Archive for category مقالات

مفهوم المقاومة الفلسطينية

مفهوم المقاومة الفلسطينية

مقدمة:

ان المقاومة للاحتلال قديمة قدم البشر، فقد سجل التاريخ البشري العديد من حالات اعتداء شعوب على أخرى، احتلالا لارضها وقهرا لسكانها، فما كان من هذه الشعوب الا ان تمترست حول حقها في الدفاع عن نفسها والذود عن أراضها، فكانت المقاومة هي النتيجة المنطقية لذلك، وان تعددت صور وأشكالها، وتنوعت طرقها وأساليبها ووسائلها وأدواتها.

فالمقاومة ضد الأعداء من ابرز ظواهر تاريخ الشعوب والأمم التي كتب لها البقاء، فلئن كانت مهنة الحرب واحدة من أقدم المهن التي عرفا الإنسان، فان مساهمة المدنيين في أعمال الحرب ظاهرة تستوقف النظر منذ أقدم العصور، حيث لم تعرف الأزمنة القديمة تفرقة دقيقة بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين، فالجميع يهبون دفاعا عن ارض الوطن.

إن المقاومة تمثل إرادة شعوبها التواقة للحرية والاستقلال، وتعبر عن قضاياها العادلة، ورغبتها في التحرر.. وحركات المقاومة والتحرر الوطني تمثل إرادة الشعوب التي تدافع من أجل قضية عادلة وهي الحرية والاستقلال، وتلجأ إلى السلاح والعنف كوسيلة بغية الوصول إلى أهدافها الإستراتيجية والبعيدة، كردّ فعل لا بديل له على العنف الأكبر والإذلال الذي تمارسه قوات الاحتلال ضد الشعوب المحتلة”(فتحي بلحاج،2009م:انترنت)

يعد الدافع الوطني من ابرز الخصائص واظهر المميزات، التي تتسم بها المقاومة الشعبية المسلحة، فأفراد المقاومة إنما يلجأون الى السلاح بدافع من مشاعرهم الوطنية، دفاعا عن ارض الآباء والأجداد ضد العدوان الخارجي، او من اجل تخليص تلك الأرض من براثن الاحتلال أو الاستعمار .. فان اعمال المقاومة الشعبية المسلحة ينظر اليها دائما في ضوء الأغراض النبيلة، والأهداف السامية المجردة، والمبادئ والمثل العليا، التي تكمن دائما وراء المقاومة الشعبية المسلحة، دافعا لاسباغ حماية قانون الحرب على أولئك الأفراد.

وإذا كان استخدام القوة المسلحة، ومباشرة نوع من عمليات القتال، أحد السمات الرئيسية للمقاومة الشعبية المسلحة، وللمقاومين بوصفهم مقاتلين قانونيين -إذا ما توافرت لديهم الشروط المقررة في  الحرب- القيام بأعمال العنف المسلح المشروع التي يباح لأفراد الجيوش النظامية إبان الحرب.. فإنها تتميز بذلك عن المقاومة المدنية، أو غير العنيفة.. فهذا النوع الأخير من المقاومة لا يتم باستخدام القوة المسلحة، وأعمال العنف.

مصوغات حق الشعوب في المقاومة:

تستند مشروعية المقاومة إلى مجموعة من المبادئ القانونية الثابتة، كحق المقاومة استنادا لعدم الولاء لسلطة الاحتلال، واستنادا إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، والدفاع المشروع عن النفس، والاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية المدنيين أثناء الحروب” (نهاد عبد الإله خنفر،2005م:ص56)

حق الدفاع الطبيعي:

المقاومة تستمد مسوّغ وجودها، ومقومات نجاحها، بشكل طبيعي، من حب المواطنين لها، واحتضانهم والتفافهم حولها، كونها تصب في النهاية الامر في مصلحة الوطن والمواطن.

والمقاومة ترتبط بالشرعية، عندما يتم تهديد جماعة سائدة في لحظة ما..” فهل يمكن للبشر التقدم دون مقاومة الاعتياد على روتين النَظم الحاكم لوجودهم، هل يمكنهم التنفس دون مقاومة الظلم الواقع عليهم، هل يمكنهم أكل لقمتهم بكرامة دون مقاومة الاستغلال البرّي لوسائل استمرار عيشهم، هل يمكنهم قول كلمتهم بحرية” (هيثم مناع، 2012م:انترنت)

والمقاومة لا تأتي اعتباطا، بل هي رد فعل طبيعي لاعتداء غير طبيعي وقع، فهي بذلك عملية دفاع عن الوجود، ورد منطقي لعدوان خارجي، وهي حركة عفوية تأتي في محاولة لدرء الخطر، ومواجهة العدوان..وهي بالتالي حركة لا نستطيع إيقافها، او كبح جماحها..

” فحق الشعوب في المقاومة، يعني ببساطة حق الإنسان في الوجود..وهو حق فطري يولد مع الإنسان، وهو حق من الوضوح انه لا يحتاج حتى إلى قوانين تدلل على مشروعيته..وان كانت فإنما تزيده بيانا وتوضيحا..ليس إلا.

حق الدفاع الشرعي:

إن حق الدفاع الشرعي للإنسان والمجتمع والدولة، هو حق من الحقوق الطبيعية اللازمة لاستمرار الحياة واستقرارها..وهو من أهم المبادئ التي تمنحها النظم القانونية الداخلية الدفاع الشرعي قديما علي أنه استثناء يرخص للشخص استخدام القوة للدفاع الشرعي ضد خطر جسيم حال أو وشيك الوقوع، يهدد النفس أو المال ” (سعيد جويلى،ب-ت:ص60)

والدفاع الشرعي هو اختصاص يعترف به للفرد بالحلول محل السلطة الداخلية المختصة حالة غيابها عن مكان الواقعة، وتخلفها عن درء الاعتداء، وأداء وظيفتها الاجتماعية “    (عائشة راتب،1970م: ص221)

ويقصد بالدفاع الشرعي قيام الدول التي تتعرض لعدوان مسلح أن تقوم بالرد على العدوان

بالدفاع عن وجودها..وتنص المادة (51) من ميثاق الامم المتحدة على أنه “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة، لحفظ السلم، والأمن الدولي” (بن عامر التونسي،1988م:ص424)

حق تقرير المصير:

يعتبر هذا المبدأ من المبادئ التي تشكل السند الارتكازي الذي تستمد منه القواعد الضابطة للمقاومة، والمستمد من القواعد القانونية التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجانها التي دعمت من خلالها حق الشعوب في نيل استقلالها وتقرير مصيرها، باستخدام كافة الوسائل والأساليب المتاحة لتحقيق ذلك، هو الذي يشكل الوزن القانوني للمقاومة المشروعة ضد كافة أشكال السيطرة والاستغلال الأجنبي” (عبد الناصر حريز،ب-ت:ص 112)

وقد نص البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 في المادة(1/4) على حق الشعوب في تقرير مصيرها ” تتضمن المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير” (السيد مصطفي أبو الخير ،2010م:ص11)

كما قد شكل نص حق تقرير المصير، أحد أسباب الإباحة لاستخدام القوة المسلحة لنيل هذا

الحق وتحقيقه..حيث نصت المادة السابعة منه، على أن استخدام القوة لنيل الاستقلال

وتحقيق تقرير المصير لا يعتبر عدواناً” (إبراهيم الدارجي، 2002م: ص 237)

الحق القانوني في المقاومة:

إن مشروعية الحق في المقاومة المسلحة، يظهر كنتاج منطقي لشرعية كفاح الشعوب في سبيل التحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والقهر الأجنبي..ويقر القانون الدولي بمنح الشعوب التي تتعرض للعدوان الحق في استخدام المقاومة المسلحة كجزء شرعي وأصيل من أدوات ووسائل الدفاع الشرعي” (علي أبو هيف،ب- ت: ص52)

ومن هذه القوانين ما ورد في المادة الثانية من لائحة لاهاي عام 1907الذي اعتبر بان “الشعب القائم أو المنتفض في وجه العدو” بأنه مجموعة المواطنين من السكان في الأراضي المحتلة, الذين يحملون السلاح ويتقدمون لقتال العدو, سواء أكان ذلك بأمر من حكومتهم, أو بدافع من وطنيتهم, وتنطبق عليهم صفة المحاربين بشرط حمل السلاح علناً والتقيد بقوانين الحرب”.

وكذلك نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة بأنه “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة”..”وأن للدول فردياً وجماعياً, حقاً طبيعياً في الدفاع عن نفسها إذا ما تعرضت لعدوان مسلح”

كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم 2444, أكد بأن “الأشخاص الذين يسهمون في حركات المقاومة, وكذلك المواطنين من أجل الحرية, يجب أن يعاملوا, لدى القبض عليهم, كأسرى حرب.. كما أصدرت الجمعية في سنة 1970, القرار رقم 2625 “والذي نص على “كل دولة أن تمتنع على اللجوء إلى أي تدبير قسري من شأنه أن يحرم الشعوب من حقها في تقرير مصيرها من حريتها واستقلالها.. وعندما تنتفض هذه الشعوب وتقاوم خلال ممارساتها حقها في تقرير مصيرها أي تدبير قسري كهذا فمن أن تلتمس وتتلقى دعماً يتلاءم مع أهداف الميثاق ومبادئه” (عبد الله المصدر،2011م:انترنت)

وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام1972رقم3034، الذي نص على “أن الجمعيةالعامة للأمم المتحدة تشعر بقلق كبير من تزايد أعمال الإرهاب الدولي المتكررة، والتي تسقط الضحايا من الأرواح البشرية البريئة، مع الإدراك لأهمية التعاون الدولي في استنباط الإجراءات الفعالة لمنع وقوعها ودراسة أسبابها الأساسية لإيجاد الحلول العادلة والسلمية” كما بين ذلك النصوص الواردة في الملحقين الاضافيين لاتفاقيات جنيف حول القانون الإنساني للنزاع المسلح عام 1977م، في المادة (41) من الاتفاقية الأولى للنزاعات الدولية المسلحة التي تستهدف مقاومة الاحتلال، وخوض القتال ضد قواته ضمن قائمة النزاعات الدولية المسلحة التي يقاتل فيها الشعب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي..وقد جاءت مشاركة حركات التحرر الوطني في مؤتمر جنيف لتأكيد القواعد القانونية الدالة على شرعية النضال الذي تخوضه حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال أو الأنظمة العنصرية، حيث ضمنت لها المادة (41) من الاتفاقية المنبثقة عن المؤتمر وضعا مساويا لأي طرف من أطراف النزاع الدولي المسلح” (نواف الزرو،2002م:ص53)

شرعيةالمقاومةالفلسطينية

إن المقاومة هي استخدام مشروع لكل الوسائل المتاحة بما فيها القوة المسلحة لدرء العدوان، وإزالة الاحتلال، وتحقيق الاستقلال، ورفع الظلم المسنود بالقوة المسلحة.. وهو ما يتفق مع اعتراف القانون الدولي بحركات التحرر الشعبية والوطنية، وحقها في النضال والمقاومة..وان “تعددت العناصر القانونية، وتنوعت مصادرها، واختلفت تفسيراتها فيما يخص الأرضية القانونية التي يستند إليها الشعب الفلسطيني في كفاحه الطويل ضد الاحتلال الإسرائيلي لوطنه” (محيي الدين عشماوي،2001م:ص56)

وهذا يشكل ” التخوم الواضحة المعالم والتي أعطت للشعوب الحق الكامل في مقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية والعنصرية وكل أشكال السيطرة الأجنبية. إن المسوِّغات القانونية هي الأساس الذي يعتمد عليه الباحث لتكريس رؤيته الخاصة ببناء الأرضية القانونية التي شرَّعت المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي” (موسى ألدويك،2001م:ص123)

لذا لافان الحديث عن شرعية المقاومة الفلسطينية، يرتبط دوما بالحديث عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في استقلاله وسيادته على أرضه..مما يفتح الباب على مصراعيه أمام هذا الشعب ليمارس هذه الحقوق بكافة الوسائل السلمية والعنيفة، بما فيها الكفاح المسلح لتثبيت حقه في تقرير المصير..فاحتلال أرضه يمنحه حًقا مشروعا في مقاومة هذا الاحتلال، وفي النضال المسلح من أجل تقرير المصير وإعلان الاستقلال..رغم استمرار هذا الاحتلال في نهجه للقضاء على حق المقاومة الشرعية، بإدعاء أن هذه المقاومة هي أعمالا إرهابية ” (سلسلة القانون الدولي الإنساني،2008م:ص22)

وهذا يقود الى التطرق لموضوع الارهاب، كي نفرق بينه، وبين شرعية مقاومة الاحتلال.

الفرق بين المقاومة والإرهاب:

في البدء لابد من التمييز بين مجموعة من المصطلحات المتقاربة والملتبسة والتي هي كلمات حق أريد بها باطل مثل: التخريب والمقاومة، التعصب والانتماء، الإرهاب والعنف المشروع (حق الرد)، المحافظة والأصالة، الاستعمار والتنوير،الاستبداد والشورى، التغريب والتحرير” (زهيرالخويلدي،2012:انترنت)

فالمقاومة واجب مقدس..و”ليس هناك استثناء في فعل المقاومة وكل متخل هو مقعد ولا ينتسب إلى هذه الأمة إلا من الواجهة الخلفية، فالمقاوم هو الإنسان الحر حرية فردية مطلقة الذي يعمل من أجل دنياه وآخرته ومن أجل مقامه وقومه وهو الذي استطاع أن يعيد وحدة الفكر والقول والعمل إلى بنية شخصيته فأصبح يفكر كما يريد، ويقول بما يفكر فيه، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون عاقبة عمله، الا الخير والمنفعة للناس والبر بهم جميعا”

(حسن حنفي،2006: ص98)

لذا فأن كافة أنواع المقاومة العنيفة تدخل في إطار العمليات المشروعة، خارجة عن دوائر الأعمال الإرهابية التي لطالما حاول الأمريكيون والإسرائيليون خلطها مع الحق المشروع في المقاومة، لخدمة هدفهم المتمثل في استعداء العالم ضد الشعوب التي تخوض المقاومة لطرد الاحتلال..فهل يعقل ألا تقوم مقاومة من طرف أمة تتعرض للعدوان، وتستهدف بناها التحتية، من طرف الاستعمار؟ فمن ينهي سلطة الاحتلال؟ وهل هو الضحية الذي وقع عليه الفعل بإيمانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وبإيمانه بحقه المشروع في المقاومة، أم الجلاد المعتدي عندما يوبخه ضميره يستيقظ فيه صوت الروح، ويعود إلى رشده ويستعيد ما في جبلته من إنسانية؟(زهيرالخويلدي،2012:انترنت)

والقضية الفلسطينية العادلة من البساطة والوضوح بحيث لا تحتاج إلى كثير من الفلسفة الكلامية، والسفسطات البيزنطية، والبرامج والمشروعات النظرية، لتأكيد مشروعيتها، بل تحتاج إلى مقاومة ترهب المحتل كي يغادر ويرحل عن هذه البلاد..وقد اكد هذا النهج “فقهاء كثيرون من أمثال (هارد وشارل دي فيشر، وكالفووهاينس تايلور) الذين ذهبوا للقول بأن لسكان المناطق المحتلة حق الثورة، بل يقع عليهم واجب الثورة المفروض عليهم انطلاقا من علاقة الولاء القائمة بينهم وبين دولتهم الأم” (نهاد خنفر،2005 م:ص34)

وهذا لان الاحتلال هو عبارة عن سلطة تقوم على القوة لا على القانون، وهي لذلك تقاوم بالقوة المدعومة بقوة القانون..حيث يعرف الاحتلال بأنه “استخدام القوة المسلحة من جانب دولة ضد سلامة ووحدة الأراضي الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى، أو بأي

طريقة لا تتمشى مع ميثاق الأمم المتحدة” (احمد رفعت،ب-ت:ص22)

ومصطلح الارهاب يختلف في تعريفه اختلافا جذريا عن المقاومة، وتتعدد الاراء فيه وإلى الآن لم يتحدد مفهومه، بل تشن الحملة ضده لعدم تحديد واضح المعالم لما هو الإرهاب؟ ومن هو الإرهابي؟ ومتى يكون إرهابيا؟ وكيف يكون هذا الشخص أو تلك الجماعة، أو الدولة أو الدول إرهابية؟ وكل هذا لم يتحدد دوليا..” (محمود الشوبكي، 2007:ص34)

فقد عرفته عصبة الأمم أعمال الإرهاب على أنها “الأفعال الإجرامية الموجهة ضد دولة من الدول والتي من شأنها بحكم طبيعتها أو هدفها إثارة الرعب في نفوس شخصيات معينة أو جماعات من الأشخاص أو في نفوس العامة” (ميشال ليان،2002م:انترنت)

وتم تعريفه بأنه “استخدام القوة المسلحة من جانب دولة ضد سلامة ووحدة الأراضي الإقليمية” (هاني  الطعيمات،2003م:ص30)

وقد عرفته وزارة الدفاع الأمريكية بانه: ” الاستعمال أو التهديد غير المشروع للقوة ضد

الأشخاص أو الأموال، وغالباً لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو عقائئدية” (محمد شكري، 1991: ص45)

وقد عرفته الموسوعة السياسية أنه “استخدام العنف أو التهديد بأشكاله المختلفة كالإغتيال والتشويه والتخريب والنسف، بغية تحقيق هدف سياسي معين، مثل كسر روح المقاومة والإلتزام عند الأفراد، وهدم المعنويات والمؤسسات” (بلاله السنوسي،ب-ت:ص6)

كما عرف الاراب بأنه “بث الرعب الذي يثير الرعب في الجسم والعقل، أي الطريقة التي تحاول بها جماعة منظمة أو حزب أن يحقق أهدافه عن طريق استخدام العنف” (موسوعة نضرة النعيم،1418هـ:ص3828)

الخلطالمقصود بينالإرهابوالمقاومة:

إن لغة المصالح التي تتفق أحيانا وتتعارض احيانا بين الدول والأنظمة في العالم، هي التي تفرض حالة من الخلط التعريفي والعملي بين ما يعد إرهابا، وما يعد مقاومة.. خصوصا تلك الدول الاستعمارية التي عمدت إلى تغذية مصالحها الخاصة من خلال الخلط بين الإرهاب والمقاومة، وسحق كل الأصوات التي تناهض تحقيق تلك المصالح، بوصفها بانها ارهابيه.

وهذا ما حدى بهؤلاء الاستعماريون الى وصف المقاومة زيفا وزورا وبهتانا بالإرهاب، فكان كل من ناضل وقاتل وكافح الاحتلال، خاصة في الدول العربية والإسلامية إرهابي.. ذلك بمساعدة الحكام العملاء الخونة والطابور الخامس الذين استغلوا كل وسائل الإعلام المسموعة والمقرؤه والمرئية، في نشر كل أباطليهم حول المقاومة ورجال المقاومة، وحتى كل من يريد مساعدة المقاومة ورجالها” (السيد مصطفي أبو الخير،2010م:ص7)

وينظر البعض من الغرب الى المقاومة الفلسطينية، بأنها مقاومة عنيفة، والبعض الاخر يميل إلى إطلاق صفة الإرهاب عليها، ويقول: “كلاهما يتجاهل بدقة التاريخ الحافل للنضال السلمي، في حين يفشلون في تقدير ما يريده الفلسطينيون من الحرية وحق العودة، وليس علماً على إقليم يسمّى “دولة” . (مازن قمصية،2011م:انترنت)

وعلى نفس النهج تعمدت إسرائيل القيام بالخلط المفاهيمي والعملي بين الإرهاب والمقاومة، بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع، والذي سبقه الخلط الفعلي بين ما هو مدني، وما هو غير ذلك، وبين ما هو مبرر، وما هو غير مبرر، في قائمة طويلة من الأحداث التي وثِّقت عبر العشرات أو المئات من المؤلفات، التي رصدت ذلك”(عاطف الغمري،2004م:ص16)

وهكذا “فإن إسرائيل قد شوهت ملامح القانون الدولي في كل ما تأتيه من تصرفات، فأي عمل تقوم به المقاومة الفلسطينية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي هو عمل إرهابي من وجهة نظرها. وهذا بالرغم من أن مقاومة الاحتلال ومجابهته هي حق مشروع وفقًا لأحكام القانون الدولي ومشروعية هذه المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي هي أقل ما يمكن أن يقدمه القانون الدولي لشعب يرزح تحت الاحتلال الاستيطاني الصهيوني ومن المهم أن نذكر أن العديد من القرارات قد أكدت على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحقه في النضال من أجل نيل هذا الحق.مشروعية المقاومة” (عبد الرحمن أبو النصر، 2006م:ص140)

وبالتالي لماذا تريد الامبريالية وربيبتها الصهيونية أن تربط اسم المقاومة لدينا بتهمة الإرهاب؟ ونقول أليس الإرهاب مجرد كلمة اخترعتها الفئات المسيطرة من أجل الهيمنة على الآخرين؟ وهل نتنصل من المقاومة كي لا نتهم بالإرهاب، أم الإشادة بها وإسنادها بالفلسفة التي تنقصها؟ وأليس من اللائق بالنسبة الينا أن نعلن دون مواربة ولا تردد أنه حيث تكون سلطة استعمارية استيطانية تقوم مقاومة وصمود وتصدي؟ (زهيرالخويلدي،2012:انترنت)

فالمنطق الصحيح إن مفهوم الإرهاب لا ينطبق على قيام أي شخص، أو مجموعة أشخاص، أو مجتمع مدني، باللجوء إلى العنف المشروع، دفاعا عن النفس ضد القوات العسكرية المحتلة لأراضي وممتلكات مجتمع مدني، أو شعب، أو دولة أخرى” (معن أبو نوار،2004م:انترنت)

فالمقاوم حتى لو هزم، في معركة، فلا يتوحد بالمعتدي، ولا يتقمص سلوكه فيما بعد حتى لو انتصر عليه، بل يحاول دائما تجنب سلوكه، والقيام بسلوك مخالف، فلا يمارس على الآخرين السلوك الذي مورس ضده، لأنه قد أفرغ شحنة الغضب والحقد والكراهية والعدوانية إبان الصراع مع المعتدي عليه” (مدونة الدكتور خضر عباس،2012م:انترنت)

تنوع أشكال المقاومة الفلسطينية:

مما سبق من هذا الاستعراض الوجيز لتاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني، نلحظ بشكل واضح بان هذا التاريخ الحافل بالمقاومة، يستخدم جميع الاشكال المتاحة في هذه المقاومه.

