Archive for category دراسات

بسم الله الرحمن الرحيم

الأسرى في الإسلام

أترك تعليقا

ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي (عرض ملخص)

ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي

عرض ملخص لرسالة الماجستير والدكتوراة…د.خضر عباس

تتناول هذه الدراسة ظاهرة اجتماعية تنشأ عن واقع احتلالي، يرتبط وجودها ارتباطاً وثيقاً بالاحتلال، حيث يفرض وجودها على المجتمع بما يخدم مصالحة ويحقق أهدافه. مما يتطلب تتبع هذه الظاهرة وعرض أهم المتغيرات المرتبطة بها عبر إطار نظري، يتناول الأفكار الأساسية، والخلفية النظرية لموضوع البحث، و يستند إلى نظريات معروفة تسهل تحديد المشكلة، واختيار الأسئلة والفروض، و يربط بين النظرية ومجال التطبيق بما يؤدي إلى تعزيزها وربما تنفيذها. (الأغا 1997: 201)

   وقد أشار عبيد (1993) إلى ندرة المصادر والمراجع في ظاهرة الأمن بشكل عام ، حيث لم تقع بين يديه أبحاث جادة حول الموضوع على الرغم من كثرة المجلات والدوريات التي تحمل اسم الأمن ، إلا أن أياً منها لم يدرس الظاهرة الأمنية دراسة علمية تحليلية، وقد يعود ذلك إلى إقصاء موضوع الأمن من فروع المعارف العلمية، أو أنه لم يصل إلى المستوى الذي يؤهله إلى الاستقلال كعلم الإجرام أو العقاب. (عبيد ،1993: 222 )

وهذا البحث يعد من الموضوعات التي ندر الخوض فيها من قبل الباحثين ليس بسبب قلة المصادر فيها وحسب ، بل أيضاً لحساسيته البالغة في ذات الموضوع نفسه ، بما يختزنه في ذهن المواطن العادي من ذكريات أليمة قاسية حيال هذه الظاهرة لتجاوزها كل المحرمات الوطنية ، على يد شريحة معينة من الأشخاص الذين هانت عليهم أنفسهم، فهان عليهم كل شأن، وارتبطوا بالاحتلال ، ومع ما سببته هذه الظاهرة من معاناة لمن حولها من المجموع البشري،  سواءُ لأهل العملاء أنفسهم ، أو لذوي ضحاياهم كذلك .

ويدرك الباحث كذلك مدى صعوبة اقتحام مثل هذا الموضوع لما يثيره من شجون وذكريات أليمة على مستوى العملاء أو ضحاياهم ، أو المجتمع برمته ، لكن المنهج العلمي والبحث المحايد سوف يساعد على التغلب على ما يختزن من ألم ومعاناة ، بكشف أهم العوامل والأسباب الكامنة وراء التعامل مع العدو ، إدراكاً من الباحث بأن الإنسان ليس شراً مطلقاً ، ، و لكن هناك مجموعة من العوامل الداخلية والعوامل الخارجية التي تؤثر في سلوكه ، وتبني شخصيته وسوف يتناول الباحث في هذا الفصل من الدراسة مفهوم العمالة ، وتاريخها ، ومدى خطورتها، وحجمها، وأهم مكوناتها ومن ثمّ  تناول النظريات والمدارس التي تتحدث عن السلوك الإجرامي ، ثم التعرف على أهم العوامل التي لها علاقة بظاهرة الانحراف بشكل عام ، وبالتعامل مع الاحتلال بشكل خاص ، وذلك لإفادة من يطلع على هذه الدراسة،  رغم ندرة الدراسات في مجال الأمن عموماً لما لهذا المجال من خصوصية معينة وسرية خاصة ، يحرص ذوو الاختصاص على عدم إطلاع الآخرين عليها .

تعقيب:           

ومن خلال العرض السابق لتعريف الجاسوس يرى الباحث بأن هذا التعريف، هو تعريف واسع وشامل يتسع لمعنيين متضادين ، أي الشيء ونقيضه ، وإن كان يعني في اللغة نفس المعنى ، باعتباره ممارسة تقوم على السرية والتخفي في أداء دورها .

فالمعنى الأول للجاسوس الذي يتعلق بالنشاط السيئ والشرير، أي الموجه ضد الدولة والمجتمع لحساب الغير، هو الذي ورد به النهي بقوله تعالى ” ولا تجسسوا ” وبنهي الرسول صلى الله عليه وسلم ” ولا تجسسوا ” .

والمعنى الآخر هو التجسس لصالح البلد والوطن ضد الأعداء فالجاسوس الذي يجمع المعلومات لصالح وطنه فدائي مخلص .

ولهذا يرى الباحث أنه يجب التفريق بين التجسس لصالح الوطن ، وبين التجسس ضد صالح الوطن . ومن الأفضل أن نصف من يتجسس على وطنه بالعميل أو الخائن .

مفهوم العين :

استخدم في التاريخ الإسلامي مفهوم آخر للجاسوس يحمل نفس المعنى والمضمون، وله حدين أو وجهين الوجه الحسن والقبيح ، وهو مفهوم العين،حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً يوم فتح مكة “اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها “.

وذكر مسلم ” أن العين هو الجاسوس”، وذكر ابن حجر” أن الجاسوس يسمى عيناً لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها ، فكأن جميع بدنه صار عيناً .

وذكر شهاب الدين “العين هو جاسوس القوم ، فيطلع على عورات المسلمين، وينهي الخبر إلى دارهم” ،ولقد ذكرت معظم كتب الفقه “الجاسوس بمعنى العين ، وأن العين هو الجاسوس”.(الدغمي ، 1985 : 28-30)

مفهوم  الخيانة :

   ذكر هذا المصطلح في القرآن الكريم ليكون قريناً لمصطلح الجاسوس لصالح العدو لقوله تعالى” يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرّسولَ وتَخُونْوا أَمْاناتِكِمْ ” (الأنفال : 27)

وقد فسر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمل ” حاطب بن أبي بلتعه بالخيانة -عندما أرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم فيها بتحرك الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوهم -قائلاً يا رسول الله  “إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني أضرب عنقه “.

وقد إعتبر رجال الفقه والتشريع وعلماء القانون والجريمة العمالةَ والتجسسَ لصالح الأعداء  خيانةً عظمى يعاقب عليها القانون .

أما (عبده ، 1996 : 61) فقد اعتبرهم خونة وأشد خطورة من غيرهم حيث أن مراقبة الخونة من أهل البلاد تعتبر أشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب ، وذلك لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يبديه نتيجة جهله بالعادات المحلية ، أما الخائن لوطنه الذي يتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية فهو مواطن كغيره من المواطنين، لا يحتاج إلى أن يتخفى وراء مظهر خادع ، فضلاً عن أنه يعرف بلاده ، وله حق قانوني في أن يتنقل في أرجائها ،ولهذا فان مراقبة الخونة المحليين أصعب بكثير من مراقبة الجواسيس الغرباء .

التعقيب على التعريفات :

من خلال العرض السابق للتعريفات : تظهر أربعة مفاهيم أساسية استخدمت على المستوى العالمي ، والعربي ، والإسلامي، وهي تشترك جميعًا في طريقة النشاط الموجه لممارسة عمل ما بطريقه سريه، والبعض منها يمتاز بالتعبير عن النشاط ومضادة والبعض الآخر يتحيز في نشاط  معين.

فمفهوم الجاسوس ، والعين : ليسا مصطلحين مترادفين فالعين هو الشخص الذي يعتمد على عينه في متابعة الأمور ورصدها ، أما الجاسوس فهو الذي يعتمد على الأذن والتنصت . ولقد استخدم هذان المفهومان في التاريخ الإسلامي بشكل خاص ، مع امتياز مفهوم الجاسوس بسعة الانتشار الزماني والمكاني ، عن مفهوم العين الذي اقتصر استخدامه على المسلمين فقط.

أما مفهوم العميل والخائن: فهما مفهومان مترادفان كذلك، يشيران لنفس المعنى والمضمون،  وإن اتخذ أحياناً مفهوم الخائن معيارا وصفياً أكثر منه مفهوماً مستقلاً ، وندر استخدامه كمصطلح متعارف عليه.

وبذلك يتبين أن المفهومين الأكثر شيوعاً واستعمالاً هما مفهوم الجاسوس والعميل ويميل الباحث إلى تحديد كل مفهوم لممارسة معينة بحيث يطلق لفظ

الجاسوس على من يتجسس لصالح الوطن ، ومفهوم العميل على من يتجسس ضد الوطن ، وهذا الميل ينبع من خلال ما لمسة الباحث من تناول بعض الباحثين لمفهوم الجاسوس بمعنيين متضادين بدون توضيح مما يوقع القارئ في لبس كبير، لذلك يجب التفريق بين صفات الجاسوس الذي يعمل لمصلحة بلده ، والجاسوس الذي يعمل ضد مصلحة بلده . ولذلك سوف يعتمد الباحث مفهوم العميل باعتباره أقرب المفاهيم لهذه الدراسة، وأكثرها دلالة على العينة فيها

خطورة ظاهرة التعامل :

* تكمن أهمية دراسة ظاهرة التعامل مع الاحتلال في كونها تشكل تحدياً مغلفاً بالخوف ودواعي الأمن ، أو بالحساسية المفرطة لطبيعة الظاهرة .

* وتعد هذه الدراسة من أخطر الدراسات ، لأنها تتناول ظاهرة لها من العمق التاريخي ما يساوي عمر التجمعات البشرية الأولى ، حيث شكلت عبر هذا التاريخ أخطر أشكال التدمير الاجتماعي للأمم المحتلة ، على الرغم من أن معظم المفكرين والكتاب أحجموا عن دراستها متذرعين ببعض الدوافع والعلل والأسباب  ولكن مهما كانت الدوافع وراء تجنب الباحثين التصدي لهذه الظاهرة الماثلة أمامهم والتي تهدد أمنهم وأمن أولادهم وأمن المجتمع برمته فإنهم مقصرون في ذلك . حيث أنها أولى بالبحث والدراسة من الدراسات النظرية المحضة التي ليس لها مردود اجتماعي عام – كبعض الدراسات التي تتحدث عن نظام القبول في الجامعات الفلسطينية – حيث إن فهم عالم الجاسوسية على المستوى العام والخاص ، ومعرفة ودراسة ردود الفعل النفسية لدائرة العملاء المتعاونين أمر ضروري لكل طبقات الشعب برمتها . (عبده ، 1989 : 38)

* التعرف على العوامل المؤثرة في الظاهرة من الناحية النفسية ، حيث أنه لابد من عناية علم النفس بالجاسوس والعمل على دراسته ودراسة مهنته وتطويرها إيجابيا بحيث تتلاءم وعصرنا الحاضر. (عاقل، 1993 : 232)

 * دراسة هذه الظاهرة يجعلنا ندرك أن الجاسوسية سلاح قديم جديد كان له دور هام في زمن الحرب والسلم ، وهي من أنجع الأسلحة، حيث تحاك في الخفاء وتؤتي ثماراً أهم وأخطر من غيرها.

* كما أن دراسة ظاهرة التعامل مع الاحتلال بشكل علمي ، يعارض اللفظ الشائع لدى العامة بأن هذه الشريحة من الشعب لا تستحق الحياة ، فكيف نجعلها محط اهتمام وبحث ودراسة ، وتأتي الدراسات لتجعل الجميع يقف ويفكر ويعيد حساباته في كثير من الأمور كأن يعدها من المسلمات المقدسة التي لا يجوز اقتحامها.

* ومن خطورة التجسس أنه برغم تطور أجهزة الاستطلاع والتجسس الإلكترونية الحديثة سواء بالأقمار الصناعية، أو الطائرات أو غيرها، فإن أجهزة المخابرات ما زالت تعتمد في جمع المعلومات وتفسيرها ، على العميل نفسه الذي تتمكن من تجنيده باعتباره يستطيع كشف ما لا تستطيع الأجهزة الأخرى كشفه مهما بلغت من التطور والتعقيد . ( الجزائري ،1985: 143)

*كما تكمن خطورته في كونه من أهم وأنجع الأسلحة لصالح البلد ، وفي نفس الوقت يعد من أخطرها وأشدها فتكاً على الأمة لأنها تنكشف من داخلها ، فهو الوسيلة الأهم في الحصول على المعلومات عن العدو، سواء تمّ ذلك  بواسطة الجواسيس والعملاء أو بالأرصاد واستخدام الأجهزة المتقدمة سرية كانت أم علنية. (الدغمي ،1985 : 32 )

* وتكمن خطورته في أن مختلف المهام التجسسيه تهدف إلى شيء واحد يخدم في النهاية مخططات الدولة وفق مصالحها وسياستها ، وهذا الهدف البعيد هو استهداف دولة معينة لإخضاعها بعد إضعاف معنوياتها واضطراب استقرارها ، وهذا ما يُعرف في قاموس الجاسوسية بإنهاك العدو، وهذا لا يتم إلا بإخضاعه لمعرفة ما يخطط له العدو ويفكر به، وكذلك القدرة على تقدير حجمة، فإذا كنت تبغي التيقن مما يرمي إليه عدوك فعليك أولاً أن تقدر قدرة خصمك  مثلما تقدر مهارته ، في لعبة البوكر ثم تضع نفسك مكانه ، وتفكر بما يفكر به لفترة ، وبعد ذلك تضع خطتك وتتصرف كما لو كنت مكانه في تلك الظروف (كوبلاند Kubland، 1990 : 19)

* إن معركة الجاسوسية  تعد من أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة من معارك وذلك لأنها معركة خفية ، و تعتمد على الغدر والخيانة والتسلل تحت ظروف عادية داخل الدولة، وجمع المعلومات الحربية لتمكين العدو من الاستفادة منها .

فإسرائيل دخلت  معركة الجاسوسية مع العرب بقصد العدوان على الجيوش العربية  وعلى الشعوب العربية ، وفي سبيل هذا الغرض أطلقت جواسيسها داخل البلاد يجمعون لها الأسرار العسكرية والمعلومات التي تتعلق بالنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والاجتماعي ، وحتى أرقام الهواتف الهامة ، وهذا ليس عبثاً من جانب العدو وإنما هو عمل مخابراتي أصيل وهو عمل تخريبي يؤدي إلى نتائج خطيرة فيما لو أتيح للعدو الإسرائيلي استعمال هذه المعلومات. (الجزائري،1991 : 482 )

* وللجاسوسية دور خطير في زمن الحرب على أمن الدولة وسلامة المجتمع برمته، لا يقتصر هذا الخطر على زمن الحرب ، بل يمتد شره  في أيام السلم إلى الميادين الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية والمعنوية وغيرها ، وأصبحت الدعايات الخبيثة والإشاعات من أمضى الأسلحة التي تعمل على تفكيك وحدة الأمة بشتى الوسائل وإضعاف الروح المعنوية بالوعود والأكاذيب .

 * ولخطورة ظاهرة التعامل عملت جميع المجتمعات قديماً وحديثاً على سن القوانين الرادعة ضد جريمة التعامل مع العدو ، وقد أقر القانون المصري مثلاً بأن يعاقب بالإعدام كل من سعى “تجسس” لدى دوله أجنبية ، أو تآمر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها للقيام بأعمال عدائية .

وقد اعتبرت كذلك كثير من الدول في قوانينها مثل إيطاليا وفرنسا عملية التخابر مع الأعداء وإن لم يقدم معلومات ذات قيمه هي في حد ذاتها جريمة كبرى ، يعاقب عليها القانون .

ظاهرة التعامل والتجسس عبر التاريخ :

تمهيد :

للوقوف على حقيقة أي ظاهرة – وخاصة الظواهر الاجتماعية – لا بد من تتبعها عبر التاريخ البشري ، ومعرفة جذورها وامتدادها فيه . فلا يمكن تناول هذه الظاهرة ، مجردة من البعد الزماني ، لأن له نفس ما للبعد المكاني الأهمية ، حيث إنه من خلال التفاعل الزماني والمكاني لأي ظاهرة يمكن فهمها والوقوف على حقيقتها .

ومن خلال التتبع لهذه الظاهرة تاريخياً ، نستطيع الوقوف على أثر العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية المنتجة لها ، باعتبار أن لها جذوراً عميقة في عمر التاريخ البشري ، تمتد منذ أقدم المجتمعات الغابرة حتى وقتنا الحاضر ،

حيث فطن الإنسان منذ فجر التاريخ البشري  إلى أهمية التجسس والاستفادة منه ، مما جعله يستغل هذا الأسلوب في صراعه مع القوى المضادة له ، بدءاً باستخدام أبسط الأساليب ، ووصولاً إلى أعقد الطرق والوسائل والأساليب .
( فاخر ، 1973 : 232 )

التجسس في العصور القديمة :

ورد في كتب ، قدماء المصريين ” الفراعنة ” أنهم استخدموا هذا الأسلوب في صراعهم مع أعدائهم وتؤكد المستندات القديمة عن المخابرات أن فن المخابرات ” أي التجسس ” فن قديم جداً فالمصريون كان لهم نظام تجسس منذ حوالي خمسة آلاف عام ، وكانوا يعدون التجسس على أعدائهم فناً ولوناً من ألوان العلم الحربي بحيث استطاع أحد ضباط المخابرات المصرية القدماء- ويدعى ” توت ” – أن يرسل مائتي جندي مسلحين ضمن أكياس القمح على ظهر مركب إلى مدينة ” يافا ” التي كانت محاصرة من قبلهم في حينه لاقتحام المدينة بعد أن تأكد بواسطة عيونة من صعوبة اختراق تحصيناتها عبر البر ، ولما استقر المركب في الميناء ، خرج الجنود واستولوا على المدينة.  (الجزائري، 1991  : 10 )

وأثناء غزو رمسيس الثاني الحيتيين تم القبض على جاسوسين للعدو في معسكر جيشه ، حيث تم استجوابهما وضربهما ضرباً مبرحاً ليعترفا بالحقيقة ، ويقول ” احمد هاني ” فيما ينقله عن “  لاديسلاس فاراجو ” المصريون القدماء كان لهم إدارات مخابرات منظمة قبل السيد المسيح بعدة قرون .

( الدغمي ، 1985 :47 )

ومن أشكال ذلك الفن الذي عرفه قدماء المصريين ، ما يحدثنا به المؤرخ ” هيرودتس ” بأن الرسائل السرية كانت تكتب في صورة وشم فوق رؤوس العبيد ثم يرسل هؤلاء إلى الأهداف المقصودة ، كما عرفها الكلدانيون والأشوريون والبابليون. (الجادر،1987 : 3)

وكان فن التجسس والجاسوسية وجمع المعلومات شائعاً بين الإغريق والفينيقيين والرومان والحضارات القديمة الأخرى ، وعلى الرغم من عسير التكهن بما كان يحدث قبيل ظهور” العهد القديم ” إلا أنه يمكن التخمين بأن معرفة ما بحوزة العدو أمر هام لضمان أمن المرء وسلامته . (اللجنة، 1993 : 16)

   وفي الإلياذة نسمع” هومر” الشاعر يتغنى بقصة رائعة من قصص الجاسوسية حين نقل الطرواديون بعض جنودهم ضمن جواد كبير صنعوه من الخشب إلى قلب مدينة العدو ، وسمي ” بحصان طرواده “(عبده، 1989 ،  12 )

     وقبيل مولد المسيح بأربعمائة عام أكد الوزير الصيني ورجل الاستراتيجية العسكرية ( صن تسو ) في كتابه ( فن الحرب ) أن أهمية المخابرات الجيدة تسبق الحرب نفسها (اللجنة ، 1993 : 16 )

وقد استخدم هذا الأسلوب” الاسكندر المقدوني” ، مدركا أهمية الطلائع وفرق الاستكشاف وأكثر ما أستعمل الفرسان للكشف البعيد ، وهو أول من استعمل الحصن في الجبال للكمائن ، وأول من اتخذ الجواسيس والعيون على العدو .

وقبل الإسلام نشطت الإمبراطوريات العظيمة في استخدام التجسس على بعضها البعض كدولة الفرس ودولة الروم ، حيث كانت الحرب بينهما محتدمة في كثير من الأحيان ، واستعمل سلاح التجسس بينهما كوسيلة عسكرية .

وكانت دولة الروم تستعمل الجواسيس ضد العرب قبل ظهور الإسلام الذين يعملون لحساب الرومان ، وكان التجسس يتم في بيوت تجارية  يستخدمها الرومان للشئون التجارية في الظاهر والتجسس على أحوال العرب سراً ، ولما ظهر الإسلام اعتمدوا على التجسس ضد المسلمين بشكل موسع.

 وقد عمد العرب في الجاهلية إلى استخدام العيون للتجسس على الأعداء في صورة تجار أو مسافرين أو على هيئة سرايا صغيره تتقصى آثار العدو وتسأل من تلتقي به من الركبان عن أحوالهم . (الدغمي ،1985 :48-52 )

التجسس في التاريخ اليهودي :

لقد برع اليهود منذ القدم ، في استخدام أسلوب التجسس ضد خصومهم وأعدائهم ولقد ورد ذلك واضحاً في التوراة ، حيث  كان التجسس المنظم ، في العهد القديم ، مهنة معترفاً بها بين الإسرائيليين القدامى ، ويعد الإسرائيليون المخابرات الإسرائيلية واحدة من أقدم منظمات الاستخبارات في العالم .

كما أنهم يعدون موسى عليه السلام أول من قام  باعتماد التجسس على الأعداء قبل ملاقاتهم ، حيث أرسل اثني عشر شخصاً للتجسس والاستطلاع على أرض ” كنعان ” فلسطين قبل دخولها . حيث وجههم قائلاً ” اصعدوا من هنا إلى الجنوب واصعدوا إلى الجبل ، وانظروا الأرض ، ما هي ؟ والشعب الساكن فيها أقوي هو أم ضعيف ؟ وقليل أم كثير ؟ وكيف هي الأرض التي هو ساكن فيها ، أجيده أم رديئة ؟ وما هي المدن التي هو ساكن فيها ، وتشددوا واتخذوا من ثمر الأرض. (ديكون Dekon، 1991 : 45-46 )

ويؤمن الإسرائيليون أن جهازهم  الفتي المعقد يدين كثيراً للماضي البعيد ،منذ أن أرسل يوشع بن نون من شطيم رجلين جاسوسين سراً ليتجسسا على ملك أريحا آنذاك من أجل غزوها.

ولم يقتصر الأمر على استخدام الوسائل التقليدية في الجاسوسية ، بل استخدم اليهود أقوى وأفتك سلاح في عالم الجاسوسية ، وهو المرأة والجنس ، حيث علم “يوشع بن نون” أن ملك مدينة أريحا ضعيف أمام النساء ، فكلف اثنين من أعوانه بمهمة التسلل إلى أريحا لإشباع نقطة الضعف لدى الملك ، ومن ثم الانقضاض عليه من الداخل ، فوقع خيارهما على رحاب الزانية ذات الجمال والحسن حيث تجاوبت معهما حالاً ، وقبلت المهمة بصدر رحب ، لأنها كانت أصلاً على استعداد ذاتي لمثل هذه المهمة ، فانطلقت معهما إلى أريحا وتجولت حول قصر الملك فأعجب بها ودعاها إلى قصره ، فطلبت أعوانها بحجة أنهم أقرباؤها وأولياء أمرها فلبى طلبها، وأقاما إلى جانبها في القصر يدبران المكيدة تلو المكيدة .(الجزائري،  1991 :426 )

التجسس في التاريخ الإسلامي:

 أشار القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة إلى مفهوم التجسس بوضوح بقوله تعالى ” ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ” ( الحجرات : 12 ) ، كما استعمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم الجواسيس والعيون منذ فجر الدعوة،  ففي طريق هجرته من مكة إلى المدينة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه استخدم عبد الله بن أبي بكر جاسوساً له في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله  نهاره وأبي بكر،ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر”.(ابن هشام،130:1373)

وبعد الهجرة إلى المدينة ، وتكوين الدولة الإسلامية بدأت المخاطر تزداد على المسلمين مما جعله صلى الله عليه وسلم ، يستخدم أسلوب التجسس حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتاز بسعيه الحثيث ، وحرصه الشديد على أن يعرف عن خصمه كل ما يستطيع .

وقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم عيون في مكة يأتوه بأخبارها، ومنهم عمه العباس بن عبد المطلب وبشر بن سفيان الفنكي.(مناصره ،1991 : 124)

وقد أرسل له العباس بوقت خروج قريش لقتاله في أُحُد كما أعلمه بعدد قواتها ، فأسرع حامل رسالة العباس وقطع المسافة في ثلاثة أيام ، وكان العباس يرغب في الهجرة ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب إليه : ” إن مقامك في مكة خير ” .(الدغمي ، 1985 : 59 )

ومن هذا الحرص على معرفة ما عند العدو وسبر غوره أنه ” كان عليه السلام يهتم باقتفاء أخبار العدو واستطلاع خباياهم ، فكان يبعث العيون ليأتوه بخبرهم ، فقد أرسل عبد الله بن جحش سنة اثنتين للهجرة في اثني عشر مهاجراً بعد أن دفع إليه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، فلما مضى اليومان نظر عبد الله فإذا فيه ” إذا نظرت إلى كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد لنا قريشاً ، وتعلم لنا من أخبارها ( نوفل ، 1983 :110)

وقد بعث صلى الله عليه وسلم بسبس بن الجهني وعدي بن الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره.ثم ارتحل وقد قدمهما.(ابن هشام،1374: 156)

     وفي غزوة بدر بعث صلى الله عليه وسلم بضعة عشرة عيناً يتجسسون له، ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا بل بعث برجلين يتجسسان له الأخبار عن عير قريش .

وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ هوازن وثقيف أرسل  “عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي ” ليأتيه بالمعلومات اللازمة ، فدخل فيهم ، وعرف ما أجمعوا عليه ، وسمع من مالك بن عوف قائد هوازن ، ثم جاء إلى رسول الله يخبره بالخبر

وفي غزوة الخندق ، جاء ” نعيم بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يكلفه بأي عمل يقوم به ضد المشركين ، حيث إن قومه لا يعلمون بإسلامه ، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم ” مرني بما شئت ” فقال صلى الله عليه وسلم ” إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا. (الدغمي، 1985 :59-70)

وعندما اشتد الكرب في غزوة الأحزاب ،أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفه بن اليمان للتجسس في صفوف العدو. وقال له: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم ، وفعلاً ذهب حذيفة ودخل صفوفهم واسترق السمع عليهم ، وجاء بخبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيوب،  1977 :264 )

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير : ( أنا ) قالها ثلاثاً ، ويجيبه الزبير ، ثم  قال صلى الله عليه وسلم : إنّ لكل نبي حواريين وأن حواري  الزبير . رواه الشيخان والترمذي .(ناصف ،  1932 : 402) .

واستمر الصحابة و التابعون من بعده صلى الله عليه وسلم يهتمون في حروبهم مع أعدائهم بالعمل التجسسي لصالح المسلمين .

وليس أبلغ في ذلك من وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقائد جيشه في مصر التي يقول فيها : ابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم قوة لهم على استعمالهم الأمانة والرفق بالرعية ، وتحفظ من الأعوان فإن أحداً منهم بسط يده إلى خيانة، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه ( مناصره، 1991 : 186)

وبنفس القدر الذي حرص فيه الإسلام على استخدام الجواسيس والعيون ضد الأعداء عمل على محاربة الجواسيس الذين يتجسسون لصالح الأعداء ضد أوطانهم وبلدانهم ، لقولة تعالى” ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً” ( الحجرات : 12 ) ، ولقول رسوله الله صلى الله عليه وسلم : ” إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تباغضوا ، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ” كما أمرتكم ” ..ألخ” رواه مسلم .(الدمشقي، 676 : 427)

وقد طالب عمر بن الخطاب بقتل حاطب بن أبي بلتعه لقيامه بالتجسس لحساب الأعداء ، ولم يشفع له إلا أنه من المقاتلين الأوائل ، ولأنة شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر ، ولعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن فعله هذا كان فعلاً استثنائياً ولم يكن أصلاً ديدناً لديه .

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل أحد العملاء الذين قاموا بالتجسس لحساب العدو . فعن سلمه بن الأكوع قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر فجلس مع أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال : النبي صلى الله عليه وسلم : اطلبوه فاقتلوه ،  فقتلته ، فنقلني سلبه …  رواه البخاري وأبو داود.(ناصف ، 1932: 401 )

وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الاتصال بالعدو وإعطائه معلومات عن المسلمين ، لأن في ذلك خيانة لله وللرسول وللمؤمنين ،وعدوا أنه إذا لم يكن لتجسس المسلم تأويل معقول ، أو عذر مقبول ، وأنه قام بعمله خدمة للأعداء وموالاة للكفار، وكراهية للمسلمين وحقداً عليهم ، ومحبة للأعداء وإخلاصاً لهم ، واستهتاراً بحق المسلمين ومصيرهم ، فإنه يجوز للأمام أن يأمر بقتله تعزيرا ليكون عبرة لغيره ” (الدغمي، 1985 :156 -161 )

التجسس في القرون الوسطى :

وفي القرن الثالث عشر استخدم القائد المغولي ” سوبوتاي ” الرجال والنساء والأطفال ليخترق بهم قوات أعدائه وجيوشهم  لجمع المعلومات ، وكان نادراً ما يهزم عسكرياً ، ويعزي انتصاراته إلى التجسس ، وليس إلى البسالة أو الشجاعة العسكرية.

وكانت جيوش أعداء ” هرناندو كورتيس ” المستكشف الأسباني ( 1485 – 1547 ) الذي غزا المكسيك عام 1519 تفوقه عدداً وعدةً بصفة دائمة . ولذا شعر أن الجاسوسية أمر أساسي لكسب الحرب ضد المكسيك ، فاستعمل الجواسيس في حربه.

أما في النصف الغربي من الكرة الأرضية ، فإن أهل ( الأنكاس )و(المايانا ) و ( الأزتيك ) استخدموا الجواسيس ، ونتيجة لذلك عززوا من امبراطوريتهم عسكرياً، واستخدم ( هرناندوكورتيس ) الجواسيس سواء من الهنود أو الأسبان لتحسين معرفته بالاتجاهات والنوايا التي يضمرها حاكم الأزتيك ” مونيتزوما ” .

ويكشف التاريخ عن الحكام الآسيويين وحكام منطقة الشرق الأوسط والهنود الحمر أنهم أعطوا كذلك للمخابرات والجاسوسية الأولوية المطلقة .

وفي القرون الوسطى في أوروبا كانوا لا يعرفون الكثير عن أواسط وشرق آسيا إلا أنه بعد ذلك ، استخدم الزعماء الأوروبيين الجاسوسية ، وعدوها سياسة مقبولة لوزارات الخارجية داخل حكوماتهم .

وتضاعفت عمليات التجسس والمؤامرات والمهمات التخريبية على نطاق الواسع إبان عهد ( ليوناردو فيتشي ) و( ميكيافيلي ) والبابوية في عصر النهضة.   (طلعت ، 1993 :15- 17 )

وفي القرن السادس عشر ظهر في البندقية ( فينيسيا ) نشاط تجسسي ، وكانت تعد في ذلك الوقت ، أحسن منظمة للتجسس في العالم ،وتمت فيها أفضل العمليات التجسسية التي حصلت في أوروبا إبان ذلك الوقت. ( هاتون Hatoun، 1990  : 5 )

وفي القرن السادس عشر ، طور السير فرانسيس والسنجهام وزير خارجية الملكة اليزابيث ملكة إنجلترا شبكة من عشرات العملاء والجواسيس في الخارج ، وأرسل بهم عبر أوروبا والشرق الأوسط  . وقد استخدمت الكنيسة الكاثولكية في اوروبا العملاء والجواسيس لتثبيت أركانها ، وكان هؤلاء العملاء يكتبون التقارير عن شؤون ومسائل مثل العقيدة والتبرعات المالية والطاعة والامتثال للأوامر البابوية.

  وفي عهد ديوان ومحكمة التفتيش الكاثولكية التي نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت مهامها اكتشاف ومعاقبة الهراقطة، وكان الجواسيس من الفاتيكان يكتبون التقارير عن الهراقطة، وازدهرت مرحلة الإصلاح البروتستانتية، ازدهرت وظيفة جواسيس البابوية الكاثولكية .

وفي فرنسا أبان القرن السابع عشر ، كان الكاردينال ” ريتشيليو ” يقرب جواسيسه في الفاتيكان

ليعملوا لحسابه داخل الفاتيكان وانجلترا. (اللجنة،1993: 17-26)

ويقال أن نابليون أفاد أثناء حكمه من جواسيسه – وحصل على معلومات خطيرة عن جيوش أعدائه بواسطتهم قبل أن يتقدم لمنازلتهم وتفريقهم.

دور التجسس في قيام الولايات المتحدة:

عندما بدأت الثورة الأمريكية ضد الإنجليز ، بدأ كل طرف يستخدم حرب  الجاسوسية ضد الآخر الجاسوسية السياسية ، والعسكرية سواء في المستعمرات أو أوروبا ، وقام ” جورج واشنطن ” بتعيين الجواسيس لجمع المعلومات للأغراض الاستخبارية، أما الجواسيس لصالح الإنجليز فكانوا من قبائل ” الثوريس ” والهنود ورجالهم .وقد تعرض بنيامين فرانكلين للتجسس عليه من جانب العملاء البريطانيين ، المهتمين بمعرفة مدى جدية الفرنسيوين في إسداء المعونة والمساعدة للأمريكان .

 وإبان الحرب الأهلية صارت الجاسوسية تحظى بالأولوية المطلقة لدى الاتحاد حيث استخدمت بالونات الهواء لتحديد مواقع القوات، وحتى بعد الحرب، استمرت أعمال المخابرات الأقل شأناً، ولكن لم تكن البلاد في حاجة إليها بالفعل.

وقد عُرف من رواد الجاسوسية الأمريكية أنذاك– ناثان هيل – وبنيامين تالميدج، و” هيل ” وهو أول بطل وجاسوس لأمريكا إلا أن أحد رفاق دراسته، وهو الميجور بنيامين تالميدج كان جاسوساً ناجحاً للغاية، وقام بتنظيم حلقة متعددة اليوم معقدة بمعايير الزمن الحاضر، واستخدم الجاسوسان الوطنيان الشفرات والرموز والحبر السري والأسماء المستعارة وكافة أنواع الرسائل. (اللجنة ،  1993 :17 – 32 )

التجسس إبان الحرب العالمية الثانية :

نشطت عمليات التجسس إبان الحرب العالمية الثانية ، وخاصة بين الألمان والإنجليز ، وظهر في تلك الحقبة ألمع الجواسيس العالميين حيث كانت  أشهر الجواسيس قاطبة الجاسوسة الألمانية الهولندية المولد “” ماتا هاري “  ذات الجمال الفائق الذي برعت في استخدامه بشكل جيد رغم أنها كانت عميلة فقيرة مسكينة.

وقد ذاع صيت المخابرات الإنجليزية ، حيث كان البريطانيون قد زرعوا في حقيقة الأمر عملاءهم في كل دولة وكان لهم جهاز مخابرات مضاد واسع النطاق وعمليات سرية خفية،وكان التنافس على أشده قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية بين دول المحور وأهمها ألمانيا وبين دول التحالف وخاصة بريطانيا وفرنسا ، التي برع فيها كل جانب بشكل كبير.

التجسس اليهودي في أوروبا :

نشط اليهود في الانخراط بعمليات التجسس في أوروبا في القرن الحالي ، فقد عمل بعض اليهود جواسيس مزدوجين ، وأحياناً عملاء لثلاث جهات مستخدمين التجسس مهنة وليس دعوة وطنية .( ديكون Dekon، 1987 : 53)

ولهذا اتصف العملاء والجواسيس اليهود منذ الأزل بروح الغدر والخسة والخيانة وعدم الأخلاق من أجل إصابة أي ثمن ، وهم يقدمون خدماتهم للجميع ، ويؤكد ذلك أن المخابرات البريطانية كانت وما زالت لا تأمن للجواسيس اليهود . (الجزائري ،1991 : 421)

وقد أكدت جميع المصادر أن اليهود قبل وصولهم إلى فلسطين قد شاركوا عالمياً تقريباً في جميع أعمال الجاسوسية وعندما وضع البريطانيون مخططاتهم لقيام الكيان الإسرائيلي استناداً لوعد بلفور ، سخروا اليهود لأعمال الجاسوسية .(ديكون Dekon، 1987 : 426)

وكانت كبرى الأعمال اليهودية الفلسطينية المشهودة خلال الحرب العالمية الأولى هي أعمال عائلة أرون أرنسون اليهودية الذي عقد عزمه على المضي في خطته التي قبلها البريطانيون لإنشاء شبكه تجسسية في محطة تجريبية في عتليت على الساحل الفلسطيني وكانت شبكته من أفراد بارزين.

 وهكذا فإن اليهود بطريقة أو بأخرى ، كانوا يكتسبون تدريباً متواصلاً ويحرزون خبرة عالية في التجسس الذي أصبح ذا قيمة هائلة لهم حين أقيمت إسرائيل ،وجعلهم يحرزون تقدماً سريعاً في هذا المجال لولا ذلك الفيلق الصلب من رجال المخابرات الإسرائيلية العاملين من أجل الصهيونية لما ظهرت إسرائيل في الوجود .(ديكون Dekon،  1987 : 26 – 61)

ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني :

ارتبطت ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني في فلسطين بدخول الاستعمار البريطاني ، فمنذ البداية حدد المستعمر بدخوله فلسطين 1916 دوره باتجاهين الأول تثبيت سياسة فرق تسد وتمزيق بنية الشعب الفلسطيني وقواه، وتكريس تناقضاته،  والاتجاه الآخر هو تثبيت المشروع الاستعماري الصهيوني على الأرض الفلسطينية، ووفق هذا المنطق بدأ الاستعمار البريطاني يبحث عن دعم ومساندة له من بعض الشرائح والطبقات الاجتماعية وبعض الأحزاب والمؤسسات ، وكانت طبقة البرجوازية الإقطاعية ، هي الشريحه المتعاونه مع الارتباط بالاحتلال ، وعلى هذه الأرضية نبتت أول شجرة للعملاء والمتعاونين الذين شكل السماسرة ، والوجهاء وباعة الأراضي أهم ملامحها ، وإلى جانب هذه الطبقة أفلح الاحتلال البريطاني ، في خلق أحزاب وقيادات لصيقة له ارتبط مصيرها بمصيره،وبدأت تأخذ دورها في تشويه سمعة الثورة الفلسطينية، وقد شكلت ظاهرة المتعاونين تاريخيا خنجراً مسموماً في ظهر الشعب والثورة . الأمر الذي أدى إلى بروز سياسة الاغتيالات السياسية التي كانت موجهة إلى عملاء المخابرات البريطانية وإلى الذين تعاونوا مع البوليس البريطاني وأرشدوا عن الشيخ القسام. (البيومي، 1994 : 13 )

مما حدا بالقسام ورجاله بملاحقة العملاء والجواسيس الذين يتعاملون مع الإنجليز واليهود جنباً إلى جنب في حربهم العسكرية ضد القوات العسكرية البريطانية والصهيونية ، وعُرف من العملاء الخطرين الذين تم تصفيتهم ” حليم سبطه ، وأحمد نايف ، ومحمد العصفوري من حيفا ،ويوسف جليله من عرابة و سليم فرج من يافا، وآخرون. (حموده ، 1985 : 118)

وبفعل هؤلاء وأمثالهم أفلح المحتل البريطاني في تمزيق الشعب الفلسطيني وتحطيم وحدته، حيث إنه في الوقت الذي كان فيه القسام ورجاله  يوجهون الرصاص للإنجليز والصهاينة على حد سواء ، كان خط الوجهاء والمتعاونين مفتوحاً على المحتل البريطاني يشكل معه أداة قمع للشعب والجماهير.

تاريخ إسرائيل التجسسي:

إن دولة إسرائيل التي أقيمت على الأرض المحتلة من فلسطين منذ اغتصابها  عام 1948 وحتى تاريخه لم تقم بعمل من أعمالها العدوانية إلا وكانت المخابرات الإسرائيلية من ورائها حيث يُظهر الواقع التجسسي أن هذا الاهتمام ليس بالأمر الجديد ، لأنه نما وترعرع مع هذا الكيان جنباً إلى جنب مع صراع الحروب العسكرية (الجزائري ، 199 :425 )

ومنذ اللحظة الأولى لإعلان قيام الدولة الإسرائيلية ، بدأت تشحذ هممها لكي ترسل الجواسيس والعملاء ليتجسسوا على الدول العربية، وبدأت تستعر أتون الحرب السرية بين المخابرات العربية والإسرائيلية، وأخذت  توجه عملاء لاختراق الدول العربية وخاصة مصر وسوريا ، وقد أفلحت مخابرات الدول العربية في اكتشاف وتفكيك بعض أو أكثر شبكات التجسس التي يقيمها المحتل في البلاد العربية حيث تمكنت المخابرات المصرية في اكتشاف عدد من الجواسيس والعملاء الذين يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية مثل “هبه عبد الرحمن عامر ، وإبراهيم شاهين ، ورجب عبد المعطي ، وفؤاد علي جمعه ، وبهجت يوسف حمدان ، ومحمد ابراهيم فهمي كامل ، ومحمد متولي مندور ، وجمال حسين يوسف ، فايز عبد الله المطري” .

ولم يقتصر النشاط التجسسي الإسرائيلي على مصر بل طال هذا النشاط التجسسي معظم الدول العربية خاصة سوريا ولبنان والأردن ، وما زالت معركة التجسس محتدمة حتى بعد توقيع معاهدات السلام ،والدليل على ذلك اكتشاف شبكة التجسس التي يقودها الجاسوس عزام عزام في مصر ومحاولة الاغتيال التي تعرض لها خالد مشعل في الأردن.

بروز ظاهرة التعامل في المناطق المحتلة :

التعامل والاحتلال لا ينفصلان ، فأينما وجد احتلال أجنبي لا بد من وجود عملاء له من أهل المناطق المحتلة ، فمنذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967 أرادت إسرائيل التمكن من سيطرتها على السكان ، وذلك بمحاولة منع أي أعمال تمس أمن إسرائيل ، وذلك باعتقال مدبري هذه الأعمال ومخططيها من الفلسطينيين ، وذلك من خلال تدعيم الارتباط الاستخباري بين العناصر المحلية وبين جهاز “الشين بيت ” وذلك إما بوسائل الإغراء المادي أو باستخدام القوة والتهديد أو أي شكل من الأِشكال الأخرى التي ينتج عنها نوع من الارتباط بين المواطن وجهاز الاستخبارات العامة كالإسقاط (أبو هين، 1993 : 2 )

وقد كانت أبرز سياسات التخريب التي مارسها الاحتلال منذ البداية وحتى الآن أي بعد دخول السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن تجنيد بعض أشخاص لخدمة مصالحه وسحبهم من الصف الوطني بهدف التخريب المستمر للحلم الفلسطيني بالتحرر والانعتاق من الاحتلال.

ورداً على الاحتلال الإسرائيلي للمناطق وُجِدَت المقاومة السياسية وغير السياسية من جماعات وأفراد فلسطينيين ضد إسرائيل والإسرائيليين . وأقام اليهود شبكة من العملاء بين السكان الفلسطينيين من أجل مجابهة هذه المقاومة واجتثاثها .

واستغلت إسرائيل بذلك جميع الخدمات المدنية وغير المدنية مثل الموافقة على طلبات التصاريح المختلفة المرتبطة ارتباطاً مباشراً ومشروطا بموافقة جهاز الأمن العام الذي يسخره لتجنيد العملاء . وحتى الإدارة المدنية استخدمت أيضا الخدمات المدنية ليس ضماناً للحقوق الشرعية بل لتقديم معروف وتعبيراً عن المقدرة التي من الممكن إلغاؤها في أي وقت . إن سلاح الخدمات التي كانت تستخدمه السلطات الإسرائيلية لابتزاز المواطنين من أجل الارتباط قد أدى إلى سقوط بعض الأفراد في العمالة نزولاً تحت تحقيق هذه الرغبة أو الحاجة ،ولم تكتفي السلطات الإسرائيلية بالضغط على الناس واستغلال حاجاتهم مباشرة بل فتحت المجال لعملائها للابتزاز من جهة ثانيه، للاستفادة المادية والمعنوية .

ومن خلال هذا النشاط أقام الكثير من العملاء علاقات مكشوفة مع موظفي الحكومة العسكرية ، وجهاز الأمن العام . وقد كانت هذه الروابط مصدراً للقوة والتأثير، وفي بعض الحالات مصدراً مهماً للدخل .(بتسيلم Petsailem، 1993 : 3)

ولقد حاول جهاز المخابرات الإسرائيلي أن يخلق تجمعاً خاصاً بالعملاء عبر محاولة إنشاء رابط القرى ، إلا أنه لم يفلح في ذلك -كما أفلح من قبل الاحتلال النازي في أوروبا في خلق بعض الحكام المحليين المتعاونين معه ، وكما أفلح الاحتلال البريطاني في فلسطين بإنشاء بعض القادة والأحزاب التابعة لها -حيث كان الفشل ذريعاً لكل هذه المحاولات الاحتلال . وذلك بسبب العمق الحضاري الذي يفصل اليهود عن المسلمين ، ولم يسجل  في تاريخ فلسطين أن تعامل أحدُ ، على أساس أيدلوجي أو مذهبي ، وهذا يعني أن هذه الظاهرة ، وإن شكلت كماً لا بأس به على المستوى الفردي إلا أنها لم تتجذر روحياً ووجدانياً وعقلياً لدى الجماهير .

تعقيب على البعد الزماني لظاهرة التعامل :

يرى الباحث من خلال العرض السابق للبعد الزماني لظاهرة التجسس بمفاهيمها المختلفة ، أنها حظيت باهتمام الشعوب والجماعات والدول والحكومات منذ فجر التاريخ ومازالت ،باعتبارها تشكل حلقة من حلقات الصراع الممتد بين المتخاصمين والأعداء ، وقد أثبتت الوقائع أن الأمم القديمة ، والحضارات الغابرة ، قد مارست هذا النوع من النشاط ضد بعضها .

فقد عنى الفراعنة بعمليات التجسس والتجسس المضاد ، وكذلك كان لقدماء الصينيين ، والفينيقيين ، والأشوريين ، والإغريق ، والرومان ، والفرس ، واليهود، والعرب وغيرهم باع كبير في هذا الميدان ، وامتد ذلك عبر التاريخ ، ولم يتوقف لحظة من لحظات التاريخ البشري ، حيث واصلت الشعوب في العصور الوسطى العمليات التجسسية ضد بعضها ومثال ذلك الواقع الأوربي لدى البابوات والامبراطوريات آنذاك، واستمر كذلك في العصر الإسلامي ، ولم يتوقف أعداء الإسلام عن عملياتهم التجسسية ضد  الإسلام والمسلمين. وبنفس القوة والمقدار الذي  شدد فيه الإسلام على محاربة التجسس لصالح الأعداء ، حث على القيام بعمليات التجسس ضد أعداء الإسلام.

وفي القرن العشرين ، كانت أهم عمليات التجسس وأنشطها إبان الحرب العالمية الثانية  ، واشتدت وطأتها بعد الحرب حيث يعزو كثير من الكتاب النصر للحلفاء إلى العمليات التجسسية التي قامت ضد دول المحور.

وهدأت أتون الحروب العسكرية ، ولكن عمليات التجسس بقيت مستمرة على أشدها ، واشتدت حدتها وضراوتها بسبب التنافس الحاد بين الكتلتين ، الكتلة الشرقية ، والكتلة الغربية ، ونظمت أكبر عمليات التجسس في التاريخ البشري إبان مرحلة الحرب الباردة خاصة بين العملاقين آنذاك .

ولقد أفلح الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في اختراق أهم الأجهزة الغربية كجهاز المخابرات البريطاني ، وساعدهم في ذلك الجانب الأيديولوجي ، حيث تبنى كثير من شباب الغرب  المبدأ  الشيوعي ، وكان أبرز عمل مستغل من قبل المنظومة الاشتراكية.

أما اليهود ، ودورهم في التجسس ، والعمالة ، فإنه محط افتخارهم ، بل  وينسبون الفضل لأنفسهم بأنهم أول من نظم عمليات التجسس الناجحة في التاريخ منذ دخول مدينة أريحا عبر الزانية “رحاب” مروراً بتاريخهم الطويل في خدمة كل نظام عاشوا فيه بممارسة أعمال التجسس لصالح حاكم البلد ولو كان ذلك ضد أبنائه. وذلك تحت ذريعة حماية النفس ، وتعد عمليات التجسس التي وقعت في ألمانيا ، وأوروبا ، وفي روسيا دليلاً واضحاً على هذا الدور ، وامتاز اليهود عن غيرهم في إتقان التجسس المزدوج ، وأحياناً كما يقول “ريشتارديكون” جواسيس لثلاثة أطراف في آن واحد.

ولهذا برع اليهود في إنشاء جهاز استخباري منذ بداية الهجرة إلى فلسطين في مطلع القرن العشرين ، وعمل هذا الجهاز على هدفين الأول تسخير الاحتلال البريطاني لمصالحهم ، وترسيخ قيام دولتهم . وعلى الرغم من حرصهم الشديد على عدم اختراق أحد لصفوفهم ، إلا أن بعضهم بغريزته السابقة قد  تجسس لصالح الإنجليز.

وأول ما فكر فيه قادة وزعماء إسرائيل بعد إعلان قيام الدولة هو إنشاء الجهاز الاستخباري ، الذي ما أن تم إنشاؤه حتى بدأ يمارس بنشاط وهمة عمليات التجسس على الدول العربية ، ولم يتوقف حتى الآن برغم اتفاقيات السلام.

أما على نطاق الأراضي المحتلة ، بعد حرب 1967 التي مكنت إسرائيل من بقية أرض فلسطين وأطراف بعض الدول العربية ، فقد كان لجهاز “الشين بيت” الأمن الداخلي ، دور وباع كبير في تجنيد وربط وإنشاء الشبكات التجسسية والعميلة التي تعمل لصالحه -التي زادت حدتها بازدياد المقاومة في أوائل السبعينيات – حيث استخدم جميع الوسائل والطرق والأساليب للضغط على الناس وابتزازهم للتعامل . وما زال على هذا الحال حتى بعد خروجه من بعض المناطق الفلسطينية وقدوم السلطة الوطنية الفلسطينية اليها.

أما على مستوى العمق المكاني للظاهرة :

 فإن الباحث يشير من خلال العرض السابق إلى أن التجسس ، والتجسس المضاد ، في اللحظة التي لم ينقطع فيها تاريخياً لارتباطه بمصالح عليا للدولة والمجتمع ، فإنه من حيث الموقع والمكان ، يتعلق وجودة بوجود الاحتلال ، فمتى وجد الاحتلال زمانياً ، فانه يوجد مكانياً ، وإن إختلف هذا الوجود شكلاً ومضموناً من من مجتمع إلى آخر، ومن بلد إلى آخر.

حيث يؤكد الواقع المقروء والمشهود على أن ظاهرة التعاون مع الأعداء لا يمكن أن توجد إلا في ظل احتلال.  فحيثما وجد الاحتلال  تنشط عمليات التجسس والتعاون مع المحتل ، وهذا يؤكد أن هناك عوامل مهمة أخرى تقف خلف ظاهرة التعاون ، وربما تكون أكثر التصاقاً وأهمية من العوامل التقليدية العادية التي تؤثر في الظواهر الأخرى.  وذلك باعتبار الظاهرة الاجتماعية انعكاساً للواقع الاجتماعي الذي يحياه المجموع ، وتتطور بشكل طبيعي ، وفق تطور العلاقات الداخلية للمجتمع ، ولكل ظاهرة اجتماعية جوانب إيجابية وجوانب سلبية ، والمجتمع الواعي والمقتدر ، بالإضافة إلى الدولة الحريصة تطوق الآثار السلبية للظاهرة ، أو توجهها ضمن سلوكيات محمودة وحسنة . ولكن إذا لم يستطع المجتمع أن يحل إشكاليات هذه الظاهرة ، فإنها تتحول إلى مشكلة اجتماعية ، ربما تتطور هذه المشكلة سلباً فتتحول إلي أزمة يستعصي حلها والتعامل معها ، مما يولد الثورات والتمرد.  وإما أن تتجمد بتطويق أثاراها وإن ظلت قائمة ، بحيث يتأقلم معها المجتمع ، ولا تشكل له عامل توتر أو قلق أو إحباط .

