سيكولوجية الإنجاز
سيكولوجية الإنجاز
كلمة الانجاز بحد ذاتها تعتبر دافع محفز قوي، وهي دعم وتعزيز للمواصلة..وهي تمد جهد العمل الفردي والجمعي بطاقة جديدة وقوية. فالفرد يعمم إنجازه على ذاته، ولا يخشى من ذلك، وإذا استطاع أن يعمم إنجازه على الآخرين فلا يتوانى في ذلك، لأن ذلك من قبيل الحث على الإنجاز (وليس المباهاة)، حيث أن هناك فرق بين تعميم الإنجاز على الذات وعلى الآخرين، وبين (الغرور) على مستوى الذات، وعلى مستوى الآخرين.. فعلى سبيل المثال لو افتخر شخص بصدقة علنية أمام الناس بهدف أن يحثهم ويحفزهم على التصدق بدون (رياء) تسجل له صدقة، ولا تعتبر هذه الصدقة من قبيل المباهاة والمفاخرة. ولو افتخر شخص بانجازه العلمي على سبيل الحث والتحفيز للذات وللآخرين، لا يضيره أن يعمم هذا الإنجاز، ليس من قبيل التفاخر على الآخرين، وإنما ذلك من قبيل الفخر والافتخار بذلك الإنجاز، لأن هناك فرق بين الفخر بالشيء والتفاخر به، فالفخر بالإنجاز هو عملية تعميم للإنجاز وهي حافز مهم، وتعزيز كبير للنشاط على مستوى الذات والآخر، فتعميم الإنجاز الذي حققه قد يكون دافع وحافز له ولغيره على مواصلة تحقيق أهدافه، لأن الانجاز الذي حققه أو حققه الآخرين قد شكل له وقودا وطاقة تحفز جهد العمل لديه، وتضخ فيه قوة جديدة تدفعه لانجاز جديد.
وتتعاظم أهمية الإنجاز كلما كانت المشاكل التي واجهت عملية الإنجاز أكبر لأن الإنجاز الذي يأتي بعد عناء ومشقة، ليس كالإنجاز الذي لا يأتي بعناء ومشقة، لأنه بالمشقة والمعاناة يصبح الانجاز جزء من الذات. أي أن قيمة (الإنجاز) تتجذر في الفرد بمدى المجهود الذي بذله في ذلك الانجاز، فالذي تعلم ووصل إلى أعلى الدرجات العلمية، من خلال التغلب على المعوقات أثناء ذلك، يقوى هذا لديه الانتماء للإنجاز.. حيث أن الانتماء للإنجاز قد يكون أحيانا أهم من الإنجاز نفسه، كما وأن تعميم الإنجاز على مستوى الذات والآخرين به قيمة قد تعادل الإنجاز نفسه.. كما وأن الاحتفاء والاحتفال بالإنجاز له قيمة معنوية هائلة، خاصة لمواصلة درب الإنجاز “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وعلى الفرد أن لا يخجل من الاحتفال والاحتفاء بالإنجاز الذي حققه على مستوى الذات وعلى مستوى المجتمع.. وفي نفس الوقت على المربي أو الوالد أو المسئول، أن يعزز أي إنجاز يقوم به الطفل، أو الشاب، أو الرجل. فلا يجوز أن نمر على الإنجاز كأي عمل من الأعمال العادية، وإلا ما الفرق بين الشيء الذي ننجزه ونحققه وبين الشيء العادي والروتيني في الحياة. وعلى كل شخص، أن يسعى بكل جد وجهد على أن ينجز كل ما يوكل له من مهام، وما يؤمر به من نشاط، لأن الحياة بدون إنجاز قاحلة مجدبة، بلا قيمة ولا معنى، فما قيمة أن يعيش الإنسان في هذه الحياة، دون أن يتزود من حياته لما بعد الحياة، وهذا لا يكون بلا إنجاز، فالإنجاز هو الحياة، والحياة هي الإنجاز. ومن يرتضي العيش بدون أن يخلف انجازاً ولو كان بسيطاً، فإنه يمر في هذه الحياة وكأنه لم يكن أصلاً فيها.
بقلم الدكتور/ خضر عباس
دائرة الاهتمام والعمل الإسلامي
دائرة الاهتمام والعمل الإسلامي
الفرد ودائرة الاهتمام :
إن بيئة الفرد المسلم هي المجتمع كله، ونطاق عمله الساحة الوطنية بمجملها، ودائرة اهتمامه أوسع من دائرة الحزب والجماعة أو الحركة والتنظيم، بل هي تمتد لتشمل المجتمع بأكمله بجميع أطيافه وألوانه، بل قد يمتد هذا الاهتمام كما أوصى المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمسلمين كافه في جميع بقاع الأرض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم “
ويقف على أولى أولويات هذا الاهتمام ما هو متعلق بأمورهم الحياتية، فليس من المعقول أن يعيش من يتصدر لحمل لواء الإسلام، حياة رغيدة فارهه، ومن حوله يتضورون جوعا، ولا يجدون إلا الفتات فقط.
ويزداد هذا الاهتمام ويصبح إلزاما عندما يصبح المجتمع في ضائقة من سبل العيش.
ولذلك على من يتصدر العمل الإسلامي أن يكون لديه قدر من المعرفة بتركيبة المجتمع، والعلاقات الداخلية فيه، والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيش فيها مجتمعه. وأن يفهم ويدرك أحوال بلده وتركيبته السياسية والدينية والمذهبية والعرقية والحزبية. ولا تكفي المعرفة فقط بل لزاماً عليه أن يكون أكثر إلزاما عندما يتعلق الأمر بمن يسوسهم، حيث عليه أن يتعامل مع الجميع بمنطق الراعي الذي يسوس رعيته دون تفريق أو تفريط. وعلى المسلم بشكل خاص إن أصبح له مكانة معينة في المجتمع، أن لا يتعفف عن مشكلات مجتمعه، ويغلب عليه العيش في عالم الصحابة زمن الرسالة، ويطلب من الناس أن يكونوا ملائكة أو صحابة من اجل أن يستحقوا عطفه ولفت انتباهه. بل عليه أن يهتم بمشاكلهم ويشغل باله ونفسه ووقته في البحث عن حلول لها. ولا يتخذ موقفا سلبيا منهم، مما قد يوحي للبعض عدم اهتمامه بهذه المشكلات مما يولد لديهم بان الإسلام لا يهتم بمشاكل الناس اليومية، في حين يطلب منهم أن يضحوا بواقعهم لان الآخرة تنتظرهم. بل عليه إذا تولى أمرا من أمور المسلمين أن يضع نفسه موضع الخادم للامه والراعي لمصلحتها والحارس الأمين لتوفير متطلبات العيش الرغيد والأمن لها، ويضع نصب عينيه القدوة الصالحة من الخلفاء المسلمين (عمر ابن الخطاب) الذي كان يتحسس يومياً مشكلات الآخرين ليرفع عنهم ما بهم من ألم ومعاناه.
ولا يستخدم قدراته وفطنته في التلصص على الناس وستر عوراتهم وملاحقة أسرارهم وتكميم أفواههم، بل يبحث بشكل دؤوب ودائم لتلمس معاناتهم وحل مشكلاتهم ويوظف نفسه ويجند من حوله للتخفيف من همومهم ورفع المعاناة عن كاهلهم. ويسعى جاهدا لتقديم الحلول المناسبة والفعالة لحل المشكلات التي تواجههم.. دون تميز أو تحيز باتجاه شخص أو عائلة أو حزب أو جماعة.