والتي تراوحت هذه الاشكال ما بين المقاومة المسلحة، اي القائمة على العنف الذي عرّفة (قميصه) بانه “يتألف من مجموعة من الأفعال التي تسبب الأذى للآخرين على افتراض أن هذا سيساعد على تحقيق هدف أو نتيجة ملموسة”…وبين اللاعنف، حيث اتسمت كل مرحلة من تاريخ الشعب الفلسطيني، بتقدم أحد الأشكال على الأخرى، وأحيانا تعايشت أشكال مختلفة من المقاومة في نفس المرحلة مع بعضها البعض.. والمقاومة الشعبية قد تطورت أشكالها نتيجة الممارسات الصهيونية المجحفة.. حتى اصبح كلّ فلسطيني لديه قصة ما يرويها وراء قضية القتل والإيذاء والسجن”..ولذا نخلص بان المقاومة الشعبية في فلسطين، لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الجزائر وجنوب إفريقيا، ودائماً ما كانت المقاومة الشعبية مستمرة في فلسطين، لكن شدتها وضعفها يعتمدان على عوامل داخلية وخارجية..حيث أنه ينبغي على الجميع أن يعمل ويناضل، كل من جانبه..لأن مجرد الاعتقاد بضرورة انتظار الآخرين لتحقيق شيء من أجل هذا الصراع محكوم عليه بالفشل” (مازن قمصية،2011م:انترنت)

ومع تناول التجارب المختلفة حول العالم، يجدر التأكيد أنه لا يمكن لحركة ما، أن تقرر ما هو شكل النضال الرئيس، فأشكال الكفاح المختلفة تتقرر وفقا للعديد من العوامل المعقدة وضمن سياق تاريخي، وتتصل هذه العوامل بطبيعة الصراع وطبيعة العلاقة بين طرفي الصراع، وهي عوامل لها علاقة وطيدة بثقافة طرفي الصراع، والوسائل المستخدمة في

السيطرة، والبدائل المتاحة للحركة التحررية مع الابعاد الإقليمية والدولية…الخ. وبالتالي لا يمكن تعميم أي شكل من أشكال المقاومة، حتى لو نجح في مكان ما، أو في فترة ما،  ولا يمكن تطبيقه على حالة أخرى مهما كانت درجة التشابه بينهما، لأن ما يختزنه الشعب والحركة التي تقوده من تجربتها وثقافتها وتاريخها قد يختلف، وكذلك الطرف الآخر للصراع، الذي يكون لها الدور الحاسم في سلوك طرفي الصراع لهذا الشكل او ذاك.. ومهما بلغت المهارة لدى أفراد بعينهم ومدى معرفتهم ورغبتهم في تطبيق نموذج معين مارسته حركة أخرى في قيادة شعب ما، فإن ذلك لن ينجح أو يفيد في سياق الحالة التاريخية ومستوى تطور حركة شعب آخر..ولذا فان الشعب الفلسطيني قد خاض أشكالا عديدة من المقاومة، سواء تعايشت تلك الأشكال معا في مرحلة معينة، أم تتابعت عبر مراحل الكفاح الطويلة..رغم أن هناك من دعا بالنسبة لفلسطين للمزاوجة بين الحرب النظامية (جيوش عربية) مع حرب شعبية فلسطينية..ولكن أيا كانت المسوغات والدعوات التي ترى أفضلية لشكل على آخر، أو تصر على تقديس نموذج بعينه، فإنها تظل ضيقة وقاصرة نظريا عن معالجة الصورة الأشمل، خاصة في الصراعات الطويلة والمعقدة،

كالصراع الفلسطيني” (سالم أبو هواش،2012م:انترنت)

أترك تعليقا

إضطراب شخصية “اريك شارون” من منظور كاتب اسرائيلي “عوزي بنزيمان”

 

إضطراب شخصية “اريك شارون” من منظور كاتب اسرائيلي “عوزي بنزيمان”

إعداد الدكتور/ خضر عباس

يعتبر الكاتب الإسرائيلي “عوزي بنزيمان” ان شخصية “اريك شارون” يعتريها الإضطراب منذ طفولته، حيث كانت العدوانية تستقر في نفسه، وقد جاءت الفرصة الآن لإفراغها في ميدان المعركة، أي انه حمل معه إلى ميدان المعركة، العزلة، والشعور الدائم بالتهديد والانضباط الصارم، والإصرار والشعور بالظلم الذي شعر بها وهو ما زال طفلاً في مستوطنة “ملال” وكان العمل العسكري بالنسبة له اكثر من مجرد عمل او وظيفة، بل طريق حياة يمكن أن يعبر فيها عن مزاياه، ودوافعه، ورغباته، حيث اعترف نفسه بقوله “أن شخصيته تعبر عن صفات وراثية وذكريات شبابه”.

هاجر والديه(صموئيل، وميزا) سنة 1922 من روسيا لفلسطين:

      ×         سكن في مستوطنة مع والديه”عين حاي” أي “ملال” جنوب مستوطنة “بتح ثكفا”.

  ×    كان والده يعرف بأنه شخصية “متعجرفة” يحاول فرض نمطه في الحياة على الآخرين وكان لذلك غير محبوب من أهالي المستوطنة، وكان يعارض رأي الأغلبية.

      ×         ولد “اريك”عام 1928 في ظل أسرة تعاني من الغربة والعزلة حتى في محيطها من قبل المستوطنين.

  ×    في الثالثة من عمره جرح في قدمه، وذهبت به والدته لعلاجه لدى طبيبة روسية في مستوطنة تبعد (3كيلو) عن مستوطنته نظراً لسوء علاقتهم مع عيادة “ملال”.

      ×         يدرك “اريك” هذه الواقعة، ويعني انهم كانوا مكروهين من جيرانهم اليهود بسبب غطرستهم.

  ×    وكان والده يشكون في جيرانهم ليس العرب فقط، وانما اليهود بأنهم يسرقون محاصيلهم، فكانوا والده يتناوبون الحراسة في الليل.

      ×         وكان يشعر “اريك” ويحس بكراهية سكان المستوطنة لهم.

  ×    كما كان يدرك بأن أولاد سكان المستوطنة يخافون والده ويبتعدون عنه، حيث اشتهر والده بأنه “صلف” لا يقدر ولا يحترم شعور الآخرين، وقاسٍ وسريع الغضب وكان أهالي القرية يخبرون أولادهم بذلك كي لا يغضبوا والده.

  ×    في السادسة من عمر “اريك” سلمه والده عصا، يتجول بها ليفرض سطوته وهيبته على أفراد القرية، ومعاقبة من يجرؤ على الاقتراب من ثمار مزرعتهم.

      ×         ولهذا السبب ظل “اريك” يعيش في ظل أبيه، ولم يندمج جيداً مع أطفال القرية، ولم يكن ناجحاً اجتماعياً.

  ×    لقد كان والده أباً “صارماً” يطالب أولاده بانضباطية مطلقة، وعن طريق الضرب والتعذيب والأوامر والعقاب تعلم “اريك احترام إرادة والده، وتعلم المحافظة على ممتلكات الأسرة والاكتفاء بصدق والده في خلافه مع مؤسسات المستوطنة.

      ×         في ظل الظروف الأسرية هذه نشأ “اريك” الذي اعتاد على حياة ناقصة وعلى غذاء في الغالب من إنتاج المزرعة.

      ×         كان “اريك سميناً وكان رجلاه ضخمتان حيث كان محط سخرية الأطفال الذين لقبوه “بالثور”.

      ×         لقد كان والداه صارماً بكل معنى الكلمة، وكان يحاول فرض ونقل أسلوب تفكيره على أبنائه.

  ×    كان اريك متوسطاً في الدراسة أراد والده أن يُحسن مستواه نظراً لباقي سكان المستوطنة، فاستأجر له معلماً لذلك من اجل منافسة الآخرين.

  ×    كان “اريك” في صغره يرى والده بعينيه وهو يضرب أولاد المستوطنة بقسوة الذين جراون على سرقة ثمار من مزرعته.

      ×         كان يرى والده وهو يقف كثيراً أمام صوره تصف المذبحة، ويقول يجب إلا تتكرر مثل هذه المذبحة.

  ×    لقد تعلم اريك أن يحترم والده ويخافه، ويتمثل أوامره، برغم انه رجل صارم، ومتعجرف ويحاول فرض أفكاره وآرائه على سكان المستوطنة الذين تدهورت علاقتهم به بسبب هذا الأسلوب.

  ×    كان والده يتغيب أحيانا على البيت لمدة طويلة للبحث عن عمل، كان خلالها يتحرر اريك من ضغط النفس والانضباطية الصارمة، التي كان يفرضها عليه.

  ×    أن أفكار اريك ونفسيته انسحبت من خلال الانطباعات التي استوعبها من والده والتي كان يبث به الشعور بالخطر الدائم سواء من داخل المستوطنة او خارجها من العرب.

  ×    تعلم اريك منذ الصغر على استخدام السلام لكي يحمي نفسه من اعتداءات العرب كما كان يلعن دائماً وكان يؤمن منذ الصغر بضرورة إنقاذ البلاد من الغرباء الفلسطينيين.

  ×    لقد تعلم والده الصلابة والإصرار على الرأي وتحدي الآخرين كما انه قد تعلم فائدة استخدام القوة من والده حيث كان يسيطر والده على اكبر قطعة ارض في المستوطنة والتي حدد حدودها والده باستخدام القوة، كما أدرك منطق الترهيب والتخويف وبعث الرعب في نفوس الآخرين من خلال استخدام الكلاب الضخمة المخيفة، والأسلاك الشائكة حول مزرعته، وبعث والده في نفوس أهل القرية بأنه رجل مرعب ومخيف، مما آثار لدى سكان المستوطنة الشعور بالخوف منه بشكل دائم.

      ×         وكانت والدته انعزالية، وكذلك أخته ووالدته تطبق تعليمات والده بحرص، وتخلص لها.

  ×    في العاشرة من عمر اريك عندما كان عضواً في الحقل، كان يحمل معه عصا، وكان يضرب زملائه بها على رؤوسهم بقسوة، مما اغضب اشد منهم.

  ×    كان أهل القرية يشفقون على اريك انه ابن “لصموئيل” و”ميزا” اللذان يخضعانه لتعليمات صارمة جداً وانضباطية خاصة وكأنه في ثكنة عسكرية.

  ×    انضم في سن مبكرة “للهاجاناه” وجعل والده يقسم يميناً “بأن لا يتعاون مع أحد لتسليم يهود يعملون في إطار الحركات السرية، إلى السلطات البريطانية.

  ×    منذ أن تخرج اريك من المدرسة الثانوية، احب الحياة العسكرية وانخرط بها، وانضم لوحدة “النواطير” وعندما قرأ مجاهد الوحدة البريطانية القسم عليهم، تمتم “اريك” بكلمات غير مفهومة وقال لأصدقائه انه لم يردد معه لأنه لا ينوي لإيفاء بهذا القسم لبريطانيا.

      ×         وعندما أنشأت إسرائيل لم تجند في لواء “الالكستندروني” في الجيش الإسرائيلي.

أترك تعليقا

خصائص الشخصية اليهودية لدى علماء النفس

أقرأ باقي الموضوع »

أترك تعليقا

قرارالتقسيم رقم ” ١٨١ “

قرارالتقسيم رقم١٨١

الدكتور/ خضر عباس

تمهيدا لقرار التقسيم قالت بريطانيا “إن من شأن الوضع الحالي في فلسطين إيقاع الضرر بالمصلحة العامة والعلاقات الودية بين الأمم..ولذا فإنها تسعى كسلطة انتداب إتمام جلائها عن فلسطين في الأول من آب عام 1948م، وتوصي بصفتها السلطة المنتدبة، بتبني مشروع التقسيم.. والذي يتطلب تنفيذه إلى :  1- أن يتخذ مجلس الأمن الإجراءات الضرورية، كما هي مبينة في الخطة، من أجل تنفيذها.

2- أن ينظر مجلس الأمن – إذا كانت الظروف خلال الفترة الانتقالية تقتضي مثل ذلك النظر- فيما إذا كان الوضع في فلسطين يشكل تهديدًا للسلم .فإذا قرر مجلس الأمن وجود مثل هذا التهديد وجب عليه في سبيل المحافظة على السلم والأمن الدوليين، أن يضيف إلى تفويض الجمعية العامة اتخاذ إجراءات تمنح لجنة الأمم المتحدة -تمشيًا مع المادتين 39 و41 من الميثاق وكما هو مبين في هذا القرار- سلطة الاضطلاع في فلسطين بالمهمات المنوطة بها في هذا القرار.

3-  أن يعتبر مجلس الأمن كل محاولة لتغيير التسوية التي ينطوي عليها هذا القرار بالقوة تهديدًا للسلام، أو خرقًا له، أو عملا عدوانيًا، وذلك بحسب المادة 39 من الميثاق.

4-أن يبلغ مجلس الوصاية بمسؤولياته التي تنطوي عليها هذه الخطة..وتدعو سكان فلسطين إلى القيام من جانبهم بالخطوات اللازمة لتحقيق هذه الخطة.. تناشد جميع الحكومات والشعوب أن تحجم عن القيام بأي عمل يعيق هذه التوصيات أو يؤخر تنفيذها.

قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947:

لقد استغل اليهود الصهاينة أجواء الحرب العالمية الثانية استغلالاً كبيراً، وسعوا إلى استثمار التعاطف الذي نشأ بسبب المذابح التي ارتكبها هتلر ضدّهم، والتي تم تضخيمها وتهويلها بشكل عظيم، مؤكدين أن لا بديل لنجاتهم إلا بإقامتهم في وطن قومي خاص بهم. وحوَّل اليهود مركز نفوذهم إلى القوة العظمى الصاعدة الولايات المتحدة” (فلاح علي، : ص141)

وعرضت بريطانيا في مؤتمر لندن10سبتمبر- 2 أكتوبر 1946م مشروعاً اتحادياً لمشروع “موريسون” يتضمن تقسيم فلسطين لأربعة مناطق إدارية: (منطقة يهودية، ومنطقة عربية، والقدس، والنقب) بحيث تمنح المنطقتان العربية واليهودية استقلالاً ذاتياً.. وقد رفض العرب هذا المشروع” (الموسوعة الفلسطينية ، :ص52)

وقد رفعت بريطانيا قضية فلسطين للأمم المتحدة بحجة أنها قررت إنهاء انتدابها على فلسطين، فدعت في 2 إبريل 1947م الأمم المتحدة لعقد دورة استثنائية..وبعد مناقشات مسهبة قررت الجمعية العامة  في 15 مايو 1947 تأليف اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين (انسكوب- UNSCOP)

Islam Khan, 1998 , pp.232)                                                                           )

وقد عقدت الجمعية العامة دورة استثنائية بناء على طلب السلطة المنتدبة لتأليف لجنة خاصة وتكليفها الإعداد للنظر في مسألة حكومة فلسطين المستقلة في الدورة العادية الثانية..وقد ألفت لجنة خاصة، وكلفتها التحقيق في جميع المسائل والقضايا المتعلقة بقضية فلسطين، وإعداد اقتراحات لحل المشكلة” (النفاتي زراص، :ص54)

وتتمثل مهمة هذه اللجنة التحقيق في قضية فلسطين ورفع تقرير للجمعية العامة، وتقديم الاقتراحات التي تراها ملائمة..وتضمن تقرير اللجنة أن العرب أكثر من ثلثي السكان، وأنهم يملكون ما يزيد على 86% من أرض فلسطين، وأنهم بموجب حقهم الطبيعي القانوني توَّاقون للحصول على استقلالهم الناجز..كما قد تضمن تقرير اللجنة كذلك توصيات وافق عليها أعضاؤها بالإجماع وهي: إنهاء الانتداب البريطاني، واستقلال فلسطين على أن تسبق ذلك مرحلة انتقالية، تكون السلطة في أثناءها مسئولة أمام الأمم المتحدة مع بقاء الصبغة الدينية للأماكن المقدسة.

ولكن انقسم الأعضاء في تفصيلات النقاط الأخرى، فانقسموا إلى أكثرية قدمت المشروع التالي:

1. تقسيم فلسطين إلى دولتين يربط بينها اتحاد اقتصادي.

2. تكون الدولة العربية على مساحة 42.88% من المساحة لأرض فلسطين ويسكنها 725 ألف عربي و10 آلاف يهودي.

3. تكون الدولة اليهودية على مساحة 56.74%، وسكانها 498 ألف يهودي و497 ألف عربي.

4. يوضع للقدس كيان مستقل خاضع لنظام دولي خاص، تتولى الأمم المتحدة إدارته عبر مجلس وصاية (القدس والبلدان المجاورة حتى أبو ديس شرقاً وبيت لحم جنوباً وعين كارم غرباً) وتضم 105 آلاف عربي و100 ألف يهودي.

وإلى أقلية قدموا المشروع التالي:

- إقامة دولة اتحادية عاصمتها القدس، تضم حكومتين مستقلتين استقلالاً داخلياً..ولم يؤخذ به.

التصويت على القرار:

وفي 3 سبتمبر 1947 جعلت الأمم المتحدة من نفسها لجنة خاصة لبحث المشروعين، ورفضت الجمعية العامة اقتراحاً بدعوة محكمة العدل الدولية لتقرير صلاحية الأمم المتحدة في النظر في تقسيم فلسطين.. وصوتت 21 دولة مقابل 20 على أن للأمم المتحدة صلاحية التوصية بتطبيق قرار التقسيم، دون حاجة لموافقة أكثرية شعب فلسطين.

ولقد كان هذا التصويت بمثابة مخالفة من قبل الأمم المتحدة لأبرز مواثيقها التي قامت على أساسها، وهي حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وهذا يمثل انعكاس طبيعي لنفوذ الدول الكبرى، وعدم عضوية أغلبية دول العالم الإسلامي وإفريقيا، في ذلك الوقت في الأمم المتحدة، لأنها ما تزال تحت حالة الاستعمار.

وفي 25 نوفمبر 1947 وافقت اللجنة الخاصة على خطة التقسيم مع وحدة اقتصادية، ورُفع الأمر للجمعية العامة لاتخاذ قرار يحتاج إلى أغلبية الثلثين الحاضرين المشتركين في التصويت.. ولم تكن القوى الكبرى تملك أغلبية الثلثين آنذاك، فأرجئت التصويت إلى اليوم الذي يليه، مما مكن اليهود وحلفاؤهم من شراء الذمم، بالترغيب او الترهيب، وضمان النسبة المطلوبة للتصويت..فقد استلمت زوجات ممثلي أمريكا اللاتينية هدايا كثيرة من ألماس ومعاطف الفرو الثمينة، وأَمَرت حكومة هايتي (التي صوتت ضد التقسيم) مندوبها بالتصويت معه، بعد أن وعدتها أمريكا بالمساعدة الاقتصادية. واستخدم رجل الأعمال الأمريكي (روبرت ناثان) نفوذه الاقتصادي لشراء صوت دولة (جواتيمالا) كما هدّدت شركة (فايرستون) ليبيريا اقتصادياً إن لم تتحول من الامتناع إلى التأييد، كما تعرضت الفليبين لضغوط شديدة، وتدخل رئيسها، فأمر بالموافقة على القرار.. وهكذا انقلبت الأمور.

قرار التقسيم مشروط (مؤتمر لوزان):

إن دولة إسرائيل هي الحالة الوحيدة التي قبلت عضويتها في الأمم المتحدة، بناء على تعهدات منها مسبقة،

حيث وافقت على الاشتراطات، التي وضعت عليها لتمرير عضويتها، في داخل منظمة الأمم المتحدة..

فإسرائيل هي الدولة الوحيدة التي وضعت لها المنظمة الدولية شرطاً مسبقاً لقبولها عضواً في المجتمع الدولي..فبعد قرار التقسيم، قامت إسرائيل بتقديم طلب عضوية للمنظمة الدولية، فتقدمت بطلب قبول لعضويتها في الأمم المتحدة، لكن انقسم الموقف الدولي إزاء هذا الطلب، فاصرت بعض الدول على عدم الاعتراف..ولكن في سياق تسوية معينة، طلبت الجمعية العامة إلى إسرائيل تأكيدات بالتزامها مسبقا بالقرارين، قرار التقسيم (181) والقرار (194) المتضمن حق اللاجئين في العودة، وتدويل القدس. وبناء على هذا التعهد  صدر القرار 237 في 11/5/1949م الذي ينص على قبول إسرائيل عضواً في المنظمة الدولية ربطاً بالتزامها القرارين 181 و194..والذي في اليوم التالي 12/5/1949م وتحت إشراف لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين أكدت إسرائيل التزامها بالقرارين المذكورين حين وقع مندوبوها على ما يسمى آنذاك ببروتوكول لوزان، بين الدول العربية وإسرائيل.. ومن أهم نقاطه:

1) اتخاذ الخريطة الملحقة بقرار الجمعية العامة الصادر في 29/11/47 (أي قرار التقسيم) أساساً للمحادثات بشأن مستقبل فلسطين مع بعض تعديلات إقليمية تقتضيها اعتبارات فنية.

2) ارتداد إسرائيل إلى ما وراء حدود التقسيم.

3) تدويل القدس.

4) عودة اللاجئين وحقهم في التصرف بأملاكهم وأموالهم وحق التعويض للذين لا يرغبون في العودة (الموسوعة الفلسطينية،:ص239).

ولكن في حقيقة الأمر فإن تعهد إسرائيل لم يكن الا مناورة لتمرير عضويتها في الأمم المتحدة، إذ أنه بعد إن وافقت الأمم المتحدة على عضويتها تنكرّت لاتفاقية لوزان، ورفضت تنفيذ شروطها، وتنصلت من كافة التزاماتها التي تعهدت بها، بل وعطَّلت أي عمل للجنة متعلقٍ بتنفيذ التقسيم أو بحق عودة اللاجئين.

تعليق على قرارالتقسيم:

إن من يدقق في ما حددته المواد 10-11-14 من ميثاق الأمم المتحدة اختصاص الجمعية العامة، في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، وفي جميع هذه المواد التي ذكرت تقوم الجمعية العامة، بإصدار توصيات غير ملزمه، سواء كانت تلك التوصيات بالإجماع، أو الأغلبية، فإنها لا تتمتع بقوة الإلزام”

 (International Organisations, p 17 )

لذا فإنه للعلم فان الجمعية العامة لا تتخذ توصيات إلا في المسائل قليلة الأهمية، أما المسائل الهامة، فيجب أن تعرض على مجلس الأمن الدولي..ويرى فقهاء القانون الدولي بان الجمعية العامه لا تستطيع أن تنظر، أو تناقش أية منازعه دوليه، بشكل عام وان تتخذ فيها عمل ما، لان مجلس الأمن هو الذي يختص بذلك.. وقد اوجب ميثاق الأمم المتحدة على الجمعية العامه إحالة المسائل التي تتطلب أعمال أو تدابير إلى مجلس الأمن، وان تنبهه إلى أية مسألة لها تأثير على السلم والأمن الدوليين” (محمد الدقاق،1983م: ص450)

ومن ناحية أخرى، فإننا إذا نظرنا إلى اختصاص الجمعية العامة باتخاذ قرار التقسيم، باعتبار هذا القرار

يدخل ضمن اختصاصها العام، الذي قررته المادة العاشرة من الميثاق، حيث ان الميثاق لم يعط الجمعية العامه أو أي جهاز من أجهزة المنظمة_في أي نص من نصوصه_بما في ذلك نص المادة العاشرة، حق خلق دوله جديدة على أرض شعب آخر، ومن ثم فان إصدار الجمعية العامه لقرار التقسيم، يعد خروجا من الجمعية العامة عن نطاق الاختصاص الذي قرره لها الميثاق” (عبد الكريم خضر،1997م: ص76)

لذا فإن إجراء الجمعية العامة في التقسيم يعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية لبلد غير مستقل، وفقا للفقر ة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي لا تجيز للأمم المتحدة التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطات الداخلية لدولة ما. إذ ان هذا الإجراء لا يملكه إلا صاحب السياد ة في الإقليم، وهو شعب الدولة، الذي تثبت له السيادة” (محمد حافظ،1992م، ص249)

وبالتالي فإن الحل الذي قدمته الجمعية العامه للصراع لا يتفق واعتبارات العدالة الإنسانية والقانون الدولي، وكذلك ميثاق الأمم المتحدة. وان ما قدمه قرار التقسيم كان أكثر مما قدمه وعد بلفور وصك الانتداب على فلسطين، حيث انه يوجد فارق كبير بين تعبير “الوطن القومي”، وتعبير الدولة”  الذي جاء في قرار التقسيم”(جعفر عبد السلام،1990م: ص31)

ولقد وصف الكاتب اليهودي الفرد ليلينتال الطريقة المكيافيلية التي تم بها الحصول على قرار التقسيم بقوله:”  إن الأمم المتحدة سددت ضربة شديدة الى هيبة القانون الدولي والنظام الدولي، بمعالجتها المتسرعة 1575 التافهة والمتغطرسة لقضية فلسطين. وقد أشاحت الجمعية العامة بوجهها عن المقترحين المعقولين الوحيدين وهما: اجراء استفتاء في فلسطين، وعرض المشكلات القانونية على محكمة العدل الدولية.ان مشكلة الاشخاص المشردين قد عولجت بطيش مشين لان الاشخاص الذين شردتهم الحرب العالمية الثانية مهما كان معتقدهم ، انما تقع مسؤوليتهم بالتاكيد على عاتق المنظمات الخيرية العالمية، وليسوا حجارة شطرنج في لعبة القوى المتقلبة للقوميين اليهود” (أحمد طرابين، :ص 878)

وقد تكفل ميثاق الأمم المتحدة بإعطاء الجمعية العامه سلطة إصدار القرارات الملزمة، واقتراح التوصيات، فالجمعية العامة قد خولت إصدار قرارات ملزمه في مسائل معينه مثل قبول العضوية أو وقفها، عند اتخاذها قرارات تحت بند “الاتحاد من اجل السلام” وعند إصدارها قرارات في إطار استخلافها لعصبة الأمم فيما يتعلق بنظام الوصاية..وللجمعية العامة في أحوال أخرى، أن تصدر قرارا بتوصية، وفي هذه الحالة لا يعد القرار ملزما، إلا إذا توالى إصدار ذلك القرار بتوصية، فانه يعد عندئذ قرارا ملزما من حيث كونه أصبح عرفا دوليا” (النفاتي زراص،:ص35 )

ولقد أعطى قرار التقسيم السند الشرعي والقانوني لقيام دولة إسرائيل، وهذا ما كانت الحركة الصهيونية تنشده، حيث أن الحجج والبراهين التاريخية والتوراتية لم تكن كافية لقيام دولتهم..ومن هنا كانت ضرورة تحرك الحركة الصهيونية تجاه الامم المتحده لإعطاء إسرائيل السند الشرعي لقيامها، وهو قرار التقسيم.