أما ظاهرة التعامل ، فهي ظاهرة اجتماعية تمثل مشكلة اجتماعية ، يخلقها المحتل ، وينشط عواملها الكامنة ، ويوفر لها المناخ المناسب الذي يكفل نماءها وبقاءها .  باعتبار أن أي ظاهرة سلبية ، أو أي موقف سلبي حتى على صعيد الفرد لا يوجد إلا بتفاعل المكونات الداخلية التي شكلت شخصيته ، بما تشمل عليه من صفات وسمات شخصية ، وعوامل كامنة أنشأتها العوامل الاجتماعية السيئة كالتنشئة الاجتماعية الخاطئة ، والعوامل الاقتصادية والتعليمية السيئة بالإضافة إلى الموقف الضاغط ، فإذا تناغمت المواقف الضاغطة ولاقت قبولاً واستجابة مع المواقف الكامنة حدثت المشكلة ، وحدث السلوك الخاطىء، وهو ما يخطط له العقل الاستخباري الإسرائيلي جيداً.

          ووجود الاحتلال في أي بلد يجعله يخلق المناخ والأرضية اللازمة بما يمتلكه من السيطرة على بعض العوامل الكامنة  للانحدار في الانحراف نحو العمالة والجريمة ، المواقف الضاغطة التي  يستغلها ابتزاز الأفراد وربطهم به والتعامل معه .

وبذلك فإنه يتضح بجلاء أن البعد المكاني لظاهرة التعامل، مرتبط بشكل وثيق بوجود الاحتلال في هذا البلد لذا كان مفهوم التعامل مفهوماً مقترناً بالاحتلال ، أكثر من  مفهوم التجسس ، وإن كان يعني ذلك في حالة التجسس لصالح الأعداء.

حجم  ظاهرة التعامل مع الاحتلال في فلسطين:

من الضروري عند الولوج في مناقشة أي ظاهرة اجتماعية وإخضاعها للبحث والدراسة من الوقوف على حجم هذه المشكلة، ومن أجل ذلك لا بد من تغطية هذا الجانب من خلال الإحصائيات الرسمية وشبه الرسمية إن وجد، أو بعض المصادر والمراجع التي تتحدث عن ذلك

أما الإحصائيات الرسمية حول حجم هذه الظاهرة فتكاد تكون معدومة، وإن وجدت فإنها تزيد الأمر تعقيداً، حيث نرى البون الشاسع بين تقديرات الاحتلال الإسرائيلي لهذه الظاهرة وتقديرات الجانب الفلسطيني.

          إذاً ليس هناك اتفاق على تقدير عدد العملاء الذين تم ربطهم بالأجهزة الإسرائيلية ، وذلك لاتساع الرقعة الزمانية التي تمتد من اللحظة الأولى لاحتلال باقي فلسطين عام 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة وحتى يومنا هذا .

          هذا بالإضافة إلى خصوصية الموضوع وسريته، واحتكار الأرقام الحقيقية لحجم هذه الظاهرة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها، مع الأخذ بعين الاعتبار كذلك طبيعة المفهوم والتعريف للعميل، وتأثر هذا المفهوم ضيقاً وإتساعاً بتعريفات الفصائل الفلسطينية نفسها .

          فمنذ عام 1967 قامت قوات الأمن بتجنيد أعدادَ لا بأس بها من الفلسطينيين للتعاون مع الأجهزة الإسرائيلية، وكان ذلك ممكناً بسبب الاعتماد العظيم من قبل الفلسطينيين على الخدمات التي تقدمها الإدارات الإسرائيلية، وقد استخدمت قوات الأمن في تجنيدها للمتعاونين طرقاً تتعارض مع القانون الدولي.

وقد عملت عدة أجهزة لإجبار الفلسطينيين على التعامل معها، ومن أهم هذه الأجهزة الشاباك والإدارة المدنية والشرطة، والعاملون معها يعملون بصورة سرية أو علنية حسب تقديرات مختلفة ، ويعمل في هذه المناطق آلاف العملاء وغالبيتهم عملاء سريين. (بتسيلم Petsailem، 1998 : 4)

وقد أدى هذا الجهد من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى نشر آلاف من المخبرين في المجتمع الفلسطيني ، من عمال المصانع حتى المثقفين ، وكان على المخبرين أن يعلموا الإسرائيليين  بالنشطاء الذين يحاولون تحويل المنظمات المهنية والاجتماعية إلى مراكز سياسية .(ميلمان، دان Meleman-Dann: 1991 : 336 )

          ولم يذكر أي مرجع إسرائيلي رسمي عدداً محدداً للعملاء ، وإنما هناك تقديرات غير رسمية صدرت في بعض الكتب والمراجع .

          فيقدر ” روني شاكد ” في جريدة يدعوت أحرنوت عدد المتعاونين ما بين (4.000 – 10.000) متعاون .(أبو نجيله ، 1998 : 40 ).

أما “بتسيلم” فإنها في تقريرها الصادر عام (1993) لم تذكر عدد المتعاونين مع الاحتلال ولكنها حصرت الذين قتلتهم المنظمات الفلسطينية بتهمة التعاون مع المخابرات الإسرائيلية بـ 942 شخصاً ، حسب إفادة المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي . (بتسيلم Petsailem، 1993 : 4 )

وأشار عطا الله منصور في مقالة له  نشرت في يناير 1994 بعنوان ” ظاهرة القتل على التقرير الصادر عن منظمة “بتسيلم” حول قتل المتعاونين ” إلى وجود آلاف المتعاونين من المعروفين للشعب ، يعيشون داخل الأراضي المحتلة قبل عام 1948 ، حيث يواجه المحتلون مشكلة إستيعاب هؤلاء العملاء وعائلاتهم والبالغ عددهم (50,000 ) متعاون  . (أبوانجيله،,وآخرين ،1998: 40 )

ويذكر (ميلمان، ودان Meleman-Dann، 1991 : 334) من جهاز الشين بيت ، إن مخبري الشين بيت المعروفين يبلغون آلافاً من فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويؤكد ( أبو هين،1993: 2 ) أنه لا توجد لدينا دراسات أو أرقام حقيقية عن حجم انتشار هذه المشكلة في الأراضي المحتلة ، ولكن المتوفر حاليا هو عدد القتلى من الفلسطينيين بحجة التعاون مع السلطات الإسرائيلية منذ بداية الانتفاضة وحتى يناير 1993 .

 وهكذا يتبين أن جميع المصادر الإسرائيلية أو الفلسطينية لا تؤكد رقماً معيناً لحجم هذه الظاهرة ، وجميع هذه المصادر يكتنفها التناقض والغموض ، مع العلم بأن معظم المصادر التي نستقي منها هذه التقديرات لا تتبنى الأسلوب العلمي المناسب في تقدير حجم الظاهرة .

 وبسبب هذا التناقض في الإحصاءات المتوفرة عن هذه الظاهرة ، فإن الباحث سيكتفي بالتأكيد على وجود هذه الظاهرة بوجود هذه المشكلة ، والتعامل مع الأرقام بشكل تقريبي وتقديري ، وليس على سبيل الضبط والدقة .

وخاصة أن الحقبة الزمنية الطويلة التي تغطيها هذه الظاهرة ، ممتدة من عام 1967 – 1999 حيث استطاع جهاز المخابرات الإسرائيلي أن يجند أعداد لا بأس بها من ضعاف النفوس ، أضف إلى ذلك انعكاس هذه الظاهرة سلبياً على المحيط الأسري والعائلي وخاصة أبناء العملاء وزوجاتهم . وعلية فلن تمثل هذه المعطيات والأرقام الحجم الحقيقي للظاهرة وإن كانت تدل بشكل قاطع على اعتبارها مشكلة اجتماعية حقيقية لا بد من مواجهتها وعدم التهرب منها .

 ومن خلال العرض السابق لتحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال ، يتضح مدى الاختلاف البائن في تحديد مدى اتساع هذه الظاهرة ، مما يتوجب الاهتمام  بها ودراستها ، ومعرفة العوامل والأسباب التي تؤثر فيها ، والعمل على حلها وحسن التعامل معها .

التعقيب على حجم الظاهرة:

يعزي الباحث هذا الاختلاف إلى عدة أمور منها :

أن تحديد العدد الدقيق هو من مهمة الجانب الإسرائيلي ، حيث  إنه الطرف الوحيد الذي يستطيع إعطاء رقماً حقيقياً لهذه الظاهرة باعتباره المسبب الأساسي لها.

 أن السلطة الوطنية الفلسطينية ليس بمقدورها تحديد حجم هذه الظاهرة بشكل قطعي ولكن يمكنها وضع  إطار كمي لذلك من خلال ما تم كشفه من العملاء.

إن ظاهرة العمالة تتعرض للزيادة والنقص ، وليس لها حجم ثابت ، فخروج الاحتلال من بعض المناطق ينهي هذه الظاهرة إلا أن جهاز الشين بيت لم يتوقف عن نشاطه فلا يزال يمارس الضغط على شريحة العمال الذين يعملون داخل حدود ما قبل 48 مستغلة حاجتهم للعمل.

أن عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق أيضاً يرجع إلى اختلاف الإسرائيليين والفلسطينيين في  تعريف العميل  وخضوع هذا المفهوم في الجانب الفلسطيني إلى الاتساع والضيق من فترة إلى أخرى .

أن عامل الزمن له تأثير على عدم دقة إحصاء حجم هذه الظاهرة ، حيث تمتد زمانياً منذ دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى الضفة وقطاع غزة .

 أن الاتساع الأفقي الجغرافي يلعب دوراً في عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق ، باعتبارها ممتدة إلى جميع أرجاء الضفة وقطاع غزة .

 أن تحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال صعب تحديده ، لتأثر هذا العدد بأهالي العملاء ، إذ يعد أهالي العملاء الذين هربوا للسكن معهم في إسرائيل ضمن الحجم المحسوب على هذه الظاهرة ؟

 أن الحرب النفسية لها دور كبير في تحديد حجم العملاء ، فليس كل ما ينشر من إحصاءات أو بيانات عن ظاهرة معينة خاصة إذا كانت هذه الظاهرة في مجال الأمن ويحوطها كثير من السرية يجب الاعتماد عليه ، فقد تلجأ سلطات الاحتلال إلى التهويل في عرض أرقام العملاء رغبة في نشر الشك وعدم الثقة بين الفلسطينيين .

أن تحديد حجم الظاهرة يتأثر في كثير من الأحيان  بالتداخل عند الناس بين الجانب الأخلاقي والجانب الأمني ، وقد أثبت الواقع خطأ هذه الموقف .

 أن هذا الاختلاف مهما اشتد أو انخفض ، فإنه يعبر عن حقيقة مُجمع عليها، وهو أن حجم التعامل مع الاحتلال يشكل ظاهرة مقلقة ومزعجة للمجتمع الفلسطيني ،مما يتطلب الوقوف عليها ملياً والعمل على فك أحاجيها ، من أجل سلامة المواطن والوطن.

المتغيرات المؤثرة في ظاهرة الانحراف والجريمة:

 تمهيد : 

العامل كما يتضح من معجم “وولمان Wollman”  مؤثر كامن   يكون مسئولاً عن جانب من التقارير Uariance لعدد من المظاهر السلوكية (عبيد،1981: 141)

 ثم إن العوامل التي تسهم في تنمية التكوين المهيئ للانحراف , هي خليط من تفاعل  العوامل الذاتية مع العوامل البيئية حيث إن الانحراف في الموقف هو نتاج هذا الخليط المتراكم من هذه العوامل عبر رحلة الحياة الطويلة للفرد ,

وتناولت عدة نظريات أهم العوامل البيئية ( الاجتماعية – الاقتصادية – التعليمية – النفسية.. الخ ) ودورها في عملية الانحراف  واستدلوا على ذلك من خلال تعقب الخبرات التي تعرض لها المنحرفون في زمن الطفولة , وانتشار الانحرافات السابقة في أسرهم , وعلاقة هذا الانحراف بالعوامل السابقة .

وقد تبين من الدراسات على الجانحين والمجرمين والمنحرفين, وجود مثيرات معاصرة لجرائمهم , ساهمت في ارتكابها , وشجعت المجرمين على إتيانها أو يسرت لهم السبيل إليها وهي مثيرات لابد من الوقوف عليها من اجل فهم مشاكل المجتمع والوقوف على حقيقتها .

باعتبار أن الجريمة والانحراف ليس لها دوافع أو مؤثرات محددة بل هي نابعة من أكثر عن عامل ويجب البعد عن العلاقة السببية التي ترجع الظاهرة إلى علة واحدة والبحث عن السبب بمعنى العامل الذي يرجح ارتباطه بعلاقة ما مع السلوك الإجرامي .

ويشير( أبو الروس 1996  : 17 ) إلى فشل المحاولات التي ترجع الجريمة إلى عامل سببي واحد لعدم وجود سبب واحد ، للجريمة نتيجة للتفاعل بين العديد من العوامل الشخصية والخارجية في بلورة السلوك الإجرامي.

ولكي نفهم السلوك الانحرافي ” غير الاجتماعي ” يجب أن يتم  تفسير السلوك الإجرامي تفسيراً متكاملاً فنرجعه إلى مجموعة متظافرة متداخلة متشابكة من العوامل الذاتية ، والاجتماعية ، والنفسية ، والاقتصادية ، والتعليمية ، وغيرها

 وقد أشار “كابلان kablan” إلى أن الجريمة ظاهرة متنوعة العناصر والأهداف والظروف ، وليس من المنطقي الحديث عن أسبابها العمومية والشمولية إذ أن لكل جريمة أسبابها وظروفها الخاصة ، ولكل مجرم يرتكب ذات الجريمة دوافعه وأسبابه الاجتماعية المغايرة عن دوافع غيره. (البشري ، 1997 : 133)

ويشير(العيسوى،1997: 151 ) إلى أن البحوث العلمية والعملية تؤكد على انه لا يمكن تفسير السلوك غير الاجتماعي بإرجاعه إلى عامل واحد أساسي , بل يجب ان تجتمع فيه عدة عوامل متفاعلة تفاعلاً دينامياً معيناً شأنه في ذلك شأن أي ضرب من ضروب السلوك , وانه يجب التمييز بين أنواع الجرائم المختلفة ، وربط هذه الأنواع بملابساتها ، الاجتماعية ، والثقافية ، وغيرها .لأن الظواهر تتبع في سيرها نوعاً من الحتمية ، ومعنى هذا أنه لا يمكن تصور ظهور السلوك الجانح بفعل الصدفة المحضة ، أو أن نتصور أنه مرهون تماماً بظروف الموقف الحالي دون اعتبار للتاريخ السابق ، وخصائص ، وصفات الفرد القائم بالسلوك (أبو السعد ، 1971: 4)

إن اقتصارنا على دراسة العوامل المرتبطة بظاهرة العمالة فقط , لا يعنى إهمال الجوانب الأخرى من الظاهرة ، والذي يحكم هذا التحديد هو حساسية وسرية وخطورة هذه الظاهرة ، والافتقار إلى الدراسات السابقة بالإضافة إلى أن طبيعة هذه الدراسة لا تستوعب كل الجوانب المهمة للظاهرة .

 أما دراسة العوامل فيمكن الولوج إليها عبر الكتب والمراجع التي تناولت هذا الموضوع ، وسوف نتناول في هذه الدراسة أهم العوامل المرتبطة بهذه الظاهرة التي تؤثر في توجيه السلوك البشرى باعتبار أن مؤثرات السلوك نابعة من خلال البيئة المحيطة بالإنسان وممتزجة بكيانه الداخلي .

 فأي ظاهرة اجتماعية ، سواء كانت سلبية أو إيجابية ، لا بد حتماً أن تنشأ من خليط من المؤثرات ، ولا يمكن دراسة ظاهرة عبر النظرة الأحادية الضيقة كما كان في بعض الفلسفات قديماً.

 إن أسباب هذه الظاهرة كثيرة ومتداخلة مع بعضها ، منها ما يعود إلى البيئة كأسلوب التنشئة الاجتماعية الخاطئة ، والنقص في عملية تعلم القيم والمعايير الاجتماعية ، والبيئة الجانحة ، وتأثير الكبار، ونقص وسائل الترفيه ، وسوء التربية الجنسية ، والفقر ، والجهل ، والمرض ، وقد تعود إلى البيئة داخل المنزل وفى نطاق الأسرة ، كالإفراط في اللين ، والتساهل ، أو الرعاية والحماية ، وقلة الضبط والرقابة .

 وهناك أسباب تصنف على أنها نفسية كالصراع ، والإحباط ، والتوتر والقلق والانقباض ، والحرمان العاطفي ، بالإضافة إلى التجارب المؤلمة في مرحلة الطفولة.

 وهناك بعض الأسباب التي تعود إلى جهل الفرد وتدنى مستوى تعليمه وعمق مكوناته الثقافية ومدى تأثره بثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه.

 وهناك  أسباب تعود إلى المستوى الاقتصادي ، وتدنى مستوى الدخل والحرمان المادي الذي يعانى منه الفرد.

وكل هذه العوامل والأسباب آنفة الذكر أثبت كثير من الدراسات أن لها علاقة وتأثير على مستوى انحراف الفرد .

وسوف يناقش الباحث مدى تأثير هذه العوامل منفردة بسبب ما تقتضيه الدراسة , مع التأكيد بأن هذه العوامل لا يمكن تجريدها عن بعضها . باعتبار أن الإنسان كل متكامل تتظافر في تكوينه جميع هذه العوامل بشكل مشترك ومترابط .

المتغير الاجتماعي :

يقصد بالمتغير الاجتماعي ” مجموعة الظروف التي تتعلق بتكوين الجماعة وأنظمتها المختلفة وما يسودها من قيم ومعتقدات تؤثر في عاداتها وتقاليدها “.

وهذه العوامل الاجتماعية التي تؤثر على ظاهرة الإجرام قد تكون متعلقة بالأسرة أوالمدرسة أو العمل أو الأصدقاء ، فالبيئة الأسرية لها تأثيرها المباشر على تكوين شخصية الفرد وسلوكه في المستقبل. ( عقلان ،1991: 22)

وقد اهتم علماء الاجتماع بدراسة وتفسير الجريمة والانحراف داخل المجتمع باعتبارها تمثل تهديداً لأمن المجتمع واستقراره ، وتشكل خطراً على إيجابية الأدوار فيه ، ويركز علماء الاجتماع في تفسيرهم للانحرافات على أهمية العوامل الاجتماعية الكامنة وراء ارتكاب مثل هذه السلوكيات المضادة للمجتمع  . (الحوات ،30:1997 )

 وتكمن أهمية العامل الاجتماعي ، في امتداده على مساحة واسعة من حياة الإنسان تمر بمراحل عديدة  تبدأ بالأسرة وعلاقته  بالوالدين وأساليب التنشئة المعتمدة لديهما، ومحيط الأقران والصحبة ثم المدرسة والمدرسين وزملاء  الدراسة  وبعد ذلك زملاء المهنة ، والصحبة ، والمسجد ، والنادي ، والإعلام وغيرها .

  وتعد الأسرة أهم مكونات العامل الاجتماعي حيث يعدها بعضهم المسئولة عن تكوين نمط شخصية الفرد ، وهي الإطار الذي يغطي جميع الأدوار الاجتماعية المختلفة التي يلعبها الفرد على مسرح الحياة ، إذ هي الأساس الذي يحيط باستجابات الفرد المختلفة تجاه بيئته التي يعيش فيها  .فالأسرة هي الجماعة الأولى والبيئة التي يشبع الفرد حاجاته البيولوجية والاجتماعية والنفسية من خلالها ، فإذا اضطربت حياة الأسرة أصبحت عاجزة عن إمداد الأطفال بمثل هذه الاحتياجات (الشرقاوى،1986: 157)

ويشير(مرسى،1988: 274) إلى أن الطلاق العاطفي بين الوالدين أشد خطراً على النمو النفسي للأطفال من تصدع أسرهم بالطلاق ولذلك وجد أن عدم انسجام الوالدين في حياتهما الزوجية سمة شائعة في أسر الجانحين والمنحرفين، وتوصل “ولمان walman” إلى أن الكراهية المتبادلة بين الوالدين أمام الطفل تهيئ الطفل للانفصام لأنها تؤذي نموه الوجداني في سن مبكرة وفي دراسة مقارنة بين الجانحين وغير الجانحين في مصر والكويت والمملكة العربية السعودية قام بها مرسي حيث وجد أن الجانحين أدركوا عدم الانسجام بين الوالدين في الحياة الزوجية أكثر من غير الجانحين .

إن الأسر التي تتكون من زوجين غير سعيدين يكثر فيها الشقاق والخلافات وتنعدم المودة والرحمة بين أفرادها ، وتسوء العلاقات بينهم ، وتكثر بينهم العداوة والبغضاء والخصام ، ويهمل الزوج زوجته وأسرته ، وتهمل الزوجة بيتها وأولادها فيزداد النفور بينهما وتتفكك الروابط الأسرية، مما يؤدي بالطفل إلى الخوف من فقدان الوالدين ، والوقوع في صراع الإقدام لفشله في المفاضلة بينهما ، وتوقع الإهمال من الوالدين ، وعدم التقبل منهما مما يزيد لديه الشعور بالحرمان والإحباط وتقلب المزاج .

وفي دراسة أوردها ” بيجPage  ” عن أسر المجرمين والجانحين التي تتسم بالتفكك وعدم الاستقرار والخلافات الأسرية نتيجة للانفصال ، والهجر ، والطلاق أوموت أحد الوالدين أو كلاهما ، وجد أن الصراعات الأسرية الداخلية والتوترات تؤدي إلى تحطيم البيوت سيكلوجياً ، وأن الأحداث الجانحين نادراً ما ينحدرون من بيوت سعيدة يسودها جو انفعالي متماسك ، وأن الأحداث غالباً ما يشبون أطفالاً غير محبوبين ، وغير آمنين ويفتقرون إلى الإشراف ، وأنهم غالباً ما ينحدرون من آباء غير أخلاقيين ، وغير متزنين أو ثابتين . وأنهم قد يكونوا خاضعين لحماية زائدة من أحد الأبوين بينما يخضعون لنوع من التأديب الحاسم من  الآخر ، وقد أوضحت الدراسة أن هؤلاء الجانحين يعانون من نقص التعاطف والحب والتفاهم والمشاركة الوجدانية ، ويؤكد ذلك هجرهم لمنازلهم.

أما دراسة “إيفي بينت Ivy Bennet،1960″ فقد  أوضحت أن الطفل يحتاج إلى المنزل المستقر، المتعاون لكي يتوافق مع الجماعة ، وأنه من خلال هذا الإطار المستقر للأسرة يمكن تحقيق الرضا والعلاقات المستقرة ، وأن هذه العلاقات يجب أن يكتنفها الحب والأمان والاستقرار ، وكشفت هذه الدراسة أن أكثر الأولاد الجانحين يعانون من فقدان العلاقات العاطفية الآمنة مع أمهاتهم في سنوات التكوين الأولى ، وأن أغلب هذه العلاقات كانت مضطربة عاطفياً ، أو حتى مرفوضة من الأم في بعض الأحيان .

وفي دراسة “أندري Andry ، 1960 “كشفت النتائج من عدة اتجاهات لدى الجانحين منها أنهم ينظرون إلى آبائهم على أنهم ناقصو الكفاية ، وأن آبائهم لا يوازنون بين الشدة والعقاب الذي يوقعونه عليهم بدرجة غير مقبولة ، وكذلك أظهر الجانحون نقصاً واضحاً في تشجيع آبائهم لهم . وأن آبائهم أقل ضبطاً للانفعال في مواقف الشدة عكس غير الجانحين  .

وفي دراسة” وليام وجون ماكورد William & Joan Macord  1959 ” تبين الارتباط بين علاقات الابن بوالديه وبين الانحراف ، ومدى تأثير كل منهما في الآخر ومدى تأثير خصائص الشخصية لدى الآباء في تكوين المثل لدى الأبناء ووضح كذلك أن الحب الأبوي يعد عاملاً هاماً في التنشئة لا يقل أهميه عن دور الأم. (الشرقاوي،1986 :360 )

  ويحدث كذلك تفسخ الأسرة في حالة الخلافات الحادة والمشاكل المسيطرة على الأسرة ، وتزداد تعمقاً في حالات الانفصال بين الوالدين بالطلاق ، أو الهجران أو الزواج بأخرى ، أو السجن ، أو الغربة ، وهذه كلها تؤدي إلى ظهور عوامل مهيأة للانحراف لدى الأطفال ، وخاصة عندما يجد له مكاناً بين أقران فاسدين ينمون له هذا الجانب .

  ويؤثر الخلل في توزيع الأدوار على الانحراف وقد تبين من الدراسات أن كثير من المنحرفين  عاشوا في ظروف أسرية مضطربة نفسياً بسبب خلل في الأدوار التي يمارسها كل من الأب والأم، فمن دراسة “ماكورد makoured” على الجانحين الذين أصيبوا بالفصام ، وجد أن الأم مسيطرة ، وهي السلطة الضابطة في الأسرة ، والأب سلبي ضعيف الشخصية لا دور له ، وهذا يعني أنه عندما تكون القوامة في الأسرة لأم متسلطة تلغي شخصية الأب أو مستبد يلغي شخصية الأم تضطرب أدوار الأولاد والبنات.

وتعد التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة أخطر ما يؤثر على الطفل ، فإذا حَسُنَتْ حَسُنَ الطفل واستقام في حياته اللاحقة ، وأما إذا تعرضت إلى الاختلال فتظهر الانحرافات والجرائم فيما بعد ، وقد أجريت دراسات عديدة ، تعقب الباحثون فيها الخبرات المؤلمة في الطفولة التي تعرض لها الجانحون والمجرمون ومدمنو المخدرات ، ومتعاطو الكحوليات ، ، تبين منها أنهم كانوا تعساء في طفولتهم ، بسبب نشأتهم في مناخ أسري فاسد أو تربيتهم في كنف والدين غير صالحين أساءوا إليهم وأفسدوا نموهم النفسي .

ومن عوامل اضطراب علاقة الطفل بوالديه أخطاؤهما في تنشئته بالقسوة والضرب الشديد والتوبيخ الجارح الذي يهدف إلى التحقير والازدراء والسخرية،  مما يدفع بالطفل أحياناً إلى الانحراف ضد المجتمع الذي حيث يفقد أهم الروابط فيه وهم والده .(علوان،1976 :147)

  وقد يكون لاتجاهات الأم نحو الطفل ومعاملتها له أثر مميز  بسبب الدور الخطير الذي تلعبه في حياة الطفل ، ويلعب نظام التدريب الذي يستخدم مع الطفل في المنزل دوراً هاماً ، فإذا كان تسلطياً عقابياً فإنه يؤدي بالطفل إلى تنمية الشعور بالتمرد على السلطة والعدوان من ناحية أو إلى الاستجابات الانطوائية من ناحية أخرى. (أبو حطب، وصادق،1990: 310)

 ويذكر( مرسي ، 240 ، 1988 )أن الحرمان العاطفي يعد من أهم علامات الانحراف ،فالأسر المريضة تعرض أطفالها للحرمان من إشباع حاجاتهم الأساسية وتعرضهم للإحباط المتكرر ، مما يشعرهم بالظلم والعجز ويفسد نموهم النفسي ، ويجعلهم مهيئين للانحرافات النفسية ، و تبين من الدراسات أن الجانحين ومدمني المخدرات والكحوليات والمنحرفين عاشوا طفولتهم محرومين من عطف الأب وحنان الأم ، إما بسبب الطلاق والهجر والوفاة ، أو بسبب جهل الآباء والأمهات بأساليب رعاية الأبناء ومطالب نموهم الخاصة ، وقد تأيد دور الحرمان في تنمية الجناح والقلق عند المراهقين . ففي دراسة على المراهقين في السعودية وجد أن المراهقين المهيئين للقلق تعرضوا للحرمان في الطفولة أكثر من أقرانهم غير المهيئين للقلق ،وفي دراسة ثانية تبين أن الأحداث الجانحين في مصر والكويت والسعودية تعرضوا للحرمان في الأسرة أكثر من أقرانهم غير الجانحين . وهناك دراسات أوضحت أن هناك ارتباطاً بين السلوك المضاد للمجتمع مع عدم ثبات الآباء في تأديبهم وفي طرق تعليمهم تحمل المسئوليات تجاه الآخرين ، وخلصت الدراسات إلى أن الحب والتعاطف ونبذ الآباء للأبناء نبذاً قاسياً كانت من الأسباب الأولية للسلوك المضاد للمجتمع (الديب،1997: 27)

ويقيم “جون بولبي Jon Bolby ” تفسيره لانحراف الصغار على أساس أن الأم هي التي تقوم في سني المهد والطفولة المبكرة بتشكيل شخصية الطفل وضميره ، فمن خلال تعاملها معه يقتنع بأن عليه أن يتخلى عن بعض رغباته وأن يؤجل إشباع بعضها الآخر ، كما يقتنع أن عليه أن يحتفظ بعلاقة طيبة مع الآخرين حتى تتحقق له أهدافه . ومن اعتبار وجود الآخرين هذا تنشأ أولى بوادر الطفل في أن يتعلم كيف يقوم بدور الضمير لنفسه بنفسه  .وبينت دراسة “شلدون وألينور جلوكSheldon ,Jlok” أن أمهات الجانحين أقل اهتماماً وأكثر عدوانية ونبذاً لأطفالهن وكذلك كان الآباء

 أما ” إيكهورن  Iekhorn” فيستند إلى مفهوم الطرح ، حيث يقول إن كل صلة جديدة إنما هي إعادة علاقة سابقة مع تغيير طفيف ، لذلك يكرر الجانح في علاقته بمجتمعه علاقات حياته الوجدانية الأولى التي تتسم بالعقابية والقسوة والحرمان ، ويؤكد على ضرورة توافر نوع من التوازن أو الاعتدال في كمية الحب والعقاب التي تمنح للطفل.(أبو السعد،1997: 4)

وإذا تأملنا حياة الصغار المنحرفين في مصر ، وجدناها سلسلة متصلة من تجارب الحرمان التي يتعلق بعضها بحاجات الحدث الأولية كالغذاء الكافي والعناية الصحية وإشباع حاجات البدن ، ووجدناها من ناحية أخرى سلسلة من تجارب الحرمان متعلقة بمشاعر الأمن والحب والعطف والطمأنينة . حيث يستجيب الحدث المنحرف إلى تجربة الحرمان بتحطيم العائق وإزالته بغض النظر عن النتائج . وهنا يأخذ السلوك المنحرف أشكاله العدوانية المختلفة ، كالغضب ، والاعتداء على الأشخاص في الموقف المحيط كله ، ويظهر في أشكال الهروب من المدرسة أو المنزل ، والتشرد في الطرقات والمروق من سلطة الكبار . وحيث إن طاقة الجانح وقدرته على تحمل تجربة الحرمان قدرة محدودة  ، فإنه يفعل كذا ، فإذا كانت حاجاته ملحة ، لا تحتمل التأجيل في إشباعها ، وإذا كانت عوائق الإشباع كثيرة متلاحقة ، فإن تجربة الحرمان في هذه الحالة تؤدي بالضرورة إلى حالة من القلق والتوتر التي تؤدي بدورها إلى الاضطراب في سلوك الحدث ، اضطراباً يأخذ شكل السلوك المنحرف

وقد وجد ” روبرت إندريRobart Indry  ” في دراسته على مجموعة من الأحداث المودعين في المؤسسات أن هناك ظروفاً اجتماعية معينة تسهم في خلق مشكلة الجانحين وعد الحرمان النفسي من الأم ، وانعدام الحب المتبادل بين الطفل ووالديه ،في  أسلوب التنشئة الاجتماعية التي تقوم على النبذ والعقاب  والانفصال أو التفكك الأسري من أهمها .(الشرقاوى،1986: 158)

وتعد الصحبة المختارة للفرد من أهم عوامل الانحراف باعتباره ميالاً بطبعه إلى الانضمام إلى غيره ممن يقربونه في السن ويشابهونه في العادات بقصد قضاء أوقات الفراغ ، وهو ميل أكثر  وضوحاً في مرحلتي المراهقة والنضج .

وقد تكون الصحبة المختارة من العوامل المهيئة للانحراف، فيما إذا ارتبط الفرد بآخرين ممن يمارسون أنماطاً من السلوك غير المشروع .فالرفقة السيئة إذن تزود الفرد بعادات مستهجنة ومثل سيئة ونماذج للنشاط الضار غير المشروع كما قد تدفعه إلى نواح مختلفة من السلوك الإجرامي عن طريق الحث والإيحاء والتقليد في بعض الأحيان أو بواسطة التهديد والإرهاب في حالة أخرى، وبذلك تتحول الرفقة إلى عصابة إجرامية .

ويشير   (وليامز،وشانى، 1996William ,Shany: 357) أن أقران الطفل من الأصدقاء أو الجيران يلعبون دوراً هاماً وكبيراً بين التلاميذ ويمثلون مصدراً  للمعلومات عن الانحراف والجريمة.

      ويشير(أرنوف،ويوتينج Arnuf ,Weateng،61:1997) إلى أنه عندما تعرض علماء النفس لدراسة السلوك الإنساني اهتموا بمجالين رئيسيين بشكل ملحوظ أكثر من غيرهما هما ، تأثير الأسرة والأقران ، حيث تشير الدراسات العامة إلى أن كلا المصدرين له تأثير بالغ الأهمية في توجيه الشخص صوب نماذج معينة من السلوك. وفضلاً عن ذلك يبدو أن تأثيرات الأقران تزداد أهميتها النسبية كلما تقدم الطفل في عمره الزمني  .

كما يعد الدين والأخلاق والقيم من العوامل الهامة باعتبارها ركناً أساساً  في حياة البشرية ذلك أنه لم يوجد قط مجال إنساني بلا دين ،وتعد الجريمة فعل تستهجنه كافة القيم الدينية التي تحث على الخير والتعايش في أمن وسلام . وإذا كان قد لوحظ تفاوت في نسب الجريمة بين أعضاء المجتمع الواحد المنتمين إلى أديان مختلفة ، فإنما يرجع ذلك إلى العديد من العوامل البيئية ، والنظرية التي تؤثر في الظاهرة الإجرامية ، غير أنه مما لا شك فيه أن الدين يدعم مقاومة الفرد لبواعث الجريمة وكثيراً ما يعزى انتشار الجريمة إلى ضعف تأثير الدين .

 ويرتبط الإنحراف كذلك بنقص التوجيه الديني ، وإذا كانت البحوث والدراسات لم توضح لنا بشكل قاطع حقيقة الصلة بين نقص التدين والانحراف ، إلا أن ذلك لا يمنعنا من أن نقرر بأن الدين بما له من اثر قوي في نفس الطفل ، وبما يحتويه من قواعد الأخلاق والحث على السلوك القويم إنما يجعل الطفل بمنأى عن الانحراف . وذلك طالما كانت التعاليم الدينية قد بنيت في نفس الطفل بطرق صحيحة وفي ظروف هادئة ، بحيث يصبح التدين الصحيح مظهراً من مظاهر ” قوة الأنا الأعلى ” كما أن التقاليد الضارة والعادات غير السوية تلعب دوراً فعالاً في توجيه إرادة الأفراد نحو صور متنوعة من السلوك الإجرامي الذي قد لا تجدي في مكافحته إجراءات الأمن المألوفة ويمكن تعريف التقاليد على أنها صور مدروسة عن السلوك الاجتماعي محاطة  بالاحترام العام بغير بحث في ماهيتها ، أوفي آثارها .

والبديهية الهامة جداً التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الواقع الاجتماعي بكل افرازاته في ظل سني الاحتلال الطويلة يشكل الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والافرازات والاختراقات ، للفساد الاجتماعي من الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب حتى وإن لم تكن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة فهي تخدم الاحتلال وترشده وتساعده في احكام قبضته على جوانب هامة من جوانب الصمود . ( حركة فتح ، 1975 : 63 )

نحن نعلم علم اليقين أن الانحدار والسقوط في براثن العمالة لا بد له من مناخ مناسب ، وأفضل مناخ وتربة مناسبة هي أماكن اللهو والدعارة ، والقمار وما شابه ذلك ، حيث كان كثير من تعليمات رجال المخابرات الأجنبية تدعو للاهتمام بهذه البيوت والمواقع . ( مجدي ، 1995 : 88 )

ويؤكد(شيلدون،وشادانSheldon ,Shadan،1977 : 178) أن أي انحراف يهدد أمن وسلامة المجتمع فإن من حق المجتمع أن يتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً في التعامل مع هذا الانحراف حتى يمكنه أن يوفر لمواطنيه الإحساس بالأمن والأمان.

المتغير الاقتصادي  :

يؤكد بعض العلماء على وجود علاقة وثيقة بين الفقر والجريمة أي أن الفقر أو الحاجة هو العامل الأساسي في ارتكاب الجريمة ، فيلاحظ  أن أغلب التصرفات الإنسانية تهدف إلى إشباع حاجات الفرد المادية ولكن من الخطأ الإعتقاد  بأن الجرائم ترتبط بشكل مباشر بسوء الحالة الاقتصادية للمجرم . حقاً أنه في بعض الحالات ترجع الجريمة إلى حاجة المجرم للمأكل والملبس ، إلا أننا نجد إنه في حالات كثيرة ترتكب الجرائم  من أفراد يتمتعون بمستوى اقتصادي جيد فليست الحاجة هي الدافع دائما لارتكاب الجريمة ، ولكن قد تكون رغبة الشخص في تحقيق مستوى أعلى من مستواه الاقتصادي بالإضافة إلى أن تحسين الحالة الاقتصادية للشخص سبباً في انحرافه مما قد يدفعه إلى ارتكاب جرائم من نوع أخر.

          ويلاحظ أن الحالة الاقتصادية لها آثار اجتماعية من شأنها أن تساعد على زيادة نوع معين من الجرائم كالتشرد والتسول ، كما أنها تؤدي من ناحية أخرى إلى ازدحام المساكن بعدد أكثر من العدد المناسب فيكثر احتكاك الأفراد بعضهم ببعض وما يترتب على ذلك من زيادة في جرائم الاعتداء على الأشخاص ن كما أنها تعوق الشباب عن الزواج في سن مبكرة مما يضطرهم إلى العمل على تصريف غرائزهم متخطين جميع العقبات والصعوبات التي تعترض طريقهم ، فتكثر بذلك جرائم الانحراف الخلقي وجرائم هتك الأعراض والدعارة .

          وتعد البيوت التي تعاني فقراً شديداً أو ضغوطًا اقتصادية شديدة كحالة البطالة الدائمة وعدم كفاية دخل الأسرة ، أو اضطرار الأم للعمل الدائم أكثر عرضة للانحراف من غيرها، (الديب،1997: 362 )

ويؤكد ” ميللر Miller ،1968″ أن المستويات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية تعد وسطاً ملائماً لنمو السلوك الجانح ، بل ويمكن اعتبار هذا السلوك في كثير من الأحيان محصلة الثقافة السائدة بين أفراد هذه المستويات.

  وتؤكد الدراسات أن أعلى نسبة للجنوح لدى الأحداث توجد في الأحياء الفقيرة والمحرومة من المدن الكبيرة ، وهذا يعني أن الحرمان الاقتصادي مازال من أهم المتغيرات الرئيسية للجنوح ، حيث إن هناك فرصة لظهور الجنوح في المناطق والأحياء التي يكون معدل دخل أفرادها الاقتصادي بين سكانها متدنياً ، ونسبة البطالة فيها عالية وتتصف بالازدحام وشيوع التفكك الأسري .(صوالحة،1994: 105 )

ومن بين أهم العوامل مستوى الدخل الذي يمكن قياسه بوسائل متعددة من بينها تحديد كمية المال التي يحصل عليها الفرد خلال سنة من الزمن ، إلا أن الوصول إلى كمية الدخل مقاسه بالنقود صعب في كثير من الأحيان وفي كثير من المجتمعات . ( التتر 1997: 112)

وقد يشكل مكان وبيئة العمل في بعض الأحيان عاملاً وسيطاً للانحراف لما يحيط بهما  من وسائل مشجعة  لأهداف غير مشروعة ،بالإضافة إلى ذلك فان اختلاف الإجرام من مهنة إلى أخرى يمكن أن يبين لنا أن المهنة الواحدة تجتذب عادة أشخاص متقاربين في تكوينهم الطبيعي وفي ميولهم النفسية ولكن في واقعنا يعد لموقع العمل دوراً كبيراً في عمليات الانحراف ، لأن وضع العامل الفلسطيني يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيرة من المجتمعات حيث إن انحرافه باتجاه جريمة التعامل ليس رهيناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط في وقت ما من الأوقات بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره على الفرد وعلى نفسيته على مدار الوقت بشكل متواتر.

كما أن المناطق التي تعيش واقع الحروب تتزايد الصعوبات الاقتصادية فيها تبعاً لاستمرار الحرب ، و يحدث التأثير المهيء للإجرام فيها بشكل أكبر من غيرها من الدول ، على الأخص في البقاع المحتلة أو البقاع التي وفد إليها فيض من اللاجئين أو التي شحت فيها الموارد الغذائية . (بهنامر، 1990 : 160 )

وحيث إن الاقتصاد يتعرض إلى الخلل والاهتزاز في زمن الحرب ، فيتوقف الإنتاج ، وتزداد المصروفات ويتضاءل الدخل لدى الدولة وتنتشر البطالة لدى الأفراد.(هويدى،1995: 70 ).

        وهناك الكثير من الشواهد في هذا المجال نذكر منها الشواهد التي نشرت عن طريق إحدى وسائل الإعلام . وعلى سبيل المثال لا الحصر الشاب المصري ” محمد إبراهيم فهمي كامل” الذي تم تجنيده عبر استغلال وضعه الاقتصادي السيئ ، حيث ضاقت به الحياة بمصر ، فذهب إلى إيطاليا للعمل ، وهناك قابله يهودي كان يعرفه في مصر قبل هجرته ، وتعرف علية وفى الحال عرف ما يعانيه من وضع مادي سيئ ، فاستغل الفرصة . وقال له ” تستطيع أن تحقق آمالك وتربح مالاً كثيراً فأنت صديق قديم يمكن الوثوق به ، وأنا احتاج إليك في عمل “ومن هنا كانت البداية (مجدي ، 1995 : 92 )

كما تم استغلال حالة الفقر عند المواطن المصري ” سليمان سلمان سليمان ” الذي هاجر إلى القاهرة من سيناء بسبب حرب 67 م وعاش فيها عيشة فقر وحاجة نظراً لعدم إتقانه أية صنعة سوى النقل سابقاً على ظهور الجمال في سيناء ، وفي أحد الأيام زاره أحد معارفه السابقين من سكان سيناء ، ولما شاهد حالته دعاه إلى سهرة في أحد الملاهي ، وقدم له الخمر والمأكولات الشهية بالإضافة إلى صحبة إحدى الخاطئات مما جعله يعيش في جو طالما كان يشتهيه ، وفي أثناء الحديث عرض عليه أن ينتشله من حالة الفقر التي يعيشها وسيجعله يجاريه في الثراء وصرف الأموال على الملذات بدون حساب. (الجزائري،1991 : 50 )

وقد قامت المخابرات الإسرائيلية المتواجدة في مدن سيناء بتجنيدهم في أوقات متفاوتة للعمل لصالحها مستغلة معهم نفس أساليبها في إيقاع ذوي النفوس الضعيفة خاصة ، وأن ظروف الاحتلال كانت قاسية على الأهالي الذين حرم معظمهم من مصادر الرزق والعيش وأصبحوا بحاجة ماسة لأي عمل يسد به رمق عائلته ومن هؤلاء ” إبراهيم سعيد شاهين من” سكان مدينة العريش ويعمل موظفاً قبل الاحتلال في  مديرية العمل بسيناء ، وجد نفسه وزوجته  انشراح  بدون عمل وولداه في القاهرة يتابعان تعليمهم حتى وصل به الأمر إلى زيارة مكتب الحاكم العسكري حيث استقبله ضابط المخابرات وربطه معه مقابل أموال كثيرة .

المتغير التعليمي :

يقصد بالعوامل التعليمية ” مجموعة القيم المعنوية والخلقية والدينية والعملية والثقافية التي تحرص الجماعة عليها وينتج عنها عادات الجماعة وتقاليدها ” ويلاحظ أن مستوى التعليم أياً كانت درجته ما هو إلا نوع من التربية يؤثر في سلوك الفرد أمام الآخرين ، كما أن للتعليم تأثيراً آخر على الظاهرة الإجرامية ينصب على طبيعة ، ونوع العمل الإجرامي وقد أوضحت الدراسات البيئية أن إجرام الأميين يتصف بطابع القسوة كالقتل والسرقة والحريق .

أما أنصاف الأميين وهم من لا يجيدون القراءة والكتابة فيرتكبون جرائم ابتزاز الأموال بالتهديد ، واستلاب السندات ، وأتلاف الممتلكات ، والضرب ، والجرح . أما الذي يجيدون القراءة والكتابة فتغلب بينهم جرائم التزوير في المحررات والجرائم الأخلاقية والتهديد وأما الأشخاص الذين يتمتعون بثقافة عالية فهم ممن يرتكبوا الجرائم الاقتصادية ، وتزوير المحررات الرسمية والتجارية .

ووفقاً للإحصائيات المختلفة في بعض البلدان  تفوق نسبة المتعلمين من المجرمين غير المتعلمين مثل ، إيطاليا ، وفرنسا ، وألمانيا في حين أن بلداناً أخرى تجد فيها العكس كما هو الحال في بلجيكا والمجر وبلغاريا(الديب،1997: 30-34 )

ولا شك أن للتعليم تأثيراً على تكوين شخصية الفرد . والتعليم ليس مقصوراً فقط على مجرد القراءة والكتابة بل يتعدى أثره ذلك إلى فكرة تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها بأهداف المثل العليا وهنا يظهر أثر التعليم على ظاهرة الإجرام فهو يلعب دور التبصير لقيمة الأفعال التي يرتكبها الفرد وأثارها على ذاته وعلى مجتمعه .

ونلاحظ أن التعليم قد يؤثر على ظاهرة الإجرام وسلوك الفرد والجماعة عن طريق القراءة  والأفلام والصحف ، ويؤثر إما بنتيجة فعالة من حيث الحد من ظاهرة الإجرام بما تغرسه في نفس الشخص من مثل وقيم أخلاقية يتعين اتباعها في السلوك الفردي والجماعي .وإما أن تأتي بنتيجة عكسية ، وهي غرس الدوافع المختلفة على ارتكاب الجريمة وبيان الطرق والوسائل المختلفة لارتكاب الجريمة وكيفية التخلص من أثارها .

   أما أثر التعليم والمدرسة في تقويم السلوك الانحرافي فانه أصبح ضرورة ، حيث أصبح البيت والمجتمع غير كافيين لتدريس الأطفال ، وإعدادهم لمرحلة الرشد ، حيث أدى تغير طبيعة المعرفة وظروف العمل ، إلى دخول أطفال عاديين إلى المدرسة ، كما أصبح للمدارس دور هام في انتقال الثقافة واستمرارها. (الخطيب،1993: 53)

          ولما رأت سلطات الاحتلال أن المدرسة الفلسطينية لها دور أساس في تنمية المجتمع وتقوية روابطه الاجتماعية والوطنية عملت على تخريب التعليم واتخذت بعض الإجراءات التدميريه ومنها :

- ممارسة سياسة الإغلاق المستمر للمدارس والجامعات .

- استخدام المدارس ثكنات عسكرية .

- محاصرة المدارس واقتحامها أثناء تواجد الطلاب فيها .

- تشويه صورة المدارس ومؤسسات التعليم العالي في فلسطين .

- الاعتقال والأبعاد ومنع السفر وفرض الغرامات.

- القتل أو الإصابة الجسدية . ( العيلة – 1998 – 265 )

      ولهذا فإنه يجب أن يهتم التعليم في المدرسة  بالتربية الخُلقية والاجتماعية قبل أن يهتم بحشو الأذهان بمعلومات غير مفيدة ، ولا ريب أن الشكل الإجرامي العام يتوقف إلى حد ما على نوع التعليم ومستواه ، ولكن الخلاف قائم حول مدى أثر التعليم في الظاهرة الإجرامية بوجه عام ، فهل  يؤدي التعليم إلى تراجع الظاهرة الإجرامية في مجموعها أم لا (عبيد،1981: 143 )

واختلف رأي العلماء في شأن أثر التعليم في معالجة ظاهرة الجريمة ، فيميل “بونجر  Bonger  “إلى القول بأن انتشار الأمية ينبغي أن تعد من العوامل المحركة للجريمة Criminagen  ،في حين يقرر ” جارونا  garona” أن انتشار التعليم لا ينبغي أن يعد من عوامل الإجرام ، فمن المشكوك فيه أن يخلق التعليم خلال فترة الطفولة المبكرة غريزة خلقية .

وقد قام ” لومبروزو lumbruzu” منذ أواخر القرن الماضي بعمل دراسة مقارنة لجرائم القتل والسرقة في 11 دولة تتفاوت في مدى انتشار التعليم فيها . ووصل إلى أن التناسب عكسي بين الجريمتين فحيث ترتفع نسبة التعليم تقل معدلات جرائم القتل العمد وترتفع معدلات جرائم السرقة . أما عندما تنخفض نسبة التعليم فإنه يحدث العكس ، أي تزداد معدلات القتل وتقل معدلات السرقة.

ويلاحظ المؤلفان الفرنسيان”بوزا Bouzat ” و”بيناتل Binatel  “أنه يتضح تبعاً للإحصاءات الفرنسية أن جرائم القتل والحريق العمد والجنس تقع في المعتاد من جناة ذوي مستوى تعليمي أدبي من مقترفي جرائم السرقة العادية والمشددة  ويلاحظ “ايلينين دي جريف Elienne de Greeff ” أن الجاني بوجه عام أدنى تعلماً من غيره، وقصور تعليمه يرجع جزئياً إلى قصوره هو وقصور وسطه.

ويلاحظ” أدوين سادزلاند Edwin Sutherland ” و”دونالد كريسيس Donald Cressey  “  أن المدرسة ليست مخصصة في جوهرها لمنع الجريمة ، ولكن لها نفس الصلة بالجريمة والإجرام ما للأسرة ، بمعنى أن أوجه النشاط المدرسي تواجه إلى حد ما مجتمعات الأطفال بنماذج للسلوك الإجرامي أو السلوك المضاد للمجتمع (الشرقاوي،1986: 365 )

ويرى ( عبيد ، 1981: 146 ) أن ثمة نقطة ليست محل نزاع وهي أن التعليم يصقل الشخصية ومعها الميول الإجرامية إن وجدت . وهو يؤدي إلى تخفيف حدة بعض الجرائم المرتبطة بالأمية .

وأن التعليم كذلك قد يفتح للمتعلم آفاقاً جديدة للتقليد والعدوى عن طريق الروايات والصحف والمطبوعات … لكنه يمثل درعاً في وجه الجريمة من بعض النواحي الأخرى بما يفتحه من سبل جديدة للارتزاق ويفتح أبواباً كانت مغلقة في وجه الفرد بما قد يبذله المتعلم من وقت وجهد في الدرس والتحصيل كانا سيضيعان في المفاسد والشرور . ولهذا فإن الهروب من المدرسة تعد من أكثر العلامات الخطرة التي تنذر بانحراف النمو الاجتماعي لدى التلميذ الهارب .

     وتبين من بحث جرى على الشباب الجانح الذي يتراوح عمره بين 15 – 25 عام في مصر ، أنه في خلال المدة من أول نوفمبر 1992 حتى آخر أكتوبر 1993 كانت نسبة الأميين الذين أودعوا السجن منهم (76.1 %) . ونسبة من يعرف القراءة منهم (22.7 %) بلغ نسبة حملة المؤهلات منهم (50 %)  وحملة الشهادات الابتدائية والإعدادية (30 %) وحملة المؤهلات المتوسطة(20 %) . ولم تتغير النسب كثيراً في العام التالي لهذا العام ، حيث تبين أن نسبة الأميين تبلغ( 78.5 %) ومن يعرفون القراءة ( 20.9 %)  بلغت نسبة حملة المؤهلات منهم (60%) وكان منهم (20 % ) يحملون مؤهلاً إعدادياً أو ابتدائياً و (17 % ) يحملون مؤهلاً متوسطاً و(3 % ) يحملون مؤهلاً عالياً

وقد لوحظ لدى الجانحين من المتعلمين أو أنصاف المتعلمين من الأحداث والبالغين على حد سواء ارتفاع نسبة الرسوب المدرسي أما بسبب التخلف الذهني ، وأما بسبب إهمال الدراسة للتفرغ للبطالة والتشرد إلى حد أن بعض الباحثين يقدر أن 62% من الشباب الجانح سبق له الرسوب أكثر من مرة في المدرسة .

