجندي (بعد رفع الكيس عن وجهه) هو جندي معروف عنه عدم الذكاء، ثم زاد الشك لديه بأن هذا الجندي يقف بعيداً عن الطاولة بالقرب من باب الغرفة التي يجلس عليها المعتقل والمحامي -من المعلوم أن الجندي يقف بجوار طاولة المحامي- والذي أثار استغرابه أكثر، أن هذا الجندي كان يدير ظهره له وللمحامي. ويقول هذا المعتقل كل هذه الملاحظات جعلتني من خلال الخبرة، أجمع صورة الموقف بشكل كلي وأعرضها على العقل، الذي أصدر أوامره بأخذ الحيطة والحذر، تحسباً أن تكون هذه العملية إحدى الحيل الخداعية. وقد تبين فيما بعد بأن هذا الجندي كان يحمل مسجلاً ليسجل بواسطته كل ما يدور في الجلسة.
- التلقائية والعفوية (التقليد): يعمل المحقق على الظهور بمظهر التلقائية والعفوية في السلوك الخداعي، ولو حدث شيء معين يثير المعتقل، يفسره بشكل طبيعي وتلقائي. وذلك كمثل أن يتظاهر المحقق بأنه قد أرهق مع عملية التحقيق لكي يدع المعتقل يطلع على وثيقة يريده أن يطلع عليها.
- التمثيل البارع: المحقق يكون في هذا الأسلوب ممثلاً بارعاً لدية القدرة على تقمص الأدوار، ونسج الموقف الخداعي بكفاءه، أي يكون ممثلاً بارعاً يندمج في دوره جيداً. (كمثل إدعاء أحد ضباط التحقيق، أنه يريد كأساً من القهوة، فيصيح بشكل عصبي على المستخدم اليهودي في مردوان التحقيق بأنه يريد قهوة، ولكن لا يرد عليه أحد، فيخرج من الغرفة وهو يهدد ويتوعد ذلك المستخدم، ثم يغادر الغرفة للبحث عن المستخدم طبعاً كان في الغرفة اثنان من أبناء القضية الواحدة كان قد استدعاهم للتحقيق، وهو يخفي في خزانة الغرفة ضابط مخابرات آخر وبمجرد أن ترك الغرفة انتهز أحد المعتقلين الموقف (وقع في الشرك) وتحدث لزميله قائلاً: (العملية الفلانية لم أعترف عليها وإذا سألوك عنها فلا تعترف).. وبمجرد أن أنهى كلامه خرج الضابط المحقق من الخزانة وهو يصفق ويضحك ويصرخ فرحاً مما سمع، ثم دخل الضابط الذي تظاهر بالخروج من الغرفة هو وطاقم التحقيق كله مهللين وفرحين بهذا الإنجاز الذي تم تحقيقه من خلال هذه الحيلة الخداعية).
- قوة التضليل: وهذه العملية تمثل مجموعة من الإجراءات المقصودة التي يتم تغذية المعتقل بها عبر معلومات مزيفة، تتخللها في الغالب معلومات صحيحة وحقيقية، بحيث يصعب معها التفريق بين هذه المعلومات، ولا يستطيع أن يعرف الزائف من الحقيقي منها، وبالتالي يصبح من السهل تصديقها والإيمان بها، مما يؤدي بالمعتقل إلى جعله يقع في تقدير خاطيء للموقف الخداعي الذي هو فيه. (وسوف نستعرض لاحقاً مثالا على هذا الأسلوب الخطير جداً، حول قصة المعتقل الذي حاول خداعهم فذهبوا به لنهر الأردن للتهجير….. ولكن هناك تم خداعة)
- خداع الإغراء: وتعتمد على تقديم للمعتقل فرصة أو حاجة تعزز لديه تقبل العملية الخداعية، بحيث يفكر باستغلال الفرصة التي تعرض عليه، وذلك خوفاً من ضياعها. ومن ذلك عملية الإغراء الإيجابي، (كقيام المحقق بإقناعه بأنه سوف يطلق سراحه إذا اعترف، وذلك مكفول له بكبار الضباط، فيصدق المعتقل الساذج هذه الخديعة المقرونة بإغراء كبير، وقد يتنكر له ضابط المخابرات، ولا يفي بوعده). أو عمليات الإغراء السلبي (كوعد المعتقل مثلاً بأن لا ينفذ ضده، إذا اعترف هدم البيت الذي يمتلكه، أو عدم مصادرة ممتلكاته، فيوافق المعتقل على العرض ويدلي بالاعتراف المطلوب).
- تعميق اللامبالاة: إن اللامبالاة من أهم المنافذ التي يعتمد عليها المحقق في تمرير عملية الخداع، لأن اللامبالاة تقتل عملية الحرص والحيطة والحذر، بخلاف اليقظه. لذلك يسعى المحقق لتعميق اللامبالاة وعدم الاهتمام من قبل المعتقل لما يدور حوله.
- تكرار الموقف: بأن يواصل المحقق تكرار موضوع معين أو قصة معينة ترسخ مع عملية التكرار في ذهن المعتقل، مما يوجد لها واقعاً في كيانه، وبالتالي حين يتم طرحها عليه من قبل المحقق تلقى قبولاً في نفسه.
- الشك والريبة: إن نجاح عملية الحيل الخداعية يتوقف على زرع بذور الشك والريبة لتهيئة الظروف لنجاح العملية الخداعية.(كمثل أن يقنعه بأن قيادته في الخارج هي التي تخون، وأن المعلومات التي حصل عليها من أعلى المستويات في التنظيم).
- الخطأ المتعمد: يوهم ضابط التحقيق المعتقل بأن الموضوع قد وقع فيه خطأ ما، (هذا الخطأ مزيف)، وأثناء ذلك يمرر المحقق خطته، (كقيام ضابط المخابرات بجعل المعتقل يطلع على ملف أمامه بقصد منه، وكأن ذلك قد حدث خطأ منه).
وعمليات الخداع في التحقيق، تعتبر من الأساليب العقلية، وهي تنقسم لقسمين هما: القسم الأول: أساليب الخداع المباشرة، وتتم بواسطة محقق واحد أو مجموعة محققين. والقسم الثاني: أساليب الخداع غير المباشرة، وتتم بأدوات تقنية، أو ببعض العملاء.

القسم الأول: أساليب الخداع المباشرة (عبر المحقق):
وهذه الأساليب يتم تنفيذها بطريقتين، إما بالحيل الخداعية المباشرة، أو بالخداع العقلي.
أولاً: أساليب الحيل الخداعية المباشرة:-
وتعتمد أساليب الحيل الخداعية في التحقيق على الخداع البشري المباشر من قبل المحقق بالدرجة الأولى. و الخداع البشري المباشر هو تلك الإجراءات التي يستخدمها المخادع أو المخادعين في إخفاء حقيقة أنفسهم طبقاً لظروف وواقع العملية الخداعية. وتتم هذه العمليات في التحقيق في السجون الصهيونية بشكل مباشر من محقق صهيوني واحد، إذا كانت فردية، أو عبر مجموعة من المحققين بشكل مباشر اذا كانت جمعية، أي تحتاج لأكثر من محقق لممارستها. وقد يساعدهم أحياناً طاقم من الخبراء النفسيين أو الفنيين أو الشرطة، أو الجيش، بحسب حاجة التحقيق.
1- أسلوب خداع فكرة التعامل:-
يظن بعض المعتقلين أن باستطاعته أن يناور في التحقيق، لدرجة أنه قد يحاول أن يعرض التعامل، أو يوافق عليه اذا عرض من قبل المحقق، بقصد الخداع والحيله، وكلا الأمرين سواء طرح من ذاته أو من قبل المخابرات، هو بداية الهاوية، لأن هذا الأمر خط أحمر لا يجوز حتى المناورة به بتاتاً، ياعتبار أن جميع أوراقة في يد المحقق الصهيوني، مما قد يؤدي في النهاية لكارثة على المعتقل لا تحمد عقباها بتاتاً. إن المعتقل الذي يعتقد أنه يستطيع التمثيل عبرهذه الفكرة خاطيء جداً، لأن الخطورة في هذه الفكرة هي القبول بها في التحقيق، حتى ولو بقصد الخداع للمحقق، لأن القبول بفكرة التعامل للتخلص من التحقيق، حتى عن قصد وحيلة، تعني في حد ذاتها لدى المحقق نصراً لأنها تعني الانتقال من بداية الرفض المطلق، إلى بدء التجاوب الذي يعتبر بداية لتغيير مسار التحقيق، كما تعطي المحقق بصيصاً من الأمل في خضوع السجين واعترافه. لذلك سوف يسارع المحقق إلى القبول بالفكرة، ويقول للمعتقل بكل خبث ودهاء ” لقد‏ أحسنت الاختيار‏،‏ وأنقذت نفسك أنا موافق على طلبك، ولكن لا‏ أملك‏ قراراً الآن وسوف‏ أعرض‏ ذلك‏ على‏ لجنة‏ التحقيق،‏ وأنا سأؤيد‏ الفكرة وخلال‏ يوم‏ أو يومين‏، سأبلغك القرار ويترك‏ السجين‏ طوال‏ هذين‏ اليومين‏ في‏ دوامة‏ الحلم‏،‏ وبعد‏ يومين‏،‏ يقول‏ له المحقق‏ مبروك‏ لقد‏ وافقوا.. جهز نفسك‏ للإفراج لكن‏ طلبوا‏ شرطاً‏ صغيراً‏ جداً‏ أن تُبدي‏ حسن‏ نية‏،‏ حتى‏ يثقوا‏ بك. (هنا‏ يظهر‏ التردد‏ والقلق‏،‏ والتراجع‏ على‏ السجين) ولكن‏ قبل‏ أن يتفوه‏ بكلمة‏ يعاجله‏ المحقق ما‏ بك‏ هم‏ لا يطلبون شيئاً‏ كبيراً.. أي شيء‏ تافه‏، أي شيء‏ هامشي.. لا يؤثر عليك.. وأنا سوف‏ أباشر بعمل‏ إجراءات الإفراج،‏ وغداً‏ صباحاً‏،‏ ستشاهد‏ الشمس‏،‏ وتستنشق‏ نسيم‏ الحرية‏.. عليك‏ فقط‏ أن تقدم‏ أي شيء‏ صغير‏،‏ ولا تفكر‏ فيه.. انزل‏ الآن للراحة، وبعد‏ ساعتين‏ سأغادر وأريد أن أقدم‏ لهم‏ أي شيء‏ صغير‏ قبل‏ أن أغادر. وسألقاك‏ بعد‏ يوم. ثم يبدأ الانزلاق.
يقول العميل‏ (م.ع).. اعتقلت‏ في‏ بداية‏ السبعينات.. وكنت‏ مناضلاً‏ متميزاً‏ بشهادة‏ العدو‏،‏ والصديق وساومني‏ ضابط‏ المخابرات على‏ التعامل‏ والخروج بعد‏ تردد‏ كبير‏ وافقت‏،‏ وقلت‏ اخدعهم.. طلبوا‏ مني‏ إبداء حسن‏ نية‏،‏ اعترفت‏ على‏ مناضل‏ كنت‏ قد‏ جندته‏،‏ولم‏ اعترف‏ عليه‏ خلال‏ فترة‏ التحقيق‏،‏ وفي‏ ساعة‏ متأخرة‏ من‏ الليل‏ أخذوني بسيارة‏ عسكرية‏ إلى منزل‏ المعتقل‏ ولم‏ يعصبوا‏ عينيه‏،‏ حاولت‏ أن أخفي‏ وجهي‏ حتى‏ لا‏ يعرفني‏،‏ولكنهم‏ أجبروني على‏ الوقوف‏ المباشر.. وما‏ إن خرج‏ المعتقل‏ مع‏ الجنود‏ من‏ الباب.. حتى‏ شاهدني‏ أمامه.. ولا يوجد‏ أحد يعرف‏ انه‏ مناضل‏ سواي هنا‏ صرخ‏،‏ وقال‏ عملتها‏!!؟‏ولم‏ أدري‏ بعدها‏ ماذا‏ حدث.. كل‏ ما‏ اذكره‏ أن مجموعة‏ رشاشات‏ فُتحت‏،‏ ومزق‏ الرصاص‏ جسد‏ المعتقل‏،‏ وتُرك‏ مضرجاً‏ بدمائه‏ على‏ الأرض،‏ وعادت‏ بنا‏ السيارات‏ إلى المعتقل وضميري‏ يصرخ قتلته.. قتلته.. أنت خائن.. أنت خائن.. وبالفعل‏ بعدها‏ أصبحت خائناً وعميلاً… وأصبحت مربوطاً‏ بهم.. لقد‏ ورطوني.. وتحولت‏ تحت‏ ضغط‏ تهديدهم‏ إلى أداة طيعة‏ في‏ يدهم.. ثم كلفوني‏ أن اخترق‏ الجهاز‏ العسكري‏ في‏ التنظيم‏،‏ وأن‏ أقدم‏ معلومات‏ عن‏ المطاردين‏،‏ والقيادة‏ ومركز‏ القيادة‏،‏ وملاجئ المطاردين.. وتحت‏ ستار‏ سمعتي‏ الجيدة‏،‏ والماضي‏ الجيد‏ الذي‏ أحمله خرجت‏ من‏ المعتقل،‏ وحملت‏ السلاح‏ مع‏ المطاردين‏ منذ‏ أول يوم.. وخشيت‏ أن أروي‏ قصتي‏ لأحد.. قدمت‏ معلومات‏ عن‏ ملاجئ المطاردين.. وبعد‏ أيام سمعت‏ عن‏ استشهاد‏ قائد‏ المنطقة‏،‏ وبعدها استشهدت‏ مجموعة‏ من‏ المقاومين. إلى أن تم اكتشافي.