ان إسرائيل كانت في حاجة إلى غطاء قانوني لاقامتها، وقد اعطاها قرار التقسيم هذا الغطاء في القانون الدولي، خاصة وان شرعية اسرائيل لم تملك في كل حججها الا على أسانيد وحجج تاريخية وتوراتية لا ترقى الى الحقيقة،  وإن هذه الأسانيد لا تعطي اليهود الحق في إقامة دولتهم على أرض فلسطين، ولذا فإن القرار “181″ والذي أعطى إسرائيل السند القانوني لقيامها, تناقض بشكل صريح وواضح مع أهداف الأمم

المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين”

والذي على أثرة أوصت الأمم المتحدة بالتقسيم، الذي يعد خرقا لميثاقها نفسها، حيث ان الأمم المتحدة ليست مخولة من الوجهة القانونية أن تفرض تنظيمًا دستوريًا على فلسطين، وكيف لها ان تقسم دولة غالبية السكان فيها من عرب فلسطين، وهم الذين لهم الحق في إقامة دولة حرة مستقلة..وباي حق يتم التصويت  في الجمعية العامة للامم المتحدة بالأكثرية لقرار التقسيم رقم 181 الذي يدعو الى تقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية، والى تدويل مدينة القدس. حيث أفضى القرار في النهاية الى إقامة دولة يهودية في فلسطين دون قيام دولة عربية فلسطينية.

وبالنسبة لصلاحية الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرار التقسيم، فان المادة الثانية “الفقرة السادسة”  من ميثاق الأمم المتحدة تمنع الأمم المتحدة من التدخل في الشؤون الدستورية الداخلية لأي دولة، وأن من حق الشعب الفلسطيني تقرير مصيره دون تدخل الأمم المتحدة.

ولدت قضية اللاجئين الفلسطينيين مع ولادة القرار181الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية. والجمعية العامة للأمم المتحدة، بقرارها المذكور تجاوزت حدود الصلاحيات التي تتمتع بها.

وقرار التقسيم يشكل في حد ذاته خرقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على دور المجتمع الدولي في صون وحدة أراضي الدول والكيانات السياسية، وهو ما قام به في أوروبا (بولندا مثلاً). وإذا كان القرار هدفه كما يدعي البعض الفصل بين الشعبين الفلسطيني واليهودي لصعوبة التعايش فيما بينهم” (الموسوعة السياسية،1979م: ص610)

والوقائع أثبتت أن التقسيم هو الآخر لم يوفر التعايش بين الطرفين، ولم يضع حداً للصراع بينهما، بل شكل، وعلى العكس من ذلك، سبباً إضافياً لتوسيع رقعة الصراع. فالفلسطينيون وجدوا أنفسهم مرغمين على الدفاع عن أملاكهم وأراضيهم ووطنهم وكيانهم السياسي وحياتهم. والحركة الصهيونية وجدت في القرار ذريعة لتوسيع رقعة عدوانها، وقد افتتحت شهيتها التوسعية لابتلاع المزيد من الأرض في ظل اختلال فادح لصالحها في موازين القوى وفي الظروف الإقليمية والدولية.

وبقرارها، أيضاً، تكون الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تجاوزت صلاحياتها، وتجاهلت الإرادة الجماعية للشعب الفلسطيني في رفض تقسيم بلاده والمس بوحدتها، وسلخ أجزاء منها..ومن زاوية أخلاقية، أن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض، وهم الأكثرية الساحقة. وبالتالي فإن إرادتهم تشكل تعبيراً عن الديمقراطية في أرقى أشكالها. من هنا يصبح مفهوماً لماذا لم تعرض الجمعية العامة فكرة التقسيم على الاستفتاء الشعبي..وكيف أنها تعامت عن العديد من الوقائع الدامغة لتصوغ قراراها الظالم، متجاهلة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وأن ما من أحد يحق له أن ينوب عنه في ذلك.

افتقار القرار 181 إلى العدالة السياسية والقانونية والأخلاقية، لم يقتصر على الخلفية والآليات التي حكمت اتخاذه، بل امتدت لتطال مضمونه نفسه. ولعل تعبير «تقسيم» لا يوضح كيف يمكن أن يقسم بلد ما بطريقة شيطانية، بحيث يصبح تنفيذ أحد بنوده عملاً مستحيلاً، أو في أحسن الأحوال شديد التعقيد، تجابهه صعوبات لعدم توفر الإمكانيات العملية لمثل هذا التنفيذ. وإذا كان العديد ممن رفعوا أيديهم بالتصويت لصالح القرار يجهلون الحقائق الجغرافية والديمغرافية التي عبث بها هذا القرار، فإن الوقائع و الأرقام تؤكد، من جهة أخرى، أن الذين خططوا لهذا القرار ورسموا تفاصيله وخرائطه، كانوا يدركون جيداً ماذا يفعلون، وأية كيانات يصنعون ، وما هي حقيقة الصفحة السياسية الجديدة التي فتحوها في تاريخ المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، بل وحقيقة الصفحة السياسية الجديدة التي فتحوها في تاريخ الأمم المتحدة والعلاقات الدولية.

فمساحة فلسطين الانتدابية تبلغ 27 مليون دونم. كما بلغ عدد سكانها نهاية العام 1946 حوالي 1.972.000 نسمة، منهم حسب أغلبية الإحصاءات 1.364.000 عرباً و 608.000 يهوداً، معظمهم من المهاجرين الأوروبيين الذين دخلوا البلاد بصورة غير مشروعة ولا يمتلكون حق المواطنة. وقد قسمت فلسطين، بموجب القرار 181، إلى دولتين، الأولى «يهودية» أعطيت ما نسبته 55.5 % من مساحة فلسطين، في وقت كان اليهود كلهم يشكلون أقل من ثلث السكان، ويملكون أقل من 7% من الأرض. بينما أعطي الفلسطينيون 45.5 % من الأرض، وهم يشكلون أكثر من ثلثي السكان، ويملكون معظم الأرض..وقسمت فلسطين، بموجب القرار المذكور، إلى ثمانية أجزاء: ثلاثة عربية، وثلاثة يهودية، وجيب دولي ضم القدس  ومحيطها، وجيب آخر تقع فيه مدينة يافا وهو جزء من الدولة العربية لكن يقع في قلب الدولة اليهودية” (جورج طعمة،1989م: ص187)

عدم قانونية قرار التقسيم:

1-صدر مخالفاً لأحد أهم أهداف المنظمة الدولية، وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها.

2-يفتقر إلى أي سند قانوني، فالجمعية العامة لا تملك سلطة التصرف في شئون الأقاليم

الموضوعة تحت الانتداب، ومنها فلسطين.

3-ليس في ميثاق الأمم المتحدة أو أي هيئة رئيسية فيه سلطة تقسيم إقليم محدد دولياً خلافاً لرغبة سكانه.

4- يعد هذا القرار في الفقه الدولي -السائد في حينه- توصية غير ملزمة، صدرت وفق المادة العاشرة من ميثاق الأمم المتحدة، وهي لا يمكن أن تمس الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.

5-قرار التقسيم مخالف للعدل في التوزيع فلا هو راعى نسبة ملكية الأراضي (الذين لا يملكون أكثر من 6.5%) ولا راعى نسبة السكان الذين هم (اليهود 31.7%).

إن مشروع التقسيم اتخذ هالة كبيرة وقوة عملية لأنه يخدم الجانب اليهودي وأهداف القوى الكبرى.. رغم أن الكيان الصهيوني لم يعترف مطلقاً “بشكل رسمي” بهذا القرار، وتعامل معه كأمر واقع، ومسألة إجرائية..وإن ميثاق الأمم المتحدة لم يعط الجمعية العامة أو أي جهاز من أجهزة المنظمة في أي نص من نصوصه بما في ذلك المادة العاشرة، حق خلق دولة جديدة، بتقسيم دولة قائمة، إن هذا يعد خروجا من المنظمة الدولية عن نطاق الاختصاص الذي قرره لها الميثاق. لذلك، فان الحل الذي قدمته الأمم المتحدة للصراع العربي اليهودي في فلسطين لا يتفق واعتبارات العدالة والقانون الدوليين وميثاق الامم المتحدة” (أحمد أبو جعفر،2008م:ص2)

أي لقد أسهمت الامم المتحدة في خلق المشكلة الفلسطينية واستمرارها، بداية من قرار التقسيم رقم 81 عام 1947م والذي قرر إقامة دولتين عربية ويهودية على أرض فلسطين، وما تلى ذلك من قرارات قامت بمعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها مشكلة لاجئين، وانتهاءا بمجموعة من القرارات التي بدأت في الصدور منذ عام 1969م، والتي أصبحت تعالج القضية الفلسطينية من منطلق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وهو ما بلغ منتهاه عام 1988م، والذي اعترفت فيه الجمعية العامة بإعلان دولة في قرار الجمعية العامة رقم 43 فلسطين.

والنسبة لصلاحية الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرار التقسيم , فان المادة الثانية “الفقرة السادسة” من ميثاق الأمم المتحدة تمنع الأمم المتحدة من التدخل في الشؤون الدستورية الداخلية لأي دولة، وأن من حق الشعب الفلسطيني تقرير مصيره دون تدخل الأمم المتحدة.

ان إسرائيل كانت في حاجة الى غطاء قانوني لاقامتها، وقد اعطاها قرار التقسيم هذا الغطاء في القانون الدولي,، خاصة وان شرعية اسرائيل لم تملك في كل حججها الا على أسانيد وحجج تاريخية وتوراتية لا ترقى الى الحقيقة،  وإن هذه الأسانيد لا تعطي اليهود الحق في إقامة دولتهم على أرض فلسطين، ولذا فإن القرار 181والذي أعطى إسرائيل السند القانوني لقيامها, تناقض بشكل صريح وواضح مع أهداف الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين. والذي على أثرة اوصت الامم المتحدة بالتقسيم، الذي يعد خرقا لميثاقها نفسها، حيث ان الأمم المتحدة ليست مخولة من الوجهة القانونية أن تفرض تنظيمًا دستوريًا على فلسطين، وكيف لها ان تقسم دولة غالبية السكان فيها من عرب فلسطين، وهم الذين لهم الحق في إقامة دولة حرة مستقلة..وباي حق يتم التصويت  في الجمعية العامة للامم المتحدة بالأكثرية لقرار التقسيم رقم 181  الذي يدعو الى تقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية، والى تدويل مدينة القدس.. حيث أفضى القرار في النهاية لإقامة دولة يهودية في فلسطين دون قيام دولة فلسطينية رغم ان الأمم المتحدة قد اشترطت على إسرائيل القبول بإنشاء دولة فلسطينية وقبلت إسرائيل بذلك وتنصلت اسرائيل من إلتزاماتها.

وقد كانت الولايات المتحدة من اشد الدول المؤيدة لقرار التقسيم، إذ أنها أيدت الحركة الصهيونية سياسيا وأمدتها عسكريا.. لقد كانت تقوم بتسهيل شحن الأسلحة من مطار بن غوريون إلى فلسطين، حيث كان يهود أمريكا يقومون بدفع ثمنها، وكان المتطوعون من يهود أمريكا يصلون إلى فلسطين تباعا بعد صدور قرار التقسيم” (تيسير جبارة،1948م:ص517)

ولقد تسابقت الدول الغربية لخدمة الصهيونية العالمية، وأصبح هناك تنافس كبير بين هذه الدول، وان الحركة الصهيونية نجحت في استقطاب التأييد العالمي ورمت بكل ثقلها لكسب تأييد الدول الغربية والاتحاد السوفيتي لقرار تقسيم فلسطين وتحقق لها ما كانت”.(محمد عبد الخالق، 1196م:ص106)

أولا: القيمةالقانونيةلقرارالتقسيم

إن للجمعية العامة للأمم المتحدة اختصاص مناقشة أية مسألة يكون لها صله بحفظ الأمن والسلم الدوليين، يرفعها لها أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو دوله ليست عضوا من أعضائها، كما ان لها ان تقدم توصياتها بصدد هذه المسائل للدولة صاحبة الشأن أو كليهما معا ” (محمد الدقاق،:ص450)

إن الحكم على مدى قانونية قرار التقسيم، يقتضي البحث عن مدى توافقه مع الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة من جهة، وعن مدى اختصاص الجمعيه العامة بإصدار هذا القرار من جهة أخرى.

 (Kelsen.H: 1950.p.195)

إن التوصيات التي تتخذها الجمعيه العامة ليست أمرا واجب التنفيذ، حيث أنها تفتقر إلى القوه الملزمة في مواجهة الدول الأعضاء. غير أن التوصية قابله إلى التحول من تدبير غير ملزم إلى تدبير ملزم إذا أعلنت الدولة أو الهيئة قبولها بالتوصية التي وجهت إليها أو صدرت منها، فعندئذ تصبح التوصية أمرًا ملزما إذا كان قبولها غير مشروط.

ومن ناحية ثانية، فإننا إذا نظرنا إلى اختصاص الجمعية العامة بإصدار مثل هذا القرار، باعتبار انه يدخل ضمن اختصاصها العام، الذي قررته المادة العاشرة من الميثاق، إلا ان الميثاق لم يعط الجمعية العامة- أو أي جهاز من أجهزة المنظمة -في أي نص من نصوصه- بما في ذلك نص المادة العاشرة حق خلق دولة لشعب مقيم في أرض مأهولة بالسكان.

ان إصدار الجمعيه لقرار يتضمن خلق دوله جديدة، بتقسيم دوله قائمه، يعد خروجا من الجمعيه العامة عن نطاق الاختصاص الذي قرره الميثاق.

وقرار التقسيم كذلك يعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية لبلد غير مستقل، وفقا للفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي لا تجيز التدخل للأمم المتحدة في الشؤون التي تكون من صميم السلطات الداخلية لدولة ما”.

نقدقرارالتقسيم:

لقد خالفت الجمعيه العامة بإصدارها قرار التقسيم المادة الثانية والعشرين من عهد عصبة الأمم والتي تنص على أن بعض الشعوب التي كانت خاضعة للامبراطوريه التركية قد وصلت إلى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف مؤقتا بكيانها كأمم مستقلة خاضعة لقبول الإرشاد الإداري والمساعدة من قبل الدولة المنتدبة حتى ذلك الوقت الذي تصبح فيه هذه الشعوب قادرة على النهوض وحدها ويجب ان يكون لرغبات هذه الشعوب المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة” (محمد سيف، 2002م:ص19)

ان فلسطين تعتبر من الدول الواقعة تحت الانتداب والتي حققت درجه من التقدم يمكنها من الاعتراف بكيانها، فكان من الأجدر للدولة المنتدبة خاصة إذا تخلت عن انتدابها كما فعلت بريطانيا، بأن تحال مسؤولية الإشراف إلى الأمم المتحدة كونها خليفة للعصبة، وذلك تطبيقا للقاعدة القانونية التي تقضي بأن انسحاب الوكيل يعيد كافة الحقوق والالتزامات إلى الأصيل” (جابر الراوي، :ص40)

ان الحل الذي توصلت إليه الجمعيه العامة بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربيه ويهودية، لا يتفق ومقتضيات العدالة، والقانون الدولي وكذلك ميثاق الأمم المتحدة. انه يوجد بون شاسع بين تصريح بلفور وصك الانتداب على فلسطين وبين قرار التقسيم، حيث ان قرار التقسيم أفضى في النهاية إلى قيام دولة إسرائيل” (جعفر عبد السلام،1990م: ص31)

وبالنظر إلى قرار التقسيم، نجد انه يدخل في إطار الالتزامات التي ألقتها الجمعية العامة على مجلس الأمن

من اجل تنفيذ قرار التقسيم. فلقد نصت ديباجة قرار التقسيم في الفقرة ” أ ” على أن يقرر مجلس الأمن التدابير الضرورية لتنفيذ مشروع التقسيم، وفي الفقرة ” ب “على ان يقرر مجلس الأمن ما إذا كانت الحالة في فلسطين تشكل تهديدا للسلم،فان قرر ذلك وجب عليه، محافظة على السلم والأمن الدوليين، ان يتخذ التدابير المنصوص عليها في المادتين 39و41من الميثاق “ج “على ان يعتبر مجلس الأمن تهديدا للسلم، وخرقا له كل محاوله ترمي إلى تغيير التسوية، التي يهدف إليها قرار التقسيم بالقوة “

ان قرار الجمعية فيه تناقض واضح، من حيث انه قد خالف رغبات سكان البلاد الأصليين، وهم الفلسطينيون، كما انه لم يحقق الاستقرار والرفاهية المنشودة، في المنطقة بتدخله في الشؤون الدستورية لفلسطين” (عبد العزيز سرحان،1989م:ص50 )

ان وثيقة إعلان قيام إسرائيل كانت قد تضمنت الإشارة إلى القرار 181 بوصفه ينص على إقامة دوله يهودية في أرض إسرائيل، ويجسد اعتراف هيئة الأمم “المتحدة بحق الشعب اليهودي بإقامة دوله له.  وورد في الفقرة الأخرى من الوثيقة المذكورة ان الدولة الاسرائيليه أقيمت تلبية لحقوق الشعب اليهودي التاريخية، وبحكم قرار الجمعيه العامة للأمم المتحدة. لقد قامت إسرائيل بإنشاء دولتها على جميع أراضي فلسطين، حيث أنها تجاوزت الحدود المخصصة لها بناء على قرار التقسيم، وبعد ذلك قامت باحتلال أراضي الضفة الغربية وقطاع غزه في حرب عام” (محمد سيف، 2002م:ص31)

أما بالنسبة إلى قرار التقسيم، فانه لم يتوافق مع الالتزامات 1575 الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك فان الجمعية العامة قد تجاوزت حدودها وصلاحياتها بإقرار تقسيم فلسطين، حيث ان الأمم المتحدة بقرارها المذكور لم تساهم في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. لقد أسهمت الأمم المتحدة في خلق القضية الفلسطينية واستمرارها بداية من قرار التقسيم رقم “181″ والذي قرر إنشاء دولة عربيه ودوله يهودية..ومن هنا نؤكد على ارتباط قرارات الجمعية العامة 181و194 بقرارات مجلس الأمن الدولي 242و338 حيث أن قرارات مجلس الامن تعتبر مكملة لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كونها تدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في عام 1967م، وكما تدعو الى تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين”.

مدىشرعيةقيامدولةإسرائيلفيالقانونالدولي:

ان إسرائيل وعلى مدار سنوات عده قد استطاعت تحقيق السيادة السياسية على فلسطين عن طريق الاحتلال، ولكنها لن تستطيع فرض السيادة القانونية، حيث ان السيادة القانونية تستند إلى الحق التاريخي للشعب في الإقليم،وهذا لم يتوفر بالنسبة إلى إسرائيل.

وان إسرائيل على الرغم من عدم مشروعية قيامها ولأسباب كثيرة، هي الآن حقيقة واقعه، وتعتبر شخصا من أشخاص القانون الدولي، لذلك لا بد للمجتمع الدولي ان يتحرك ويضغط على الأمم المتحدة لكي تتحمل مسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني، وان يقوم مجلس الأمن باتخاذ القرارات ذات القوه الملزمة والتي تفضي في النهاية إلى قيام دولة فلسطينيه، قابله للحياة في حدود آمنة ومعترف بها.

إن الغرب يتحدث دائمًا عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة وكذلك أحكام وقواعد القانون الدولي، ولكنه ينسى

أن إسرائيل قد استمدت شرعيتها من قرار الأمم المتحدة “181″ لذلك فإن الأمم المتحدة وهي الممثلة للشرعية الدولية بحاجة إلى مراجعة قراراتها، والتي أثرت على مصير شعب بأكمله ” (ديب عكاوي،1989م:ص105)

إن ميثاق الأمم المتحدة لم يعط الجمعية العامة أو أي جهاز من أجهزة المنظمة في أي نص من نصوصه بما في ذلك المادة العاشرة، حق خلق دولة جديدة، بتقسيم دولة قائمة، إن هذا يعد خروجا من المنظمة الدولية عن نطاق الاختصاص الذي قرره لها الميثاق. لذلك، فان الحل الذي قدمته الأمم المتحدة للصراع العربي اليهودي في فلسطين لا يتفق واعتبارات العدالة والقانون الدوليين وميثاق الامم المتحدة.

ولقد أسهمت الامم المتحدة في خلق المشكلة الفلسطينية واستمرارها، بداية من قرار التقسيم رقم “81″ عام1947م، والذي قرر إقامة دولتين عربية ويهودية على أرض فلسطين، وما تلى ذلك من قرارات قامت بمعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها مشكلة لاجئين، وانتهاءا بمجموعة من القرارات التي بدأت في الصدور منذ عام 1969م، والتي أصبحت تعالج القضية الفلسطينية من منطلق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

إنّ قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية هي قرارات لا تستند إلى الشرعية الدولية ويعتريها الكثير من الإجحاف بحق الشعب الفلسطيني، حيث أنها خلقت واقعًا مريرًا على أرض فلسطين، حيث أصبح المهاجر اليهودي الذي جلبته الوكالة اليهودية من كافة أصقاع الأرض سيدًا وأصبح صاحب الأرض مهجرًا في الشتات” (محمد حافظ،:ص163)

وقد تم الاشارة الى  قضية القدس بقرار التقسيم رقم “181″ والذي فيه قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة توحيد القدس وتدويلها، في وقت كانت فيه الجمعية العامة ما تزال تدرس مسألة العدوان الإسرائيلي على الأراضي العربية المخصصة لعرب فلسطين..وقد اتخذت إسرائيل قرارًا بتغيير اسم القدس إلى أورشليم” (دوري غولد، 1996م:ص136)

وفي الخامس من تموز عام 1967م اتخذت الجمعية العامة ومجلس الأمن وغيرهما الكثير من القرارات فاقت في عددها وقوتها وتأثيرها القرارات الأخرى التي اتخذتها الأمم المتحدة تجاه أي مسألة من المسائل المتعلقة بقضية فلسطين، أو تلك المتفرعة عن مسألة الصراع العربي-الإسرائيلي” (سمير جريس، 1981م:ص65)

ان احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة يخدم إسرائيل نفسها، ويوفر لها غطاءا دوليا يصعب اختراقه، حيث أن ألأمم المتحدة هي ألتي جاءت بقرار التقسيم والذي اشترط قيام دولتين لشعبين في المنطقة. كما أنه لا يمكن تفسير أي قرار لمجرد أنه يتعارض مع السياسة الإسرائيلية بأنه لا سامية” (جدعو ن ليفي،2000م:ص32)

إن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة عليه تبيان الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والذي عليه أن يحقق هذه القرارات بقدر استطاعته وبدعم من الشعوب العربية والإسلامية، بعد أن أدت الأمم المتحدة ما عليها وعددت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أترك تعليقا

الاسرى عنوان المقاومة

” الأسري الفلسطينيون، تاريخ من الجهاد والمقاومة “

الدكتور/ خضر محمود عباس

المقدمة:

إن تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني للغزاة والمعتدين يمتد علي مدى عقود طويلة متتابعة، خاض فيها ملاحم من التحدي والبطولة التي لم ينضب معينها عبر حدود الزمان والمكان، حيث شكل العمل المقاوم ملامحها ومعالمها ونسج خطوطها وخيوطها في كل الصعد وعلى جميع المجالات..وقد شكل الاسرى والشهداء، روح المقاومة الفلسطينية، فكانوا هم المقاومة، وكانت المقاومة هي هم، فلا يمكن الفصل بينهم، وبين التاريخ الوطني المقاوم.

وإن اكتشاف العلاقات بين الأشياء يتم من داخل الأشياء ذاتها وليس من خارجها، فالعلاقة بين هذه الاشياء.. والعلاقة بين الأسرى وبين المقاومة تنتج من خلال عملية التأثير والتأثر ما بين الأسير والمقاومة..ولذا فان هذه العلاقة لا يتم بيانها وإيضاحها الا من خلال المراحل التي تشكل طبيعتها..وأقصد بذلك أن أفضل أساليب التعرف علي العلاقة بين الأسري وبين المقاومة، هو أن نجعل الأسري انفسهم يتحدثون عن طبيعة هذه العلاقة باعتبارهم جزء من عملية المقاومة بشكل مباشر، وأحد أهم روافد هذه المقاومة قبل الاعتقال، وشريانه النابض أثناء الاعتقال، وبوصلته بعد التحرر من الأسري والاعتقال.. فليس احد احرى منهم أن يتحدث عنهم، وعن المقاومة، لانهم من جهة هم المقاومين، ومن جهة اخرى هم الاسرى، وهم بالتالي قاعدة البيانات المعلوماتية الأساس عن المقاومة.