ويرى “شلدون واليانور جلوك” أن هذا التخلف المدرسي يمثل ابتداء عدم التوافق بين الفرد وبيئته المدرسية وبينه وبين بيئته الاجتماعية وأن فشل المدرسة في تحقيق وظائفها قد يرجع إلى الجو  المدرسي أو عوامل ترجع إلى التلميذ نفسه

          وللمدرس أهميه خاصة فهو أول من يصادف الطفل في المدرسة و يرتبط دوره بتشكيل شخصية الطفل ، فالعلاقة الصحيحة القائمة على التفاهم والعناية بين المعلم والتلميذ دون ضعف والحسم دون قسوة مبالغ فيها تعين الطفل على التغلب على مشاكله والمضي في حياته الجديدة نحو تكوين شخصية تحترم السلطة والنظام وتبتعد عن الانحراف والجريمة .

المتغير النفسي :

هو “مجموعة المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته “.

وقد اهتم عدد كبير من الباحثين والعلماء والخبراء من رجال القانون وعلماء الإجرام بسبر أغوار العلاقة بين العامل النفسي للأفراد والسلوك الانحرافي أو الإجرامي .(عبيد،1986: 132)

وقد تبين أن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات ، وقد يكون العمل الذي يقوم به خيراً أو شريراً – من وجهة نظر الأخلاق والمجتمع – ولكنه مع ذلك يحاول قضاء حاجة جسدية أو شخصية أو اجتماعية له ، هذه الحاجات إذا لم تُرض الفرد فإنه يشعر بعدم الراحة والتوتر ، ويحاول القيام بأعمال تعيد إلى نفسه وجسده اتزانهما الذي أخلت به الحاجة غير المقضية . فالإنسان الجائع يبحث عن الطعام ، والإنسان العطش يبحث عن الشراب، والإنسان التعب يبحث عن الراحة ، والإنسان الخائف يبحث عن الأمان ، والإنسان النكرة يبحث عن التميز وجذب إنتباة من حوله ، والإنسان المكروه يبحث عن الحب . وحين تقضي الحاجة تحدث حالة  الاتزان وتستشعر النفس الرضى وتوقف فاعليتها بهذا الصدد . ولهذا فإن الإنسان دائم التطلع إلى الشعور بقيمته وتميزه وانتمائه إلى الجماعة التي يعيش فيها .

وإذا لم تقضِ هذه الحاجة وتم كبتها تحدث عمليات الإحباط وهي حالة من التثبيط الذي يصيب جهود الفرد لإرضاء حاجة أو حاجات بطريقة أو بأخرى بالرغم من الجهود المتكررة التي يبذلها هذا الفرد ، وما يرافق هذا التثبيط من مشاعر بعدم الرضى والضيق والعجز ، والحق أن الذي يسشعر بالإحباط يشعر بعدم الرضى ويكون في حالة من عدم التوازن ، ولذلك كان لا بد من شيء من التكيف لتخفيف التوتر وتمكينه من تقبل الوضع . وثمة أشكال للتكيف عديدة يقوم بها الأفراد الذين تحبط أعمالهم وهي إما أن تكون أشكال إيجابية أو سلبية .

ومن أهم أشكال حالات الإحباط اللجوء إلى مهاجمة مصدر الإحباط وهو رد فعل نموذجي للإحباط ، ويرى الكثيرون من علماء النفس أن الدافع للهجوم هو الإحباط . بيد أن الإنسان لا يظهر الهجوم السافر دوماًُ بل قد يكبته ، ومع ذلك فإن من الأمور السوية أن يهاجم الإنسان ما يحبط أعماله ويحول دون تحقيقها .

وتعتبر “ كارن هورني Karen Horney “ بأن كبت كل المشاعر المعادية والهجومية أمراً مضرأً من وجهة نظر الصحة النفسية ، وذلك بأن هذا الكبت قد يقود إلى القلق والعصاب .

والبعض يلجأ إلى عملية الكبت لهذا الإحباط وهو عملية يلجأ الإنسان بواسطتها إلى دفع ما يزعجه إلى عالم اللاشعور ، كما ترى هورني بأن كبت المشاعر المعادية هو السبب الرئيس للقلق والعصاب .

أو يلجأ إلى عملية الانسحاب من الواقع حين يواجهون صعوبة أو يصادفون إحباطا ينكمشوا وينسحبوا من المواجهة . وقد يبدو لأول وهلة أن الانسحاب لا يحتاج من الطاقة إلا قدراً ضئيلاً يقل عما تحتاجه الأشكال الأخرى من أشكال المواجهة ولكن الانسحاب في الواقع مؤلم ، قد يقود إلى أحلام اليقظة ، أو يقود إلى  الإدمان على الكحول والمخدرات .(عاقل ، 1973 : 155)

وقد يؤدي الإحباط إلى أشكال خطيرة تقوم بتزوير مصدر الإحباط فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي لهذا الإحباط يقوم بالتوحد معه ، وتحدث عملية   ” التوحد بالمعتدى ” والتي تعتبر حيلة لا شعورية تُصطنع للتغلب على الخوف من المعتدى ، وهي حيلة شائعة يكادون يعكسون فيها  سلوك من يتقمصونهم ، وأنه أمر لا مناص منه لإعادة التماسك في شخصية المتوحد بالمعتدى والتغلب على القلق والإحباط الذي هو الأصل في عملية التوحد أن يمارس الاعتداء على الأخرين . ( زيور، 1982 : 123 )

وقد تنتقل الاحباطات التي يمر بها الفرد الناتجة من عدم القدرة على مواجهة صراعات الحياة وما يفرزه ذلك من حالات قلق وتوتر وأمراض نفسية وشخصية ، إلى مجموع أفراد المجتمع ليشكل بالتالي ظاهرة نفسية معقدة يلفها الإحباط واليأس من جراء عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الاجتماعية الأساسية وبين الواقع المعاش وتنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الاحباطات ، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي بدلاً من المقاومة له .

ويرى بعض علماء السلوك الانحرافي والإجرامي أن لبعض الصفات والسمات الشخصية دور في الانحراف ، في حين يعتقد البعض الأخر أنه ليس هناك علاقة بينهما ، ويستعرض المؤيدون بعض هذه الصفات ومنها :

أنه إنسان يعيش في الحاضر وتعوزه الرغبة وعدم القدرة في الاهتمام أو التطلع للمستقبل .

نظرته للحياة ذات بعد مادي ضيق قوامها نزوات عارضة ما أن يشبعها حتى يبحث عن غيرها .

إنه عاجز عن حب الآخرين ، أو الارتباط العاطفي بهم ، ولا أهمية لديه بالآخرين أو صداقتهم إلا من خلال تحقيق منفعة ، يخون صديقه وقتما يحلو له ، ولا يضحي من أجل غيره .

لا يحس بمشاعر الآخرين وأحاسيسهم ولا يتألم لمعاناتهم .

العملية الجنسية لديه مجرد تفريغ بيولوجي كالحيوان  لا علاقة له بالحب والعاطفة والارتباط.

إنه مغامر ولا يكترث بما يسببه من متاعب للغير ، وربما يسرق وهو غير محتاج .

 يدعي الحب والوفاء والإخلاص ، ولكنه جامد العاطفة ، يتنقل بها كيفما شاء .

إنه ينزع للانحراف والخروج على قواعد الضبط الاجتماعي ، ولا يساير تصرفات المجتمع .

 يمتاز منذ طفولته بالعناد والمشاكسة وافتعال المشاكل والمواقف المؤذية للغير .

 لا يهتم بالنصح ولا ينقاد للإرشاد ، ولا يغير من اتجاهه العدواني أي مدح أو ثناء .

إنسان غير مكترث ، ولا مبال ، ولا مسئول ، وتمثل تصرفاته طيشاً صبيانياً

 إنه إنسان عديم الأخلاق ولا يحترم القيم “  .

يتميز بالجاذبية الاجتماعية في حديثه ومظهره لدرجة تجعله لافتاً للنظر ومثيراً للإعجاب ، لكن بشيء من التركيز يمكن اكتشاف تناقضه .

شخص كثير الأخطاء ، و لا يأبه بالعقاب ، ولا يردعه ذلك.

 تتسم تصرفاته وأعماله بالتسرع .

 غير ناضج انفعالياً ، مما يجعله يدخل في علاقات غير متكافئة مع الصغار

 يميل للكذب والخداع ،والانتهازية .

يمتاز بعدم النضج الأخلاقي والانفعالي ، ولكنه ليس غبياً بل قد يكون متوسط الذكاء أو أكثر من متوسط .

لا يستفيد من تجاربه الذاتية .

عديم القدرة على التحمل .

 ميال إلى تهديد الآخرين .

لا يشعر بالذنب أو الخجل ولا يأنبه ضمير ، ولا يقمع دوافعه الشاذة .

 تمركز حول الذات ، وعدم تحمل المسئولية .

 إهمال وإغفال حقوق الآخرين .

 فقر في إصدار الأحكام .

 عدم العرفان بالجميل  .

 يسبب الإثارة والإزعاج للآخرين ، ويمثل عبئاً ثقيلاً على غيره .

 لا يفكر بشكل جدي في تعديل نفسه وتقويمها .

 ينقم على النظام والسلطة والقانون والمجتمع ويستغل كل فرصة لمخالفتها

 يشعر بالنبذ وبأنه مطرود من المجتمع ، ويضع اللوم على المجتمع لا على نفسه في تصرفاته .

لديه قدرة على التمايل والإفلات من العقاب والقانون .

32- إنه أناني محب لذاته .(عبيد،1990: 132)

ولذلك توصي المخابرات جواسيسها بدراسة مجمل حياة الشخص المعين السابقة بكل تفاصيلها ومكامن الضعف لديه، وباختصار ان معظمهم معرضون بطريقة ما للابتزاز لكونهم ضعفاء أمام الاغراءات المادية المشوقة. (كوبلاند Kubland،1990: 2 )

ولقد ثبت أن بعض الناس فطر على الفساد أولاً وأخرا ، وهو فاسد بالاستخبارات وبلا استخبارات ، النميمة من طبعه والخوض في المشاكل هوايته  تأتي الأفلام السينمائية والتلفزيونية والكتب البوليسية فتغذي خياله بالأحلام الإضافية والمعلومات العملية . هذا النوع الهادي  المحترف يحار في كيفية إيجاد متنفس لما ينتفخ به ، إلى أن يتوفق بعمل لجهاز استخبارات يجري بينهما التعامل والتعاون ولهذا يعمد رجال المخابرات إلى الاستعانة بكثير من الأعوان المحليين والمخبرين الذين يكونون غالباً من اللهاة الذين لا تقيدهم القوانين.(وود Woud،1990: 32)

ونذكر في هذا المقام بعض الشواهد التي كان العوامل النفسية دور في ارتباطهم،  فمنهم من ارتبط بسبب مركب النقص الذي تملكه واشتد به حيث كان  ميالاً إلى العزلة ولا يصادق إلا أقل عدد من الناس ، يجد لذة لا تعدلها لذة في التقوقع ، والعمل على الانفراد ، و الحرص على التخفي والتفكر ، وبذل كل ما في وسعه من جهد للسيطرة بطريقة ، تمسكن حتى تتمكن ، مع رؤسائه الذين كانوا يتصورون خطأ بطبيعة الحال  أنه خادمهم المخلص المطيع .

(الكاشف،1995:  101 ).

ومن العوامل النفسية التي أدت إلى الارتباط التجربة الصادمة أو المواقف الصادمة في حياة الطفل وبرز ذلك في حياة الجاسوسة ” كاتلين غرانت ” الإنجليزية، حيث كان لنشأتها أكبر الأثر في تكوين شخصيتها ، إنها قصة دامية مؤلمة فقد ولدت ” كاتلين ” من أب إنجليزي وأم فرنسية ، وكانت في السابعة من عمرها ، تقيم مع أسرتها في ذلك الجزء الصغير من شمال فرنسا الذي اجتاحه الألمان بعد أن اجتازوا أرض بلجيكا في الحرب الأولى ورأت الصبية اليافعة ، كيف كان الغزاة الغلاظ يمسكون بأهل قريتها  وبينهم أبوها وأمها  فيذبحونهم أمام عينيها وأعين الأطفال الآخرون ، أو يبقرون بطونهم بسنان بنادقهم ، ثم يلقون بجثثهم في الخنادق ويلقون بالأطفال أحياء فوقهم(برانس branes،1992: 15)

       ولضعف الشخصية دور كبير في الارتباط حيث يبحث رجال المخابرات عن أشخاص يكون لديهم ضعف في شخصيتهم مثل حب الشهرة ، أو المال ، أو الجنس، أو حتى الشذوذ الجنسي ، لتتمكن المخابرات من استغلال مكامن الضعف هذه ويوجد فعلا بعض الأشخاص الذين لديهم رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة ويبدي استعداده ليكون عميلاً للاستخبارات ضارباً بعرض الحائط مصلحة بلاده ، إن شخصاً من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه ، هو شخص بلا ضمير أو وجدان (وود woud،1990: 30)

ومن أمثال هؤلاء ” منصور الطوبي ” عميل إسرائيلي يسكن العريش كان مستواه التعليمي جيد وهو في المرحلة الجامعية ، ولديه نصيب وافر من الذكاء إلا أنه  كان شاباً طائشاً شرير النزعة يميل للمكر والشر تماماً تعامل مع العدو مقابل حصوله على المال الوفير نظير خيانته لوطنه (مجدى،1995: 34)

    وقد يكون حب الظهور دافعاً للتعامل . ففي مقابلة لبتسيلم مع أحد العملاء الهاربين ويدعى أبو الفهد 34 عام ، ويعيش حالياً في يافا يوضح الأسباب التي جعلته يصبح مخبراً لجهاز الأمن العام يقول” كنت شاباً ، وكنت مأخوذاً بفكرة أن أصبح ذو قوة ومركز وأجمع مالاً بشكل سهل وسريع ، وأحببت أن أتجول حاملاً سلاحاً مخيفاً ، والمرور عبر حواجز والطرق المقفلة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي بدون مشاكل ، وتقديم الخدمات ، وخصوصاً التصاريح

و تقوم المخابرات الإسرائيلية بتصيد من  يعرفون بمحبي المظاهر والعظمة من ضعاف النفوس ومحبي الليالي الحمراء  ومن أمثال هؤلاء الشاب اللبناني الأصل المصري المولد ” نبيل النحاس “  الذي كان  يحتاج إلى ضعف دخله لينفقه على ملذاته وسهراته وأسفاره المتعددة ما بين القاهرة– بيروت- باريس سقط في أيدي المخابرات الإسرائيلية بعد أن وجدت فيه ما تريد من ضعاف النفوس ، وأخذ يمدهم بما يريدون من معلومات عن مصر نظير مبالغ مالية كان يأخذها منهم بالتوالي (الجزائرى،1991: 65 )

      أما عاطفة الكره للبلد فدفعت” داليا المصرية “للارتباط مع المخابرات الإسرائيلية وهى ذات العشرين ربيع سليلة أسرة ارستقراطية تم تأميم ممتلكاتها ، بعد ثورة يوليو ، ومات والدها ووالدتها حسرة على ضياع الثروة والمكانة تاركين لداليا طفلاً صغيراً هو عصام ووجدت داليا نفسها وحيدة بلا مال ولا سند فاستغلت المخابرات وضعها وعرضت عليها الارتباط فوافقت (مجدى،1995: 37)

وكذلك العميلة للمخابرات الإسرائيلية ” أمينة المغني “من الأردن  والحاصلة على دكتوراه في علم النفس ارتبطت من خلال عاطفة الحقد والكره أثر تصفية مستشفاها حقدت على وزير الصحة وعلى جميع العرب  وإثر ذلك سافرت إلى النمسا وتعرفت على طيار نمساوي يهودي سرعان ما تزوجت منه وأدى بها هذا الوضع إلى الوقوع فريسة في أيدي المخابرات الإسرائيلية .

 أما صفة الجشع وحب المال فكانت وراء ارتباط العميل المصري “محمد عمر حموده ” الذي عرض نفسه على أجهزة الأمن الإسرائيلية حيث اتصل بنفسه بالقنصلية الإسرائيلية عارضاً خدماته فاستقبله معاون الملحق العسكري في القنصلية وقبل عرضه بعد أن تأكد من صدق نواياه.(الجزائري،1991: 66)

          كما اكتشفت المخابرات الإسرائيلية بأن لدى المواطن المصري ” رجب عبد المعطي “الذي حضر بنفسه ليعرض الارتباط أن لديه دافعاً لذلك هو حب المال والغنى ، وأن لديه سمة حب الظهور والغرور وبناءاً على ذلك تم منحه رتبة رائد في المخابرات الإسرائيلية وبالتالي تمت موافقته في سرور ولم يكن ذلك إلا إرضاءا وتشجيعاً من أجل تنفيذ أوامرهم .

تعقيب عام على متغيرات الدراسة :

      من خلال العرض السابق لأهم المتغيرا ت والعوامل المؤثرة في الانحراف والجريمة يشير الباحث إلى الدور الهام الذي تلعبه متغيرات الدراسة في الانحراف والجريمة وهي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والنفسية  فعلى صعيد المتغير الاجتماعي تبين أن أساليب التنشئة والحرمان العاطفي والمادي الذي يعانيه الطفل في الأسرة وما له من أثر سلبي في حياة الطفل ، بالإضافة إلى سوء معاملة الوالدين سواء بالقسوة أو الضرب الشديد ، أو الدلال الزائد ، وكذلك كثرة النزاع والشقاق بين الأباء والأمهات الذي يحيل البيت إلى جحيم لا يطاق ويكثر من هروب الأبناء من البيت، وكذلك حالات الطلاق وما يصحبها من تشرد وضياع للأبناء الذين لا يجدون حنان الأم ورعاية الأب  ويسارع بهم ذلك إلى التردي في الانحراف ضد المجتمع  لشعورهم بالحقد  والكراهية

 أضف إلى ذلك دور رفقاء السوء حيث يتأثر الأولاد ببعضهم البعض ويتناقلوا أخلاقهم بسرعة، فإذا وقع بين أولاد سيئين فإنه يميل إلى الاندماج معهم وتفريغ الطاقة لديه وفق توجيههم فإذا لم يوجه التوجيه الحسن المستمر فإنه سوف يذوب في سلوكهم وممارساتهم .

      كما تبين الأهمية التي يحتلها المتغير الاقتصادي في الانحراف حيث تعتبر البيوت التي تعاني فقراً شديداً أو ضغوطًا اقتصادية هي أكثر عرضة للانحراف من غيرها، وأن المستويات الاقتصادية المتدنية تعد وسطاً ملائماً لنمو السلوك السيء ، وأن موقع العمل كذلك له دور هام في الانحراف ، ولقد وقعت كثير من عمليات الربط  للعمال من خلال موقع العمل بالابتزاز والمساومة على لقمة العيش ،حيث تمارس كل وسائل  الضغط  على المواطنين من قبل ضباط الأمن الإسرائيلي

    كما تبين كذلك دور المتغير التعليمي وعلاقته في الانحراف ، وقد اتضح أثر المستوى الدراسي والتحصيل العلمي وكذلك العلاقات بين التلميذ وكلاً من المدرسة والمنهج الدراسي والمدرسين والتلاميذ بالإضافة إلى عملية إنتمائة للعملية التعليمية واندماجه  فيها، حيث أن للتعليم تأثير على تكوين شخصية الفرد وهو ليس مقصوراً فقط على مجرد القراءة والكتابة بل يتعدى أثره إلى تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها  بالمثل العليا ، وهو يلعب دور التبصير لقيمة الأفعال التي يرتكبها الفرد وأثارها على ذاته وعلى المجتمع وبالتالي ينشيء لديه ميزاناً يقوم به الأفعال.

كما تبين كذلك دور العامل النفسي في عملية  الانحراف حيث إن الأزمات  النفسية التي يمر بها أفراد المجتمع تعتبر جزءاً لا يتجزأ من أزمات المجتمع ذاته، فالإحباط لدى الفرد وعدم قدرته على مواجهة المشاكل يولد لديه القلق والتوتر والانحرافات  الاجتماعية ، ويؤدي  بالتالي لليأس والقنوط وعدم القدرة على الموائمة بين متطلبات الحياة وبين الواقع المعاش وتنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الاحباطات ، الأمر الذي يسهل مهمة الاحتلال في كسر عوامل المقاومة لدى النفس ، ويدفع بعوامل الخنوع والتسليم لتحل محلها .

      ووفقاً للمعطيات السابقة فقد تبين أن هناك علاقة بين المتغيرات الإجتماعية والاقتصادية والتعليمية والنفسية وبين الانحرافات السلوكية والجريمة ، مما حدى بالباحث إلى جعل هذه المتغيرات هي نفسها متغيرات الدراسة الحالية

” بيئة الدراسة “

مدخل تمهيدي:

    إن دراسة أي ظاهرةٍ كانت، داخل أي مجتمعٍ كان، لا بد قبل الولوج إليها من التعرف على بيئتها الواقعية، وذلك من خلال الرجوع إلى السياق الاجتماعي الذي تعمل فيه. حيث تحصل ذات الفرد على أصولها، عبر إدراك العلاقات بالآخرين، وتصان ببلوغ أنواع معينة معهم. مما يستدعي القيام بإطلالة سريعة على هذا الواقع – الديمغرافي، والاجتماعي، والتعليمي، والاقتصادي، والنفسي، والسياسي- الذي كان سائداً في المناطق المحتلة. بأعتبار أن الوقوف على أرضية هذا الواقع، يؤدي إلى فهم العوامل والمتغيرات التي تؤثر فيه، وبالتالي فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية الموجودة فيه. خاصة وأن هذا الواقع المعاش في الأراضي المحتلة في جميع جوانبه، كان يشكل بمجملة، جملة عوامل قهر وضغط وإحباط، على جميع فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني. وذلك من خلال الاحتكاك اليومي والمباشر مع المحتل.

وكذلك فإن معرفة المناخ الاجتماعي والسكاني والاقتصادي والثقافي للمجتمع، يخدمنا في معرفة الشخصية الفلسطينية. فالسياق والمناخ الاجتماعي والسكاني تعبير عن المجتمع، من حيث هو بنيان اجتماعي اقتصادي، ومن حيث هو انعكاس لهذا البنيان على الحياة النفسية بأسرها، ومن حيث تشكيل هذا السياق الاجتماعي الاقتصادي، لـشخصـية الأفراد في هـذا المجتـمـع. (أبو نجيلة،1996 :13)

الوضع الديمغرافي:

 تعرض المجتمع الفلسطيني إلى أخطر عملية تدمير ديمغرافي شهدها العصر الحديث، من خلال عمليات التهجير القسري التي مارسها الاحتلال الصهيوني ضد هذا الشعب، وعمليات الإحلال التعسفية عبر استجلاب جماعات وافدة من اليهود، لتحل بدلاً منه على أرضة وفي وطنه. مما أدي لإحداث تغيير كبير وواسع على التركيبة السكانية في المنطقة برمتها.

وأكثر هذه التغيرات الديمغرافيه، حدث في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث نتج عن حرب عام 1948 تهجير آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، كما نتج بعد حرب عام 1967 نزوح آلاف الفلسطينيين أيضاً من قراهم ومدنهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث تمكنت في عام 1948 من طرد اكثر من ثلثي السكان الفلسطينيين عن أرضهم، وحولت بذلك الأغلبية العربية في فلسطين، إلى اقليه بالنسبة لليهود. ونفس السياسة تمت عام 1967، حيث وصل عدد الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم من عام 1967 حتى العام 1986 إلى ثمانية واربعين آلف فلسطيني من الضفة الغربية، وحوالي مائة وعشرين الف من قطاع غزة. (العيلة،1998 :57)

وأثر ذلك شهد التعداد السكاني في قطاع غزة على سبيل المثال، انخفاضاً حاداً بسبب عدد النازحين إلى الخارج في أعقاب هذه الحرب، وحتى نهاية عام 1985، وهذا يعني إن قطاع غزة قد خسر خلال تلك الفترة ما يقارب 18,5% من سكانه. ثم ما لبثت أن هبطت معدلات الهجرة بعد اتخاذ الحكومات العربية عدداً من الإجراءات للحد منها. (المركز الفلسطيني، 1999 :21)

ثم بدأ يتبلور ويستقر المظهر السكاني ” الديمغرافي” الرئيس لقطاع غزة – المعزول عملياً عن باقي الأراضي المحتلة – بطبيعة العدد الكبير من السكان الموجودين في مساحة صغيرة من الأرض – مساحة غزة اقل من 6% من مجموع مساحة الأرض المحتلة، ولكنها تحتوي على 37% من سكان هذه الأرض – ولكنه في نفس الوقت يمتاز بأنه مجتمع فتي، حيث تبلغ نسبة الذين تقل أعمارهم عن 15 سنه 45.5% ، ونسبة الإعالة تساوي 99.6% ، ويعيش 50% من السكان الفلسطينيين في أسر تتكون من 8 أعضاء، ويعيش ما نسبته 91% من الأسر في وحدات سكنية مزدحمة – أي اكثر من شخص واحد لكل غرفة صغيرة – ويعيش أكثر من نصف سكان غزة حول مدينة غزة الكبرى في الجزء الشمالي من القطاع، وهذه المنطقة تحتوي على اكثر من 5000 نسمة في الكيلو متر المربع الواحد، أي أعلى كثافة سكانية في الأراضي المحتلة كلها، وكذلك أعلى نسبة في العالم.

وبرغم ذلك لم تكتف إسرائيل بهذا الوضع المتردي الناجم عن الهجرة والاحتلال، وإنما تبنت سياسة الاستيطان، بزرع المستوطنين اليهود في المناطق، لتحقيق هدفها المنشود ألا وهو حدوث خلل ديمغرافي لصالح الإسرائيليين من خلال حرمان المناطق الفلسطينية من كفاءاتها التي من الممكن أن تساهم في تطويرها، ولهذا لم تقتصر الممارسات الإسرائيلية على طرد السكان، بل أخذت منحنى جديداً يتمثل في مصادرة الأراضي، حيث وصل حتى نهاية عام 1986 مجموع ما قد صادرته إسرائيل اكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية – وضعت 26% منها تحت تصرف المستعمرات الصهيونية – و40% من مساحة قطاع غزة. انخفضت هذه النسبة من مصادرة الأراضي، خلال فترة الانتفاضة المباركة عام1987م. (شحادة،1990 :29)

وبالإضافة إلى سياسة الاستيلاء هذه على الأراضي وتفريغها من سكانها، فقد اتخذت إسرائيل عدة تدابير أخرى على امتداد عام 1967 وحتى عام 1993، اتبعت فيها سياسات اقتصادية واجتماعية، كان الهدف منها تضييق الخناق على المواطنين ودفعهم إلى النزوح والهجرة خارج المناطق الفلسطينية. ومنها وضع قيود صارمة على حرية التنقل، وفرض مدة زمنية للإقامة في الخارج أقصاها ثلاث سنوات – من يتجاوزها يفقد حقه في المواطنة – كما قامت بتشويه المجتمع الفلسطيني وتدميره وعزله محيطة العربي – مصر والأردن – تمهيداً لدمجه ضمن المجتمع الإسرائيلي. كما قامت بتغيير البنية الأساسية للمجتمع السكاني، من خلال هدم المنازل وشق الطرق الواسعة داخل مخيمات اللاجئين، واقامة مشاريع الإسكان التي تهدف إلى إعادة توطين سكان المخيمات في المناطق التي أعدت خصيصاُ خارج مخيماتهم. وقدمت من اجل ذلك  قروضاً عينية لتمكين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة والقطاع من تغطية نفقات البناء هذه، وهدفت من وراء ذلك إلى إزالة كل المسببات الاجتماعية والاقتصادية للمقاومة، ولإحباط الفلسطينيين كي لا يوجد لهم متنفساً عبر مقاومة الاحتلال، وتامين مناخ أفضل لترويض الإدراك الوطني والسياسي للاجئين الفلسطينيين. (شحادة،1990 :48)

الوضع الاجتماعي:

تكمن أهمية الوضع الاجتماعي، في امتداده على مساحة واسعة من حياة الإنسان تبدأ بالأسرة وأساليب التنشئة المعتمدة عليهما، وتمتد عبر محيط الأقران، والمدرسة، وزملاء المهنة، والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه الفرد بشكل عام. وخلال عملية التنشئة هذه، يقوم الفرد بتحديد معالم ذاته، ورسم مكونات هويته.

ولما كانت مرحلة التنشئة الاجتماعية للطفل الفلسطيني في ظل الاحتلال لا تعتبر، بكل المقاييس مرحلة سوية بالنظر للظروف التي فرضت ليس على الطفل الفلسطيني فحسب، بل على المجتمع بأكمله. فان آثار هذه المرحلة تبقى منقولة مع الطفل في كل مرحلة من مراحل حياتة.

وقد أشار (تيسير أبو مراد) في دراسة حول حماية تنشئة الطفل الفلسطيني، إلى أن الأطفال قد عاشوا خلال مرحلة التنشئة في ظل حراب المحتل الإسرائيلي، ظروفاً قاسية وصعبة للغاية، وتجارب صدمية، أدت إلى وجود كثير من الظواهر النفسية السلبية، والتي رافقتهم خلال المراحل العمرية التي عاشوها، وخاصة مرحلة المراهقة. (Abu Mourad,2002:29)

حيث يتوقع أن تؤثر تلك المرحلة سلباُ في اكتساب المراهق هوية واضحة. وإذا لم تسفر محاولات المراهق بتحديد هوية له بشكل ناجح، واستمر عند هذه المرحلة من التشتت والانتشار، فانه لا يستطيع عندئذ أن يحتمل القلق والتوتر الناشئين عن مثل هذه الحالة. وقد يلجأ للتخفيف منها إلى أسلوب أو أخر من الأساليب اللاتوافقية. (اسماعيل،ب-ت: 165)

والتي قد تكون من أحد هذه العمليات اللاتوافقية التعامل مع الاحتلال. لأن الواقع الاجتماعي بكل إفرازاته في ظل سني الاحتلال الطويلة يشكل الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والإفرازات والاختراقات للفساد الاجتماعي، مثل الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب، حتى وإن لم تكن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة، فهي تخدم الاحتلال وترشده وتساعده، في أحكام قبضته على جوانب هامة من جوانب الصمود. (فتح، ب. ت :63)

وللتعرف على التركيبة السكانية للمجتمع الفلسطيني، فإنه كان قبل الهجرة ينقسم لثلاث أقسام:

1) المجتمع الحضري أو سكان المدن: ويتشكل من السكان القاطنين في مدن تمتاز بمراكز نشاط تجاري ومصرفي وأعمال مناسبة، وتهتم بالتعليم، الذي اعتبر من الدعائم الأساسية للعائلات، وكانت الغالبية العظمى من السكان الذين يمتازون بكثرة أملاكهم للأراضي، ومن كبار التجار.

2) المجتمع الريفي وسكان القرى: ويتسم بالنشاط الزراعي، ويشكل الفلاحون اكثر من 70% من إجمالي السكان. وبعد الهجرة أصبحوا لاجئين في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحولوا لفلاحين بالسخرة. وبعد هزيمة عام 1967، اتجهوا أغلبهم للعمل داخل اسرائيل.

3) المجتمع البدوي: ينقسم الى قبائل، تضم عدد من العشائر التي تعتبر وحدة سياسية مستقرة، والعشيرة تضم عدد من الحمائل، والحمولة تضم عدداً من العائلات. وعلى رأس كل قبيلة شيخ، يتمتع بسلطات واسعة على افرادها، ولكل قبيلة قطعة ارض تزرعها. (العيلة،1998 :45-54)

وومن نتائج حرب  1948 أنها قد ابرزت نوع جديد من التركيبة السكانية، ألا وهي اللاجئين، أولئك الذين تركوا مواطنهم الأصلية وهاجروا إما إلى قطاع غزة أوالضفة الغربية أو إحدى دول الجوار العربية، وسكنوا في معسكرات، وشكلوا بذلك الشريحة الأولى من التركيبة السكانية في المجتمع الفلسطيني. في حين شكل المواطنون الذين لم يهاجروا من الضفة والقطاع الشريحة الأخرى للمجتمع. وقد تأثرت كل شريحة بموقعها الجغرافي الذي وضع بصماته على تكوينها الاجتماعي. وقد تأثر تركيب الأسرة في القطاع بذلك أكثر من غيرة، حيث وصل حجم الأسرة إلى ما يقرب من 9 أفراد في الأسرة الواحدة. أي أن لأجيء المخيمات بالنسبة إلى الأراضي المحتلة، كان لديهم أعلىنسبه لعدد الأفراد في الأسرة الواحدة من بين جميع الفئات الأخرى.

ولذلك فقد أصبحت التركيبة الاجتماعية في الأراضي المحتلة بعد الهجرة، أربع طبقات هي: الطبقة الغنية: وتشكل 2.73%، وهم كبار الملاك الزراعيين، وكبار التجار، وأصحاب المصانع. الطبقة الوسطى: وتشكل ما نسبته 26.63 %، وتتكون من المهندسين والأطباء والأكاديميين ومعلمي المدارس والإداريين، ومالكي المصانع الصغيرة والحرفيين.

طبقة المزارعين: الذين إما يملكون مزارع صغيرة، أو يتأجرون أرض لزراعتها، أو يعملون في قطاع الزراعة. وهؤلاء المزارعين من فئة الدخل المنخفض.

طبقة العمال: وتشكل غالبية الشعب، ونشأت بسبب سياسة الاحتلال – المهاجرين – ومعظمها كانت أيد عاملة مأجورة. (أبو شكر،1992 :120)

إن الاحتلال الإسرائيلي قد ترك بصماته الواضحة على جميع الأوضاع الاجتماعية في قطاع غزة والضفة الغربية – بغض النظر عن الجوانب السلبية للاحتلال – حيث كان له الأثر الواضح في البنية الطبقية الاجتماعية، من حيث الإضعاف النسبي لجميع الطبقات التي كانت قائمة قبل الاحتلال، كما ساهم في تصعيد الصراع مع الاحتلال، حيث اتجه الجميع نحو التحرر واصبح مطلباً لجميع طبقات المجتمع، ووضعت هذه التحالفات الطبقات في خندق واحد، كما ساهم في تبلور وعي وطني سياسي لدى طبقات مختلفة من أفراد المجتمع.

الوضع السياسي: 

بعد حرب عام 1948، وقيام دولة إسرائيل، في فلسطين المحتلة، بعد طرد أهلها الأصليين، فرض واقع جديد على المنطقة العربية. حيث تطورت العلاقة بين هذا الكيان الغاصب من جهه، وبين الدول العربية المجاورة من جهه أخرى – دول الطوق – عبر ثلاث أطوار أو مراحل هي:

المرحلة الأول: مرحلة الهزيمة: وهي التي تلت حرب الأيام الستة، والتي خيم فيها التراجع العربي، وتمثلت بحالة الجمود العسكري والسياسي حيال إسرائيل، ومحاولة لعق الجراح.

والمرحلة الثانية: مرحلة إعادة التوازن: الذي بدأ بحرب أكتوبر، وأعاد بعض الثقة للنفسية العربية المنكسرة، والذي انتهى بخلق قاعدة تطليق العمل العسكري ضد إسرائيل.

وأما المرحلة الثالثة: مرحلة السلام: التي بدأت بعقد اتفاق كامب ديفيد الذي غير مدار الصراع، وأدخل الحل السلمي لحلبة الصراع العربي الإسرائيلي كخيار استراتيجي للعرب.

وعلى مستوى العلاقة بين الفلسطينيين، والكيان الإسرائيلي، فتمثلت العلاقة عبر أربع مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة الكفاح المسلح: والتي انطلقت بعيد الاحتلال مباشرة، والتي لم تدخر إسرائيل جهداً في تصفيتها، حيث استخدمت في ذلك وسائل انتهكت بها القانون الدولي. فدمرت منازل السياسيين البارزين، واعتقلتهم ونفت بعضاً منهم، وفرضت الإقامة الجبرية على آخرين، ومنعت التجوال عن أغلب مدنهم. ورغم ذلك تعاطف أغلب الناس مع المقاومة، ولكنهم لم ينخرطوا فيها بالفعل، ولذلك ظلت المقاومة للاحتلال انتقائية، مما سهل عملية تجنيد بعض العملاء في الكشف عن رجال المقاومة ومتابعتهم، والنجاح في انحسارها. ولكن بمرور الزمن أصبحت المجموعات العاملة بعد عام 1967 ضد الاحتلال، تفرض واقعاً جديداً، والتي كانت في الغالب تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. بالإضافة إلى إنشاء منظمات سياسية جديدة، وكذلك انضمام النقابات المهنية، واتحادات الطلاب، والمنظمات النسائية، والشخصيات المستقلة، والمثقفين، والتجار والملاك، والمزارعين، وقادة المؤسسات الدينية والإسلامية، التي أصبحت تزداد شيئاً فشيء.

أما المرحلة الثانية: الانتفاضة الأولى: حيث انخرط السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني في المقاومة، التي شكلت تحدياً حضاريا جديا للاحتلال، والتي تم إعادة بعض المقاومة المسلحة فيها، مع تكثيف العمل السياسي. وخلال الأيام الأولى من بدؤها شكلت قيادة مشتركة عرفت باسم القيادة الوطنية الموحدة للإنتفاضة، وكانت توزع التعليمات عبر مناشير يتم توزيعها سراً، وفي مضمونها كانت توجه الشعب متى يتظاهرون ومتى يخرقون منع التجوال ومتى يذهبون إلى المدارس …إلخ. وبذلك اصبح الفلسطينيون في الأراضي المحتلة يتبنون سياسة التوجيه الذاتي، وفقاً لتعليمات القيادة الموحدة، حيث تدير الجان الشعبية المدن والقرى ومخيمات اللاجئين، كما جرى إنشاء عيادات مؤقتة في المخيمات والأحياء والقرى، وحفرت الآبار للمياه. كما وأن المشاركة الجماهيرية في العمل السياسي بدت واضحة في صفوف الطلبة الذين كانوا في طليعة الانتفاضة وأصبحوا الهدف المفضل لإجراءات القمع الإسرائيلية. والتي في المقابل نشطت أذرعتها الأمنية بالمساومة والإسقاط على قطاع لا بأس به من أفراد المجتمع، مما أدى لمزيد من العنف من قبل المقاومة لكبح هذه الظاهرة ومحاولة تطويقها وإنهائها بالقوة.

ولا ننسى دور المرأة الفلسطينية في العمل السياسي والتي تشكل حجر الزاوية في المجتمع الفلسطيني، حيث انخرطت في الجمعيات الخيرية النسائية وبعضهن انخرطن في صفوف المقاومة، وأغلبهن فضلن تشكيل منظمات خيرية، والتي فيها الإغاثة الطبية، والتنمية الزراعية، والدفاع عن المعتقلين، في المدن والقرى ومخيمات اللاجئتين. وقمن كذلك بحملات توعية لدى النساء، وأظهرن دور النساء من خلال المظاهرات، وبذلك أصبح دورها مباشر وقيادي، وقد أظهرن كذلك شكلاً رائعاً في مسيرة الوحدة الوطنية والتنسيق والتعاون بين الشرائح السياسية.

كما أن الفلسطينيون قد أوجدوا من خلال الأحزاب السياسية وتنظيماتهم، سبلاً جديدة لمواجهة الاحتلال، إلى أن أصبح العالم كله يدرك بأن هناك شعباً فلسطينياً يعاني في ظل الاحتلال، يعرف ويقدر له طموحة وحقه في استقلاله الوطني، وتقرير المصير. (منصور، 149:1990)

ثم تطور الوضع السياسي والنضالي بشكل كبير، بعد أن تحولت بعض الجماعات الدينية إلى أحزاب دينية سياسية مقاومة مثل: حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، ذات الطابع الإسلامي. بالإضافة إلى الحركة الإسلامية الموجودة في أراضي 48. والتي أدت مجموعة من العوامل إلى بروز وامتداد نفوذها في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي أبرزها ازدياد نفوذ الاتجاهات الدينية خارج الأرض المحتلة كمصر، والأردن، ولبنان، وسوريا، وإيران، وكذلك بروز ظاهرة المد الإسلامي بشكل عام، الذي ساعد على تقوية نفوذها. (أبوعمرو،1989: 43)

المرحلة الثالثة: اتفاقية أوسلو: والتي استمرت لعدة سنوات ثم بدأت تخبو وتذبل شيئاً فشيأً. المرحلة الرابعة: انتفاضة الأقصى عام 2000: حيث انطلق الشعب في هذه الانتفاضة نحو الاستقلال والتحرير، وما تزال هذه الانتفاضة المباركة حتى الآن، أي لعام 2002م.

الوضع الثقافي والتعليمي:

نظراً لما للثقافة والعلم من أهمية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في المناطق المحتلة. فقد تعرض الفرد والمجتمع الفلسطيني في ظل الاحتلال لعملية تدمير على المستوى التعليمي والثقافي، حيث حاول الاحتلال جاهداً أن يعمل غسيل دماغ للذاكرة العربية والإسلامية لديه. مما جعله في بعض الأحيان تائها في خضم الأفكار والتصورات المتنوعة، الأمر الذي ترتب عليه تخلخل في مقومات تكوين وتشكيل نسيجه الاجتماعي. (عقل،1994: 148)

حيث أن المجتمع بوقوعه تحت تأثيرات متنوعة، ومثل غربية وإسرائيلية معادية تستهدف وحدة شخصيته وهويته، وتسعى لتغريبه ثقافيا ومجتمعيا وذاتياً، عبر زرع نسيج من الدونية والاحتقار للذات العربية. مما قد يدفع الفرد باتجاه نبذ ذاته الفلسطينية، محاولا اكتساب ذات بديله يقدمها له المرجع البديل والذي عادة ما يكون مثال من وسائل الثقافة الآخرى. والذي في حالة المجتمع – الفلسطيني مثلاً قد يكون هذا البديل إسرائيلياً – من خلال التطبيع القهري. وذلك نتيجة الاحتكاك المباشر، أو غير المباشر بحضارة أخرى أكثر قوة. حيث نأخذ من ذلك الآخر، مثل أعلى نقتدي به، نقلده. وتصبح علائقنا بهذا القاهر المتسلط ، هي التي تحدد علائقنا مع تراثنا ومع صورتنا على أنفسنا. (زيور،1982 :222)

ولذلك فمنذ اللحظة الأولى لوقوع الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال بعد عام 1967 عانى وما زال، القسط الأكبر من الاستبداد والقهر والجهل – خاصة على مجال العملية التعليمية – الأمر الذي سبب فجوة في العملية التعليمية التي كادت أن تخلو من أية أهداف قومية عربية أو دينية إسلامية. بالإضافة إلى أن مستوى التعليم، وكذلك حجم القوى العاملة في التعليم أصبح متدني جداً. لأن إسرائيل وضعت نصب عينيها في جعل لتعليم في الأراضي الفلسطينية يخلق جيلاً عربياً يقوم بخدمة إسرائيل بدون معارضة، عن طريق زرع مشاعر النقص والعداء وإضعاف الثقة بالذات، والإحباط، والخضوع، واليأس. (منصور،1990 :213)

ولهذا قامت عملياً باخضاع المؤسسات التعليمية لهيمنتها، شأنها شأن بقية المؤسسات الأخرى، وتم ربطها بسلطان الحكم العسكري من خلال إشراف ضابط ركن التعليم الإسرائيلي عليها، حيث تم إصدار بعد شهر من الاحتلال الأمر العسكري رقم 107، والذي استناداً عليه اصدر الحاكم العسكري أمراً عسكرياً في شهر ايلول 1967 تم بموجبه منع 132 كتاباً مدرسياً من اصل 150 كتاباً مقرراً من وزارة التربية والتعليم المصرية، بحجة أن هذه الكتب ممنوعة لأنها مشبعة بالكراهية لإسرائيل، وترسم صورة مشوهة للأحداث التي نتج عنها قيام دولة إسرائيل، وقامت سلطات الاحتلال بإحالة جميع الكتب المدرسية إلى لجنة إسرائيلية خاصة لدراستها وإجراء التغييرات عليها، ويمكن إجمال هذه الاتجاهات التي اتخذتها على النحو التالي:

- حذف كل ما يتعلق بالوجود الفلسطيني، واستبدال اسم فلسطين، بدولة إسرائيل.

- حذف العبارات المتعلقة بالسلام والتعاون الدوليين، على سبيل المثال تم حذف العبارات المتعلقة بضعف هيئة الأمم المتحدة وتقصيرها في حل قضية فلسطين.

- حذف كل ما ينمي لدى الإنسان الفلسطيني ارتباطه بالأرض والوطن سواء كان في كتب التاريخ والجغرافيا، أو كتب القراءة والنصوص العربية وغيرها.

- حذف العبارات المتعلقة بالمقاومة والتحرير، أو الإشادة بالنصر وعدم التفريط بالوطن.

- حف كل ما يتعلق بقرارات الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية حول حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. (العاجز،2000: 153)

ومن ضمن السياسات التي إتبعها السلطات الإسرائيلية إغلاق للمدارس، حيث الا توجد مدرسة في القطاع ولم تتعرض لعملية الإغلاق من قبل سلطات الإحتلال، ولمرات متكررة ولفترات طويلة، مما يؤدي إلى نقص في عدد أيام الدراسة، والتي تصل إلى شهر في بعض المدارس مما يؤدي إلى تأخر العام الدراسي، وتسرب كثير من الطلاب. ولم بذلك بل عملت على تخريب التعليم برمته، واتخذت سياسة الإغلاق المستمر للمدارس والجامعات. كما استخدمت المدارس ثكنات عسكرية لها. وقامت في كثير من الأحيان بمحاصرة المدارس واقتحامها أثناء تواجد الطلاب فيها. وذلك بهدف عرقلة عمل هذه المدارس. (العيلة،1998 :265)

وفي نفس الوقت لم تقدم أدني الحقوق حيال العملية التعليمية، حيث عانى قطاع التعليم من قصورات عدة من حيث الكم والنوع. مثل كثرة أعداد الطلاب في القاعة الدراسية الواحده، وكذلك عدم وجود مدربين متخصصين حاصلين على درجة علمية ” البكالوريوس” إلا بأعداد ضئيلة جداً. (منصور،1990: 129)

ولكن وبرغم كل هذه الممارسات سرعان ما استرد المجتمع الفلسطيني عافيته وأوجد من الوسائل والأساليب ما يمكنه من الصمود، بل والتحدي أيضاً لكل عمليات النزع من الجسد العربي والإسلامي. وحافظ على مسيرته التعليمية، التي أراد لها الاحتلال أن تنحصر وتتوقف. واتجه بكل عزيمة نحو تطوير الثقافة والتعليم لديه، وحقق نجاحاً باهراً بمساعده العوامل التالية:

- الرغبة المسبقة في التربية والتعليم التي ظلت بدون إشباع في نفوس الفلسطينيين.

- دخول التعليم في الوطن العربي في فترة ازدهار، مما سنح الفرصة للنهل من ذلك.

- حاجة الفلسطينيين لإعادة تجهيز أنفسهم ليتمكنوا من العيش بكرامة.

- اعتبار التعليم سلاح فعال، يساعدهم في الكفاح من اجل نيل حقوقهم الوطنية.

وعلى الجانب الآخر والأكثر خطورة، قد ساهم التعليم والثقافة بشكل كبير بمنع استقطاب صغار السن من الفلسطينيين للعمل بداخل إسرائيل، ومنع بذلك انتشار الجهل والتخلف، والحفاظ على الهوية الوطنية والتراث، وأعطي أملا للمجتمع للحياة بكرامة، والاستمرار في المضي قدماً من أجل الحصول على جميع الحقوق الوطنية والسياسية له. وأصبح الجسم الطلابي مؤطراً في الجامعات، حيث أعتبر الطلاب المناضلون أنفسهم العاملين الرئيسيين للتغيير الاجتماعي والسياسي، وأصبحت مهمتهم هي الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.

الوضع النفسي:

لقد تعرضت التجمعات الفلسطينية لخبرات قاسية، أثرت بالسلب على طبيعة السكان، وشخصياتهم. وخاصة فئة اللاجئين التي اقتلعت من أرضها، ومرت بصدمة الحرب واللجوء والعيش في المخيمات. حيث من المتوقع لهذا التحول إن يؤدي لدى هذه الفئة -كما تبين العديد من الدراسات في مجتمعات أخري- إلى معدلات أعلى في أعراض الاضطراب الوجداني والتوتر والانعزال والقلق والاكتئاب والمحاولات الانفعالية. (أبو نجيلة،1996: 16)

إن عامل الحرب والهجرة والتشرد قد أثرت على شخصية الشعب الفلسطيني الذي رزح تحت الاحتلال والتشرد والهجرة منذ عام 1948، ثم تواصل هذا الأمر باحتلال الجزء المتبقي من فلسطين عام 1948. حيث المواقف والظروف التي تعرض لها، بسبب هذا الاحتلال قد أثرت في جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها. والتي تنعكس بالتالي على العامل النفسي، الذي يمثل مجموعة المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته. باعتبار أن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات، سواء كان العمل الذي يقوم به خيراً أو شراً.

كما أن الاحتلال قد شكل معيقاً لقضاء الحاجات على المستوى المادي والنفسي، وخاصة حاجة الأمن وحاجة تحقيق الذات. والتي أدى عدم قضائها إلى بروز حالات من التوتر وعدم الاتزان والإحباط لديه، مما جعله يحاول القيام بأعمال تعيد إلى نفسه وجسده اتزانهما الذي أخلت به الحاجة غير المقضية. ويعتبر الإحباط الذي ينمو في ظل ظروف القهر والاحتلال، من أخطر أنواع الإحباط بحيث يفقد المواطن ثقته بالواقع، فيتمرد علية، أو يضطر للتعايش مع هذا الواقع الفاسد ويتوحد معه، أو يحمل في نفسه له التبرم والانزواء. (شحادة،1992: 78)

وقد كان أخطر أشكال الإحباط الذي أدي إلى تزوير مصدر الإحباط، فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي له، يقوم بالتوحد معه. حيث تحدث عملية ” التوحد بالمعتدى ” للتغلب على الخوف من المعتدى، ولإعادة التماسك للشخصية، والتغلب على القلق والإحباط الذي هو الأصل في عملية التوحد مع الاعتداء ضد الآخرين المقربين. (زيور،1982 :123)

وقد يزيد الأمر خطورة عندما تنتقل الإحباطات من حالة الفرد، إلى مجموع أفراد المجتمع ليشكل بالتالي ظاهرة اجتماعية نفسية معقدة يلفها الإحباط واليأس، من عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الأساسية وبين الواقع المعاش، حيث تنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الإحباطات، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي والإستسلام له بدلاً من المقاومة والتحدي له. وهذه الحالة من الإحباط الجماعي هي أخطر ما تصاب به المجتمعات المحتلة. ولكن الواقع المعاش يثبت أن الشعب الفلسطيني برمته أقوى من كل المحاولات التي تسعى لإحباطه وتركيعه واستسلامه أمام العدو الإسرائيلي.