إن هذه الشهادة الحيه من شخص وقع في التعامل، هي تأكيد على أن اللجوءَ إلى هذا الأمر خطأ فادح وقاتل، لأن أسلوب التعامل‏،‏ أسلوب قذر‏،‏ والتفكير‏ به‏ كحيلة‏ لخداع‏ المحققين‏ هو‏ نزغ‏ من‏ الشيطان‏، وموقف يحمل‏ في‏ داخله‏ قابلية‏ للانهيار‏والسقوط‏،‏ لكن المعتقل الذي‏ يحمل‏ في‏ داخله‏ مقومات‏ فكرية صادقه عميقة فإنه‏ مؤهل‏ للصمود.
2- أسلوب خداع فكرة الاعتراف :-
يعضد هذا الأسلوب تلك قصة التي رواها رئيس الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق (يعقوب بري) في كتابة (قادم لأقتلك) حيث يقول: ” إحدى الحيل الأكثر تعقيداً أو دهاءاً والتي ظهرت إلى النور في يوليو 1993 هي (قصة سعيد) وهو مخرب قديم، وهو حبة جوز قوية جداً لا يمكن كسرها، وقد كانت المعلومات الاستخبارية الموجودة لدينا تنسب له وضع عبوة ناسفة في مبنى الحاكم العسكري في مدينة بيت لحم، الأمر الذي أدى إلى موت جندي وجرح اثنين آخرين، وكان لدينا اشتباه مسند أنه يمتلك معلومات كثيرة حول تنظيمات تخريبية، لتنفيذ بعض الهجمات التخريبية في إسرائيل، لذلك يجب إجباره على الكلام قبل أن يصبح الوقت متأخرا جدا، ولكنه مصر على السكوت. لقد فشلت معه كل أساليب الضغط المسموح بها، تحدثنا إليه بود، ووعدناه ومنيناه بكل العطايا والهبات فلم نحصل منه على شيء، وفي النهاية وبعد أيام من التحقيق المكثف عدل عن موقفه ووافق أن يسرد لنا كل ما عرفه بشرط أن نساعده في الخروج إلى الأردن، وقال عندما نقوم بتوصيله إلى مياه النهر إنه سيدلى باعتراف مفصل، مثل هذا الاعتراف هو كل ما كنا نريده. ولكننا خشينا أنه قد يهرب إذا قمنا بتوصيله إلى مياه الأردن، أو أنه قد يروي لنا قصة لا أساس لها من الصحة، وأننا قد لا نتمكن من التأكد من صحتها. لقد درسنا جيدا كل الاحتمالات وقررنا القيام بلعبة تضليلية كبيرة، تجبره على قول الحقيقة، أشركنا العشرات من العناصر في هذه التمثيلية وقمنا باختيار موقعاً يشرف على عدة نوادي، (يقع هذا الموقع بعيدا عن نهر الأردن) ولتضليله ثبتنا على طول الطريق المؤدية إليه إشارات سير مكتوبة بالعبرية والإنجليزية والعربية، تقول بعضها “يرجى الانتباه، الحدود أمامك”. وفي ساعة متأخرة من الليل أخرجناه من المعتقل، وأدخلناه في سيارة تابعة لجهاز الشاباك، ثم أخذت السيارة طريقها نحو الهدف المرسوم لها، كنا بين الفينة والأخرى نصطدم بأحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية المفبركة، حيث كان أحدهم يوقف السيارة مدخلا رأسه إلى الداخل، وقد أمسك بيده مصباحا، ثم بعد ذلك يومئ لنا بالاستمرار في الطريق، ثم قام أحد الجنود بأخبارنا بان الجنود الذين سيساعدون سعيداً في تخطي الحدود، باتوا منتظرين وصولنا إلى مكان اللقاء -جدير بالذكر أن المخرب يفهم اللغة العبرية، لذلك يتابع ما يجري عن كثب- وهكذا مضينا في رحلتنا، وفي مرحلة ما من السفر قمنا بتزويده بكيس من النقود كنفقات له. انتهت رحلتنا بالقرب من موقع تابع لجيش الدفاع الإسرائيلي، كان هذا موقعا حقيقيا، كان قائده على علم بالعملية التي نقوم بها، قام القائد بلفت انتباهنا إلى وجود مسطح مائي ليس بعيدا من هناك ويعتبر جزءا من النهر، مشيرا بيده نحو نقطة معينة من المستحسن العبور من خلالها. “حسنا” قال سعيد، الآن أقول لكم كل شيء: وكما خشينا بدأ بسرد اعترافات عارية عن الصحة، إذ اخترع هو كافة البنود الواردة فيها، إلا أننا لم نبد أي ملاحظات على ذلك، متظاهرين كأننا نصدق كل ما يقول، وفي النهاية قلنا له نظرا للاتفاق، فإننا سنوفي بتعهداتنا، حيث سيقوم جنود جيش الدفاع بحمايته إلى أن يصل إلى ضفة النهر الواقعة على الجانب الإسرائيلي.
وهكذا أطلقنا سبيله، وفي هذه اللحظة فتحت نحوه النيران من الجانب الآخر للوادي، والمفروض أن يكون الجانب الأردني من النهر، حيث أضاءت القنابل المضيئة السماء وباقي أرجاء المنطقة، فوجئ سعيد وقال بارتجاف: “ما هذا ؟ ” لم يخطر بباله ولو للحظة أن مطلقي النار هم جنودنا اللذين نفذوا الأوامر التي ألقيت عليهم. قلنا له أنه يبدو أن الأردنيين لاحظوا تحركات قريبة فأطلقوا نيرانهم، تجمد في مكانه، وقال: ” إنني خائف، لسوف يقتلونني” وقال إنه يرغب في العودة إلى الزنزانة، وبالسرعة القصوى، إلا أننا لم نوافق، قلنا له: ” لقد طلبت مساعدتنا لكي تعبر النهر، وقد استنفرنا قوات جيش الدفاع لكي نمكنك من ذلك، والآن أصبح الوقت متأخرا للنكوص إلى الخلف، سلام، وليس إلى اللقاء، ثم استمر إطلاق النار طيلة الوقت، بينما هو يستعطفنا بكل آيات الرحمة أن نعيده إلى المعتقل، في هذه المرحلة قلنا له: ” إنك لا تستطيع دفعنا إلى حافة الجنون. إنك أدليت باعتراف كاذب. نحن نود رؤيتك اكثر من هذا، قم وانصرف”. وفي هذه الحالة يرفض سعيد، طالبا عدم إرساله إلى الموت، ويبدأ في إعطاء اعترافات كاملة ومفصلة كما كنا نتوق ونرغب.(يعقوب بري،1999: 56)
3- أسلوب خداع فكرة الإفراج:
يعتمد هذا الأسلوب الخداعي، على حيله خداعية يمارسها‏ المحقق‏ مع‏ المعتقل،‏ في حالة انتهاء‏ فترة‏ من معه التحقيق، حيث يقوم المحقق بإيهامه بأنهم سوف يطلقون‏ سراحه‏ من المعتقل بدون‏ مقابل،‏ سوى‏ وعد‏ منه‏ بأن يترك‏ هذا العمل،‏ وأن‏ لا يمس أمن الدولة بضرر‏ بعد‏ أن يخرج‏ من‏ المعتقل‏،‏ وأن‏ يعيش‏ حياته‏ الطبيعية‏ مع‏ أهلة. وذلك لتفجير‏ مشاعر‏ الشوق‏ وأحاسيس الحنين‏ في‏ داخله‏ لأهله،‏ ولذويه‏ وللدنيا‏،‏ وللحرية‏ وللسعادة‏ والخروج‏ من‏ ظلمات‏ السجن‏،‏ وذلك مقدمة‏ لإحياء ذاته‏،‏ وعواطفه‏ الشخصية، وإحياء الأنا‏ بداخله‏،‏ وتضخيمها‏ لتصبح‏ مركز‏ استقطاب‏،‏ وكذلك لإحياء إنسان الغريزة‏ بداخله الذي‏ يفكر‏ بنفسه‏،‏ وبمصالحه‏،‏ كمقدمة لبث منطق المساومة لديه.
ومن الأمثلة على هذا الأسلوب إدعاء المحقق بأن معه شخصاً خبيراً جاء لكي يساعده،‏ بشرط أن يكون‏ صادقاً‏ معه.. ويبدأ‏ هذا الخبير‏ بسؤاله عن‏ صحته‏،‏ وعن‏ حياته‏ الشخصية‏،‏ وعن‏ أخوته‏، وزوجته‏ وأبنائه،‏ ووظيفته‏ ودخله‏ المادي‏،‏ ووضع‏ أهله وعائلته‏‏، ‏ومن‏ يصرف‏ عليهم ومن‏ يساعدهم‏. وبعد‏ الدردشة‏ المقصودة‏،‏ يقول‏ الخبير‏ ‏ “نحن‏ قررنا‏ إطلاق سراحك‏..!” ويمد‏ يده‏ إلى جيبه‏،‏ ويخرج‏ بعض‏ الأوراق النقدية، لكي يستقل سيارته للذهاب لبيته تأكيداً‏ على‏ جديته‏،‏ ثم يسأل‏ المعتقل.. هل‏ أنت نادم‏ على‏ هذه‏ الغلطة فإن‏ أجاب نعم.. يضيف‏ الخبير.. وهو‏ ينظر‏ إلى الساعة‏،‏ الآن لا يوجد وقت‏ لإطلاق سراحك.. ولكن‏ غداً‏ صباحاً‏ سيفرجون‏ عنك.. ولكن‏ هل‏ تعدني‏ أنك‏ لن‏ تعيد‏ هذا‏ الخطأ؟ فإذا قال نعم.. يقول له ” ماذا‏ ستعمل‏ عندما‏ تخرج، فإذا اندمج معه وقال له مثلاً‏؟ سأكمل‏ دراستي وسأعيل عائلتي.. يقول: إذن اهتم‏ بدراستك‏ ومستقبلك‏،‏ اهتم‏ بعائلتك ولا تلتفت‏ لمن‏ يريد‏ توريطك‏ ويخرج‏ تاركاً‏ المعتقل‏ في‏ دوامه‏ من‏ الأفكار. واكمالاً لهذا الدور يقوم المحقق بالإفراج عن المعتقل، وقبل أن يغادر البوابة الأخيرة، يقوم بإرجاعة إلى التحقيق من باب أن اعترافات جديدة قد وردت عليه، لذلك يجب اعادة التحقيق معه، لأنه لم يكن صادقاً معهم.(ابراهيم شحادة، 1980: انترنت)
4- أسلوب خداع انتهاء التحقيق:
ومن أساليب الخداع التي يتبعها المحقق ايهام المعتقل بأن التحقيق قد انتهى معه، وعليه كأجراء نهائي أن يقوم بالتبصيم لدى الشرطه، لأنه إذا قام “بالتبصيم عند الشرطة” أي أخذ بصماته فمعنى ذلك أن التحقيق قد انتهى معه. كما يوهموه بأن أخذ ورقة التوقيف للمحكمه من قاضي التمديد، يعتبر انهاء للتحقيق ولا أحد يعيده للتحقيق. ولتأكيد الخداع يقوم بالتبصيم أمام الشرطه، ثم يتم إنزاله للمحكمة إما لوحده أو بصحبة أحد العملاء المسجونين، ويتم إدخاله للمحكمة بشكل سريع دون وجود محامين أو دون الالتقاء بأحد، بشكل يظن من خلاله أنه قد حصل على تمديد اعتقال لحين المحكمة. وهذه العملية برمتها تمهيد لخداع أكبر داخل الزنازين، أو في غرف العملاء، في حين يتولد لديه انطباع بأنه سوف يذهب إلى غرف السجن، غرف المناضلين والمجاهدين.
5- أسلوب خداع التوقيف الإداري:
ومن أساليب الخداع التي يتبعها المحقق ايهام المعتقل بأن التحقيق قد انتهى معه، وأنه سوف يذهب للاعتقال الإداري، ويعطى ورقة التوقيف الاداري، ثم ينزل لغرفة الملابس والأمانات ويأخذ حاجياته، ثم يوهمه المحقق بأنه في طريقة للمعتقل الاداري.
وبعد أن يدرك المحقق بأن الحيلة قد انطلت عليه، يتم نقله لغرف العصافير (العملاء). وهذه العملية أيضاً هي تمهيد لخداع أكبر داخل غرف العملاء، حيث تولد لديه انطباع بأنه سوف يذهب إلى غرف المعتقلين الشرفاء.
6- أسلوب القصة الخادعة:
كثيراً ما يلجأ المحقق إلى اختلاف قصه خادعه، من بنات أفكاره يحبك خيوطها جيداً، مما يجعل المعتقل يقع في أحابيله التي نصبها له. كأن يقوم بإنزاله إلى الزنزانة بشكل طبيعي، وهناك قد يجعله يقرأ على أحد الجدران اسم أحد زملائه (غير المعتقلين) وتاريخ اعتقاله، كما جرت عادة المساجين بذلك، حيث يسجل كثيراً منهم أسماءهم وتاريخ دخولهم السجن على جدران الزنازين، فيقرأ المعتقل هذا الاسم ويدرك أن فلان الذي يعتقد أنه خارج البلاد قد أعتقل. وهذا الموقف يجعل منه المحقق نقطة البدء في نسج قصة اعتقال هذا الشخص عبر قدومه للبلاد، أو قيام جيش الدفاع باستدراجه واعتقاله كما حدث مع بعض الأشخاص الذين قام باختطافهم من الخارج وهكذا حتى يقتنع المعتقل بأن هذا قد تم بالفعل، وأن المعلومات التي لدى المحقق كلها من اعترافه.