فلاسرى هم الرجال الذين وهبوا زهرة شبابهم، ودمهم وحياتهم، ليسقوا نبتة الحرية..ودفعوا ضريبة العزة والكرامة، فكان منهم من لاقوا بالشهادة وجه ربهم، وآخرين وقعوا في الأسر الصهيوني.. فأودعوا السجون والمعتقلات، وأخضعوا لكل صنوف التعذيب والعذاب، تحت سياط الجلاد الذي لا يرحم، فلا يراعي كبيرا ولا صغيرا، او مصابا او مريضا..وتحدوا وقاوموا المحقق الصهيوني بكل عزة وإباء، وصمدوا في التحقيق وسجلوا أروع ملامح البطولة وأنصح وأنبل ظاهرة للمقاومة..والتي وهبت بعضهم شرف الشهادة. ومن بقي حيا من الاسرى بعد التحقيق اودعوا في باستيلات العدو، كرهائن محتجزة، يمضون فيها أحكاما عاليه، يمارس فيها ضدهم صنوف وألوان من القهر والتعذيب والاهانة والإذلال.. لكنهم واصلوا طريق المقاومة الذي بدأوه خارج المعتقل، لان طبيعتهم المقاومة وشكيمتهم الصلبة تابى عليهم بان يكون الاعتقال هو نهاية رحلة المقاومة بالنسبه لهم، فقادوا ملحمة جديدة من التحدي والمقاومة، للسجن والسجان، استمرارا لحلقة المقاومة التي لا تنقطع بدخول المعتقل.. وامتدادا طبيعيا لما سبق من مقاومة خارج المعتقل، والتي قد تكون الأصعب، حيث يواجه الأسير فيها جلاده بلحمه ودمه، وجوعه وعطشه، ونومه وراحته..فيقاوم بكيانه كل ألة البطش والتنكيل التي يمارسها ضده طاقم المحققين المتمرسين داخل اقبية التحقيق، ويقاوم بعد ذلك ادارة المعتقل بالتحدي والعناد والصبر والصمود، فيضرب عن الطعام وعن كل حقوقه المشروعة كي لا ينكسر أمام جلاده.. مسجلا بذلك أروع مجالات التحدي والصمود والمقاومة.. فانتصر على عدوة بتحدي المحقق الصهيوني، وانتصر على ذاته بمعركة الأمعاء الخاوية التي تحدى بها السجان.

وهكذا نرى بان مدى العلاقة بين الأسري والمقاومة يجيب عليها حال الأسري أنفسهم، وطبيعة المقاومة ذاتها، لأن المقاومة فكر وممارسه يقوم بها المقاوم ضد العدو وأدواته ووسائله وأساليبه.. فهو قبل الاعتقال مقاوم ابتغي الشهادة، فقدر الله له الاسر..وهو في الاسر مقاوم لكل ادوات القهر والخنوع والذل والهوان..وهو مقاوم عندما يتحرر من الاسر..فالمقاومة هي هويته التي يتنقل بها من شكل الى اخر من اشكال المقاومة، ومن خندق الى اخر من خنادق المقاومة.

ان المقاومة لدى الاسرى الفلسطينيين لا تنقضي او تنتهي بدخول المعتقل..فالاعتقال والأسر ليس نهاية طريق المقاومة، بل هو أسلوبا جديدا من أساليب المقاومة التي تمتد من لحظة دخوله للمعتقل حتى لحظة خروجه منه..وعندها تبدأ مرحلة أخرى من مراحل المقاومة تحكمها معطيات عملية جديدة يرسم شكلها متغيرات الواقع، وتؤطرها أعمال تتناسب مع التاريخ المقاوم للأسير،  مما يفرض عليه أسلوبا للمقاومة يختلف عن الذي مارسه قبل دخول المعتقل.. أي أن الأسير بعد تحرره من الأسر يكمل مشوار المقاومة ولا ينقطع عنها، ولكنه يتقيد بأساليبها ووسائلها الجديدة.

أترك تعليقا

الحركة الصهيونية…اكبر ظاهرة اجرام

أقرأ باقي الموضوع »

أترك تعليقا

مجرمو الحرب الصهاينة

أترك تعليقا

مجرمو حرب غزة عام 2008م

أقرأ باقي الموضوع »

أترك تعليقا

الأنا والآخر…بين الفلسفة والسيكولوجيا

الأنا والآخر… بين الفلسفة والسيكولوجيا

بقلم الدكتور/ خضر عباس

لقد اهتم كثير من علماء النفس والفلاسفة بدراسة الإنسان وشخصيته، والقضايا المتصلة بالذات، ومفهوم الذات، ومفهوم الآخر. وكانت أعمال (وليم جيمس) هي الأولى في هذا المجال، حيث أسس في نهاية القرن التاسع عشر أول نظرة سيكولوجية للذات، ثم طور (جيمس بالدوين) رؤية تفاعلية، اهتم فيها بعلاقات الذات بالآخر، وشدد على أن (الأنا) و(الآخر) مولودان معا. كما أسهم كل من (تشرلز كولي وجورج ميد) في تأسيس النظرة الاجتماعية لمفهوم الأنا والآخر. (فيلهو هارلي،1999: 55)

وأكد على أهمية التعرف على مفهوم الذات، ومفهوم الآخر، كثير من علماء النفس مثل: (كولي، وآدلر، وروجرز، وألبورت، وليكي، وسينج، وكومبز، ووليم جيمس، وبورنس، وفرنون) وغيرهم. حيث تناولوه في نظرياتهم الشخصية، وكذلك في دراساتهم وبحوثهم النفسية والتربوية.

لأن هذا المفهوم يعمل على وحدة تماسك الجوانب المختلفة للشخصية، وإكسابها طابعاً متميزاً، كما ويقوم مفهوم الذات بتنظيم عالم الخبرة المحيط بالفرد في إطار متكامل. ومن ثم يكون الطاقة الدافعة لسلوك الفرد، وأوجه نشاطاته المتعددة في الحياة.(إبراهيم يعقوب،1993: 154)

وتعددت كتابات علماء النفس التي تناولت مفهوم الذات، كمصطلح سيكولوجي يستخدم ليعبر به عن مفهوم افتراضي يتضمن جميع الآراء والأفكار والمشاعر والاتجاهات، التي يكونها الفرد عن نفسه، وتعبر عن خصائص جسمية وعقلية وشخصية واجتماعية.(حامد زهران،1974: 97)

وأصبحت دراسته تحتل مركزاً مرموقاً في نظريات الشخصية. حيث أن هذا المفهوم يعتبر من العوامل الهامة التي تمارس تأثيراً كبيراً على السلوك، وأنه ينبثق في نفس الوقت من الخبرة الاجتماعية، وينظر إليه كجزء يؤثر بالبيئة الاجتماعية ويتأثر بها. (محي الدين توق، وعبد الرحمن عباس،1981: 231)

وبذلك أصبح لمفهوم الذات أهمية خاصة في فهم الشخصية، بل أنه غدا حجر الزاوية في الكثير من البحوث والدراسات العلمية والتجريبية. لأن له بالغ التأثير على سلوكنا وتوافقنا الشخصي والاجتماعي، حيث كلما زادت المعرفة به، زاد الفهم لطبيعة الإنسان.(إبراهيم أبو زيد،1987: 35)

 وأما مفهوم الآخر وتكوينه لدى الفرد، فإنه لا ينشأ بمعزل عن ذاته، فهو ينشأ من أحشائه سواء كان هذا الآخر هو المفرد اللصيق والحميم (أنت)، أو الآخر الجمعي القريب (نحن)، أو آخر الآخر الجمعي البعيد (هم). حيث تظهر العلاقة بين المفهومين كعلاقة جدلية يخلق كل منها الآخر، ويؤثر فيه. وبالتالي فإن استخدام أيٍّ من هذين المفهومين  يستدعي حضور الآخر.

ويبدو أن هذا التلازم على المستوى المفاهيمي، تعبير عن الطبيعة الآلية التي يتم وفقها تشكل كل منهما. فصورتنا عن ذاتنا لا تكون بمعزل عن صورة الآخر لدينا. (فيلهو هارلي،1999 :55)

إن أول ما يدرك الفرد ويعي من الأخر، الآخر الحميم (أنت) المتمثل في الوالدين، بحيث تكون الحاجة البيولوجية -أول سلم حاجاته الفطرية- هي دافع التعلق به، وامتصاص كل ما يصدر عنها بشكل عفوي وتقليدي -أشبه بالارتباط الشرطي في السلوك- ثم يتطور وعي الفرد وفهمه فيبدأ بالتعرف على (نحن) الأقرب المتمثل في كل من يعيش في الأسرة من أفراد. ثم بعد ذلك على الأقرب المحيط، المتمثل في عالم الأقران والأصدقاء. الذي يبدأ في التعامل معهم، خارج محيط الأسرة، ثم عالم المدرسة، وزملاء العمل والمهنة، ثم زملاء النادي، والمسجد، والحزب… الخ، ثم المجتمع برمته.(مختار حمزة،1994: 102)

ويعتبر الفرد مفهوم الآخر بمثابة تقويم لذاته من خلال الآخرين، حيث يقوم الإنسان بعملية تقويم ذاته وللآخرين وللعالم الذي يعيش فيه، ثم هو يضع لنفسه في ضوء هذه العمليات أهدافاً ليحققها ثم يسعى إلى ذلك السلوك الذي يرى أنه يحقق هذه الأهداف.(عبد السلام عبد الغفار،1973: 15)

أما مفهوم آخر الآخر (هم)، فيتأخر تكوينه لدى الفرد، عن مفهومه لذاته (الأنا) أو عن الآخر (نحن)، وبالتالي يتأخر إدراكه وفهمه له. لأنه -وفي كثير من الأحيان- لا يتشكل هذا المفهوم عبر الواقع المعاش فقط، إنما عبر الثقافة والتربية التي تسود (نحن) حيال آخر الآخر (هم). ويتضح أنه بمجرد إنشاء صورة الآخر، تتحقق نزعة الفرد إلى خلق انشطار بين (نحن) و(هم). وقد تكون للآخر أولوية أكبر على  في هذه الحالة. (آنا أندرينكوفا،1999: 157)

 وتخضع عملية إدراك آخر الآخر (هم) -في بعض الأحيان- للتشويه، إذا كانت (أنت) أو (نحن) تشعر أنه يهدد وجودها أو كيانها. أما إذا كانت العلاقة جيدة، ولا تشعر (أنت) و(نحن) بالخطر منها، أو شعرت بالراحة والطمأنينة، فإن مفهوم أفرادها لآخر الآخر (هم)، يكون موجباً. وأخطر مشاعر الكره والحقد التي ترسم تجاه مفهوم آخر الآخر(هم)، عندما يكون (هم) عدواً للآخر الحميم (أنت)، أو للآخر القريب (نحن). ومن أشد أشكال هذا العدو الذي يكون قد ألحق أذىً وضرراً بالذات (الأنا) أو بالآخر (أنت) أو بالآخر (نحن). وليس أدل في وقتنا الحاضر على آخر الآخر كالاحتلال الإسرائيلي. (خضر عباس،2000: 74)

 ووجود الاحتلال -بحد ذاته- في أي بلد، هو أكبر عامل تهديد لأمن وسلامة الفرد والمجتمع على حدٍ سواء. ويؤدي غياب الأمن الفردي، بشعور الفرد بالخوف والقلق والتوتر، الذي يؤدي إلى وجود العديد من الأمراض النفسية التي تدفع الفرد إلى البحث عن مصادر للثقة والاطمئنان والأمان، بالهروب من الواقع أحياناً، أو اللجوء إلى حيل دفاعية وأساليب مرضية يعوض بها خوفه ويوهم نفسه بالأمن والأمان في أجوائها، أو يلجأ نتيجة لشعوره بالضعف إلى الالتصاق بالاحتلال لتوفير الأمن له، وحماية نفسه من هذا الخوف. (محمد البيومي،1994: 15)

 وقد ساهم تفاقم أزمة الشك والخوف وعدم الاطمئنان لدى البعض، لدفعهم إلى حضن العدو كي يوفر لهم الأمن المفقود. لأن فقدان الجانب الأمني قد يؤدي أحياناً إلى حالة من النقص النفسي،

التي قد تدفع بالفرد لإشباعها باتجاه حمايته الذاتية فقط. فحين يحس الفرد أن أمن المجتمع يتعرض للانهيار يلجأ للخيارات البديلة لحماية نفسه. مضحياً بالآخرين من أجل تحقيق وهم النجاة بذاته وبالتالي لا يكترث بمشاعر الآخرين. وقد كان من عمليات الهروب تلك التوحد بالمعتدي، وكان من أخطر عمليات نكران الذات اللجوء إلى النقيض بالذوبان في الآخر، التوحد معه. أي يتمثل وجود الآخر حتى يصبح الشخص هو الآخر، أو يعيش ذاته كذلك. أي إنه هو هو ومن هنا يتخذ الفرد لنفسه نفس ماهية الشخص الآخر وهويته.(مصطفى حجازي،1995: 128)

وهذا التوحد غالباً ما يكون منشأه عنصر النصر والهزيمة بين الدول والشعوب والأمم. وبناءً عليه اُعتبر (ابن خلدون) أنّ المغلوب مولع أبداً في الاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، وأن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه. وبالتالي التوحد معه. (ابن خلدون، ب.ت: 147)

ومن يمارس هذا السلوك التوحدي بالمحتل وينحرف نحو التعامل مع الأعداء، يعتبر شخصاً غير سوي، يتسم بعدم تحمل المسئولية، وقلة القدرة على تحمل الإحباط، أو عدم قدرة على تأجيل إشباع حاجاته، وتكون أهدافه قصيرة، ولا يستطيع العمل بمثابرة نحو تحصيل الأهداف البعيدة، ولا يتعلم من العقاب أو الفشل، ويندفع باستهتار وراء دوافعه، ويُؤثِر الإشباع السريع لها. (عماد الدين سلطان، 1990: 261)

وأما الشخص الذي يرفض هذا السلوك لكونه متكيفاً مع نفسة وبيئته، ويحترم القواعد التي تحدد العلاقة بينه وبين الآخرين، ويهتم بالوسط الذي يعيش فيه، فإنه شخص سوي. لذلك يمكن تفسير العلاقة الموجبة بين مفهوم الذات والتوافق على أساس أنه كلما ازداد تقدير الفرد لذاته على نحو إيجابي أدى ذلك إلى مزيد من التوافق الشخصي والاجتماعي لديه. (فيوليت إبراهيم،1986: 378)

ويبدأ الاغتراب لدسى الفرد، بالاغتراب عن الذات أولاً، والاغتراب الاجتماعي عن الآخر (أنت)، وعن الآخر (نحن). ثم التوحد بالآخر البعيد (هم). ويعتبر (سيمان) الغربة بأنها ” غربة الفرد عن أهداف وقيم مجتمعه السائدة “. وذلك عندما يشعر الفرد بأنه غريب عن مجتمعه، وعن الثقافة العامة التي يحملها، وعن المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية … إلخ، ولا يعلق أهمية على الأهداف الثقافية العامة، ولا يعتنق المعتقدات الشائعة السائدة في مجتمعه. (نبيل إسكندر،1988: 208)

كما أنه قد يعجز عن استثمار إمكاناته وقدراته ومواهبه، ولا يستطيع أن يحقق ذاته، ومن ثم يبحث عما يعطيه إحساسا بالهوية، ويرد إليه المستلب بالأمن، ويرفع عنه عبء الشعور باللاجدوى، بالاندماج في جماعات دينية أو سياسية. المهم أن يشعر بهويته، وبانتمائه إلى شيء يعوضه عما يفتقده، وذلك أحد أسباب التوحد مع النماذج المتطرفة والمتسلطة والقطعية. (ابراهيم عيد،1990: 235)

الشخصية ومفهوم الذات (الأنا) “

حار العلماء والمفكرون عبر التاريخ البشري من الإحاطة بشخصية الإنسان، فاعتبره البعض بأنه ما زال غامضاً ومجهولاً، رغم ما بذل من مجهودٍ جبار لكي يعرف نفسه. ورغم أننا نمتلك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء والروحانيون في جميع الأزمان، واستطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إلا أننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا.(ألكسيس كاريل،1993: 17)

 وقد غدت حاجة البشرية اليوم لهذا الفهم، ملحةً أكثر من أي وقت مضى. ولم يعد أمام الإنسان إلا أن يفهم ذاته، لكي يتمكن من السيطرة عليها وضبطها وتوجيهها للأصوب، خاصة بعدما تقدمت المعرفه بالعالم الطبيعي من حوله، دون معرفة طبيعته وعالمه النفسي بقدرٍ كافٍ، مما أدى لاختلال التوازن بينهما. كما أصبحت حاجة الناس في فهم ذواتهم لتحقيق التوافق بينها وبين العالم المحيط بها ملحة، بعد أن وجد الإنسان أن علاقته بالبيئة المحيطة لم تعد علاقة ود وأمن، وقد كانت محاولة الإنسان لفهم شخصيته مستمرة عبر التاريخ.(سيد خيرالله،1981: 45)

فقد نظر الفيلسوف (الفارابي) إلى الذات باعتبارها النفس (العنصر الجوهري في الإنسان) وهي ذات مستقلة فلا يدخل البدن في تعريفها ولا يعد جزءاً من ماهيتها، وهي تهبط من محل أرفع”.

و(ابن سينا) يربط بين الأنا والوعي، ويعتقد أن الأنا يمكن أن تنقطع عن كل شيء إلا عن انيتها، ومن ثم يستبعد أن تكون الشخصية مرتبطة بالمظاهر الجسمانية والحسية.

و(هيجل) يربط الشخصية بالوعي بالذات، في إطار الصيرورة العامة والمطلقة لحركة الوجود.

و(ديكارت) يعتبر أن كينونة الشخصية لابد أن ترتبط بصفة لا تقبل الشكل، وهي صفة التفكير لأنها الصفة الوحيدة التي تميز الشخصية. وحينما تنقطع الذات عن التفكير تنقطع عن الوجود.

و(كانط) يعتبرها الكينونة العاقلة التي تدرك نفسها في حريتها وحدود الواجب الأخلاقي. وترتبط بوعي الإنسان بقيمته، وبوعي الذات لنفسها باعتبارها وجوداً أخلاقياً يحترم ذاته وغيره.

و(سارتر) يعتبرها الوعي بالذات الذي لا يكون إلا بحضور الآخر الذي يلعب دور مهم بالتعرف عليها، ويظل محدوداً لأنه يتم في الحدود التي جعلنا الآخر نتمثلها.(توما خوري،1996: 84)

وقد احتلت الشخصية في السنوات الأخيرة مكانة هامة في الدراسات النفسية، لكونها المحصلة العامة لسلوك الطاقة والفعل له، كما تحدده عوامل الوراثة وعناصر البيئة، حيث تنمو وتتكامل من خلال التفاعل الوظيفي الذي يحدث بين أربعة قطاعات هامة تنظم سلوك الفرد، وهي القطاع المعرفي والقطاع الفسيولوجي والقطاع العاطفي والقطاع النزوعي.(محمد ديراني،1991 :92)

ويرى (فرويد) أن اللاشعور أهم منطقة سيكولوجية في الشخصية، حيث نفهم بها سلوكنا، ويرى أن الشخصية تتكون من ثلاثة منظومات فرعية، العلاقة فيما بينهما، هي الكفيلة بتفسير حياتنا النفسية. (عزيز داوود، ومحمد الطيب، وناظم العبيدي،1991: 16)

وترى (انتصار يونس) الشخصية بأنها النظر إلى الفرد في تفاعله مع محيطه الاجتماعي، أي أن شخصية الفرد هي نتاج التفاعل القائم بين الفرد بتكوينه البيولوجي واستعداداته ودوافعه، وبين بيئته الاجتماعيه بما فيها من علاقات معقدة يؤثر فيها وتؤثر فيه.(انتصار يونس،1991 :218)

ويعتبرها يوسف الحجاجي بأنها: ” عبارة عن إدراكات وسلوكيات تميز الفرد عن الآخرين، بل تميزه في نفسه بين لحظة وأخرى، وهذا التمييز يعطي الإنسان فرديته مع نفسه وفي تعامله مع الآخرين والبيئة المحيطه به.(يوسف الحجاجي،1986: 127)

ويعتبر عبد السلام عبد الغفار (1973) أن الإنسان لا يتحدد بقوى لا شعورية وإنما يتحدد بتفكير الإنسان وإرادته، فيقوم بعملية تقويم لذاته وللآخرين وللعالم، ثم يضع لنفسه في ضوء هذه العمليات أهدافاً يحققها، ويسعى إلى السلوك الذي يحقـق تلك الأهـداف. (عبد السلام عبد الغفار،1973: 15)

واعتبر كثير من العلماء أن جوهر التعرف على الشخصية، يكمن بمعرفة الذات، لذلك عمدت كثير من المدارس على فهمها، رغم أنها من المواضيع الجدلية الشائكة لعدم وضوح المفهوم من جهة، ولقبوله لتفسيرات كثيرة من جهة أخرى. وكما أن التعقيد في الذات الجمعية لا يقل عن الذات الفردية، حيث أنها لا تختلف كثيرا عن الذات الفردية، وصورتها لدي الجماعة تبدي الخصائص نفسها التي تبرزها الذات الفردية، مع الاختلاف بأن تصور هذه الذات يوجد لدي تعدد الجماعات الإنسانية أكثر من أن يوجد لدي فرد إنساني واحد. (مهنا حداد،1999: 332)

وقد برز من صعوبة الذات، أننا نفكر فيها كمنطقة خاصة مركزية دافئة من حياتنا، تلعب دوراً قاطعاً في شعورنا وشخصيتنا ونظامنا العضوي، ومن ثم فإن أي نظرية كاملة عن الشخصية لا تستطيع إغفال هذه المشكلة الصعبة عن الطبيعة الشخصية للذات. لذلك بدأ العلماء في الأعوام الآخيره يعطون الذات قدرها الحقيقي، بعد أن أدركوا أن فهم البشر وسلوكهم، لا يتأتى إلا من خلال دراسة الفرد في كليته بواسطة الذات، ومفهوم الذات. (سيد خيرالله،1981: 42)

وقد أخذت الذات تحتل بصورة أو بأخرى مكاناً هاماً في أغلب الصياغات النظرية المعاصرة في علم النفس. ولم يعد الأمر مقصوراً على نظريات الذات، بل أن عدداً كبيراً من النظريات الأخرى تستخدم هذا المفهوم باعتباره عنصراً نظرياً مركزياً. وقد اتجهت هذه الدراسات من الناحية الذاتية للموضوعية. (والاس لابين، وبيرت جرين،1981: 73)

وعلى الرغم من هذا الاهتمام بالذات، إلا أن العلماء قد تعددت آراؤهم حول ذلك قديماً وحديثاً.

مما جعل (هيجل) يعتبر أن الوعي بالذات، لا ينبني إلا ضمن تفاعل متين مع غيره. أي أنه لا يدرك نفسه إلا عبر الاعتراف به من لدن وعي آخر بالذات. واعتبر أنه للتخلص من هذه التبعية يقوم الوعي بالذات نفسه علي أنه أوحد، ويقصي الآخر. (روبار شارفان،1999: 593)

وبعض الباحثين قد خلط بين مصطلحي، (الأنا EGO) (الذات SELF) واستعمل كل منهم الواحد مكان الآخر. ومنهم (ألبورت) الذي استخدم لفظي (الذات) و(الأنا) الواحد بدل الآخر، ويعرف كل منهما بدرجات تتفاوت في الضيق والشمول. (والاس لابين، وبيرت جرين،1981: 84)

كما أن البعض قد وظف مفهومي الذات البديل والذات النقيض كمفهومين مركزين بدل مفهومي الأنا والآخر عندما تنقسم الذات على نفسها، أي تكون ذاتاً ممزقه. (عروس الزبير،1999: 659)

ويتبين مما سبق بأنه للأهمية التي تتمتع بها معرفة الذات، فقد تناولها كثير من العلماء بالبحث والدراسه، سواء علماء الغرب أو علماء المسلمين، حيث أجمعوا بأن الذات تشكل جوهر الشخصية، ولكن أختلفوا في تناول هذه الذات، لكونهم قد نظروا لها من زوايا متعددة، وبالتالي كان تفسيرهم لها ينطوي على كثير من التضارب والتناقض، الذي لم يفسد من قيمة وأهمية دراسة هذه الذات والتعرف عليها.