وذلك برغم أن الصحة النفسية للإنسان تتحدد من خلال واقعة الاجتماعي الذي يعيش فيه ومن خلال نمط العلاقات والمواقف والأحداث التي يعايشها الإنسان في هذا الواقع، فطالما توافر الأمن والأمان وعناصر الإشباع للإنسان في هذا الواقع، فإن لذلك انعكاسه الإيجابي على صحته النفسية. لكن إذا كان واقع الشخص مليء بالمخاوف أو مصادر القلق والتوتر، فإن لهذا انعكاسه أيضاً على الصحة النفسية. وقد واجهت العديد من العائلات في الأراضي المحتلة مواقف صعبة ومتعددة من مداهمات ليلية بحجة الاعتقالات أو التفتيش وتعرض العديد من أعضاء الأسرة للإهانة وأحياناً للضرب على أيدي الجنود الإسرائيليين أثناء المداهمات. (أبوهين،1992: 2)

ومن خلال هذا الواقع الذي حولته إسرائيل، لواقع ضاغط على حياة الفلسطينيين في كل مناحي الحياة. يمكن للمرء أن يتصور الأسباب والعوامل التي يمكن أن يتحول فيها المواطن إلى عميل للاحتلال، خصوصاً إذا كان الاحتلال من النوع الإحلالي الاستيطاني كالاحتلال الصهيوني. حيث يمسك بجميع مناحي حياة الشعب الواقع تحت الاحتلال، ولا يتورع عن القيام بأي ممارسة لتحقيق أهدافه. لأن الصهاينة قد قدموا لأرض فلسطين لا ليطوعوا سياستها وفق سياستهم، أو ليسخِّروا اقتصادها في خدمة اقتصادهم، ولا ليسيطروا على منطقة جغرافية مهمة لمواجهة قوى استعمارية أخرى، كما حدث مع كل أنواع الاستعمار فحسب. إنما جاءوا ليقيموا دولتهم على أرض فلسطين، ويقتلعوا في سبيل ذلك شعب من أرضه، ويحلوا شعباً آخر محلة. لذلك كانت سيطرتهم كاملة على كل مناحي الحياة، وبالتالي أصبحت مقاليد حياة الناس بأيديهم. لذلك استخدموا كل ما في وسعهم من أجل خلق عوامل وأسباب تقود البعض من أبناء الوطن إلى التخلي والانسلاخ عن ذواتهم وعن مجتمعهم، والقيام بأعمال تؤدي إلى تثبيت هذا الكيان، بتقديم المعلومات التجسسية لمصلحته. مما أدى إلى خلق شرخ في البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني.

الوضع الاقتصادي والطبقات:

إن الصهاينة منذ اللحظة الأولى للاحتلال فرضوا سيطرتهم العسكرية والسياسية الاقتصادية، واستطاعوا بالمساعدات الغربية أن يبنوا اقتصاداً رأسماليًّا قويًّا، وربطوا به الاقتصاد الفلسطيني.

إن هذا الإلحاق التعسفي لاقتصاد المناطق المحتلة عام 1967 باقتصاد إسرائيل – في الوقت الذي قطعت فيه كل علاقة اقتصادية تقليدية بالدول العربية المجاورة – قد جر خلفه آلية مدمرة على الاقتصاد الفلسطيني،  حيث الواقع الذي كان سائداً في المناطق المحتلة يشهد بوضوح على التدمير المبرمج لجميع أوجه الحياة فيها، بأعتبار أن التنمية الاقتصادية الفعلية لم تكن مستحبة للاحتلال، لأن الاقتصاد المحلي القوي سيؤدي إلى منافسة الصناعات الإسرائيلية، أما تقوية البنية التحتية فسوف يؤدي إلى تهديد السيطرة الإسرائيلية. (أرنسون،1990: 324)

ولذلك فقد تبنى (موشي ديان) فكرة إنشاء وحدة اقتصادية إسرائيلية الوجهه بين الأراضي المحتلة وإسرائيل، عام 1968 عندما قال في الكنيست ” لدينا فرصة للدمج الاقتصادي ولربط شبكة الكهرباء والمياه، وإنشاء نظام موحد للنقل المشترك، ومعالجة الزراعة في المنطقة “. وتوقع أن يؤدي رفع المستوى المعيشي الظاهري للسكان، التعويض عن فقدان الحريات السياسية الذي كان الفلسطينيون يعانونه في ظل الحكم الإسرائيلي، وتمكين الاقتصاد الإسرائيلي من استغلال مزايا الخزان الضخم من اليد العاملة الرخيصة. والتوصل إلى إرساء الأساس الاقتصادي لمشاركة الفلسطينيين في إبقاء الوضع على حاله الراهن.(مقبول، 1987: 41)

وهذه السياسة التي نادى بها ديان قد أعتمدت على ميدانين اقتصاديين يخدم الثاني فيهما الأول بالضرورة، فالأول: اقتصاد إسرائيل المدعوم بقوة، والمحترس عليه بنطاق عريض. والثاني: الاقتصاد العربي ذو البنيان المتراص، من حيث القوة العاملة. (والتز، وشيشا، 1993: 224)

ولهذا ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران 1967، وهي تستعمل الموضوع الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية. حيث دأبت باستمرار على تحقيق هدفين أساسيين: الأول: خلق ظروف اقتصادية في الأراضي المحتلة، تساعد في إضعاف حوافز مقاومة الاحتلال. والآخر: توطيد أوضاع اقتصادية تجعل انسلاخ الضفة والقطاع عن الاقتصاد الإسرائيلي، وتكوين اقتصاد مستقل أمراً مستحيلاً. (النقيب،1997: 19)

ووفق هذه السياسة وجد الفلسطينيون أنفسهم بعد دخول الاحتلال بدون مصدر رزق، حيث اعتمدت الغالبية العظمى منهم على الزراعة، لكن بعد مصادرة أراضيهم لبناء المستوطنات الإسرائيلية عليها، اضطروا مكرهين إلى التحول إلى أيدي عاملة ذات أجرٍ زهيد تسهر لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي. وقد أصبح اكثر من (75%) من الأيدي العاملة يعملون في إسرائيل والغالبية العظمى منهم، يعملون في إسرائيل وبشكل مضطرد.

واستكمالاً لهذه السياسة فرضت إسرائيل قيود مشددة على التنمية الاقتصادية في المناطق وخاصة في مجالي الزراعة والصناعة، وحاولت تقليص الإنتاج المحلي الفلسطيني، وإلحاق اكبر قدر من الأضرار به، عن طريق فرض عوائق في وجه التنمية الزراعية والصناعية، الأمر الذي جعل الآلاف من العمال الذين يعملون في مجال الزراعة، الاتجاه نحو العمل في إسرائيل وتركهم لفلاحة أراضيهم. وذلك بسبب مضاعفت نفقات الإنتاج الزراعي للفلسطينيين لكي لا تتمكن منتوجاتهم من الصمود أمام المنتجات الإسرائيلية، بسبب ارتفاع الأجور العاملة في إسرائيل، وفرض قيود مشددة على المنتجات الفلسطينية. حيث أن السلع والمنتجات تحتاج إلى تصريح مسبق للدخول إلى إسرائيل خاصة إذا كانت تنافس المنتجات الإسرائيلية، في حين تدخل الأراضي الفلسطينية المحتلة المنتجات الإسرائيلية بكل حرية ومدعمة بامتيازات لا تنافس من قبل السلع الفلسطينيه. وكذلك أيضاً قد عانت الزراعة الفلسطينية من مشكلات في التمويل، لعدم وجود مؤسسات مالية تقدم القروض والمساعدات لشراء المعدات الزراعية والأسمدة والبذور، أو لأجل تسويقها. هذه القيود الإسرائيلية المفروضة في وجه النشاطات الفلسطينية. تفسر الرقابة المباشرة التي تمارسها، لخشيتها من تنامي أشكال التنظيم القادرة على حل مشاكل الزراعة.

أما العوائق في وجه تنمية القطاع الصناعي، فهذا لم يكن بأفضل حالاً من القطاع الزراعي، فكان كل مشروع صناعي قبل البدء به لا بد أن يخضع لترخيص مسبق، مع العلم بأنه من الصعب الحصول على ترخيص للمشاريع الكبرى أو متوسطة الحجم. وقد كانت الصناعة مرهونة بإسرائيل سواء أكانت تموينياً أو تجهيز الموارد الأولية، علماً بأن الأراضي الفلسطينية فقيرة بالموارد الطبيعية اللازمة للصناعة. وفي الوقت ذاته منعت استيراد بعض المنتوجات كالمواد الكيماوية أو الأسمدة، وأخضعت سلعاً أخري لإجراءات رقابية بالغة الدقة. كما كانت تشكل صعوبة تسويق المنتجات أحد أهم العقبات التي تقف في وجه التوسع الصناعي الفلسطيني، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة التي تشكلها المنتجات الإسرائيلية المنتشرة في السوق الفلسطينية بحرية تامة، ومما زاد الأمر صعوبة فإن الصناعة في الأراضي الفلسطينية غير محمية على صعيدي التعريفة والرسوم الجمركية والحوافز المالية، بالإضافة إلى ضآلة رؤوس الأموال الضرورية لتمويل مشاريع جديدة للتوسع في الصناعات القائمة. (منصور،1990،102-110)

ولم تكتف بذلك بل عمدت على اتخاذ إجراءات وقيود أخرى في وجه الاقتصاد الفلسطيني منها:

1) القيود على تنقلات الأهالي والأيدي العاملة: كفرض نظام منع التجوال، وتقييد حركة العمال ما بين الضفة وغزة، أو ما بينهما وبين إسرائيل، أو ما بين المناطق الفلسطينية والعالم الخارجي. بالإضافة لوضع عراقيل أمام حركة الأيدي العاملة في إسرائيل، بحجة التصاريح.

2) القيود المفروضة على التجارة الخارجية: وتمثل ذلك في وضع المعابر الدولية تحت السيطرة الإسرائيلية، مما جعلها تتحكم في عمليات الصادرات والواردات من وإلى المناطق.

3) فرض رسوم جمركية: على جميع الصادرات والواردات الفلسطينية. وعدم السماح باستصدار تصاريح للتجار الفلسطينيين إلا إذا اثبتوا انهم سددوا ضريبة الدخل والقيمة المضافة.

4) تقييد حركة رأس المال: بإخضاع جميع التحويلات المالية نحو الأراضي الفلسطينية لرقابة صارمة، ومراقبة التحويلات المالية عبر المصارف، وحددت التحويلات بألف ومائتي دولار.

5) القيود على نشاطات المؤسسات الفلسطينية: حيث قامت بإغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية، ووقف نشاطاتها، وتفكيك اللجان التابعة لها، إضافة إلى توقيف أعضاء اللجان فيها وطرد قادتهم.

6) القيود الأخرى: كتدمير المنازل، والاعتقالات والاغتيالات، وفرض غرامات على التجار، وأسلوب العقوبات الجماعية المتنوعه. (منصور،1990: 117،126)

وبهذا جعلت من الاقتصاد الفلسطيني مجرد اقتصادِ تابعِ، أدت هذه التبعية الاقتصادية إلى اعتماد الكثير من العائلات الفلسطينية في دخلها على التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الصهيونية أو العمل فيها، وأصبح من غير الممكن في ظل ما هو قائم أن تجد الأسر فرص دخل بديلة، وبالتالي أصبح من المستحيل أن يطلب من هذه العائلات التخلي عن مصدر الدخل والمساهمة في المجهود الوطني. (قاسم، 1993: 89 )

يمكن تقسيم المجتمع الفلسطيني اقتصادياً لثلاث طبقات:

1- الطبقة الغنية: أ) كبار الملاك: من السكان الأصليين، من العائلات التي تمتلك أراضي كبيرة

ب) كبار التجار: وهي الشريحة الأكثر نفوذاً، وتضم التجار البارزين من المواطنين واللاجئين، الذين قاموا باستيراد بضائع استهلاكية من وإلى فلسطين، عبر الأردن، أو مصر، أوإسرائيل.

2- الطبقة الوسطى: وتشمل الشريحة المتوسطة للملاك والتجار والأكاديميين والمهندسين والأطباء والإداريين والعاملين في الدوائر الصحية…الخ. ودورها بارز بتسيير شؤون المجتمع.

3- الطبقة الفقيرة: وتنقسم إلى:1) طبقة العمال: وقد انحدر أكثرهم من أصول فلاحيه، وغالبيتهم قد كانوا من أوساط اللاجئين الذين أتوا من المدن وتمتعوا بالخبرات الفنية والتقنية، ينقسموا إلى:

- عمال مهرة: وتوفرت فيهم خبرات فنية محدودة في مجال الصناعة والزراعة والخدمات.

- عمال غير مهرة: وهم الاغلبية من اللاجئين ومن السكان الأصليين الذين كانوا من الفلاحين.

- عمال زراعيين: وهي مجموعة صغيرة الحجم من ناحية وموسمية من ناحية اخرى.

2) طبقة الفلاحين: تمركز الأراضي في يد كبار الملاك، أدى لبروز مزارعين مأجورين، وهم اربعة شرائح. الفلاحين المتوسطين، والفلاحين الصغار، والمتأجرين او الضمان، والمحصلين. (منصور،1990 : 183)

وقد وصل حجم العمالة الفلسطينية في الكيان الصهيوني قبل قدوم السلطة إلى 40% من إجمالي قوة العمل الفلسطينية، ووصل عدد العمال الفلسطينيين في الكيان الصهيوني إلى مائة وعشرين ألف عامل، وذلك بسبب ارتفاع الأجور في الكيان الصهيوني مقارنة بالأجور في الضفة وغزة التي ارتفعت فيها تكاليف المعيشة بشكل خيالي، بعد أن أصبحت سوقاً للمنتجات الصهيونية في ظل العوائق والعقبات التي وضعها الصهاينة في وجه الصناعة والزراعة الفلسطينية. حيث كان للحالة الاقتصادية الصعبة، آثاراً اجتماعية ساعد على زيادة نوع معين من الجرائم، كما أنها كانت تعوق الشباب عن الزواج في سن مبكرة، مما يضطرهم إلى العمل على تصريف غرائزهم بطرق غير شرعية، فتكثر بذلك جرائم الانحراف الخلقي، وجرائم هتك الأعراض والدعارة وكذلك ربما يقود إلى الانخراط في جريمة التعامل مع الاحتلال. (الديب،1997: 362)

حيث تبين بأن لموقع العمل دور كبير في عمليات الانحراف، لأن وضع العمال  الفلسطينيين يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيرة من المجتمعات، حيث إن انحرافهم تجاه جريمة التعامل مثلا، ليس رهناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط، بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره عليهم وعلى نفسيتهم على مدار العام بشكل مستمر، حيث المساومة والابتزاز لهم إما بالتعامل أو بقطع أرزاقهم. حيث كانت تقوم، باستدعاء العمال أثناء توجههم لتجديد البطاقات الممغنطة أو تصريح العمل، أو أثناء توجههم للعمل أو عودتهم منه. وتتم المساومة إما التعامل، أو سحب التصاريح التي بحوزتهم وحرمانهم من العمل في إسرائيل.

كما كان يتم أحياناً إلقاء القبض على عدد من العمال واحتجازهم في زنازين خاصة، والتحقيق معهم للحصول على معلومات حول نشاط بعض القوى الفلسطينية في مناطق سكناهم وحول المنتمين إليها، ويحاول ضباط المخابرات ابتزازهم بهدف تجنيدهم كمتعاونين مع المخابرات الإسرائيلية. وتشكل هذه الممارسات أسلوب ابتزاز وقح واستغلال بشع لحاجة العامل الفلسطيني للعمل في سبيل تأمين لقمة العيش لأسرته وأطفاله. (المركز الفلسطيني،1999 : 32)

إن سياسة الاحتلال العسكري الإسرائيلي هذه قد أدت أحياناً إلى تزايد أعداد العمال الراغبين في الهجرة إلى خارج الأراضي المحتلة، وهو بحد ذاته أحد الأهداف الاستراتيجية الذي سعت دولة الاحتلال دوماً لتحقيقه، بتهجير السكان وإجلائهم عن اراضيهم. حيث هاجر من قطاع غزة في الفترة ما بين1967–1986 حوالي97ألف مواطن معظمهم من العاملين وأصحاب التأهيل الفني.

وفي الاتجاه الآخر ارتفع عدد العاملين في إسرائيل من أبناء الضفة الغربية وقطاع بشكل ملحوظ من 20600 عامل سنة 1970 إلى 90300 عامل سنة 1984 و 94700 عامل سنة 1986، ووصل الرقم ذروته سنة 1987 حيث قدر عدد العاملين ب 10.9000 شخص. وكانت هجرة الأيدي العاملة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، قد أدت إلى تغيير جذري في التكوين القطاعي لقوة العمل الفلسطينية، المستخدمة محلياً وعلى سبيل المثال انخفض عدد العاملين في قطاع الزراعة من 59100 عامل سنة 1970 إلى 37400عامل، وانخفضت القوة العاملة في الزراعة إلى 35% من القوة المستخدمة عام 1970م. (المركز الفلسطيني،1998: 15)

من خلال استقراء هذه الأرقام تبين أن سياسة الاحتلال قد قضت بشكل كبير على جوهر الاقتصاد الفلسطيني المتمثل في الجانب الزراعي، وحولت الأيدي العاملة في المجال الزراعي داخل الأراضي المحتلة، إلى أيدي عاملة أجيرة داخل الكيان الإسرائيلي، كما أدت إلى ضعف قطاع الصناعة في الاقتصاد الفلسطيني للأراضي المحتلة، وعملت على منع تطور اقتصاد فلسطيني مستقل . (المركز الفلسطيني، 1992: 117)

  ” مفهوم التعامل والتجسس “

تمهيد:

واجه التجمع البشري عبر تاريخه الطويل ظواهر هددت أمنه واستقراره، وكان من أهمها ظاهرة التعامل مع الأعداء، بإعتبارها تشكل تحدياً وخروجاً سافراً عن قيم، وعادات، وتقاليد  المجتمع، الأمر الذي يتطلب فهماً واعياً لها، وإدراكاً سليماً لأبعادها ومتغيراتها.

حيث أن التجسس والجاسوسية يعتبر من أقدم الأنشطة الاستخبارية التي مارسها الإنسان. فهو سلاح استخدمه المتحاربون وأفادوا منه في كشف العدو والتعرف على مكامن قوته ونقاط ضعفه، لذلك كان الجاسوس  دوماً من أهم معالم الحرب ومظاهرها.

ولكن مجال التجسس في عصرنا هذا قد تطور، فأصبح من الممارسات اليومية – في السلم والحرب- التي تعتمد عليها الدول في حماية أمنها، وتطوير صناعاتها، بل وفي التعامل مع اصدقائها. والدول اليوم تتجسس على منافسيها، كما تتجسس على أعدائها فتجمع المعلومات السرية والعلنية عن مصادر القوة ومواطن الضعف لديهم، في السياسة والاقتصاد، ودرجة الوعي، والروح المعنوية، وحركة الجند، والقوة العسكرية. وكذلك تجمعات الدول وتحالفاتها، ومدى تكامل مصالحها أو تناقضها. وقد ساعد في ذلك التقدم التقني، الذي وفر أجهزة ومعدات غاية في الدقة، وصغر الحجم، ودرجة الكفاءة في التنصت، والاستشعارعن بُعد.

ولكن في اللحظة الذي كان الجاسوس يستخدم وسائل علمية حديثة في نشاطه، فإن من جملة وسائله أيضاً أموراً نفسية يحسن بنا أن نتوقف عندها بعض الوقت لنتعرف عليها. (عاقل، 1973: 231)

ولذلك لا بد من عناية علم النفس بالجاسوس والعمل على دراسته ، ودراسة مهنته، وكل ما يحيط به. وكذلك تطوير وسائل الدراسة بحيث تتلائم وعصرنا الحديث وتقدمه العلمي.

إن ظاهرة التعامل مع الاحتلال تشكل تحدياً مغلفاً بالخوف ودواعي الأمن، لأنها مفعمه بالحساسية المفرطة التي تلف طبيعتها. هذا بالاضافة إلى كونها تعتبر من أخطر الظواهر في حياة الشعوب والأمم. لأنها تتناول ظاهرة لها من العمق التاريخي ما يساوي عمر التجمعات البشرية الأولى، والتي شكلت عبره أخطر أشكال التدمير الاجتماعي للأمم المحتلة. ولهذا فإن ظاهرة التعامل تنشأ عن واقع احتلالي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً به، وبذلك تفرض وجودها على المجتمع بما يخدم مصالحة ويحقق أهدافه. مما يتطلب تتبع هذه الظاهرة ودراستها، والتعرف على أهم الدوافع والعوامل المرتبطة بها. برغم ندرة المصادر والمراجع في موضوع الأمن بشكل عام، وفي ظاهرة التعامل بشكل خاص.

لكن على الرغم من أهميتها وخطورتها، فإن معظم المفكرين والكتاب أحجموا عن تناول هذه الظاهرة،

 متذرعين بكثير من الدوافع والعلل. ولكن مهما كانت هذه الدوافع التي تقف وراء تجنب الباحثين للتصدي لهذه الظاهرة الماثلة أمامهم والتي تهدد أمنهم وأمن أولادهم وأمن المجتمع برمته، فإنهم بلا شك مقصرون في ذلك. لإن فهم عالم التجسس والجاسوسية على المستوى العام والخاص، ومعرفة ودراسة ردود الفعل النفسية لدائرة العملاء المتعاونين أمر ضروري لكل طبقات الشعب برمتها. (عبده، 1989 : 38)

ومن أجل ذلك فقد آثر المؤلف تناول هذا الموضوع، رغم إدراكه بأنه قد يعد من الموضوعات التي ندر الخوض فيها، ليس بسبب قلة المصادر فحسب، بل للحساسية البالغة أيضاً في الموضوع نفسه، لما يختزنه في ذهن المواطن العادي من ذكريات أليمة قاسية حيال هذه الظاهرة التي تجاوزها كل المحرمات الوطنية – على يد شريحة معينة من الأشخاص الذين هانت عليهم أنفسهم، فهان عليهم كل شيء، فخانوا أمتهم ووطنهم- ولِما سببته من معاناة لمن حولها من المجموع البشري، سواءُ لأهل العملاء، أو لضحاياهم، أو للمجتمع برمته.(عباس،2000: 97)

تعريف مفهوم التجسس:

التعريف اللغوي: التجسس، والجاسوسية، وجاسوس، مسميات وجد لها مرادفات في اللغة العربية والأجنبية على حد سواء. فمثلاً في اللغات الأجنبية، مرادفها بالفرنسية (إيسبيون) وبالإنجليزية (سباي) وبالإيطالية (سيبوني) وبالإسبانية (ايسييون) وبالروسية (شبيون) وبالألمانية (سبيون).

أما في اللغة العربية فتستخدم بالإضافة إلى تسمية (تجسس)، (عميل) أو (خائن) أو (عين) أو

تعريف التعامل والتجسس:

التعريف اللغوي:

قال اللحياني: تجسست فلاناً ومن فلان، بحثت عنه وتحسست، ومن الشاذ قراءة:       ” فَتَحَسَّسُوا منْ يُوسُفَ وأَخِيه “. (يوسف:87)، وتجسست الخبر وتحسسته بمعنى واحد.

وفي الحديث: لا تجسسوا، التجسس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس: صاحب سر الخير.

وقيل: التجسس بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه. وقيل: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع. وقيل: معناها واحد في تطلب معرفة الأخبار.

والجاسوس: العين، يتجسس الأخبار ثم يأتي بها. وقيل الجاسوس: الذي يتجسس الأخبار.

قال أبو عبيد: تحسست الخبر وتجسسته. وقال: التجسس بالجيم البحث عن العورة، قاله: في تفسير قوله تعالى ” ولا تجسسوا ” وفي قوله تعالى ” فَتَحسسوا”.

وقال ابن الأعرابي: تجسست الخبر وتحسسته، بمعنى واحد، وتحسست الشيء أي تخبرت خبره. (ابن منظور، 1119 :624-876)

وعن الأخفش: لا تبعد التجسس بالجيم عن التحسس بالحاء، لأن التجسس البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الأخبار والبحث عنها. وهنا قول ثانٍ في الفرق إنه بالحاء يطلبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره.

وفي المصباح المنير: جسه بيده جسا من باب قتل، واجتسه ليتعرفه، وجس الأخبار وتجسسها تتبعها، ومنه الجاسوس لأنه يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور وظاهره أن التجسس لا يختص بالتفحص عن القبائح المستورة، قال في مقاييس اللغة في معنى جس بالجيم والسين: هو تعرف الشي‏ء بمس لطيف.

والجاسوس: فاعول من هذا لأنه يتخبر ما يريده بخفاء ولطف.

وقال الجوهري في الصحاح: جسست الأخبار وتجسستها، أي تفحصت عنها، ومنه الجاسوس.

وذكر مسلم: ” أن العين هو الجاسوس”، وذكر ابن حجر” أن الجاسوس يسمى عيناً لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع بدنه صار عيناً.

وذكر شهاب الدين ” العين هو جاسوس القوم، فيطّلع على عورات المسلمين، وينهي الخبر إلى دارهم” ،ولقد ذكرت معظم كتب الفقه “الجاسوس بمعنى العين، وأن العين هو الجاسوس”. (الدغمي، 1985 : 28-30)

وقال الإمام الشوكاني: (إن الجاسوس يسمى «عيناً» لأن عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع بدنه صار «عيناً»). وربما يعود ذلك إلى أن مهام الجاسوس تعتمد كثيراً على حاسة النظر، في ذلك الوقت طبعاً.

وقال (ابن كثير) ” ولا تجسسوا ” أي على بعضكم بعضاً، والتجسس غالباً ما يطلق في الشر ومنه الجاسوس، وأما التحسس فيكون غالباً في الخير، لقوله تعالى: ” يَا بَنَيّ اِذهَبُوا فَتَحسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رّوحِ اللهِ ” ( يوسف ، 87) وقد يستعمل كل منهما في الشر. (إبن كثير،780هـ: 213)

وفي المحصلة النهائية فإن التجسس هو التتبع والتفحص لبواطن الأمور، سواء كان لنفسه أو لغيره، وسواء كان لداعي الشر أو الخير، وسواء أكانت الأمور خيرا أو شراً.

التعريف الاصطلاحي: ورد التجسس في القرآن الكريم بقوله تعالى: “يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً “. (الحجرات:12)

وفي قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: “إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً “. (العسقلاني، ب ـ ت: 448)

وقد عرّف (الفقهاء والمفسرون وأهل الحديث) التجسس المنهي عنه في الآية والحديث هو ” تتبع عورات المسلمين وغيرهم، ومحاولة الوصول إلى معرفتها لإشباع دافع نفسي أو غرض معين “. وهو وإن كان خاصاً بآحاد الناس فإنه يتناول التجسس الذي تقوم به الجماعات والهيئات أو الدول بأي صورة من الصور، ولأي سبب من الأسباب غير المشروعة، التي تستهدف كشف أسرار الأفراد والجماعات.

أما تعريف (دائرة المعارف الإسلامية) فقد جمع بين الجاسوس الذي يتتبع الأخبار بالتنصت، والعين الذي يرقب بعينه الأحداث، فكلمة “جاسوس” ترد ملازمة مع كلمة عين بمعنى الرقيب “. ومن ثم فإنه لا يمكن في جميع الأحوال أن نميز بين المصطلحين، ولا يكاد المرء يستطيع مناقشة أحداهما دون الرجوع إلى الأخر.

وقيل في التجسس بأنه: هو” البحث والتنقيب عما يتعلق بالعدو، من معلومات سرية باستخدام الوسائل السرية والفنية، ونقل تلك المعلومات بذات الوسائل، أو بواسطة العملاء والجواسيس، والاستفادة منها في إعداد الخطط”. (الدغمي، 1985: 31)

وتعرف الجاسوسية قانونياً، بأنها: ” العمل سراً وبادعاء وهمي للاستيلاء – أو محاولة الاستيلاء – على معلومات سرية بقصد إبلاغها إلى جهة معادية “.

ويعرف (القانون الدولي) الجاسوس بأنه: ” الشخص الذي يعمل في خفية، أو تحت ستار مظهر كاذب، لجمع أو محاولة جمع معلومات عن منطقة الأعمال الحربية لإحدى الدول المتحاربة بقصد إيصال هذه المعلومات لدولة العدو”. كما نصت على ذلك  المادة «التاسعة عشرة» من لائحة اتفاقية «لاهاي» لعام 1907. (الجزائري، 1991:ج1، 11)

وعرّف (الخرشي) الجاسوس ” بالشخص الذي يطلع على عورات المسلمين، وينقل أخبارهم للعدو”. (الدغمي، 1985: 31)

وعرف (أمرنجر) التجسس بأنه “فن يعتمد على العامل البشرى “. لأنه بحاجة إلى من يكون دائماً في الداخل، ويرتكز على عميل على الأرض، أي وجود شخص له الحق بأن يتواجد حيث توجد الأسرار ومصرّح له امتلاكها، ويمكنه تمريرها دون مراقبة. (أمرنجر، 1992: 16)

وعرفه الجزائري (1991) بأنه ” السعي والتخابر، وهو صورة من الاتصال بدولة أجنبية بقصد إجرامي، يرمي الجاني فيه إلى الاتصال مع دولة أجنبية، أو مع الشخص الذي يعمل لمصلحتها، تكون نتيجة ذلك تمكن هذه الدولة من القيام بأعمال عدائية ضد الدولة الأخرى، وهو ما يسمى بالخيانة العظمى”. (الجزائري،1991: 10)

وعرف الجنرال الأسباني (كويبود يللانو) الجواسيس بالطابور الخامس. ويعتبر هو أول من أطلق  هذا التعبير على الجواسيس، وذلك أثناء زحفه على مدريد  بقوات تتألف من أربعة طوابير، حيث وصف العملاء له داخل البلد  بالطابور الخامس الذي يعمل مع الثوار، من داخل مدريد نفسها “. (وود،1990: 24)

أما العلوي (1993) فيعرف التجسس بأنه “بالبحث عن المعلومات، وتجميعها، ونقلها للآخرين بوسائل سرية، بغية استخدامها والاستفادة منها ضد أمن وسلامة الطرف الذي تتعلق به هذه المعلومات “. (العلوي، 1993 :8)

ويعرف المتيت (1980) التجسس بأنه ” التخابر مع الدول الأجنبية تحت تأثير الطيش وعدم المبالاة ضد مصلحة الدولة “. (المتيت، 1980 :30)

ويعرف شحادة (1992) التجسس بأنه ” بمجموعة الإجراءات السرية والعلنية، التي تؤدي إلى جمع المعلومات الحقيقية، عن أهداف محددة، من أجل استخدامها في مخططات العمليات السرية والعلنية للدولة”. (شحادة، 1992: 24)

وعرف (حنا عيسى) التجسس على انه ” جمع المعلومات لصالح العدو من الاراضي الواقعة تحت سلطة الاختصاص القضائي للخصم -الاراضي المعادية والمناطق المحتلة- من قبل مدنيين او عسكريين غير مرتدين لازيائهم الرسمية “

تعقيب:

من خلال العرض السابق لتعريف التجسس والجاسوس يرى الباحث أن تعريف جاسوس، هو تعريف واسع وشامل يتسع لمعنيين متضادين، أي الشيء ونقيضه، وإن كان يعني في اللغة نفس المعنى، باعتبار أنه ممارسة تقوم على السرية والتخفي في أداء دورها.

فالمعنى الأول للجاسوس: الذي يتعلق بالنشاط السيئ والشرير، أي الموجه ضد الدولة والمجتمع لحساب الغير. وهو الذي ورد به النهي بقوله تعالى ” ولا تجسسوا “. وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” ولا تجسسوا “.

والمعنى الآخر: هو التجسس لصالح البلد والوطن ضد الأعداء، فالجاسوس الذي يجمع المعلومات لصالح وطنه هو فدائي مخلص.

تعريف مفهوم التعامل:

يعتبر هذا المفهوم من أكثر المرادفات لمفهوم التجسس حداثة، بالإضافة إلى كونه لا يمثل إلا وجهاً واحداً من العمل الاستخباري والذي يهدف إلى خدمة أعداء الوطن والأمة، وبالتالي يضع صاحبه في خندق الخيانة، والتجسس لصالح الأعداء، وهما يعبران عن معنى مشترك.

وقد اعتبر ( جون وود Woud) بأن التعامل خيانه فقال: “عندما يكون ابن البلد جاسوساً ضد بلاده، فهو خائناً وعميلاً للغريب. (وود،1990 :30)

كما اعتبر (مناصره) العملاء المحليين بأنهم: “جواسيس للعدو يقوم باستخدامهم ضد مصلحة وطنهم وشعبهم”. (مناصرة، 1991: 301)

وعرف شحادة  العميل بأنه ” الشخص الذي يقوم بخدمة جهاز المخابرات عن وعي وإدراك كاملين يمارس عمله في هدف معين تحت غطاء معين وضمن السيطرة الكاملة للجهاز”.      (شحاده ، 1992 :32)

وعرف (اوستروفسكيAstrofeasky ) ” التعامل بأنه: “مصطلح أُسيء استعماله، فهو يعني المجند، وليس الموظف المحلي لجهاز المخابرات”. (اوستروفسكي،1990: 308)

أما تعريف التعامل طبقاً لقاموس (وبسترwebster) فإنه حسب المعنى المقصود هو: ” التعاون مع العدو أو المحتل برغبة المساعدة والمساندة “.

أما تعريف السلطات الإسرائيلية لهذا المصطلح، فيعبر عنه بالكلمة العبرية ” سيانيم ” بمعنى مساعدين، وهم ” الفلسطينيون المسجلون رسمياً بأنَّ لهم ارتباطاً استخبارياً مع إحدى أفرع الأمن العاملة بالمناطق (جهاز الأمن العام، والشرطة الإسرائيلية، وجيش الدفاع الإسرائيلي، أو الإدارة المدنية) ويشمل ذلك أشكالاً مختلفة من عملاء المخابرات، الذين يزودونهم بالمعلومات الأمنية من المؤسسات لقوى الأمن في تحديد واعتقال وإلحاق الضرر الجسدي بالأفراد المطلوبين “.

أما القاموس السياسي للمنظمات الفلسطينية فقد عرف العملاء بأنهم: ” هم المصرح لهم بحمل أسلحة من قبل السلطات، وتقع منازلهم تحت الحماية أو يذهبون إلى أماكن غير معروفه، وبأنهم الذين يتسببون بالضرر سواء أكان بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أعضاء المجتمع “.          ( بتسيلم، 1993 : 4- 34)

وعرف الشيخ” أحمد يأسين” العميل بأنه: “من باع نفسه لجهاز الأمن العام ونفذ ما يطلبه منه ضد مصلحة وطنه وشعبه ودينه، والعميل هو ذلك الشخص الذي تعرض لمحنة كبرى ولم يستطع التغلب عليها”. (أبو نجيلة، 1998: 18)

ويعرف (شاكيد Shakeed ) عملاء أجهزة الأمن بأنهم: “أولئك الأشخاص الذين يعملون لصالح أجهزة الأمن الإسرائيلية، ويزودونها بالمعلومات المختلفة.(أبو نجيلة،1998 : 18)

وعرف (فضل أبو هين) العميل بأنه: ” الشخص الذي يكون هدفه جمع المعلومات عن أشخاص محليين، وتوصيلها إلى سلطات الاحتلال، أو محاولة إسقاط عناصر أخرى والتأثير عليها من أجل الارتباط مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلية “. (أبو هين، 1993: 2)

التعقيب على التعريفات:

من خلال العرض السابق للتعريفات يظهر أن مفهوم الجاسوس يعتمد على الأذن والتنصت، وقد امتاز هذا المفهوم بسعة الانتشار الزماني والمكاني، ولم يقتصر على عصر معين، وهو أكثر شيوعاً واستعمالاً من مفهوم العميل. ويعتبر الباحث أنه من الأفضل تحديد كل مفهوم لممارسة معينة، بحيث يمكن أن نطلق لفظ الجاسوس على من يتجسس لصالح الوطن، وإن كنا لا نستطيع تجريده من معناه الأهم وهو التعامل لصالح الأعداء. وأما مفهوم العميل، فنطلقه على من يتجسس ضد وطنه وأبناء شعبه باعتباره متحيز بطبيعته في التجسس ضد الوطن.

ولهذا يجب التفريق بين التجسس لصالح الوطن، وبين التجسس ضد الوطن. ومن الأفضل أن نصف من يتجسس على وطنه بالعميل أو الخائن.

وهذا الميل ينبع من خلال ما لمسة الباحث من تناول بعض الكتّاب لمفهوم الجاسوس بمعنيين متضادين بدون التوضيح والتفريق بين صفات الجاسوس الذي يعمل لمصلحة بلده، والجاسوس الذي يعمل ضد مصلحة بلده مما يوقع القارئ في لبس كبير. ومن خلال مراجعة تلك التعاريف يمكن تسجيل بعض الملاحظات التالية:

- لا يوجد تعريف جامع مانع يتفق عليه جميع المفكرين والعلماء، فكثير من المراجع تتحدث عن الجواسيس وتخلط بين مدلولاتها، فتقصد من يعمل لصالح بلده وأحياناً أخرى تقصد من يعمل ضدها.

- يختلف هذا المفهوم أحياناً من مجتمع إلى آخر، فما يراه البعض حسناً ربما يراه الآخر سيئاً، ويرجع ذلك لعدم وجود معيار دولي يحكم هذا الأمر.

- يمتاز هذا المفهوم بالمطاطية مما يجعله يتسع للاجتهادات المحلية، حتى في البلد الواحد، وينبع ذلك من خلال المعتقد أو المبدأ، الذي يشكل خلفية المجتهد، مما كان يراه البعض جاسوساً أوعميلاً يراه الآخرون غير ذلك.

- يخضع هذا المفهوم أحيانا للمحدد المكاني حتى في نطاق البلد الواحد، ففي حين كان التعامل التجاري في الضفة الغربية أمرا عاديا إبان الانتفاضة، كان يعد في قطاع غزة جاسوساً وعميلاً.

- يتأثر هذا المفهوم بالوضع الثوري داخل البلد ، ففي ظل الانتفاضة الأولى مثلاً إتسع مفهوم التعامل، بحيث أعتبر من يستمر في العمل في الشرطة الإسرائيلية عميلٌ، في حين كان ينظر إلى هذا العمل في أوقات أخري كأي عمل آخر في المجتمع.

- أدخلت تحت هذا المفهوم مفاهيم فرعية، دخل فيها مفهوم العميل الاقتصادي، والعميل السياسي، والعميل الفكري، وما شابه ذلك.

ولهذا فإن تحديد المفاهيم والمصطلحات أمرُ لا بد منه وذلك خوفاً من استغلال بعض الجهات غير المسؤولة لهذه المفاهيم وتلاعبها بها، فيتسع المفهوم متى تشاء، وينحسر متى تشاء، وفق الرؤية الذاتية الضيقة لها.

وقد أثبت الواقع المعاش في الانتفاضة الأولى، أن أخطر ما أصاب العمل الوطني، هو العمل على اتساع المفهوم ليشمل فئات كثيرة من الشعب، وهو ما أرادته إسرائيل وسعت إليه لتمييع هذا المفهوم، وخلق بلبلة لدى الجماهير في تعريف ماهية العميل، لذا فتحديد مفهوم العميل مطلب وطني يجب أن يتفق عليه الجميع، خاصة في ظل هذه المرحلة الحرجة، بحيث يقتصر هذا المفهوم على العميل المعلوماتي فقط، للخروج من المفاهيم التي تتسع لتشمل اجتهادات كثيرة، تؤدي إلى خلق البلبلة والارتباك من جراء ذلك. (عباس،2000: 87)

ويعرف الباحث الجواسس والعملاء نظرياً: بأنهم ” أولئك الأفراد الذين تم ربطهم مع أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية العاملة، بهدف تقديم معلومات آمنية، قد تضر بمصلحة الأفراد والمجتمع “. ويعرف الباحث الجواسس والعملاء إجرائياَ: بأنهم ” أولئك الأفراد الذين تم إسقاطهم وربطهم مع أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية العاملة في المناطق المحتلة، وكانوا يحملون مفهوماً سلبياً عن ذاتهم وعن الآخرين من حولهم، وتوحدوا بآخر الآخر(هم) العدو. وقاموا بأنشطة أو خدمات تفيد هذا الاحتلال، قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بهم أو بالمجتمع الذي يعيشوا فيه.

أنواع العملاء:

إن الجاسوس أو العميل ليس مقتصراً على فئة دون أخرى، أو طبقة دون غيرها، إنما ينبع من كل أوساط المجتمع بمختلف طبقاته الاجتماعية ومستوياته التعليمية والمهنية والأخلاقية. فقد يكون الجاسوس طالباً، أو بروفيسوراً في جامعة، جنديا أو ضابطاً في الشرطة، مراسلا أو وزير في وزارة، ممرضا أو طبيبا في مستشفى، نادلاً أو مديرا لمطعم، مضيفا أو قبطاناً في طائرة، عاملاً أو مالكا لفندق، محررا أو مالكا لصحيفة، مذيعا أو رئيسا للتلفزيون، حارسا أو سفيرا في سفارة، أوقد يكون الجاسوس رئيسا لدولة وعميلا في الوقت نفسه لمخابرات أجنبية. كماأنه قد يأتي من أسرة مفككة مصدعة، وقد يأتي من أسرة متماسكة ومحافظة اجتماعيا. وقد يكون الجاسوس كلي أو جزئي، وقد يكون عميلا مزدوجا. وقد تكون الجاسوسة سكرتيرة حسناء فائقة الجمال، وقد تكون قبيحة لا تلفت الانتباه لأحد لقبحها. وقد يكون الجاسوس أقرب الناس إليك، أباك، أو أمك، أخاك أو أختك، زوجك أو زوجتك، خالك أو عمك، صديقك أو زميلك، جارك أو رئيسك. فالجاسوس سر ولغز لا تنفك أحجيتة إلا بعد كشفه.

والتجسس لم يقتصر على جنس الرجال فقط، ولكن تبرع أيضاً المرأة في ممارسته والقيام به، وقد أعتبر الألمان بأن المرأة الألمانية انفع بكثير من الرجل في عالم التجسس. حيث قال: (هتلر) ” إنني شديد الإعجاب بذكائهن وخططهن النسائية نظراً لتفوقهن بسلاح الإغراء وقدرتهن الهائلة على وضع الطعم القاتل لفريستهما في جو هادئ حقيقة أن النساء الأعظم قوة كامنة في حزبنا السياسي “. لذلك كلف هتلر رئيس مخابراته (زينهارد هيدرينبج) بإنشاء شبكة جاسوسية من الفاتنات الألمانيات، حيث استطاع مع بداية العام 1939 تشكيل هذه الشبكة ونشرها على عدد من بيوت الدعارة الألمانية. وتزعمت عمل هذه المجموعات امرأة ألمانية تدعى (كيمي شيديت) استطاعت بمساعدة رئيس المخابرات أن تزرع كل غرف المتعة في بيوت الدعارة التي تديرها بأحدث ميكروفونات التسجيل آنذاك بغرض التجسس. (عبد الهادي، 1991: 108)

وبرغم وجود قاسم مشترك لكل العملاء، بأعتبارهم نوعية من الناس، يكون لديها استعداد نفسي للعمل في كافة الاتجاهات لمصلحة العدو، دون أي اعتبار لمبدأ أو أفكار أو إخلاق، وانما تحركهم مصالحهم وأهواءهم. وبرغم أن هذه النوعية من الناس متكررة ومتجددة على مدار التاريخ، ولدى جميع الشعوب خاصة المحتله.

إلا أنها متغيره ومتنوعه ومتجدده نتيجة لاختلاف ظروف البلد والتجنيد وطبيعة الشخص الذي يتم تجنيده. فهناك من يتم تجنيدهم لمهمات جمع المعلومات عن محيط سكناه، والذي قد لا يؤدي إلى نتائج خطيرة، إلا أن هناك نوعاً آخر يتورط في جمع معلومات خطيرة قد تؤدي لاعتقال بعض المقاومين، ومنهم من يتم زرعه في السجون الصهيونية على أنه مقاوم تعرض لعقوبة السجن، فيقوم بالاختلاط بالسجناء وسحب معلومات واعترافات منهم تدينهم أمام المحقق الصهيوني فيما بعد، ومنهم من يقوم بالمشاركة في تقديم تسهيلات لعملاء “الشين بيت” أو الوحدات الخاصة لإغتيال المقاومين الفلسطينيين، كما جرى مع بعض العملاء الذين تم إكتشافهم وإعدامهم في انتفاضة الأقصي الحالية.

ويقسم بعض الكتاب والمفكرين العملاء إلى عدة أنواع، وذلك بحسب المهمه الموكله إليهم:

العميل المزروع (الاختراق): وهو نوع خطير من العملاء يمكن أن يكون تأثيره مدمراً على مستوى الجهة المقصودة برمتها. حيث يمكن لهذا العميل الوصول إلى أعلى المراتب، وبالتالي الوصول إلى اخطر المعلومات، التي قد يؤدي الوصول إليها إلى تدمير البلد برمته. وقد دلت الأحداث خلال فترة الاحتلال، على مدى تركيز العدو على هذه النوعية من العملاء باختراق التنظيمات الفلسطينيه والتسبب في اخطر الضربات للحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية من خلال الوصول إلى المعلومات القيمة التي نقلوها إلى العدو.

كما أن للعميل المزروع دور تخريبي ليس فقط في مجال نقل المعلومات إلى الطرف الآخر، ولكن أيضاً في إحداث المشاكل والبلبلة، وتكوين المحاور والشللية داخل إطار المجتمع، وداخل التنظيمات الفلسطينية نفسها بهدف احداث شرخ في داخلها ومن ثم القضاء عليها.

العميل المزدوج: وهو الذي يعمل مع طرفين دون أن يعلما بذلك. أو أن يعمل مع طرف منهما، ويضلل الطرف الآخر. وللعميل المزدوج مهمات كثيرة يمكن أن يقوم بها منها:

- إحداث اختراق في الطرف المضلل، ونقل المعلومات السرية منه للطرف الآخر.

- إحداث تحويل لاهتمامات العدو بعيداً عن العمل الحقيقي الذي يقوم به هذا  الطرف.

- كشف مخططات الطرف الآخر وطرق تفكيره وتصوره عن الجهة المقابلة.

والعميل المزدوج يكثر استعماله بين الدول التي في حالة حروب مستمرة، كما كان الحال خاصة في فترة الاستقطاب، التي كانت قائمة بي أمريكا والاتحاد السوفييتي سابقاً ابان الحرب الباردة. وعلى صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية فقد حدث ذلك الأمر، ولكن بندره كبيره جداً .

العميل الحزبي أو السياسي: وهذا النوع من العملاء هو الأكثر خطورة. لأن نشاطه غير مقتصر على إطار تنظيمي محدد، ولكن يتعدى ذلك إلى المجتمع برمته والذي من آثارة:

- توجيه الجماهير حسب رؤية العدو ومصالحه.

- التفريط في منجزات الشعب لصالح الأعداء.

- طرح رؤيا وقضايا هامشية للتضليل والبعد عن الأهداف العامة للشعب.

وعلى مدار التاريخ وجد العديد من هؤلاء الذين امتزجت مصالحهم وأهواءهم مع قضايا الوطن والشعب. فركبوا الموجة للوصول عبرها إلى تحقيق رغباتهم دون اعتبار لمصالح شعوبهم فضحوا بالكثير باسم الوطن والوطنية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، سيء الذكر مصطفى كمال اتاتورك. الذي ساعد الإستعمار في تحطيم دولة الخلافة، باسم المحافظة على تركيا وتحديثها. ولكن في الحقيقة كان ينفذ أفكار ومطامع الإستعمار بشكل عام، ومصالح يهود الدونمة في تركيا والحركة الصهيونية بشكل خاص، والتي كانت ترى في بقاء الخلافة الإسلامية العقبة الرئيسية في وجه تنفيذ خطتها في السيطرة على فلسطين.

العميل الفكري: وهو العميل الذي يحمل أفكار ومن خلالها يقتنع بضرورة سيادة هذه الأفكار في المجتمعات الأخرى ولديه الاستعداد لأن يخون وطنه في سبيل تحقيق انتشار هذه الأفكار. وقد لا يتقاضى أي اجر، بل يمكن أن يدفع الكثير من سبيل ذلك، وهو لا يعتقد بأنه يرتكب جريمة أو خيانة في ذلك. وقد ساد هذا النوع من العملاء زمن الصورة المثالية عن الأفكار الماركسية أو القومية العربية.

ولكن المفكر (صالح عبد الجواد) يقسّم التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي إلى أربعة أنواع هي: الأوّل: العميل التاجر، أو سمسار الأرض: يتدخّل هذا الشّخص بين الإسرائيليّين – إمّا مستوطنون أو الصندوق القوميّ اليهوديّ- والسكّان الفلسطينيّين من العامّة لكي يحصل على الأراضي الفلسطينيّة منهم ثم يسلمها لليهود. ولأنّ الفلسطينيّن بصفة عامّة يرفضوا أن يبيعوا أراضيهم لليهود. يقوم السمسار بشراء الأرض مدعياً أنها له، ثمّ ينقل ملكيتها إلى الإسرائيليّين.

وهذا النّوع من العملاء كان حاضرا منذ بداية القرن الماضي. ثم أخذت الحركة القوميّة الفلسطينيّة موقف المعارضة من ذلك عام 1935-1948، واجمعت على تحريم هذه الممارسة، ثم صدرت فتوى بقتلهم، وبتحريم دفنهم مع المسلمين. (عبد الجواد،2001: 33)

النّوع الثّاني: العميل هو الوسيط: يعمل هذا العميل كوسيط بين الاحتلال الإسرائيليّ،  وبين السكّان المحليين. وانتشر هذا النوع بعد الاحتلال الإسرائيلي لباقي فلسطين عام 1967، حيث أنشأت إسرائيل نوعاً من الإدارة المدنية لتمرير مطالب السكان عبرها، ومثل العملاء وبدعم من الاحتلال المفتاح لتنفيذ احتياجات هؤلاء السكان. وأحيانًا كان الأفراد يفضّلون أن يذهبوا خلال العملاء الوسطاء المعروفين ليحصلوا على عملهم، أو مصلحتهم بدلاً من التّعامل مع الإدارة بأنفسهم تخفيفاً على أنفسهم من المعاناة المقصودة. ولكن دور هؤلاء العملاء الوسطاء قلّت أهميته بعد أوسلو، وقدوم السّلطة الفلسطينيّة. (عبد الجواد،2001: 23)

النوع الثالث: العميل الخطير أو المسلح: هؤلاء هم العملاء الذين أصبحوا مكشوفين للناس، كسماسرة الأرض المعروفين أو الوسطاء الذين قاموا بتقديم خدمات مكشوفة للاحتلال، وغيرهم. وبذلك أصبحوا معزولين عن المجتمع، بل ومطلوبين له. وبناءً عليه قاموا بالهرب هم وعائلاتهم وسكنوا إما داخل اسرائيل أحياناً، أو في مناطق محددة ومعزولة. كقرية الدهنية في قطاع غزة، وقرية فحمة في الضفة الغربية. والذين قد استعملهم الإسرائيليّون لمصاحبة قوّاتهم الخاصّة في مداهمة بيوت الفدائيين، وقد سلّحوا ليشاركوا في مثل هذه الغارات. مثل العميل المشهور رئيس قرية العملاء فحمة في الضفة الغربية، (أحمد ناتر) من قرية يابيد في مقاطعة جينين. الذي اعتاد أن يمدّ الإسرائيليون بالمعلومات، ويصاحب القوّات الخاصّة في الغارات على منطقة جنين. (عبد الجواد،2001: 25)

النّوع الرّابع: العميل المرشد (الجاسوس): وهذا العميل أوالجاسوس يجمع المعلومات عن أنشطة الكوادر والأعضاء المعيّنين في التنظيمات. سواء معلومات عامّة عن النّشاط السّياسيّ، أو الأنشطه الخاصة، كالعمل العسكري. كأن يعد قائمة بالذين ربّما شاركوا في المظاهرات، أو يحدد من يعيش معهم ودائرة علاقاتهم، وما إلى ذلك من المعلومات العامة. أوقد يصل لحد الإطلاع على المعلومات الخاصة والخطيرة التي تتعلق بالجوانب العسكرية في العمل العسكري. (عبد الجواد،2001،27)

ولكن (مايلزكوبلاند) أحد رجال المخابرات الأمريكيه المشهورين، فيصنف العملاء والجواسيس حسب أدوارهم ، إلى أربعة أنواع ” المجند، والمسهل، والعامل في الظلام، وغير العالم “.

العميل المجند: هو الذي يعمل قرب الهدف الذي يحدد للتجسس ويطلب التجسس عليه. والعميل المسهل: فهو شخص يدخل مثلاً إلى البعثات الدبلوماسية الأجنبية، أو يتصل بالمسؤولين الأجانب مقدماً خدماته طواعية. وعادة ما يكون المسهل شخصاً يريد الفرار من بلاده، وقد تم إقناعه أو إقتناعة بالتجسس، خصوصاً إذا ما كان في موقع حساس. أما العامل في الظلام أو ” النائم “: فهو شخص مولود في البلد، كان قد تم تجنيده قبل سنوات استباقا لعمل التجسس. وهو يتفادى كل أمر يدعو إلى الريبة والشك، وقد يتولى المناصب الحساسة، وبعد سنوات من الولاء والعمل المخلص حتى لبلده الأم، يتم تحريكه في الظلام لاقتراف التجسس والخيانة.