الحركة ودائرة الاهتمام:
أما دائرة الاهتمام على صعيد الحركة الإسلامية التي تعني كل جماعه تتبني الفكر الإسلامي في حركتها وصولاً لتطبيقها في كل مناحي الحياة.. فان الأمر يتعلق بالممارسة والتطبيق عبر خطوات ملموسة ونشاط فاعل في الواقع. أي بمعنى أخر ممارسة التعاليم الإسلامية في واقع الحياة، بإحالتها من مجرد نظريات مدونة بين دفات الكتب إلى تطبيقات فاعلة تتحرك في الواقع وبالواقع. حيث أن الحركة التي تفشل في معالجة الواقع، وما ينشأ فيه من مشكلات ومعضلات، حركة أقرب للفناء منها للوجود وان طال أمدها وقويت شوكتها
ولهذا على المتنفذين في الحركة الإسلامية، أن يكثروا من النظر إلى خارج البيت (أي خارج الإطار الحزبي) ليعالجوا مشكلات الناس، في اللحظة التي لا يغفلوا فيها عن مواصلة النظر لداخل البيت (أي أحوال الجماعة) لينقبوا عن مواطن الضعف والوهن لتقويتها وإبدالها بما هو أحسن منها. أي يكون القصد من النظر إلى للداخل ممارسة النقد البناء ورسم الصورة على حقيقها، وعدم تغليف العيون بمنظار الثقة المطلقة لكل من هو داخل البيت، ورسم علامات الشك والريب لكل من هو خارج هذا البيت.
والبيت هو مصطلح قد يطلق على الوطن بأكمله وقد يعني فقط المنزل الذي تقطن فيه أسرة واحدة، وبين ذلك توجد أعداد كبيرة من المفاهيم، فقد يطلق لفظ البيت على أصحاب الفكرة الواحدة، أو السلالة المتحدة، أو على موظفي شركة أو مؤسسة معينة، أو أعضاء تنظيم أو حزب أو حركة معينة.. وهكذا.. وهذا كله ليس بيت القصيد، إنما بيت القصيد يتولد من خلال النظر إلى هذا البيت، حيث البعض من الناس ينظر لكل شيء حتى للبيت نفسه وأصحابه من خارج البيت، ومن خلال هذا المنظار تتحدد سلوكيات الفرد وعلاقاته، مع ذاته أولاً ثم مع الآخرين، سواء من هم داخل البيت، أو خارجه.
إن حديثنا عن أنفسنا ونحن نجعل رؤوسنا وأعيننا تدور داخل أروقة البيت وزواياه، وحجراته، هو حديث الفرد مع ذاته للآخرين، ذلك الحديث الذي قد تغلب عليه صفة الذاتية، لأن الزوايا التي يرى الفرد فيها نفسه لنفسه هي زوايا ضيقة، تتحكم فيها أياد أحادية، أما تلك التي ترى الآخرين فإنها بالتأكيد أبعاد ثلاثية ورباعية، أي ترى الموقف من أكثر من زاوية.. مما يغلب على هذه النظرة العامل الموضوعي.
إن كثيرا من الأفراد ما تعود أن ينظر إلى المواقف والأشياء، من خلال هذا البيت، بل قد ينظر البعض لهذه المواقف والأحداث حتى من ثقب باب البيت.. يرى من خلاله ما يرى، ويبني كل مواقفه وآرائه من خلال هذا الثقب الذي قد يقوده إلى سلوك أبعد ما يكون عن الواقع الموضوعي, أو في أحسن الأحوال يلبي الجزء البائن من هذا الواقع ويغيب أغلب الموقف، ويضيع كل أجزائه وهو يعتقد أنه يحيط بالموقف.
وعلى الحركات الإسلامية أن لا تحيل كل حدث ومشكلة لعالم الغيب، لكي تتهرب من المسؤولية الدنيوية ولا تتحلل تبعات الواقع المادي ومتطلباته الكثيرة. وكأنها في إعطاء هذه المساحة الكبيرة الشاسعة للأمور الغيبية، تظهر وكأن الدين قد جاء فقط لنقل الناس من الحياة الدنيا إلى الآخرة، دون أن يكون لهم نصيب من الدنيا،
وبالتالي غدت وظيفة هذه الحركة التهرب من واقع الحال وتبعاته، فأهملت واقع الناس الاقتصادي والاجتماعي والنفسي الخ.. وضخمت المطالبة بالتعلق بالآخرة .. كأحد أساليب الهروب من الواقع، أو كأحد أساليب الهروب من الواقع.. بإحالة حل هذه المشكلات الواقعيه للغيب، وكان الإسلام وتعاليمه العظيمة جاءت لتخدر الناس عن مطالبهم بحقوقهم ليصدق عليهم قول البعض بأن (الدين مخدر الشعوب).
إن هذا المنطق هو الذي أسس في السابق لعملية التخلف الذي يعيشه المجتمع، وأصبح بالتالي يشكل اليوم ضعفا لنا في جميع مناحي الحياة، وتحديا يحد من قدراتنا على التشخيص للداء، والفشل في وصف الدواء.
ولهذا فإن الفشل في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وغيرها في المجتمع، لا يجوز أن نحيله لعالم الغيب، وكأننا في حل منه، ونتغافل بالتالي عما للفشل من له آثار نفسية بعيدة المدى على الجماهير التي تفقد الحركة المصداقية بها، وبالتالي قد تنحاز مره أخرى إلى من تقتنع بسوئهم، لأنها أصبحت ترى في هذا السوء نعمة بالنسبة لما آلت إليه أحوالهم، حيث لم يعد لديهم حد فاصل بين السوء والصلاح، وبين الخير والشر، وبين الفساد والإصلاح، وهم بذلك قد لا يلاموا على هذا الخيار، إنما الملوم الأول والأخير هو الممارسة الخاطئة والفاشلة. لإن الفشل هو رديف الموت والفناء، فالحركة التي لا تجيد حل مشكلات المجتمع، وتفشل في تقديم الحلول المناسبة لها، تجعل الجميع يعيش في حالة من الفوضى التي تتلاطم كالموج العاتي، ويكون حالها كمن لا يجيد التجديف في بحر لجي، فينقلب فيه القارب في أي لحظة، فلا هو ينجو ، ولا ينجو من حوله من الآخرين. وبالتالي لا تنفع المبررات والتبريرات لأن الجماهير لا يمكن أن تستوعب المبررات التي يمكن أن تطلقها الحركة، لأن هذه التبريرات قد تفلح في خلق قناعه داخليه قد يستوعبها بعض الأفراد. ولا يمكن أن يستوعبها بالضرورة الآخرين. فالتبرير وان كان منطقيا لا يسمن ولا يغني من جوع في الواقع، حيث لا يقدم حلولا للمشاكل الموجودة، وهو بحد ذاته ليس حلاً شافياً للواقع العليل.