تعريف مفهوم الذات

الذات في اللغة: قال تعالى ” وأصلحوا ذات بينكم “. قال ابن بري: وذات الشيء حقيقته وخاصيته. وقال ابن الأنباري في قوله عز وجل ” إنه عليمٌ بذات الصدور”. (الملك 13)، معناه: بحقيقة القلوب من المضمرات. (ابن منظور،1119: 1478)

الذات مؤنث ذو، يقال: لقيته ذات يوم أو ذات ليلة وذات مرة، فتكون ذات صفة قامت مقام الموصوف المحذوف. وذات الشيء: نفسه وعينه وجوهره. والذات: ما يصلح لأن يعلم ويخبر عنه. (المنجد،1986: 240)

الذات في الاصطلاح: أسهب العلماء في تعريف مصطلح الذات، فتعددت آراءهم وتعريفاتهم لها.

فيعرفها روجرز Rogers (1951) بأنها: كينونة الفرد أو الشخص. وهي عبارة عن أسلوب الفرد في النظر لنفسه. وهي شعور الفرد بوجوده ووظيفته.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 89)

ويعرفها (البورت Allport ) بأنها: كل جوانب حياتنا الخاصة والجوهرية لمعنى وجودنا، بالذات الممتدة المميزة الموحدة التي تعطي الشخصية وجودها. (والاس لابين،وبيرت جرين،1981: 75)

ويعرفها (آدلر Adler) بأنها: تنظيمُ يحدد للفرد شخصيته وفرديته ويفسر خبراته ويعطيها معنى.

ويعرفها (وليم جيمس James .W) بأنها: مجموع كل ما يستطيع الإنسان أن يدعي أنه له، جسده، سماته، قدراته، ممتلكاته، أسرته، أصدقاؤه، أعداؤه، مهنته، هواياته. (محمد النجار،1997: 43)

ويعرفها (يونج Jung) بأنها: نقطة الوسط أو المركز في الشخصية تتجمع حولها جميع النظم الأخرى وتجمع هذه النظم معاً وتمد الشخصية بالوحدة والتوازن والثبات.(سيد غنيم،1972: 750)

ويعرفها (فرويد Frued ) بأنها: (الأنا) الجهاز الإداري للشخصية، لأنه يسيطر على منافذ السلوك، ويختار ما يستجيب له، ويقرر الغرائز التي يسمح بأشباعها وكيفية ذلك.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999، 86)

ويعرفها (كاتل Cattell .R) بأنها الذات الفعاله الشاعرة، والذات المقبولة بواسطة الفرد، والمركز المنظم في الشخصية أو الذات البنائية، كما يستدل عليها من السلوك.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 87)

وتعرفها (هورني Horny) بأنها: كينونة الفرد أوهي شعوره ووعيه بكينونته. وهي: الذات المدركة، والذات من تصور الآخرين، الذات المثالية.(جارندر ولندزي وكالفن هول،1978: 520)

تعريف مفهــوم الــذات: Self Concept

يعرفه روجرز Rogers (1951) بأنه: أسلوب الفرد في النظر لنفسه، وشعوره بكيانه وبوجوده وبوظيفته. ويتضمن خصائص الفرد التي يكون على وعي بها في حياته.(سعد جلال،1985: 20)

ويعرفه سوسين(1988) بأنه: نوع من الإدراك،إدراك الفرد لذاته.(ريتشارد سوسين،1988 :340)

ويعرفه (كاتل) بأنه: نابع من تصورات التحليل النفسي في (الأنا والأنا الأعلى)، ويرى أن إشباع أي رغبة يتبع جزئياً عاطفة الذات الكلية، فهي بمثابة النظام الرئيس الذي يمارس تأثيره على السمات الدينامية في تفاعلها المعقد. (جميل الطهراوي،1997: 32)

ويعرفه (وليم جيمس W. James) بأنه: المعنى الواسع للنفس أو لذات الرجل.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 93)

ويعرفه حامد زهران  (1977) بأنه: تكوين عقلي معرفي منظم ومتعلم للمدركات والمفاهيم والتقييمات الخاصة بالذات، يبلوره الفرد، ويعتبره تعريفاً نفسياً لذاته، وكما يود أن يكون عليه الذات المثالية. (حامد زهران، 1977: 98)

ويعرفه (عادل الأشول) بأنه تكوين معرفي منظم موحد ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتعميمات الخاصة بالذات يبلوره الفرد ويعتبره تعريفاً نفسياً لذاته.(فيوليت إبراهيم،1986: 386)

وعرفه (محمود حسين) بأنه: مفهوم افتراضي يشمل الآراء والأفكار والمشاعر والاتجاهات التي يكونها الفرد عن نفسه وتعبر عن خصائص جسمية وعقلية وشخصية واجتماعية. (محمود حسين،1985: 110)

ويعرفه موسي جبريل (1993) بأنه: مفهوم نفسي يعبر عن خصائص الشخص وصفاته، كما يدركها في الجوانب: العقلية والانفعالية والأخلاقية والاجتماعية والجسدية.(موسى جبريل،1993: 100)

أهمية فهم الذات:

 حظي مفهوم الذات على اهتمام واسع من قبل الفلاسفة وعلماء النفس، وقد شكل فهم الذات للإنسان شيئاَ هاماً، باعتبارها هي كل الشخصية وقوامها، تدرك وتفكر وتنفعل وتدخل الخبرات. الأمر الذي دفع الانسان للبحث والدراسة لإدراك وفهم مكوناتها ومكنوناتها، لذلك نجد العديد من النظريات، قد اهتمت بدراسة الذات كمفتاح لفهم الشخصية ككل. حتى غدى واضحاً بأن أي نظرية تبحث عن الشخصية لا تغفل الذات كمكون أساس لها. ولكن على الرغم من وجود العديد من هذه النظريات ورغم التشابهات الكثيرة بين هذه النظريات، فان كل واحدة منها يكون لها تأثيرها حيث تسهم بعنصر قيم لا تسهم به النظريات الأخرى والذي لا يمكن استبعاده أو إدماجه بدرجة كافية في النظرية الأخرى.(ريتشارد لازاروس،1971 :49)

كما اعتبر (كريتش وكراتشفلد) بأن الذات هي البنية الأهم في المجال النفسي، وهي أقوى البنى. لأن لها دوراً لا يوازيه أي دور آخر في تحديد انتظام المجال النفسي، ويكون لطبيعة علاقات الذات ببقية عناصر المجال (الأشياء والناس والفئات والتنظيمات الاجتماعية) أهمية حاسمة في إدراك الفرد الرابط بين مختلف الأشياء والأفراد والفئات، وبين ذاته. (ميخائيل أسعد،1986: 45)

وذكر (البورت) بأن الذات تعمل على وحدة الشخصية وتماسكها. لأن فيها جذور الاتساق الذي يميز الاتجاهات والمقاصد والتقييمات في كل مناحي الحياة. كما تعمل على التماسك والإحساس بأهمية الشخصية، وإعطاء الفرد شخصية متميزة. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 101)

ويعتبر (يونج) أن أهمية الذات للشخصية تكمن في كونها نقطة الوسط فيها، وتجمع حولها جميع نظم الشخصية، وتمدها بالوحدة والتوازن والثبات. (فؤاد أبو حطب وآمال صادق، 1999: 86)

 وللذات في الفكر الإسلامي موقع هام لأن الرساله السماوية في حقيقتها عبارة عن خطاب للذات الإنسانية، والتي عبرها يتحقق الهدف الأسمى للوجود. لذلك يكثر في القرآن والسنة لفظ (النفس) التي وردت في القرآن الكريم في مائتين وخمس وتسعين آية كريمة.(عدنان الشريف،2002 :36)

ويتناول كثير من علماء الإسلام ما للذات من أهمية باعتبارها هي النفس البشرية مناط التكليف، فيعتبر أبو حامد الغزالي أن النفس (الذات) (505هـ) هي الانسان بالحقيقة، وهي نفس الانسان ذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها. (أبو حامد الغزالي،ب.ت: م3-5)

 ومما سبق يتبين بأن دراسة الذات تمثل لب دراسة الشخصية، وأنه من الضروري للتعرف على الشخصية من فهم جوهر ذات الفرد. ومن أجل معرفة هذه الذات لا بد من اكتشاف الفرد لمفهومه عن ذاته. لذلك انطلق الفلاسفه والمفكرين، في بحث الشخصية وجوهرها -الذات- ودراسة مفهوم الذات عبر كثير من الدراسات النفس اجتماعية، رغم اختلاف آراء هؤلاء العلماء والمفكرين في تعريفها، كون هذه الدراسات تعتبر من أعقد الدراسات النفسية، ولكونها تتناول موضوعاً من أعمق المفاهيم الإنسانية. وأي خلل أو نقص يعتريه، في التصور والفهم يؤدي لتوجيهه للاتجاه الخاطيء.

ولذلك فإننا نلحظ اتفاقا بين العلماء بالنسبه لفهم الذات والوعي بها، مؤكدين على وجود خبرات الفرد الذاتية ودورها في رسم تصوراته الخاصة مع نفسه ومع الآخرين من حوله، ومؤكدين على انه يمتلك عنصر المبادأة بالفعل، ومؤكدين على وجود علاقة جدلية بين الذات والواقع الاجتماعي الذي يحياه.

نشأة الذات وتطورها:

لقد قسم سميث (1950) الذات لمفهومين: الذات من حيث هي فاعل للسلوك. والذات كموضوع،   أي من حيث هي صورة يدركها المرء عن نفسه. (Smith .C,1950:516)

ويبدأ وجود الذات باللحظة الأولى التي تنفصل الذات (الأنا)، عن الآخر اللصيق (أنت) الأم. ويبدأ الإحساس بها بمجرد حدوث هذا الإنفصال عبر ذاته الفسيولوجية، بدرجة لا يكاد يشعر بها الآخر. وتستمر بالنمو والنضج والتطور فسيولوجياً، ويواكبه تطور في الإحساس والادراك لها.

ويذكر سعيد جلال (1985) أن أول مراحل تكوين الذات هي انفصال الجسم عن العالم الخارجي.

ويعزو (ألبورت) بداية الذات بانفصال الجسم للعالم الخارجي، ثم الاحساسات المفصلية التي تؤدي إلي انتصاب القامة وتعلم الجلوس والوقوف.

ويرى مصطفى فهمي (1966) أن بداية وجود الذات أو (الأنا)، وتطورها والإحساس بها، تبدأ بوجود الطفل، وتنشأ في ظل الظروف المختلفة له، وتتأثر إلى حد كبير بالبيئة المحيطة به.

فالطفل في الأسابيع الأولى من حياته، تكون علاقته بأمه قائمة على أساس تحقيق حاجياته الأولية، وهي بالنسبة له، مصدر الغذاء والشراب واللذة الحسية والأمن الذي يتصل بالنواحي الحسية… وفي أحضان هذه العلاقة الثنائية بينهما تنشأ هذه الذات.(مصطفى فهمي،1966: 31)

ويعتبر أريكسون (1962) أن الإحساس بالثقة المطلقة الذي يمثل أساس القيمة الذاتية، ويمثل حجر الزاوية في الشخصية، ينشأ من الخبرات المتعلقة بإشباع الحاجات الأساسية، التي تخلق لدي الطفل الإحساس باليقين والثقة المطلقة في الذات والآخرين. (Mack,J 1983:18)

والإحساس بالذات عملية مستمرة منذ الولادة حتى الموت، وفهمها يتشكل عن طريق النضج والخبرة التي يمر بها الفرد. باعتبار أن الطفل المولود حديثاً لا يميز بين نفسه والأشياء المحيطة به ومع الزمن يتعلم أن هناك أفراداً غيره.(محي الدين توق وعبد الرحمن عدس،1993، 301).

ويتبين مما سبق بأن لا وجود للفرد بدون أن توجد الذات، أو بمعنى آخر النفس، حسب تعبير علماء المسلمين. وذلك لإنه بمجرد انفصال الطفل عن والدته، يبدأ الوجود الفعلي والحقيقي للأنا. وتمثل السنوات الأولى من حياة الطفل، بداية تبلور تصورة لذاته، وتشكيل مفهومه عن هذه  الذات، التي تكون صفحة بيضاء ما زالت في طور التشكل. يؤثر الدور الاجتماعي والخبرة عليها، ويتعلم الفرد من خلالها كيف يرى نفسه ويرى الآخرين من حوله.

أهمية مفهوم الذات:

يعتبر مفهوم الذات من أعمق وأهم المفاهيم الإنسانية والنفسية، في حياة الإنسان والمجتمعات البشرية قاطبة. ولهذا فإن أي خلل يصيب هذا المفهوم، أو أي نقص يعتريه من ناحية الفهم الشامل والمتكامل له، أو في كيفية التعامل معه، قد يؤدي لتوجيهه نحو الاتجاه غير الصحيح، فيؤدي لمزيد من الانهيار الكلي أو الجزئي في قناعات الإنسان الشخصية بأشياء من حوله. والذي قد يقوده للرفض التام لذاته. وهي حالة نفسية ومرضية تحوي خطورة وسلبية لوجوده، إذ قد تجعله أقرب للجماد منه إلى الإنسان. مما يعني الشلل لجميع طاقته وفاعليته في الحياة. لذا يجب أن يحاول الإنسان بما أوتي من إرادة أن يفهم ذاته، ويعمل على تحقيق إيجابيتها.

وهذا ما لم يغفل عنه الإنسان عبر تاريخة الطويل، حيث استغرق هذا الاهتمام القرون السابقة، فكان البحث الديني له في البدء، ثم تطور للمجال الفلسفي الذي ناقشه كموضوع افتراضي، أطلق عليه النفس،أو الروح. ثم تغيرت معانيه في علم النفس،وعرف كمفهوم نظري سيكولوجي منذ القرون الوسطى، وتحرك معه كتكوين متعلق به بمصطلحات جديدة، الأنا والذات ومفهوم الذات.

والأدب النفسي لمفهوم الذات يشير إلى أن وليام جيمس William James (1980) من خلال كتابه “مبادئ علم النفس” عام (1890) قد مهد الطريق أمام النظريات المعاصرة، وله الفضل فيما كتب اليوم عن الأنا أوالذات ومفهوم الذات. ثم نظرية (جورج ميد Mead) الذات المشكلة اجتماعياً، ونظرية الذات الاجتماعية (تشارلس كولي Kooley) ونظرية اتساق الذات (ليكي Lecky)،وغيرها.. التي أصبح مفهوم الذات يحتل فيها مركزاً هاماً.(ابراهيم أبو زيد،1987: 40)

وقد انتعش مفهوم الذات من جديد، وتم إظهاره بحيوية أكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وأصبح لا يمثل فقط مركزاً هاماً في نظريات الشخصية، وإنما أصبح يمثل حجر الزاوية في نظريات قامت وتأسست عليه بالدرجة الأولى، نظريات الذات كنظرية: فيليب فرنون (1946) ونظرية: سنيج وكومز (1949) ونظرية كارل روجزر(1951). (والاس لابين وبيرت جرين،1981 :41)

كما شكل مفهوم الذات إطاراً للعديد من النظريات كنظرية: كييرت جولدشتين (1940)، وإبراهام ماسلو (1954) حيث قدم كل منهم نظريات متداخلة ذات تأثير قوي في الشخصية. والفرد في هذه النظريات يفهم في ضوء كيفية إدراكه لنفسه.(جارندر ولندزي، وكالفن هول،1987 : 220)

وقد مثل هذا المفهوم كذلك جانبا مهماً في الدراسات والبحوث النفسية والتربوية الحديثة. فتناوله العلماء مثل (كولي، آدلر، ألبورت، ليكي، وليم جيمس) مما جعله يمثل اتجاهاً في علم النفس. كما أصبح حجر الزاوية في الكثير من البحوث والدراسات العلمية.(ابراهيم أبوزيد،1987 : 35)

إن مفهوم الذات كمفهوم شعوري يعيه الفرد، يشكل أهمية بارزة لهذا الفرد، حيث يضعه في بداية الطريق في فهم نفسه والتعرف على كيانه، وبالتالي فهم وإدراك الآخرين، سواء أكان المجموع البشري من حوله، أو البيئة المادية التي تحيط به. ويتفق الباحثون على أن وظيفة مفهوم الذات هي العمل على وحدة وتماسك واتساق الجوانب المختلفة للشخصية، وإكسابها طابعاً متميزاً، كما يقوم مفهوم الذات بتنظيم عالم الخبرة المحيطة بالفرد في إطار متكامل، ومن ثم يكون بمثابة الطاقة الدافعة لسلوك الفرد وأوجه نشاطاته المتعددة في الحياة. (علي الكنز،1999: 363)

ومفهوم الذات يعتبر أهم من الذات الحقيقية في تقرير وتنظيم وتحديد السلوك لدى الفرد، باعتباره مفهوماً دينامياً يناضل الشخص من خلاله في تنظيم وبلورة عالم الخبرة المتغير الذي يوجد الفرد في وسطه. باعتباره مفهوماً معرفياً منظماً ومتعلماً للمدركات الشعورية الخاصة بالذات نفسها. يتأثر بالبيئة والوراثة وبالآخرين في حياته، وبالنضج والتعلم، وبالحاجات والقيم والمعتقدات. وينمو تكوينياً كنتاج للتفاعل الاجتماعي جنباً لجنب مع الدافع الداخلي. ويلعب دوراً كبيراً في تأثيره على اتساق السلوك، والعمليات الادراكية، والتعلم والتحصيل الأكاديمي، والتوافق المدرسي وتربية الطفل والصحة النفسية. وتعتبر فكرة المرء عن نفسه عاملاً مهماً في توجيه سلوكه وتوحيده ويتصرف مع الناس تبعاً لها.(والاس لابين وبيرت جرين،1981: 127)

ومعرفة مفهوم الذات له درجة عالية من الأهمية عند أغلب الناس. على الرغم من أن الصورة الذاتية تبدو معقدة جدا، لأننا نعرف عن أنفسنا أقل بكثير مما نعرف عن مفاهيم الذوات الأخرى.

ولهذا يذهب (ماركوس ونوريوس) إلى أن محتويات الذات مركب مزيج من الحقائق والتفسيرات والتخيلات والطموحات. لذلك فان إطار المعرفة حول الذات اكثر تعقيدا من المعرفة حول الآخر

وقد أكد يونج (1916) على مفهوم الذات، باعتباره البناء الذي يحدث الاتساق بين الغرائز الحيوانية في الإنسان وإرثه الروحي والاجتماعي.

كما أكد بورنس Burns (1981) على أن وظيفة مفهوم الذات هي العمل على وحدة تماسك الجوانب المختلفة للشخصية، واكسابها طابعاً متميزاً، كما ويقوم مفهوم الذات بتنظيم عالم الخبرة المحيط بالفرد في إطار متكامل. ومن ثم يكون الطاقة الدافعة لسلوك الفرد وأوجه نشاطه المتعددة في الحياة. (ابراهيم يعقوب،1993: 154)

وبهذا أصبح فهم الشخصية يتطلب دراسة مفهوم الذات كمتغير هام من متغيرات الشخصية الإنسانية، وذلك بعد أن تصدرت مشكلة الذات علم النفس في السنين الأخيرة، بسبب إدراكه الحاجة إلى وجود مفهوم كلي يهتم بتجربة الفرد وسلوكه كما ذكر شريف ” أنه بدون مفهوم كلي يهتم بتجربة الفرد وسلوكه فمن المستحيل تعليل اتساق الفرد والاستمرار اليومي لهذا الاتساق في علاقاته الاجتماعية الأخرى “. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 42)

وعلى العموم فان مفهوم الذات واسع ويختلف علماء النفس في تفاصيله كما يختلف علماء الاجتماع، وحتى لا نتوغل في تعاريف لاطائل منها، فإننا سنستخدم مفهوم الذات على أنه الذات الفاعلة، الأقرب إلى مفهوم النفس البشرية التي هي حصيلة تفاعل عوامل داخلية وراثية وخارجية مجتمعية، وان كان الانحياز للأخيرة بين على حساب الأولى.

ومن خلال ما سبق يبدو أن أغلب الكتابات العلمية بالنسبة لأهمية مفهوم الذات، تبين بأنه يمثل عنصرا أساسيا في تكوين الشخصية، وهو ما يتعلق عادة بتصور الفرد عن نفسه الناتج عن خبراته في التفاعل مع الأفراد الآخرين، كما يمكن النظر لمفهوم الذات بأنه مفهوماً نفسيا يبلوره الفرد ويعتبره تعريفا نفسيا لذاته، أو النظر إليه على أنه خيط متصل من الخبرات والذكريات، وإن تصور الذات بهذه الصورة يسهل علينا دراستها والتنبؤ بأحوالها، لأن الحاضر يكون قائماً على الماضي، وإن المستقبل سيقوم عليهما معاً.

أبعاد مفهوم الذات :

 يشير التراث النفسي لمفهوم الذات لعدة حالات تندرج كلها تحت أحد الأبعاد الأربعة التالية:

- مفهوم الذات الأساسي أو المدرك: ويشير إلى إدراك المرء لنفسه على حقيقتها، ليس كما يرغبها ويشمل ذلك إدراكه لجسمه، ومظهره، وقيمه، وطموحه، ودوره في الحياة.

- مفهوم الذات المؤقت: وهو مفهوم عابر يمتلكه الفرد لفترة وجيزة يتلاشى، وقد يكون مرغوباً فيه، أو غير ذلك حسب المواقف والمتغيرات التي يجد الفرد نفسه إزاءَها.

مفهوم الذات الاجتماعي: ويشمل المدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد أن الآخرين يتصورونها عنه. والتي يتمثلها من خلال تفاعله الاجتماعي بهم.

- مفهوم الذات المثالي: ويشمل المدركات والتصورات التي تحدد الصورة المثالية للشخص الذي يود أن يكون عليها. (حامد زهران،1995 :73 )

ويضيف فرنون (1963) مفهوماً آخر سماه “مفهوم الذات العميقة “، أو المكبوتة. ويعرفها بأنها هي التي تظهر عادة عن طريق العلاج النفسي التحليلي. (ابراهيم أبو زيد،1987: 115)

ويشير (عماد الدين إسماعيل) إلى أن مفهوم الذات يتكون من الأبعاد (مفهوم الذات الواقعية، ومفهوم الذات المثالية، ومفهوم الشخص العادي. (فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 93)

وقد ميز (هارت ودامون) بين أربعة جوانب من مفهوم الذات للشخصية هي: (الذات الجسدية، الذات النشطة، أو السلوكية، الذات النفسية، والذات الاجتماعية). وهذه الجوانب نجدها في جميع مستويات الذات الجمعية، وصاحب الذات يملك معرفة حول ذاته من جميع هذه الجوانب.

وتميز سعدية بهادر (1983) بين بعدين البعد الإيجابي، والبعد السلبي، فمفهوم الذات الإيجابي: يتمثل في تقبل الفرد لذاته ورضاه عنها، ويلمسه كل من يتعامل مع الفرد أو يحتك به. ويظهر هذا المفهوم الإيجابي من خلال أسلوب تعامل الفرد مع الآخرين. ومفهوم الذات السلبي: ينطبق على الانحرافات السلوكية، والأنماط المتناقصة مع أساليب الحياة في المجتمع التي تجعلنا نحكم على من تصدر عنه بسوء التوافق ونضعه في فئة غير الأسوياء. (سعدية بهادر،1983 :34)

ويعتبر عبد الله عويدات (1997) أن أحد أبعاد مفهوم الذات (الثقة بالنفس) والتي يعرفها بأنها: ” اتجاه الفرد نحو ذاته، ونحو بيئته الاجتماعية وتصوره لحل مشكلاته وبلوغ أهدافه، وشعوره بالأمن أثناء تفاعله الاجتماعي مع الأشخاص الآخرين في مختلف مواقف الحياة الاجتماعية الطبيعية “. (عبد الله عويدات،1997 :56)

 مما سبق يتبين أن الفرد، يمتلك أكثر من ذات، وذلك من خلال تعدد علاقات الفرد مع البيئة المحيطة به، وكذلك تنوع تجاربه وخبراته في الحياة، وأيضاً باختلاف أدواره ومركزه وموقعه الذي يقوم به في المجتمع. وهذه المظاهر المختلفة لمفهوم الذات ترتبط فيما بينها ارتباطاً قوياً، وتؤثر وتتأثر ببعضها البعض. أي أن للفرد ذوات متعددة، بتعدد علاقاته الدينامية مع العالم الخارجي وبتعدد أدواره، وتنوع تجاربه، وثراء خبراته العملية، وأن المظاهر المختلفة لمفهوم الذات ترتبط بينها ارتباطاً قوياً تؤثر وتتأثر ببعضها فيتأثر مفهوم الذات بمفهوم الآخر وهكذا.