وأما العميل الذي لا يعلم: وهو شخص يتجسس لصالح دولة أجنبية، دون أن يكون يعلم أنه يقوم بذلك. (أمرنجر ، 1992 : 19)

ولكن أحياناً أخرى يصنف بعض الكتاب الجواسيس لثلاث زمر، وذلك بحسب الهدف:

الزمرة الأولى: هي تلك التي تتجسس لوطنها، وهم محاربون أبطال اختاروا أن يخدموا وطنهم في هذا الميدان الخطر. بدل أن يخدموه في ميدان أسهل، وهو ميدان الحرب.

والزمرة الثانية: فهي التي تتجسس علي وطنها، وهم الخونة والجواسيس والعملاء للعدو.

والزمرة الثالثة: فهي الجاسوس التاجر ” المرتزق “، الذي يتجسس للتجسس. وهم الذين يحترفون التجسس حباً به وسعياً وراء المغانم والمطامح، أوحباً للمغامرة. وهذا إنسان يعتبر مغامر طماع خائب مصاب بالتثبيط، ومنحرف. وقد يكون جباناً أو محباً للانتقام.

وهذا النوع الخاص من الجواسيس – المرتزقة – يجعلون من الجاسوسية مهنة لهم يبيعون الأسرار التي يحصلون عليها لهؤلاء وأولئك من الفريقين المتخاصمين، دون تمييز إلا ما  يخص قيمة السعر الذي يحصلون عليه، لا سيما وأن من هؤلاء فريقاً يكون عميلاً مزدوجاً – أي أنه يعمل مع فريق من المتحاربين وفى نفس الوقت يعمل ضده – إنهم محترفون باردو العاطفة جامدو الأحاسيس خطرون لا يهمهم إلا المال ولا يؤمنون بقيمة أو وطن أو خلق وهم أخطر أنواع الجواسيس وأحطها على الإطلاق. (عاقل، 1973: 232-234)

هدف التجسس والتعامل:

تسعى الدول بغية معرفة أسرار بعضها البعض في بث جواسيسها هنا وهناك، خاصة في الدول التي تتشابك بينها المصالح، أو تختلف العقائد للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تفيدها في مواجهة الخصم. (عبدة، 1992: 112)

ولا بد أن يكون للتجسس في بداية الأمر ” هدفاً “، هذا الهدف ربما يكون بلداً بأكمله، أو يكون وزارة في حكومة، أو منشأة عسكرية، أو مصنعاً، أو مختبراً للأبحاث، أو مركزاً للتسوق، أو للاتصالات، أو تنظيماً سياسياً، أو أفراد. ومع اختيار الهدف يتم اختيار طريقة الحصول على المعلومات المطلوبة. (أمرنجر، 1992 : 170)

إن كل المهام التجسسية تهدف إلى شيء واحد يخدم في النهاية مخططات الدولة وفق مصالحها وسياستها، وبالمقابل يعتبر هذا الهدف هو استهداف دولة معينة لإخضاعها بعد إضعاف معنوياتها واضطراب استقرارها. وهذا ما يُعرف في قاموس الجاسوسية بإنهاك العدو- وهذا لا يتم إلا بإخضاعه لمعرفة ما يخطط له ويفكر به – وكذلك القدرة على تقدير حجمه، فإذا كنت مثلاً تبغي التيقن مما يرمي إليه عدوك فعليك أولاً أن تقدر قدرة خصمك  مثلما تقدر مهارته، في لعبة البوكره ثم تضع نفسك مكانه، وتفكر بما يفكر به لفترة، وبعد ذلك تضع خطتك وتتصرف كما لو كنت مكانه في تلك الظروف.  (كوبلاند، 1990: 19)

إن أغلب المخابرات في الدول، تسعى إلى معرفة أوضاع كثيرة عن غيرها، ليس فقط الأوضاع العسكرية الصرفة لدى العدو المباشر. ولكن كذلك معرفة الأوضاع الصحية، مثل مقدار تفشى الأمراض الوبائية والجلدية، ومقدار توفر المياه، والزراعات التي يعيش عليها العدو، ومصانعه، والقدرة الإنتاجية عنده، وأوضاع العمال المعيشية، وكيفية تحريكهم لإعلان الإضراب في الوقت اللازم لدحرجة إنتاج البلاد إلى الهوة، والوضع النفسي في البلاد، والمواطنون ودرجة إطمئنانهم إلى سلامتهم ومستقبلهم، وتأيدهم لحكومتهم، ونسبة هذا التأييد، يفضلون أي حكم ولو احتلالي على حكمهم، ومدى إستعداد الأفراد للخيانة بسبب نقمتهم على الحكم القائم، والحد الذي يتقبلون به هجوم جيش أجنبي وتمركزه عندهم كمحتل، وطبيعة مشاكلهم المعيشية التي يمكن أن يحلها لهم الجيش المحتل، أو الذي سيحتل بلدهم حتى يتعايشوا ويتعاونوا معه،  والتعرف على ” راتب ” الجندي، وترتيبات حكومته لتجعله يطمئن إلى مستقبل عائلته إذا اعتقل، أو أسر، والتعرف على صحة هذا الجندي وأعصابه، وكيف يمكن إثارته وتثبيط عزيمته نفسياً حتى لا يقاتل. ونوع سلاحه وكمية ذخيرته، ودرجة إطمئنانه إلى الشعب الذي يقاتل من أجله، ومدى التجاوب بينه وبين سائر الشعب، ومعرفة هل يقاتل مندفعاً من أجل شعب بلاده، أو هل دخل الجيش من أجل لقمة العيش، أم لأجل الحفاظ على الوطن، والتعرف على عقيدته السياسية والوطنية ومدى ثقته بالضابط الذي يقوده، وكل هذه الأمور قد تفيد في تحديد السياسة تجاة هذا البلد. ومن هذا يتبين مدى أهمية وخطر التجسس والتعامل ليس في زمن الحرب وحده، بل يمتد في أيام السلم أيضاً إلى جميع الميادين الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية والمعنوية وغيرها، كما تشكل الدعايات الخبيثة والإشاعات التي يطلقها الجواسيس والعملاء، من أمضى الأسلحة التي تعمل على تفكيك وحدة الشعب بشتى الوسائل. والتسريع في تفويض اللحمة الداخلية له.

هذا على مستوى الهدف البعيد والعام، أما على مستوى العمل الميداني، فإنه يبقى الحصول على المعلومة هو الهدف الأهم، وتجميع البيانات التي تخدمه هو المغيار الحساس في هذه العملية. وبعبارة أخرى فإن الأمر المطلوب فهمه هو الإمساك بالمعلومات بكل ما في العبارة من معانٍ، ومهما كانت الوسيلة أخلاقية أم غير أخلاقية، ثمنها القتل أو التضحية بالنفس، ترفع شأن الوطن أو تقوض أركانه. مثل هذه السعة في الفهم هي بالطبع أوسع من قابلية أي كائن بشري فرد، ولكنها جميعا ضرورية للظفر الصحيح في نطاق الأعمال الاستخبارية. (عبدة ، 1992: 37)

ومن أجل تحقيق هذا الهدف التكتيكي على الأرض للتجسس، ومن أجل الظفر بالمعلومة، تعمل جميع أجهزة المخابرات في العالم على اصطياد العملاء لتسخيرهم للعمل لصالحها بالإغراء تارة، وبالتهديد بمختلف الوسائل، حتى اللاأخلاقية في بعض الأحيان. (الجزائري،1992 :121)

وأحياناً يأخذ البحث عن هؤلاء العملاء شكل بناء العلاقات الخاصه مع العميل، بأعتبار أن عمل المخابرات هو السعي دوماً لإيجاد حلفاء ” عملاء ” محليين يبدون استعداداً للتعاون معهم، لأن أسلوب العمل السري في أساسه هو التغلغل الذي لا يأخذ أحياناً شكل الاستخبار، وإنما يأخذ إنشاء صلات وثيقة وحميمة يمكن دعمها بالمال عند الضرورة أو الاستغناء عنها حسب الظروف. ( الجزائري،1992،22)

خطورة التجسس والتعامل:

   إن الجاسوسية سلاح قديم جديد، كان له دور هام في زمن الحرب والسلم، وهي من أنجع الأسلحة، حيث تحاك في الخفاء وتؤتي ثماراً أهم وأخطر من غيرها. وتعد معركة الجاسوسية من أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة من معارك، ذلك لأنها معركة خفية وتعتمد على الخيانة والتسلل تحت ظروف عادية داخل الدولة، وجمع المعلومات لتمكين العدو من الاستفادة منها.   وتكمن خطورة التجسس في كونه من أهم وأنجع الأسلحة لصالح البلد، وفي نفس الوقت يعد من أخطرها وأشدها فتكاً على الأمة لأنها تنكشف من داخلها، فهو الوسيلة الأهم في الحصول على المعلومات عن العدو، سواء تمّ ذلك  بواسطة الجواسيس والعملاء أو بالأرصاد واستخدام الأجهزة المتقدمة سرية كانت أم علنية. (الدغمي ،1985 : 32 )

ومن خطورة كذلك، أنه لا يقتصر على تهديد الأمن العام للبلد وإنما يعتبر بمثابة استهداف ” للأمن الشخصي ” لكل مواطن عربي، ولذا فالمعرفة بهذه الأجهزة وعملها، بدءاً من تاريخها، إلى تركيبها، إلى مجالات نشاطها، إلى أساليب عملها، تشكل جزءاً من حصانة المواطن العربي الفلسطيني في مواجهتها. (الجزائرى، 1992: 16)

وتبرز خطورة التجسس البشري، أي التعامل من قبل العميل على الأرض، من خلال أنه ما زال الوسيلة الأهم برغم تطور أجهزة الاستطلاع والتجسس الإلكترونية الحديثة، سواء بالأقمار الصناعية، أو الطائرات أو غيرها، فإن أجهزة المخابرات ما زالت تعتمد في جمع المعلومات وتفسيرها، على العميل نفسه الذي تتمكن من تجنيده باعتباره يستطيع كشف ما لا تستطيع الأجهزة الأخرى كشفه مهما بلغت من التطور والتعقيد. (الجزائري، 1994: 143)

ومن أشد العملاء والجواسيس خطورة، هك أصحاب البلد، وذلك لإن مراقبة الخونة من أهل البلاد تعتبر أشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب، وذلك لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يبديه نتيجة جهله بالعادات المحلية، أما الخائن لوطنه الذي يتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية فهو مواطن كغيره من المواطنين، لا يحتاج إلى أن يتخفى وراء مظهر خادع، فضلاً عن أنه يعرف بلاده، وله حق قانوني في أن يتنقل في أرجائها، ولهذا فان مراقبة الخونة المحليين أصعب بكثير من مراقبة الجواسيس الغرباء. (عبده، 1992 : 61)

أهمية التجسس لدولة إسرائيل:

أما بالنسبة لإسرائيل فقد كان التجسس برنامجًا استراتيجيًّا لها منذ نشأتها عام 1948، وقد استفادت الدولة العبرية من ذراع المخابرات لمنظمة “الهاغاناه” السرية العسكرية التي قادت الإرهاب اليهودي ضد الشعب الفلسطيني أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث قرر بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني – بعد الإعلان عن الدولة العبرية بأسابيع قليلة – الاستفادة فوراً من ذراع ” الهاغاناه” السري المسمى “شاي”، لتشكيل نواة أجهزة الاستخبارات، وهي: (الاستخبارات الخارجية “الموساد”، الاستخبارات العسكرية “أمان”، الأمن العام “الشين بيت”).

ومن خلال هذه الأجهزه دخلت إسرائيل معركة الجاسوسية مع العرب بقصد العدوان عليها، وفي سبيل هذا الغرض أطلقت جواسيسها داخل البلاد يجمعون لها الأسرار العسكرية والمعلومات التي تتعلق بالنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والاجتماعي للدولة العبرية، وحتى أرقام الهواتف الهامة، وهذا ليس عبثاً من جانب العدو، وإنما هو عمل مخابراتي أصيل، وهو عمل تخريبي يؤدي لنتائج خطيرة فيما لو أتيح للعدو الإسرائيلي استعمال هذه المعلومات. (الجزائري،1991 :482)

 وبعد حرب 1967 واحتلال اسرائيل لما تبقى من الأراضي الفلسطينية، أصبحت مهمة هذه الأجهزه الأهم هو مراقبة فلسطيني المناطق المحتلة في الضفة الغربية وغزة، والحيلولة دون نجاحهم في تنظيم ثورات ضد الاحتلال. وبناءً على ذلك نشط “الشين بيت” في تجنيد المخبرين من الفلسطينيين لجمع المعلومات عن الفصائل الفلسطينية في مختلف المدن والقرى الفلسطينية.

إن طبيعة أهداف التجسس الصهيوني، تتحدد من خلال طبيعة الاحتلال الصهيوني نفسه، القائم على الاستيطان وإحلال شعب مكان شعب آخر، والتي جعلت من المستحيل على العدو الصهيوني أن يحقق أهدافه التوسعية من دون الاستناد إلى قدرات استخبارية عالية، وجيشٍ من العملاء يمكنهم من تحقيق أهدافهم، فضلاً عن استخدام هؤلاء لضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية، وردع أي فلسطيني يظهر مقاومة لمحاولات الإخضاع والتخويف تمهيداً لتفريغ الأرض منهم لصالح المستوطنين وغيرهم.

وحتى اليوم لا تزال سياسة زرع العملاء، وتجنيد أعداد بشرية كبيرة. سياسة ثابتة للكيان الصهيوني – لم تتغير- حتى مع توقيعه لاتفاق أوسلو مع السلطة الوطنيه الفلسطينية، ورغم امتلاك العدو الصهيوني للعديد من الوسائل التكنولوجية المتقدمة للتجسس،  بالإضافه إلى أساليب الحرب النفسيه، وذلك بالترويج في الأوساط الفلسطينية، بأن العملاء موجودون في كل مكان، في محاولة منه لردع الشعب الفلسطيني وتخويفه من الانضمام إلى التنظيمات الوطنيه أو الإسلاميه الفلسطينية، المشاركة في مقاومة الاحتلال. (نوفل، 2000: الانترنت)

أبرز مهام العملاء:

للجواسيس والعملاء مهام كثيرة يقدمون بها بحسب الهدف وطبيعة المهمه، ولذلك فإن لكل عميل مهام خاصة منوطه به. فيذكر العميل المتعاون مع الإحتلال ( ع. ح ) في شهادته 1993لمنظمة ” بتسيلم”  ” أن كل متعاون يوكل إليه وظيفة، وهناك عملاء سريون موزعون في المؤسسات مثل الجامعات، والمستشفيات، والنقابات العمالية، والتنظيمات السياسية .. الخ لجلب المعلومات.

1- جمع المعلومات: هي المهمة الأساس للعملاء والجواسيس. وقد اعتبر (دان رافيف، ويوسي ميلمان) وهم من جهاز الشين بيت الاسرائيلي، أن التركيز لدى الشين بيت كان يتمثل في نقل المعلومات، وقد كان المخبرون يتلقون مبالغ جيدة وسخية ثمن تلك المعلومات عن هذه الجماعات، حيث كانت تحبط بسرعة كبيرة، كثيراً من العمليات بفضل تلك المعلومات التي يقدمها العملاء المدسوسون داخل خلايا الثوار. أو تلك المعلومات التي يتم شراؤها من المخبرين في الشارع، أوعن طريق الإكراه النفسي أو الجسدي لعشرات المشبوهين الذين كانوا يعتقلون في عمليات تنظيف المنطقة المحيطة بمسرح الهجوم. (رافيف، ميلمان، 1991: 337)

2- إختراق التنظيمات: تدعي المخابرات الإسرائيلية ” الشين بيت” بأنها قد اخترقت العناصر العربية المخربة، بما في ذلك خلايا الشيوعيين ومجموعات القوميين العرب، باستخدام المخربين، الذين قد يكون هؤلاء المخبرون من العرب الذين يسكنون نفس المناطق، أو من اليهود الشرقيين الذين يتظاهرون بأنهم عرب، وقد التقطوا أيضاً بعض الجواسيس من السكان العرب المحليين واستخدموهم كعملاء مزدوجين بالتعاون مع المخابرات العسكرية. (الوثائق، 1979: 82)

ويدعي (يعقوب بري) أحد قادة جهاز الشين بيت السابقين، أن الشاباك قد نجح في الكشف عن كثير من الخلايا التنظيمية عبر عملاء مدسوسين من قبل جهاز المخابرات في هذه التنظيمات. وعلى سبيل المثال فقد تم التعرف على خلية عسكرية كبيرة تابعة للجبهة الشعبية في صيف 1991. حيث كان الخيط الوحيد للنجاح بالوصول اليها هو عميل لنا نجح في الانضمام للتنظيم، تم تنشيطه بحذر كبير، بحيث لم يتلقَ تعليماته ولقاءاته مباشرة بل بواسطة نقطة ميته، حيث كانوا يدفنون التعليمات له في موقع محدد، وبعد ذلك يحضر هذا الشخص ويأخذ الكتاب الموجود، ولمعرفتنا بموقع النقطة الميتة فقد قمنا بوضع نقاط مراقبة لمعرفة من الذي يضع هذه الرسائل، ورغم معرفتنا بالشخص الذي وضع الرسالة إلا أننا لم نعتقله، لرغبتنا في جعله طعم في اعتقال الأشخاص المسؤولين عنه. وفي هذه المرحلة زودنا العميل بتعليمات (أن يبلغ التنظيم بأنه وجد قنبلة يدوية وأخذها لبيته، ويريد أن يعرف ماذا يفعل بها) ثم قام بوضع الرسالة في المكان المحدد، وبعد ثلاث أيام تلقى الرد وبه تعليمات مفصلة حددوا له التاريخ والساعة، وحضر إليه في مكان معين بالقرب من حي سكني في مدينة عربية، (وهناك قام بوضع القنبلة في الحفرة التي أعطيناه اياها والتي قمنا بتعطيلها، وقام بدفنها في المكان المحدد حسب التعليمات) ثم قامت وحدة تنفيذية تابعة للشاباك بالاختباء في المنطقة ومتابعة ما يجري، وبعد ثلاث ساعات من الموعد المحدد حضر شخص للمكان نظر حوله للتأكد من عدم وجود أحد، وقام بحفر الموقع. وحمل القنبلة اليدوية داخل سيارته وسافر إلى رام الله، قمنا بمتابعته حتى مبنى سكني بالقرب من المنطقة الصناعية، ورغم صعوبة إيجاد نقاط استطلاع في مناطق عربية، قمنا بأعمال مختلفة من أجل التأكد من متابعة البيت وقمنا بتصوير كل من دخل المبنى، وتابعنا أغلب من خرج من المبنى. ثم عملنا على اقتحام المبنى وتفتيشه، وكان موجود في الشقة شاب يحاول إحراق وثائق، قمنا بالهجوم عليه وللأسف لم نجد شيء مهم. ولكن أثناء التفتيش الدقيق للشقة والحيطان اتضح أن إحدى حيطان المطبخ مبلط بالكرميكا على لوح خشب عبارة عن باب مخفي بداخلها وجدنا شاباً عربياً يختبئ بداخلها وهو من شفا عمرو ومعه بطاقة هوية مزورة، وواصلنا تفتيش الجدران فوجدنا مخبأ في إحداها، اقتحمنا للداخل فوجدنا شخصا آخر، وخلال وقت قصير اتضح أنه فدائي مطلوب منذ خمس سنوات. وفي المخبأ وجدنا وثائق مختلفة وأختام لوزارة الداخلية والإدارة المدنية، بطاقات هوية اسرائيلية. (بري، 1999: 220 – 221)

3-تجنيد العملاء: وقد كانت إحدى أهم المهمات للعملاء الفلسطينيين داخل المناطق، هو ترشيح عدد من الشبان لتجنيدهم من أجل العمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. (عيسى، 1990: 40)

وكان يقوم بذلك خاصة العملاء والمتعاونون المكشوفون والمعروفون، وأما الآخرون غير المكشوفين، فيوجد منهم وكلاء تجنيد، أي وظيفتهم تجنيد العملاء الجدد. وهناك متعاونون للمهمات حيث يرسلون لمهمات في قطاعات وأماكن أخرى، حيث هناك لا يمكن أن يعرفهم أحد. ويقول أحد العملاء في شهادة له لمنظمة بتسيلم (ن) ” أنا كنت وكيل مهمات وأجند عملاء، كما اشتركت في مهمات كثيرة للإمساك برجال المنظمات وخلاياهم أو قتلهم “. ( بتسيلم، 1993: 8)

ويذكر العاملين في الحقل الأمني بأن عملية تجنيد العملاء للمخابرات تمر بأربعة مراحل هي:

- مرحلة الفرز والاختبار: والغرض من هذه العملية الاحتكاك بالأماكن العامة كالنوادي والمطاعم والملاهي، لمراقبة الموجودين من الرجال والنساء. للبحث عن عملاء المستقبل.

- مرحلة الاقتراب وتنمية العلاقات وبناء الدوافع: إذا أثبتت المراقبة الدقيقة أن الهدف صالح للعمل التجسسي، يتم الاقتراب وتنمية العلاقات معه، لإجراء مزيد من التعارف، والوقوف على نقاط الضعف لديه، التي يمكن استغلالها، وتنمية الدافع حسب التعامل. فقد يكون الدافع مثلاً الانخراط في عقيدة معيّنة، كالادعاء بمكافحة الشيوعية، أو العمل من أجل حقوق الإنسان، أو الميل للخمر والنساء، أو لعب الميسر «القمار»، أو الحاجة إلى المال.

- مرحلة تدريب العميل: بعد السيطرة الكاملة على العميل ينال قسطاً من التدريب الجاسوسي على كيفية الاتصال مع الآخرين، واستخدام اللاسلكي، و لشيفرة والكتابة بالحبر السري… الخ.

- مرحلة التشغيل والعمالة: وهي المرحلة التي يبدأ فيها العميل بالعمل بتوجيه من المركز الذي يتبع له، في البلد أو المكان المراد التجسس عليه. (الحسيني،2002: الأنترنت)

4- المشاركة في أعمال إجرامية كالقتل: ووقد وصل بعض العملاء إلى مرحلة اللعودة، وذلك بتوريطهم بعمليات تصفية وقتل للمجاهدين مثل: العميل عياد من جنين الذي كان مخبراً وواحدا من كثيرين يبيعون عيونهم وآذانهم (للشين بيت) في المجتمع، حيث استطاع الإسرائيليون أن يجعلوا منه قاتلاً ضد أبناء شعبه. ولكن عندما تعرض هذا العميل لغضب الشعب وعقابه، وإحتاج إلى مساعدة من الشين بيت، فإنه لم يستطع أن يحميه. (رافيف، ميلمان،1991: 335)

5- منع ثورة الشعبية والانتفاضة: ومن مهام هؤلاء العملاء أيضاً، الحيلولة دون نهوض الشعب وقيامة بثورة ضد الاحتلال، وذلك بزرع بذور اليأس والإحباط، في نفسة وكيانة من جهه، ومن جهه أخرى أن يخبروا الإسرائيليين بأية محاولات كبيرة لتنظيم هذا السخط، وأن يعلموهم بالنشطاء الذين يحاولون تحويل المنظمات المهنية والاجتماعية إلى مراكز قوة سياسية.

6- تصفية وقتل العلماء والمفكرين: ومن المهمات الخطيرة لجهاز المخابرات الإسرائيلي الخارجي “الموساد”، قتل وتصفية العلماء مثل علم الذرة الكبير (المشد)، وكذلك العالم في مجال الإتصال بالأقمار الصناعية (سعيد بدير)، الذي وجد مقتولاً في شقتة بالأسكندرية. والذي تروى زوجته قصة ملاحقته وتقول: ” أنه خلال وجودنا بألمانيا، تعرضنا لعمليات ترهيب شديدة، خاصة بعد رفض زوجي تخصيص أبحاثه لصالح بعض الجهات الأجنبية، التي استخدمت معه كافة السبل لاغرائه.. لكنه أبى وخص مصر بأبحاثه جميعاً. وبسبب ذلك تعرضنا لألغاز عديدة في حياتنا، وكنا عندما نعود للشقة التي نقطنها.. فنلحظ بعثرة أوراقه.. وعبثا بمحتويات الشقة.. وكنا نجد الكتب وقد انتقلت من مكانها لمكان آخر.. وآثار أصابع فوق إحدى الخزائن المرتبة.. حالة من القلق اعترتنا أثناء النوم.. كنا نستيقظ على أصوات غريبة.. نضيء الأنوار فنجد المقاعد وقد انتقلت من موضعها، والصور المعلقة على الحائط نفاجأ بها معلقة في مكان آخر غير مكانها، كأن أشباح خفية كانت تطاردنا، وصرنا نمزح لنتغلب على مخاوفنا. ولكن في أحد الأيام، بينما كان (سعيد) يعبر أحد الشوارع.. كادت سيارة مسرعة إن تدهسه. وتوالت المكالمات الهاتفية على المنزل، ومضمونها واحد، الرضوخ أو التصفية “. (هيرش،1992 :130)

7- التجسس على الدول العربية: ومن أهم أهداف التجسس كذلك لدى الاسرائيليين التجسس عل الدول العربية وخاصة الشقيقة مصر، ومن أبرز عملاء الموساد لهذه المهمة كان بعض اليهود المصريون، أمثال (بول فرانك) والذي جند من أجل القيام بعمليات تجنيد واسقاط وتخريب داخل مصر، وهو الاسم الذي عُرف به هذا الجاسوس الإسرائيلي المحترف في مصر، وفي سجلات المباحث العامة. والذي من المؤكد أنه مجرد اسم مستعار فقط  دخل به هذا الجاسوس إلى مصر، واستخدمه في جواز سفره الألماني. واغلب الظن أن اسمه (افري العاد) الإسرائيلي. (حمودة، 1988:  101)

8- انتزاع الاعتراف من المساجين: أما دور العملاء في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، فقد كان يعتمد بشكل عام على القيام بدسهم في صفوف الشرفاء، أو إظهارهم بمظهر الحريصين على مصلحة الوطن، حتى يقع غيرهم في حبالهم، فهم قد كانوا كمثل العنكبوت ينصب حباله للفريسة ثم يقوم بامتصاصها. (مهنا، ب. ت: 142)

ومن أدوارهم الهامة أيضاً الإنزراع في أقبية الزنازين، أعبر غرف العار، ومن ثم القيام هناك بالتحقيق مع المساجين، أو استدراجهم للاعتراف والتعامل. وتقول منظمة بتسيلم في ذلك ” إن  المعلومات المتوفرة لدينا تطلعنا على أنَّ المتعاون الفلسطيني في السجون يزود بوسائل قتالية عنيفة – وهم يقومون بالتعذيب ليحصلوا على اعترافات من السجناء “. ( بتسيلم، 1993: 10)

ويستعمل العملاء للمواجهة مع المناضلين المعتقلين، حيث يمثلون خلال المواجهة، الأدوار المطلوبة منهم مثل التساقط، والاعتراف بما لديهم من معلومات، والقيام بتثبيط عزم المناضلين.

ويندس بعض العملاء في زنزانات المعتقلين، فيمثلوا عليهم دور المناضلين لكسب ثقته من أجل جمع المعلومات منهم، وإما يمثلوا دور المتساقط لإضعاف وخلخلة الوضع النفسي لهم، أو تمثيل دور الذي صمد وسيخرج إلى الحرية لعدم وجود أدلة عليه، ويعرض خدماته عليه، ويريد أن يحمل له رسالة إلى رفاقه خارج السجن، في محاولة لمعرفة علاقاته التنظيمية، واتصالاته.

ويمكن إجمال المهام التي يقوم بها العملاء داخل السجون الاسرائيلية في عدة نقاط هي:

- تجميع المعلومات عن المعتقلين للاستفادة منها في التحقيق.

- دسهم مع المعتقلين إما للتجسس عليهم، وإما لإحباطهم وتيئيسهم.

- الإلتزام مع المنظمات، ليحصلوا على معلومات عن الأشخاص الذين يتعامل معهم المعتقلين.

- الوصول إلى مواقع القيادة لاستغلالها في جمع المعلومات، وإحداث الفتن، وتشوية المناضلين الموثوقين والتشكيك بأخلاقياتهم، وطلب المعلومات عن المعتقلين الجدد لتقديمها للإدارة المعتقل.

- الدس بين المنظمات المختلفة في السجون، لدفعهم للخلافات والإقتتال فيم بينهم.

- تأجيج الخلافات العقائدية والدينية بين المساجين لشغلهم عن الصراع مع العدو، ولتبرير تصرفات إدارة السجون القمعية معهم، ثم القيام بحملات الطعن والتشكيك بالعمل الوطني.

-الوصول إلى المواقع الحساسة لكشف كل الاتصالات والأعمال ذات الطابع السري والعسكري.

- المشاركه في الزنزانة أو مع أي شخص، في أقبية التحقيق، لأن من يجند في أقبية التحقيق، يكون أكثر خطرا ممن يجند خارجها، لوعدهم بتخفيف الحكم إذا قدموا خدمات تستحق ذلك.

- يقوم بعض العملاء بأعمال من شأنها التشكيك بأخلاقيات المناضلين الصلبين أمام رفاقهم، مثل النوم بقرب أحد المناضلين بوضع معين، واتهام المناضل أنه حاول الإعتداء الجنسي عليه.

- استخدام “غرف العار” لنزع الاعتراف من المساجين. وهي التي يسكنها العملاء الذين تم كشفهم من قبل المساجين، فعزلتهم سلطات العدو لحمايتهم من المناضلين، في أقسام خاصة يسميها المناضلون «أقسام العار»، أو يسمونهم أحياناً بالعصافير. (الجبهة الشعبية، ب.ت: 40)

ظاهرة التعامل والتجسس عبر التاريخ:

للوقوف على حقيقة أي ظاهرة، لا بد من تتبعها عبر التاريخ البشري، وذلك لمعرفة جذورها وامتدادها فيه، ولا يمكن تناول هذه الظاهرة، مجردة من البعد الزماني، لأن له من الأهمية ما للبعد المكاني، بأعتبار أنه من خلال التفاعل الزماني والمكاني لأي ظاهرة يمكن فهمها والوقوف على حقيقتها. كما أنه من خلال التتبع لهذه ظاهرة تاريخياً أيضاً، نستطيع الوقوف على أثر العوامل المنتجة لها باعتبار أن لها جذوراً عميقة في عمر التاريخ البشري، تمتد منذ أقدم المجتمعات الغابرة حتى وقتنا الحاضر، وهى أقدم بكثير من المجتمع المتمدين.

وقد فطن الإنسان منذ فجر التاريخ البشري  إلى أهمية التجسس والاستفادة منه، مما جعله يستغل هذا الأسلوب في صراعه مع القوى المضادة له، بدءاً باستخدام أبسط الأساليب، ووصولاً إلى أعقد الطرق والوسائل والأساليب. (عاقل، 1973 : 232 )

فقد ورد في كتب، قدماء المصريين (الفراعنة) أنهم استخدموا هذا الأسلوب في صراعهم مع أعدائهم، وتؤكد المستندات القديمة أن فن المخابرات ” أي التجسس ” فن قديم جداً. فالمصريون كان لهم نظام تجسس منذ حوالي خمسة آلاف عام، وكانوا يعدون التجسس على أعدائهم فناً ولوناً من ألوان العلم الحربي، وهم أول من استخدم العمليات السرية وإن لم تكن على أساس علمي أو تنظيمي كما عرفت فيما بعد. (الجزائري، 1991:ج1، 9)

ويقول المؤرخ (لاديسلاس فاراجو) المصريون القدماء كان لهم إدارات مخابرات منظمة قبل السيد المسيح بعدة قرون. (الدغمي، 1985 :47 )

أما المؤرخ (هيرودتس) فيذكر من أشكال فن التجسس الذي عرفه قدماء المصريين، أن الرسائل السرية كانت تكتب في صورة وشم فوق رؤوس العبيد، ثم يرسل هؤلاء إلى الأهداف المقصودة، ويذكر أيضاً أن هذا الفن عرف أيضاً لدى الكلدانيين والأشوريين والبابليين. (الجادر،1987: 3)

كما كان أيضاً فن التجسس والجاسوسية وجمع المعلومات شائعاً بين الإغريق والفينيقيين والرومان والحضارات القديمة الأخرى، وعلى الرغم من عسر التكهن بما كان يحدث قبيل ظهور” العهد القديم ” إلا أنه يمكن التخمين بأن معرفة ما بحوزة العدو كان أمر هام لضمان أمن المرء وسلامته. (اللجنة، 1993 : 16)

وفي الإلياذة يتغنى الشاعر (هومر) بقصة رائعة من قصص الجاسوسية ” حين نقل الطرواديون بعض جنودهم ضمن جواد كبير صنعوه من الخشب إلى قلب مدينة العدو ، وسمي ” بحصان طرواده “. (عبده، 1989 ، 12 )

وقد عرف الصينيون أيضاً فن التجسس فقد أكد الوزير الصيني ورجل الاستراتيجية العسكرية   ( صن تسو ) في كتابه ” فن الحرب ” بأن أهمية المخابرات الجيدة تسبق الحرب نفسها.   (اللجنة، 1993 : 16 )

كما برع اليهود منذ القدم، في استخدام أسلوب التجسس ضد خصومهم وأعدائهم. وقد ورد ذلك بوضوح في التوراة، حيث كان التجسس المنظم، في العهد القديم، مهنة معترفاً بها بين الإسرائيليين القدامى، وهم يعتبرون موسى عليه السلام أول من قام  باعتماد التجسس على الأعداء قبل ملاقاتهم. (ديكون، 1991 : 45-46 )

كما أن كل من يقرأ التوراة، يجد بأن نشاط الجواسيس أبان غزو فلسطين، كان له دور بارز.  حيث كان قديماً كثير من اليهود يعتبروا أنه حتى عندما كانت الأسلحة وفنون الحرب بدائية، كان فوز القائد يتوقف دائماً على معرفته بأوضاع العدو وموارده الاستراتيجية. (هاتون، 1980: 5 )

وقد حافظ اليهود عبرتاريخهم على أهمية التجسس لديهم، وذلك إما بدافع الإجلال واما بدافع التشريد والاضطهاد الذي تعرضوا لها عبر العصور. ولهذا فقد احتل اليهود معظم المناصب الهامة للجاسوسية والعمل السري في شتى أنحاء العالم، ففي بريطانيا معقل الجاسوسية شجع البيورتاينون، برئاسة (كروميل) الهجرة اليهودية، وكان (جون ثورلو) رئيس جهاز المخابرات آنذاك أول من قدر اليهود كعملاء ممتازين للعمل معه لصالح بريطانيا. (ديتل، 1993: 6)

كما استخدم ” الاسكندر المقدوني” هذا الفن من خلال الطلائع وفرق الاستكشاف وأكثر ما استعمل الفرسان للكشف البعيد، وهو أول من استعمل الحصن في الجبال للكمائن، وأول من اتخذ الجواسيس والعيون على العدو.

وقد كان التجسس أيضاً مهماً لدى المغول، فمثلاً كان (جنكيز خان) رجل الحرب القوي، يرسل الجواسيس بذكاء قبله، كما حصل في التقدم المغولي عبر آسيا في القرن الثالث عشر.

وخلال العصور الوسطى بدأت تتبلور فكرة التجسس حتى في أوقات السلم. حيث لاحظت الحكومات أن معرفة جاهزية الدول الأخرى قبل اندلاع الحرب تحدد نتائجها. ومع تقدم الزمن خلال القرن العشرين، اعتمدت معظم القوى الأوروبية على خدمة الجواسيس في المستعمرات. (بوست، 1994: 3)

وقبل الإسلام نشطت الإمبراطوريات العظيمة في استخدام التجسس على بعضها البعض كدولة الفرس ودولة الروم، حيث كانت الحرب بينهما محتدمة في كثير من الأحيان، واستعمل سلاح التجسس بينهما كوسيلة عسكرية هامة، وكان التجسس يتم في بيوت تجارية يستخدمها الرومان للشئون التجارية في الظاهر وللتجسس على أحوال العرب في السر، ولما ظهر الإسلام اعتمدوا أيضاً على التجسس ضد المسلمين بشكل موسع.

أما العرب في الجاهلية فقد عمدوا إلى استخدام العيون للتجسس على الأعداء في صورة تجار أو مسافرين أو على هيئة سرايا صغيره تتقصى آثار العدو وتسأل من تلتقي بهم من الركبان عن أحوالهم. (الدغمي ،1985 :48-52 )

التجسس والتعامل من منظور الإسلام:

ورد التجسس في القرآن الكريم في قوله تعالى ” يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً”. (الحجرات:12)

وفي قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَ كُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً “. (العسقلاني،ب.ت:448)

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله فى قعر بيته “. وقوله صلى الله عليه وسلم ” من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صب فى أذنيه الإنك يوم القيامة “.

وقد استخدم في التاريخ الإسلامي مفاهيم أخرى للتجسس والجاسوس، تحمل نفس المعنى والمضمون، مثل: مفهوم (العين)، حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً يوم فتح مكة، ” اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها”.

كما استخدم مفهوم (الخائن) بنفس المعنى، وذلك في قوله تعالى” يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرّسولَ وتَخُونْوا أَمْاناتِكِمْ “. (الأنفال: 27)

وقد فسر(عمر بن الخطاب) رضي الله عنه عمل (حاطب بن أبي بلتعه) بالخيانة -عندما أرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم فيها بتحرك الجيش الإسلامي لغزوهم – فقال: يا رسول الله  ” إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني أضرب عنقه “. ولم يشفع له إلا أنه من المقاتلين الأوائل، مع الرسول في غزوة بدرالكبرى.

ولكن في موضع آخر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل أحد العملاء الذين قاموا بالتجسس لحساب العدو، فعن سلمه بن الأكوع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر فجلس مع أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: “اطلبوه فاقتلوه، فقتلته، فنقلني سلبه” رواه البخاري وأبو داود. (ناصف،1932: 401)

وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الاتصال بالعدو وإعطائه معلومات عن المسلمين، لأن في ذلك خيانة لله وللرسول وللمؤمنين، وقالوا: إذا لم يكن لتجسس المسلم تأويل معقول، أو عذر مقبول، وأنه قام بعمله خدمة للأعداء وموالاة للكفار، وكراهية للمسلمين وحقداً عليهم، ومحبة للأعداء وإخلاصاً لهم، واستهتاراً بحق المسلمين ومصيرهم، فإنه يجوز للأمام أن يأمر بقتله تعزيراً ليكون عبرة لغيره “.(الدغمي،1985 :156-161)

وأما إزاء العناصر المعادية والاجنبية يجوز للدولة التجسس على الاعداء، وهو عمل مشروع – مطلقاً – وهو ضرورة من ضرورات الحرب، وقد ندب رسول الله (ص) من يؤديه من صحابته الاجلاء، كحذيفة بن اليمان، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن أنيس، وخوات بن جبير، وعمرو بن امية، وسالم بن عمير، وغيرهم. وبذا، فان المسلمين مكلفون باستطلاع اخبار العدو ومواطن ضعفه، ومواقع آلياته، وحركة جنده، ويعتبر ذلك كله جهاداً في سبيل الله، يجزى فاعله خيراً: لقوله تعالى “ولا ينالونَ مِن عدو نيلاً إلاَّ كتبَ لهُم بهِ عملٌ صالح”. (التوبة:120)

وقد استعمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم الجواسيس والعيون ضد الأعداء منذ فجر الدعوة، ففي طريق هجرته من مكة إلى المدينة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه استخدم عبد الله بن أبي بكر جاسوساً له في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله وأبي بكر نهاراً، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر”. (هارون ،130:1373)

وبعد الهجرة إلى المدينة، وتكوين الدولة الإسلامية بدأت المخاطر تزداد على المسلمين ، مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستخدم التجسس  لحرصه الشديد على أن يعرف عن خصمه كل ما يستطيع أن يعرفه، حيث كان يبث العيون في مكة ليأتوه بأخبارها، ومنهم عمه العباس بن عبد المطلب، وبشر بن سفيان الفنكي. (مناصره،1991 : 124)

وقد أرسل له العباس بوقت خروج قريش لقتاله في أُحُد، كما أعلمه بعدد قواتها، وأسرع حامل رسالة العباس وقطع المسافة في ثلاثة أيام ليبلغه الخبر، وقد كان العباس يرغب في الهجرة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب إليه:إبق مقامك في مكة. (الدغمي،1985 : 59)

كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يهتم باقتفاء أخبار العدو واستطلاع خباياهم، فكان يبعث العيون ليأتوه بخبرهم، وقد أرسل عبد الله بن جحش سنة اثنتين للهجرة في اثني عشر مهاجراً بعد أن دفع إليه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما مضى اليومان نظر عبد الله فإذا فيه ” إذا نظرت إلى كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد لنا قريشاً، وتعلم لنا من أخبارها “. (نوفل، 1983 :110)

كما بعث صلى الله عليه وسلم بسبس بن الجهني وعدي بن الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره. (هارون،1374: 156)

وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ هوازن وثقيف أرسل  “عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ” ليأتيه بالمعلومات اللازمة عنهم، فدخل فيهم، وعرف ما أجمعوا عليه، وسمع من مالك بن عوف قائد هوازن، ثم جاء إلى رسول الله يخبره بالخبر. وفي غزوة الأحزاب، جاء ” نعيم بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يكلفه بأي عمل يقوم به ضد المشركين، حيث إن قومه لا يعلمون بإسلامه، وقال يا رسول الله ” مرني بما شئت ” فقال صلى الله عليه وسلم ” إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا. (الدغمي، 1985 :59-70)

وعندما أشتد الكرب في هذه الغزوة، أرسل صلى الله عليه وسلم “حذيفه بن اليمان” للتجسس في صفوف العدو. وقال له: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم ، وفعلاً ذهب “حذيفة” ودخل صفوفهم واسترق السمع عليهم ، وجاء بخبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.      (أيوب، 1977 :264 )

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير: ( أنا ) قالها ثلاثاً، ويجيبه الزبير، ثم  قال صلى الله عليه وسلم: إنّ لكل نبي حواريين وأن حواري الزبير. رواه الشيخان. (ناصف،1932: 402)

ومن بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ظل الصحابة والتابعين يهتمون في حروبهم بالعمل التجسسي، وليس أبلغ في ذلك من وصية (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه لقائد جيشه في مصر التي يقول فيها: “ابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم قوة لهم على استعمالهم الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان فإن أحداً منهم بسط يده إلى خيانة، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه”. (مناصره، 1991 : 186)

التجسس والتعامل إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين:

ارتبطت ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني في فلسطين بمجرد دخوله للبلاد، عام (1916)، حيث حدد دوره بداية في إتجاهين الأول: تثبيت سياسة فرق تسد وتمزيق بنية الشعب الفلسطيني وقواه، وتكريس تناقضاته، والاتجاه الثاني: تثبيت المشروع الاستعماري الصهيوني على الأرض الفلسطينية. ووفق هذا المنطق بدأ الاستعمار البريطاني يبحث عن دعم ومساندة له من بعض الشرائح والطبقات الاجتماعية وبعض الأحزاب والمؤسسات، وشكلت الطبقة البرجوازية الإقطاعية، الشريحة المتعاونة مع الاحتلال آنذاك، ومن هذه اللحظة نبتت أول شجرة للعملاء والمتعاونين، الذي شكل السماسرة، والوجهاء وباعة الأراضي، أهم ملامحها، وإلى جانب مساعدة هذه الطبقة  للاحتلال البريطاني، فقد أفلح كذلك في خلق أحزاب وقيادات لصيقة به إرتبط مصيرها بمصيره، فبدأت تأخذ دورها في تشويه سمعة الثورة الفلسطينية. وهكذا شكلت ظاهرة المتعاونين تاريخيا خنجراً مسموماً في ظهر الشعب والثورة. (البيومي، 1994 : 13 )

وعلى أثر تفاقم وتنامي هذه الظاهرة قام القسام ورجاله بملاحقة هؤلاء العملاء والجواسيس، الذين يتعاملون مع الإنجليز واليهود، جنباً إلى جنب في حربهم العسكرية ضد القوات العسكرية البريطانية والصهيونية، وعُرف آنذاك من العملاء الخطرين الذين تم تصفيتهم (حليم سبطه، وأحمد نايف، ومحمد العصفوري) من حيفا، و(يوسف جليله) من عرابة و (سليم فرج) من يافا، وآخرون. (حموده، 1985 : 118)

وبفعل هؤلاء وأمثالهم أفلح المحتل البريطاني في تمزيق الشعب الفلسطيني وتحطيم وحدته، حيث إنه في الوقت الذي كان فيه القسام ورجاله  يوجهون الرصاص للإنجليز والصهاينة على حد سواء، كان خط الوجهاء والمتعاونين مفتوحاً على المحتل البريطاني يشكل معه أداة قمع للشعب والجماهير.

 

إسرائيل دولة التجسس والجواسيس:

اتصف اليهود بالبراعة في فن التجسس والتعامل عبر تاريخهم الطويل، كما امتاز الجواسيس والعملاء منهم بروح الغدر والخيانة وعدم الأخلاق، من أجل إصابة أي هدف يريدوا أن يحققوة.

حيث كان لهم دور نشط في أغلب عمليات التجسس في أوروبا في القرن الحالي، وقد  عمل بعضهم جواسيس مزدوجين، وأحياناً عملاء لثلاث جهات، مستخدمين التجسس مهنة، وليس دعوة وطنية. ( ديكون، 1991: 53)

كما سخرهم الإنجليز لأعمال الجاسوسية في فلسطين لخدمة مخططاتهم الإستعمارية، وكانت كبرى هذه الأعمال قيام عائلة (أرون أرنسون) اليهودية بإنشاء شبكه تجسسية في محطة تجريبية في عتليت على الساحل الفلسطينيي، وعبر ذلك كانوا يكتسبون تدريباً متواصلاً ويحرزون خبرة عالية في التجسس الذي أصبح ذا قيمة هائلة لهم حين أقيمت إسرائيل، وجعلهم بذلك يحرزون تقدماً سريعاً في هذا المجال. حيث يقول ديكون ” لولا الفيلق الصلب من رجال المخابرات الإسرائيلية العاملين من أجل الصهيونية لما ظهرت إسرائيل في الوجود. (ديكون، 1991: 26)

ولذلك بدأ الاهتمام أولاً بالعمل التجسسي، بإنشاء نواة الأجهزة الأمنية باعتبارها أحد ركائز المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة الدولة اليهودية، ويمكن القول إن الاهتمام الصهيوني بذلك النشاط قد فاق بكثير النشاطات الموازية على هذا الصعيد في الدول الأخرى المجاورة، باعتبار أن الحصول على المعلومات السياسية والاقتصادية والعسكرية، واختراق الأجهزة الموازية في الدوائر المحيطة بفلسطين، أمراً حيوياً وضرورياً لإنجاح المشروع الصهيوني، وخاصة على صعيد استجلاب المهاجرين اليهود عبر الدول العربية إلى فلسطين، كما كانت الأجهزة الأمنية حيوية وضرورية للحفاظ على الأمن الداخلي للمشروع ومؤسساته. (الجزائرى، 1992: 17)

ومن هذا المنطلق بدأت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لولادتها تشحذ هممها وترسل الجواسيس والعملاء ليتجسسوا على الدول العربية، مما جعل أتون الحرب السرية بين المخابرات العربية والإسرائيلية تستعر وتشتد. وقد أفلحت مخابرات الدول العربية في اكتشاف وتفكيك بعض أو أكثر شبكات التجسس التي أقامها اليهود في البلاد العربية.

ومن أهم الشبكات التي تم اكتشافها تلك الوحدة التي شكلتها الموساد للقيام باغتيال العلماء الألمان الذين قدموا لمساعدة مصر فنياً وعلمياً، والتي ترأسها جاسوس ألماني إسرائيلي، يدعي (فولفجانج لوتز) الذي كانت أمه ممثلة يهودية تزوجت من ألماني يعمل مديرا لأحد المسارح، ثم هربت إلي فلسطين عام 1933. والتحق (لوتز) هناك بعصابات الهاجاناه، ووصل لرتبة ميجور في مخابرات وزارة الدفاع الاسرائيلية. وبسبب ملامحه الالمانية الأرية، أرسل للعمل كجاسوس بين العلماء الألمان في مصر. وقد إستغل الموساد أساليب الإبتزاز والإرهاب لإجبار المسئولين الألمان علي التعاون معهم. وتم تدريب (لوتز) في مؤسسة تابعة للمخابرات الألمانية. ثم سافر إلي مصر متنكرا في شخصية ألماني يتحدث اللغة العربية، واستأجر فيلا في ضاحية مصر الجديدة وتظاهر بأنه من هواة تربية الخيول العربية، وإنضم لعضوية نادي الفروسية في الجيزة. وعبر هذا الموقع، استطاع الدخول في صداقات عديدة مع هواة الخيول. ودخل في مجتمع الألمان الذين يقيمون في مصر، حيث كان ينفق عليهم بسخاء، ويقيم لهم الحفلات من أموال المخابرات الإسرائيلية. ونظرا لخبراته الهائلة في المجال العسكري، استطاع أن يزود الموساد بمعلومات خطيرة عن برامج الصواريخ المصرية. وعلى أثر ذلك، وفي مواجهة هذا الوضع، قررت أجهزة المخابرات الاسرائيلية عام 1962 تنفيذ عملية في مصر أطلق عليها اسم ” دامو كليس” تتمثل في تدبير اغتيالات وتفجيرات ضد العلماء الألمان في مصر. وتم ارسال خمسين خطاب تهديد لهؤلاء العلماء وبعد ذلك، بدأت شحنات الطرود الناسفة تنفجر في العلماء الألمان. وواصل لوتز عمله السري في مصر وهو يشعر بأنه في أمان تام لدرجة جعلته يتجاوز كل حدود الحيطة والحذر. ولكن عندما حصلت مصر علي بعض الأجهزة الإلكترونية المتقدمة من الاتحاد السوفييتي، تمكنت المخابرات المصرية من رصد رسائل الراديو التي كان (لوتز) يبعث بها لاسرائيل، وتم القاء القبض عليه في عام 1965 وقدم للمحاكمة. (شهيب،2002: الأنترنت)

كما سعت كذلك للتعرف على السلاح العربي، حيث أغرت العميل الطيار (عباس حلمي) في بداية عام 1964 بالهرب بطائرته السوفيتية التي كان يعتقد بأنها طائرة الميج السوفيتية الحربية، ولكن لخيبة الموساد الإسرائيلي لم تكن الطائرة ميج بل كانت طائرة تدريب من نوع ياك سوفييتية الصنع، ومع ذلك استقبلت إسرائيل عباس حلمي بالترحاب الشديد وقام الموساد باستجواب عباس حلمي عن كل شيء عن الطيران المصري، وذلك لمدة أسابيع كاملة، بعدها طلب الخائن الثمن. وبعد أن عرض عليه رئيس الموساد العمل في إسرائيل وجد عباس حلمي انه لم يتأقلم مع الجو العام، وطلب إعطائه هوية جديدة وغطاءً مدنياً جديداً، ومساعده الموساد للسفر إلى الأرجنتين. (مجدي، 1993: 82)

ولم يقتصر النشاط التجسسي الإسرائيلي على مصر بل طال هذا النشاط التجسسي معظم الدول العربية خاصة سوريا ولبنان والأردن، ولا ننسى عملية التجسس التي قام بها الموساد الإسرائيلي عبر الجاسوس المشهور (إيلي كوهين) عام 1965 التي ما أن تفجرت هذه القضية حتى كادت تطيح برؤوس الكثيرين من الشخصيات في سوريا، التي كانت تربطها علاقات حميمة بهذا الجاسوس. الذي قدم لدمشق بشخصية جديدة عربية إسلامية من اصل سوري يعيش خارج وطنه، مدعياً أنه رجل أعمال ومستثمر مما جعله ينجح في بناء علاقات وصداقات رفيعة المستوى، ولتحقيق غرضه استأجر شقة في حي أم رمانة في دمشق، القريب من وزارة الدفاع السورية. ومن هناك كان يرسل عبر اللاسلكي بالمعلومات التي كان يحصل عليها لإسرائيل أولاً بأول. ولم يتوقف حتى تم اكتشافه وإعدامه عام 1996. (بن فورات، دان،2002:الأنترنت)

ومعركة التجسس بين اسرائيل والدول العربية ما زالت  محتدمة حتى بعد توقيع معاهدات السلام من قبل بعض الدول العربية، دليل ذلك اكتشاف شبكة التجسس التي نفذت محاولة  الاغتيال التي تعرض لها (خالد مشعل) أحد قيادات حركة حماس في الأردن، رغم حالة السلام الموقعه بينهما.