7- أسلوب خداع القتل:
يعمد المحقق أحياناً كأسلوب من أساليب الحيل الخداعيه إلى احضار معقتل آخر، قد يكون متواطئاً بالتعامل معهم فيقوم بإطلاق النار عليه أو خنقه حتى الموت، وهذا الأسلوب يعتمد لخداع المعتقل، وتحطيم معنوياته، واقناعه بأن لا محاله من الاعتراف، لأن الموت هو المصير. ويعتمد هذا الأسلوب على إثارة التعلق بالحياه، والتذكير بما فيها من متاع وملذات، ثم وضع المعتقل في معادلة قاسيه هي الصمود، أو فقد الحياة التي تعني حرمانه من كل شيء.
8- أسلوب خداع الجنون:
يعتمد هذا الأسلوب على عدم ترك فرصه للمعتقل لكي يرتب أفكاره ولو لدقيقه واحده، بحيث يستمر المحقق تلو المحقق في استجوابه بشكل متواصل مستمر، ويجعل ذهنه في حالة توتر دائم ومستمر، وهذه الحاله تجعله في ارهاق شديد يعجز هو نفسه حتى عن السيطره على ذهنه وأفكاره، فتراه يدخل في دوامة المتنافضات في التفكير، الذي قد يساعد المحقق باستغلاله بالضغط على المعتقل بايهامه بأنه في طريقه إلى الجنون، وعليه أن يسارع إلى الاعتراف لكي لا يخسر ذاته وعقلة.
9- أسلوب خداع الخبر:
يعتمد هذا الاسلوب على بث الأخبار التي يريدونها وتخدم مصلحة التحقيق، وهي أخبار في ظاهرها صادقة، لكن في حقيقتها خادعة، تهدف لتمرير خدعة وحيلة معينة. وفي هذا الأسلوب قد يدخلون عليك صحيفة أعدت خصيصاً من أجلك، لا تستغرب ذلك، لأن العدو سوف يدفع الكثير من أجل اعترافك، خاصة لو كان لديهم انطباع بأن لديك معلومات هامه قد تفيدهم في التحقيق، أو قد يعدون لك نشرة أخبارية.
لهذا إياك أن تثق بهم، وأن تصدقهم، وعليك أن تتذكر دائماً أنهم أعداؤك، كل شيء في التحقيق مهما بدى لك طبيعياً، انما هو يقصد تحطيم معنوياتك وصمودك واصرارك. وعليك الصبر والصمود مهما كانت الأدلة ضدك.
“حتى لو قالوا لك كجزء من الحرب النفسية، أن المسؤولين عنك انهاروا، أو شاهدت بعضهم فعلا ينهار، فعليك بالصمود، فسقوط مسؤول مهما كان موقعه لا يعني سقوط الثورة “. (علي حتر، ب ت: انترنت)
10- أسلوب خداع المعلومة الخاصة:
يعتمد هذا الأسلوب على مدى المعلومات الاستخبارية المسبقة، التي قد يجازف المحقق بكشفها من أجل خديعة المعتقل، وإقناعه بأن أحداً ما قريب منه جداً قد أبلغها للتحقيق. وفي هذا الأسلوب يسرد المحقق أمام المعتقل قضية خاصة معينة، قد حصلت للمعتقل أو لأهل بيته في اليوم الفلاني والساعة الفلانية، ويقول له المحقق “هذا دليل كافي لتعلم أننا على علم بخصوصياتك”، مما قد يوقع المعتقل ويوهمه بصدق ما يقول ويدعي، باعتبار أن هذه المعلومه تدل على مدى معرفة المحقق واطلاعه على خصوصياته.
ولكن على المعتقل أن لا يقلق من ذلك كثيراً، فكم من الأمور الخاصه تقع للشخص في أخص الخصوصيات تثرثر فيها النساء بكل طلاقه، لذلك قد تكون هذه المعلومه قد استقاها رجل المخابرات عبر احدى العميلات اللاتي يجبن البيوت ويثرثرن مع الأهل والأزواج بلا تحفظ حتى عن أشد الأشياء خصوصية في بيوتهن.
11- أسلوب خداع التوقيع المزور :
يعتمد ضابط التحقيق في هذا الأسلوب على إحضار ورقة فارغة، ويطلب من أحد المعتقلين في القضية الواحدة التوقيع بالاسم الشخصي الكامل على هذه الورقة، ويوهمه بأنه يريد أن يقارن الخط بورقه أخرى وقعت تحت يديه. ثم يأخذ هذه الورقة ويكتب فيها ما يريد، ويقدمها للمعتقل الآخر على أنها اعتراف من قبل زميله ضده، وما عليه بعد ذلك إلا الاعتراف. وبهذا تنطلي الحيلة على المعتقل، فيبدأ بإكمال المعلومات الموجودة أو تفصيلها، وهكذا يقع في براثن الخداع الصهيوني. لذلك على المعتقل ألا يتعامل بثقة مع أي ورقة يقوم بإحضارها له رجل التحقيق، حتى لو كانت المعلومات والتواقيع فيها صحيحة، كما أن عليه ألا يوقع على أي ورقه يطلب منه التوقيع عليها.
12- أسلوب خداع الحوار:
يخاطب المحقق الجانب العقلي لدى المعتقل، ويستعمله كمدخل إلى شخصيته من أجل التأثير على مساحات واسعة من صورة الموقف لديه، مستخدماً في ذلك الاقناع المنطقي، والاسلوب العقلي، والموضوعية العلمية، عبر النقاش والحوار. بهدف تعرية قناعات المعتقل لإسقاط فاعليتها وتوجيه رد الفعل ضدها وليس ضد المحقق وأطروحاته، مما يشكل حوا جز بينه وبين قناعاته السابقه ويفقد الثقه بها.
13- أسلوب خداع الشاهد المخفي:
يلجأ المحقق‏ لهذا الأسلوب لأنه يعلم‏ أن المعتقل‏ حتى لو‏ اعترف،‏ إلا أن عوامل‏ كثيرة قد تدفعه‏ للتراجع‏، خاصة عندما يقابل‏ زميلة، أو يقف ليشهد عليه مباشرة، وبالتالي يتراجع عن اعترافه السابق.
لذلك يعمد‏ المحقق إلى أسلوب الشاهد‏ المخفي لكي‏ يدلي‏ المعتقل المعترف باعترافه‏ بدون‏ المواجهة‏ المباشرة مع زميلة الذي ما زال مصراً على الإنكار وعدم الإعتراف. فيتم في بعض الحالات إخفاء المعتقل‏ تحت‏ الطاولة‏، أو في خزانه، أو وراء ستارة، ‏ويطلب‏ منه‏ ألا يتحرك، ‏ولا يتكلم‏، ثم يحضر زميله الذي اعترف تحت الضغط والتعذيب، إلى الغرفة ثم يرفع‏ الكيس‏ عن‏ رأسه‏، ‏فلا يجد في‏ الغرفه‏ أحداً‏ سوى‏ ضباط‏ التحقيق‏، الذي يسأله‏ ما اسمك ؟ وما انتماؤك‏؟ وهل‏ تعرف‏ فلان‏؟ وما‏ علاقتك‏ به ؟ وما يريد من الأسئلة، ثم‏ يقوم باخراجة من يجعلة الغرفه. ويخرج زميلة المخفي‏ من‏ المكان الذي أخفي فيه، ليجبره‏ على‏ الاعتراف‏‏ بما سمع.
لكن إذا أصر هذا المعتقل على‏ الإنكار، فإنه يمارس‏ معه‏ جولة‏ من‏ التعذيب‏ الوحشي‏ بمشاركة‏ مجموعة‏ من‏ المحققين لإجباره على الاعتراف تحت‏ ضغط‏ اعتراف‏ الشاهد‏، فإذا استمر‏ على‏ صموده‏،‏ فقد يحضرون‏ له الشاهد‏ ليدلي‏ بشهادته‏ ضده بشكل‏ مباشر‏ وجهاً‏ لوجه‏، لقطع طريق الإنكار عليه.
وعلى‏ المعتقل‏ إلا ينهار بذلك فإذا ما‏ وجد‏ ثغرة‏ في‏ التحقيق من أخيه‏، فعليه ‏أن يغلقها،‏ ويوقف‏ توسعها‏، وألا يفكر‏ بذاته‏ ولا برد‏ الفعل‏ ضد زميله، وألاَّ‏ يبني‏ موقفاً‏ عاطفياً‏ من‏ اعتراف‏ زميله، بل‏ عليه‏ أن يتحمل‏ ضعف‏ زميله، وأن‏ يضع‏ نفسه‏ في‏ المعركة‏ في‏ خندقين‏ ‏خندق‏ لنفسه‏ وخندق‏ لزميلة، ويدير‏ معركة‏ الصمود‏ من‏ خلال‏ الخندقين معاً. (ابراهيم شحادة،1980: انترنت)
14- أسلوب خداع المحقق الصديق والعدو :
عندما‏ تحاصر‏ شخصاً‏،‏ وتضيق‏ عليه‏ الخناق‏،‏ وتغلق‏ في‏ وجهه‏ كل‏ منافذ‏ الخلاص‏،‏ ويفقد‏ الأمل تماماً‏،‏ سيكون‏ من‏ غير‏ الممكن‏ أن يبدي‏ تجاوباً‏ معك‏،‏ وسيكون‏ أكثر‏ عناداً‏، ولكن إذا‏ فتحت‏ له‏ بعدها‏ باباً‏ صغيراً‏ أو منفذاً‏ للنجاة،‏ فسيفر‏ بجميع‏ حواسه‏ وعقله‏ إلى هذا‏ المنفذ‏ لأنه يرى‏ فيه‏ باب‏ الأمل المتاح للنجاة.
على‏ هذا‏ الأساس يقوم‏ أسلوب العدو‏ والصديق‏،‏ وهو‏ من‏ أشد‏ أساليب التحقيق‏ خداعاً‏،‏ لأن‏ الأمل هنا‏ ليس‏ سوى‏ مصيدة‏،‏ ومحاولة‏ استدراج‏ المعتقل‏ ليعترف. وتوزع الأدوار على‏ اثنين‏ من‏ رجال‏ التحقيق‏ يمثل‏ الأول دور‏ السفاح‏ القاسي‏ الذي‏ يتلذذ‏ بضرب‏ المعتقل‏ وتعذيبه‏ والثاني‏ دور‏ الشخص‏ الطيب‏ الرقيق‏ الذي‏ فيه‏ نزعة‏ إنسانية بالغة‏.