نشأة ونمو مفهوم الذات:

 إن الشخص لا يولد بمفهوم جاهز عن ذاته، بل يتكون مفهومه عن ذاته، عبر ما يكتسبه في مراحل النمو، وخاصة مراحل النمو الأولى. لأن تكوين وتبلور مفهوم الذات، لا ينشأ منفرداً منعزلاً، بل هو وليد التفاعلات المستمرة القائمة بينه وبين كيانه الداخلي من جهة، وبينه وبين المحيطين به من جهة ثانية. باعتبار أن نشأة ونمو مفهوم الذات عملية ديناميكية لا تقف عند حدٍ معين، بل تستغرق زمناً طويلاً. أي أنه ليس مفهوماً فطرياً، وإنما هو ينمو بمضي الزمن.

ولكن يبدأ الفرد في التعرف على ذاته، بتنمية إحساسه بوجوده وكيانه المادي، عن طريق صورة الجسد. ثم بعد ذلك ينشيء لنفسه مفهوماً مناسباً للذات من خلال الواقع المعاش والبيئة المحيطة، من خلال الخبرة الذاتية التي كونها نتيجة لإنجازاته الخاصة، ومن خلال إحساسه بالآخرين من حوله. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 121)

وقد أشارت سعدية بهادر (1983) إلى أن نظريات النمو والتعلم تفيد أن مفهوم الذات يتكون عادة خلال السنوات الست الأولى من حياة الإنسان، من تجميع المعلومات والخبرات الحياتية المختلفة، ومن تكوين الاتجاهات الإيجابية للفرد نحو نفسه وغيره، والتي تتحدد نتيجة لها صورة خاصة للفرد نحو ذاته، تبرز فيها أهم ملامحه ومقوماته الشخصية. (سعدية بهادر،1983: 29)

ويعتبر سامي ملحم (1990) أن عددا كبيرا من العوامل تسهم في تكوين مفهوم الذات. أهمها الأسرة، وخلال تلك الفترة، تتكون لديه البدايات الأولى لمفهومه عن ذاته من الخبرات التي تتاح له داخل البيت مما يتلقاه من استجابات الآخرين البارزين حوله. (سامي ملحم،1990 :596)

ويرى ابراهيم أبو زيد (1987) أن مفهوم الذات ينمو من الخبرات الجزئية والمواقف التي يمر بها الفرد في أثناء محاولاته للتكيف مع البيئة المحيطة به، هذه الخبرات هي التي يترتب عليها نمو التنظيمات السلوكية المختلفة بناء على عملية تعلم. (ابراهيم أبو زيد،1987: 104)

ومما سبق يتضح أن فهم الذات عملية مستمرة منذ الميلاد حتى الوفاة، وأن فهم الذات يتشكل عن طريق الخبرة التي يمر بها الفرد، فالمولود لا يميز بين نفسه والأشياء المحيطة به ومع الزمن يتعلم أن يقف وينظر إلى نفسه وأن يرى سلوكه بالنسبة للآخرين والنتيجة هي الوعي التدريجي للتركيب المعقد للذات. و مفهوم الذات يتشكل من خلال الحياة، والخبره التي يمر بها الفرد حيث أن الصورة التي يكونها الفرد نحو ذاته وإدراكه لها يتشكل من خلال احتكاك الفرد بالبيئة الاجتماعية، ومن العلاقات التفاعلية بين الفرد والعالم الخارجي، ومن تقويم الآخرين له وما يعتقدونه عنه، وذلك من خلال خبرات النجاح والفشل والتوقعات التي يعيشها الفرد.

أهم عوامل تكوين مفهوم الذات:

- أساليب التربية في الأسرة تعتبر محدداً هاماً من محددات تكوين الذات، حيث أن إشباع حاجة الطفل للحب في الأسرة، والإشباع المادي له، بالإضافة إلى اتجاهات الوالدين السويه نحوه.

- التنميط الجنسي والضغوط الطفلية تلعب دوراً كبيراً في تغيير مفهوم الذات، والتغييرات في العلاقات بين الطفل، والمجتمع الخارجي، تخلق الظروف التي تؤدى لتجدد الوعي بالذات.

- صورة الجسم، والشكل، والمظهر الخارجي، والقدرة الفعلية، غالباً ما تكون محددات شخصية لها أثرها الفعال في تقييم الفرد لذاته.

- المعايير الاجتماعية تلعب دوراً ملحوظاً في تشكيل مفهوم الذات، وتختلف من مجتمع لآخر بل وفى المجتمع الواحد، تبعاً لسن الفرد وجنسه والمركز الاجتماعي الذي يشغله.

- الدور الاجماعي يؤثر في مفهوم الذات، حيث يوضع الفرد في سلسلة من الأدوار الإجتماعية، وأثناء تحوله في إطار البناء الاجتماعي يوضع في أنماط من الأدوار الاجتماعية المختلفة.

- الخبرات التي تتفق وتتطابق مع مفهوم الذات والمعايير الاجتماعية تؤدى إلى الراحة. والتي لا تتفق تؤدي لإحباط مركز الذات والتوتر والقلق وسوء التوافق. (هدى قناوي،1986: 384)

التفاعل الإجتماعي والخبرة والعلاقة بمفهوم الذات:

إن للذات البشرية دورا فعالا في تكوين المجتمع، فعلاقة الفرد بالمجتمع علاقة مزدوجة ثنائية الأبعاد، إذ تشتمل على العلاقة التفاعلية، وعلى الوجود المستقل للذاتن وبدون الوجه التفاعلي لا يمكن للذات أن تحقق وجودها، ولكن في الوقت ذاته تحدد الاجتماعية ما للذات من استقلالية.

وإن مفهوم الذات يحدث تحت ظروف الحياة الجماعية، حيث لا يتفاعل الجنس البشري كأفراد منفردين فحسب، وإنما كأعضاء في جماعات أيضاً. ففي كل موقف اجتماعي، يظهر الفرد أنماطاً فريدة ومختلفة من السلوك في ظاهرها. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 111)

ويتشكل مفهوم الذات من خلال الخبرات التي يمر بها الفرد، لأن الصورة التي يكونها نحو ذاته وإدراكه، تتشكل عبر احتكاكه بالبيئة الاجتماعية والعلاقات التفاعلية بينه وبين العالم الخارجي، ومن تقويم الآخرين له وما يعتقدونه عنه. وتلعب خبرات الطفل عبر عملية التنشئة والتطبيع الاجتماعي دوراً هاماً في تشكيل فكرته عن نفسه. (جارندر ولندزي وكالفن هول، 1978: 300)

وفي مرحلة المراهقة يجد الفرد نفسه أمام احتمالين: إما أن يصل لتحقيق ذاته بشكل مقبول، وإما أن يواجه تشعب الذات وتفككها. وفي مرحلة الشباب إما أن ينجح الفرد في تكوين علاقات مع الآخر، وإما أن يجنح إلى العزلة. وفي سن الرشد تدور أغلب المشكلات حول الإنتاج والعمل، والفرد إما يتمركز حول ذاته، وإما أن يفشل في ذلك. وفي الأيام الأخيرة لحياة الفرد تأتي مشكلة الميل للاستسلام وإلى اليأس. (محي الدين توق، وعبد الرحمن عدس،1993 :299-300)

ويؤكد حامد زهران (1977) أن هنالك أفراداً خارج نطاق الأسرة يلعبون دوراً هاماً في نمو مفهوم الذات. ويشير إلى أن الدراسات تؤكد أن كل الاتجاهات منشؤها الخبرة الاجتماعية، وأن اتجاهات الذات ينظر إليها على أنها نتاج للتفاعل الاجتماعي، وكذلك لتأثير الدور الاجتماعي معاً. حيث تنمو صورة الذات خلال التفاعل الاجتماعي، وأثناء وضع الفرد في سلسلة من الأدوار الاجتماعية. وإن التفاعل الاجتماعي السليم يعزز الفكرة السليمة عن الذات.(حامد زهران،1977: 389)

ويرى (بياجيه) أن التكيف السلوكي يشمل وظيفتين التمثيل: وهي عملية تلقي المعلومات عن أحداث البيئة وفهمها واستخدامها في نشاط معين موجود بالفعل في ذخيرة الكائن العضوي. ولا يحدث هذا الفهم إلا إذا نجح في إحداث تكامل بين الخبرات الجديدة والسابقة لديه. والمواءمة: هي إضافة أنشطة جديدة إلى ذخيرة الكائن العضوي، أو تعديل أنشطته القائمة استجابةً لظروف البيئة، لأننا نتغير نتيجة للخبرة وللنضج البيولوجي.(فؤاد أبوحطب، وآمال صادق،1990 :168)

يتضح مما سبق عرضه أن نمو مفهوم الذات يعتمد إلى حد كبير على تفاعل الفرد مع بيئته، وعلى تعميم الخبرات الانفعالية والادراكية على الفرد، وتساهم بعض العمليات النفسية الاجتماعية كالامتصاص والتوقع في تكوين مفهوم الذات، كما تلعب المؤثرات الاجتماعية – كالدور الاجتماعي والأسرة، والمقارنة، والتفاعل الاجتماعي، والمدرسة، وجماعة الرفاق، والمعلمين – دوراً هاماً في نمو مفهوم الذات، هذا بالإضافة إلى أن مفهوم الذات في عملية نمو وتطور مستمر، مما قد يساهم في تعديل مفهوم الذات لدى الفرد.

ويبدو أنه حسب خبرات الفرد يتحرك الفرد في المجتمع، فتتجاذبه الرغبته في الانصياع للمجتمع والخروج عليه. حيث توجد لديه مصادر بيولوجية واجتماعية محركة للصراع، ولكن الخبرات الطيبه تنعكس في المحبة والأمن، وطبيعة الذات وخبراتها تعكس القدرة على توجيه التفاعل وفقا للمعطيات التي لديها.

الأمن الشخصي والعلاقة بمفهوم الذات:

توجد علاقة وثيقة بين مفهوم الذات والأمن. وفقدان الأمن يعتبر تهديداً للذات، ويؤدي إلى إدراك ناقص أو مشوة لها. وهذا الإدراك المشوه للذات وللواقع يؤثر على مفهوم الذات وإدراك الذات.

وقد اعتبر (بلانت) بأن الفرد يستشعر الأمن بسبب ما يكونه هو، بينما يأتي اعتباره لذاته بسبب ما يستطيع أن يفعله. لأن الأمن يؤسس دائماً على الإحساس بالانتماء، والشعور بالأمن أكثر جوهرية. بينما يأتي اعتبار الذات بعد ذلك. فالطفل الذي يعلم أن بعض الناس يحبونه يستطيع أن يقبل تهديدات كثيرة نحو اعتباره لذاته. ويتوقف مدى تكيف الفرد على إشباع حاجته لتأكيد ذاته، لأنها رأس كل الحاجات وذلك طبقا لواقع المجتمع من قبل الفرد.(والاس لابين وبيرت جرين،1981: 203)

تؤدي عملية اختلال التوازن الى الاغتراب عن الذات، والمجتمع، وقد أعتبر كلاً من (سيمان، وأريك،  وفروم،  وماركس) بأن الفرد يبدأ في الاغتراب، عن ذاته عندما يشعر بأن ذاته الخاصة، وقدراته تصير شيئا ما، وتكون مجرد وسيلة، أو أداة الفعل ذاته.(سيد شتا،1984 :224).

 ويمكن القول بوجه عام أن الذات هي التي يفكر صاحبها جيداً في نفسه، ويدرك حقيقة ذاته، وبها يشعر إما بالخوف أو الأمن، وما يتوقع منها من خبرات، أنه الشخص الذي يحُسن التفكير بالآخرين، أنه الشخص الذي يقدر قيمة الآخرين ويحسن التعايش معهم والاستفادة من خبراتهم مع الحفاظ على قيمه ومبادئه. وإنه الشخص الذي يجد نفسه يقوم بدور خلاق، يأخذ كما يعطي، يحب للآخرين كما يحبه لنفسه، وهو الذي يقابل الحياة متوقعاً النجاح غير خائف من الفشل.

ويتبين من خلال ما سبق في هذا القسم بأن دراسة الذات هي لب دراسة الشخصية، وتعد من أهم الدراسات النفس اجتماعية، وأما دراسة مفهوم الذات فهي من أعقد الدراسات النفسية، لكونه من أعمق المفاهيم الإنسانية. وأي خلل أو نقص يعتريه، في التصور والفهم يؤدي لتوجيهه للاتجاه الخاطيء.

ووجود الذات يكون بمجرد انفصال (الأنا) عن الآخر، وتكون صفحة بيضاء، لأنها ما زالت في طور التشكل. وتعتبر السنوات الخمس الأولى هي الأهم في حياة الطفل، لأن فيها يتبلور تصورة لمفهوم  الذات، من خلال إدراكة وفهمه لنفسه، وللآخرين من حوله، وللبيئة المادية المحيطه به.

والدور الاجتماعي يؤثر علي تشكل مفهوم الذات، فيتعلم الفرد كيف يرى نفسه كما يراه الآخرون في المواقف الاجتماعية. وتلعب المعايير الاجتماعية دوراً مهماً كذلك في تشكيله، بنوع من الإختلاف من مجتمع لآخر، بل وحتى فى المجتمع الواحد، تبعاً لكثير من المتغيرات.

ويوجد بين مفهوم الذات، والأمن والأمان، علاقة وثيقة. ففقدان الأمن يعتبر تهديداً للذات، ويؤدي إلى إدراك ناقص أو مشوه لها. وهذا يؤثر على إدراكه لنفسة، وللواقع الاجتماعي.

” مفهوم الآخر أو الغير”

إن مفعوم الآخر  The otheمفهومٌ متعدد المعاني، ومختلفٌ بإختلاف وجهات النظر والرؤى البحثية فلسفياً ونفسياً حوله. رغم أن ثمة إتفاق على أن هذا الآخر أو الغير، مجاوز لمعنى الأنا أو الهو، بحيث تنحصر دلالته في المفهوم الشائع، في معنى الآخر أو الغير المتميز عن (الأنا) أو الذات الفردية -أي هو كل ما ليس أنا- سواء كان هذا الآخر ذاتاً فردية (أنت)، أو كان ذاتاً جماعية بشقيها، كالذات الجماعية التي تنتسب إليها ذات الفرد وهي (نحن)، أو الذات الجماعية المقابلة للجماعة التي تنتمي إليها ذات الفرد، وهي آخر الآخر (هم)، والتي إما تكون ذاتاً جمعية لصديق أو لعدو.

 إن تشكيل صورة الآخر في أبعادها الذاتية والموضوعية، وفي أشكالها ومضامينها، تمر عبر الذات المكونة لهذه الصورة، بكل ما تحوزه هذه الذات من موجهات أيديولوجية وسياسية وخبرات مباشرة، تاريخية ومعاصرة. غير أنه حقيقي أيضاً أن الآخر باختياراته وأفعاله وردود أفعاله يسهم بتأسيس بعض مرتكزات صورته لدي الآخر.(عبد الباسط عبد المعطي،1999: 358)

وصورة الآخر وكذلك الأنا، تتضح من خلال وصفها في مرآة الحياة الاجتماعية. وذلك لرؤية الصور المشابهة أو المختلفة لكليهما. فأحياناً يظهر التقابل صراحة مثل بخل الآخر في مقابل كرم الأنا. وأحيانا يتم وصف الآخر وحده دون ذكر الصورة المقابلة للأنا، ولكن يمكن رؤيتها ضمناً عن طريق القلب والعكس، فالآخر هو المعلن عنه، والأنا هو المسكوت عنه. ونادراً ما يحدث العكس، وهو تصوير الأنا ثم فهم الآخر ضمناً عن طريق قلب الصورة. وأحياناً يتم تصوير الآخر. مثل محبة الغرباء دون أن يتضمن ذلك قلب الصورة عند الأنا، أو كراهية الغرباء. لأنها صورة مشتركة واحدة للأنا والأخر. (حسن حنفي،1999: 292)

إن جوهر علاقة الآخر بالذات، هي تلك العلاقة الإساسية المتمثلة في تولد مفهوم الذات ومفهوم الآخر لدى الفرد. حيث غدت هذه العلاقة موضوعا للفكر والمعرفة، سواء أكانت تلك العلاقة بين أفراد وأفراد، أو بين جماعات وجماعات، أو بين شعوب وشعوب أخرى، إذ أنه بدون معرفة الآخر عملياً يظل التعامل معه في حدود الفهم والمعرفة الضيقة، التي نتصورها حسب ما نريد، ووفق ما نرغب، لا كما هي في واقع الأمر. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 105)

إن العلاقة بين الذات والآخر، هي علاقة تبادلية. لأن فكرة الفرد عن نفسه ومدى تقبله لها، ونظرته للآخرين من حوله تعتبر من المحركات الأساسية لسلوكه. حيث إن هذه الفكرة تنتج أساسا من نظرة الآخرين للفرد، بأعتبار أن مفهوم الفرد عن ذاته، الذي يتولد من أفكار الآخرين

عنه، يصنع في المقابل نظرة الفرد للآخرين وموقفه منهم. ولهذا لا يفكر أحد اليوم تفكيراً جاداً في أن يضع الآخر كمكون للأنا موضع الشك منذ أن أقامه التحليل النفسي على قواعد من البرهان والتجربة الصلبة رغم أنه مرَّ وقت لكي تبنى هذه المقارنة العلائقية، لأن العملية كانت شائكة. ذلك أن (الأنا والآخر)، هما في هذا المقام موجودات جماعية.(علي الكنز،1999: 651)

الآخر كمفهوم عام:

إن معنى الآخر متوقف على المعنى المقابل لذلك الآخر. أي أن الإنسان هو بما يعنيه لآخر. وإن الملاحظة العادية لعلاقة الأشخاص بعضهم ببعض، تدل على أننا عدد من المهايا الشخصية بنوع وعدد من ندخل معهم في أدوار معاشه. فالأب هو آخر بالنسبة للابن، والأنثى كذلك للرجل، والأب نفسه هو صديق لآخر وهكذا. (أحمد فائق،1981 :16)

وبهذا يعتبر مفهوم الآخر مفهوماً عاماً وشاملاً، قبل أن يكون مفهوماً فلسفياً، وقبل أن يتمحور كمفهوم علمي في ميدان علم النفس. وسوف نوضح في هذه العجالة بعض الآراء حول ذلك:

- الآخر: المحكوم في الأمير، حيث يسدى (مكيافللي) النصح العاقل للحاكم الذي يواجهه ” لؤم المحكوم ” و ” جبنه ” و ” خبثه “.

- الآخر: بصفته حاكماً مستبداً لدى (جورج أورويل) (1984 ) أي الأخ الأكبر، وعينه الضابطة.

- الآخر: رب العمل عند (ماركس) في رأس المال ووسيطة في الاستغلال، فائض القيمة.

- الآخر في الدين: وكل الأوضاع التي قامت لتثبيته، سلماً أو حرباً، بين كل دين وآخر، أو داخل أبناء الدين الواحد نفسه.

- الآخر في الجنس: وهو يقسم العلاقة بين المرآة والرجل إلى ثلاث حقب: الأولى عنوانها ” الواحد والآخر” حيث التكامل بين المرآة والرجل، والثانية عنوانها “الواحد دون الآخر” حيث علاقة الهيمنة، والأخيرة عنوانها ” الواحد هو الآخر ” وهي مبشرة بعهد جديد من العلاقة.

- الآخر في السياسة: كقوة عظمى ندية تنافس نظيرتها في السيطرة على البقية غير العظيمة من بلدان العالم.

- الآخر في الجغرافيا: بصفته شرقاً وغرباً، تبعاً للموقع الجغرافي، وهو كثير التداول.

– الآخر: الأقرب إلى التصور الصوفي، حدده الفلاسفة على أنه “غير المفكر فيه” والواجب سبر أغواره حتى بلوغ ” العين “.

- الآخر: هو الأجنبي، تنظر (كرستيغا) إلى الأنا بالنسبة للآخر “، مثل الخصائص الفريدة في كل شخص مفرد، و” الآخر ” ليس أكثر من ” أجنبي ” و “خارجي”. (فيلهو هارلي، 1999 : 55)

وهكذا يتبين أن الآخر يقدم نفسه كل مرة في كينونة مختلفة، تبعاً للرؤية التي ينظر منها صاحب هذا التعريف. لكن نسبية الآخر هذه لا تقتصر على التفاوت في المستويات. إنها تتوغل أحياناً، في اختلاف المدلولات والمضامين. حيث لا يحتمل الآخر دالاً واحداً في كل مرة، بل يتبدل هذا الدال عند كل واقعة تبعاً للحال التي يتم منها التطرق إلى الآخر.

مفهوم الآخر أو الغير فلسفياً:

 كان يعتبر مفهوم الآخر أو الغير في البدء مفهوم فلسفي مجرد، أسهب الفلاسفة في تعريفة لدرجةٍ أظهرت التنوع والاختلاف. وإذا إفترضنا أنهم أفلحوا في تحديد الذات (الأنا) فلسفياً باعتبارها ذاتاً مفكرة أو أخلاقية، فإن مفهوم الغير أو الآخر إكتسب لديهم أبعادا متنوعة يمكن حصرها في المماثلة أو الاختلاف. وهذا التنوع في الدلالة لمفهوم الغير أو الآخر يظهر وجود اشكاليه، تكمن في كيفية التعرف عليه، وعلى وجوده بالنسبة للذات (الأنا)، وعلى طبيعة العلاقة التي تجمع الأنا بالآخر.

ويصوغ (أرسطو) مفهوم الآخر في شكل مبدأ الهوية (الذاتية) أي أن يكون الشيء هو هو وإما أن يكون مخالفا لذلك. فبالنسبة إلى كينونته يكون هو هو، وبالقياس إلى الغير يكون مخالفاً له.

وأما (ديكارت) فحاول إقامة مفارقة بين الأنا الفردية الواعية، وبين الآخر. فرفض الموروث من المعارف واعتمد على إمكاناته الذاتية، لأنه يريد أن يصل إلى درجة اليقين العقلي الذي يتصف بالبداهة والوضوح والتميز… فوجود الغير في إدراك الحقيقة ليس وجودا ضروريا. والاعتراف بالغير لا يأتي إلا من خلال قوة الحكم العقلي حيث يكون وجود الغير وجودا استدلالياً.

وأما (هيجل) فأعتبر أن وعي الذات لنفسها يكون من خلال اعتراف الغير بها. وهذه عملية مزدوجة يقوم بها الغير كما تقوم بها الذات. واعتراف أحد الطرفين بالآخر لابد أن ينتزع. وهكذا تدخل الأنا في صراع حتى الموت مع الغير، وتستمر العلاقة بينهما في إطار جدلية العبد والسيد. وهكذا يكون وجود الغير بالنسبة إلى الذات وجودا ضرورياً. (فيلهو هارلي،1999: 52)

وأما (سارتر) فيطرح العلاقة بين (الأنا) والآخر(الغير) في إطار ظاهرياتي، فالغير هو ذلك الذي ليس هو أنا ولست أنا هو. وفي حالة وجود علاقة عدمية بين الأنا والغير، فإنه لا يمكنه أن يؤثر في كينونتي بكينونته، وفي هذه الحالة ستكون معرفة الغير غير ممكنة. فبمجرد الدخول في علاقة معرفية مع الغير معناه تحويله إلى موضوع، أي أننا ننظر إليه كشيء خارج عن ذواتنا ونسلب منه جميع معاني الوعي والحرية والإرادة والمسؤولية. وهذه العلاقة متبادلة بينهما.

تعريف مفهوم الآخر: Self Other

إن معنى الآخر متوقف على المعنى المقابل لذلك الآخر. أي أن الإنسان هو بما يعنيه لآخر. وإن الملاحظة العادية لعلاقة الأشخاص بعضهم ببعض، تدل على أننا عدد من المهايا الشخصية بنوع وعدد ممن ندخل معهم في أدوار معاشهم. فالأب هو آخر بالنسبة للإبن.(أحمد فائق،1981 :16)

والآخر يقدم نفسه كل مرة في كينونة مختلفة، تبعاً للرؤية التي ينظر منها صاحب التعريف. لكن نسبية الآخر لا تقتصر على التفاوت في المستويات. بل في اختلاف المدلولات والمضامين. ولا يحتمل الآخر دالاً واحداً بكل مرة، بل يتبدل عند كل واقعة تبعاً للحال التي يتطرق منها للآخر.

تعريف الآخر أو الغير في اللغة: الآخر: جمعه آخرون، أخرون وأخراة مع آخر وآخريات: بمعنى غير. ولكن مدلولة خاص بجنس ما تقدمة.

وغير: تكون بمعنى سوى، جمعها. نحو جاء غيرهم أي سواهم. وجاء القوم غير فلان. (المنجد،1986: 5،563)

ومفهوم الآخر أو الغير يأتي بمعنى واحد في مستوى الدلالة اللغوية باللغة العربية، ولكنه يتميز بالتضاد مع الأنا أو الذات، لأنه يشير إلى الغير الذي يختلف عن الذات ويتميز عنها. وبالتالي يمكن أن تتخذ منه الذات مواقف، بعضها إيجابي وبعضها سلبي.