والأمر الأغرب حتى أن الحليف الإستراتيجي الأكبر لإسرائيل -الولايات المتحدة- لم تسلم من عمليات التجسس عليها من قبل الموساد الإسرائيلي، حيث بادر رجال الموساد ومنذ بداية العلاقة مع وكالة المخابرات المركزية إلى التنصت على مسئولين في الإدارة الأمريكية، وتسجيل أحاديثهم لابتزازهم من أجل الحصول على معلومات فنية حساسة منهم. وهذا ما كشفت عنه وثائق السفارة الأمريكية في طهران التي استولى عليها رجال الحرس الثوري الإسلامي بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. والتي من ضمنها وثيقة  تبين أن المخابرات الأمريكية اكتشفت ميكروفونات سرية عام 1954 في مكتب السفير الأمريكي بتل أبيب، وكذلك أجهزة تنصت في مكتب الملحق العسكري عام 1956، وذلك على الرغم من توصل جهازا المخابرات الإسرائيلي والأمريكي خلال عهد (عيزرا هاريل – ودالاس) لاتفاق يقضي بحظر الأنشطة السرية لأحدهما ضد الآخر. إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع عملاء الموساد في أمريكا -العاملين في وحدة التجسس الإسرائيلية في أمريكا والتي تسمى ميغا- من القيام بجمع المعلومات عن شخصيات ومؤسسات أمريكية والعديد من الأنشطة من وراء ظهر وكالة المخابرات المركزية، مثل سرقة وثائق شركات ومؤسسات أمريكية، كان أبرزها سرقة وثائق مكنتها من الحصول على عطاء طائرات استطلاع أمريكية تطير بدون طيار، وذلك بعد تخفيض عطائها بقيمة ما كانت ستنفقه على هذه الأبحاث المسروقة. (شهيب،2002 : الأنترنت)

إن الإسرائيليين مولعون، بل ويتباهى بممارسة الأعمال التجسسية. حيث يصف (شامير) رئيس حكومة اسرائيل، أيام عمله التجسسي بقولة: ” لقد كانت أيامي في الموساد هي من أسعد أوقات حياتي “. وعملياً بعد أن ترك هذا العالم الذي يعمل في الخفاء والذي قضى فيه معظم شبابه، بقى على علاقة طيبة بزملائه القدامى في الموساد رغم تركه إياهم.(كوكريدج، 1993، 193)

ولذلك نستطيع أن نجزم بأن دولة إسرائيل التي أقيمت على الأرض المحتلة من فلسطين منذ اغتصابها عام 1948 وحتى تاريخه، هي دولة تجسس، حيث لم تقم بعمل من أعمالها العدوانية إلا وكانت المخابرات الإسرائيلية من ورائها، ويُظهر هذا الواقع التجسسي لهذه الدولة أن هذا الاهتمام ليس بالأمر الجديد، لأنه نما وترعرع مع هذا الكيان جنباً إلى جنب مع صراع الحروب العسكرية. (الجزائري،1991 :425 )

بداية التجسس والتعامل في المناطق المحتلة عام 1967 من فلسطين:

أن ظاهرة التجسس، تشكل حلقة من حلقات الصراع الممتد بين المتخاصمين والأعداء عبر التاريخ، وتزداد هذه الظاهرة في حجمها عندما يتمكن أحد هؤلاء الأعداء من السيطرة والتمكن

من احتلال بلد الطرف الآخر، حيث يتحول هذا التعامل من عمل فردي شاذ وقليل جداً لا يشكل بمجموعة ظاهرة اجتماعيه مؤرقة للمجتمع. إلى ظاهرة اجتماعية تمثل مشكلة اجتماعيه تقلق المجتمع الذي أُحتل، لأن التعامل والاحتلال صنوان لا ينفصلان، فأينما وجد احتلال أجنبي لبلد ما، لا بد من وجود جيش من العملاء له من أهل المناطق المحتلة، يشكلون بمجموعهم ظاهرة مرضية وغير سويه.

ولذلك منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 وبسط سيطرته على الأرض الفلسطينية، أراد التمكن كذلك من بسط سيطرته على السكان أيضاً، وذلك لمحاولة منع أي أعمال تمس أمن إسرائيل. وكرد طبيعي وشرعي للاحتلال الإسرائيلي للمناطق وُجِدَت المقاومة السياسية وغير السياسية من جماعات وأفراد فلسطينيين. مما دفع اليهود لتشكيل شبكة من العملاء بين السكان الفلسطينيين من أجل مجابهة هذه المقاومة واجتثاثها. وذلك عبر تدعيم الارتباط الاستخباري بين العناصر المحلية وبين جهاز “الشين بيت ” بوسائل الإغراء المادي، أو باستخدام القوة والتهديد، أو بأي شكل من الأِشكال الأخرى، التي ينتج عنها نوع من الارتباط بين المواطن، وجهاز الاستخبارات العامة. (أبو هين، 1993 : 2)

لقد كانت أبرز سياسات التخريب التي مارسها الاحتلال منذ البداية وحتى الأن في أرض الوطن، هي سياسة تجنيد بعض الأشخاص لخدمة مصالحه، بسحبهم من الصف الوطني، وزرعهم في جسم الشعب الفلسطيني كخلايا سرطانية، على جميع المستويات، وفي كل الجبهات، وداخل كل الشرائح والفئات الاجتماعيه، التي أصبحت شعورياً وعقلياً ومصيرياً مرتبطة بالعدوالإسرائيلي.

ومن أجل ذلك استغلت إسرائيل جميع الخدمات المدنية وغير المدنية، كمثل: الموافقة على طلبات التصاريح المختلفة – المرتبطة ارتباطاً مباشراً ومشروطا بموافقة جهاز الأمن العام – مقابل الموافقه على التعامل. كما استخدمت أيضاً الإدارة المدنية، بجعل الخدمات المدنية سلاح لابتزاز المواطنين من أجل الارتباط، مما قد أدى إلى سقوط بعض الأفراد في العمالة نزولاً تحت تحقيق هذه الرغبة أو الحاجة. كما لم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بالضغط على الناس باستغلال حاجاتهم مباشرة، بل فتحت المجال لعملائها أيضاً بابتزاز الناس للاستفادة المادية منهم. ومن خلال هذا النشاط أقام الكثيرون من العملاء علاقات مكشوفة مع موظفي الحكومة العسكرية، وجهاز الأمن العام. وقد كانت هذه الروابط مصدراً للقوة والتأثير، وفي بعض الحالات مصدراً مهماً للدخل. (بتسيلم،1993: 3)

ولكن الملفت للنظر أنه برغم هذه السنين من عمر الإحتلال، فإن جهاز المخابرات الإسرائيلي لم يفلح في خلق تجمعاً خاصاً بالعملاء – رغم محاولة إنشاء روابط القرى الفاشله – كما أفلح من قبل الاحتلال النازي في أوروبا من خلق بعض الحكام المحليين المتعاونين معه، وكما أفلح الاحتلال البريطاني في فلسطين بإنشاء بعض القادة والأحزاب التابعة له، حيث كان الفشل قريناً لكل هذه المحاولات، وذلك بسبب العمق الحضاري الذي يفصل اليهود عن المسلمين، ولم يسجل  في تاريخ فلسطين أن تعامل أحدُ، على أساس ديني أو أيدلوجي أو مذهبي، وهذا يعني أن هذه الظاهرة، وإن شكلت كماً لا بأس به على المستوى الفردي إلا أنها لم تتجذر روحياً ووجدانياً وعقلياً لدى الجماهير.

البعد التاريخي وعلاقتة بظاهرة التعامل:

إن التجسس والتعامل، لم ينقطع تاريخياً، وذلك لإرتباطه بالمصالح العليا بين الدول، وخاصة الدول المستعمرة والمحتلة للشعوب الأخرى. حيث يتعلق وجوده دوماً بوجود الاحتلال، الذي لم ينقطع خلال الحقب التاريخية السالفة من حياة البشرية. فمتى وجد الاحتلال زمانياً، فإنه يوجد مكانياً، وإن إختلف هذا الوجود شكلاً ومضموناً من مجتمع إلى آخر، أومن بلد إلى آخر. والواقع المقروء والمشهود يؤكد بأن ظاهرة التعاون مع الأعداء لا يمكن أن توجد إلا في ظل احتلال، فحيثما وجد الاحتلال  تنشط عمليات التجسس والتعاون مع المحتل. أي أن البعد التاريخي لظاهرة التعامل، مرتبط بشكل وثيق بوجود الاحتلال في أي بلد. لذا فإن مفهوم التعامل مفهوماً مقترناً بالاحتلال، أكثر من  مفهوم التجسس الأكثر شمولاً. (عباس،2000: 120)

ويزداد التجسس والتعامل عمقاً وتأثيراً إذا إستطاع المحتل أن يحوله إلى ظاهرة، أو مشكلة اجتماعية يخلقها المحتل، وينشط عواملها الكامنة، ويوفر لها المناخ المناسب الذي يكفل نماءها وبقاءها باعتبار أن أي ظاهرة سلبية، أو أي موقف سلبي حتى على صعيد الفرد لا يوجد إلا بتفاعل المكونات الداخلية التي تشكل شخصيته، بما تشمل عليه من صفات وسمات شخصية، وعوامل كامنة أنشأتها عوامل أخرى سيئة كالتنشئة الاجتماعية الخاطئة، وغيرها من العوامل السلبيه، بالإضافة إلى الموقف الضاغط. فإذا تناغمت المواقف الضاغطة ولاقت قبولاً واستجابة مع المواقف الكامنة حدثت المشكلة، وحدث السلوك الخاطىء، وهو ما يخطط له العقل الاستخباري الإسرائيلي جيداً. حيث برع في خلق المناخ والأرضية اللازمة للتعامل بما يمتلكه من السيطرة على بعض العوامل الكامنة، التي يوظفها للانحدار في الانحراف نحو العمالة والجريمة، وأبرزها المواقف الضاغطة التي  يستغلها لابتزاز الأفراد وربطهم به والتعامل معه.

وهذا يؤكد أن هناك عوامل مهمة أخرى تقف خلف ظاهرة التعاون، وربما تكون أكثر التصاقاً وأهمية من العوامل التقليدية العادية التي تؤثر في الظواهر الأخرى، وذلك باعتبار الظاهرة الاجتماعية انعكاساً للواقع الاجتماعي الذي يحياه المجموع، وتتطور بشكل طبيعي، وفق تطور العلاقات الداخلية للمجتمع. ولكن إذا لم يستطع المجتمع أن يحل إشكاليات هذه الظاهرة، فإنها تتحول إلى مشكلة اجتماعية، ربما تتطور هذه المشكلة سلباً فتتحول إلي أزمة يستعصي حلها والتعامل معها.

مناقشة حجم  ظاهرة التعامل بفلسطين:

من الضروري قبل مناقشة أي ظاهرة أو مشكلة اجتماعية وإخضاعها للبحث والدراسة، من الوقوف على حجمها. ومن أجل ذلك لا بد من مناقشة حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي وفق ما توفر من معلومات وبيانات وذلك رغم الضبابية في تحديد حجمها الحقيقي.

فعلى صعيد الإحصائيات الرسمية لحجم هذه الظاهرة فإنها تكاد تكون معدومة. حيث لم تصدر حتى الآن إحصائيات رسمية معتمده، من أي جانب رسمي، سواء أكان فلسطينياً أو إسرائيلياً. (عباس، 2000: 73)

كما لم يذكر أي مرجع إسرائيلي معتمد عدداً محدداً للعملاء، وإنما هناك تقديرات غير رسمية صدرت في بعض الكتب والمراجع. فعلى سبيل المثال يقدر (روني شاكد ) في جريدة يدعوت أحرنوت، عدد المتعاونين ما بين أربعة آلاف ـ عشرة آلاف متعاون. (أبو نجيله،1998: 40)

أما (دان رافيف، ويوسي ميلمان) من جهاز الشين بيت، فيعتبرا بشكل عام أن مخبري جهاز “الشين بيت” المعروفين يبلغون آلافاً من فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث قالا: ” بأن الجهد الذي بذل في التجنيد من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، قد أدى إلى نشر آلاف المخبرين في المجتمع الفلسطيني، من عمال المصانع حتى المثقفين. (رافيف، وميلمان،1991: 336)

أما منظمة “بتسيلم” فإنها في تقريرها الصادر عام 1993 ، فقد أوردت بأنه قد عملت عدة أجهزة لإجبار الفلسطينيين على التعامل معها، ومن أهم هذه الأجهزة الشاباك والإدارة المدنية والشرطة، والعاملون معها يعملون بصورة سرية أو علنية. وإنه حسب تقديرات مختلفة، يعمل في هذه المناطق آلاف العملاء وغالبيتهم عملاء سريين. ولم يذكر في التقرير عدد المتعاونين مع الاحتلال، ولكنه حصر الذين قتلتهم المنظمات الفلسطينية بتهمة التعاون مع المخابرات الإسرائيلية في الإنتفاضة الأولى بـتسعمائة واثنين وأربعين شخصاً، وذلك حسب إفادة المتحدث الرسمي باسم جيش الدفاع الإسرائيلي. (بتسيلم، 1993 : 4)

كما أكد (فضل أبو هين) أنه لا توجد لدينا دراسات أو أرقام حقيقية عن حجم انتشار هذه المشكلة في الأراضي المحتلة، ولكن المتوفر حاليا هو عدد القتلى من الفلسطينيين بحجة التعاون مع السلطات الإسرائيلية منذ بداية الانتفاضة، حتى عام 1993م.(أبو هين،1993: 2)

كما أنه قد ورد في تقرير عن دراسة للجنة القضائية في الضفه الغربيه يقول فيه ” بأنة حسب المعلومات التقريبية لدينا فإن جهاز الأمن الوقائي وحده في منطقة الضفة الغربية قام باستدعاء ما يقرب من 2000 متهم بالتعامل مع السلطات الإسرائيلية. والموقوف منهم حتى منتصف شهر تموز1996 حوالي 20 فقط لا يزالون تحت التحقيق إلى حين الانتهاء منه، ويتم اتخاذ القرار المقتضي بحقهم.  (اللجنة القانونية، 1997: 14)

ولكن (عطا الله منصور) في مقال له  نُشر في يناير 1994 بعنوان ” ظاهرة القتل للمتعاونين ” يقول: بوجود آلاف من المتعاونين المعروفين للشعب، الذين يعيشون داخل الأراضي المحتلة قبل عام 1948، حيث يواجه المحتلون مشكلة إستيعاب هؤلاء العملاء وعائلاتهم، والبالغ عددهم خمسين ألف متعاون. (أبونجيله،1998: 40)

إن هذا التناقض في طرح الأرقام يدل على أنه ليس هناك اتفاق على تقدير عدد العملاء الذين تم ربطهم بالأجهزة الأمنيه الإسرائيلية، حيث أن جميع المصادر الإسرائيلية والفلسطينية لا تؤكد رقماً معيناً لحجم هذه الظاهرة. وجميع هذه المصادر يكتنفها التناقض والغموض، مع العلم بأن بعض المصادر التي نستقي منها التقديرات لا تتبنى الأسلوب العلمي المناسب في تقدير حجمها.

وبسبب هذا التناقض في الإحصاءات المتوفرة عن هذه الظاهرة، فإن الباحث سوف يكتفي بالتأكيد على وجودها بشكل واقع ومفروض، مع عدم القطع أو الجزم في تقدير حجم هذه المشكلة، والتعامل مع كل الأرقام والإحصائيات بشكل تقريبي فقط. (عباس، 2000: 73)

ويعزي الباحث هذا التناقض والاختلاف في تحديد حجم هذه الظاهرة في عدة نقاط هي:

- خصوصية الموضوع وسريته، واحتكار الأرقام الحقيقية لحجم هذه الظاهرة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها.

- إن تحديد العدد الدقيق هو من مهمة الجانب الإسرائيلي، حيث  إنه الطرف الوحيد الذي يستطيع إعطاء رقماً حقيقياً لهذه الظاهرة باعتباره المسبب الأساسي لها.

- إن السلطة الوطنية الفلسطينية ليس بمقدورها تحديد حجم هذه الظاهرة بشكل قطعي ولكن يمكنها وضع  إطار كمي تقريبي فقط، من خلال ما تم كشفه من العملاء.

- كما يرجع ذلك إلى اختلاف الإسرائيليين والفلسطينيين في تعريف العميل، وحتى خضوع هذا المفهوم في الجانب الفلسطيني إلى الاتساع والضيق من فترة إلى أخرى.

- إن عامل الزمن له تأثير على عدم دقة إحصاء حجم هذه الظاهرة، حيث تمتد زمانياً منذ دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى الضفة وقطاع غزة.

- إن الاتساع الأفقي الجغرافي يلعب دوراً في عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق، باعتبارها ممتدة إلى جميع أرجاء الضفة وقطاع غزة.

- صعوبة تحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال، لتأثر هذا العدد بأهالي العملاء، إذ يعد أهالي العملاء الذين هربوا للسكن في إسرائيل ضمن الحجم المحسوب على هذه الظاهرة.

- إن الحرب النفسية لها دور مهم في عدم التحديد الدقيق لحجمها، حيث ليس كل ما ينشر عن ظاهرة معينة، خاصة إذا كانت هذه الظاهرة في مجال الأمن والسرية يجب الاخذ عليه.

- إن تحديد حجم الظاهرة يتأثر في كثير من الأحيان بالتداخل عند الناس بين الجانب الأخلاقي والجانب الأمني، وقد أثبت الواقع خطأ هذه الموقف.

” العوامل والدوافع المؤثرة في جريمة التعامل “

تمهيد:

لنتوقف قليلاً عند الجاسوس أو العميل نفسه ولنتساءل عنه: من هو؟ ما شخصيته ؟ كيف يصبح جاسوساً ؟ ما الشروط التي يجب أن تتوفر فيه؟ إلى غير ذلك من أسئلة هامة تلقى ضوءاً على شخصية الجاسوس وتوضحها. (عاقل،1973 :232)

هذه التساؤلات وغيرها تؤكد على ضرورة فهم هذه الشخصية قبل الإجابة عليها، وذلك من خلال علم النفس، وعبر منهج علمي دقيق. ولهذا فليس بمستغرب أن تثير شخصية الجاسوس الاهتمام على نحو خاص لدى عالم النفس الذي يستخدم المنهج التحليلي للتعرف عليها. إذ لابد أن تكون حياة الجاسوس حافلة بالصراعات، لأن في داخله قوتين تتصارعان: فهو من ناحية إنسان عادي يسعى إلى تحقيق السعادة والراحة والأمان في الحياة، وهو من ناحية ثانية مسكون بهوى طالح إلى معرفة الأسرار وفك الأحجية الذي قد يذهب به إلى حد القضاء على كل شهوة شخصية. (عبدة، 1989، 33)

كما تبين أن العوامل والأسباب التي تؤثر في تنمية التكوين المهيىء للانحراف بشكل عام، هي خليط من تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل البيئية، حيث أن الانحراف في الموقف الآني، ما هو إلا نتاج الخليط المتراكم من هذه العوامل، عبر حياة الفرد، الممتدة منذ الميلاد، وحتى الممات.

وقد أوضحت بعض الدراسات على المجرمين والمنحرفين، أن دوافع الجريمة والانحراف ليست محددة، بل تنبع من تفاعل أكثر من عامل، ولهذا يجب البعد عن العلاقة السببية في تفسير ظاهرة الجريمة والانحراف -التي ترجع تفسير الظاهرة بعلة أو بسبب واحد- والبحث عن السبب بمعنى العامل الذي يرجح ارتباطه بعلاقة ما مع العوامل الأخرى في تفسير هذا السلوك. حيث أشار كثير من العلماء إلى فشل المحاولات التي ترجع الجريمة إلى عامل سببي واحد، لعدم وجود سبب واحد لها وذلك نتيجة للتفاعل المعقد بين العديد من العوامل الشخصية والخارجية في بلورة السلوك الإجرامي. وقد ذهب العالم المشهور في علم الجريمة (كابلان) إلى أبعد من ذلك، حينما قرر إن لكل جريمة أسبابها، وأن لكل مجرم دوافعه عندما قال ” أن الجريمة ظاهرة متنوعة العناصر والأهداف والظروف، وليس من المنطقي الحديث عن أسبابها العمومية والشمولية، إذ أن لكل جريمة أسبابها وظروفها الخاصة، ولكل مجرم يرتكب ذات الجريمة دوافعه وأسبابه المغايرة عن دوافع غيره”.(البشري،1997: 133)

 وبناءً عليه يجب التعرف على عوامل ودوافع السلوك الانحرافي والإجرامي، المتمثل في ظاهرة التعامل مع العدو، من خلال عدة عوامل متفاعلة تفاعلاً دينامياً معيناً مع بعضها البعض.

وقد أكد العالم (كرموس) بأن العوامل التي تقف خلف الانحرافات النفسية والاجتماعية من الصعب حصرها. ومن الصعب تقدير أسباب هذه الانحرافات النفسية الظاهرة، فهي كثيرة ومتداخلة، ويختلف تأثيرها من شخص لأخر، ومن مجتمع لأخر، ومن زمان إلى زمان. (قرني،ب.ت:220)

ولكن الباحث يرى أن يتم تقسيم هذه العوامل إلى ثلاث أنواع:

- عوامل استعدادية كامنة: (جسمية، وراثية، أمراض نفسية). أي العوامل الذاتية، الموجودة لدى الكيان الشخصي للفرد.

- عوامل مهيأة ومعززة: (اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، نفسية، سياسية… الخ). أي العوامل، الموجودة في البيئة والوسط الذي يعيش فيه الفرد. وهي مستقله عن كيانه الذاتي.

- عوامل ضاغطة ومحركة: (ضغط الموقف نفسه). وهي تفاعل الموقف الآني الذي يتعرض له الفرد من خلال الواقع، مع كينونته الذاتيه، وما تحمل من صفات وسمات وخصائص.

أولاً: العوامل الإستعدادية الكامنة:

وهي استعدادات معينة كامنة لدى ذات الفرد، تجعله مهيأ للاضطراب النفسي أو العقلي أو الانحرافات السلوكية، ثم تأتي ظروف التنشئة الخاطئة، وتتفاعل مع هذه الاستعدادات وتنميتها لتجعل الشخص اكثر تهيأً للاضطراب وسوء التوافق. (قرني،ب.ت:222)

وهذه العوامل الاستعدادية هي تلك العوامل المتصلة بخلفية الفرد التي تتضمن العوامل الوراثية وخبرات الطفولة مع الوالدين والأقران وغيرهم. (ويتيج، 1977: 283)

* العوامل الوراثية: والعوامل الوراثية هي خصائص فسيولوجية معينة غير قابلة للتغيير تحمل الخصائص والصفات الأساسية لجنس الشخص. (ويتيج، 1977: 255)

* الذكاء: يعتبر الذكاء من العوامل التي لها استعدادات وراثية. وقد عرفه العلماء بأنه عبارة عن مجموعة من القدرات التي يتمتع بها الإنسان لتكييف وتوجيه سلوكه في الحياة بما يلائم ما يثور من احتياجات ومتطلبات جديدة وذلك بالاستعانة بأنسب وأصلح الوسائل التي يستنبطها الفكر. * الصفات والسمات الشخصية: تتشكل لدى الفرد عبر عوامل متعددة ومتشابكة صفات وسمات، تسمى سمات الشخصية، تشكل له أنمطه وأساليب سلوكية شبه ثابتة، وتميزة عن غيرة بعدة صفات وسمات لاحظها بعض المتخصصين في هذا المجال، منها على سبيل المثال: ” الشك، العدوانية، الحقد، الأنانية، القسوة، المغامرة، الدوينة “. (الجزائري،1991:ج1، 71)

وتعتبر هذه الصفات بمثابة المؤهلات الشخصية الطبيعية للمرشح للتعامل، والتي تنعكس على مدى قابليته للمحافظة على الأسرار أو الوقوع في دائرة الخطر الأمني من خلال معرفة سلوكه الشخصي والإطلاع على أهم السمات الشخصية لديه، ” كالغرور وحب الظهور والشهرة والشعور بالنقص و الكذب، وإثبات الوجود، والنفاق”. ومن ناحية أخرى معرفة مدى الاستقرار العاطفي والعائلي والمادي عنده، وهل يمكن التأثير عليها بسهولة، ومعرفة مدى قوته الشخصية.

ومن خلال التنقيب في بعض المراجع، واجراء المقابلات مع العملاء بروز بعض الصفات هي:

الرغبة في القوة والجاه: يقول: أحد العملاء في فلسطين في مقابلة مع بتسيلم ” لقد كان دافعي لأن أصبح عميلاً، هو أن أصبح أقوى من ” فلان”. وقمت بذلك لأنني لست ابن عائلة قوية، وليس لدي سند، وأن ذلك سوف يجعلني قوياً أمامه، وقد شعرت أن السلطات الإسرائيلية والعملاء سوف يكونون بمثابة عائلتي، لأنه ليس لي عائلة أخرى، لقد أردت المركز والقوة، وحصلت عليها جميعاً. (بتسيلم،1993: 10)

الرغبة في التملك: وقد برز هذا الدافع مع أحد عملاء المخابرات الأمريكية من إحدى دول أوروبا الشرقية، عندما طلب مبلغاً كبيراً من المال، واشترى بواسطته يخت. رغم أن هذا قد يعرضه للكشف لعدم تناسبه مع دخله، لذلك استدعاه ضابطه المجند ونبه إلى ذلك. ولكن اعترف له العميل بأنه لم يستطع مقاومة ما كان دائماً يتمنى، فهو منذ طفولته كان شديد الرغبة بامتلاك يخت بمحرك، أما الآن وقد أرضى رغبته، فإنه مستعد للتخلص منه. (عبده، 1989: 77)

تدني الذات: إن تعامل رجل الاستخبارات مع العملاء أو الجواسيس يبين أن شخصية المتعامل معهم تكون ضعيفة ومهزوزة وغير مستقرة. وعليه فإن شخصيتهم تنتابها بعض الاضطرابات وقد تبين من خلال المقابلات للعديد من العملاء أن أغلبهم يعاني من ضعف الشخصية. وكان لذلك دوراً كبيراً في الارتباط، حيث يبحث رجال المخابرات عن الأشخاص الذين يكون لديهم ضعف في شخصيتهم، لسهولة انقيادهم والسيطرة عليهم. (وود، 1990: 66)

حب السيطرة: إن سلوك العنصر البشري – للعميل أو الجاسوس – يمشي بهم إلى غاية السيطرة، والقوة والتحكم في الآخرين، وهذه الغاية تؤثر على خطة وشكل الحياة لديهم، وهي التي تدير مزاجهم وحركاتهم السلوكية.(عبده، 1992: 75)

حب المغامرة: وقد ظهرت هذه الصفة والسمة جليه في الجاسوس الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة الأمريكية (جوناثان بولارد) الذي كان طالباً جم الذكاء ومنظماً للغاية، وينزع ليكون مغامراً إلى حد بعيد، وأحيانا لمقاومة أو تنفير الطلاب في أبحاث الندوات. وأنه يميل إلى المبالغة في الأشياء، فإذا عهدت إليه بمهمة لكتابة بحث يؤديها بشكل أروع ولكن بوقت أطول. (Blitzer,1992:42)

واستطاعت الفتاة الإنجليزية (فوليت) التي عملت جاسوسة ضد الألمان أن تحقق أفضل النتائج في ممارستا للتجسس، لأنها أحبت المغامرة طوال حياتها، ولأنها كانت لماحة سريعة البديهة، وقد جعلت منها هاتان الخصلتان جاسوسة من الطراز الأول. حيث كانت تمتاز في طفولتها بتحدي الأولاد الذين تعرفهم في أن يتسلقوا أنابيب المياه إلى الأدوار العليا من المنازل، مثلما تفعل ولم تجد من يباريها في تلك العملية البهلوانية الشاقة. (الكاشف،1990: 30)

العدوانية ونزعة الشر: توصي المخابرات ضباطها المجندين، بدراسة مجمل حياة الشخص المرشح للتعامل، بكل تفاصيلها، وخاصة مكامن الضعف والشر فيها، وقد تبين أن بعض الناس، جبل على الفساد أولاً وآخراً، وهو يحمل من بذور الفساد ما يخفف عن كاهل عدوه البحث والتنقيب عن مداخل لنفسيته، لأن المداخل موجودة ومتوفرة لدية بشكل قاطع. (وود، 1990: 32)

ومن العملاء الذين امتازوا بذلك (منصور الطوبي) وهو عميل إسرائيلي يسكن العريش كان مستواه التعليمي جيداً وهو في المرحلة الجامعية، ولديه نصيب وافر من الذكاء، إلا أنه  كان شاباً طائشاً شرير النزعة يميل للمكر والشر تماماً، تعامل مع العدو من خلال هذه النزعة الإجرامية، مقابل الحصول على المال لخيانته وطنه. (مجدى، 1995: 34)

حب البروز والمظاهر والعظمة: تقوم المخابرات الإسرائيلية بتصيد من يعرفون بحب المظاهر والعظمة من ضعاف النفوس، ومحبي الظهور في الليالي الحمراء والإنفاق بشكل ملفت للنظر. وهو دافع مهم للتعامل. ففي مقابلة لبتسيلم مع أحد العملاء الهاربين ويدعى (أبو الفهد) 34 عام – يعيش حالياً في يافا – أوضح فيها الأسباب التي جعلته مخبراً وعميلاً لجهاز الأمن العام الإسرائيلي ” الشين بيت ” يقول. . كنت شاباً، وكنت مأخوذاً بفكرة أن أصبح ذا قوة ومركز، وأجمع مالاً بشكل سهل وسريع، وأحببت أن أتجول حاملاً سلاحاً مخيفاً، والمرور عبر الحواجز والطرق المقفلة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي بدون مشاكل، وكذلك الظهور وتقديم الخدمات، وخصوصاً التصاريح، وهذا هو الذي دفعني للتعامل. (بتسيلم،1993: 19)

حب البذخ والمجون: ومن أمثال ذلك العميل الشاب اللبناني الأصل، المصري المولد (نبيل النحاس) الذي كان  يحتاج إلى ضعف دخله لينفقه على ملذاته وسهراته وأسفاره المتعددة ما بين القاهرة– بيروت- باريس، والذي أسقط في أيدي المخابرات الإسرائيلية من خلال هذه الثغرة، بعد أن وجدت فيه ما تريد من ضعاف النفوس، فأخذوا يمدونه بما يريد، وهو يمدهم بالمعلومات عن مصر نظير ذلك. (الجزائري، 1991: 65 )

سمة الغرور: اكتشفت المخابرات الإسرائيلية هذه السمة لدى المواطن المصري (رجب عبد المعطي) الذي حضر بنفسه ليعرض الارتباط، لأن لديه دافعاً لذلك هو سمة حب الغرور، إضافة لحبه للمال والغنى، وبناءً على تلك السمة تم تجنيده وكذلك منحه رتبة رائد في المخابرات الإسرائيلية، ووافق بكل سرور ليكون عميلاً لإشباع تلك الرغبة.

سمة الجشع والطمع: وهذه السمة كانت وراء ارتباط العميل المصري (محمد عمر حموده) الذي عرض نفسه على أجهزة الأمن الإسرائيلية حيث اتصل بنفسه بالقنصلية الإسرائيلية عارضاً خدماته فاستقبله معاون الملحق العسكري في القنصلية وقبل عرضه بعد أن تأكد من صدق نواياه، وأن الجشع والطمع وحب المال، يسيطران على مجرى حياته كلها. (الجزائري، 1991: 66)

* الأمراض والاضطرابات الجسمية: كبعض الأمراض المزمنة، أو العجز والعاهات، أواضطراب الغدد، أو اضطراب النمو. أو الأمراض العقلية. حيث أن العوامل التي ترجع لأمراض عقلية عضوية لها تأثير كبير على الانحراف، مثل الانحراف الذي يحدث تحت تأثير المواد المخدرة والمشروبات الكحولية التي تجعل الشخص في حالة لا يستطيع معها التحكم في تصرفاته وأعماله. (الديب، 1997 :346)

وما ينطبق على الجرائم العادية ينطبق على جريمة التعامل في المجال حيث وصف أحد الجواسيس الاجانب عن نفسه في الصغر قائلا: أمضيت شبابي وأنا أعيش في هذا الجو المشحون بالإثارة. حيث كنت أعاني من وضع صحي سيئ. فقد أصبت بالكساح الذي أجبرني على استخدام أرجل حديدية حتى سن المراهقة.(رايت، 1998: 51)

و ” رينهارد جيهلين ” العميل الألماني الذي خدم المخابرات الأمريكية بإخلاص وذكاء يقدم الدليل والبرهان على تأثير الإضطراب النفسي في التجسس. فقد كان يعاني مركب نقص أثر في نفسيته بعمق وذلك من جراء قصر نظره وأذنيه الكبيرتين، ووجهه الذي يخلو من سمات الرقة والسماحة وشعره الأشعث الذي يصعب تصفيفه، وكذلك بسبب مركب النقص الذي تملكه واستبد به شديد الخجل، ميالاً إلى العزلة، ولا يصادق إلا القليل من الناس، وكان أقرانه في المدرسة يعاملونه بسخرية من جراء عيوبه الخلقية، ومن ثم كان يرفض أن يرافقهم في الرحلات أو يشترك معهم في لهوهم، أو مباراتهم الرياضية، أو مغامراتهم الصبيانية، وتلك هي الأسباب والعوامل النفسية التي جعلت من هذا الرجل ومركب نقصه داهية، يجد لذة لا تعد لها لذة في التقوقع، والعمل على إنفراد، والحرص على التخفي والتنكر، وبذل كل ما في وسعه من جهد للسيطرة بطريقة ” تمسكن لما تمكن ” على رؤسائه الذين كانوا يتصورون خطاً بطبيعة الحال أنه خادمهم المخلص المطيع (الكاشف،1990 :101)

كما كان لدى العميلين (روجر هيس) و (أنطوني بلانت) مركب نقص أيضاً،حيث يقول روجر بأنه في صغره كان ضعيف البنية، فأحس لذلك بشيء من مركب النقص نحو أشقائه الثلاثة. (لجزائري، 1991:ج3، 343 )

ثانياً: العوامل المهيأة والمعززة:

وهي العوامل البيئية الخارجية التي ترعرع في أحضانها الفرد خاصة في مرحلة الطفولة والمراهقة، حيث فيها يتشكل التكوين النفسي والجسمي وتتحدد مساراته واتجاهاته. (قرني،ب.ت:221)

أ) العوامل الذاتية والنفسية:

وهي العوامل التي تطرأ على حياة الفرد، ويكون لها من الأثر ما يبرر من أهمية وخطورة العوامل الاستعدادية. وهي الجو المحيط بالفرد، والتي تنمى الانحراف. وهي العوامل التي تتواتر في مجال الفرد. وفي المؤسسات الاجتماعية المختلفة التي ينتمي إليها في المجتمع الذي يعيش فيه بوجه عام، ويكون لها من الأثر ما يدعم النتائج السيئة المترتبة على العوامل السابقة. ومن ثم تزيد من حساسية الفرد وتضعف مقاومته، وتجعل قدرته على تحمل المواقف التي يمر بها ضعيفة.

1- الخبرات الصدمية: وهي خبرات الفرد التي تتكون لدية من خلال علاقتة مع البيئة المحيطة به. وخاصة في مرحلة الطفولة لدية. (ويتيج، 1977: 255)

وتعد مرحلة الطفولة أهم مرحلة في حياة الكائن البشري إذ خلالها تتشكل شخصيته بأبعادها المختلفة، المعرفية، الانفعالية والسلوكية. وقد أثبتت كثير من الدراسات النفسية أن 80% من شخصية الطفل إنما تتكون في السنوات الثماني الأولى من عمره، وهذا التشكل يخضع لاعتبارات تتصل بذات الطفل من جهة من حيث استعداداته وقدراته وفاعليته واستجابته للمؤثرات، كما تخضع لنوعية هذه المؤثرات التي تحيط بالطفل ودرجتها وهي التي تشكل شخصيته ولذا يختلف الأطفال باختلاف المؤثرات والبيئات الثقافية التي يعشون فيها والتي يسعون إلى أن يتكيفوا معها ويجدون التقبل والاستحسان من أفرادها بما يحقق لهم التوافق الاجتماعي الذي يشكل القاعدة الأساسية للصحة النفسية. (رمضان، 1987: 92)

وقد تبين من خلال الدراسات والمقابلات للعملاء، ان لدى العملاء هشاشة وضعف نفسي داخلي، ويعود ذلك لنمط الخبرات الماضية والظروف الحياتية القاسية، وتسيطر عليهم رغبات جامحة تدفعهم تجاة الانحرافات النفيسة والشخصية. خاصة العصبية منها، “كحالات الضغط، والصراع، والتوتر، والقلق، والإحباط، والانقباض، واليأس، والحرمان العاطفي، والانطوائية”، وغيرها من الأمراض التي قد يكون لها علاقة بالانحراف، أو قد تتطور في بعض الأحيان إلى السلوك الانحرافي.

2- الإحباط الشديد: وهو سلاح فعال لمنع التفكير، وعدم التعرف على الأسباب والمسببات، أو البحث في النتائج والتجارب الإنسانية، وكذلك عدم معرفة الخطأ من الصواب، وتكون المحصلة النهائية الانصياع الكامل للسلوك الانحرافي. والإحباط وينمو في بيئة الفساد الإداري أو الاجتماعي أوشيوع الرشوة والسرقة والمحسوبية، حيث يفقد المواطن ثقته بالسلطة والشعب. ويضطر للتعايش مع الواقع الفاسد، ولمنه يحمل في نفسه التبرم والسخط. وينمو الإحباط أيضاً بعد نشر الفضائح السياسية والاجتماعية والمالية، سواء في رأس النظام نفسه أو مروراً حاشيته.

وفي حالة الإحباط يجد الفرد نفسه أمام ثلاث أشكال من ردود الأفعال لمواجهته في الواقع هي:

- مواجهة مصدر الإحباط ومهاجمته: وهو رد فعل نموذجي للإحباط، حيث يرى الكثيرون من علماء النفس أن الدافع للهجوم على مصدر الإحباط هو والعدوان. أي أن من الأمور السوية أن يهاجم الإنسان ما يحبط أعماله ويحول دون تحقيقها. ولهذا تعتبر (كارن هورني) بأن كبت كل المشاعر المعادية والهجومية أمراً مضرا من وجهة نظر الصحة النفسية، وذلك لأن هذا الكبت قد يقود إلى القلق والعصاب.

- كبت عملية الإحباط: وهو عملية يلجأ الإنسان بواسطتها إلى دفع ما يزعجه إلى عالم اللاشعور. لذلك ترى (هورني) بأن كبت المشاعر المعادية هو السبب الرئيس للقلق والعصاب. أي يلجأ إلى عملية الانسحاب من الواقع، حين يواجه صعوبة أو يصادف إحباطا ينكمش وينسحب من المواجهة التي يعتقد خطأً أنها الأسهل هذا الانسحاب في الواقع مؤلم، وقد يقود إلى أحلام اليقظة، أو يقود أحيانا إلى الإدمان على الكحول، أوالمخدرات. (عاقل، 1973 : 155)

- التوحد مع مصدر الإحباط: حيث يقوم الفرد بتزوير مصدر الإحباط، فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي لهذا الإحباط، يقوم بالتوحد معه. ومن ذلك تكون عملية التوحد بالمعتدى، والتي تعتبر حيلة لا شعورية تُصطنع للتغلب على الخوف من المعتدى، وهي حيلة شائعة يعكس فيها  الفرد سلوك من يتقمصهم، حيث أمر لا مناص منه لإعادة التماسك في شخصية المتوحد بالمعتدى للتغلب على القلق والإحباط الذي هو الأصل في عملية التوحد يجعله أن يمارس الاعتداء على الآخرين. ( زيور،1982: 123)

ويلعب الطابور الخامس، والدعاية المغرضة، والحرب النفسية، أهم الأساليب الفاعلة في عمليات التخريب الفكري للأمة، التي ترمى بالنتيجة إلى أن يصبح الإنسان مقتنعاً بعجزه وتفاهته، وعدم أهليته لمباشرة شؤون نفسه. ويتحول بالتالي إلى حيوان يأكل ويشرب ويتناسل في ظل الإحباط الكبير الذي يجلل حياته وبالتالي يسهل انقياده للمحتل ومصالحه، هذا عل صعيد الفرد نفسه. ولكن قد تنتقل هذه الاحباطات التي يمر بها الفرد الناتجة عن عدم القدرة على مواجهة صراعات الحياة وما يفرزه ذلك من حالات قلق وتوتر وأمراض نفسية وشخصية، إلى مجموع أفراد المجتمع، ليشكل بالتالي ظاهرة نفسية اجتماعيه معقدة يلفها الإحباط واليأس من جراء عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الاجتماعية الأساسية وبين الواقع المعاش وتنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الاحباطات، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي والاستسلام له بدلاً من مقاومته. وتعتبر حالة الإحباط الجماعي من أخطر ما تصاب به المجتمعات المحتلة.

3- الأمراض والإضطرابات النفسية أو الصدمات الإنفعالية:

وهي التي تؤدي إلى إظهار الاضطراب النفسي أو الانحراف السلوكي – بطريقة سافرة – فالتعرض للمواقف الصدمية التي يتعرض لها الفرد في موقف معين، ولا يستطيع الصمود أمامها فينهار وتنهار معه جميع دفاعاته الذاتية. مهما كان نوع الصدمة عاطفية – تجارية –أخلاقية الخ…(فهمي، 1966 :75)

والبعض يرى أن الانحراف إنما هو لون من اضطراب السلوك يرجع إلى اضطراب في النمو النفسي نتيجة عوامل متعددة تكون قد عاقت هذا النمو وتؤدي إلى نقص في بعض نواحي الشخصية. ومن هذه العوامل عدم التوافق الذي ينشأ من العوامل الداخلية والخارجية التي تحول دون النمو العاطفي للشخص. كما أنهم يعتبروا أن السلوك المنحرف إنما هو عرض من أعراض عدم التكيف نتيجة قيام عقبات مادية أو نفسية، تحول بين الشخص وبين إشباع حاجاته على الوجه الصحيح. (الديب، 1997 :280)

ب) العوامل الموضوعية ” البيئية ” :

1- العوامل الطبيعية: ويقصد بالعوامل الطبيعية والظواهر الطبيعية والجغرافية التي تحيط بالإنسان والتي تتعلق بالمناخ والتربة ودرجة الحرارة وطبيعة الأرض وتعاقب الفصول الأربعة الليل والنهار ولاشك أن العوامل الطبيعية تؤثر على ظاهرة الإجرام عن طريق التغيرات التي تحدثه في نفسية الإنسان وتؤثر على تكوين الشخصية بصورة عامة وكذلك تؤثر تلك العوامل على المجتمع ليس فقط على السلوك الجماعي للمجتمع بل وعلى ثقافته وحضارته واقتصاده وعاداته وتقاليده وقد اعتبر العالم الإيطالي (لامبروزو) ” أن هذه العوامل تشكل الاساس في انحراف الفرد نحو الجريمة، وأن تأثير هذه العوامل الطبيعية يتم في كثير من الأحيان بطريقة غير مباشرة خاصة بالنسبة لأثر التربة والمكان “. (عقلان،1989 :20)

2- العوامل البيئية: وهي العوامل المحيطة التي تتوقف على البيئة التي يعيش فيها الفرد.   وهي عبارة عن العوامل (الاجتماعية، والنفسية، والإقتصاديه، والثقافيه، والسياسيه، وغيرها).

العوامل الاجتماعيه: وهي ” مجموعة الظروف التي تتعلق بتكوين الجماعة وأنظمتها المختلفة وما يسودها من قيم ومعتقدات تؤثر في عاداتها وتقاليدها “. (عقلان،1989: 22)

وتكمن أهمية هذا العامل في كونه يمتد على مساحة واسعة من حياة الإنسان تمر بمراحل عديدة  تبدأ بالأسرة وعلاقته  بالوالدين وأساليب التنشئة المعتمدة لديهما، ومحيط الأقران والصحبة، ثم المدرسة والمدرسين وزملاء  الدراسة  والمهنة، والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه، كالمسجد، والنادي، والواقع الاجتماعي بشكل عام وما ينتابه من مظاهر…الخ. ونميز هنا بين مجموعتين من العوامل، تنتمى للعامل الإجتماعي وهي:

أ) الظروف الإجتماعية الأسرية: وهي طبيعة التنشئة وظروفها، والعلاقات الأسرية، حيث تعتبر الأسرة أهم مكونات العامل الاجتماعي، حيث تعتبر المسئولة عن تكوين نمط شخصية الفرد، لما لها من التأثير المباشر على تكوين شخصية الفرد وسلوكه في المستقبل. (عقلان،1989: 22)

وتعتبر الأسرة هي الأساس الذي يحيط باستجابات الفرد المختلفة تجاه بيئته التي يعيش فيها، وهي الجماعة الأولى والبيئة التي يشبع الفرد حاجاته البيولوجية والاجتماعية والنفسية من خلالها، فإذا اضطربت حياة الأسرة أصبحت عاجزة عن إمداد الأطفال بمثل هذه الاحتياجات. (الشرقاوى، 1986: 157)

ولذلك فإن الأسرة هي البيئة الأولى التي يرجع إليها العمل الحاسم في عملية الميلاد الثاني للطفل كجماعة أولية، حيث تهيأ استعداداته البيولوجية والنفسية ليغدو لبنة صالحة متهيئة لعملية التنشئة الاجتماعية التي تكسبه ثقافة الجماعة ونظمها وحكمها … وليست الأم فقط ذات دلالة في عملية التطبيع الاجتماعي للطفل ولكن الأب أيضاً له دوره العام والمؤثر في مجرى تكوينه ونموه، لإن االطفل مسئولية الوالدين في سنوات عمره الأولى، ومما لا شك فيه أن العلماء في اكثر من ميدان (جسمياً وبيولوجياً واجتماعياً) يتعاملون مع الطفولة باعتبارها مرحلة هامة من مراحل العمر الإنساني. ولذلك لا بد من أن تدرس هذه المرحله بمناهج العلم المختلفة، للبحث في ثناياها عن كافة الظواهر السلوكية محاولين الكشف عن قوانينها التي تحكم تطورها علناً نصل إلى افضل الوسائل التي يمكننا من تدعيم أساس الشخصية في تلك المراحل المبكرة بهدف تحقيق افضل مستوى ممكن من الصحة النفسية للطفل تؤهله لأن يكون فرداً نافعاً لمجتمعه في المستقبل. (احمد، 1987: 69)

ويمكن أن نعتبر بأن هناك أربع حالات تميز وضع الأسرة وهي:

ـ الحالة المادية للاسرة: وتعتبر الحالة طبيعية إذا كان مستوى الأسرة الاقتصادي فوق خط العوز. بحيث تكون مواردها كافية لسد حاجاتها الأساسية من غذاء وكساء ومأوى…الخ.

ـ الظرف المنزلي الطبيعي للأسرة: أي أن تكون الأسرة مكونة من أب وأم وأولادهما، الذين يعيشون في بيت واحد. واختلال هذا الوضع تعتبر ظروف الأسرة التي غير طبيعية.

ـ المعاملة العائلية للأسرة: وهي الطريقة التي يسلكها الوالدان في المنزل في معاملة أبنائهما، قد يكون أسلوباً يتسم بالتسامح، أو قد يتميز بالعنف، أو يكون جامعاً بين الاثنين معاً.

وقد أشارت كثير من الدراسات حول هذا الموضوع، إلى أن الأطفال الذين تعرضوا قسوه وحرمان كبير في طفولتهم، أظهروا آثاراً سلبية مستديمة فيما بعد. (توق، وعدس،1990: 77)

4 ـ صلاحية المنزل للتربية: إن العائلة غير الصالحة، والمصابة بنوع من الانحراف الأخلاقي أو الشذوذ السلوكي، لا تصلح لأن لتربية الأطفال، لأنها تسبب للأطفال انحرفاً مماثلاً غالباً.   كما قد بينت الدراسات بأن اضطرابات الشخصية والمشاكل الاجتماعية وانحرافات المراهقين، والتي كانت بسبب الطلاق، أومشاكل الزنا، والانانية، وقلة الشرف، وفساد الضمير. وكذلك الحروب أيضاً تبذر بذورها في السنين الثلاث أو الأربع الأولى من العمر. (احمد، 1987: 68)

الظروف الاجتماعية الخارجية: أي العوامل الخارجية التي تؤثر على الفرد، والتي من أهمها:

1-الرفقاء والأقران: قد يقع الانحراف احيانا إذا ارتبط الفرد بآخرين ممن يمارسون أنماطاً من السلوك غير المشروع. لأن الرفقة السيئة تزود الفرد بعادات ومثل سيئة، وتقدم نماذج للنشاط الضار، كما تدفعه أحيانا إلى نواح مختلفة من السلوك الإجرامي عن طريق الحث والإيحاء والتقليد، أو بواسطة التهديد والإرهاب أحيان أخرى، عندما تتحول الرفقة إلى عصابة إجرامية.

2-أحوال العمل، وملاءمته لميول الفرد: إذ أن العمل غير المناسب الذي لا يلائم ومواهب الفرد وميوله، قد يجره إلى الانحراف أو إلى التمرد، وينعكس على شخصيته بعدم التوافق الاجتماعي.

4-الدين والقيم الاجتماعية:  تعتبر ركناً أساسياً في حياة البشرية، ذلك لأنه لا يوجد قط مجال إنساني بلا دين، وتعد الجريمة فعل تستهجنه كافة القيم الدينية التي تحث على الخير مما لا شك فيه فإن الدين يدعم مقاومة الفرد لبواعث الجريمة وكثيراً ما يعزى انتشار الجريمة إلى ضعف تأثير الدين. ونقص التدين والتوجيه الديني، لما للدين من أثر قوي في نفس الطفل، وبما يحتويه من قواعد الأخلاق والحث على السلوك القويم. وبالمقابل فان الانحدار والسقوط في براثن العمالة لا بد له من مناخ مناسب، وأفضل مناخ وتربة مناسبة، هو البعد عن أماكن العبادة، والتوجه إلى أماكن اللهو والدعارة والقمار، وما شابه ذلك. وقد كانت كثير من تعليمات رجال المخابرات الاسرائيلية تدعو للاهتمام بهذه البيوت والمواقع، وتنشيطها. (مجدي، 1995 : 88)

وقد شكل الاحتلال في الواقع الاجتماعي الفلسطيني عبر سنين الاحتلال الطويلة، الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والإفرازات والاختراقات، مثل مظاهر الفساد الاجتماعي ومنها الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب، حتى وإن لم تظهر للبعض بأن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة، الا ان الاحتلال قام بترشدها، وذلك عبر احكام قبضته على الجوانب الهامة من جوانب الصمود لدى الناس. (فتح، 1975 : 63 )

العامل الاقتصادي: إن الحالة الاقتصادية الصعبة، لها آثار اجتماعية من شأنها أن تساعد على زيادة نوع معين من الجرائم. كما تعد البيوت التي تعاني فقراً شديداً، أو ضغوطًا اقتصادية شديدة، كحالة البطالة الدائمة، وعدم كفاية دخل الأسرة، أكثر عرضة للانحراف من غيرها. (الديب، 1997: 362 )

وبرغم أن اغلب العلماء يؤكد على وجود علاقة وثيقة بين الفقر والجريمة، أي أن الفقر أو الحاجة هو العامل الأساس في ارتكاب الجريمة، حيث أن أغلب التصرفات الإنسانية تهدف إلى إشباع حاجات الفرد المادية، إلا أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الجرائم كلها ترتبط بشكل مباشر بسوء الحالة الاقتصادية للمجرم. (عقلان، 1989 :25)

هذا بالنسبه للانحراف نحو الجريمه بشكل عام، أما على صعيد الانحراف باتجاة جريمة التجسس، فقد كان للوضع المادي والاقتصادي دور هام في تجسس كثير من العملاء سواء على مستوى العالم أم على مستوى فلسطين. وقد ظهر على مستوى العالم كثير من العملاء الذين ارتبطوا مع اعدائهم عبر هذا العامل منهم العميل (جيفري ارثر بريم) الذي نشأ وترعرع في بيئة فقيرة متواضعة، لأب فقير كان يعمل في صناعة أسلاك النحاس. وفي ظل مناخ افتقر فيه إلى الكثير من اوجه الرعاية أو توفير قدر معقول من التربية السليمة، كان ارتباطه وتعامله. (المراصيفي، 1995:  109)

أما على صعيد الواقع الفلسطيني، فقد أظهرت دراسة الماجستير التي قام بها الباحث لشريحة من العملاء في فلسطين، أن أغلبهم تم تجنيده وربطه بالمخابرات الاسرائيلية، عبر هذا العامل.   كما أن مكان وبيئة العمل قد شكل أيضاً في كثير من الأحيان عاملاً وسيطاً للانحراف لما يحيط بهما من وسائل مشجعة لأهداف غير مشروعة، وفي واقعنا الفلسطيني نجد أن لموقع العمل دور كبير في عمليات الانحراف، لأن وضع العامل الفلسطيني يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيرة من المجتمعات، حيث أن انحرافه باتجاه جريمة التعامل ليس رهناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط في وقت ما من الأوقات، بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره على الفرد وعلى نفسيته على مدار العام، مما يشكل ضغطاً كبيراً علية تجاه التعامل.   وقد ثبت في الواقع الفلسطيني بأن كثيراً من عمليات الربط  للعمال وقعت من خلال موقع العمل، اما بالابتزاز والمساومة على لقمة العيش، أو بممارسة وسائل الضغط والترهيب عليهم. العامل الثقافي والتعليمي: ويقصد بها مجموعة القيم المعنوية والخلقية والدينية التي تسود الجماعة ومستوى التعليم فيها والتي ينتج عنها عادات الجماعة وتقاليدها. (عقلان،1989 :23)

إن التعليم لدى الفرد أياً كانت درجته، ما هو إلا نوع من التربية يؤثر في سلوك الفرد أمام الآخرين، كما أن للتعليم تأثيراً على الظاهرة الإجرامية لما للتعليم من تأثير بالغ على تكوين شخصية الفرد. ويمتد أثره إلى فكرة تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها بأهداف ومثل عليا.