وفي أفضل حالات التبرير للفشل وأكثرها قوه ومنطقيه فإنها لا يمكن أن يزيل الألم، ولا تتعدى أن تشكل مسكنا موضعيا للألم، لأنها لا تعالج أسباب هذا الألم ومسبباته، بل توهم فقط من يريد أن يعيش الوهم بأنه معافى، ولكن سرعان ما يعود هذا الألم ليبدد الوهم لديه.
وبعض الحركات الإسلامية قد يعتقدوا من باب خداع الذات أن الحركة ربانية وإنها بذلك قد أخذت عهدا من الله على نصرتها، وبهذا المنطق المغلوط تخدع نفسها قبل أن تخدع الآخرين، لان هذا التفكير قد يوفر لها طريقا هروبيا كأسلوب من أساليب الحيل الخداعية التي تخدع بها الذات من مواجهة الحقائق على الأرض.
ولكن هذا المنطق إن استفحل في ذاكرتها قد ينتج على ارض الواقع، تسليم سلبي يجعل الحركة حتى لا تفكر بالبحث عن حل لهذه المشكلات، لأنها قد أعفت نفسها من الأخذ بالأسباب، فلا هي تراجع نفسها، ولا تفكر بأخطائها، وبالتالي لا تعترف بهذه الأخطاء.
إن الحركة الواعية هي التي لا تصر على أخطائها، لأن نتائج الإصرار على الخطأ، أفدح بكثير من حتى الاعتراف بالخطأ، وأن لم تسعى لإصلاحه، لأن عدم الاعتراف هو إصرار على الخطأ، في حين أن الاعتراف بالخطأ دون السعي لإصلاحه هو العجز، وشتان بين الإصرار على الخطأ، وبين العجز عن التراجع عن الخطأ وإن كان كلاهما سلبي وخاطيء.
المجتمع ودائرة الاهتمام :
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الخلق عيال الله أحبهم إليه أنفعهم لعياله” ) رواه مسلم ). مما يؤسس لقاعدة العمل السياسي الإسلامي في الواقع، أي أن المهمة الأساس التي يجب أن يقام عليها العمل السياسي الإسلامي -سواء أكان متمثلا ذلك العمل في جماعة أو حزب أو حركة أو تنظيم إلخ- هو العمل على نفع الناس وتقديم الخدمة لهم – طبعاً كل الناس دون استثناء- لأن المسلم الحق كالثمرة التي يعم نفعها للجميع، وهذا مصداق لقول النبي الأعظم الذي جعل النفع يشمل ويعم الخلق جميعا باعتبارهم عيال الله، مهما كان هؤلاء الناس، ومهما أساءوا أو انحرفوا أو أفسدوا باعتبار أن الإساءة لا تمنع الناس حقهم الذي هو منحة من الله وليس منه أحد. لذا يجب أن لا تقتصر مهمة الجماعة أو الحركة أو الحزب الذي يتبنى الإسلام، على خدمة الحزب نفسه أو أعضاؤه فقط، بل يجب أن تفيض المنفعة على جميع الناس، بل و يتعدى هذا الخير إلى الخلق جميعا باعتبارهم عيال الله. لأن الحب من الله لهذه الجماعة أو الحركة أو الحزب مرهون بتقديم النفع لخلق الله جميعا دون استثناء أو تحيز، وإلا لما قال معلم البشرية أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)
إن الجماعة أو الحزب أو الحركة أو التنظيم مهما يكن لا يعتبر في الفكر الإسلامي هدف وغاية ، وإنما هو وسيلة لغاية أسمى وهدف أرفع يتمثل في تحقيق الخلافة على الأرض ، التي تستوجب تحقيق مصلحة للناس ورفع المفسدة عنهم ، وإلا فما هو المردود العملي لدى الناس من تأديتنا للشعائر التعبدية من صلاة وصوم وحج وتسبيح وذكر …الخ . لأن لهذه الأعمال مردود ذاتي على الفرد ، قلما يلمس تأثيرها الآخرين ، إنما الأعمال والمصالح التي تتعلق بالناس هي الأكثر تلامساً لمشاعر الناس، ودخولا لقلوبهم مما حدى بمعلم البشرية للقول (الدين المعاملة.. فالعمل لمصلحة الناس، وعدم تقوقع المصلحة في ذاتها وإطارها الخاص، ينفر الناس، ولا يوجب محبة الله، ولا تنال رحمة الله، حيث قال معلم البشرية (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) أي أن الحركة أو الحزب التي تحصر نشاطها وتحيز نفعها للداخل.. أي إلى ذاتها والى أعضاؤها ومنتسبيها ومؤيديها تفقد في الحقيقة رؤيتها، وتنحرف عن غايتها، وتحيد عن منهجها، وتتخلى عن دورها الحقيقي ورسالتها الأسمى التي أناط بها الله… حيث أصبحت خادم لنفسها فقط ، مما سوف يفقدها بالتدريج -في نظر الناس- مبرر وجودها، وإكسير الحياة لها. إن المجتمع الذي تعيش فيه أي حركة أو حزب أو تنظيم، هو بمثابة جوهر تكوينه وسر وجوده، وممكن استمراره ، وهو الساحة الرئيسة لتأدية عمله والقيام بواجباته وحقوقه ، والحركة الناجحة هي التي تعطي، ولا تطلب من الناس الثمن لهذا العطاء ، فالتنظيم أو الحزب أو الحركة ليست بلدية أو مجلس قروي يسعى للجباية من الناس، ليقتات أو يقيت ذاته، بل الحركة الناجحة هي التي تعطي بلا مقابل، وتدفع بلا حساب وتبذل بلا التفات لما سوف تجني. والحركة الحق هي التي تشغل نفسها بهموم الآخرين ومشاكلهم، فتسعى جاهدة لحل مشاكلهم، التي قد تعود بالنفع عليها أو لا تعود -وهذا لا يكون شرط للقيام بالعمل أو عدم القيام به- ومن الخطأ أن تتخذ الحركة موقفاً سلبياً من مشاكل الناس باعتبار أنها غير مسئولة عن نشوء تلك المشاكل، أو لم تكن طرفاً فيها. فالحركة الناجحة تكون كالطبيب الحاذق الذي يعتبر أن عافية مرضاه واجباً يسعى للقيام به وهدفاً يبتغيه، رغم عدم مسئوليته عن مرضهم أصلاً، وحتى إن لم يتوافر لديه العلاج يسعى للتخفيف من آلامهم، ولا يسخر من مرضاه أو يحتقرهم أو يتعالى عليهم، بل ينظر لهم كمرضى، والمريض يحتاج كل العناية والعطف والرعاية. إن الحركة أو الحزب أو الجماعة الناجحة هي التي تحمل هموم الآخرين وتسعى جاهدة لحل مشكلاتهم، لا أن تزيد من ثقلها وحجمها، وهي التي تسعى جاهدة لتستخدم أقصى قدراتها وطاقاتها العقلية والجسمية وإمكاناتها المادية والنفسية ، لإيجاد حلول مناسبة للمشكلات الاجتماعية المتضخمة لديهم ولو على حسابها الخاص.. لأن الحركة الناجحة أو التنظيم الناجح ليس الذي يفلح في قيادة دفة الأمة ، وتسيير أمورها، وليس الحركة الناجحة هي القادرة على إدارة ذاتها ومؤسساتها ، بل الحركة الناجحة التي تدير أمور الأمة وتسوس حالها ، وتصل بها لبر الأمن والأمان، لأنها بذلك تكسب حب الناس، والحركة أو التنظيم أو الحزب الناجح ، هو المحبوب من الناس، وليس المحبوب فقط من عناصره أو أنصاره ، لأن المحبة العامة هي معيار النجاح كما حدد ذلك من لا ينطق عن الهوى. فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، أي من أحبه عباده أحبه الله، ومن أحبه الله حبب فيه عباده. إن كثير من الحركات والأحزاب والتنظيمات تعيش خللا كبيرا في منهجية التربية والتعبئة حيث تعير اهتماما أكبر ومساحة أرحب للجوانب العامة الإستراتيجية والأمور النظرية وتقتصر علي مساحة بسيطة جدا ومتواضعة في فهم احتياج الناس وفهم همومهم القريبة وتبني مشكلاتهم التي تمس حياتهم اليومية وتتشابك مع همومهم واهتماماتهم الحياتية وتتوافق مع تطلعاتهم القريبة قبل تصوراتهم البعيدة. ومن الأولى أن توجه الحركة أو الجماعة جُلَ اهتمامها على تدريب أفرادها لخدمة الآخرين. . لأن حزباً لا يخدم إلا أفراده فقط ، هو حزب مقضي علية بالفشل، لأنه رغم أن أفراده يجنون المكاسب الذاتية، إلا أنهم في نفس الوقت يجنون الكراهية والبغض من الآخرين . وقد قيل قديماً بأنه من السهل أن يكون الحزب معارضا وينتقد القائمين على الوضع بكل الطرق والوسائل، ولكن من الصعب عند تتسلم زمام الأمور أن يؤقلم أفكاره وخططه بحيث تكون ذات قيمة وفاعلية وتؤتي ثمار ونتائج ملموسة النفع في الواقع الحياتي، لأن كثير من الشعارات الفضفاضة والإدعاءات المطاطة والأماني البعيدة ليس لها في حياة الناس رصيد عمل مما قد يؤدي لانفضاض الناس عن الحزب وعزوفهم عنه .