وأما في اللغة الأجنبية، كالفرنسية، فيلاحظ تمييز بين مصطلحي الغير Autrui والآخر L’autre، حيث يتخذ مفهوم الآخر معنى أوسع يفيد كل ما يختلف عن الموضوع والذات، ويشمل الاختلاف مستوى الأشياء الحية وغير الحية، أما مفهوم الغير فهو تضييق لمعنى الآخر، حيث يحصره في مجال الإنسان فقط، ويقصد به الناس الآخرين. وأيٍّ كان الاختلاف في المعاني فإن من الواضح أن الغير أو الآخر تعني المقابل للذات أو الأنا، باللغة العربية والأجنبية.(سيفردون سيكرباك،1999: 547)

تعريف مفهوم الآخر أو الغير في الإصطلاح:

إن تحديد مفهوم الغير أو الآخر على مستوى الدلالة السيكولوجية، ما زال جديداً وغامضاً، حيث أدخل لمجال مستوى البحث والدراسة السيكولوجية في أواخر هذا القرن فقط.

لذلك قام الباحث بتناول هذا الموضوع الذي يغلب عليه الطابع الفلسفي بمضامين ومفاهيم جديدة تناسب الدراسة. ويستعرض بعض هذه التعريفات.

يعرِف أريك فروم (1939) مفهوم الآخر: بأنه الإحساس ببعض الذات، الذي لا ينفصل عن الإحساس ببعض الآخرين. (محمد النجار، 1997: 52)

ويعرفه (كالفن) بأنه: هو تأثر مفهوم الذات والذات المثالية لدى الفرد بالآخرين من حوله، وكذلك نظرته العامة للآخرين. (جارندر ولندزي وكالفن هول، 1978: 87)

ويعرفه عبد السلام عبد الغفار (1973) بأنه: عملية تقويم الإنسان لذاته من خلال الآخرين، إذ يقوم بتقويم لذاته وتقويم للآخرين وللعالم الذي يعيش فيه، ثم يضع لنفسه في ضوء هذه العمليات أهدافاً لحققها، ويسعى إلى السلوك الذي يرى أنه قد يحقق هذه الأهداف. (عبد السلام عبد الغفار، 1973: 15)

ويعرفه الطاهر لبيب (1999) بأنه: عبارة عن مركب من السمات: الاجتماعية، والنفسية، والفكرية، والسلوكية التي ينسبها فرد ما أو جماعة، إلى الآخرين. (الطاهر لبيب، 1999: 190)

نشأة مفهوم الآخر:

 إن ثمة تلازم بين مفهوم الذات، ومفهوم الآخر. فاستخدام أي منهما يستدعي تلقائيا حضور الآخر. ويبدو أن هذا التلازم علي المستوي المفاهيمي هو تعبير عن طبيعة الآلة التي يتم وفقا لها تشكل كل منهما. فصورتنا عن ذاتنا لاتكون بمعزل عن صورة الآخر لدينا، كما أن كل صورة للآخر تعكس- بمعني ما- صورة للذات. (Burns,R. 1979:6)

والتلازم بين صور الذات والآخر، قد أبرزته أعمال العلماء النفسيين والاجتماعيين الذين اهتموا بالقضايا المتصلة بالذات  والآخر. وكانت أعمال وليام جيمس (william James) هي الأولي في هذا المجال، حيث أسست في نهاية القرن التاسع عشر، أول نظرة سيكولوجية للذات، ثم طور جيمس مارك بالدوين (J.M.Baldwin) بعد ذلك رؤية تفاعلية اهتم فيها بعلاقة الذات بالآخر، حيث شدد علي أن الأنا والآخر مولودان معا. (Sherif,M, 1968:150)

إن الآخريه متولدة من الأنا، ومولدة لها. وهي ليست ذاك الواقع الموضوعي الخارج عن أنا ليكون بدوره آخر خارجي وموضوعي. رغم أنه توجد في الحقيقة لحظة الآخر، لحظة تشكل الأنا بما هو كذلك، بما هو محض تخارج، ولكن اللحظة تلغي هذا التخارج في الوقت ذاته، وتلج الأنا والأخر بعضهما في بعض ضمن بنية يتزايد تعقدها باطراد. (علي الكنز،1999: 657)

والوعي بالذات والآخر، لا يتم إلا بعد تعرف الطفل الفارق بين الذات واللاذات، أي بين مفهومه عن ذاته ومفهومه عن الآخر. بين أجزاء جسمه، والباقي من بيئته المرئية، كأجزاء صحيحة من ذات اجتماعية مفردة، ويؤسس مجتمعاً من المعتقدات حول نفسه، وفي البداية لا يقيم تمييزا واضحا بين خبراته الحسية المبكرة، والمثير الخارجي.(والاس لابين وبيرت جرين،1981: 103)

وللآخر حضوراً دائماً عند الذات في جميع مراحل الحياة، وحضور الآخر ليس شيئاً عارضاً، إلا أن الآخر في الوقت نفسه، ليس شيئاً ثابتاً باستمرار، بل تتغير خصائصه بتغير الظروف والمواقع. وكما يكون الآخر فرداً يكون أحياناً جماعة. وكما يكون معروفاً للذات وقريباً منها فإنه يكون أحياناً غامضاً، في أماكن بعيدة وفي أزمنة مختلفة. (مصطفى التير،1999 :419)

إن رؤية الأنا في مرآة الآخر، ورؤية الآخر في مرآة الأنا، ليستا خروجاً على الموضوعية أو تحيزاً أو هوى، فالحق، مقياس للحكم، وللاستحسان العقلي. والحق يعني الرؤية الموضوعية المزدوجة للصورتين المتبادلتين بين الأنا والأخر، ويعني الاستحسان العقلي التحسين والتقبيح العقليين المرتبطين بالفطرة الانسانية واطراد التجارب البشرية. (حسن حنفي،1999 :286)

ولكن الشرط الرئيس الذي لا بد منه لكي يوجد (الآخر) هو وجود (الأنا) “ضمير المتكلم المفرد”، ولا يوجد الآخر إلا بعد أن يوجد (الأنا) الذات أو على الأقل لا يوجد إلا مصاحباً له. لما يتعلق الأمر بتعريف أن يكون (الأنا) محتاجاً إلى الوعي لكي يتموضع كذات (جان فارو،1999: 46)

ويسمي (جاينيه) هذه العلاقة (الشريك Socius ) الذي يشاركها حياتها النفسية. لأن هناك علاقة واضحة بين مفهوم الذات والأخر لدى الفرد، فكلاهما ينمو من الخبرات الجزئية والمواقف التي يمر بها الفرد أثناء محاولاته للتكيف مع البيئة. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 105)

وحتى في عملية إدراك الذات لا تدرك الذات ذاتها بطريقة تلقائية، وإنما يتم الإدارك بها عبر الغير دائماً، بالتفاعل معه، وبسلسلة من الأفعال وردود الأفعال، وبالأحكام والتقييمات المستمرة، وبرسائل رمزية متبادلة. كما لا يتم الوعي الوجودي بالذات، ولا يتم بناؤها وتطويرها، إلا من خلال الآخر بإدراكه والوعي به، بتفسير دوره ومكانته، وبالصراع المستمر معه، سواء أكان ذاك الآخر حقيقة أم خيالاً، أو كان بعيداً نائياً، أو قريباً جوانياً. (سالم ساري،1999: 377)

وقد قال: (تودوروف) لن نتوصل أبداً أن نعرف الآخرين دون الذات، فسواء أن تعرف الآخرين أو أن تعرف ذاتك ، فهما شيء واحد. و” بالتالي يجوز إذن للآخرين وللذات أن يكونا في المرآة واحد”. (روبارتو سبيرياني وماريا مانسي،1999: 150)

أما الباحثة التونسية (أسماء العريف بياتريكس) فقد اعتبرت أن ” الآخر جزء من الذات، ورأت أن نفي الآخر بتر للذات. بمعنى أنه قطع لجزء منها، رغم أنه ضروري لاكتشافها، حيث أن تصور الذات لا ينفصل عن تصور الآخر”. (أسماء بياتريكس،1999 :22)

ولهذا من الخطأ أن نرفض أن الآخر حاضر في ذاتنا، فالهوية تنبني على التفاعل بين الاثنين. وعلينا أن نبحث كيف نحقق داخلها تمفصل العلاقة التراتبية بين الذات والآخر، بين المركز والتخوم، بين الملاحظ والملحوظ، تمفصلاً نحققه بطريقة واعية. (منذر الكيلاني،1999: 82)

 إنَّ تشكيل صورة الآخر، في كل أبعادها، تمر عبر الذات المكونة لهذه الصورة بكل ما تحوزه هذه الذات من أيديولوجية وسياسية وخبرات مباشرة. كما تؤثر اللحظة التاريخية التي يتأثر بها الإدراك الجماعي للذات لهويتها الجماعية، في إدراك صورة الآخر، فالذات قد ترضى في الآخر بعضا ممالا تريده لنفسها، وقد تبرز فيه بعضا من إيجابيات تريدها لنفسها.

أبعاد الآخر:

 من صعوبة البحث في مفهوم الآخر، أن الآخر يتمثل في أكثر من بعد، وإن كان يربطه رابط مشترك واحد، بأنه ليس الذات أو الأنا، فهو تارة يعني الآخر اللصيق والحميم (أنت) الوالدين. وأحياناً يعني الآخر الجمعي القريب (نحن) المجتمع الذي يعيش فيه. أو آخر الآخر البعيد (هم)   الذي قد يكون هذا الآخر هو العدو أو الصديق.

ويذهب (جيمس آهو James Aaho) إلى أن الحياة تمارس كالتحام أشياء ذات خصائص محددة. وهنالك بين هذه الأشياء وقبل كل شيء (أنا) وما (ليس انا) ويتكون الأخير من أشياء طبيعية وأشخاص يدعون (أنت)، أضف إلى ذلك أن هنالك تمييزاً بين (أنت) حميمة تنادى ” بالاسم الأول”، وآخرين بعيدين ” ينادون باللقب أو بالاسم الكامل”. وفي النهاية فإن (أنا) و(أنت) الحميمة، يشكلان (نحن)، بينما يتشكل (هم) من حاصل (أنت) الغريب.

الآخر الحميم (أنت):

 يتكون الآخر المفرد الحميم منذ اللحظه الأولى لتنسم الطفل عبير الحياة، حيث تتلقفه يدي والداه بكل رعاية ورحمة وعطف وحنان. والذي في النهاية يتشكل بها هذا الكائن الجديد ال(أنا) من (أنت) الحميمة، و(نحن) القريب. لذلك يعتبر الآخر الحميم (أنت) الأهم في عملية تكوين الطفل، لأن الأم هي الأقرب والألصق للطفل والأكثر تفاعلا معه، وهي توجهه للوجهه السليمه، أو توجهه للوجهه السيئه. ولسوء الحظ للطفل أحياناً ما تكون ردود الفعل للآخر الحميم، الأم تضلل الطفل وتجعله يشك على نحو ما في كفايته وأهليته.(جارندر ولندزي وكالفن هول،1978: 77)

وعبر هذه العلاقة يتضح أن الآخر (أنت) الوالدين، هما المؤثر الأول والأهم، في تكوين وبلورة سلوك الطفل، وفي بناء خبراته، التي تؤثر في تصوره لذاته، وللآخرين من حوله. والتي إما أن تكون هذه التصورات لمفهومه عن ذاته، وعن الآخر، سلبية وإما إيجابية. إن الآخر المتمثل في الأفراد المحيطة بالطفل لا تؤثر فقط في مفهوم ذاته، أوذاته المثالية، إنما تؤثر أيضا على نظرته العامة للأفراد الآخرين، أي تقييمهم وإنشاء أحكاماً تجاههم. وهذا المفهوم يسمى أحيانا (الآخر المعمم) وهو بمثابة طريقة للإشارة إلى الحقيقة بأن الفرد يميل لتكوين مفهوماً شخصياً عن الخصائص التي يتمتع بها الناس بصفة عامة مثلاً: (مسالمين، أو معادين، أو محايدين، وهكذا) ومما لا شك فيه فان الآباء في سلوكهم نحو الآخرين وملاحظاتهم عن الأفراد خارج نطاق الأسرة، يعطي الطفل معلومات موثقة عن كيفية إدراكه للغرباء وقد يقدم الآباء أحيانا، تعليمات مباشرة مثل: (لا تثق بالناس كثيراً). هذا بالإضافة إلى أن الطفل غالبا ما يكون له خبراته المباشرة الخاصة مع الآخرين. (جارندر ولندزي وكالفن هول،1978 :77)

الآخر القريب (نحن):

 إن الإنسان ليس كائناً منفرداً في الحياة، إنما هو منذ اللحظه الأولى عضوٌ في جماعة معينه. فمن خلال الآخر وبالآخر يكتشف ذاته والآخر في آنٍ واحد. ومفهوم الآخر (نحن) يشير إلى صيغة معينة للأنا تتحقق في حالة وجود جماعة تضم في عضويتها عدداً من الأفراد يشعرون بالتعاون فيما بينهم. أو بالاختلاف مع غيرهم. (محمد الفيومي،1991: 164)

وعبر الآخر (نحن) وفي الجماعة، يتعلم الفرد كيف يختار، وكيف يواجه ضغط الجماعة، ويوجه مسارها ويغيره، ويتعلم متى يساير، ومتى يقاوم أو يعتزل. وخلال هذا كله يتعلم درساً أخلاقياً أسمى، وهو احتفاظه بذاته نامية، ومستقلة، ومتماسكة. لا يكتمل إلا بالعمل والكفاح مع الآخرين، في سبيل هدف مشترك نبيل يختاره بالفهم المتزن والإرادة الحرة. (مختار حمزة،1994: 102)

وقد أعتبرت أسماء بياتريكس (1999) أنه يمكننا القول إن الآخر هو الذي يكشف لنا أنفسنا. ففي ما نتناول عبر هذه الرابطة أو نرفض من أشياء لا ندرك واقع الآخر بقدر ما ندرك واقعنا نحن. (أسماء بياتريكس،1999: 93)

وصورة الذات الجماعية (نحن) لا تشكل مكون واحد، بل عدة مكونات أو صور فرعية، لا ينبغي إدراكها كمساحات متراصة أو منعزلة، بل هي في حالة تمفصل، وتلعب في تركيبها متغيرات عدة، مكانية، وزمانية، وتاريخية، وثقافية، ونفسية، واجتماعية.(فتحي أبو العينين،1999: 828)

ويعتبر (فروم fromm) أن المجتمع كآخر هو الذي يوجه الفرد في حياته واحتياجاته الأساسية. وهو الذي يرتبط فيه الإنسان بالإنسان برباط من الألفة والمحبة. وتترسب فيه الاخوة والتضامن. والإنسان يدرك قدراته الذاتية عن طريق الظروف الاجتماعية التي يعيشها ومتطلباته. أي تتكون الشخصية وفقا لفرص المجتمع، وتؤدي بالضرورة إلى وجود ترابط منطقي بينهم. ومن خلال تأكد الرضا لدى الفرد يشارك الآخرين بإدراكاته. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 25)

ومن خلال الآخر المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، وعبر التفاعل الاجتماعي بينه وبين البيئة المحيطة به، يكون الفرد في البداية ذاته، وبعد ذلك مفهومه عن ذاته، ثم مفهومه عن الآخر، سواء أكان هذا الآخر هو (أنت) أو(نحن) أو (هم). وعليه فالذات هي نتاج اجتماعي، وكذلك مفهوم الفرد لذاته وللآخرين أيضاً نتاجاً اجتماعياً. وعملية التفاعل الاجتماعي بين الأفراد ليست بالعملية البسيطة، فهي على درجة عالية من التعقيد لكثرة المتغيرات التي تؤثر في جميع مراحلها ابتداءً من القرار للدخول طرفاً في عملية ما، ومروراً بالأنشطة المتنوعة أثناءها، وانتهاءً بالنتائج التي تنتهي إليها. وتتعلق بعض المتغيرات التي تؤثر بعملية التفاعل الاجتماعي بخصائص الأفراد المعنيين بالأمر، ويتعلق بعضها بالبيئة المحيطة. ومن أهمها ما يتعلق بالصور التي ترسمها أطراف عملية التفاعل الاجتماعي للآخرين في الذات. (مصطفى التير،1999 :419)

وتنتج العلاقات الإيجابية بين الذات والآخر تقبل للذات، على أساس ما يتضمنه ذلك من تكيف مع الآخر، مما يولد شعوراً لدى الفرد بأنه قادر على توجيه سلوكه. فالعلاقة الموجبة بين مفهوم الذات والتوافق تعني أنه كلما ازداد تقدير الفرد لذاته ايجابيا زاد توافقه الشخصي والاجتماعي مع الآخر. (فيوليت ابراهيم،1986: 379)

وبذلك يتبين أنَّ الأشخاص المحققين لذاتهم أكثر تقبلا للذات وللآخرين، وأكثر تحملا لزلات البشر، وأقل ميلاً لإصدار الأحكام على ذاتهم، وعلى الآخرين. (محمد عبد الرحمن،1998 :443)

وللآخر دور مهم على السلوك، فهو يؤثر بالسلب والإيجاب على نمطية السلوك، سواء حسناً أو إنحرافياً. وأي سلوك مهما كان، إنما يرتد إلى نمط علاقة الفرد بالآخرين. وهذا يرتد في نهاية الأمر إلى ما نطلق عليه هوية الذات، أو هوية الأنا. ومن الثابت أن هوية الذات إنما هي نتاج عمليات التوحد بالآخرين، والتي تبدأ من الشهور الأولى من الحياة.(مصطفى زيور،1982: 123)

ويحدث الإنحراف عندما يكون الفارق بين أفكارنا عن ذاتنا وبين نظرة الآخرين لنا كبيراً. لذا يسعى الفرد لإيجاد مطابقة بين إدراكه لذاته وإدراك الآخر لها. لأن لكل مجتمع قائمة غير مكتوبة من الخصال الحميدة على أعضائه التحلي بها. وبها نكتشف الشخص اللااجتماعي. حيث ينقصه الحس بحقوق الآخرين ويتسم بالتمركز حول ذاته، وبعدم القدرة على تأجيل إشباع حاجاته. وتكون أهدافه قصيرة، ولا يعمل بمثابرة لتحصيل أهداف بعيدة. ولا يتعلم من العقاب الفشل. ويؤثر الإشباع السريع على الاشباع الطبيعي. (عماد الدين سلطان،1990: 261)

الآخر (نحن) وتكوين الهوية:

 تبدو الحاجة الإنسانية إلى الكشف عن الهوية عبر الاحتكاك بالآخر قديمة ومتشعبة التعبير، لكن ما يجمعها هو سلبيتها. يقول (إدوارد سعيد) عن أكثر العلاقات تجسيداً للآخر، أن أزمة الهوية لا تظهر إلا في المجتمعات التي تدخل في ديناميكية الحداثة “. والأزمة بمفهومة تعني أنها مجرد بدء الجهد المؤلم أو المفرح في تحديد الذات. (دلال البزري، 1999: 108)

إن صورة الآخر صورة متوسطة اجتماعياً. فضمن العوامل التي تتوسط علاقة الأنا بالآخر، هناك الشعور بالاشتراك في مواطنة أو عدم الاشتراك. فإذا ما تفطن المرء لوجود تحدى لهويته فإن ذلك يؤدى لتغيير رؤيته للآخر، ويكون شرطاً لاهتمامه بصورته.(بيار دوناتي،1999: 129)

وهكذا يتبين بإن الآخر يسهم بدور هام في فهمنا لمعتقداتنا وقيمنا وللدين والفلسفة وهويتنا. وبالتالي فإن الذات الجمعية (نحن) تعتبر وحدة جمع لا فصل فيها بين فاعل وموضوع. وربما أن طبيعة الحضارة الجمعية أو القومية -التي هي تعبير عن الوعي بالذات من خلال اللغة- هو الذي عبر عن ذاته في إيجاد الأنا الجمع. (طاهر لبيب،1999: 198)

آخر الآخر (هم):

 إن تبعيتنا للمجتمع بغير حاجة إلي برهان، ولكن تعويل الإنسان علي الآخرين دوماً ليس إيجابيا بالإطلاق، ذلك أن له أحياناً علاقات سلبية معهم، وتبعيات سلبية ليس لهم، ويمكن أن يكون لنا أعداء من بين الأشخاص الآخرين، أو أن يكون لنا أشخاص نتصور أنهم أعداء. ويمكن كذلك للمجموعات التي ننتمي إليها أن يكون لها أعداء علي الصعيد الجماعي. لأن الانتماء القوي والشامل لنا (نحن)، يفترض بشكل ما تحديد نوع العلاقة مع غير ال(نحن)، أي (هم). ولهذا فإن تقسيمنا للآخرين بين من ينتمون إلي (نحن)، ومن ينتمون إلي (هم)، قد يكون قديماً قدم الإنسانية. أما ما تغير، فلعله حدود (نحن) أو حدود الدوائر المختلفة التي تحتوي (نحن)، والكيفية التي نكون بها متوجسين أو عدائيين إزاء الذين نعتبرهم (هم).(سيفردون سيكرباك،1999: 545)

وقد اعتبر (جان فارو) أن (الأنا) الذي لا يوجد الآخر بدونه، هو اختراع تاريخي متأخر نسبياً، لارتباطه باكتشاف الوعي بالذات. قبل ذلك كان هناك آخر (نحن)، وكان الإنسان ينظر إليه من داخل، القبيلة أو المجتمع فيما بعد، التي كانت تمثل محيط وعيه للآخر. (طاهر لبيب،1999: 21)

وتعتبر (أندرنيكوفا) إن من الشروط الأولية لبناء وحدة اجتماعية هو إنشاء صورة الآخر، فبفضلها تتحقق نزعة الفرد إلى خلق انشطار بين (نحن) و(هم ). وقد تكون للآخر أولوية أكبر على الأنا في هذه الحالة كما بين ذلك عالم النفسن بورشناف. (آنا أندرنيكوفا،1999: 158)

إن الحدود بين الذات والآخر (نحن)، قد تشكلت تاريخياً وجغرافياً بفعل عوامل موضوعية خارجية. ولكن الحدود بين الذات والآخر (هم)، تتشكل ذاتياً ونفسياً بفعل عوامل سياسية وإعلامية بصورة ليست ثابتة. وتتلون عاطفياً، وتظل قابلة للتمدد والانكماش. لهذا يتطلب البحث عن مساحة لفهم الآخر وتقدير مساحة الاختلاف معه، والافتراض أن ضخامة حجم الاختلاف ليس أمراً سيئاً للغاية، إذا كان ينطلق من مبدأ الاعتراف بشرعيته. (سالم ساري،1999: 389)

آخر الآخر (هم) الصديق أو العدو:

يوجد صورتان لآخر الآخر (هم) صورة سلبية، عندما يكون الآخر هو العدو. وصورة إيجابية عندما يكون هذا الآخر بمثابة صديق. وفي كلتا الحالتين يجب التعامل معه والتعرف عليه. وتقول (كوتاستا) إن التعرف إلي الآخر يعني توسيع أفقي الثقافي والإنساني. ولما كان مختلفا عني ، فإني أروم إثراء الذات لدي بما له من تجربة ومن تنوع. (فيكتور كوتاستا،1999: 606)

ويعتبر(أوفير زور Ofer Zur) بأنه يمكن التمييز بين نمطين من أنماط العدو. الجدير والشرير فالعدو الجدير هو شريك مساوٍ في حرب مرتبطة بمباراة ودية كلعبة كرة القدم. وهذا الوضع لا يحظى به أبداً العدو الشرير الذي يعتبر مختلفاً عنه في الأساس. (فيلهو هارلي،1999: 53)

ولهذا يمكن أن تكون العلاقة مع الغير أو الآخر، أحياناً علاقة قيمية، تحكمها ضوابط أخلاقية. وأحياناً أخرى لا تحكمها قوانين وضوابط، بل تحكمها الأنانية، أوالظلم، أوالغرابة (العداء). فالعلاقه مع الآخر البعيد إما تكون علاقه قائمة على الصداقة المفعمة بالود والاحترام المتبادل،

وإما تقوم على قاعدة الكرة والعداء لهذا الأخر (هم). كما هو الحال بالنسبة للعدو الصهيوني.

وتعتبر (كرسيتغا) أن الآخر ليس اكثر من أجنبي وخارجي، ومفهوم الآخر هو أعمق من مفهوم العدو، باعتباره عكس الهوية. حيث يمكن أن نعرف هويتنا ببساطة باستبعاد الآخر. أما مفهوم  العدو فيطرح شيئاً أبعد من ذلك، ويصبح بالتالي حالة خاصة من الآخر، وليس هو الآخر.