ولمواجهة المحتل في حربة تجاه التعليم والمدرسة، وتفريغه من مضامينه الأخلاقية، يجب أن يهتم التعليم بالتربية الخُلقية والاجتماعية قبل أن يهتم بحشو الأذهان بمعلومات غير مفيدة، ولا ريب أن الشكل الإجرامي العام يتوقف إلى حد ما على نوع التعليم ومستواه، ولكن الخلاف قائم حول مدى أثر التعليم في الظاهرة الإجرامية بوجه عام، فهل يؤدي التعليم مثلاً إلى تراجع الظاهرة الإجرامية في مجموعها أم لا؟. (عبيد،1981: 143)

إن هذا بالطبع يتوقف على طبيعة ونوعية التعليم، حيث أن التعليم يؤثر إما بنتيجة فعالة من حيث الحد من ظاهرة الإجرام بما يغرسه في نفس الشخص من مثل وقيم أخلاقية يتعين اتباعها وإما أن يأتي بنتيجة عكسية، بخلق وغرس الدوافع المساعدة والمساندةعلى ارتكاب الجريمة.

د) العامل النفسي: لقد عايش الشعب الفلسطيني العديد من المواقف الصعبة والضاغطة، وتعرض لمواقف الإحباط المتعددة في شتى مجالات حياته، ولقد كان من النتائج المباشرة لتعرضه لهذه الوضعية الضاغطة التي حاول الاحتلال غرسها بشكل قوي في سيكولوجية الإنسان الفلسطيني، بروز نمط سلوكي حاد وعنيف ظهرت آثاره في التعاملات اليومية بين أفراد المجتمع وكان الجميع ضحايا لهذه الأنماط الحادة من السلوك، وتحديداً النساء والأطفال، لأنهم الحلقة الأضعف في المجتمع الفلسطيني، فبقدر حجم التوتر والعنف الذي كان الإنسان الفلسطيني يتعرض له، وبقدر مساهمة الاحتلال في إيقاع العنف والعدوان على الرجل الفلسطيني، بقدر ما كان يتم إفراغ هذا العدوان على الأطفال والنساء، وهو ضمان قوي لبقاء المساوئ النفسية والأسرية من خلال بقاء بيئة العنف بين أفراد الأسرة، لان الأسرة هي أول مناخ وأول بيئة يعبر العنف عن نفسه فيها. (96:Punmaky, 1986)

ولذلك فقد سادت وانتشرت المسالك العنيفة في المجتمع، ليس معنى ذلك أن مجتمعنا الفلسطيني عنيف بطبعه، وليس الإنسان الفلسطيني من النمط المتسلط على النساء والأطفال، ولكن هذا العنف والعدوان لا يمكننا عزله عن بيئة القهر التي حاول ويحاول الاحتلال غرسها في المجتمع الفلسطيني إمعانا بمحاولة الاحتلال تدمير البنية النفسية للإنسان قبل تدميره للبنية الاجتماعية والمادية للسكان، ولذلك مورست الضغوطات المتعددة ومورس العنف والإهانات وأشكال متعددة من وسائل الإذلال النفسي والمادي، بالإضافة للمضايقات المستمرة ومحاربة واستغلال الناس في مصادر رزقهم، وذلك تلويثاً للبيئة التي يعيش فيها الشخص الفلسطيني لأجل تلويث العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الفلسطيني. وأمام هذه الوضعية الصعبة والقاسية التي عايشها الإنسان الفلسطيني، أدى ذلك إلى انتشار العديد من الأمراض النفسية والعقلية والانحرافات السلوكية. (أبوهين،1998: 2)

وقد برز من ضمن هذه الانحرافات السلوكية ظاهرة غريبة عن طبع وطباع المجتمع الفلسطيني الأسطوري في التضحية والمقاومة والفداء، ألا وهي ظاهرة التعامل مع العدو والمحتل الإسرائيلي، وذلك من شدة هذه الضغوطات التي تعرض لها هذا المجتمع في الأراضي المحتلة.

وقد شكلت هذه الضغوطات مجموعة من المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته. لأن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات، وقد يكون العمل الذي يقوم به خيراً أو شراً، ولكنه مع ذلك يحاول قضاء حاجة جسدية أو شخصية أو اجتماعية له، هذه الحاجات إذا لم تُرض الفرد وتريحه فإنه يشعر بالتوتر وتنتابه حالة من الإكتئاب. ويذكر (وليام ستايرون) أن هناك اوجه حية للاكتئاب منها كراهية الذات، الشعور بعدم القيمة، الكآبة الدائمة، الشعور بالاغتراب إلى جانب القلق الخانق. (كفافي، والأعسر،2000: 172)

كما قد تصيب الأفراد أو المجتمع حالة من الإحباط، من جراء الأساليب الفاعلة لعمليات التخريب الفكري للأمة. ومن أخطر أنواع الإحباط الذي ينمو في ظل ظروف القهر والاحتلال. بحيث يفقد المواطن ثقته بالواقع، فأما يثور ويتمرد عليه، أو يضطر للتعايش مع هذا الواقع الفاسد والاستسلام له، أو يحمل في نفسه له التبرم والانزواء. (شحادة،1992: 66)

الأمر الذي يؤدي إلى العديد من الأمراض والانحرافات النفسية، وخاصة على صعيد الذات إما باتجاه ضمور وضعف الذات لدى الفرد، وأما باتجاه وانتفاخ وتضخم هذه الذات لدى الفرد. والسبب الرئيسي لذلك هو قصور قدرات الفرد عن تلبية طموحاته مع غياب التعويض المناسب أو التفهم الكامل، ومنها الشعور بالنقص، والتعويض عن الوصول إلى هدف يعتقد أنه كان بالإمكان تحقيقه ولم يتحقق. (الأغا، 2001: 102)

هـ) العامل السياسي: وهي الحالة والوضع السياسي العام الذي يعيشة قطر معين. وقد تبين   خلال الدراسات، أن المناطق التي تعيش واقع الحروب، تتزايد الصعوبات فيها تبعاً لاستمرار الحرب، ويحدث التأثير المتهيء للإجرام فيها بشكل أكبر من غيرها من الدول، وعلى الأخص في البقاع المحتلة، أو في البقاع التي وفد إليها فيض من اللاجئين. (بهنامر، 1990 : 160 )

وقد ظهر أن المجتمعات غير المستقرة، سواءً التي في حال استمرار الحرب، أو بعد توقفها، يكون للحالة التي تعيشها أثر كبير في بروز بعض الجرائم واختفاء بعضها الآخر. فمثلا تكثر جريمة التعامل والتجسس مع العدو، وكذلك السوق السوداء للسلاح، والمهربين للسلاح. في حين تختفي مثل هذه الجرائم في الظروف السياسية العادية باعتبار أن الناس في أثناء الحرب أو بعد الحرب مباشرة لا يطيق الالتزام بالأنظمة الخلقية والاجتماعية للمجتمع. و تسود حالة من الإرهاق والتوتر الشديد على جميع مناحي الحياة في المجتمع ويرجع ذلك إلى عنائهم الطويل وضغط الواقع والصدمات النفسية عليهم.

ثانياً: العوامل الضاغطة:

وهي العوامل الضاغطه الداخليه والخارجية لدى الفرد، والتي تبرز بشكل عملي بسبب المواقف الآنيه التي يتعرض لها الفرد، وهي تكون من القوة والحده، بحيث لا يستطيع معها الشخص التحمل والصمود، مما يؤدي إلى إنهيار جميع تحصيناتة ودفاعاته المقاومه، أمام هذا الضغط.

وهي كذلك ضغوط بيئية طارئة، يتعرض لها الشخص عند ظهور الانحراف، أو ضغوط بيئية مزمنة، تحملها مدة طويلة ثم اشتدت حدتها وضعفت مقاومتها عند ظهور الانحراف. (قرني،ب.ت:222)

والعوامل الضاغطة، وهي العوامل التي تعجل ظهور الانحراف، تحدث لدى الفرد في جانبين، الجانب الأول، لابد من توفر وجود الدافع، الذي يشكل القابلية الذاتية للانحراف، والعامل الثاني: هو وجود الموقف الضاغط بحد ذاته. الذي يشكل الظرف الموضوعي لعملية الانحراف.

أ) ضغط الدافع:

إن الدوافع كما يراها بعض العلماء هي ” حالات فسيوكولوجية تكمن في الفرد، فتجعله يتجه بالسلوك اتجاه معين. أي أنها طاقة داخلية محركة ومحرضة للسلوك، وتكون إما شعورية، أو لا شعورية “. أي انه حاجة تعبر عن وجود نقص يميل الفرد لإشباعه، انه حركي أو ديناميكي، وانه غرضي أي موجود من اجل تحقيق غرض خاص معين “.

والدوافع غالباً ما ترتبط بالاحتياجات باعتبارها حجر الأساس في بناء نظرية الدوافع السلوكية. وقد ثبت أن البواعث خاصة العضوية تنبع من محاولة الكائن الحي المحافظة على وجوده ونظراً لارتباط الاحتياجات العضوية بالوجود أو العدم فإنها تمثل بطبيعة الحال أقوى الاحتياجات جميعاً … ثم تأتي الاحتياجات الاجتماعية، التي تتكون من سلسلة من الاحتياجات لتحتل مكانها تنازليا في نظام تسلسل الاحتياجات التي تشكل دوافع السلوك لدى الفرد. (التهامي، 1982: 97)

ولذلك تعتبر نقطة البداية بالنسبة لأي مظهر من مظاهر السلوك هي وجود دافع هو الذي يحث هذا السلوك ويوجهه نحو هدف معين. ومعنى هذا أن الدافع هو المحرك الرئيس وراء اوجه النشاط المختلفة التي يكتسب الفرد عن طريقها أشياء جديدة أو يعدل وفقها سلوكه. والدافع كذلك هو الذي يوجه سلوك الكائن الحي في هذه المواقف نحو عمل هذه الاستجابة أو تلك حتى يصل إلى الاستجابة التي ترضيه وتنهي في الوقت نفسه المشكلة القائمة، أما إذا لم يوفق الكائن الحي إلى مثل هذه الاستجابة، فانه يظل يواجه مشكلة إرضاء الدافع الموجود، أو بمعنى آخر تظل المشكلة قائمة. (محمود،1980: 37 )

ولهذا فإن توفر الدافع يشكل القابلية لعملية القبول للتجنيد للتعامل، حيث الأمر الأول في عملية الارتباط والتعامل مع المحتل هو القابلية الشخصية للفرد نفسه لكي يكون عميلاً. وهذا الأمر يخضع إلى تقدير الضابط المجند للعميل لتقرير مدى قابلية المرشح للتجاوب مع إجراءات التجنيد، وذلك من خلال علاقته المباشرة به والتي تتيح له التعرف عن كثب على دوافعه وحياته بشكل عام، وخصوصاً الضغوط التي تكمن في أوضاعه المادية، وحياته الخاصة والمشاكل التي يعانى منها. والتي تدفعه باتجاه قبول العمل السري “التجسس”، والاستعداد الشخصي لتقبل الوضع الجديد له. (شحادة، 1992: 83)

وبعد التأكد من قابلية الشخص للتعامل، يسعى ضابط مخابرات العدو إلى التعرف على الدوافع التي تحرك قرار المرشح بالموافقة على التجنيد. باعتبارها هي التي تؤثر في قراراته الشخصية، وهي التي تحكم سلوكه وممارساته، وذلك بالتعرف على تصرفاته الاجتماعية وآرائه السياسية والدينية وغيرها، وكذلك المشاكل التي يعانى منها وتطلعاته المستقبلية، والضغوط التي يمكن أن تتحكم بتوجيه سلوكه. (شحادة، 1992 :109)

ثم يقوم بوضع المعلومات المتوفرة عنه في تقرير، خاص يشمل كل ما يستطيع الضابط أن يعرفه عنه – ماضيه وحاضرة ومستقبله – ثم استثمار ذلك كله في عملية عرض التجنيد عليه.

ولهذا يشكل البحث عن الدافع المناسب لعملية التجنيد قبل القيام بالتجنيد ضرورة مهمة من ضرورات العمل الأمني. وفي مقابلة مع الصحافة تحدث ” أ ” عميل للأمن العام الإسرائيلي عن طرق التجنيد. فقال نحن نختار أشخاصاً من الشارع، أول شيء نفعله نبحث عن منخرطين في نشاط معادي، ثم نبحث عن شخص منهم له دافع جيد لنجنده. (بتسيلم، 1993: المقدمة)

وقد يتساءل البعض ما هي الدوافع التي تدفع العملاء نحو جريمة التعامل مع العدو أو المحتل؟ إن معظم الأبحاث والدراسات توضح أن الدوافع للجرائم في الغالب تكون شخصية. بحيث تشمل دافع المال بشكل رئيس، ثم دافع الجنس، ثم دافع العاطفة كالأيديولوجية، أو الانتقام، … وهكذا.

ولكن يعتبر (مايلز كوبلاند) بإن ” الجاسوس مجرم واستغلالي، فبعض الناس يتجسس من أجل المال، وغالبيتهم من الضحايا التي دمرت حياتهم، حيث يغزو التجسس مواطن الضعف أو الخصومة لديهم، فقد يكون الشخص معرضاً للتعامل بسبب إدمانه على الكحول أو المخدرات أو القمار، أو بسبب عاداته أو ميوله الجنسية أو أسلوب حياته أو بسبب الدين وعاطفته، وربما تكون حاجة للشخص أن تكون زوجته مريضة أو طفل أو أقارب يحتاجون إلى العلاج والرعاية وقد يكون هناك غير ذلك من أسباب مثل اختلاف الأوضاع الفيزيولوجية والخلفية الأيديولوجية التي يمكن أن تستغل وإن الابتزاز أو التهديد بالفضيحة قد تجدي نفعاً في بعض الحالات للتجنيد. (امرنجر، 1992: 55)

ومن ابرز الدوافع الذاتيه لدى الفرد نحو الانحراف باتجاة جريمة التعامل مع الأعداء هي:

1- الدوافع المادية والمالية: وهي الدوافع الأكثر شيوعاً وانتشاراً، والأكثر بريقاً في عالم العمل السري، فالعميل يرتبط بالمنفعة – تكمن خطورة هذا الدافع في التحول إلى من يدفع أكثر، أو العمل مع أكثر من جهة في آنٍ واحد – لذلك فإن الأجهزة الاستخبارية أكثر ما تلوح بهذا الدافع للمصيدة قبل التجنيد. بإعتبارأن هذه الدوافع عن تطلعات الإنسان للعيش في بحبوحة وكفاية بغض النظر عن أي شئ آخر، وتشمل تحقيق أي نوع من المنفعة أو المصلحة بالإضافة للمال. (شحادة، 1992: 44)

ولهذا يعتبر العميل المادي هو الذي لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة، ويبدى استعداده ليكون عميلاً للاستخبارات، ضارباً عرض الحائط بمصلحة بلاده، وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه، فهو في جميع الظروف بلا ضمير أو وجدان. (وود، 1990: 19)

ومن خلال هذا الدافع نجح العدو الاسرائيلي في تجنيد بعض الشباب، حيث أنه بالجشع وحب المال قد استطاع ضابط المخابرات الاسرائيلي (مايكل) أن يرى صلاحية (منصور) للتجنيد، فقد اكتشف فيه نزعة الشر والغدر، وبشيء من الوعود المادية ظهر الجشع على عيني منصور، وانطلقت منها أشعة استطاع (مايكل) تحليلها فوجدها صالحة فالشر والحقد فيها يتغلب على الخير فدون اسمه وعنوانه في ورقة أمامه وسمح له بالمرور لجمع الشمل على والده أهله، على أن يكون لهما لقاء بعد ذلك. (مسعود، ب ت: 6)

2-الدوافع العقائدية: وهو أقوى الدوافع، وأكثرها عملاً وإنتاجاً، ويتسم العملاء العقائديين بالصلابة والثبات، بالتالي فإن العميل الذي يعمل تحت وطأة هذا الدافع يكون أكثر إخلاصاً وجدية وإنتاجاً، ولهذا تجهد الأجهزة الاستخبارية في ربط عملائها – قدر الإمكان- بهذا الدافع، وتأتى هذه الدوافع تعبيراً لإيمان بفكر معين وأسلوب حياة معين، أو الارتباط بمذاهب اقتصادية معينة، أو حزبية، أو الانتماء إلى منطقة جغرافية أو تاريخية، أو الشعور الطائفي أو المذهبي، وقد نشط استغلال هذا العامل في عمليات التجسس بين الكتلتين الشرقية والغربية سابقاً. ويكاد ينعدم هذا الدافع بتاتاً لدي العملاء والمتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. بإعتبار أن العميل عن عقيدة أو أيدلوجية، هو ذلك الشخص الذي يؤمن بهدف يجهد لبلوغه، وهو غالبا لا يتأثر بإغراءات الجهة المعادية، بالإضافة إلى انه لا يشعر بعقدة الذنب وبتبكيت الضمير، لأنه مؤمن بما يفعل خلافا لحالة الجواسيس الذين يغريهم المال والذين يقل نفعهم يوما بعد يوم. وبالتالي فهو مقتنع اقتناعاً كلياً بأن يعمل لمصلحة الاستخبارات الأجنبية، لا عن إقناع بواسطة المال، ولا طريق الضغط والإكراه، بل بسبب عقيدته المترسخة فيه، والتي هي عقيدة الجهة التي يعمل هو لصالحها. ولكن في بعض الحالات يصبح هذا العميل عبئاً على مجندية. حيث يقدم على تصرفات فردية لا تلائم النظام الهيكلي الشامل الذي وضعه مجنديه لعملية شاملة. بإعتبارة لا يأخذ مالاً -أو قلما يأخذ مالاً- ولا يعيش تحت ضغط من مجندية، ولا يسرى عليه النظام العام لجهاز المخابرات الذي يعمل لمصلحتة، ولا يتقيد كثيراً بالأنظمة والأوامر. مما يجعله أحياناً بعد استنفاذ طاقاته إلى الحد الأقصى، شخصاً غير مرغوب فيه. (وود، 1990: 31)

  وتاريخ الجاسوسية مليء بالعملاء عن فكر وأيدولوجية، وخاصه الذين برزوا منهم في هذا العصر إبان إحتدام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي الشيوعي، وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وحليفاتها. والذين كان من ابرزهم (هارولد فيلبي، وغاي بورجيس، ودونالد ماكلين، وأنتوني بلنت، وليونارد لونغ)، الذين تجندوا لصالح الاتحاد السوفيتي، وذلك قبل الحرب العالمية الثانية، في جامعة كامبريدج، حيث تأثروا بالأفكار الشيوعية التي كانت ذات بريق خاص في ذلك الوقت، والذين استطاعوا بذكائهم أن يصلوا إلى أعلى المراكز الحساسة في المخابرات البريطانية، (اللجنة، 1993: 282)

حيث تمكن (انتوني بلانت) من الوصول إلى مراكز رفيعة في بريطانيا على الصعيدين الدبلوماسي والجاسوسي، إذ كان في ألM15  وكالة الأمن القومي. وزميله (هارولد فيلبي) وصل لقلب أل M16  المخابرات البريطانية، والآخران في أجهزة خاصة تدور في فلك أل M15  وال M16  من جهته. وقد اعتزل (بلانت) العمل الجاسوسي عام 1945 بعد أن سرب معلومات عسكرية قيمة للسوفيت خلال الحرب العالمية الثانية. (بلوخ، 1991: 72)

وعبر دافع العقيدة قرر ضابط برتبة عسكرية متوسطة يدعى (بيتاني) أن يعمل متطوعاً لحساب المخابرات السوفيتية، ولذلك إتصل بنفسه ثلاث مرات بعدد من المسؤولين السوفيت، كى يعرض عليهم خدماته، رغم أن عروضه هذه، لم تحظ بالقبول من جانب المخابرات السوفيتية في البداية فقد قام لتأكيد صدق نواياه بتسليم السوفيت” وثيقتين سريتين ” تحتويان على تقييم أعده جهاز     ” إم – 15 ” لنشاط المخابرات السوفياتية فى بريطانيا. (الجزائري، 1992: 115)

وقد كانت (ارمجارد شميدت) عميلة محترفة في جهاز مخابرات كانت له صولاته وجولاته، واحدة من هذا النوع من العملاء الذي يتقن اللعبة ويديرها ببراعة الساحر الذي ينام فوق المسامير مستشعراً في نومه هذا لذة غامضة تبدو للمراقب مثيرة وغريبة في نفس الوقت، ذلك أن أحداً لم يعرف عن (ارمجارد) إيمانها بالشيوعية، أو ولاءها لها. (مرسي، 1996: 22)

وأما أشهر العملاء اليهود الذين عملوا لصالح الشيوعية عن مبدأ، ضد دولتهم اسرائيل منهم:

(أهارون كوهين) وعمره 52عام وهو عضو الكيبوتس، ويعتبر احدى الشخصيات المركزية في حزب ( مبام )، وفي حركة (الحارس الصغير) هو ذو شهرة واسعة.

و(شبتاي كلمنوفيتش) هاجر إلى إسرائيل وعمره 23 عام من الاتحاد السوفيتي، ودخل المعهد في إسرائيل لتعلم العبرية، وقد خدم في الجيش الإسرائيلي، وشارك في نشاطات إسرائيلية لصالح يهود روسيا.

والعقيد (يسرائيل بار) كان رجل المابام البارز الثاني الذي اعتقل بتهمة التجسس قريباً من رئيس الوزراء وكسب ثقة بن غوريون. وقد ولد في فينا في عام 1912 وكان اشتراكيا من صغره، درس في كلية عسكرية في النمسا وتطوع ” للواء الدولي ” الذي كان يحارب في ألبانيا، وهاجر بير إلى فلسطين في عام 1938، وتم الترحيب به في الهاغاناه نتيجة خبرته القتالية.

وكذلك (ليفي ليفي) وهو أحد العملاء الأوائل للمخابرات الشرقية في إسرائيل، وهو من مواليد بولندا لأبوين يهوديين، وقد كان نشيط في حركة الشبيبة الصهيونية في 1947.

وكذلك (افريم سمويل) مهاجر من رومانيا في مارس 1965 اقتحم رجال الوحدة التنفيذية التابعة للشاباك شقته واعتقل هو وزوجته حيث كانا عميلين للمخابرات الرومانية.

وكذلك البرفسور كورت سيطا) الذي اكتشف في عام 1960 بعد أن تغلغل داخل مجتمع إسرائيل العلمي. وقد ولد عام 1910 في تشيكوسلوفاكيا لأسرة المانية غير يهودية، ودرس في براغ، واعتبر عبقرياً في الرياضيات والفيزياء، واعتقلته الغستابو وسجن في معسكر الاعتقال لأن زوجته كانت يهودية، وكان معه في المعتقل بعض الشيوعيين البارزين، الذين عمل بعضهم للمخابرات التشيكية، بعد الحرب، ثم جندوه ليصبح جاسوساً معهم. (الجزائري، 1992: 115)

3- الدوافع العاطفية: وهي مجموع العوامل المتقلبة التي تغشى شعور الإنسان في ظروف معينة وأوقات معينة، حيث تتأجج في النفس مشاعر الحب والكره أو الغضب أو الخوف، وهذه عوامل غير ثابتة، ويمكن إيقاظها أو إخمادها، أو توجيهها وتسعيرها تبعاً لشخصية الإنسان.   وإذا تحدثنا عن دوافع التعامل والتجسس، فإن ظاهر هذه الدوافع غير بواطنها، فبالرغم من أهمية الدافع المالي مثلاً، فإن الدوافع العاطفية للعملاء والجواسيس تكون أحياناً أكثر من الدوافع المالية. بل أن الدوافع المالية الدافعة للتجسس، ربما تكون ذاتها قد تولدت نتيجة ضغط الدوافع والحاجات العاطفية. (2: Richards, and Heuer ,1999)

ويمكن أن نحيز الدوافع العواطفيه في ظاهرة التعامل والتجسس، مع الأعداء، إلى عاطفتين هما:

أ- عاطفة الحقد على المجتمع أو الدولة: إن من أبرز هذه العوامل دوافع الحقد والكره للنحن، والإعجاب أو الانبهار بالآخر (الهم). ولأن هذه الدوافع عامة غير ثابتة، فإنه يمكن استغلالها لخدمة أغراض التجنيد، وتوجيهها إلى دوافع أكثر ثباتاً واستقراراً في شخصية العميل.

ولإن المال ليس كل شيء في اكتساب العملاء، فإن هناك دوافع أخرى اكثر أهمية مثل: دافع عاطفة الحقد والكره للمجتمع أو النظام، أي أن العميل الذي يجري الاتصال معه للمساعدة على معرفة أمور في بلده، لابد وأنه يحقد على الحكم الموجود في البلد، وبالتالي يقوم بالمساعدة، حيث أن الشخص الذي قد سبق أن أبدى شعور المعارضة لحكومته أو كرهه للنظام القائم فيها. تبدأ عملية التجنيد بإقناعه بأولوية الاختيار العقيدي على واجباته نحو بلاده، وأن ثمة وسائل تمكنه من تأدية خدمة حقيقية لبلاده وشعبه بالتخلص من هذا النظام عبر التعاون مع دولة أجنبية تشاركه هذه العاطفة وتملك القدرة على مساندته. ولكن قد يختلف سبب الكره والحقد، من شخص لاخر فربما البعض يحقدون على مجتمعهم أو على نظام الحكم فى بلادهم، بسبب الحرمان من الحقوق العامة أو على استثنائهم من وظائف معينة لمصلحة آخرين، أو بسبب الظلم والجور الذي يتعرضون له فى حياتهم اليومية، وأياً كان السبب فإنه ومن خلال هذه العاطفة يمكن تجنيدهم للتعامل والتجسس.

وقد يعتبر العميل أو الجاسوس الذي يعمل ضد بلاده بسبب حقده على أوضاعه، من أخطر الجواسيس وأكثرهم عمقاً. لإنه يريد خراب بلاده على يديه ولا يتحقق حلمه إلا بتخريب البلاد وما فيها من مؤسسات، ولذلك قد يعمل لمصلحة المخابرات الأجنبية بالمجان أو لقاء أجر زهيد، ولكنه على كل حال قليل المطالب، ولذلك لربما يكون من أفضل المنتظمين في العمل التجسسي.

ولكن ليس كل حاقد على بلاده عنده الرغبه أو الكفاءة للعمل على تخريبها، ولكن يعتبر الحاقد صيد ثمين لكل إستخبارات أجنبية تبحث عن أعشاش لها في أي بلاد تهتم بها.

ومن أمثلة على هذا الصنف من العملاء والجواسيس الذين دفعهم حقدهم على التعامل والتجسس:

العميلة (داليا المصرية) التي دفعتها عاطفة الكره والحقد عل النظام للارتباط مع المخابرات الإسرائيلية وهى سليلة أسرة ارستقراطية تم تأميم ممتلكاتها، بعد ثورة يوليو، ومات والدها ووالدتها حسرة على ضياع تلك الثروة والمكانة فدخلت لها المخابرات الإسرائيلية من هذا الباب، واستغلت وضعها وحقدها على النظام، وعرضت عليها الارتباط، فوافقت لإشباع هذه الرغبة الجامحة في الانتقام من النظام. (عقلان، 1986: 45)

والعميلة (أمينة المغني) من الأردن – الحاصلة على دكتوراه في علم النفس – قد دفعتها هذه العاطفة لأن ترتبط مع المخابرات الإسرائيلية. وذلك أثر تصفية مستشفاها من قبل وزير الصحة الأردني، مما جعلها تغادر وطنها وهي تحمل له مشاعر الحقد والكره، بل وضد جميع العرب، حيث سافرت إلى النمسا وتعرفت هناك على طيار نمساوي يهودي سرعان ما تزوجت منه، وأدى بها هذا الوضع إلى الوقوع فريسة في أيدي المخابرات الإسرائيلية التي جندتها ضد بلدها.

وبنفس هذه العاطفة ارتبطت إمرأة تدعى ( أ. م ) المولودة عام 1935، من أسرة شركسية مسلمة في الأردن، قد جندتها الموساد في فينا عام 1972، بعد أن وقعت في غرام طيار إسرائيلي كان يزور النمسا. وقد كانت مهمتها التي قبلتها بسبب كراهيتها لمنظمة التحرير الفلسطينية تتمثل في الانتقال إلى بيروت في أوائل عام 1973 والالتقاء والتعرف بأكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في الثورة، وقد ساعدها الإسرائيليون على إنشاء عيادة لها شهدت نجاحاً كبيراً عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حيث كانت تعالج الفلسطينيين الذين جرحوا أثناء الدفاع عن أحيائهم ومخمياتهم مما ساعدها على مصادقة ضباطاً كبار في منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت في الليل تكتب كل شيء رأته وسمعته وترسل تقاريرها في صناديق الرسائل المهجورة في بيروت، ليأخذها فيما بعد جاسوس غير مرئي. وقد نقلت معلومات لإسرائيل ذكرت بأن (حبش) زعيم الجبهة الشعبية سيكون في الطائرة التي اعترضها الطيران الحربي الإسرائيلي وأرغمها على الهبوط في إسرائيل.

وأما العميل (جان بيير) الأستاذ في معهد التقنية الإسرائيلي في تخنيون بحيفا، فإنه أصبح عميلاً للمخابرات المصرية، كونه يكره النظام العنصري للمجتمع الذي يعيش فيه. حيث لم يتبلور لديه بعد الانتماء لهذا الوطن الذي هاجر إليه وهو في سن الخمسين من دول أوروبا، رغم انه حصل على وظيفة وعاش في بحبوحة خصوصاً وأنه غير متزوج ولا يتحمل سوى أعباء نفسه فقط.

أما العميل (توماس) وهو من أصل أرمني مصري، فقد ارتبط بالموساد الاسرائيلي، ثم ذهب الى القاهرة في 1958، وبدأ بتجنيد العملاء والمخبرين لشبكته، وكان بين الحين والآخر يسافر إلى ألمانيا الغربية للاجتماع مع رؤسائه، لابلاغهم بالمعلومات العسكرية التي كان يحملها معه، ثم يعطونه أموالاً وأوامر جديدة. وفي إحدى هذه الرحلات، التقى بإمرأة المانية غربية تسمى       (كيتي بندهوف) وبعد علاقة غرامية عاصفة تزوجا، وذهبت معه إلى القاهرة. ثم قام بتجنيد زوجته إلى شبكته، وجعلها بعد ذلك رسوله المفضل للموساد.

اما العميل (سمير وليم باسيلي) المصري الجنسيه، فقد سافر من مصر لألمانيا للعمل، وأثناء جلوسه في مقهى تقدم منه شخص وجلس بجواره، وأخذ يتبادل معه الحديث وسأله عن مصر والأحوال فيها. وعندها انطلق سمير يهاجم بلده، ويعلق على الأمور بطريقة سرَّ منها ضابط الموساد (هانز) قرر أن يجنده بعد أن وجد فيه استعداداً للتعاون، مما شجعه أن يقدم نفسه إليه  باسم الرائد (موسى) من المخابرات الإسرائيلية، ثم عرض عليه الارتباط، فوافق على الفور.

أما العميله (هبة سليم) فتكاد تقترب في ارتباطها من المستوى العقائدي، لولا أنه من الصعب جداً والنادر أن تجد عملاء أيدلوجيين يعملون لصالح اسرائيل من العرب أو الفلسطينيين. ولكن قد نجد من يتعامل كرهاً للنظام الحاكم، لدرجة قد يدفع باتجاه أن يقتنع بإسرائيل كدولة لها حق الوجود وينحاز إلى موقفها ولو على حساب أصحاب الأرض الشرعيين. وهكذا كانت هذه العميلة المصرية فائقة الذكاء والجمال، التي كانت بموقفها هذا مفاجأة للضابط الإسرائيلي في باريس الذي جندها للمخابرات الإسرائيلية، عندما اكتشف انحيازها التام للوجود الإسرائيلي في فلسطين، وحقهم في إقامة وطن خاص بهم، وأوضحت اعجابها بقدرة اسرائيل على دخول أي معركة والانتصار فيها. كما أكتشف من خلال حديثه معها بأنها تعشق الحياة المرفهة والمترفة، ورغبتها قوية في اقتناء المال والمجوهرات بأية طريقة، فكان لها ما أرادت وكان له ما اراد.

ب- عاطفة الحقد الشخصي: يعتبر الحقد الشخصي دافعاً مهماً للتعامل مع العدو والمحتل. وهذا الحقد هو بمثابة حقد شخص على غيره من الناس لسبب من الأسباب قد يكون  سبب مادي أو سبب معنوي اعتبر (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق، أن أحد العملاء الذين تجندوا معة كان الدافع له للتعامل هو الحقد الشخصي على أثر منافسة وخلاف تجاري مع أحد السكان العرب. قال: ” في أحد ايام الصيف تم إبلاغي بوجود قروي يسكن في منطقة مليئة بالفدائيين يطالب بتصريح للتجارة في مناطق إسرائيل، دعوته لمقابلتي وطلبت منه التعاون معي، فقام على الفور بالرد بالإيجاب، وأعطيته موعد للقاء في مكان محدد ليس بعيداً عن القرية، وكان من المفروض أن يجلب المعلومة الأولى له في خدمتنا، وقبل الوقت المحدد بقليل، وكنت أستعد للذهاب للقائه برفقة الحراس، وفي اللحظة الأخيرة تم إبلاغي أن شخصاً مجهولاً يريد مقابلتي بسرعة، فعدت فوراً لمكتبي، فوجدت قروياً متوتراً. وقال : كابتن يعقوب قل لي أنا أعرف أن لك لقاء هذا المساء مع (…) وذكر اسمه، وذكر مكان اللقاء. وحذرني وقال ” لا تذهب لأنه يوجد هناك فدائيين نصبوا لك كمين من أجل القضاء عليك. فسألته: ما الذي دفعك لتحذيري، فكان رده بالنسبة لي صادقاً. عندما قال : منذ زمن بعيد يوجد بيني وبين هذا الشخص علاقات سيئة على خلفية خلاف تجاري معه، ولذلك عندما سمع بالصدفة حول الكمين المخطط لقتلي، أسرع لإبلاغي ليس من أجل إنقاذ حياتي، بل من أجل إدخال خصم له للسجن طوال سنوات عديدة. ولذلك خرجت قوة عسكرية إلى المنطقة، وقامت بمحاصرتها واعتقال الخلية والشخص الذي كان من المفروض أن يكون عميلاً. (بري، 1999: 49)

4- دوافع المتعة الحسية: تشكل المتعة الحسية أحد الدوافع الهامة التي تدفع بعض الناس، عبيد شهوتهم للتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي. ولكن يحب أن نلاحظ أن بعض الناس يجرون جراً لهذا العمل الخسيس، إما باستغلال حاجتهم وهو الأغلب، أو باستغلال ضعفهم النفسي، وجبنهم وانحرافهم الأخلاقي، وعقدهم النفسية. (عاقل، 1973: 234)

ومن أحد هذه الدوافع الجنس والمخدرات والمشروبات، أوالمخالفات الاجتماعية الأخرى التي عبرها يسهل ابتزازهم وتهديدهم وربطهم. ولقد كان من ضمن سياسة السلطات إدخال أكبر كمية من المخدرات للمناطق، أو غض الطرف عن إدخالها والمتاجرة بها، بهدف هدم الشباب الفلسطيني وإبعاده عن العمل الوطني. (بتسيلم، 1993: 1 )

ب) ضغط الواقع:

وهو يتمثل في عمليات الضغط التي يتعرض لها الفرد من واقع الحياة نفسها، ومن خلال الموقف الآني الذي يجد نفسة فيه وبالتالي لا يستطيع التصدى لهذا الموقف، سواء كان هذا الموقف الضاغط، يمثل ضغوضاً جسدية كعمليات التحقيق، أو ضغوضاُ نفسية كالمقابلات المفروضه مع ضباط المخابرات، أو ضغوطاً اقتصاديه عبر المساومه على مصدر الرزق، أو أخلاقية بتشوية السمعه الاجتماعية للفرد، أو غير ذلك من المواقف الذي يتعرض له الشخص ولا يستطيع تحملها، أوالصمود حيالها. وبالتالي تضعف وتخور عزيمته، وينهار ويركع أمامها.   وهذا ما سوف يتناوله الباحث من خلال قسم الأساليب والوسائل التي يستخدمها العدو  الاسرائيلي في تجنيد العملاء والجواسيس.

” أساليب ووسائل المخابرات الإسرائيلية في تجنيد العملاء “

تمهيد:

إن الاحتلال يعتبر الدافع والعامل الرئيس وراء ظاهرة  التعامل. ولقد لجأت سلطات الاحتلال لشتي الوسائل لتجنيد العملاء مثل: الاجبار، والإكراه، والإغراء، وهذه أمور محظورة حسب القوانين والمعايير الدولية. لذا فإن تلك السلطات تخرق تلك القوانين عند لجوئها لمثل تلك الوسائل. ويجب أن يكون لدينا القدرة علي التمييز، ما دامت سلطات الاحتلال هي الدافع الرئيس لظاهرة التعامل، وما دامت تلك السلطات هي تخرق القوانين الدولية. (زيداني،2001: 53)

والإحتلال هو الإحتلال، حبث معظم الأساليب والوسائل التي يستخدمها متشابهة، بالرغم من وجود فرق بين الوسائل من بلد إلى آخر، فإن هناك بلا شك شبه إجماع على أن أهم الوسائل التي يتم من خلالها ربط وإسقاط العملاء هي ” المال والجنس والعاطفة والمصلحة والابتزاز” ، إلا أن هناك فوارق في إعطاء الوسيلة الدرجة الأولى في سلم الأولويات من بلد إلى آخر. فمثلاً في بلد مفتوح كأمريكا شكل المال، والعقيدة الوسيلتين الأهم في ربط العملاء. في حين شكل الجنس والمال الوسيلتين الأهم في الربط للتعامل بالنسبة للعرب. (الجزائري،1991، 342)

وقد ركز (يهودا جيل) أحد الضباط البارزين في جهاز المخابرات الإسرائيلي، في محاضرة له عن وسائل وأساليب،على ثلاث وسائل. فقال: بأنه توجد ثلاث صنابير رئيسية للتجنيد ” المال أو الحاجة المادية، العاطفة سواء كانت الأيديولوجية أو الانتقام، الجنس والملذات الشخصية” (استروفسكي،1990: 83)

ولكن يمر المرشح بمراحل عدة من الاختبارات قبل تجنيده، كما أن الاستقصاءات حوله تتناول كل الأمور حتى ما يتعلق منها بعلاقاته الجنسية، ومدى تأثير هذا النوع من العلاقات على سبيل الاختبار. وإذا مضى بنجاح هذه الفترة، عين بشكل نهائي. لكن هذا لا يمنع من وضعه في الاختبار أو تطبيق جهاز كشف الكذب عليه. (كان، 1987: 67)

أما في فلسطين فقد كانت الوسيلتان الأهم في تجنيد العملاء هما الحاجة المادية، والجنس. وأهم طرق التجنيد للعملاء تتم بطريقتين: بطريقة مباشرة، أوغير مباشرة.

الطريقة المباشرة: وهي التي كانت تتم عبر ضباط المخابرات الإسرائيليين للعميل مباشرة بدون واسطة أو تدخل من قبل وسطاء آخرين.

الطريقة غير المباشرة: وهي التي كانت تتم عبر أحد العملاء الذين تم ربطهم وإسقاطهم سابقاً، عبر المقابلات لضابط المخابرات أو الاعتقال أو التحقيق، أو الابتزاز وتتم هذه الطريقة في الغالب عبر عمليات الإسقاط الجنسية، أو الملذات الحسية الأخرى والضغط، بتسهيل بعض المعاملات الشخصية، أو الإغراء بالمال، أو تحقيق الوجاهة والمركز الاجتماعي، أو استغلال الخلافات العشائرية، أو ما شابة ذلك. (الناطور،1993 :143)

وكانت تعتبر الطريقة غير المباشرة، من أهم طرق الإسقاط في حظيرة الشاباك– قبل قدوم السلطة الفلسطينية عن طريق عدة أساليب ووسائل، أهمها الإسقاط الجنسي. حيث توقع المخابرات المنحرف بورطات متعددة لها علاقة بوضعه الشاذ، وتصويره في أوضاع شاذة، ثم تهديده بنشر بهذه الصور. وكانت المخابرات الإسرائيلية تحاول وضع يدها على الخلايا الفدائية، وبالتالي تحاول اختراق الشباب الوطني عبر تجنيد عدد من العملاء يستعملون الترغيب والترهيب لذلك. (عيسى، 1990: 7)

أ) أسلوب الترغيب: عن طريق الاغراءات، التي تعرض للعملاء المكلفين من قبل أجهزة الشاباك الإسرائيلية، أو ضابط المخابرات. كالتودد للمرشح بكرم الضيافة والاهتمام والهدايا، في المناسبات، وبذل المساعي الحميدة للمساعدة، عند الضرورة، وتحقيق بعض الفرص المادية أو المعنوية للمرشح، كمنحة فرصة عمل “وهمية ” لزيادة دخله أو تأمين بعثة دراسية لولده أو قريبه. إلى غير ذلك من الوسائل التي تجعل مصلحة المرشح في إبقاء العلاقة مع الضابط ومحاولة التودد إليه والتصرف معه من هذا المنطلق. بعبارة أخرى لا بد للضابط المجند أن يخلق جسوراً مادية ومصلحة تربط العميل به حتى يصبح وضعه العام معتمداً إلى درجة كبيرة عليه.

ب) أسلوب الترهيب: هناك نوعية من المرشحين للتجنيد لا تسمح دوافعهم وشخصياتهم ومراكزهم الاجتماعية والسياسية بالتجاوب مع أهداف أجهزة استخبارية بعينها، أو قد يكونون على النقيض تماماً معها، وهنا لا بد من استغلال الأسلوب القهري لإجبار المرشح للقبول بالعمل تحت طائلة التهديد والفضائح والابتزاز، كرؤساء بعض الدول، وكبار الموظفين السياسيين في الدولة والقياديين، ومسؤولي التنظيمات السياسية والثورية، والعلماء والمفكرين.

كما وتأخذ الأجهزة الاستخبارية في حساباتها، الأشخاص الذي يمكن أن يصلوا إلى السلطة مستقبلاً فتعمل على تجنيدهم سلفاً وتكبلهم بكثير من وسائل التهديد والابتزاز بحيث لا يستطيع أحدهم مجرد التفكير بالسير على غير خطي مجنديه. (شحادة، 1992: 18)

وقد تبين أن أغلب العملاء والجواسيس يتم تجنيدهم عبر الوسائل والأساليب الآتية:

 من خلال استغلال الوضع المادي والحاجة لدى الفرد.

 من خلال استغلال الجوانب العاطفية للفرد، كالحقد والكره للمجتمع أو للآخرين أو للنظام أو الإيمان بمبدأ أو عقيدة معينة.

3-من خلال استغلال الملذات كالجنس، والخمر، والمخدرات، والميسر، وما إلى ذلك.

4-من خلال وضعهم تحت الأمر الواقع وتهديدهم بكشف أعمال سبق أن ارتكبوها.

5- عبر عمليات الخداع والابتزاز والاستدراج والتوريط، ثم استغلال ذلك.

6- من خلال الضغط على الفرد عبر عمليات الاعتقال أو التحقيق.

أولاً: الوسائل والأساليب المادية:

وهي أهم الوسائل وأشهرها على الإطلاق، حيث تعتبر لدي جميع أجهزة المخابرات في العالم، بمثابة العامل الأكثر شيوعاً واستخداماً، وتفوقاً ونجاعه في مجال التجسس.

أ) العميل المادي: هو الذي لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة، ويبدى استعداده ليكون عميلاً للاستخبارات، ضارباً عرض الحائط بمصلحة بلاده، وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه.

إن المخابرات تؤمن إيماناً شديداً بما يسمى الأسلوب المادي أو الاقتصادي، حيث يركز ضباط التجنيد على إتباع هذا الأسلوب، على الأفراد الذين يضطرون له من أجل المعيشة ولقمة العيش، أو الغارقين في الديون، أو على أولئك المعروف عنهم أنهم مستعدون لعمل إي شئ لقاء مبلغ من المال. فالشخص الذي يبحث عن مصلحة ذاتية يريد أن يحققها بغض النظر إن كانت تتصادم مع مصالح الغير أو تتوافق معهم. – كأن تكون رغبة تعذر عليه تحقيقها، كالمخدرات أو الاتصالات الجنسية، أو حتى راغباً في مغادرة البلاد، أو الانفصال عن أسرته، أو راغباً في الحصول على مركز جديد – لا يضيره أحد مهما كان. (عاقل، 1973 :232)

ولعل نشاطات المخابرات الإسرائيلية في العالم العربي عامة، وداخل الكوادر الفلسطينية خاصة، تعطي المثال الحي على كون المال، هو الوسيلة المتفوقة في مجال التجسس لديها.

وهذه بعض الشواهد التي تبين دور المال وأهميته في عملية الربط والتجنيد.

1- حب المال: العميل (ضرار قاسم)، الفلسطيني الجنسية الذي كان عميلاً للموساد، حيث كان يعتبر اللاعب الأهم من بين عدد من العملاء، باعتباره السائق الشخصي لياسر عرفات وأحد عناصر القوة 17، وقد جند عميل للموساد عام 1977 عندما كان يدرس الفلسفة فى بريطانيا. من خلال جشعه الكبير في حب المال، حيث كان يرسل التقارير يومياً تقريباً، من خلال نظام اتصال لاسلكي، و أحياناً يرسل المعلومات بواسطة الهاتف، أو يرسلها بشكل دوري بالبريد. وفى حصار بيروت، كان قاسم يقدم التقارير للموساد من داخل قيادة منظمة التحرير.

أما الكابتن طيار (عباس حلمي) المصري الجنسية، والذي كان عميلاً مع – جهاز أمان الإسرائيلي فقد هرب إلى إسرائيل عام 1964 بطائرته التدريب السوفيتية الصنع، وقد استقبل استقبالاً حاراً، لأنه كان يعتقد أنها طائرة مقاتلة. ولكن المعلومات التي قدمها لأمان كانت هامة عن أسلحة الجو العربية. كما استخدم حلمي لأغراض أخرى، حيث أدان علانية تدخل مصر في اليمن آنذاك. ولذلك أعطى مساعدة مالية ووظيفة جيدة في إسرائيل، لكنه لم يستطع أن يتكيف مع الحياة فيها، فقرر الذهاب إلى أمريكا الجنوبية، حيث وفرت له الموساد وثائق ثبوتية جديدة وأعطته مبلغاً كبيراً من المال لمساعدته لبدء حياة جديدة في الأرجنتين.

أما العميل (بهجت يوسف حمدان)، العميل المصري للموساد، الفاشل في حياته ودراسته، المنغمس في الترف والرذيلة، والباحث عن المال بأي ثمن. فقد إستطاع ضابط المخابرات الإسرائيلي ” جورج ” – نتيجة لما لمسه من أخلاقه وطباعه وعاداته وآماله، وبحثه عن المادة والمال بأي ثمن، ولو كان عن طريق الشيطان – أن يجنده بعدما اطمأن إليه، وصرح له بأنه ضابط في المخابرات الإسرائيلية، فما كان من بهجت إلا أن وافق فوراً على التعامل على هذا الأساس المادي.

كما كانت العميلة للنازي (ميلاني كينان) مثال المرأة الشحيحة الجشعة التي تستميت في سبيل المال ولا تتورع عن اقتراف الكبائر والصغائر للحصول عليه. حيث عرف عنها هذا الحرص أبناء قومها البلجيكيون، الذين كانوا على يقين بأن هذه المرأة التي تملك مقهى ” السنفوني” على الطريق الممتدة من ” تربلون” الى ” شيماي” لا تحجم عن ارتكاب أسوأ الأعمال من أجل قرش واحد. .(كان، 1987: 67)

2- المصلحة المتبادلة: وهى تنشأ عادة بين أشخاص أصحاب مصلحة ما وبين من يحقق لهم هذه المصلحة. أو لوجود مصالح معينة مشتركة بين الطرفين وهكذا فقد تنشأ مصلحة معينة – بغض النظر عن التوجه الفكري – لتربط جهتين متنافرتين للسير معاً لتحقيق تلك المصلحة، وهذا النوع من الدوافع يصلح لتحقيق هدف معين فى فترة معينة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: عميل الموساد الإسرائيلي السعودي الجنسية الملياردير (عدنان الخاشقجي) الذي جرى تجنيده قبل عام 1984، والواقع أن صورته الاستعراضية التي كتب عنها الكثير قد فصلت في إسرائيل، ولم يكن الخاشقجي يتقاضى راتباً منتظماً من الموساد كما يفعل العملاء النظاميون لكنه كان يستخدم نفوذ الموساد في العديد من استثماراته. وكان يحصل على القروض كلما واجه أزمة أو ضائقة مالية كما أن مبالغ كبيرة من أموال الموساد كانت تمر من خلال شركات الخاشقجي التي أنشئ العديد منها بالتعاون مع اليهودي (عافاديا غاون) وهو ثري كبير من أصل مغربي مقيم في فرنسا، والذي كان يلجأ إليه عند الحاجة إلى مبالغ كبيرة.

وقد كان يستخدم الخاشقجي من أجل الأمراء والأغنياء من العرب لحساب الموساد الإسرائيلي، حيث يقدم عارضات الأزياء المضيفة لضيوفه من الأثرياء العرب وغيرهم.

وقد عرضت محكمة جنايات ” نيس” في فرنسا قضية دعارة راقية كان مسرحها منطقة   ” الكوت دازور” وامتدت أحداثها حقبة من الزمن وبلغ عدد المتهمين فيها عشرة من النساء والرجال كانت تقودهم امرأة في الحادية والأربعين من عمرها تدعى ” ميراي جريفون” كانت تمارس نشاطاها غير المشروع تحت غطاء وكالة لعارضات الأزياء الجميلات إقامتها في فيلا قريبة من موناكو وكانت هذه السيدة تقوم بتقديم الفتيات الجميلات الشقراوات على وجه الخصوص إلى طلاب اللذة من الأثرياء والأمراء العرب ورجال الأعمال والمليونيرات الأجانب. وقد كان العميل الأول لهذه الشبكة هو الخاشقجي نفسه الذي يذكره المتهمون تحت اسم الكابتن، وتبين من اعترافات المتهمين واقوال الشهود أن هذه الوكالة كانت تتميز بكثرة اتصالاتها وبقدرتها على تلبية طلبات الزبائن في أية ساعة من ساعات النهار أو الليل. وكانت ” مدام ميراي” ارضاءً لزبائنها من الأمراء العرب تدقق كل الدقة في اختيار فتياتها الشقراوات على أن يكن رائعات الجمال جذابات للرجال. (مجدي، 1996: 51)

ومن هذا النوع ما يتم التخلي عنه بعد انقضاء المصلحة مثل (مانويل نورييغا) الرئيس السابق لباناما، والذي ترجع علاقته مع المخابرات المركزية الأمريكية إلى فترة الخمسينات حين قدم نفسه مطاعاً لخدمتهما، فبدأ يوافيها بمعلومات عن زملائه الطلبة في كلية ديست العسكرية الأمريكية، وبعد التخرج التحق بخدمة المخابرات الأمريكية “رسمياً ” حتى بلغ إيراده منها في السنوات الأولى لتعامله معها كمخبر أو مرشد الشيء الكثير. (الجزائري، 1992: 229)

3- بيع المعلومات (العميل التاجر): وهو رجل يبيع ما لديه من بضائع مقابل ثمن معين من المال، وهذا النوع من العملاء لا يقيم وزناً لأي شيء إلا المال، حتى الوطن والأهل يمكن أن يكونا سلعة تباع وتشتري.