القيادة ودائرة الاهتمام :
القائد الحق هو الذي يخدم الآخرين، مصداقاً لقول الرسول الأعظم (سيد القوم خادمهم ) سنن الطبراني .. فالمنهج الإسلامي العظيم لا يطلب فقط من أبناءه التفاعل مع الآخرين، بل يكون تفاعلا مقرونا بالحب والمحبة، وهو بذلك يرسم مسارا محددا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، والقائد وجنده، والزعيم وشعبه. فالسيد والقائد هو من يكون في خدمة الآخرين ، والرسول الأعظم أرسي قاعدة أساسية في ذلك، بأن السيادة والقيادة مقرونة بتحول السيد والقائد إلى خادم للناس بكل معنى الكلمة. والناس عندما يرون بأن هؤلاء الأسياد والقادة يسعون لخدمتهم بحل مشاكلهم ورعاية مصالحهم، وتوفير جميع احتياجاتهم، يزيد لديهم الحافز للالتفاف حولهم والسير خلفهم، حيث ثقتهم بهم تزداد، وتتحول من عادة الشك إلى واقع الثقة، وبالتالي يعطوهم حبهم، ويمنحوهم ثقتهم، ويعطوهم أصواتهم كذلك . ولكي يكون سيد القوم أو قائدهم خادمهم ، يجب عليه أن يدرك واقعهم ، وأن يتلمس مشاكلهم وأن يحس بمشاعرهم ، وأن يلم بحاجاتهم ، وأن يتفهم مطالبهم ….. ثم يسعى جاهداً أن يوفر لهم كل ما يحتاجون. وعلى الرئيس أو الزعيم أو القائد أن يحدد المهام ويتابعها من خلال تكليف الأفراد واللجان المتابعة سير العمل في تنفيذ الخطط بعد رسمها وبيانها وتبنيها.. باعتبار أن مشاكل الناس وحاجاتهم ومطالبهم كثيرة، فإن عليه أن يقود فريقا من الخدم (الوزراء، والوكلاء، والمدراء) لكي يحدد لكل واحد منهم مهامه الملقاة على عاتقه من أجل تنفيذ خدمه محددة، أو تطبيق حاجة معينة.. وعليه أن يحول هذا الخادم (السيد) المجموع الكلي من حوله إلى خدم للناس وليس مجرد أسياد لهم ، لأن السيادة والقيادة مرهونة بالحب والخدمة التي يلمسها الناس منهم في واقع حياتهم . إن من أهم متطلبات الخدمة الاجتماعية أن يكون القائد أو الرئيس نفسه القدوة لهذه الخدمه ، ثم يسعى لبناء مساعدين خدم لقومهم وأمتهم، فيشكل لكل قضية، ولكل مشكلة، ولكل حاجة اجتماعية، مجموعة من المتخصصين الأكفاء لدراسة هذه الحاجة، ثم تقديم الحلول المناسبة لها، ثم تطبيق هذه الحلول، ثم المتابعة لهذا التطبيق، ثم التقويم لهذه العملية.. وهكذا يتحول هذا السيد، ومساعديه إلى خدم لشعبهم وأمتهم وقومهم.. ثم بعد ذلك الحكم على أفعالهم لذا قال المولى عز وجل (قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين) وفي هذا تعليق للخدمة الاجتماعية بما يرى الآخرين، وليس بحسن النوايا كما يعتقد البعض، كما أن ذلك ليس متوقفاً فقط برؤية الله ورسوله لهذه الخدمة، وإنما جعل المولى عز وجل تعليقه كواقع على ما يرى الناس وما يشاهدوه وما يحسوه لأن رؤية الله للعمل ورؤية رسوله هو تعلق بعالم الغيب وبالشكل الغير منظور ، وهذا ملاذ كثير من النصابين و الدجالين والمحتالين والمغرورين بإحالة أعمالهم وإن كانت ذات مردود سلبي أو سيئ إلى رضا الله ورسوله وإلى أن ذلك خدمه لله ورسوله، لأنه يعلم أن ذلك غير معروف، وغير مشاهد من قبل الناس، ومن أعطاهم الحق بتقييم أعمالهم ، وفق هذه الرؤية التي لم يروها أو يشاهدوها، وهم بذلك يخالفون نصا صريحا بأن مردود الخدمة الاجتماعية، يجب أن يكون بشهادة الناس وبرؤيتهم لهذه الخدمة، وليس صحيحا أن الخدمة الاجتماعية لله والرسول فقط ، ومن قال لهم بأن الله بحاجة لأحد ومن قال لهم أن الله يحتاج لمن يخدمه، في حين أن الرؤية الحقيقية تكمن في تقديم الخدمة لكل الناس. وعليه يتوجب على أصحاب الأفكار الإسلامية، أن يبرهنوا بأنهم ليس بالشعارات خدم للناس، إذا أرادوا أن يسودوا أو يحكموا لأن عليهم أن يبرهنوا للناس بدون لبس أنهم فعلا أصحاب أطروحات ليست بنظرية أو طوباوية بل هم أصحاب أفكار تتعامل مع الواقع ، وتعالجه وتهذبه وتحتضنه وترعاه، لا أن تتحلل منه، وكأنه شيطان مارد، أو نبت فاسد . والحركة الإسلامية الصحيحة هي التي تدلل على فعاليتها، كبديل مقبول للآخرين، وكنموذج قابل للحياة والتطبيق، مقابل الأطروحات الأخرى. حيث تؤدي ما عليها من حقوق وواجبات تجاه الآخرين، بكفاءة عالية وبشفافية صافية، قبل أن تطلب منهم الالتزام بحقوقها وواجباتها.. وحينئذ سيعترف لها الجميع بالقيادة والسيادة وبالتالي تصبح هذه الحركة في عقل ووعي الأمة، بمثابة الراعي الأمين والمؤتمن الصادق الصدوق على شؤون الناس، والدافع عنهم الشرور والمصائب. وصدق من قال ” من يتولى حل مشكلات الناس ، يتولى قيادتهم وإمارتهم ”
معايير ومقاييس الحياة :
ومن أجل ضبط إيقاع الحياة على نغم واحد، وضبط بالتالي دائرة الاهتمام لدى الفرد والحركة والمجتمع و القيادة لا بد من وضع معيار وقياس لهذه الحياة، وللعمل فيها، كي يخضع كل سلوك ونشاط لهذا المعيار والمقياس، وبالتالي يتم التقييم والتقويم وفق هذا المقياس والمعيار، كما للأشياء المادية من مقياس ومعيار.