وهذه الطريقة منتشرة في أوساط المخابرات الاسرائيلية، حيث انه في اغلب مراحل التحقيق يقوم اثنان من المحققين، يظهر الأول بصورة مجرم مجرد من الرحمة أما الثاني فيبدو في صورة إنسان لين، طيب، ومتسامح، يحاول دائما إيقاف التعذيب، فكلما بدأ الأول في الضرب والتنكيل بالأسير، يبادر المحقق طيب القلب بالتدخل لوقف هذا الاسلوب البربري، والتعامل مع الأسير كانسان، وحينها يتقدم من الخاضع للتحقيق هامسا ان عليه الاعتراف لكي يدرأ عن نفسه مصائب هو في غنى عنها، وهكذا كلما دخل عليه المحقق الفظ شعر الأسير بالخوف.إن كل أسير بإمكانه رفض هذا الاسلوب، لان كلمة واحدة يتفوه بها يمكن ان تقلب المحقق الطيب إلى إنسان فظ غليظ، وهكذا فانهم يفشلون في ممارستهم لهذا الأسلوب عليه. (بري،1999: 122)
تبدأ‏ المسرحية‏ بعد‏ جولة‏ من‏ الإقناع والإغراء والتهديد‏،‏ يمارسها‏ رجال‏ التحقيق‏ مع‏ المعتقل‏،‏ فإذا فشل‏ التحقيق‏ في‏ انتزاع‏ أي معلومات‏،‏ يدخل‏ المحقق‏ (الشرير) ‏فجأة‏،‏ متظاهراً‏‏ أنه‏ دخل‏ إلى غرفة‏ التحقيق‏ خصيصاً‏ من‏ أجل‏ انتزاع‏ اعتراف‏ بأي‏ شكل‏ ويسأل‏ أحد المحققين‏ الذي‏ يمثل‏ دور‏ (الطيب) ‏بقسوة‏ ‏هل‏ اعترف؟‏ وهنا‏ يجيب‏ المحقق‏ متظاهراً‏ بالخوف‏ والضعف‏ أمام (الشرير) لا فيرد‏ الشرير‏ بغضب‏ ‏هذا‏ بسببكم‏ انتم‏ تشفقون‏ عليهم‏ أنتم‏ تضيعون‏ وقتنا‏ اخرج‏ من‏ هنا‏ وأمام صراخ‏ الشرير ‏يخرج‏ المحقق‏ (الطيب) ‏متظاهراً‏ بالانكسار‏ والضعف‏، وهنا‏ يخلو‏ الجو‏ للشرير‏ وتغلق‏ أمام المعتقل‏ أبواب النجاة‏ من‏ التعذيب‏ فينهال‏ عليه‏ ضرباً‏ وحشياً‏ متعمداً‏ ويصرخ‏ المعتقل‏ من‏ شدة‏ الألم وفي‏ هذه‏ اللحظة‏،‏ يفتح‏ الباب‏ بقوة‏،‏ ويدخل‏ المحقق‏ الطيب ‏متظاهراً‏ بالانفعال‏ ومحاولاً‏ تهدئة‏ الشرير ‏وتخليص‏ المعتقل‏ من‏ بين‏ يديه‏ ثم‏ يخرج‏ (الشرير) ‏ويبقى‏ (الطيب) ‏الذي‏ يقدم‏ المساعدة‏ للمعتقل‏ فيرفعه‏ عن‏ الأرض،‏ ويجلسه‏ على‏ كرسي‏،‏ ويقدم‏ له‏ كأس‏ ماء‏،‏ ويحضر‏ منشفة‏ مبللة‏ يمسح‏ بها‏ وجهه‏ من‏ الدماء‏،‏ ويعرض‏ عليه‏ فنجاناً‏ من‏ القهوة‏ أو الشاي‏ ويتظاهر‏ بالإشفاق عليه‏ ثم‏ يبدأ‏ بالحديث‏ الودي‏ معه‏،‏ ناصحاً‏ إياه،‏ في‏ تمثيل‏ مسرحي‏ بارع‏ فيقول‏ (ارحم‏ نفسك‏. يكفيك‏ هذا‏ العذاب‏. لو‏ لم‏ أخلصك من‏ يدي‏ هذا‏ المجرم‏ لقتلك‏ أو تركك‏ مشوهاً‏. والأفضل لك‏ أن تعترف‏ قل‏ لي‏ في‏ أي‏ تنظيم‏ أنت؟‏ ومتى‏ تم‏ تجنيدك اعطني‏ المعلومات‏ المطلوبة‏،‏ ولن‏ يحصل‏ لك‏ عذاب‏ بعد‏ ذلك). فإذا أصر المعتقل‏ على‏ الإنكار،‏ حاول‏ المحقق‏ (الطيب) أن يستثير‏ في‏ نفسه‏ الشعور‏ بالعرفان‏ ورد‏ الجميل‏ قائلاً‏ (هل‏ هذا‏ جزاء‏ المعروف‏؟‏ أنت تعرضني‏ لموقف‏ محرج‏ أمام ذلك‏ الوحش‏ وأنا أنقذتك) ‏ويستمر‏ في‏ هذه‏ اللعبة‏،‏ مستخدماً‏ الضغط‏ النفسي‏ والتخويف‏ من‏ عودة‏ (الشرير)،‏ وأمام إصرار المعتقل‏ على‏ الإنكار ينفتح‏ الباب‏ بعنف‏،‏ يطل‏ الشرير‏ برأسه‏ صارخاً‏ (ألم يعترف‏ بعد‏،‏ ماذا‏ تنتظر؟)هنا‏ يدخل‏ المحقق‏ الطيب‏ ‏ (إنه‏ يعترف‏. إنه‏ يعترف‏ فقط‏ اعطنا‏ مهلة‏ خمس‏ دقائق) وينغلق‏ الباب‏ بقوة‏ ويبدأ‏ (الطيب) ‏جولة‏ جديدة‏ من‏ الضغوطات‏،‏ وإظهار الحرص‏ والشفقة.. ‏ فإذا انطلت‏ الحيلة‏ على‏ المعتقل‏،‏ واعترف‏ يظهر‏ الطيب ‏على‏ حقيقته‏،‏ وينزع‏ عن‏ وجهه‏ قناع‏ الوداعة‏،‏ وينتهي‏ دوره‏ في‏ التمثيل‏ فإذا هو‏ أحد المحققين‏ ولا‏ فرق‏ بينه‏ وبين‏ (الشرير).
إن أسلوب العدو‏ الصديق‏، هو‏ فخ‏ ماكر‏، وعلى‏ المعتقل‏ أن يعي‏ هذا‏ الأسلوب جيداً‏، وان‏ يدرك‏ أنه‏ لا فرق بين‏ المحقق‏ الشرير‏ والطيب،‏ بل‏ وأن‏ الذي‏ يمثل‏ دور‏ الطيب‏ هو في الحقيقه‏ أشد‏ خطورة من الآخر‏.
15- أسلوب خداع تبادل الأدوار:-
ينفذ المحققون أحياناً أدوار مسرحية، فيحاول‏ أحدهم‏ تمثيل أن أحد أقاربه قد قتل على يد مجموعته أو تنظيمه فيصرخ‏ في وجهه ” أنت قاتل‏…سأقتلك”،‏ ويحاول‏ أن يهجم‏ عليه‏،‏ بينما‏ جميع‏ المحققين‏ يمسكونه‏، ‏ويسحبونه‏ بقوة‏ إلى الخارج‏، ‏بعد‏ أن يكون‏ قد‏ أصابه بعدة‏ ضربات‏ غاضبة‏،‏ وبعد‏ هذه‏ الجولة‏ من‏ التضخيم‏،‏ التي‏ يرى‏ المحقق‏ أثرها على‏ ملامح‏ المعتقل‏ يتنقل‏ إلى دور‏ المساومة والابتزاز والمعتقل في‏ هذه الحالة‏ يشعر‏ بأنه‏ مظلوم … وسيدافع‏ عن‏ نفسه.. وعندها يصل‏ التوتر‏ إلى أقصاه.. يسمح‏ له‏ المحقق‏ بالحديث.. وعندها يقع المعتقل في الفخ عندما يقول‏ “أنا مظلوم.. هذا‏ كلام‏ كذب.. أنا لم‏ أقتل.. صحيح‏ أنا شاركت‏ بكذا وكذا، ولكن‏ لم‏ أشارك في‏ القتل.. أنا بريء.. فقط‏ طلبوا‏ مني‏ مساعدة‏،‏ وأنا ساعدتهم، ويفضل المعتقل الاعتراف كمخرج‏ من‏ هذا‏ التضخيم‏ الذي يعتقد‏ أنه‏ بهذا‏ الاعتراف‏ الصغير.. سيخرج‏ من‏ الأزمة،‏ وسينهى‏ التحقيق… وعندما يواصل‏ المحقق‏ الابتزاز وتهميش‏ هذا‏ الاعتراف.. يبدأ‏ بالصراخ‏ في‏ وجه‏ المعتقل.. “أنت تريد‏ أن تضحك‏ علينا.. نحن‏ نعرف‏ هذه‏ المسألة”.
وعلى‏ المعتقل‏ أن يواجه‏ التحدي‏ الصهيوني‏ بالصبر‏ والصمود والتحد‏ي،‏ ‏فعندما‏ يقدم‏ المحقق‏ افتراءاته‏ يجب‏ عدم‏ الاستماع‏ إليه والاهتمام‏ بحديثه.. بل‏ عليه‏ أن يواجهه‏ بصوت‏ حاد وقوي “هذا كذب‏، ‏افتراء”. ولا يجعل‏ المحقق‏ يكمل‏ فكرة‏ من‏ أفكاره، بل عليه‏ أن يواجهه‏‏ بالسخرية‏ من هذه المسرحيات الفارغة والتافهه.
16- أسلوب خداع التقمص:-
وفي هذا الأسلوب يقوم المحقق نفسة بتقمص دور السجين، حيث يقوم المحقق بتمثيل دور أحد السجناء الذين يتعرضون لعمليات التعذيب (وهذا قليل الحدوث حرصاً على حياته، ولا يتم إلا إذا اقتنع بأنه لا يوجد أحد من العملاء يمكنه أن يقوم بذلك الدور) وقد أكد أحد المعتقلين بأن هذا الأسلوب قد حدث معه فقال: (نزلت إلى الزنزانة وانا في التحقيق، وبعد دقائق دخل عندي شخص آثار الكدمات ظاهرة على وجهه، ويبدو عليه الإعياء الشديد، بدأت أتعاطف معه، عندما بدأ يحدثني عن التعذيب الذي تعرض له، وحيث قال ” أن له في التحقيق شهرين متكاملين، بدون أن يرى النور، أو يستحم وما إلى ذلك”. ويستطرد المعتقل قائلاً: لقد انطلى علي الموقف، ولكن لفت نظري شيء بسيط لو لم أكن صاحب تجربة لما لحظته مطلقاً، اقتربت من جسد هذا المعتقل وشممت رائحة جسده، فلم أجد له رائحة كريهه كباقي السجناء، ثم طلبت منه أن ينفخ في أذني لأنني أشعر بألم ففعل ذلك، وعندها لم أشم رائحة كريهة من فمه كباقي السجناء الذين يمضون فترة في التحقيق، مما جعلني أتوجس منه خيفة، وأشك بأن كلامه كذب، وبدأت أتحدث معه بطريقة تخدمني في التحقيق، بعد أن كدت أبث له همومي وأشجاني.. وقد تبين لي بعد ذلك أنه أحد ضباط المخابرات (المحققين) المتمرسين في الخداع، حيث قابلته في غرفة التحقيق مع المحقق المتخصص لقضيتي.

ثانياً: أساليب الخداع بالتأثير العقلي:
إن أساليب الخداع بالتأثير العقلي، تعتبر من أخطر عمليات التحقيق على الإطلاق، لأن خطورتها تنبع من كونها تهدف إلى المس بطبيعة ومحتوى دماغ المعتقل الفلسطيني. مما قد يؤدي لنتائج خطيرة كفقدان المعتقل لثقته بنفسه، وبالآخرين من حوله، وكذلك الإحساس بالاجتهاد والوهن، والشعور بالضعف والعجز، والذل والقهر، وعدم القدرة علي المجابهة، وبالتالي تحطيم القوي التي يتحصن بها كالروح المعنويه، والإرادة، والأهداف المستقبلية، والقدرة علي المقاومة والثبات، وفقدان الثقة بالصمود والنصر على المحقق، وانهيار الدفاعات النفسية، بتفشي الشعور بالخوف والذعر، ورفع القابلية للإيحاء بسبب اضطراب العمليات العقلية، وازدياد التوتر العصبي، والوقوع في براثن الشك والقلق، وعملية الاستهجان والاستنكار لبعض المفاهيم التي تعود عليها، كأن يوهمه بأن المقاومة تعني الإرهاب.
وتعتمد سيكولوجية التأثير العقلي في التحقيق، على مهارة المحقق في الأمور التالية:
- إثارة الانفعال: يمكن استغلال الانفعالات، وتحويلها لعواطف، ولكن لابد من تنظيم هذه الانفعالات في تركيبات وتكوينات وعلاقات جديدة، لتصبح عواطف، ويواصل عملية الحشد العاطفي للذات من خلال تذكر الأهل والولد …إلخ.
ومن أجل ذلك لابد من العمل على:
- التكرار: وذلك بتكرار الانفعالات أكثر من مرة لدى الفرد أثناء عملية التحقيق.
- الإيحاء والتقليد: وخاصة في عملية تكوين العاطفة الوطنية أو الدينية.
- الاقتران: (وتعني نظرية الاقتران) كمثل (صياح الديك يقترن بطلوع الفجر).
- تداعي الأفكار: أي (ارتباط الأفكار، وترافق الأفكار).
كما أن قنوات الاتصال بين المحقق (الذي يمارس الحيل الخداعية) وبين المعتقل (الذي تقع عليه هذه العملية) لها أهمية بالغة في تنفيذ الخداع، باعتبارها هي قنوات الإقناع بين المحقق والمعتقل، والتي يتم من خلالها تمرير هذه العملية.
ومن أبرز أساليب الخداع بالتأثير العقلي على المعتقل، الأساليب التالية:
1- أسلوب تشكيل الدماغ :-
يعتمد هذا السلوب على استخدام أدوات خطيرة وسرية، قد تؤدي إلى هلاك الشخص، أو التسبب بشلل دماغي له، أو الوصولة به إلى حافة الجنون. أي أن نتائج هذا الأسلوب قد تكون في الغالب شاهداً عليه، لذلك لا يميل المحقق الصهيوني إلى استخدامه لأنه يحبذ دائماً اخفاء وسائله. لذلك حسب علمي ومعرفتي، لم أشاهد أو أسمع أحد من السجناء في فلسطين يتحدث بأنه قد تعرض لهذا الأسلوب في التحقيق. لكن هذا لا يمنع أنه يكون قد استخدم مع بعض الأخوة الذين استشهدوا في التحقيق.
لهذا لا ضير في التعرف عليه وعلى ونتائجة الخطيرة، التي أكدها تقرير نشرته جريدة (النيويورك تايمز) في 16 يوليو 1977 وهو أول تقرير عن التجارب السرية التي تقوم بها المخابرات الأمريكية للتحكم بالعقل والإرادة. أورد شواهد عديدة على استحداث عقاقير وأساليب نفسية لبرمجة عقول الناس لتحقيق غرض مشبوه أو عملية قذرة. وكان ضمن الفريق -الذي اعد التقرير- صحفي يدعى (ولتر بوارت ألف) صاحب كتاب “السيطرة على العقل البشري” الذي قال فيه: ” إن التجارب على عقاقير معينة من قبل الـ C. I. A هي جزء مما يسمى: مشروع السيطرة على العقل البشري الذي يجري بمنتهى السرية والتمويه، ترصد له الحكومة الأمريكية كل عام ميزانية كبيرة. ومن خلال هذا المشروع أخضع آلاف البشر للتجارب واختبرت عليهم شتى أنواع الأساليب النفسية والتقنية؛ كاستعمال عقاقير(الامينازين والسلفازين وصوديوم البنتوثال) للتأثير على مراكز الدماغ بالصدمات الكهربائية والصوتية وتدمير أو تنشيط خلايا معينة، وكذلك تجربة المخدرات والكيميائيات الخاصة؛ كأمصال الحقيقة ومركب LSD لتشكيل الدماغ. ومع بداية التسعينيات لم يعد سراً إن المخابرات الأمريكية تبنت مشاريع علمية جبارة، هدفها السيطرة على العقل وسلب الإرادة مثل: ام. كي. اترا، وام. كي. دلتا، ومشروع ارتيشوك، واختبارات التفوق النفسي بالتعاون مع جامعات كاليفورنيا. وفي الواقع أن الـ C. I. A تبنت – هي وغيرها من أجهزة المخابرات – المبدأ القائل:” إن انجح المهمات هي تلك التي يقوم بها الأشخاص المبرمجون، فالمبرمج شخص قد يستعمل يديه -ويسير على قدميه- ولكن إرادته وعقله ليسا ملكه. وشخص من هذا النوع قد يكون مبرمجاً برغبته وعلمه أو انه مجرد شخص بريء استدرج بالغش والخداع. وأياً كان الوضع فإن المبرمج – وبالذات المكلف بمهمة سريعة ومحددة – يفضل على غيره، لأنه شخص مبرمج لا يدرك حقيقة ما يقوم به فيصبح بالتالي في منأى عن تأثير العواطف؛ كالخوف والشفقة والتردد. حيث غالباً ما تمسح ذاكرته قبل أي عملية كي لا يبوح بأي شيء.. فهو ببساطة لن يتذكر أي شيء.