ويرى (رينيه جرار) أن العدو يظهر إذا خلد في الادراك أن (نحن) و(هم) مختلفون. ويفهم التمييز بينهما بانه انعكاس لصراع بين الخير والشر. فيرتبط الخير مع (نحن) والشر مع (هم).

وأعتبر (آهو Aho ) أن العدو دائماً هو الآخر، إلا انه لا يمكن تصنيف كل الآخرين باعتبارهم أعداء لنحن. ولكن كيف يصبح الآخر أحيانا هو العدو؟ عندما تقوم (نحن) بتحديد الشر بنسبته إلى (هم)، وهكذا نجعل (هم) الآخر هم العدو، وتضيف الجذور الاجتماعية إلى ذلك أن العدو هو نتاج مشترك يتشكل اجتماعياً منا جميعاً، وفي العادة ليس ظاهرة ينجزها شخص واحد بمفرده.

ويرى (شارفان) أن الآخر والعدو يمثلان الحقيقة بالنسبة للشخص الذي يتحدث عنهما، وينبع العنف من السعي نحو الخير أو مناويء للخير، إلا انه ليس هنالك حقيقة مطلقة أو موضوعية، فالحقيقة تحددها دائماً التقاليد المتداولة عبر المواريث من جيل إلى جيل، هذه التقاليد هي مصدر العدو والآخر، والتقليد الشائع يميل لأن يكون الآخر هو العدو. (روبار شارفان،1999: 592)

وتكون الطامة عندما تختل عملية نكران الذات أو احتقارها لصالح العدو الشرير، كما يحدث في حالة الجاسوس. لأن أخطر عمليات نكران الذات، هي اللجوء إلى النقيض بعملية الذوبان أو التوحد معه، أي تمثل وجود الآخر حتى يصبح الشخص هو الآخر، أو يعيش ذاته كذلك. إنه هو هو، ومن هنا يتخذ لنفسه نفس ماهية الشخص الآخر وهويته. (مصطفى حجازي، 1995: 128)

 ومن خلال ما سبق في هذا القسم يتبين بأنه يوجد ارتباط وتلازم بين مفهوم الذات، ومفهوم الآخر. حيث يتشكل من رحم مفهوم الذات، ويدرك من خلال التصور الذي يتبلور لدى الفرد من خلال التفاعل بينه وبين البيئة المحيطة به. ومفهوم الآخر أبعاد وأنواع هي الآخر المفرد الحميم (أنت) ويمثلهما الوالدين، والآخر الجمعي بشقيه، وهو الآخر القريب (نحن) المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، أو الآخر البعيد (هم) الذي يمثله الاحتلال. وهناك تلازم طردي بين مفهوم الذات، والآخر (أنت) أو(نحن) فاستخدام أي منهما يستدعي تلقائيا حضور الآخر. وعندما يكون الآخر (هم) تكون العلاقة عكسية بينهما. ويعتبر الآخر الحميم واللصيق (أنت) هو مرآة الطفل الأولى العاكسه لذاته، التي يرى نفسه من خلالها، وهذه المرآة هي عاكسة لذاته وعبرها تكون ثقته بنفسه وبعدها تنتقل هذه الثقة للآخرين. ولكن لا يوجد مقدار محدد من السلب في مفهوم الذات والآخر بين جريمة وأخرى. كما لا يتحدد أي العوامل أكثر تأثيراً باتجاه السلب على الأفراد المنحرفين بالنسبة لمفهوم الذات والآخر.

وتوجد ثمة علاقة بين الاغتراب وفقدان الأمن، فغياب الأمن داخل المجتمع يولد الاغتراب عن الذات وعن الآخر الحميم (أنت) والآخر القريب (نحن). ويحدث الإنسلاخ والاغتراب عن الهويه، عندما تهرب الذات من الآخر (أنت)، أو (نحن). لتبحث عن الأمن في أحضان (هم)، وتستمد منه الدعم والعون والقوة، فلا تجد سوى التنكر للهوية. وهوية الذات هي نتاج عمليات التوحد بالآخر (أنت) و(نحن)، التي تبدأ مع بداية الحياة. ولولا وجود الآخر لما وجدت الهويه الفرديه للذات، أو الهويه الجمعيه للجماعات لأن الهوية هي قضية تتعلق برؤية الذات ضمن المجموع الآخر، وتقبل كل ما يطرحه من مفاهيم وأعراف وتقاليد.

ويؤثر الآخر بالسلب والإيجاب على نمطية السلوك، سواء أكان سلوكاً حسناً أو انحرافياً. وأي سلوك مهما كان، إنما يرتد إلى نمط علاقة الفرد بالآخرين.

ويوجد ثمة فرق بين الانحراف عن الآخر (نحن)، والانحراف تجاه آخر الآخر (هم)، لأن الانحراف ضد المجتمع، ليس بالضرورة أن يتحول للنقيض، أي إلى حب وتعامل مع آخر الآخر (هم) العدو ضد (نحن) المجتمع الذي يعسش فيه. والفرد ينحرف عبر سلسلة من التفاعلات، كالبدء في الانسلاخ عن الذات، ثم التنكر للآخر الفرد الحميم (أنت)، ثم التمرد على الآخر القريب (نحن)، ثم الحب والولاء وربما التوحد بآخر الآخر البعيد (هم) صديقاً كان أو عدواً، وبالتالي ينتقل إلى نقيض ذاته وللآخر الحميم والقريب.

ملاحظة: (للمزيد من المعلومات راجع للمؤلف)

(دراسة الماجستير بعنوان “دراسة لبعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي”)

(دراسة الدكتوراه بعنوان “مفهوم الذات، ومفهوم الآخر، لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي” )

 

أترك تعليقا

بعض مجرمي حرب غزة عام 2012م

بعض مجرمي حرب عام 2012م على غزة
نائب رئيس الأركان الصهيوني دان هاريئل
ولد في العام 1955 وهو عقيد في الجيش الصهيوني ويشغل حالياً منصب نائب رئيس الأركان, وقد كان قائد القيادة الجنوبية خلال عملية الانسحاب من قطاع غزة، وقد شغل منصب السكرتير العسكري لشئون الدفاع عند اسحق رابين وموشيه أرينز ويهود باراك.
تلقى تعليمه في مدينة حيفا حيث أنهى دراسته فني الكترونيات حصل درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في العلوم السياسية في جامعة حيفا, وأتم الدراسات العليا وحصل على دورة متقدمة في المدفعية في الجيش الأميركي, متزوج وله ابنتان وابن.
أصبح عضواً في كيبوتس هشومير ومن بعدها التحق بالجيش الصهيوني, وقد بدأ تدريبه في الخدمة العسكرية كطيار في عام 1974 وعزل منها عام 1976. وفي نفس العام انتقل إلى سلاح المدفعية، حيث استلم عدد من المناصب القيادية، بما في ذلك قائد وحدة اطلاق وكتيبة S-40، ومن ثم انتقل ليصبح قائد المساعدة المدفعية على الحدود اللبنانية والجولان بأمر من القيادة الشمالية المدفعية.
وفي عام 1993 تم تعيينه رئيس لدائرة العمليات للموظفين في هيئة الأركان العامة، وبقي في هذا المنصب حتى عام 199، ثم عين قائد المنطقة العام، وهو منصب شغله حتى عام 1998.
وفي عام 1996، خلال هبة البراق أصيب بعدة أعيرة في جسمه خلال توغل لقوات الاحتلال في مدينة طولكرم ونفق حائط المبكى أعمال الشغب، وأصيب بأعيرة نارية في مدينة طولكرم، أدت لتهتكات واضحة في فخده.
وفي عام 1998 تم تعيينه وزير الجيش وشغل منصب وزير الدفاع اسحق مردخاي للشئون العسكرية المدانية, ومسئول عن سلاح المدرعات, وفي العام 2000 عين قائدا لفرقة المتفجرات المدرعة في القيادة الشمالية للجيش, وفي عام 2001 تمت ترقيته إلى قائد عام للعمليات.
وفي عام 2003 شغل جرة تدوير في مناصب الجيش، وقد عين قائداً للقيادة الجنوبية، والتي كانت مسئولة عن القتال في قطاع غزة وتنفيذ خطة الانسحاب من القطاع.
ويقدر هاريل أن عملية الانسحاب من غزة سوف تزيد من العمل المقاوم من غزة، وحذر رؤساءه بأنه سوف يؤدي إلى تقوية حماس, ومع ذلك، لم يمتنع عن تنفيذ المهمة من فك الارتباط، رغم أنه وصفها بـ”المأساة”, وهذا جعله يلقى الثناء حول كيفية ضبط النفس في عملية الاخلاء, لكن الدوائر اليمينية في الكيان أصبحت تبادله الكراهية لأنه نفذ الأوامر.
وفي عام 2005 أنهى مهام منصبه كقائد لقيادة المنطقة الجنوبية، وعين ملحقا عسكريا في الولايات المتحدة.
وفي العام 2007، تم تعيينه في منصب نائب رئيس هيئة الأركان بدلاً من موشي كابلينسكي، وفي تشرين الأول 2009 استبدل ببيني جانتز, لكن عندما أصبح جانتز رئيس للأركان أعيد ليعين نائب له العام الماضي.
وعين هاريل في يناير 2011 رئيس تنفيذي لشركة النقل التابعة لوزارة المواصلات الصهيونية، لكنه أعلن استقالته في أكتوبر 2011.طلق سلاح المدرعات في الجيش الصهيوني مؤخراً، مسابقة جديدة لتشجيع جنوده على قتل المواطنين الفلسطينيين.
وأوضحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” التي نشرت الخبر أن المسابقة التي تأتي تحت عنوان “لخلق روح المنافسة” تتضمّن تمييز كل دبابة تقتل فلسطينياً بوضع علامة فارقة عليها بهدف تمييزها عن البقية، في “خطوة تشجيعية” للجنود الصهاينة العاملين في سلاح المدرعات على قتل الفلسطينيين.
وأضافت الصحيفة، أن هذا الإجراء جديد وغير معتاد في سلاح المدرعات، بخلاف سلاح الجو والمشاة الصهيونيين اللذان يعتمدان هذا الإجراء منذ سنوات، بحيث يتم تمييز سلاح الجندي الإسرائيلي الذي يقتل مواطناً فلسطينياً بوضع إشارة بارزة.
يشار إلى أن عيتاب شيلو، قائد لواء المدرعات المنتهية ولايته هو من أقرّ هذه المنافسة التي بدأ العمل بها قبل شهرين، حيث عقّب على هذا القرار في حينه بالقول “هذه المنافسة ستزيد الفخر لدى الطواقم العاملة في سلاح المدرعات، ولن يتم وضع العلامة إلا على الدبابة التي تصيب الفلسطينيين بصورة مباشرة وتؤدي إلى مقتلهم”.
الجنرال أمير آشيل قائد سلاح الجو الصهيوني
تسلم الجنرال أمير آشيل منصبه كقائد لسلاح الجو في جيش الاحتلال خلفا للجنرال عيدو نحوشتان..وهو لأب عراقي وأم روسية, ولد في مدينة يافا المحتلة في العام 1959, ونشأ في كريات أونو، ودرس في مدرسة “بناء المعبد سام” الثانوية في “رمات غان”.
وتطوع في عام 1977 لدورة طيران, وأنهى الدورة كطيار حربي في العام 1979، وبدأ مسيرته كطيار “سكاي هوك” في قاعدتي “عتسيون” و”رمون”, وحارب مع قائد السرب 140 خلال الحرب اللبنانية الأولى, وخدم كطيار ناقل في حرب “سلامة الجليل”.
وقد عمل آشيل في مدرسة صهيونية لتعليم الطيران وفي دورة التدريب الميداني لمدة عامين، حيث قام خلال خدمته العسكرية بالتحليق في العديد من الطائرات والمروحيات مثل:
( F–15 , F–16 , كورنس, عاييط, أباتشي, كوبرا, يسعور وطائرات خفيفة).
عين بعد الحرب على لبنان رئيساً لقسم التخطيط.
وقدم العديد من الخطط لضرب وردع ايران.
وأدخل آلية الطيران تحت الرادار في سلاح الجو في فبراير من العام الجاري.
وقد وقع اتفاق التبادل العسكري في مجال الطيران مع بولندا العام الماضي.
وقد قام بالتحليق لمدة زمنية تتجاوز الـ5500 ساعة طيران.
المناصب التي شغلها :
1991-1993 قائد فرقة الطيران “البرق” في قاعدة سلاح الجو ” رامات داڨيد”.
1993-1995 قائد فرقة الطيران ” كورنس 2000″ في قاعدة سلاح الجو “تال نوف”.
1996-199 رئيس شعبة العمليات في مقر سلاح الجو
1999-2001 قائد قاعدة سلاح الجو “رامون”
2001-2003 قائد قاعدة سلاح الجو “تال نوف”
2004-2005 قائد سرب الطيران
2006-2008 قائد مقر قيادة سلاح الجو
2008 وحتى بداية 2012 رئيس شعبة التخطيط
مايو 2012 تم تعينه قائداً لسلاح الجو الصهيوني.
العقيد يوسي بشار ..قائد فرقة غزة في جيش الاحتلال
العقيد يوسي بشار من مواليد 1965م وهو القائد الحالي لفرقة غزة, وقد كان قبل ذلك قائد سرية المظليين ماجلان ومسئول وحدة قيادة لواء المظليين لشعبة الجليل والمشاة ووحدة المظليين الرئيسية.
وهو صاحب شخصية خجولة، لا يجب الظهور ولا يعطي المقابلات، وهو بعيد عن السياسيين ووسائل الإعلام, وغير معروف لدى الجمهور الصهيوني، وغير معروف بشكل كبير بين الجنود الصهاينة, يطلقون عليه اسم جوزيف، لأنه يصر على المزاح مع الجنود الضباط الذين يعمل معهم، يتمتع بكاريزما طبيعية على القيادة.
ولد ونشأ في كيبوتس بيكر بئيري, وفي عام 1983 انضم إلى الجيش وتطوع لكتيبة المظليين المحمولة جوا عوز, وتلقى هناك تدريبات قتالية وتخرج ليصبح ضابطاً مظلياً ضمن سرية المشاة, وبعد الدورة تدرج في الكتيبة المحمولة جوا “عوز” حتى بات قائداً لها.
وفي عام 1988 شغل منصب قائد قاعدة التدريب في الوحدة1 و في الفترة 1990-1992 شغل منصب قائد المظليين Flhh N “.
وبعد فترة عاد للدراسة وأتم البكالوريوس في التاريخ في جامعة تل أبيب، وعين في عام 1994 قائدا لقوات المظلات, وقد نفذ خلالها عدد من العمليات الناجحة في جنوب لبنان, من بينه نصب كمين محكم لعدد من نشطاء حزب الله أدى لمقتل ستة منهم على الفور دون وقوع إصابات في القوة الصهيونية.
تم تعيينه في عام 1996م كقائد لقوات المظلات وبعدها عين كقائد للكتيبة 101، وأمضى بعدها مسئولاً عن قاعدة التدريب المظلي في الجيش الصهيوني.
وفي 1999 حتي 2001 بات قائداً لوحدة ماجلان المظلية وخلال هذه الفترة، شارك في العديد من الأنشطة القتالية ضد حزب الله, وفي عام 2001 تمت ترقيته إلى رتبة ميجر جنرال – وعين قائد لواء الاحتياط
ويعد من أبرز قادة جيش الاحتلال الذين شاركوا في عملية السور الواقي في الضفة المحتلة, وقد قاد الحرب ضد طولكرم ومخيم قباطية, الأمر الذي أدى لاستشهاد واصابة العشرات من الفلسطينيين واعتقال العديد منهم.
في عام 2003 تم تعيينه قائد لواء المظليين في الجيش الصهيوني بأكمله, وفي عام 2006 تمت ترقيته إلى العميد العام, وبعد حرب لبنان الثانية استقال هيرش غال قائد شعبة الجليل فتم تعينه مكانه بشكل مؤقت وبعد عدة شهور عاد إلى منصبه السابق.
وفي العام 2010 تم اقالة أفيف كوخافي قائد فرقة غزة بعد فشله في الحرب على غزة وعين ايال ايزنبرغ وبعدها تم تعين يوسي بشار قائداً للفرقة.
وفور تسلمه زمام فرقة غزة قرر اتخاذ العديد من الإجراءات لبدء سياسة إستراتيجية أمنية جديدة ضد قطاع غزة, تعتمد على تحسين قوة الدفاع وصد أي هجوم قادم من قطاع غزة, ووضع تصور لآلية التصعيد ضد القطاع لمنع إعادة بناء القوة فيه.
افيف كوخافي..رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية
قدم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية اللواء أفيف كوخافي، التقرير السنوي لهيئة الأركان العامة للجيش الصهيوني الذي يتضمن التقديرات الاستخباراتية وقد توقع انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط واحتمال نشوب حرب.
وافيف كوتشافي او كوخافي (ولد في العام 1964) نشأ في كريات بياليك، وهو عضو في مخيمات الشباب المهاجرين الصهيونية.
وحاصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة من الجامعة العبرية في القدس، وبعدها حصل على ماجستير في الإدارة العامة من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة (برنامج مشترك للمؤسسة يكسنر وكلية كينيدي للإدارة الحكومية) وحصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جونز هوبكنز.
وهو متزوج وله ثلاث بنات ويعيش مع عائلته في شمال فلسطين المحتلة.
وفي العام 1982 تطوع في الجيش الصهيوني في قوات المظليين ضمن الكتيبة التدريبية 890 , وتخرج منها مقاتلا مظلياً, وشارك في العمليات العسكرية في الكتيبة واللواء.
ثم انتقل للمرحلة الجامعية وتخرج ليصبح قائد سرية مشاة وأصبح ضابط أول ما حعله يتميز ضمن الكتيبة 890، ثم ضابط عمليات الكتيبة, على قائد السرية وقائد في وقت لاحق من الشركة الداعمة.
وعمل بعد ذلك جبهة المظليين R” “, وبعد التخرج من الكلية الجامعية عين ضابط العمليات في لواء المظليين. وبعدها تم ترقيته وتعينه قائدا للكتيبة 101 (كتيبة الثعبان) وكلف ليصبح قائد قاعدة التدريب المظليين ونائب قائد لواء المظليين.
في عام 1998، وعند إنهاءه للدراسات العليا من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة، تم تعيينه قائد للقسم الشرقي من وحدة الاتصال بلبنان من العام 1998 حتى 2000، تحت قيادة إيرز العميد غيرستين العام وكلف بقيادة اللواء الاحتياطي من المظليين النخبة من 2001 حتى 2003.
وقد شارك في محاولات قمع الانتفاضة الفلسطينية وقد شارك لواء النخبة الذي كان يقوده في التحرك ضد المقاومة الفلسطيني بدءاً من المسجد الأقصى ومخيمات اللاجئين، ويمتن له قادة الاحتلال بتنفيذ الكثير من العمليات في الضفة المحتلة ضد المقاومة والتي أدت لخفض جذوتها بشكل كبير من خلال المشاركة في عملية السور الواقي في العام 2003.
في عام 2004 بعد استبدال العميد شمويل زكاي القائد السابق لفرقة غزة بكوخافي شغل منصب قائد فرقة غزة حتى نهاية يوليو 2006, وخلال خدمته كقائد للفرقة وقع حدثان كبيران؛ ففي صيف 2005 نفذت دولة الاحتلال خطة فك الارتباط وانسحبت من قطاع غزة، وفي صيف عام 2006 أسر الجندي جلعاد شاليط وشنت فرقته حلمة على غزة سميت حينها “أمطار الصيف”, لكنها فشلت فتم إقالته من منصبه.
في عام 2006 حاول العودة للدراسة في لندن في الكلية الأمنية، لكنه تم إلغاء رحلته خوفا من الاعتقال من قبل السلطات البريطانية للاشتباه في تورطهم في جرائم حرب خلال خدمته في غزة, وبدلا من السفر إلى لندن سافر إلى الولايات المتحدة ودرس في جامعة جونز هوبكنز.
في عام 2007 عين رئيسا شعبة العمليات في هيئة الأركان العامة للجيش الصهيوني، واستمر في منصبه حتى يناير 2010.
في 22 نوفمبر 2010 تم ترقيته إلى قائد القيادة العامة والمعين من المخابرات العسكرية وقائد شعبة الاستخبارات العسكرية.
تامير باردو.. رئيس جهاز الموساد الصهيوني
كلفت دولة الكيان الصهيوني رئيس جهاز الموساد تامير باردو لقيادة المفاوضات المكوكية بين تل أبيب والقاهرة حول التهدئة مع المقاومة بغزة، حيث زار باردو القاهرة مرتين على الاقل وقد التقى مع مدير المخابرات المصرية، حيث ناقشا المسودة الأولية لاتفاق التهدئة والتي أصبحت أساسا للاتفاق الذي تم توقيعه.
وتامير باردو هو قائد جديد لجهاز الاستخبارات (الموساد) عقب مائير داغان، وقد تم اختياره في نوفمبر 2010 مدير الموساد بعد 30 عام من الخدمة في دائرة العمليات والتكنولوجيا.
تامير باردو مواليد سنه 1953 يقال أنه من أصول سفارديه أسبانية.
هو متزوج وله أبن وأبنه وحفيده.
وقد تخرج تامير باردو من جامعه تل أبيب في شعبه العلوم السياسية والتاريخ وهو يحمل ألقاب علميه.
وهو حاصل على شهادات جامعيه في مجالات الرياضيات والفيزياء والعلوم السياسية والتاريخ.
وله علاقة قوية مع وزير الحرب ايهود باراك، حيث شارك معه في كثير من المهمات الصعبة.
وهو رجل مخابرات مخضرم شارك في العديد من العمليات السرية خارج الكيان الصهيوني, وقد شغل عدة مناصب مهمة في الموساد ولعشرات السنين وكان مساعد المدير.
وانخرط في الموساد سنه 1980 بعد أن خدم في وحده النخبة في الجيش الصهيوني, حيث عمل مدير عمليات الموساد بين 1998 و2002 ومن سنه 2006 إلى سنه 2007 كان ملحقا لدى قياده أركان الجيش الصهيوني، وفيما بعد مساعد قائد الموساد حتى حزيران يونيو 2009 كان باردو ضابط اتصال في الجيش الصهيوني, وكان ضابط الاتصال في وحده الأركان الخاصة (ساييرت متكال)، وكان قد عمل إلى جانب يوني بنيامين نتنياهو شقيق بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الحكومة الحالية الذي شارك في عام 1976 في العملية التي نفذتها القوات الخاصة الصهيونية في عنتيبي (أوغندا) للإفراج عن مائه شخص كانوا على متن طائره (أير فرانس) التي خطفها فلسطينيون. وبعد خدمته العسكرية دخل باردو إلى الموساد في منصب تكنولوجي.
وفي إطار خدمته ترقى ووصل إلى منصب رئيس شعبه (نفيعوت) التقنية الفنية, وهي شعبه عمليات تنفيذيه مسئولة عن التسلل إلى أهداف مختلفة بهدف زرع أجهزه للتصنت والتصوير.
حسب المصادر الصهيونية باردو خبير في التكنولوجيا وعنده وعي سياسي ودبلوماسي سيساعده في مهمته كرئيس للموساد.
وهو صاحب إطلاع واسع على الوضع اللبناني بشكل دقيق إذ عمل هناك ونفذ عمليات فيها.
وعند تعيينه لم يبدي أي مسؤول صهيوني عدم رضاه عنه حيث سيدير أخطر مؤسسة في دولة الكيان.
وهو يختلف بأنه أقل تشددا ويمينية وأكثر مرونة عن سابقه مائير داغان ما يساعده على إنجاز الكثير.
وهو شخص مرن وصاحب وعي سياسي، إلا ان الحقيقة أن دولة الكيان كانت تعلم صعوبة المفاوضات الجارية بشأن التهدئة فاختارت من هو انسب حسب تقديراتها، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني، أرادت دولة الكيان أن تكلف الموساد لمتابعة هذا الملف(غزة) مع مصر لأهداف أمنية تكمن في فتح قنوات اتصال مع المصريين(المخابرات) ليكون الموساد أقرب من المشهد المصري بعد وصول الرئيس محمد مرسي لحكم مصر، وفهمها بشكل أفضل لأهمية الدور المصري في المنطقة وحاجة دولة الكيان له، وهذا مناط بدور الموساد كجهة تخصص.
الأمر الثالث، يسعى الموساد ومن خلال باردو تحسين صورة الكيان بين أروقة أجهزة المخابرات العالمية المختلفة بسبب المشاكل التي أحدثها رئيس الموساد السابق مائير رئيس داغان كإصدار جوازات مزورة وتنفيذ عمليات اغتيال.

أترك تعليقا

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.