ومن أهم هذه المعايير والمقاييس التي يمكن أن يقاس بها الإنسان وسلوكه، وكذلك الحركة والتنظيم، والمجتمع والقيادة، هو مقياس ومعيار الأخلاق.. تلك التي لا يختلف عليها اثنان في الكون، ولا يستأثر بها أحد دون أخر، لأنها الأخلاق الإنسانية، التي هي ملك للتاريخ البشري كله. وهي ذاتها الأخلاق التي جاء الإسلام ليتممها وليرسخها ويعمقها في الواقع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إنما بعثت لا تمم مكارم الأخلاق” فالأخلاق قديمة قدم الحياة على الأرض.. لا يختلف عليها الناس، ولا ينكرها إلا المنحرفين منهم عبر التاريخ.
ومن هنا يجب أن نعلم بأن الأخلاق.. هي عنوان المسلم، وهو بالتالي ملاذ الشخصية المسلمة وسبيل حياتها، لان المعيار والمقياس الذي يقوم به الناس الشخصية المسلمة، ليس أفكارها أو شعاراتها أو مقولاتها أو قوتها أو سلطتها.. أنما الأخلاق التي تظهر عبر التعامل مع الناس، والتي بها تفرض عليهم محبتهم وثقتهم، باعتبار إن الثقة لا تفرض فرض، والمحبة لا تعطى بالقوة.. (فانك لاتسع الناس بأعمالك، وإنما تسعهم بأخلاقك)
ومن أبرز خصال الأخلاق الإسلامية التي تسع الناس بها العدل والرحمة، بل هي أهم الخصال الأخلاقية في مجال التعامل مع الآخرين. وبالتالي على المسلم أن يتحرى دائما العدل والرحمة..فالعدل هو أساس العلاقات الصحيحة بين الناس،والرحمة هي أساس المحبة بين الناس..
إن المجتمع المسلم لا يسعى فقط لإقامة العدل..فقد يقام العدل بالقوة وإجبار الناس على أن يعدلوا، ولا يظلموا، ولكن الرحمة تفرض وجوب العدل بأسلوب المحبة..فهناك فرق بين أن يفرض القانون أو الدولة لتحقيق العدل بأن يحدد سعرا معينا للمسلم خوفا من الاحتكار وتلاعب التجار، ولكن الرحمة والرفق بالناس ومحبتهم يجعل التاجر المسلم الحق يبادر تخفيض السعر رغبة منه وشعور منه بتلمس أحوال الآخرين.
حذار من نقاش الجهلة
حذار من نقاش الجهلة
لقد حضرت نقاشا لشاب مثقف، وأخر ليس له علاقة بالثقافة، الأول دفع ضريبة ثقافته، بان خرج أو اخرج من الحركة، والثاني وصل لموقع في الحركة، لأنه جنى ثمار جهلة بامتياز.
وفي النقاش والحوار حاول أن يتحدث الشاب الأول عن أزمة الحركة، وأزمة القيادة فيها، وتحدث كلاما علميا مفيدا… ولكن فجأة انقض عليه ذلك الرويبضي الذي اجهل من أن يستوعب ما يقول هذا الأخ المثقف، بسيل من الاتهامات، بدلا من الاستجابة لحوار هادئ مفيد.
ولم أفاجأ لذلك.. لان الإمام الشافعي رحمه، الله قال في ذلك.. ” ما جادلني جاهل إلا غلبني وما جادلني عالم إلا غلبته “.
كما أن التجربة قد علمتني بأن الجاهل في النقاش والحوار لا يملك إلا أسلوب الشتم والاتهام، كأسلوب للتخلص السهل من الرأي الآخر، عبر رمي صاحبه بقذائف شخصية وذاتية، كان يتهمه بالتخاذل، والجبن، والعمالة، والانحياز لأعداء الحركة، والركون إلى المتامرين..الخ. والقائمة تطول من شتى أنواع السباب والقذف، التي تدل على تلك الحيلة النفسية المستهلكة لحظة العجز عن ممارسة الحوار العلمي المتبصر..هو الأسلوب الأفضل لهؤلاء الجهلة.. وهذه الاتهامات هي التي تروجها الأوساط الجاهلة في الحركة الإسلامية ضد النخبة المثقفة لكي تخرج ويفسح لها المجال -وهذا قطعا ما يعاب على كثير من منتسبي الحركات الإسلامية، هذه الأيام.. للأسف الشديد- والمسئول ينقب ويبحث عن مثل هؤلاء الجهلة ليقدمهم الصفوف، ويغرسهم في قلوب من يحاول أن يستخدم عقلة وفكرة وثقافته للنقد أو حتى التبصير.
بقلم الدكتور/ خضر عباس
لقد حضرت نقاشا لشاب مثقف، وأخر ليس له علاقة بالثقافة، الأول دفع ضريبة ثقافته، بان خرج أو اخرج من الحركة، والثاني وصل لموقع في الحركة، لأنه جنى ثمار جهلة بامتياز.
وفي النقاش والحوار حاول أن يتحدث الشاب الأول عن أزمة الحركة، وأزمة القيادة فيها، وتحدث كلاما علميا مفيدا… ولكن فجأة انقض عليه ذلك الرويبضي الذي اجهل من أن يستوعب ما يقول هذا الأخ المثقف، بسيل من الاتهامات، بدلا من الاستجابة لحوار هادئ مفيد.
ولم أفاجأ لذلك.. لان الإمام الشافعي رحمه، الله قال في ذلك.. ” ما جادلني جاهل إلا غلبني وما جادلني عالم إلا غلبته “.