لأن المبرمج لا يفكر بعقله، بل بعقول الخبراء والمتخصصين وعلماء الجريمة والقانون، ومن النادر ان تتوفر المواصفات العقلية والجسدية المطلوبة في شخص واحد. ولكن باسلوب برمجة المخ يمكن لدوائرالمخابرات التخطيط للعملية جيداً ثم اختيار العميل او الشخص المناسب. (فهد الأحمدي،ب ت: أنترنت)
2) أسلوب غسيل الدماغ:
غسيل الدماغ اصطلاح قد تردد استعماله كثيرا في السنوات الأخيرة، بالرغم من أنه يحدث منذ أقدم المجتمعات البشرية، وله مرادفات علمية أخرى مثل: (غسيل المخ، والمذهبة، وغرس العقائد، والتحويل الفكري، والإقناع الخفي).
وعملية غسيل المخ وإن كانت قديمة , إلا أن أسسها العلمية لم تتضح إلا في الثلاثينات من القرن العشرين، حيث بدأت الخطوة الأولى من التجارب على مخ الحيوانات في معمل العالم الروسي الشهير (بافلوف).
غسيل الدماغ يعتبر “اصطلاح تشبيهي يقصد به العملية التي يمكن بها تحويل الفرد عن اتجاهاته وقيمه وأنماطه السياسية وإقتناعاته وتبنيه لقيم أخرى جديدة تفرض عليه من قبل آخرين”. (الدباغ،1997: 43)
أي أن غسيل الدماغ موجة بالدرجة الأولى إلى تغيير الاتجاهات لدى الشخص، حيث أنه من المعلوم أن الاتجاهات تتكون لدى الفرد أو المجموع، من الخبرة المباشرة، وغير المباشرة، بأعتبار أن الفرد أو المجموع يكتسب اتجاهاته أو يتعلمها، نتيجة المواقف والخبرات التي يمر بها أثناء عملية حياته.
وعملية التعرف على كيفية تكوين الاتجاه وأهم المؤثرات عليه، يؤدي إلى تسهيل عملية غسيل الدماغ، من حيث كونها عملية تسعى للتأثير على هذه الاتجاهات، وفق مفهوم التخلية والتحلية، أو ما يعرف بميكانزمات الهدم والبناء.
وقد استندت عملية غسيل المخ على أن الإنسان عندما يتعرض لظروف قاهرة وصعبة تصبح خلايا مخة شبه مشلولة عن العمل والمقاومة. بل قد تصبح عاجزة عن الاحتفاظ بما اختزنه من عادات .. لدرجة أن مقاومتها للأذى والتهديد الواقع عليها قد ينقلب إلى تقبل أشد واستسلام أسرع للإيحاء بعادات جديدة أخرى، وانعكاسات غريبة عن كيانه.
وفي الحياة أمثلة كثيرة لغسيل المخ منها ما يتم بطريقة منظمة ومقصودة ومنها ما يتم بشكل عفوي، ففي الأزمنة القديمة .. كان الرجل البدائي يدخل حلبة الرقص ويصرخ ويرقص على دقات الطبول ويصل إلى قمة التهيج العصبي الذي يوصله الى حافة الغسيل، حيث يصبح أكثر تقبلا واستسلاما لتعاليم رئيس قبيلته أو الكاهن .. وهو نفس ما نجده في أيامنا هذه في حلقات الذكر (الزار) في بعض المجتمعات العربية. وكذلك مع بعض المتهمين، وبالذات إذا كان من البسطاء أو محدودي الذكاء، حيث يصل إلى مرحلة شديدة من الإجهاد النفسي أثناء التحقيقات والاستجوابات تؤدي إلى غسل مخة وتقبله للاتهام واعترافه بالجريمة بالرغم من أنه بريء ويتم تنفيذ الحكم فيه، ويذهب ضحية ذلك الغسيل. (موقع الحصن النفسي، ب ت:أنترنت)
وتعتمد عمليات غسيل الدماغ (المخ) على عدة طرق من أهمها:
-غسيل الدماغ الآلي (التثبيط الحدي): أي تهيئة الظروف دون تدخل شخص بالإقناع، وذلك أثر الضغوط علي الإنسان، فإذا أخضع فرد لضغوط خارجية، فإنه يتكيف مع هذه الضغوط، عن طريق إبداء نشاط معاكس لهذه الضغوط بهدف تحقيق التوازن، ويتزايد هذا النشاط بتزايد الضغوط الخارجية، طالما أن هذه الضغوط غير كبيرة جدا، وبعد مستوي معين من الضغط، لا يعود النشاط مناسبا مع قوة الضغط، أي أنه يتابع التزايد، لكن بسرعة أقل من سرعة تزايد الضغط الخارجي، وعند الوصول إلي حد أقصي معين يتدخل التعب والنفور وتقل محاولة بذل الجهد حتى يبلغ الضغط مستوي أي جهد بعده عديم الجدوى، وهنا تزول الفاعلية ليحل محلها جمود تام، ثم قابلية للغسيل. (مصطفي الدباغ، 1997 :132)
-غسيل الدماغ الاصطناعي (إعياء المعركة أو الموقف): وهو أسلوب إجرائي محدد، تتبع فيه تقنية محدده بقصد تغيير اتجاهات الأفراد بالإقناع القسري المقنن. أي وضع الفرد في ظروف ضاغطة مقصودة من اجل إقناعه. ويحدث تعب دائم ينتاب الفرد بسبب الإرهاق والحرمان وقلة النوم، ثم بعد ذلك تختلط عليه الأصوات وتظهر عليه أعراض الخوف والتشويش والارتياب والاستجابة الحادة التهيجية، إلي حالة الخمود والتثبيط الوقائي، فيصبح خاملاً بطئ التفكير بليد العاطفة جامد التعبير.
فالدماغ الذي هو في حالة توازن طبيعي بين التحفز والتثبيط الشديدين قد يمر بحالة مستمرة من التحفز الحاد أو التثبيط الحاد. – أي في أحد طرفي النقيضين وهي الحالات المرضية التي تحدث في المعركة- فالإنسان عندما يصل نتيجة لما يمر به من الشدائد النفسية والعاطفية إلي تلك الأدوار، فإنه ينهار في آخرها، ويصبح ذا استعداد لتقبل الإيحاءات والأفكار الجديدة بسهولة قصوي ويصبح مستعدا للتخلي عن الاتجاهات السابقة والعادات القديمة المكتسبة والتجارب الأخرى، أي يحصل له غسيل الدماغ. (مصطفي الدباغ،1997: 135)
وأما طريقة وآلية غسيل الدماغ، أي تغيير الاتجاهات بمفهوم العلامة أبو حامد الغزالي، فهي ككل عملية تربوية، تتم عبر مرحلتين: (مرحلة التخلية ومرحلة التحلية). أي يجب التخلي عن الأفكار القديمة، ثم التحلي بالأفكار الجديدة. حيث لا بد لكي يتحقق شرط أسلوب غسيل الدماغ لفرد معين، أن تسبق عملية التخلي، عملية التحلي.
ومرحلة التخلي: تتم باستخدام عوامل الضغط (العزل+ الحرمان من المؤثرات الحسية+ المعنوية المحبطة…الخ) وتؤدي قسراً للتخلي، لما تسببه من انهيار نفسي وجسدي تقريبا. ثم بعد ذلك فلك العزلة، والحرمان، وهكذا، حتى يتم بلوغ حالة الإجهاد العقلي الشديد، المؤدي لارتفاع قابلية الإيحاء الشديدة، ويحدث تشويه الأفكار القديمة والتخلي عنها، وتحدث الاستجابة الشرطية المطلوبة وهي الربط الشرطي ما بين التخلي عن تلك الأفكار وبين رفع الضغوط.
أي أن معادلة التخلي هي: (عزل وحرمان، الإجهاد والانهيار، فك العزل والحرمان، عزل وحرمان، الإجهاد والانهيار الشديد، قابلية شديدة للايحاء، تشويه الأفكار القديمة، والتخلي عنها وهي (الاستجابة الشرطية المطلوبة).
وأما مرحلة التحلي (الإحلال): فتتم باستخدام أيضا عوامل العزل والحرمان، فك العزلة والحرمان، ثم تقديم الأفكار الجديدة لتبنيها، ثم استجابة شرطية، أي الربط بين التبني ورفع الضغوط المختلفة، فإذا ما أبدي الفرد تصلبا أعيد للعزل والحرمان والعقاب مجددا ليخفف من التصلب ثم فك العزل والحرمان، ثم استجابة شرطية وتثبيتها. لكي تجعل الفرد يتحلى بما يريد الخصم قسراً أيضاً.
أي أن معادلة التحلي هي: (العزل والحرمان- الإجهاد والانهيار- القابلية العالية للإيحاء- فك العزل والحرمان – تقديم الأفكار الجديدة- التقبل وتبني الأفكار الجديدة (وهي الاستجابة المطلوبة) تكرار وتعزيز الثواب.
والمحقق الصهيوني يستخدم أحياناً بعض أساليب غسيل الدماغ وإن لم يفصح عن ذلك، من خلال قيامة بعمليات منظمة وموجهة للتأثير على قيم وميول واتجاهات المعتقل، بقصد تغييرها أو تدجينها وفق مصالحه وأهدافه الخاصة، لأنه يدرك بأن الاتجاه نحو موضوع معين يكون له تأثير قوي علي السلوك الظاهر بالنسبة لهذا الموضوع، وفي نفس الوقت يعتبر هذا السلوك الظاهر ممثلاً لهذا الاتجاه. أي كلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر، مما يعني أن القدرة على تغيير الاتجاه يؤدي حتماً لتغيير السلوك.
وعملية غسيل المخ تدل على تطهير وطرد عادات وأفكار وميول اكتسبها عقل الإنسان في وقت مضى، وإدخال أو غرس عادات وأفكار أخرى جديدة في ذلك العقل. أي هي عملية تسلط على العقل الذي أصبح نظيفا لحشوه بأية أفكار أو عقائد أو آراء أخرى.
لهذا يعمد المحقق الصهيوني إلى التوجه لضرب العقل الجمعي للمعتقل، بما يحتوي من قيم وميول واتجاهات، لما لهذه القيم والميول والاتجاهات من أهمية بالغة في عملية غسيل الدماغ الفردي والجمعي.
ومن العوامل التي تساعد المحقق على ممارسة غسيل الدماغ ضد المعتقل استخدام (الصدمات النفسية المفاجئة، التهديد المستمر، المواقف الشديدة المرعبة، الإرهاق العصبي المستمر كالسهر المتواصل أو النوم المتقطع، الجوع والعطش الشديدين، الآلام الجسمية والنفسية الشديدة، أو من خلال بعض الأدوية المعينة). لأن هذه العوامل تحفز أو تخدر أو ترهق خلايا المخ، وتوصلها إلى الحافة الحرجة، بحيث يصعب عليها إن تحتفظ بما تعلمته، وبالتالي تتم عملية غسل الدماغ للمعتقل.
ومن أساليب غسيل الدماغ التي يستخدمها المحقق الصهيوني ضد المعتقل، التالي:
- قيام المحقق بالاستقبال الجيد للمعتقلين الجدد، بهدف الاستمالة وتغيير القناعة لديهم.
- يمارس المحقق مع المعتقلين أسلوب الثواب والعقاب بتقسيمهم لمجموعات صغيرة.
- الخضوع لمحاضرات تثقيفية تنويرية تبين عيوب معتقداتهم وصواب عقيدة العدو.
- التعرض للاستجواب المتكرر تتخلله الوسائل النفسية للإرباك.
- التعرض للعزل عن حياته السابقة، بقطع زيارات الأهل، والرسائل، والإتصال. – الانقطاع عن العالم، بالوقت والتاريخ والليل والنهار، والناس، والجرائد والمذياع. بهدف التفكير في تخلي العالم عنه.
- بذر عملية تأنيب الضمير التي يتم فيها تصعيد تعاظم الشعور بالذنب والنقد الذاتي.
- الاقتناع الطوعي أو القسري بالتخلي والتراجع عن أفكاره القديمة، وتبني غيرها.
- نشر الشك والريبة لدى المعتقل، مما يؤدي إلي حالة من التشكيك لديه فيمن حوله.
وتتم عملية غسيل الدماغ بالتأثير على قيم وميول واتجاهات المعتقل عبر أساليب منها:
- إقناع المعتقل بمسايرة الآخرين الذين سبقوه بالاعتراف في التحقيق، خاصة أبناء قضيته، لعلمه بأن لدى الشخص ميل للتأثر بآراء وسلوك الأغلبية والانقياد لها.
- الدخول للمعتقل عبر المعلومة والموقف الواضح، والبعد عن الغموض في هذا الأسلوب، وذلك من خلال طرح قضايا ومسلمات يمكن للمعتقل التجاوب معها.
- استغلال عملية إشباع الدوافع والحاجات التي تدفع الفرد للبحث عن أشكال معينة من الإشباع، لأن الأشياء التي تشبع حاجاتنا نحبها ونتوجه نحوها، والعكس.
- اعتماد المحقق لما يريد هدف قريب المنال سهل الوصول إليه للارتباط به، ولا يعتمد على هدف بعيد المنال، أو يطلب من البداية التخلي عن أفكار وقيم كبيرة .
- اعتماد مفهوم الدعم والتعزيز العاطفي في عملية غسيل الدماغ، حيث يوهمه بأن المخابرات الاسرائيلية لن تتخلى عنه، ولم يتركوا أحد يمسه، لو تجاوب معهم.
- التعرف على مركز الضبط لدى الفرد، وهو حالات داخلية تفسر السبب وراء كون بعض الأشخاص يتعاملوا بمرونة مع ما يعترضهم من ظروف صعبة، في حين يستسلم الآخر لما قد يعتريه من ضغوطات.
- الخبرة السيئة والسارة، إذا ارتبط الشيء بمواقف سارة يبدأ تكوين الاتجاه القوي نحوه، وإذا ارتبط بمواقف سيئة يضعف الاتجاه نحوه، وهكذا.
- الاعتماد على تأثير الاتجاه العملي، لأنه أقوي من تأثر الاتجاه النظري، في تكوين الإتجاة. حيث يتكون الاتجاه الحسن عنده لمن يحنو عليه، وينفر من غيره. وخاصة لدى الكبار، لأن الشخص كلما كبر يتجه نحو المعنوية، وبالتالي يقل الارتباط لديه في تكوين الاتجاهات بالماديات. كما أن الذي تقل ثقافته، والجوانب والعاطفية لديه يكون مرتبط بالجوانب المادية أكثر.(مصطفى الدباغ،1980: 63)
وأهم شيء في عملية غسيل الدماغ للمعتقل، تعتمد على قوة الاقناع، لأن الإقناع هي النقطة المحورية الأساسية في عملية غسيل الدماغ، وبالتالي لا يمكن أن تنجح بدونها.
وتأخذ عمليات الإقناع في غسيل الدماغ للمعتقلين، أساليب عدة نذكر منها التالي:
الإقناع المباشر: حيث يتم مخاطبة المعتقل بشكل مباشر وتلقائي من المحقق، بدون مواربة أو مداراة. وهذا النوع من الإقناع قد يكون إما:
- إقناع طوعي: وهو تقديم وجهة نظر كما هي من قبل المحقق عبر نقاش عادي، فيقوم المعتقل بدور المتلقي بالاستجابة بها بدون تدخل أو ضغط أو إكراه منه.
- إقناع قسري: وهو قيام المحقق بإجبار المعتقل على تبني وجهة نظر معينه، عبر وسائل الضغط والإكراه، وحشو وجهة النظر حشواً في دماغ المعتقل. والإقناع الطوعي هو الأنجع غالباً.
الإقناع غير المباشر: وهو الذي يتم الخطاب فيه للمعتقل بواسطة آخرين غير المحقق المباشر، وهم غالباً العملاء، ويكون الخطاب غالباً متوارياً، ولكنه يدفع المعتقل للاستنتاج لما يريد المتحدث، لكونه يتوافق ويتناغم مع ما يصبو ويأمل من الداخل.
والاقناع في عملية غسيل الدماغ، لا بد لها من أسس نفسية تعتمد عليها من أهمها أن:
- تعتمد عملية غسيل الدماغ بشكل كبير على عمليات الإيحاء للمعتقل، حيث تتحرك الإيحاءات في اتجاه واحد، يصب في الضغط الجسدي والعاطفي والعقلي على المعتقل.
- العمل على هبوط الفكرة الجمعية لدى المعتقل، حيث يعمل المحقق على أن يصل المعتقل لحالة من الإنهاك الشديد، نتيجة لتعبه وضعفه من خلال الاستنزاف الموجه ضده، وبالتالي يصبح لا يفكر إلا في مصالحة الخاصة فقط.
- عدم القدرة على التلاؤم والتكيف مع الموقف، لأن قليل من الناس من يستطيع تحمل الضغط الطويل والمتواصل والمعاناة عليه، حيث تؤدي طول المعاناة لنتائج فكرية وعاطفية وسلوكية سيئة.
- العمل على جعل المعتقل يقوم بالتقمص والتوحد مع المحقق، لأنه عادة ما يتقمص الشخص المهزوم شخصية من يهزمه، لشعوره بأنه المسيطر والمنتصر، وذلك كحل هروبي منه باتجاهه.
- السعي للسيطرة الكاملة على المعتقل، وهي عملية متقدمه يقصد بها التحكم الكامل في ذات الفرد وكيانه، والتحكم في تصرفاته، من خلال التضييق عليه، وجعل كل أمور حياته بيده، حتى بالنسبة لإبسط الأشياء، كقضاء الحاجه الخاصة.
ومن أهم مبطلات عمليات الإقناع، التي ترتكز عليها عمليات غسيل الدماغ الآتي:
- قوة الإيمان والعقيدة، وقوة الإنتماء والولاء للوطن والتنظيم والفكرة والهدف.
- التسلح بالمناعة الذاتية والمقاومة والصمود، عبر التوعية والتربية الأمنية المستمرة
- البرود العاطفي واكتساب الراحة الجسمية وتجنب الانفعال، وقت التحقيق.
- اختطاف لحظات الراحة العقليه والنفسية، أثناء عمليات التعذيب في داخل التحقيق.
- عزل الممتقل نفسه، بنفسه، عن المؤثرات الخارجية المحبطة والمثبطة من حوله.
- قوة الحب للقيادة التي يقتنع بشكل مطلق بأنها الأكثر كفاءه واخلاص وعطاء وحزم.
- محاربة عمليات التضليل والخداع التي يمارسها المحقق، بعدم الثقه في كل شيء .
3- أ‌سلوب النكوص الطفولي الإجباري:
هو عملية الرجوع إلى مرحلة عمرية سابقة، وتكرارة للسلوك وتثبته عندها، وهو أسلوب قد يستخدمه البعض للتأثير على المساجين، فقد ذكر أنه بأمريكا وفي ولاية واشنطن استخدم مدير الإصلاحية وسائل فريدة من نوعها. فقد كان يجبر المساجين على العودة إلى طفولتهم (نكوص إجباري) عن طريق إجبارهم على ارتداء القماط (اللفافة) وعلى تناول الحليب بالرضاعة وعلى الزحف أرضاً، وذلك على امتداد اثني عشر عاماً، مما جعل الكثير منهم يستمر بهذه الطريقة ويتعود عليها.
وقد استخدم المحقق الصهيوني هذا الأسلوب مع بعض المساجين، ولكن بشكل آخر، يقصد منه في الغالب الاستهزاء بهذا المعتقل، حيث كان يطلب في بعض الأحيان من بعض من المعتقلين أن يسبح مثل الطفل، ولكن ذلك لا يستمر طويلاً، لكونه لا يتلائم مع طبيعة واحتياج عملية التحقيق في السجون الصهيونية، التي تمتاز بالجدة والسرعة.
يعتبر أسلوب تفكك وتشوة الشخصية، عملية يتم فيها دمج عوامل داخلية وخارجية مؤثرة على المعتقل، من أجل الوصول به لحالة من عدم السيطرة على أفكاره وانفعالاته وحركاته، أي هي عملية تشمل العبث بأهم مكونات الإنسان (العقل والنفس والسلوك)، لذلك تتم من خلال الحرمان الحسي والسمعي والبصري في وقت واحد. أي أن العزل محيطي كامل، الأمر الذي لا بد إلا أن يؤدي لتشويه الشخصية، إذ أن العلاقة التواصلية مع البيئة الاجتماعية المحيطة، تشكل أحد أهم العناصر الأساسية في التركيبية للشخصية.
ويقول في ذلك الطبيب النفسي الهولندي (ستيف تونز) بأن السمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحس الجاذبية وهذا الأخير هو حس في غاية الأهمية بالنسبة إلى حس التوجيه، وبأن حس التوجيه فيما يتعلق بمركز الجاذبية تشكل أحد العوارض الأساسية للوصول إلى أحداث الصرع وتأثير الصدمات الكهربائية، والبنية الإنسانية تعجز عن مقاومة الحرمان الحواسي المصطنع الذي يحدثه البشر.
ويعتبر أن من تأثيراتها الأساسية (فقدان خاصية التركيز والتفكير بشكل متماسك والعجز عن التوجيه زمانياً ومكانياً وهلوسات و(هذيانات) إحساس بالازدواجية وبفقدان الأعضاء واضطرابات قلبية ونفسية وفقدان التوازنات الحركية وارتجاف وتقلّصات كما يحدث أثناء الصدمة الكهربائية. كما يشعر المرء بأن رأسه يكاد ينفجر، وبأن قفص جمجمته سوف ينكسر وبأن النخاع الشوكي يدخل إلى الدماغ. وينتابه إحساس بأن الدماغ يتقلص باستمرار تحت وطأة توتر يجهل مصدره وكأنه مسيّر إليكترونياً. ثم إن الإنسان يحس بأنه في دوار وتتقارب الأفكار في رأسه ولا يستطيع التخلص من هذا الإحساس إلاّ إذا تحرك. والمرء لا يدري لماذا يرتجف ولماذا تتجلد أطرافه برداً ولكي يتكلم بصوت طبيعي عليه أن يبذل جهوداً مضنية وعليه تقريباً أن يصرخ، كما يشعر المرء كما لو أنه أصبح أخرس لا يستطيع تحديد معنى الكلمات.
5- التنويم الإيحائي (المغناطيسي):
ينقسم العقل البشري على حد قول علماء النفس لقسمين: العقل الواعي، (الحاضر) الذي نحلل به الأمور والأشياء التي نراهـا ونسمعها ونحسها ونلمسها ونتذوقها. يشمل ذلك التفكير المنطقي والتفكير التحليلي، والذاكرة المؤقتة، وقوة الرغبة وغيرها. والعقل اللاواعي (الباطن) الذي نخزن فيه تحليل ما ندرك, فإذا تمكنا من تنويم العقل الحاضر والتخاطب مع العقل الباطني نتمكن من تغيير أو مسح أو تقوية ما يوجد بداخل العقل الباطني من معلومات، وذلك عن طريق التنويم الإيحائي المغناطيسي.
وهذا الأسلوب يهدف إلى تبديد ردود الأفعال الجدية لدى الأسير، حيث من المعروف أن الخاضع للتحقيق –حسب هذه الطريقة- تكون ردة الفعل لديه طبقا لما يطلبه منه خبير التنويم. أي أنه من المستحيل ممارسة التنويم بدون تنسيق ومساندة بين المنوم والخاضع للتنويم، وعليه فإن هذا الأسلوب لن يكون مجديا إذا رأى الشخص الخاضع للتحقيق بالمنوم عدوا له كالمحقق، من الممكن إفشال هذا التعاون عن طريق عدم الرد على ما يطلبه المنوم المغناطيسي من الشخص الخاضع للتنويم، فإذا طلب منه أن ينظر نحو اتجاه معين فعليه أن ينظر إلى اتجاه آخر، وإذا طلب منه الجلوس بلا حراك فعليه البدء في الحركة دون توقف، ثم التفكير في أشياء أخرى تصرف انتباهه عن المنوم .
وليس هناك حالة وحيدة كشفت فيها الأسرار تحت الغيبوبة أو تحت التخدير، أو التنويم، فلا تصدقهم اذا قالوا انك اعترفت خلال الغيبوبة، أو خلال التنويم المغناطيسي. (علي حتر، ب ت: انترنت)
6- خداع جهاز كشف الكذب:
من أكثر الوسائل العقليه التي يلجأ إليها المحقق الصهيوني، استعمال جهاز كشف الكذب. وهو مجرد خدعة عقلية، تعتمد على تسجيل بعض الانفعالات عندما يقدم المعتقل معلومة غير صحيحة، فتستغل ذلك‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ بالإيحاء للمعتقلين‏ بأنها تملك‏ القدرة‏ على‏ معرفة‏ تفكير‏ الإنسان،‏ ومعرفة‏ الصدق‏ من‏ الكذب‏ في‏ حديثه. حيث‏ يملكون‏ جهاز‏ حديث‏ ومتطور‏، يميز‏ الكذب‏ من الصدق في‏ حديث‏ أي شخص‏، لذلك‏ يهددون‏ بعض المعتقلين الصامدين ‏ بأنهم سوف يعرضونه‏ على‏ الجهاز‏ ليكشفهم. وجهاز‏ كشف‏ الكذب‏ هو‏ جهاز‏ “البوليغراف” ويستخدم‏ كأي‏ جهاز‏ طبي‏ في‏ قياس‏ الخصائص‏ الفيزيائية‏ مثل‏ (ضغط‏ الدم‏،‏ الحرارة‏،‏ دقات‏ القلب‏،‏ نبرات‏ الصوت‏،‏ ارتفاعها‏ وانخفاضها‏،‏ سرعتها‏،‏ وبطئها.. وقياس‏ التنفس الخ..). وآلية‏ عمله‏ تقوم‏ على‏ تسجيل‏ التغيرات‏ التي‏ تحدث‏ للمعتقل‏ على‏ مستوى‏ النبض‏،‏ والحرارة‏ ونبرات‏ الصوت‏ والتنفس‏ خلال‏ أسئلة الفاحص‏ أو الخبير‏.. حيث‏ أن التغييرات‏ التي‏ تزيد‏ عن‏ المعدل‏ الطبيعي‏،‏ تعطي‏ مؤشراً‏ بأن‏ ردود‏ فعل‏ المعتقل‏ الداخلية‏ قد‏ تغيرت‏ تحت‏ تأثير‏ الأسئلة الخارجية‏ التي‏ تتعلق‏ بمسائل‏ حساسة يقصدها المحقق.