كما أن التجربة قد علمتني بأن الجاهل في النقاش والحوار لا يملك إلا أسلوب الشتم والاتهام، كأسلوب للتخلص السهل من الرأي الآخر، عبر رمي صاحبه بقذائف شخصية وذاتية، كان يتهمه بالتخاذل، والجبن، والعمالة، والانحياز لأعداء الحركة، والركون إلى المتامرين..الخ. والقائمة تطول من شتى أنواع السباب والقذف، التي تدل على تلك الحيلة النفسية المستهلكة لحظة العجز عن ممارسة الحوار العلمي المتبصر..هو الأسلوب الأفضل لهؤلاء الجهلة.. وهذه الاتهامات هي التي تروجها الأوساط الجاهلة في الحركة الإسلامية ضد النخبة المثقفة لكي تخرج ويفسح لها المجال -وهذا قطعا ما يعاب على كثير من منتسبي الحركات الإسلامية، هذه الأيام.. للأسف الشديد- والمسئول ينقب ويبحث عن مثل هؤلاء الجهلة ليقدمهم الصفوف، ويغرسهم في قلوب من يحاول أن يستخدم عقلة وفكرة وثقافته للنقد أو حتى التبصير.
بقلم الدكتور/ خضر عباس
أهل التخصص والاختصاص في الإسلام
أهل التخصص والاختصاص في الإسلام
شريعة الإسلام هي شريعة التكامل التي لا يعتريها النقص بوجه من الوجوه، والخالق يؤكِّد تأكيدًا لا مجال للتنازع فيه ذلك.. وهذا ما يحتاج الى وجود اهل الاختصاص والتخصص في كل المجالات، كي تستقيم طبيعة الرسالة مع متطلبات الواقع، وليس أدل على ذلك من قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122].
وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه يجب أن يُرد الاختصاص إلى أهله وأن لا يفتات عليهم فيه فقال المولى عزوجل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء:59].
وقد جاءت هذه الآية لتدل بشكل قاطع وواضح الى ضرورة رد الامر دينا ودنيا الى أهل الاختصاص، فقال المولى عزوجل: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ، وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء:83].
فقوله تعالى: ” ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم “. والضمير في قوله منهم: يعود إلى أولي الأمر، أهل الاختصاص..أي أهل الاختصاص من القوم. وقال في معناه الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن أبي نجيح، والزجاج: هم أهل العلم، والفقه الملازمين للنبي صلى الله عليه وآله، لأنهم لو سألوهم عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموا به.
وقوله: ” لعلمه الذين يستنبطونه منهم ” قال ابن عباس، وأبو العالية: معناه يتحسسونه. وقال الزجاج: الذين يستخرجونه..ومعنى الاستنباط اللغة: الاستخراج، والاستدلال، والاستعلام، نظائر، وأصل الاستنباط الاستخراج..فيقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين، أو معرفة القلب: قد استنبط.
والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر.. وانبط فلان أي استنبط الماء من طين حر..ومنه اشتقاق النبط، لاستنباطهم العيون.
قال الإمام ابن حزم ” الاستنباط لغه مأخوذ من أنبطت الماء وهو إخراجه من الأرض و التراب و الأحجار
والاستنباط اصطلاح هو استخراج الحكم من لفظ يسع ذلك..وهذا ما يسمى بمبدأ (التخصص)، نعم التخصص الذي يعني اقتصار عضوٍ أو فردٍ أو جماعةٍ على فنٍ معين، أو عملٍ معين، وهو من الضرورات للمجتمع المتكامل، حيث يفرّق الأعمال والعلوم بين الأفراد، كل فرد بما وهبه الله من قدرة ومعرفة في مجاله، أو بما أوكل إليه من مصالح المسلمين..وهو بلا شك، يزيد في الإتقان ويؤدِّي إلى المهارة والجودة والاكتشاف والاختراع، ويحد من الفوضى بتنازع الاختصاص أو تدافعه، لاسيما إذا كان تنازع تضاد لا تنازع تنوع.
ولفظ “منهم” في قوله تعالى “يستنبطونه منهم” أي المتخصصين في علم ما يؤهلهم لان يستنبطوا منه الحكم أو الأمر.
أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أن الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة. إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أمور: أحدها: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط. وثانيها: أن الاستنباط حجة: وثالثها: أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ورابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر.
ثم قال تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط.
والاستنباط استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز و المعرفة، وأصله من النبط محركة، و هو أول ما يخرج من ماء البئر، و على هذا يمكن أن يكون الاستنباط وصفا للرسول و أولي الأمر بمعنى أنهم يحققون الأمر فيحصلون على الحق و الصدق و أن يكون وصفا لهؤلاء الرادين لو ردوا فإنهم يعلمون حق الأمر و صدقه بإنباء الرسول و أولي الأمر لهم.
وقوله تعالى “وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به” يدل على نوع معين من العلم يتعلق بالعلم الأمني والعسكري، الذي تشكل حرب الإشاعة جزء مهم من الحرب النفسية التي يشنها الأعداء على الأمة خاصة أثناء الحرب.
ومدلول هذه الآية اللغة: يقال: أذاعه إذاعة وأذاعوا به قال الشاعر: (أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب) وأصل الاذاعة التفريق.
قال تبع: لما ورد المدينة: (ولقد شربت على براجم شربة كادت بباقية الحياة تذيع)
أي تفرق..وبراجم: ماء بالمدينة كان يشرب منه، فنشبت(3) بحلقه علقة.
وذاع الخبر ذيعا..ورجل مذياع: لا يستطيع كتمان خبر.. وأذاع الناس بما في الحوض: إذا شربوه..وكذلك اذاعوا بالمتاع: إذا ذهبوا به..واذاعة السر: اظهاره..والإذاعة، والإشاعة، والافشاء، والاعلان، والاظهار، نظائر وضده الكتمان، والاسرار، والاخفاء.
قوله تعالى: «و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به» الإذاعة هي النشر و الإشاعة، و في الآية نوع ذم و تعيير لهم في شأن هذه الإذاعة، و في قوله في ذيل الآية «و لو لا فضل الله» إلخ دلالة على أن المؤمنين كانوا على خطر الضلال من جهة هذه الإذاعة، و ليس إلا خطر مخالفة الرسول فإن الكلام في هذه الآيات موضوع في ذلك، و يؤيد ذلك ما في الآية التالية من أمر الرسول بالقتال و لو بقي وحده بلا ناصر.
و يظهر به أن الأمر الذي جاءهم من الأمن أو الخوف كان بعض الأراجيف التي كانت تأتي بها أيدي الكفار و رسلهم المبعوثون لإيجاد النفاق و الخلاف بين المؤمنين فكان الضعفاء من المؤمنين يذيعونه من غير تدبر و تبصر فيوجب ذلك وهنا في عزيمة المؤمنين.
ولم يقف التوجيه للتخصّص على القران، بل قد جاء في السنة ما يدل على أن الاختصاص ينبغي أن يرد إلى أهله وأن لا يتطفّل عليهم فيه، أو ينتزع منهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أعطوا كلَّ ذي حق حقه”.
وليس ذلك مختصًا بأمور الدين فحسب.
وفي أمور الدنيا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير النخل: ” أنتم أعلم بأمور دنياكم”, وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حق الطب: “من تطبّب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن”، فها يعيد الاختصاص إلى أهله وهو في الوقت نفسه يحذِّر من التطفُّل عليه بل إنه يتوعَّد المتطفلين عليه بالمسائلة والمحاسبة.
وقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أمّته على احترام التخصص وعدم إهماله أو التطفّل عليه، فقد أمر صلى الله عليه وسلم عبد الله بن زيد، أن يعطي الأذان لبلال لأنه أندى منه صوتًا..وقال: “أفرضكم زيد” أي: أعلمكم بالفرائض وقال: “أقرأكم أبُي”، أي: أحسنكم قراءة للقرآن، وقد صح عنه أنه أشاد بحسّان بن ثابت على أنه أشعر الصحابة، وأن عليًا معاذًا أعلمُهم بالحلال والحرام، وأن عليًا أقضاهم، وأن خالدَ بن الوليد اخبرهم عسكريا.
وقد قال ابن القيم في كتابه (تحفة المولود): “لا تعسف الشاب بعد أن يكبر عن ما ينافي طبعه –أي: تخصصه- وميوله التي يجيدها ويتقنها لأنه سيقصّر فيها أكثر مما يحسن”.
وقال: إن تطفل المرء على تخصصٍ ليس منه ولا هو من بابه في ورد ولا صدر لهو عين الاقتيات والتدخّل فيما لا يعني، وكفى بهذا سوءً ووقوعًا في مخالفة قول المولى عزوجل لقد (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الاسراء:36]
ويخالف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.
الوقت من متطلبات الخلافة على الأرض
الوقت من متطلبات الخلافة على الأرض
كثير من الناس ما يردد انه خليفة الله على الأرض، ويتفاخر بأنه أفضل المخلوقات واجلها قدرا عند الله، وان الله قد خلق الكون كله مسخرا له، خادما مطيعا لإدارته .. ولكن هل فعلا يحقق بوجوده العملي فلسفة الخلافة على الأرض، ويرسى قواعد ما أنيط به من تكاليف لهذه الخلافة، وهل هو فعلا يستغل أهم جانبين وهبهما الله له لتحقيق ذلك وهما (التفكير والوقت). فالوقت هو الحياة، والتفكير هو نمائها، وإذا قفزنا في هذا المقال عن موضوع التفكير ومدى أهميته في تصريف الواقع، فانه حري بنا بيان ما للوقت عن أهميه للإنسان في هذا الاستخلاف.
إن الوقت باختصار هو الحياة، وما حياة الإنسان إلا أوقات متتابعة، ينهل منها الإنسان إلى حين ينضب معينها كما حدد ذلك الخالق جل وعلا .. والوقت كما قيل عنه يمكن أن يكون نعمة، ويمكن أن يكون نقمة، وما أكثر الأمراض النفسية التي منشأها عدم استغلال واستثمار الوقت.
ومن المفارقات المحزنة والمؤسفة أننا كثيرا ما نسمع عبارات (قتل النفس) من قبل أولئك الذين لا يجدون عمل مفيد لقضاء الوقت فيلجأون لهذا المصطلح.. ونسي هؤلاء أن هذا القول يوازي قول أحدهم (لنقتل الحياة) حيث أن الحياة ما هي إلا الوقت.. أي إن هذا القول هو بمثابة الانتحار البطيء بانهاء الحياة بالتقسيط.
وبالوقت نستطيع أن نطيل الحياة ونقصرها، فالوقت هو الأطول عندما ننظر إليه كامتداد أفقي لحياه الفرد منذ الميلاد حتى الممات، وهو الوقت الأقصر عندما لا يسعفنا الوقت لا نجاز ما نريد أن ننجزه ونقوم به من أمور. والوقت هو الأسرع بالنسبة لمن يستغلون وقتهم ويتمتعون به بنفع أو سعادة، وهو في نفس الوقت الأطول عندما تجلس تفرك في يديك بدون عمل أو تفكير، أو تعيش هموم الدنيا وتعاستها.
ومن المؤسف كذلك أن البعض يستسهل التكيف مع المتاعب، ويفضل العيش في ظل الإخفاق، ويتكيف مع الهموم، لان الوقت لديه أصبح بلا قيمة، وبالتالي غدت الحياة لديه بدون هدف، وتحول وقته إلى مجرد عداد رقمي (كعداد الكهرباء والماء) ليس إلا..!!! وبالتالي يسعى هؤلاء إلى قتل الوقت، والتخلص منه، وحتى الفرح أنهم قد أفلحوا في إمضائه وقضاءه وقتلة، ونسوا أو تناسوا بان قتل الوقت جريمة وإن كان لا يحاسب عليها القانون الأرضي، لأنها اغتيال مع القصد والنية لحياة الإنسان، بل هو قتل واغتيال لهدفيه الحياة (الخلافة) وبالتالي قتل واغتيال للحياة ذاتها، واغتيال للبشرية برمتها.
بقلم الدكتور/ خضر عباس
التوازن والاعتدال.. الوسطية
التوازن والاعتدال.. الوسطية
التأصيل الشرعي للاعتدال والتوازن.. الوسطية:
“وجعلناكم أمة وسطا ….لتكونوا شهداء علي الناس” (المائدة 87،88) الوسطية بين الناس.
” قل أمنت بالله ثم استقم” الاستقامة هي الاعتدال
“إن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله” الأنفال
“الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا……” (فصلت 30)
“قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم …” أي زادوا عن الحد الطبيعي.
“كلوا وأشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين” (الأعراف 31) الاعتدال.. بعدم الإسراف.. التبذير
“ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ” (الحشر) الاعتدال.. بعدم البخل
“والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ” (الفرقان67) أي الوسطيه في المعيشة، بمدح المعتدلين من المؤمنين في الإنفاق.
“ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين” (الإسراء 26) الاعتدال
“ولا تجعل يدك مغلولة إلي عنقك، ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوما محصورا” (الإسراء 69)
أي التوسط بين الأمرين..أي اقتصد في غناك وفقرك.
“وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنسى نصيبك من الدنيا” (القصص 77)
“ولا تأسوا علي ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم” التوسط بعدم التأسف علي ما فات والفرح بما هو آت
“ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا” (الإسرء110) السبيل هو الوسط في القراءة .
“إلا من أتي الله بقلب سليم” القلب السليم هو الحالة الطبيعية للقلب بحيث لا يكون سقيم، ولا يكون غليظ
“أشداء علي الكفار رحماء بينهم” الوسطية في التعامل بين الشدة واللين.
“ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض”
“فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز…….”
“قل هل يستوى الأعمى والبصير والظلمات والنور والأحياء والأموات”
“ولا تصعر خدك لناس” (لقمان 8)
“فأما من طغي” تجاوز الحد
- ومن حديث قدسي قال الحق ” وقسمت لك رزقك فلا تتعب، وإن كثر فلا تفرح، وإن قل فلا تجزع”
ومن حديث قدسي قال الحق “إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه”
- ومن حديث قدسي ..قال رسول الله صلي الله عليه وسلم “أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها “أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغني والفقر، وان أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وان يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “…نحن نقوم الليل، ونصوم الدهر، ولا نأتي النساء…. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم “من رغب عن سنتي فليس مني “
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “إن الله يحب العدل في الأمر كله ….”
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” لا عال من اقتصد “
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “الاقتصاد نصف المعيشة”
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات.. فالعدل في الغضب والرضا، وخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغني والفقر. وأما المهلكات.. فشح مطاع، وهوي متبع، وإعجاب المرء بنفسه”
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك)
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “اليأس مما في أيدي الناس.. القناعة وعدم الطمع
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “وأنفق علي أهلك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وخفهم في الله”
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “كل مولود يولد علي الفطرة، وإنما أبواه يهوداه أو ينصرانه أو يمسحانه” يولد معتدل صحيح الفطرة، وبالعادة والتعليم والتقليد ينحرف عن الفطرة .