وبعد‏ تهيئة‏ المعتقل‏ نفسياً‏ للجهاز‏،‏ يوجه‏ الخبير‏ توجيهاته‏ له، لكي‏ يجلس‏ هادئاً‏،‏ مستقراً‏،‏ وأن يجيب‏ بنعم‏ أو لا‏ على‏ الأسئلة‏،‏ ومن‏ ثم‏ يقوم‏ بتوصيل‏ خيوط‏ وأسلاك الجهاز‏ في‏ أيدي وجسم‏ المعتقل، ويبدأ‏ بطرح‏ أسئلة بسيطة‏ مثل‏ كم‏ كرسي‏ بالغرفة… إلخ‏. وأسئلة عن‏ النشاطات‏ الفكرية‏ والسياسية‏ والحركية‏ والعسكرية. وإن طبيعة‏ هذه‏ الأسئلة البسيطة‏، ‏والمتداخلة‏،‏ وطبيعة‏ الردود تحدد عمل‏ هذا‏ الجهاز‏ البسيط‏ً.. والنتيجة‏ عند‏ الخبير‏ دائماً‏ هي‏ أن المعتقل كاذب‏ سواء‏ صدق‏ أم كذبه.
إن إفشال عمل‏ هذا‏ الجهاز‏ يرتبط‏ بترديد‏،‏ عبارات يركز عليها المعتقل أثناء جلوسه أمام الجهاز، كإنشغاله مثلاً بالتسبيح، أو بترنيمة رتيبه تعطي‏ تردداً‏ ثابتاً‏ ومنتظماً‏،‏ ومستقراً‏،‏ تمتص‏ جميع‏ ردود‏ الفعل‏ اللاشعورية‏،‏ وتضبطها‏ في‏ إيقاع منتظم‏،‏ يظهر‏ على‏ شاشة‏ الجهاز‏ بحركة‏ منتظمة‏ لا يوجد‏ فيها‏ انعطافات‏ حادة. فعندما‏ يسأل‏ المعتقل‏ هل‏ أنت منظم‏ لا يخرج‏ الجواب‏ بصورة‏ انفعالية‏ حادة‏،‏ أو كرد‏ فعل‏. بل‏ يجيب‏ المعتقل‏ بصورة‏ طبيعية‏ وهادئة‏ وإيقاع واحد، وترنيمة‏ منسجمة‏،‏ وجرس‏ متوازن مع الذكر أو التسبيح الداخلي، حتى تنسجم نغمة ووتيرة الصوت الداخلي مع الصوت الخارجي. كما قد يقوم على مستوى الأطراف بتحريك أُصبع يده أو رجله عند كل إجابة، ليبطل مفعوله لأن الاهتزاز يؤثر على استجابات هذا الجهاز.(ابراهيم شحادة،1980: أنترنت)
إن أسلوب جهاز‏ كشف‏ الكذب‏،‏ تمارسه‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ على‏ كثير من المعتقلين‏ في‏ الأرض المحتلة‏،‏ وهو‏ أشبه بالروتين‏ العادي‏ الذي‏ لا يؤثر على‏ صمود‏ المعتقل‏. وهذا الجهاز‏ نفسه‏ غير‏ مؤثر‏،‏ وأن‏ الاستقرار‏ النفسي‏ وقوة‏ شخصية‏ المعتقل‏ هما‏ عدته‏ لإفشال أي أسلوب سواء‏ كان‏ بسيطاً أو معقداً، لأن أي أسلوب من‏ أساليب المخابرات‏ مرتبط‏ نجاحه‏ بمدى تقبل المعتقل لعملية الإيحاء التأثير‏ العقلي‏.
7- أسلوب إيحاء الخواطر والأفكار :
عملية الإيحاء بالخواطر تحدث من خلال التحكم في المشاعر الداخلية (سواء السلبية أم الإيجابية) التي ترسخ بداخلنا بالبرمجة لها، تلك البرمجة الناجمة عن الحديث الداخلي الذي نمارسه أحياناً مع ذاتنا. إن المرء كثيراً ما يتعرض إلى ضغوطات ناجمة عن إفرازات التعامل والتفاعل بين البيئة المحيطة وذاته، وعندما تحدث البرمجة السلبية ينشغل الفرد بذاته ويتمحور تركيزه على لوم العالم الخارجي، أو اللوم الداخلي بالشعور بالذنب الزائد للذات فتتولد لديه الأفكار الانهزامية الهدامة، وتتعدد لديه المشاعر المحبطة التي تحول بين الفرد وبين التعامل الإيجابي مع الواقع ومشاكله.
إن أهم خطوه يقوم بها المحقق مع المعتقل في هذا الجانب، هو عملية التحكم في المشاعر السلبية التي يفجرها لديه، وهي إحداث قناعه عن طريق الإيحاء بالحوار المعمق مع المعتقل، حول كثير من القضايا الوطنية والفكرية من أجل أن تغير قناعات قديمه لديه مبرمجه في داخل كيانه عبر خبراته الحياتية السابقة. وإن وصول المحقق إلى لب وجوهر هذه القناعات، وهزها من أعماقها، قد تخلق تشويش داخلي خطير في توجيه العقل، وقد تحرف العقل عن اتخاذ القرار الصائب في التحقيق.
إن المحقق يستخدم نظرية الإيحاء بشكل معكوس، ففي حين تستخدم هذه النظرية في العلاج ضمن مواصفات معينه، تتمثل في ركيزتين أساسيتين هما (الاسترخاء الجسدي، والتركيز الذهني على الايحاءات الإيجابية)، نرى أن المحقق يعكس ذلك فيركز على الإرهاق الجسدي، والتشتيت الذهني للفرد وعدم التركيز على الايحاءات الداخلية التي تثير فيه الجوانب الإيجابية من عملية التحقيق. وإن المحقق إذا أفلح في هذه الجوانب يكون قد خط أول خطواته على بناء قناعات جديده لدى المعتقل.
ومن الأمثلة على عملية التأثير على خداع الايحاء بالخواطر الدماغ، خدعة الشعور بالألم بدون أن يتعرض الجسم لإجراءات عملية بممارسة الألم عليه، فمثلاً قد يلجأ المحقق إلى كي أحد المساجين بالسجائر أو الكهرباء، أمام أحد زملائه، ثم يوهُمه بأنه سوف يقوم بكيه بهذه السجائر، أو الكهرباء) فبدأ السجين يصرخ ألماً قبل أن يقوم بتقريب أسلاك الكهرباء منه، ويرتجف جسمه وكأن لسع الكهرباء واقع عليه فعلاً. إن وهذه النظرية في علم النفس تقوم على قوه الإيحاء والإقناع، من خلال خداع الحواس، وخداع المستقبلات العصبية للألم، مما يجعل الدماغ يفرز أنزيمات الألم، وكان الألم واقع عليه بالفعل.
كما يعتبر علماء النفس أنه بواسطة الإيحاء بالخواطر أو الأفكار، يمكن أن يتم فيه التأثير على تغيير السلوك كذلك، ولو بشكل آني مؤقت. والإيحاء بالخواطر ينجح عندما يصل الشخص إلى مرحلة البرمجة اللغوية العصيبة، حيث أن بعض العلماء يعتبر أن البرمجة تعني برمجة أفكارنا وطباعنا وسلوكنا التي اكتسبناها منذ الولادة وحتى الآن، وأصبحت جزءاً أساسياً من كياننا، وتعني اللغوية هي استخدامنا اللغة الملفوظة وغير الملفوظة التي تعكس أفكارنا ومشاعرنا، وتعني كذلك العصبية هي ردود فعل الجهاز العصبي الناجمة عن هذه البرمجة اللغوية.
إن هذه العملية، تجعل المحقق يدخل بسهوله إلى نفس وعقل المعتقل، ليدخل عليه أفكار جديده بكل خبث وقصد، وذلك عبر عمليات وميكانزمات ومشاعر وأحاسيس يغرس خلالها أفكار ومشاعر وأحاسيس جديدة بدلاً منها للتأثير على قناعات المعتقل. وغالباً‏ ما‏ يلجأ‏ المحقق‏ في هذا الأسلوب إلى إحداث شعور‏ بتفوقه‏ وعلمه‏ الغزير‏‏،‏ فيعمد‏ لحديث‏ فكري‏ وتاريخي‏، ‏أو طرح‏ أسئلة تتدرج‏ من‏ سهلة‏ معروفة،‏ إلى أخرى تتطلب‏ إجابات من‏ له‏ إلمام أو معرفة‏ عميقة‏ بالموضوع‏. والقصد‏ من‏ هذا‏ الحوار‏‏ أن يكون‏ أعلى من‏ المستوى‏ الفكري‏ للمعتقل، ويركز‏ خلال‏ الحوار بصره‏ -بقوة‏ وبثبات‏- في‏ عيني‏ المعتقل‏ ليصنع‏ حالة‏ من‏ التأثير‏ المباشر‏ والسيطرة‏،‏ ليوحي‏ أنه‏ شخص‏ قوي،‏ ويغرس‏ في‏ المقابل لدى المعتقل إحساساً‏ بالضعف‏ وقلة‏ المعرفة، كما يحاول‏ المحقق‏ أيضاً‏ أن يغرس‏ في‏ نفس‏ المعتقل‏ قناعات‏ تتناقض‏ مع‏ رسالته‏ النضالية‏ التي‏ اعتقل‏ من‏ أجلها‏،‏ ويزيل بعض‏ القناعات‏ الموجودة‏ لديه. إما بشكل‏ مباشر‏ أو بواسطة‏ الإيحاء بالقوة‏ والمعرفة‏ والتفوق‏ مثل إظهار (أن الكيان‏ الصهيوني‏ قوي‏ جداً‏،‏ وأن‏ العرب‏ ضعفاء‏،‏ ولا مجال لكسب‏ المعركة‏،‏ ومن‏ الأفضل تقبل‏ واقع‏ الهزيمة‏،‏ والركون‏ إلى المصالحة)‏. كما يحاول‏ التأكيد‏ على‏ (أن اليهودي‏ بطبعه‏ أفضل‏ من‏ العربي‏ وأنه‏ يفكر‏ بعقله‏،‏بينما‏ العربي‏ أو المسلم‏ شخص‏ عاطفي‏ يفكر‏ بطريقة‏ غير‏ سليمة‏، ‏وأن‏ جهاز‏ الموساد‏ أقوى جهاز‏ استخبارات‏ في‏ العالم.. وأنهم‏ يعرفون‏ كل‏ التفاصيل‏ وأدق الأمور عن‏ القيادات‏ وطبيعة‏ العمل. بل‏ وكثير‏ من‏ القيادات‏ تتعامل‏ معهم). وقد‏ يتكرر‏ هذا‏ الأسلوب في‏ عدة‏ جلسات‏ متوالية‏،‏ وعندما‏ يظن‏ المحقق‏ أنه‏ حقق‏ قسطاً‏ من‏ السيطرة‏ على‏ المعتقل‏ يدخل‏ في‏ صلب‏ الموضوع‏، ‏أي‏ يدخل‏ في‏ التحقيق‏ الذي‏ يهدف‏ لانتزاع‏ معلومات‏ أو اعترافات
ولكي يتقي المعتقل ذلك عليه أن يبقى متحكماً ومسيطراً على أفكاره الداخلية، ومشاعره وإحساسه، ويمدها باستمرار بطاقة حيوية عقليه، تسمى الاراده، التي تبعث إشعاعها في النفس البشرية، فتقضى على كل عوامل الضعف والوهن. لذلك عليه أن يتخلص من أخطر فكره يحاول أن يزرعها لديه المحقق ألا وهي “الانشغال بذكريات الماضي، وإثارة الشجون لديه، والاستغراق في هذه الذكريات، التي تشتت ذهنه، وتجعله يستغرق على استدعاء الماضي، وعدم التركيز في الواقع”.
ويظهر‏ مما‏ تقدم‏ أن الأساس في‏ نجاح‏ عمل‏ المحقق‏ هو‏ استجابة‏ المعتقل‏ للخدعة‏ التي‏ يحاول‏ تمريرها‏ بهذا‏ الأسلوب فإذا‏ تغلبت‏ إرادة المعتقل‏ ويقظته‏ انهزم‏ المحقق‏ وباء‏ أسلوبه بالفشل.

القسم الثاني: أساليب الخداع غير المباشرة :
وهذه الأساليب تتم بطريقتين، بالتنصت بأدوات تقنية وبشرية أو بالخداع عبر العملاء.
أولاً: أساليب الخداع غير المباشرة (التنصت):
وهذا الأسلوب يقوم على استدراج وخداع المعتقل، بواسطة التنصت إما بوسائل بشرية أو بوسائل تقنية، وذلك لإلتقاط حديثه مع آخرين، من خلال وضعة في أماكن أو مواقف يتم ايهامه فيها بعدم وجود أحد يمكن أن يسترق السمع عليه أو على أحاديثة. والأدوات التي تستخدم في عملية الخداع هذه، تكون إما جهاز تسجيل صغير، أو تكون شخص عميل.
لذلك على‏ المعتقل‏ وهو‏ يواصل‏ معركته في‏ أقبية التحقيق‏،‏ ألا يغفل‏ عن‏ جوهر‏ صراعه‏،‏ وعن‏ طبيعة‏ عدوه‏ وعن‏ الكثير‏ من‏ أشكال الشراك‏ التي‏ يمكن‏ أن تنصب‏ له‏. وعليه أن‏ يضيع‏ الفرصة‏ على‏ المحقق‏ ويفشل‏ أسلوبه، ويُحذر‏ زملائه‏ من‏ الحديث‏ والثرثرة كذلك‏،‏ ويتذكر‏ أن غياب‏ المحقق‏ كشخص‏ لا يعني‏ غياب‏ أجهزته،‏ أو عملائه. وليكن على قناعة بأن‏ هذه‏ اللقاءات‏ التي‏ يمكن‏ أن تحدث‏ مع زملائه ليست وليدة‏ الصدفة‏،‏ بل‏ هي‏ عملية مقصودة‏ لأجل الحصول‏ على‏ مزيد‏ من‏ المعلومات. وعليه عندما‏ يلتقي‏ مع‏ زميله في‏ أي ظرف‏ من‏‏ الظروف‏‏ أن يضبط‏ نفسه‏ ويتعامل‏ معه بشكل‏ طبيعي‏ كأنه يجلس‏ مع‏ غريب‏،‏ أو يعتمد في ذلك أسلوب الحوار الذاتي مع نفسه، أو الحوار مع السماء أو مع المجهول، أي يعتمد الأسلوب غير المباشر لنقل أفكاره لأخيه لصياغة تفكيره، وتوجيهه إلى عدم الاعتراف. (ابراهيم شحادة، 1980: انترنت)
وأسلوب التنصت يتم تنفيذه في أقبية التحقيق الصهيونية، في عدة أشكال من أهمها:
- التنصت أثناء انتظار التحقيق (مردوان التحقيق): ويعتمد تطبيق هذا‏ ا‏لأسلوب إما على المحقق‏ نفسه،‏ بأن يضع جهاز التسجيل المعين للمعتقل، أو يقوم هو بنفسه بتمثيل دور‏ معتقل (فيرتدي‏ زي‏ السجن‏ ويضع‏ الكيس‏ على‏ رأسه‏،‏ والقيد‏‏ في‏ يديه‏‏،‏ ويقف‏ بجوار‏ أحد المعتقلين‏)،‏ أو يعتمد على تنصت أحد العملاء. ثم يحضر المعتقل الهدف وبعد‏ دقائق‏ يحضر‏ المعتقل الثاني‏ ويتم‏ إيقافه بجانبه، وكأنه أحضر بالخطأ‏ بجوار‏ زميله‏،‏ وعندما‏ يوقفه‏ يسأله‏ بصوت‏ منخفض‏ ما اسمك؟ فيجيب ‏به. ثم لإتمام المسرحيه يذهب‏ الحارس بعيدا عن المعتقل، مما يجعل أحدهم ينطلق منتهزاً هذه الفرصه فيبدأ‏ الحديث‏ مع‏ زميله في أمور هامه وخطيرة‏،‏ ويكون‏ المحقق‏ قد‏ سمع‏ الحديث‏،‏ أو التقطتة أذن العميل، أو جهاز التسجيل، وبالتالي يحصل‏ على‏ المعلومات‏ التي‏ يحتاجها بسهوله.
- التنصت في مكتب التحقيق: المخابرات‏ تدرك‏ أنه‏ إذا ما‏ تم‏ ترتيب‏ خلوة‏ مصطنعة‏ لاثنين‏ من‏ المعتقلين‏ في‏ جو‏ غير‏ مشبوه‏ فإنهما سيتناجيان‏ بأشياء مهمة. ومن أشكال هذا الأسلوب أن يتم‏ استدعاء‏ اثنين من نفس القضية إلى مكتب التحقيق‏،‏ ويتظاهر‏ المحقق‏ بأنه‏ يحتاج‏ لقهوة‏ أو شاي،‏ فيبدأ‏ بالصراخ‏ على‏ الجندي‏ لإحضار ذلك،‏ يتظاهر بالغضب لأنهم لا يسمعون، ويخرج‏ من‏ المكتب‏‏‏ لإحضار حاجته، فيخلو الجو‏ للمعتقلان، ويبدأ كل واحد منها يحدث الآخر عن أشياء معينة، وهكذا يقع كلاهما في شرك التسجيل.
- التنصت في الزنزانه أو الغرفه: ويتم في هذا الأسلوب وضع جهاز للتنصت في مكان ما من الزنزانة أو الغرفة، يعتقد ضابط التحقيق أنه مناسب لالتقاط المعلومات، ويستبعد المعتقل وجود مثل هذا الجهاز فيه. ثم يتم إدخال اثنين من أبناء القضية الواحدة أو أكثر فيها، وكأن الأمر حدث بطريقة الخطأ، فيتحدثان عن القضية وعن أعمالهم في الخارج، مما يشكل مصدرا سهلا للمعلومات التي تستثمر في توجيه دفة التحقيق فيما بعد.
- التنصت بين الزنازين أو الغرف: كما أن من أشكال هذا الأسلوب أنه قد‏ يتم وضع جهاز التنصت، بين حجرات‏ الزنازين‏،‏ حيث‏ يوضع‏ المعتقلين‏ في‏ حجرتين‏ متجاورتين‏ وبينهما‏ كوة‏ صغيرة أو يتظاهر الجندي بأنه قد ترك الكوة في الباب مفتوحة‏،‏ بحيث‏ يسمح‏ لهم‏ الظرف‏ (عند‏ ابتعاد‏ السجان)‏ من‏ الحديث‏ الطويل‏،‏ وقد‏ يستمر‏ وجودهم‏ في‏ تلك‏ الحجرات‏ يوماً‏ أو يومين‏،‏ وذلك‏ يرجع‏ لمدى‏ استفادة‏ المحقق‏ منهم‏ من‏ خلال‏ جهاز‏ التسجيل، أو العميل الذي يسجل كل ما يصدر عنهم.
- التنصت في غرفة المحامي أو الصليب الأحمر: وفي هذا الأسلوب يتم‏ استدعاء‏ كل‏ معتقل على‏ حده‏،‏ للقاء‏ الصليب الأحمر‏،‏ أو المحامي، أو القاضي‏،‏ وهناك‏ قد يعتقد البعض عندما يرى زميلة أن الفرصة‏ سانحة للحديث، لأنهم بعيديين عن‏ موقع التحقيق، ولا أحد بجوار‏هم يسمعهم.
- التنصت في غرفة الترحيل (المعبار): وهذا الأسلوب يعتمد على‏ خلق‏ جو‏ متعمد‏ من‏ الخلوة والانفراد‏ لبعض الوقت،‏ لاثنين‏‏ (أو أكثر) من‏ المعتقلين في‏ مكان‏ الانتظار المخصص لعملية التنقل والترحيل من سجن لآخر (المعبار)، خاصة عندما‏ تتأكد‏ المخابرات‏‏ أنهم من‏ أعضاء التنظيم الواحد،‏ وهناك‏ شك‏ بأنهما‏ على‏ علاقة‏ تنظيمية‏ ما‏، وأن‏ الحصول‏ على‏ معلومات‏ منهم بصورة‏ مباشرة‏ من خلال‏ التعذيب‏ ‏صعبه.
فيخبأ‏ بالقرب‏ منهم‏ جهاز‏ تسجيل للحصول‏ على‏ معلومات‏ بصورة‏ غير‏ مباشرة.
لذلك على المعتقلين في‏ أقبية التحقيق‏ أن يعلموا بأن‏ جهاز‏ المخابرات‏ الصهيوني‏ يعمد إلى عزل‏ أعضاء القضية‏ الواحدة.. عزلاً‏ كاملاً.. بحيث‏ لا تتوفر‏ لهم‏ فرصة‏ اللقاء‏،‏ أو الاقتراب‏ من‏ بعضهم‏،‏ لأن هذا الالتقاء ما هو إلا شرك ومصيدة لهم.
- التنصت في سيارة الترحيل: عمد المحققون حديثاً إلى استخدام طريقة جديدة في التنصت حيث يتم استدعاء مجموعة من المعتقلين الذين انهوا فترة التحقيق، ولم يدلوا بأي اعتراف، ثم يتم وضعهم في سيارة للترحيل إلى سجن آخر. وفي الطريق يَدعى الجنود أن السيارة تعطلت وأنهم سوف يقومون بنقلهم بسيارات عسكرية اخرى، وفعلاً يتم وضع الهدفين المحددين من قبل جهاز المخابرات، في سيارة عسكرية واحدة، ثم يوهموا المعتقلين بأنهم مشغولون في أشياء أخرى، مما يدفع أحدهم لاستغلال الفرصة بانشغال الجنود عنهم، ويبدأ بالتحدث مع زميله عن مواضيع مهمه بينهم خارج المعتقل، ويتم يسجل حديثهم، ثم يقوم المحقق بمواجهتهم بذلك مما يؤدي الى اعترافهم.
لذلك على المعتقلين أن يتصرفوا حيال أي شخص يعرفونه باللامبالاة وعدم الاكتراث، وعدم التحدث معهم في أي شيء لأنهم ما زالوا في قلب التحقيق.
- التنصت أثناء الترحيل: ويرتب‏ هذا‏ الشرك‏ أثناء نقلهم إلى سجن آخر،‏ وهم‏ معصوبو‏ الأعين، وأثناء الترحيل تحت شجرة أو صخرة‏. وتذهب‏ بهم‏ السيارة‏ ‏ إلى مناطق‏ بعيدة تحت‏ ساتر‏ ترحيلهم‏ إلى سجن‏ آخر وفي‏ الطريق‏ يتم‏ تعطيل‏ السيارة‏ بصورة‏ متعمدة.. وينزل‏ الجنود‏،‏ ويربطون‏ المعتقلين‏ بشكل‏ قوي‏ إما بشجرة أو مع بعضهم البعض،‏ ويحذرونهم‏ من‏ الهرب‏، بينما‏ يذهب‏ جنود‏ لإحضار سيارة‏ جديدة‏،‏ ويقف‏ جندي‏ من‏ بعيد‏ حارساً‏ عليهم‏،‏ يأمرهم‏ بعدم‏ الكلام.. وكأنه‏ يستفزهم‏ للحديث‏،‏‏ أو حتى قد يتركهم‏ لمعاينة‏ السيارة‏،‏ أو إحضار شيء‏ ما.. ليقتنص‏ المعتقل‏ في غياب‏ المحقق‏، ‏وابتعاد‏ الجندي‏ للحديث‏ مع زميله عن‏ العمل‏ والقضية‏.
ثانياً: أساليب الخداع غير المباشرة (العملاء ):
العملاء هم ” أولئك الأفراد الذين تعرضوا لعوامل ضاغطة على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو التعليمي أو عوامل ضاغطة أخرى مما جعلهم عرضة للسقوط والارتباط مع أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية بنية تقديم خدمات متنوعة لصالح الاحتلال تساعد على كشف أو اعتقال أو تصفية أو تخريب مصالح الآخرين على مستوى الأفراد أو المجتمع”.(خضر عباس،2000: 9)
وإن دور العملاء في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، يعتمد بشكل عام على القيام بدسهم في صفوف الشرفاء، أو إظهارهم بمظهر الحريصين على مصلحة الوطن، حتى يقع غيرهم في حبالهم، فهم قد كانوا كمثل العنكبوت ينصب حباله للفريسة ثم يقوم بامتصاصها. (أحمد مهنا، ب. ت: 142)
وتقول بتسيلم في تقريرها ” في داخل السجون والمعتقلات يعمل عملاء فلسطينيين وأهمية عملهم تكمن في مساعدة المحققين في السجن لأخذ أقوال واعترافات الأسرى الذين بحوزتهم أقوال. وجزء من هؤلاء المتعاونين قد جرى تجنيدهم أثناء السجن (أثناء التحقيق معهم أو بصفقة للتخفيف من أحكامهم)، وقليل منهم على خلفية جنائية، وآخرين عملوا في خدمات رجال الأمن قبل أن يدخلوا إلى السجون -حسب أقوال التنظيمات الفلسطينية-. وقليلاً منهم أدخلوا متعاونين إلى السجون حتى يظهروا أنهم من مناضلي الانتفاضة، حيث كان يتم اعتقالهم عندما يتم اعتقال الخلية التابعين لها حتى لا يدور الشك حولهم. وقد كان الفلسطينيين يلقبون المتعاونين الذين يعملون داخل أسوار السجون بالعصافير، الذي بدأ عملهم في عام 1979 –حسب رؤية بتسيلم في أعقاب أوامر أعطاها رئيس الحكومة آنذاك (مناحيم بيقن) بإبطال استعمال التعذيب الجسدي ضد الفلسطينيين المحقق معهم- حيث يرسل المعتقلون إلى غرف العصافير، عندما لا ينجح المحققون في أخذ معلومات واعترافات كافيه منهم، أو أن اعترافاتهم التي أدلوا بها كانت جزئية فقط. (بتسيلم،1993: 19)
وفي هذه العمليةيتم زرع عميل أو مجموعة من العملاء والخونه والجواسيس، والساقطين، والمنهارين، في مردوان التحقيق، أو الزنازين، أو غرف العار، أو سجون العار، أو أثناء تنقل المعتقل من سجن لآخر، أو في عمليات الترحيل الوهمية،….إلخ.
وقد جاء هذا الأسلوب بعد أن جربت أجهزة التحقيق الإسرائيلية على مدار عملها الطويل على السجناء الفلسطينيي