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” انظر إلي من هو تحتك، ولا تنظر إلي من هو فوقك، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله”
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “اعتدلوا يرحمكم الله” في الصلاة
- وفي الحديث قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “كلوا واشربوا وألبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة”
- روي أن إعرابيا قال لابن عباس رضي الله عنهما “إن العرب تقول احسب التناهي شطط، خير الأمور الوسط” فهل هذا موجود في القرآن ؟ قال :نعم في أربعة مواضع : في قوله تعالي في وصف بقرة موسي “قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي .. قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك” (البقرة 68) أي وسط بين الكبر والصغر في السن .
-سأل النبي صلي الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فقال “هل زالت الشمس، فقال لا نعم فقال كيف هذا، فقال بين قولي لك لا نعم قطعت في الفلك خمسين ألف فرسخ”
التوازن في تحقيق الحاجات :
إذا كان الاعتدال هو مفتاح الصحة البدنية، فإن التوازن هو مفتاح الصحة النفسية.. لان الصحة النفسية لدي الفرد هي تتم بتحقيق حالة التوازن والاعتدال في إشباع هذه القوي بدون أن تطغي إحداهما علي الأخرى، أي العمل علي خفض التوتر الناشئ من عدم إشباع الحاجات المادية، والروحية، (النفسية)
يقول الغزالي ” قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها، كما أن الاعتدال في مزاج البدن، هو صحة له، والميل عن الاعتدال مرض فيه”.
وتنشأ قوة الإرادة، وقوة الغريزة، لدى الإنسان، من (النفس) وهي الوعاء الجامع لتفاعل الروح مع الجسد.. وفي هذا يتربع علي رأس القوة الروحية..الإرادة..(العقل، والقلب، والفؤاد ..إلخ) ويتربع علي رأس القوة الجسدية..الغريزة (شهوة البطن، وشهوة الفرج..الخ) أي الحاجات البيولوجية المادية.
وقوي النفس البشرية منها: كقوة الإرادة، وقوي أخري، تساهم في تحقيق توازن هذه القوي، وتسمي آليات الدفاع النفسية، أو الحيل العقلية. ودوافع الإنسان هي: (إما تنتمي للقوة الروحية..وإما تنتمي للقوة الجسدية.. وإما تنتمي للخليط الناتج عن هاتين القوتين) .
والإنسان هو مخلوق علي الفطرة، والفطرة هي حالة التوازن بين متطلبات الروح، والجسد اللتان تكونان الخليط والمركب الذي يكون الإنسان (أو هما ) جوهر الإنسان وحقيقة المتمثل في (الذات)
والمطلوب من الإنسان أن يحافظ علي هذا التوازن بعملية التناغم بين هذه المتطلبات، التي تقتضيها عملية الخلافة في الأرض.. وما حالة الصراع والتدافع، بين هذه النزاعات داخل النفس الإنسان الا تلبية لحاجات الروح، وتلبية لحاجات الجسد.. أي تلبية حاجة النفس البشرية، لإعادة حالة التوازن والأمن الداخلي للنفس .
والصراع في النفس يحدث بين (قوة الروح) وبين متطلبات الجسد (قوة الجسد) وليس صحيحا أن الصراع في النفس قائم علي أساس قوة الجنس، أو غرائز الموت والتوحيد.. وهو من أجل أن تتصالح الذات (النفس) مع هذه القوي، وتشكل حالة التوازن، لا بد من الرجوع إلى الفطرة التي فطر الله عليها الناس، وهي حالة التوازن والاعتدال..والتي من خلالها يتم الضبط، ويجعله مقياس يقياس السلوك به .
نظرية التدافع والتوازن في المجتمعات:
ان عملية التدافع والصراع الاجتماعي “ولولا دفع الله الناس-بعضهم ببعض” تتم لإعادة التوازن الاجتماعي داخل المجتمع الواحد، وكذلك بين المجتمع والمجتمعات الأخرى.
أي مطلوب إشباع الحاجات المادية، وإشباع الحاجات الروحية، للمجتمع..”وما الجهاد للنفس” “والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” داخل المجتمع، إلا حالة طبيعية لإعادة التوازن، أي إعادة التوازن بالقوة المعنوية والفكرية، والذي يعني العمل علي إعادة التوازن، إذا قام الشر والباطل بفرض حالة عدم التوازن لصالح طغيان المادة، أو طغيان التطرف في الاعتقاد، الخ.
ماذا تعني لي النكبة؟
ماذا تعني لي النكبة؟
” بعد اثنين وستون عاما على النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني يقف المرء هائماً أمام ماضٍ تدمي له القلوب، ماضٍ تبعثرت فيه الأوراق، وطوي فيه التاريخ كل صفحات الألم والحزن والعذاب والتشرد، وحاضر ضاعت معالمه حتى تشوهت كل أركانه، ومستقبل ملبد بالضباب والغيوم التي تحجب النظر حتى عن تحديد ملامحه، فبات بلا أفق منظور. وفي هذا المشهد الذي نزف فيه كل شيء، نزفت الذاكرة، ونزف التاريخ، ونزف الفكر، ثم نزف الدم … لا أجد ما أعبر به من كلمات أو عبارات أو جمل … لتلخص الماضي، وتختصر المسافات، وتختزل الوقت. الذي رحل فيه الماضي، برحيل الأب والجد، وتشوه فيه الواقع بأبناء لم يجيدوا حتى حمل مفتاح البيت الذي احتضنه الوالد والجد قرب قلبه، لكي لا يضيع إلا بضياع قلبه منه.. وبغموض المستقبل البائن في عين الحفيد الذي ما زال يخلط الحلم بمداد أقلامه عله يتذكر فلا ينسى.
إن ذكرى النكبة بالنسبة لي هي شريط أحلام تختزنه الذاكرة … بكل ما فيه من وجع وألم ومشقة ومحنة … وذكرى النكبة قطار العمر المكتوب على جميع أبناء الوطن أن يركبوه بدون توقف، قطار قد عرف بداية الرحلة، وانطلق دون توقف، ولكن دون الوصول حتى اللحظة لمحطة النهاية لأنه لا يعلم أين نهاية الرحلة.
وإن النكبة تعني لي الهوية الممزقة المشتتة في كل أصقاع الأرض … التي نحاول أن نلملم أوراقها، لتعود لتتبعثر من جديد… أحيانا بيد من سلبنا هويتنا ، وأخرى بيد من لم يدرك أهمية هذه الهوية لنعود من جديد.
ورغم ما في النكبة من ألم فهي تعني لي الأهم… فهي الماضي والجذور والتاريخ والأصول، وهي الحاضر المتفتح المتورد بالأمل، وهي المستقبل الواعد المزهر أماني وأمنيات.. وهي الرجاء والأمل المرهون بتحقيق وعد الآخرة الذي بشرنا به الله ورسوله، والذي نحن على موعد معه طال الأمد أو قصر “.
بقلم الدكتور/ خضر عباس