فالعميل (شاكر فاخوري) اللبناني الجنسية، الذي ذهب سعياً وراء المال للعمل في الكويت لأنه عاش حياة الرفاهية. وعندما نزول في قبرص عقد عزمه على الاتصال بالمخابرات الإسرائيلية وعرض خدماته عليها، وفعلاً ذهب إلى السفارة الإسرائيلية وطلب مقابلة الملحق العسكري فيها، وعرض عليه رغبته الصريحة بالتعاون معهم بتقديم ما عنده من معلومات عامة حالياً وما يطلبه منه فيما بعد.

وأما العميل (علي أكبر)، فهو طالب فلسطيني، اعتاد بيع المعلومات للموساد، وكان قد ارتبط مع الموساد عام 1972. حيث اتصل بنفسه بمركز الموساد في لندن وعرض عليهم التعامل، مقابل كمية كبيرة من المال.

4- العميل الهاوي (المرتزق): طائفة الهواة:  اذ أن أفرادها خونة لبلادهم، ووسيلة اختيارهم تختلف اختلافاً بيناً عن الوسيلة التي أتينا على ذكرها وقد هيئت في براعة لتناسب كل حالة على حدة، ولا تسعى الإدارة السرية السوفياتية في هذه الحالة إلى عملاء بارعين بقدر سعيها إلى رجال ونساء يكون في استطاعتهم بفضل مراكزهم او أعمالهم أن يزودوا تلك الإدارة بالمعلومات السرية مما شاهدوه ووعوه، او يكون في استطاعتهم سرقة هذه المعلومات، فالإدارة لا تبحث عن جواسيس مهرة بل ولا تسعى إلى رجال ونساء يستطيعون تقدير قيمة المعلومات التي يحصلون عليها، إنما هي تريد رجالاً مخلصين. (كوكريدج، 1993: 86)

والعميل من هذا النوع ينقل بارود ته من اليمين إلى الشمال وبالعكس حسبما تتغير معه الظروف، وهو قابل أكثر من غيره لأن يكون عميلاً مزدوجاً يعمل لمصلحة أكثر من جهاز في آنٍ واحد، وهؤلاء عملاء محترفون يعملون لمن يدفع أكثر، فيمكن أن يقوموا بالعمل لطرفين أو أكثر بدون وازع ضمير. وهذه النوعية خطرة ومريضة في ذاتها تسعى لتحقيق مصالحها الضيقة ولو على حساب المجتمع بأكمله ولا غرابه في ذلك فبعض الناس فطر على الفساد فالنميمة من طبعه والخوض في المشاكل هوايته، والتلصص على الناس من سجيته. هذا النوع الهاوي – المحترف يحار في كيفية إيجاد متنفس لأمراضه الذاتية (الداخلية)، إلي أن يتوفق بعميل لجهاز استخبارات يجرى بينهما التعامل.

ب) استغلال الوضع المادي الصعب أو الحاجات الملحة:

عبر استغلال هذا الأسلوب ارتبط أغلب العملاء مع العدو، وخاصة مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين:

1- من خلال تصريح العمل لداخل إسرائيل: إن بعض الأشخاص يكون في حاجة إلى المال فتضطره ظروفه الحياتية الصعبة إلى القبول بالمال الذي يعرض عليه مقابل الخدمات للاستخبارات الأجنبية، وان بعضهم يعلم تماماً أنه يقوم بدور العميل، وبعضهم الآخر لا يعتبر أن ما يقوم به هو العمالة بعينها.

ومن الأمثلة على ذلك: ( أ.هـ ) مواطن من رفح  جُند للأمن العام – الشاباك – أخبر بتسليم في ديسمبر 1993 أنه أُجبر للعمل كعميل من أجل رفع مستوى العائلة والحالة الاجتماعية لها. (بتسيلم، 1993:ج)

وقد استطاعت المخابرات الإسرائيلية عن طريق الوضع الاقتصادي، والحاجة المادية الملحة للعميلة (داليا المصرية)، أن تصطادها عندما ضاقت بها الحياة في روما، الذي ظهر إليها عميل للموساد وهو (ميل) العجوز الإيطالي، الذي كانت داليا تقترض منه الفلوس وجعلها توقع له شيك بلا رصيد، الذي كانت بداية التوريط والوقوع في فخ التعامل والتجسس مع العدو بسببه. (مجدي،1995: 38)

وكذلك الشاب المصري ( محمد إبراهيم كامل ) تم تجنيده أيضاً عبر استغلال وضعه الاقتصادي السيء، حيث ضاقت به الحياة بمصر، فذهب لإيطاليا للعمل، وهناك قابله يهودي كان يعرفه في مصر قبل هجرته. وقال محمد إن الحال زي الزفت في مصر وأحس اليهودي الماكر الذي لا يعرف إلا استغلال الفرص إن الفرصة سانحة. ومن ثم أغراه بالتعامل. وقال له تستطيع أن تحقق آمالك وتربح مالاً كثيراً فأنت صديق قديم يمكن الوثوق به، وأنا احتاج إليك في عمل. (مجدي،1995: 92)

وبنفس الأسلوب قامت المخابرات الإسرائيلية المتواجدة في مدن سيناء بتجنيد (إبراهيم سعيد شاهين) في العمل لصالحها مستغلة نفس أساليبها في إيقاع ذوي النفوس الضعيفة، وذلك لأن ظروف الاحتلال كانت قاسية على الأهالي الذين حرم معظمهم من مصادر رزقهم وعيشهم وأصبح بحاجة ماسة لأي عمل يسد به رمق عائلته. (الجزائري،1992: ج2،100)

2- من خلال الحصول على رخصة بناء: إذا أراد فلسطيني الحصول على رخصة بناء، كانت الحكومة العسكرية في الأراضي المحتلة تراجع الأمر أولاً مع ضابط المنطقة للشين بيت قبل الموافقة على منحه ذلك. كما لم يكن بمقدور أي تاجر عربي يرغب في تصدير محصوله من الحمضيات من غزة أو زيت الزيتون من الضفة الغربية الحصول على التراخيص الضرورية إلا بموافقة الشين بيت. لقد كان كل نشاط يومي تقريباً وكل دقيقة من الحياة الفلسطينية خاضعة لإشراف الشين بيت فيما يشبه صفقة عمل. إذا كان العرب يوفرون المعلومات، يحصلون بالمقابل على الأمن وفوائد ثانوية. (رافيف، وميلمان،1991: 145)

3- عبر تصاريح جمع شمل العائلات: لا يوجد شخص في المناطق تقدم بطلب خدمة أو تصريح من نوع ما من الحكومة الإسرائيلية العسكرية. ولم يتلق عرض من جهاز الأمن العام للعمل كعميل مقابل الاستجابة لطلبه. هذه هي طبيعة الاحتلال، أي شخص يحتاج أن يتقدم قليلاً في الحياة، أي شخص له طموح يواجه المأزق بمستوى معين. العميل (أ. ت ): قال في شهادة بتسيلم في أغسطس 1993، بأنه منذ عام 1967 يجب على المقيم في المناطق الذي يرغب في ضم زوجته من الأردن أو غيرها عليه أن يختار بين الدفع السنوي ثمناً لتصريح الزيارة الشخصي، أو البحث عن زوجة أخرى، أو التعامل مقابل الحصول على موافقة بلم الشمل للعائلة، الأمر الذي دفعة للتعامل مع الاحتلال. (بتسيلم، 1993: 9)

4- عبر تصريح السفر للدراسة: أحد وسائل الضغط القذرة، كانت منع الطالب من السفر للجامعة لاتمام تعليمه في المراحل النهائية من سني الدراسة، إلا إذا وافق على تقديم الخدمات الخيانية. أو أن يعتقل قبل الامتحان بفترة وجيزة، ثم يخضع للمساومة إما الشهادة عبر الموافقة على التعامل، أو ضياع المستقبل الذي كان يحلم به.(فتح، ب.ت: 18)

واما الطالب (عبد الله أبو ندى ) من مواليد القدس كان يدرس في القاهرة قبل حرب 1967، وبعد احتلال القدس، كان لا بد أن يحصل على إذن بالسفر من قبل المخابرات الإسرائيلية لإتمام دراسته وبدأت المضايقة له، ونقله من مكتب إلى مكتب ومن ضابط إلى ضابط حتى كاد أن ييأس من السفر، ثم أخيراً قابل ضابط أمن إسرائيلي الذي قدم له إذن بالسفر بشرط أن يتعاون معهم في جمع المعلومات في القاهرة. ويوفر له مقابل ذلك جميع النفقات الخاصة بالدراسة فوافق الطالب على ذلك خوفاً على مستقبلة الدراسي. (الجزائري،1991: ج2، 57)

واما المواطن (هـ. أ ) من قرية دورا الخليل قدم شهادة لبتسيلم في سبتمبر (1992) يوضح فيها الابتزاز الواضح بالتعامل مقابل السفره قال: لقد وصلت للجسر ومعي تصريح مغادرة للدراسة في مصر إلا أنه أعيد لي التصريح بدون توضيح الأسباب، وتوجهت للإدارة المدنية للاستفسار، وبدأ مسلسل المماطلة والتسويف لكي أوافق على التعامل مقابل السفر، ثم انتهى بي المطاف بعد رحلة طويلة من المعاناة إلى ضابط المخابرات الذي قال إنني أعرف عنك الكثير وأستطيع أن أرسلك إلى المعتقل، وقال أيضاً، ليس هناك غيري يستطيع أن يصرح بسفرك، ومستقبلك كله في يدي، إذا تريد مساعدتي فانا في المقابل أريد مساعدتك وقدم لي مالاً، وقال تستطيع أخذ ما تريد وسوف يكون لك سيارة جديدة وسوف أمنحك بطاقة هوية إسرائيلية تمكنك من السفر بحرية في إسرائيل، ولكنني رفضت ذلك العرض. (بتسيلم، 1993: 10)

ويعترف (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق بقوله: لقد استطعنا أن نجبر ونضغط بالمساومة والابتزاز في كسب عميل في حماس رغم الصعوبات الكثيرة التي وضعت أمامنا في عملية إدخال عملاء لحماس. ولكن في بداية التسعينات نجحنا وبجهود كبيرة بتجنيد عميل كان مقرب جدا لأوساط حماس، لم يكن إنسانا متدينا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه كثير التحرك بزيارة المساجد والاستماع للخطب والمحاضرات، والأهم من ذلك فقد حصل على ثقة نشطاء حماس، وكان يبلغ من العمر ثلاثين عاماً، ورغب في إكمال دراسته العليا في الأردن، فقام ضابط الشاباك باستدعائه من أجل أخذ انطباع عنه وبين الاثنين حصل اندماج وتفاعل، ففي البداية كان يزودنا بمعلومات عن نشاطات اجتماعية ودينية لحماس، وبعد ذلك ساعدنا في أمور جديه أكثر. (بري، 169:1999)

5- عبر تصريح تجارة داخل إسرائيل: المواطن ( أ. أ ) من قرية يعبد، قدم شهادة خطية مشفوعة بالقسم لمنظمة الحق في يوليو (1992) قال فيها: طلبت من العميل ( أ. ن ) أن يستخرج لي تصريح دخول لإسرائيل بسيارتي، وفعلاً استلمت التصريح مقابل تنكة زيت له، ولكن بشرط مقابلة المخابرات. وبهذه الطريقة بدأ مسلسل ابتزازي وتوريطي في تقديم معلومات لهم عن النشيطين في المنطقة. وبرغم تهربي من ذلك إلا أنهم كانوا يتفننوا في ابتكار طرق وأساليب للاتصال بي، حتى أنهم صدموا سيارتي، وكتبوا لي تعويض لكي أذهب لآخذه، ولكنني قررت عدم الاستمرار في المقابلات وقطعتها فعلاً. (بتسيلم، 1993: 11)

6- عبر تصريح السفر للعلاج في الخارج: في محادثة مع بتسيلم في أغسطس (1993) صرح محامي إسرائيلي بقوله: قبل أربع سنين طلب مني مواطن من المناطق المساعدة، حيث إن زوجته تعاني من مشاكل صحية تسبب لها انهياراً، وإنها تحتاج لعلاج طبي في الأردن” وقد وُعد الشخص باستجابة أكيدة على طلبه للتصريح  بشرط أن يتعاون مع الأمن العام الإسرائيلي. وبسبب الضغوط وافق على التعاون، إلا أنه في الممارسة لم يقدم معلومات إلى الأمن العام، والنتيجة كانت مسئولية نقض الوعد بمنح زوجته تصريح خروج إلى الأردن. (فتح، ب.ت: 18)

ثانياً: وسائل وأساليب المتعة الحسية:

أ) استغلال الجنس: إن العلاقة بين العمل المخابراتي والجنس قديمة قدم الجاسوسية نفسها، ففي كتاب يشوع في التوراة ورد أن الزانية رحاب قد أنقذت حياة أثنين من جواسيس يشوع، من بطش رجال ملك أريحا. وهذا أول إرتباط أزلي مسجل بين أقدم مهنتين عرفتهما البشرية. ومنذ البداية أعترف الموساد بقيمة الجنس في العمل الإستخباري. ويقول (مائير أميت) ” إنه سلاح آخر، فالمرأة تمتلك ملكات يفتقر إليها الرجال، بكل بساطة، إنها تعرف كيف تنصت للكلام، ويحفل تاريخ المخابرات الحديث بالكثير من قصص النساء اللاتي وظفن الجنس لمصلحة بلدانهن. ومن الحماقة القول أن إسرائيل لم تلجأ لهذا الأسلوب. (توماس، 1999: 199)

وكذلك تهتم بالجنس المخابرات الامريكية، حيث يعتبر الكاتب (برونزى) أن المخابرات الامريكية ” سى. أى. إيه ” تكاد تكون ذات مهمة وحيدة في العالم هى تخريب البشرية “. وهى لذلك مستعدة للتعاون مع الجميع لتحقيق هذا الهدف، وبوسائل قد لا تخطر على بال، والذي يرفض يتم تشويهه بطريقة بشعة. ومن النماذج على ذلك: أن رئيساً كاثوليكياً فى أحدى بلدان أميركا اللاتينية حول سياسته باتجاه لصالحه واشنطن. بسبب ” صورة ألتقطت له سراً وهو ينام فى سرير الممثلة الأميريكية المعروفة جماهيرياً (إليزابيث تايلور). وبالطبع فإن هذه الصورة الجنسية التذكارية أخذت من قسم المختصين فى المخابرات الأميريكية، وبالاتفاق الكامل مع الفنانة إليزابيث تايلور. هذا النموذج ينسحب أيضاً على العديد من الدبلوماسيين الذين يعملون فى واشنطن أو نيويورك ” مقر الأمم المتحدة ” إذ أن العيون المزودة بالأشعة ما تحت الحمراء ” تلاحق البعض منهم ” إلى داخل شققهم أو إلى داخل شقق أخرى مثل شقق بعض القوادين الذين يستدرجونهم لقضاء الليالى الحمراء، أو إلى شقق صديقاتهم اللواتى لا يعرفون أن معظمهن مرتبطات ” رسمياً ” بالمخابرات الأميريكية. حيث غالباً ما ينتهى الأمر بصفقة باهضة جداً لأن الارتباط بالمخابرات الأميريكية قد يكون ” أقل وطأة ” من فضيحة شخصية ترتدى الطابع العلنى الذى قد يصل ” إلى حد تدمير مستقبل أى مسؤول يقع فى هذا الفخ المخيف.

 ويشير (مايلز كوبلاند) في كتابة الشهير ” اللاعب واللعبة ” إلى أن ” الأسرار الهامة المتصلة بالأزمات الدولية إنما هي في أذهان الدبلوماسيين الأفريقيين والأسيويين والامريكين الجنوبيين، وبأن إستخلاصها منهم ممكن بواسطة نساء جميلات مدربات تدريباً خاصاً لذلك. ولهذا فإن وكالة الاستخبارات المركزية قد جمعت معظم موظفاتها من كليات شهيرة للبنات، مثل ” سميث دورا، اوكليف، وفاسار، وبراين مور ” حيث لديها معين من النساء اللواتي يمتلكن المؤهلات ويستطعن بالتالي خدمة بلادهن.

كما أنشىء لهذا الغرض في الاتحاد السوفيتي خمس مدارس لتخرج الجاسوسات الفاتنات فيها هى: ” جاكزيتا، براخوفكا، سويوزنابا، فوستكنايا ونوفايا” وهذ المدارس تخرج سنوياً أكثر من ألفى جاسوس من طراز ” جوردن لنسديل، وليام آرثر مورتيمور” ودكتور جيفرى نويل”.

وقد اعتبر (هاجن) أحد أبرز الجواسيس السوفيت الذي تخصص في عمليات تجنيد المخبرين، طوال السنوات السبع التي قضاها في مزاولة نشاطه التجسسي، أن الابتزاز خاصه عبر الإسقاط الجنسي من أحسن الأسلحة الفعالة لإجبار الضحايا على العمل لحساب المخابرات. ولذلك كان من أساليبه المألوفة، اقتياد ضحاياه إلى مساكن السيدات العميلات والتقاط صور لهن بآلات تصوير مخفية. (عبدة،1991: ج2،367)

وقد قام رجال جهاز مكافحة التجسس البريطاني ” إم – 15 ” بالقبض على سيدة لبنانية الجنسية، هي وزوجها رجل الأعمال اللبناني (غازي جعفر) بتهمة إدارة شبكة للتجسس، تعمل لحساب جهاز المخابرات السوفيتية “ك. ج. ب”. وكانت من أصل مجري (إيفا مارى إيروكساى) أو(إيفا مارى غازي جعفر) ، نسبة لاسم زوجها السابق، تعمل لحساب المخابرات السوفيتية في بيروت مع زوجها، ثم نقلا نشاطهما “لميناء ليماسول القبرصي، بعد أميال من قاعدتي ” أبيسكوبى وأكروتيرى ” وقد كانت حياة (إيفا مارى) مزدوجة. فهي أثناء النهار تلعب دور ” ربة بيت ثرية ” تقوم برعاية طفليها التوأمين، وزوجها رجل الأعمال اللبناني. وفي الليل تغير شخصيتها وتلبس ثياب امرأة عابثة، كل ما تفكر به التنقل بين ملاهي وحانات المنطقة، والبحث عن فريسة لاصطيادها. حيث لم تكن تجد صعوبة في اصطياد من تريد من الجنود، عندما تستخدم أنوثتها الطاغية لذلك. وكان الجنود لا يصدقون آذانهم وعيونهم عندما يسمعون من هذه الجاسوسة الحسناء حديث الإغراء، من بعد المعاناة بالوحدة. وخاصة عندما لا تمانع في اصطحاب الجندي الصيد إلى منزلها الآمن. وكانت السعادة تغمر الصيد الذي لم يكن يعلم ما ينتظره. والتي لا تطول كثيراً، ففي اللحظة التي يحاول التقرب منها أو لمسها، يظهر زوجها فجأة مقتحماً عش الغرام الوهمي، في الوقت المناسب. ويقوم هذا الزوج الوهمي وبشكل تمثيلي إتماماً  للمصيدة، بصفع الزوجة والهجوم عليها، مما يستدعى الصيد أن يحاول الدفاع عنها، عندئذ يبدأ الزوج الغيور في ممارسة التهديدات المختلفة، كإبلاغ البوليس الحربي البريطاني عنه، أو إبلاغ رؤسائه أو الاتصال بصحيفة لنشر هذه الفضيحة، وكل ذلك بغرض الضغط على الشاب الضحية كي يذعن لما يطلبه منه الزوج الذي يتظاهر بأنه مخدوع  بزوجته التي تخونه مع جندي أجنبي، وتستمر هذه التمثيلية تتخللها عملية المساومة والابتزاز إلى أن تستسلم الضحية وتذعن لإرادة الزوج وتوسلات الزوجة، وبذلك يقع الصيد أخيراً في شباك التجسس والعمالة.(الجزائري، 81:1992)

أما (أرفين سكاربيك) الذى كان من كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن. ثم نقل إلى السفارة الأميريكية فى ” وارسو ” بدرجة سكرتير ثان. فقد تم إسقاطه وربطه مع مخابرات الخدمة السرية الشيوعية. التي تستخدم السيدات الجميلات للابتزاز وتجنيد العملاء. ويروي (سكاربيك) قصته قائلاً: لقد قابلت فتاة بولندية تدعى (أورسزولا ديشر) في مقهى “بوارسو” واحترت في كيفية الاتصال بها، وشعرت أنه ينبغي أن أتعرف عليها، وأتحدث معها لأعرف من تكون واتجهت إلى مائدتها، وسألتها ما إذا كانت لا تمانع في أن أشاركها مائدتها، ولم تمانع في ذلك. وتجاذبنا أطراف الحديث، فصرت أكثر اقتناعاً من أمرها، بأنها غير تابعة لشبكات التجسس. وتقابلنا مراراً، ووقعت في حبها وتوطدت علاقتنا، وكانت علاقتنا مجرد قصة غرامية. وفي ليلة عيد الميلاد حيث كنت معها في مسكنها، اندفع ضباط البوليس السري البولندي ليفاجئونا نحن الاثنين في الفراش، والتقطوا لنا عدة صور فتوغرافية وبدأت المساومة للارتباط مما جعلني أوافق على ذلك. (هاتون،1980: 122)

وبأسلوب الإسقاط كذلك، استطاعت المخابرات الروسية ” الكي جي بي” التعرف على وظيفة (ايلياف) في السفارة الإسرائيلية، أن تعمل على إغوائه. فبينما كان ذات يوم متوجهاً من موسكو إلى جامعة لينغراد لاحظ أيلياف شابه جذابة في محطة القطارات في العاصمة، ذات مسحة أوروبية تندر في موسكو، وكان من الصعب مقاومة النظر اليها. والتقى بها ذات مساء في الفندق في لينغراد، ومع أنه كان شاكاً من أن الشابة قد ارسلت لإغرائه وايقاعه في حبائل “الكي جي بي” إلا أنه قرر أنه لن يتضرر إذا غازلها وكان يثق بأنه يستطيع الصمود أمام الإغراء فوقع، ولكن بسرعة نقلت الموساد. (ميلمان رفيف،1990 :87)

والعميلة (براجا) التي عملت لصالح ألمانيا أبان الحرب العالمية الثانية تقول في هذا المجال ” نحن جميعاً أنا ووالدي وأمي وأختاي جواسيس نعمل لخدمة المحور، ولقد طفنا ببلدان الشرقيين الأدنى والأوسط، وكنا نتعرف إلى الضباط البريطانيين ونغريهم بجمالنا وفتنتنا، ونجلس معهم على موائد الخمر والميسر، كي ننتزع منهم الأسرار العسكرية فننقلها إلى أبينا الذي كان بدوره يوصلها إلى سلطات المحور، عن طريق جهاز إرسال اللاسلكي دقيق كان يمتلكه. (التكريتي، 1986: 79)

أما إسرائيل فتعتبر الدولة الرائدة في استخدام الجنس والنساء لأعمال المخابرات والجاسوسية حتى أن للموساد مدرسة خاصة في تل أبيب لتخريج الجاسوسات بشكل أرتيستات وغانيات وبائعات هوى ثم إرسالهن إلى الأماكن الهامة في دول العالم. (الجزائري،1994 :83)

وقد ركز جهاز المخابرات الإسرائيلي على عامل الاسقاط الجنسي بشكل كبير جداً، حتى أن غالبية الذين تم ربطهم مارسوا الجنس أو مورس معهم –في زمن الاحتلال- وقد استخدمت النساء على نطاق واسع من أجل هذه العملية، حيث كُن يرسلن بواسطة الأمن الإسرائيلي لتجنيد عملاء ومتعاونين، بالطرق المشهورة تحت اسم ” الإسقاط “

وعرف مصطلح الإسقاط في فلسطين: بأنه يعني الابتزاز أو الضغط من خلال وسائل جنسية من أجل تجنيد العملاء. وقد مورس الإسقاط بطرق وأساليب مختلفة في المناطق المحتلة بفلسطين. ومن الأمثلة على ذلك : تصوير الفتيات أو النساء وهن عاريات، أو عند ممارستهن للجنس وتهديدهن بنشر الصور إذا لم يتعاون، مع المخابرات الإسرائيلية. أو قد يلجأ ضابط المخابرات بجعل امرأة عميلة تجبر فتيات على مصاحبة شبان عملاء، وبعد ذلك يتم الضغط على الفتاة لأن تصبح عميلة. أو قد يرسل عملاء ذكور أو إناث إلى زنازين الاعتقال لممارسة الجنس مع المعتقل في محاولة لكسر صموده في التحقيق. (الجزائري،1992: ج3،18)

وحسب العادة كانت تجند المخابرات النساء بواسطة تصويرهن عندما يكن عاريات أو يعملن عمل غير أخلاقي عبر عميل أو عميلة، ويقومون بتهديدهن إذا لم يتعاونّ معهم، بإرسال هذه الصور إلى أقاربهن. وقد استخدمت وسيلة الإسقاط والابتزاز عن طريق الصور الجنسية بنطاق واسع لدى الشاباك والموساد لأنه حسب طريقة تفكير الموساد، فإن مثل هذه الصور قد يكون وسيلة إقناع قوية لتجنيد العملاء. (بتسيلم،1993: 4)

ولكن أكثر الناس عرضة لهذا الأسلوب المنحرفون والشواذ جنسياً، لأنهم ذوي حياة غريبة وتصرفات تنافي المنطق السليم المتعارف عليه اجتماعياً ومعنوياً وأدبياً. لذا فالمنحرف الجنسي يعتبر دائماً هدفاً سهلاً لرجال المخابرات. وهم أفضل الضحايا الذين يبحثون عنهم للتجنيد والاستثمار. وخاصة إذا ما كان هذا المنحرف ذا مركز اجتماعي أو مالي أو أدبي مرموق. (وود،1990: 61 )

أهم أماكن الإسقاط:

1- المعابر والموانئ البرية والتجارية: هي الأماكن الأكثر استخداماً للمساومة والإسقاط، بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن جزء من الأراضي الفلسطينية. حيث بدأت أجهزة الأمن الإسرائيلية باستبدال مواقع المساومة التي أصبحت خارج سيطرتها، بالتركيز على مواقع أخرى لجعلها مراكز وبؤر للمساومة وللإسقاط. وذلك مثل: معبر بيت حانون –إيرز-، ومعبر الشجاعية–كارني-، والمعبر التجاري–صوفا-، وكذلك الموانئ البرية، ميناء رفح البري، ميناء الكرامة البري”.

2- مواقع العمل: وهي الأماكن الأخطر وذلك عن طريق أرباب العمل والذي قد يكون ضابط أمن، أو قد يكون صديقا له. وذلك داخل الخط الأخضر في إسرائيل.

3- صالونات الحلاقة والتجميل: العميل الفحماوي اعترف بأنه وبعض العميلات معه كانوا يستغلون صالون الحلاقة لاسقاط البنات حيث كانت تقوم صاحبة صالون الشروق في جنين مثلا بتصفيف شعر الفتيات ثم تخديرهن ويتم ممارسة الجنس معهن ثم يتم استدعاؤهن للمخابرات، وتحت التهديد والخوف من الفضيحة ترتبط الفتاة مقابل السكوت عن الفضيحه. (فتح، ب.ت: 10)

4- مراكز التدليك: وهذه إنتشرت من خلال عمليات التجسس بين روسيا وأمريكيا سابقاً. حيث كانت العميلة المشهورة للاتحاد السوفيتي (ليديا كوزازوفا) تحصل على معلوماتها من خلال استدراج زبائنها في مركز التدليك الخاص بها في ” فرانكفورت “.وكان مركزاً في ظاهره للتدليك، وفي حقيقته لتجنيد العملاء الجدد لـ K.G.B. حيث بات مقصد كل رجال الدولة الدبلوماسيين وضباط الجيش والأمن. وقد سخرت عشرات الفاتنات اللواتي يقمن بمهمة التدليك هذه مع الاستعداد لتقديم خدمات أخرى خلف الكواليس. وقد وقع في مصيدة فاتناتها العديد من الشخصيات الهامة التي كانت تسجل وتصور همساتهم وأوضاعهم المختلفة وتسلمها للمخابرات الروسية حيث أصبح لدى المخابرات الروسية أرشيفاً ضخماً لابتزاز كل هؤلاء الزبائن. (هاتون،1980: 108)

5- حركات التطبيع الشبابي ودورها في الاسقاط والتعامل:

بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل وفلسطين، ظهرت منظمات شبابية كثيرة تدعو للسلام والتعايش بين الشعبين، وقد استغلت إسرائيل هذه المنظمات بأن بدأت تنفذ مخابراتها إلى قلبها، وبالتالي عملت غسيل دماغ لهؤلاء الشباب صغار السن، مما سهل عليها بعد ذلك ربط عدد منهم باسم التعايش والسلام، من خلال إيقاعهم في ممارسات جنسية، أو الأغراء بالمال، ثم ابتزازهم للتعامل.

6-بيوت الدعارة: استطاعت ألمانيا في عهد هتلر إنشاء شبكة من الجاسوسات والعميلات وتوزيعهن على بيوت الدعارة والقيام بإسقاط العديد من الرجال. وقد قال هتلر في هذا الصدد بأن المرأة الألمانية أنفع بكثير من الرجل في عالم التجسس وأنه شديد الإعجاب بذكائهن وخططهن النسائية نظراً لتفوقهن بسلاح الإغراء وقدرتهن الهائلة على وضع الطعم القاتل لفريستها في جو هادئ. (عبد الهادي،1991: 91)

7-السياحة والوفود السياحية: قامت السلطات الإسرائيلية بإرسال بعض الساقطات “المومسات ” المحترفات والمصابات بمرض الإيدز ضمن وفود سياحية منظمة تأتي لزيارة مصر لعدة أسابيع ويقوم بعض أفراد هذه الشبكة النسائية الموجهة بالتعرف على الشبان المصريين المتهورين المائعين الذين يلاحقون ” السائحات الإسرائيليات حاملات الإيدز، ويقوم هؤلاء الشبان بممارسة الجنس معهن، وفي اليوم التالي سرعان ما يكتشف الشاب المصري أنه قد وقع ضحية للإصابة بفيروس الإيدز، وذلك عن طريق رسائل تتركها المومسات مكتوب فيها ” أهلاً بك في نادي الإيدز العالمي. (الجزائري، 1991: ج4، 214)

 8- الملاهي الليلية: تأتى شهرة المرابع عادة من الفرق الفنية التي تكون نجماتها من أجمل النساء وأشدهن جاذبية. ومن أشهرهن كانت (أدريين) التي لقبت فيما بعد باسم لؤلؤة البوسفور لأنها راقصة حسناء. والتي لم تجد صعوبة في جني الأرباح الكبيرة من ارتياد الملاهي ومصادقة كبار الرواد، حيث احترفت الرقص في ذلك المربع الليلي الكبير، فسحرت الألباب واسرت العقول وتحول ملهى (بابا جاللو) الى مركز للجاسوسية يرتاده الساسة والقادة بشكل خاص. (عبدة،1989: 74)

ومن خلال هذه الراقصة الحسناء استطاع الجاسوس (احمد ديللو) الألباني الجنسية والذي يعمل لصالح ألمانيا أن يستغلها و بمثل عليها الحب حيث كان مكلفا بتعقب آثارها لصلتها (بايرل) مفتاح الجاسوسية الأمريكية في تركيا وما حولها، ولم تكن تعرف دوره هذا في اول الأمر، وكان يخيل اليها انه رسول الهوى إليها ولذلك تعمقت الصلة الغرامية بينهما ولكن بعد أن عرفت الهدف من هذه العلاقة لم تمانع في تلقط الأخبار من رواد الملهى لصالحه. حيث كانت إن (ادريين) “لؤلؤة البوسفور” نموذج للمرأة اللامبالية، وكانت كائناً منعزلا ليس له من سلاح سوى سحره الجنسي، وقد جعلت من نفسها متاعا وفريسة تفيد الرجل بالرغبة التي تثيرها في نفسه وتقتنص منه الاسراروالمعلومات. لأن هذا الصنف من النساء اناني، لا تهمه نوعية العمل الذي يقوم به، إنما يهمه فقط جني الأرباح. (عبده، 1992 :74-82)

ولكن هذا الأسلوب برغم أنه يحيط بالفرد بشكل يكاد يحشره في زاوية التعامل، من السهل التمرد عليه ومجابهته و هناك بعض الأمثلة التى فشل معها هذا الأسلوب، حيث ان الموساد حاولت ربط مسئول كبير في إحدى الدول العربية، عبر تصويره في الفراش مع غانية تم تجنيدها لهذا الغرض. وطلب منها أن تتخذ أوضاعاً معينة بحيث تظهر الصور وجه المسئول، وأكثر ما يمكن من التفاصيل. ثم قامت الموساد بعد ذلك بعرض دليل مغامراته الماجنة عليه، ووضعوا الصور أمامه على منضدة، ولسان حالهم يقول ” قد ترغب في أن تتفاوض معنا “. لكن بدلاً من أن يكون رد فعله الصدمة والخوف. أظهر أنه أعجب بالصور. وقال ” هذا رائع سآخذ صورتين من هذا الوضع، وثلاث من ذاك ” وأضاف ” بأنه يرغب في عرضها على جميع أصدقائه “. وبالتالي أحبط هذه الوسيلة. مما يثبت للذين إنزلقوا في جريمة الزنا ألا يتورطوا في جريمة التعامل مع الأعداء. مع التأكيد على البعد عن كليهما. (أستروفسكي، وهوي،1990: 129)

وعبر أسلوب الإسقاط أيضاً بدأ وكيل الخدمة السرية السوفيتية (إيب) بالشروع فى مسألة غرامية مع الآنسة (كى) التى تعمل سكرتيرة خاصة فى إحدى وزارات ألمانيا الغربية، والتي تستطيع تناول الوثائق السرية جداً ذات القيمة لرئاسة موسكو. حيث أفلح (أيب) في إستخدام عشيقته، لالتقاط صور فوتوغرافية لها في أوضاع مشينة مع الضحايا تصلح للابتزاز فيما بعد. وعندما طلب منها تصوير الوثائق السرية للغاية في الوزارة، وتزويده بما تستطيع جمعه من المعلومات السرية، ورفضت ذلك، عرض عليها صوراً فوتوغرافية تصورها في أوضاع مشينة، وهددها بأن طبعات من هذه الصور سوف يلقى بها من طائرة فوق مدينة “بون” إذا لم توافق، ولكنها لم تستسلم أسرت إلى رئيسها بما حصل معها وكانت النتيجة أن انكشف أمره هو وبعض رفاقه. (أستروفسكي، وهوي، 1990: 120)

ب) استغلال أصحاب الإدمان (الخمر والمخدرات):

إن أحد الطرق المشهورة في تجنيد العملاء يتم كذلك بواسطة المخدرات أو مخالفات اجتماعية تمس عادات المجتمع وبهذه الطرق يكون من السهل على السلطات ابتزازهم وتهديدهم، وكان من سياسة السلطات هي إدخال أكبر كمية من المخدرات للمناطق أوغض الطرف عن إدخالها والمتاجرة بها بهدف هدم الشباب الفلسطيني وابعاده عن العمل الوطني. (بتسيلم،1993 :1)

ولذلك نجد أن أولئك الذين يرغبون في الحصول على مكاسب كبيرة من تجارة المخدرات، في العادة ما يكونون مخبرين للسلطات، وبالمقابل فإنها تغمض عينيها عنهم في تلك التجارة.

) Jaylor,1990:201(

ولذلك وخاصة خلال الانتفاضة الأولى بدأت التنظيمات ترى بالذين يعملون في مجالات الزنا والاتجار بالمخدرات والمشروبات المسكرة والصور الإباحية والأشخاص الذين لهم أفعال شاذة عن مجتمعهم والمتهمين باللواط بأنهم متعاونون. (بتسيلم،1993 :1)

ويتحدث أحد رجال الموساد عن كيفية تجنيد أحد العرب في الخارج عن طريق الخداع، وادعاء التعاطف مع القضية الفلسطينية، فيقول: شاهدت رجلاً كان يجلس في الردهة ينظر إلى مجلة عربية، استطعت أن أرى مجلة بلاى بوي مخبأة فيها، فاقتربت منه وعرفت أنه عربي، وأدركت أنه هام، لذلك قمت بالاتصال به. وأعربت له عن تعاطفي الشديد مع القضية الفلسطينية، وبأنني فقدت مبلغ كبير في شحنة لبيروت بسبب الحرب. وقلت : أولئك الإسرائيليون الدمويون هم السبب في ذلك. وظل الرجل يتحدث عن الصفقات التجارية التي كان يعقدها في ليبيا وفى آخر المطاف، ونتيجة للإسراف في الشراب، قال: ” إننا سنجعل الإسرائيليين يأكلون البراز غداء !! فقلت : عظيم ! عظيم كيف ستفعلون ذلك ؟

قال: لقد سمعنا من أحد المصادر أن إسرائيل تتابع هذا الاجتماع لمنظمة التحرير الفلسطينية مع القذافي، ولذلك سوف نقوم بخدعة في المطار، فالإسرائيليون يعتقدون أن كبار رجال المنظمة سيركبون معاً في طائرة لكنهم لن يفعلوا ذلك. (استوفسكي، وهوي،1990: 147)

وقد كان ضابط البحرية السويدى (أرنست أندرسون) قد تم تجنيده لصالح الاتحاد السوفيتي بمعرفة شيوعي سويدي من العملاء الرئيسيين في “أستوكهولم”. وذلك عبر وسيلة تناول الكحول، مع مقدار من المال، وشيء من الضغط والابتزاز، كل ذلك عمل على تحقيق الغرض المنشود. حيث استمر ولمدة خمس سنوات، بنسخ الوثائق عن معدات التسليح، عن حالة البحرية السويدية متضمنة معلومات تامة عن المنشآت الدفاعية والتكتيكات في القواعد البحرية، والدفاع ضد النقط المحتمل النزول منها إلى البر، على السواحل الشرقية والغربية للسويد، والطبعات الفوتوغرافية للتصميمات الهندسية لقلعة ” بودن ” السويدية المضادة للغزو. (هاتون،1980 :84)

ج-استغلال الجهل وصغر السن وقلة التجربة:

كان يهتم رجل المخابرات الإسرائيلي، خاصة في جهاز الشاباك، كثيراً بالتركيز على صغار السن، لكي ينشئ منهم جيشاً من العملاء له. (الناطور،1993: 133)

لذلك نرى ضابط المخابرات الإسرائيلي (جان) الذي لم يمض على تعيينه في جنين سوى عدة شهور، قد قرر ترشيح (مروان) ليكون واحد من شبكة عملائه مستغلاً صغر سنه وسذاجته مستدرجاً إياه إلى المصيدة وكانت خطة الضابط إفساد الفتى من خلال مدة بالمبالغ المالية التي شكلت تحولاً خطيراً في حياته، من خلال هذا الأسلوب ساءت أخلاق “مروان” وبات يتردد على السينما ويهمل دروسه، وكانت هذه بداية مرحلة الانحراف والانسلاخ عن بيئته، ومحيط المحافظ ولاحظ والده هذا التحول وبدأت مرحلة القلق، وكانت الصعوبة التي واجهت الضابط إيجاد المفتاح الذي يدخل به إلى عالم الشباب الوطني في جنين، فوجده في سذاجة هذا الفتى، الذي كان المدخل لتجنيد شبكة كبيرة من الشباب تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. (عيسى، 1990: 9)

ثالثاً: التعامل من خلال ضغط الموقف:

أن هناك نوعية من المرشحين لا تسمح دوافعهم، وشخصياتهم، ومراكزهم الاجتماعية والسياسية، للتجاوب مع أهداف الأجهزة الإستخبارية، أوقد يكونون على النقيض تماماً معها. وهنا لا بد من استغلال أسلوب الضغط والترهيب لإجبار الشخص للتجنيد للقبول بالعمل تحت طائلة التهديد والترهيب والفضائح والابتزاز والضغط والابتزاز. وفي حال ما إذا وجد ضابط المخابرات أن الشخص، لا تنفع معه الوسائل العادية، ولا يخضع لعملية الابتزاز، فإنه يستدعيه لمقابلته، أو يقوم باعتقاله، ومن خلال ذلك الواقع الضاغط يبدأ في مساومته. (عبدة،1992:ا26)

والمواقف الضاغطة التي ينتهجها ضابط المخابرات، تشكل الاختبار والامتحان للعوامل الكامنة. حيث يقف الفرد فيها في صراع بين مكونات هذه الأشياء، وبين ضغط اللحظة والموقف. فينشأ صراع الإقدام – الإحجام. الذي يقف الفرد مستجمعاً فيه كل قواه الذاتية، ومستنهضاً جهاز المناعة الشخصي لمجابهة مصدر الضغط. ليخرج من عملية الموازنة والمفاضلة في الخيارات التي أمامه بسلام ونجاة. وفي لحظة الصراع يتوقف النجاح على نظرة الفرد إلى اعتبار أن الصراع ذاتي أو جمعي، فإذا حصر الموقف في المنفعة الذاتية المجردة عن العقل الجمعي، فقد يستجيب للموقف الضاغط. وإذا نظر إلى لحظة الصراع على أنه صراع جمعي، ولا يمكن تجريد ذاته عنه، انتصر وتغلب على الموقف الضاغط، بشيءٍ قليل من الإرادة.

إن هذه الضغوط تشكل وضعاً متشعباً وشائكاً للفرد، لأن جانبه الأكبر هو لا إرادي يصعب التحكم به حتى لدى أغلب الأشخاص. كما أنها تمثل خطراً على صحة الفرد وتوازنه، وتهدد كيانه النفسي. وبالتالي ينشأ عنها آثار سلبية، كعدم القدرة على التكيف مع المجتمع من حوله، وكذلك ضعف في الثقة بالنفس، وفي عجز عن ممارسة مهام الحياة اليومية، وانخفاض الدافعية للعمل. وذلك عندما يتعامل الإنسان مع الموقف الضاغط بشيء من الاستسلام، ويقبل بما يمليه عليه هذا الموقف حتى لو كان الخيانة لمجتمعه ووطنه.

وتتمثل عمليات ضغط الموقف في استخدام الوسائل والأساليب القهرية، وهى من أخطر الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الاستخبارية للوصول إلى أهدافها بأي ثمن، دون إرادة الإنسان ورغبته. بحيث يجد نفسه مجبراً في بعض الأحيان تحت وطأة الدافع القهري، من خلال التهديد أو الابتزاز بأن يستسلم لهذا الضغط. وقد يساعد رجل المخابرات في نجاح عملية الضغط الظروف والأحداث التي يتورط فيها المرشح للتجنيد والتي تستخدم سلاحاً للتهديد المستمر ضده، مثل: التورط في عمليات الجنس والتهريب والرشوة والاختلاس، والمخدرات، والخمر، وغيرها. وفى حال عدم توفر هذه الأمور التي يمكن استغلالها عندئذ يعمد الضابط المجند إلى خلق الظروف التي تضع المرشح في زاوية معينة يسهل مهاجمته فيها. ولكن عندما تفشل في خلق هذه الظروف، فلا بد من عملية إيجاد الدافع القهري لعملية التجنيد، ولا بد أن تكون فاعلة بحيث تتناسب مع أوضاع المرشح المختلفة وتضعه في جو مرعب وضاغط. وفي هذا الجو العنيف والمرعب يتم الضغط والمساومة بالتعامل، فيوافق من ضعفت إرادته وخارت معنوياته. (شحادة، 1992 :114)

ومما يساعد عملية الضغط أن يقوم الشخص المكلف بمهمة اصطياد الخبراء بالبحث عن الرجال والنساء الأكثر إمكانية وفائدة وبخاصة من بين الذين لديهم نقاط ضعف معينة قابلة للاستغلال والابتزاز، قد يكون أحد هؤلاء رجل أعمال يتركز كل اهتمامه على زيادة مكاسبه وقد يكون شخصاً يسعى إلى تطوير وتوسيع دائرة طموحاته الشخصية كما أن هناك من يبحث عن مجرد الصيت والشهرة وآخرين يبحثون عن السلطة والنفوذ.(تيلور، 1990: 90)

أهم وسائل وأساليب الضغط على الفلسطيني للتعامل مع الاحتلال:

لقد تبين من خلال الواقع الفلسطيني بان العديد من العملاء تم تجنيدهم، من خلال الضغط والتهديد أما عبر المقابلات لضباط المخابرات في الشاباك، أو عند اعتقالهم، أو أثناء التحقيق معهم. حيث يتم التجنيد بالضغط عليهم ومساومتهم بعدم الاعتقال أثناء المقابلات. أو التخفيف عنهم أثناء التحقيق، أو الوعود بإلغاء التهم الموجهة إليهم، أو تقليل مدة الاعتقال، أو تحسين شروط السجن، أوما شابه ذلك.  وذلك بخلاف عمليات التجسس التي وقعت في الغرب. فعلى سبيل المثال، فقد ألقي القبض خلال العشرين السنة الماضية، على 98 أمريكي بتهمة التجسس للعدو، تقريبا جميعهم كانوا محل ثقة ومخلصين لأمريكا، وفي نفس الوقت تمكنوا من الحصول علي الترخيص الأمني، لكنهم تغيروا بمرور الوقت. والشيئ المدهش أن عدد كبير من هؤلاء الذين أصبحوا جواسيس تطوعوا بإرادتهم لتقديم خدماتهم للحكومات الاجنبية. والأعجب من ذلك أنهم لم يترضوا للضغط، أو الإغراء، أو حتى الاقناع، بل تجسسوا عن طواعية وإختيار منهم. (قيلز،1999:الأنترنت)

1- من خلال التحقيق: أقسى أنواع الضغط واشده، الذي يتم في داخل السجون والمعتقلات، وخاصة في أجنحة التحقيق وهي أجنحة يديرها الشين بيت في السجون الإسرائيلية، فعندما كان يلقي القبض على السجناء الفلسطينيين، كان يتم إحضارهم مباشرة إلى الأجنحة الخاصة أو مراكز الاعتقال. ولم تلق الشرطة أو هيئة السجون  نظرة على ما كان يدور في الزنزانات وراء تلك الجدران وقد اعترف كلا من (مليمان، ورافيف) من رجال المخابرات الإسرائيلي بأنه قد واجه العرب المتهمون بالإرهاب استجواباً وحشيا. وكانت الضربات الجسدية جزءاً منه. كما كانت هنالك أشكال أخرى من التعذيب لم تترك أية علامات. وما إن يدخل السجناء حتى تتم تغطية رؤوسهم  بكيس أسود، ثم يستمر الاستجواب لمدة  ساعات، عادة ما يحرم فيها المشبوهين من النوم، أوفي بعض الأحيان يتم صب الماء البارد عليهم وعبر وسائل التعذيب الجسدية والنفسية هذه تتم عملية الابتزاز والمساومة. (ميلمان، رافيف،1990: 147)

ومن الشواهد على الضغط للتعامل من خلال التحقيق: المواطن ( م. ف ) من الضفة الغربية، اتصل في عام (1993) بمنظمة حقوق الإنسان في إسرائيل بتسيلم وقال: “بأنه اعتقل على تهمة بالانتماء لتنظيم، ومورس عليه التعذيب الشديد، ثم عرض عليه الارتباط أثناء التحقيق، حتى وصل لدرجة أن وافق على الارتباط من شدة التعذيب، وقامت المخابرات بتوقيعه على وثيقة بالتعامل مقابل تخفيف الحكم عنه، وحكم فعلاً ستة شهور، وفي الخارج تم التلويح له بالوثيقة التي وقعها داخل السجن بأن يتعامل مع الشاباك، وقال إن كابتن المخابرات ( س ) أخبرني بأن عليّ أن أوفي بتعهدي، فقلت لم أكن راغباً على الإطلاق في التعاون وإنني وقعت الوثيقة بسبب التعذيب فقط، فقال (س) إذا غيرت رأيي فسوف تُعرض الوثيقة بتوقيعي على عائلتي وفضحي أمام القرية، فقلت له لا يوجد قانون في العالم يجبر السجين على التعاون مع السلطات وتحررت بالإصرار منهم. ( بتسيلم، 1993: 15 )

2- من خلال الاعتقال: يشكل الاعتقال بحد ذاته أداة هامة في يد المخابرات الإسرائيلية لاستغلالها والضغط من خلالها على المعتقلين ومساومتهم بالإفراج عنهم مقابل التعامل، وخاصة المعتقلين على قضايا جنائية كالسرقة وتجارة المخدرات والقتل وما شابه ذلك.

ومعظم المعتقلين الفلسطينيّين الذين اعتقلوا أو سجنوا، قد وقعوا تحت الضغط ليصبحوا مخبرين وعملاء للاحتلال. بعضهم طلب أن يبقوا كامنين لحين الطلب، والبعض الآخر بدأ يمد الاحتلال بالمعلومات تحت طائلة التهديد المباشر. (ريجبي،2001: 17)

ومن الشواهد على الضغط للتعامل من خلال الاعتقال: تحدث (د) وهو عميل نشيط في شهادة لبتسيلم (1993) بأنه ارتبط من خلال مساومته لإلغاء التهمة عنه في عام (1976) وقال: ” اعتقلت بسبب إخبارية عني عندما كنت أشعل إطارات سيارات على طريق قرب طولكرم. وكان العقاب على مثل هذه الأعمال غرامة حوالي 600 جنيه لقد كنت ابن سبعة عشر عاماً لا أملك مالاً. عرض جهاز الأمن العام الشاباك عليَ إلغاء التهمة إذا وافقت على العمل معهم، ولهذا وافقت على الارتباط كعميل للأمن العام الشاباك. (بتسيلم، 1993 213)

وكذلك العميل ( م. ا ) من منطقة نابلس بدأ العمل أيضاً مع الأمن العام بسبب تهمة جنائية تم استغلالها لربطه بالمخابرات الإسرائيلية فوافق على ذلك ويقول في شهادته لمنظمة بيتسيلم (1993) في نهاية السبعينات، عملت في مصنع في نتانيا بإسرائيل، واتهمت بتخريب ماكينات في المصنع والتسبب في خراب كبير فيه، والشرطة أخبرتني أنه من الممكن الحكم عليَّ بثماني سنوات، وبينما كنت في الاعتقال ” الحجز “، جاء شخص من الأمن العام لمقابلتي وقال لي إن هناك العديد من الشهود العيان لإدانتي وإنني في مشكلة وأنه الوحيد الذي يستطيع مساعدتي، وعرض علي إلغاء التهم إذا وافقت على العمالة، فوافقت على ذلك. ( بتسيلم، 1993: 14)

أما العميل الخطير ( ب ) فقال: في مقابلة مع مجلة ” كول هعير ” الأسبوعية المقدسية. “لقد كنت مطلعاً بشكل شخصي على أكثر من ثلاثمائة فلسطيني، تم حذف التهم ضدهم مقابل التعاون. وصرح بأن أحد هؤلاء السجناء وكان عمره ستة عشر سنة قبل عشرين عام عندما طعن فتى في المدينة القديمة من القدس، وتم تجنيده عندما كان محتجزاً للمحاكمة، حيث وعده ضابط جهاز الأمن العام بأن يطلق سراحه مقابل التعاون. (بتسيلم، 1993: 16)

أما العميل محمد عياد: الذي تحول لقاتل على أيدي الشين بيت فقد تم ربطه كما قال جيرانه في قباطية بعدما تعرض للإكراه، عندما اعتقلته الشين بيت في الشهور الأولى من الاحتلال، وكان في العشرين من عمره فقط، حيث اتهم بإثارة بعض المتاعب، وعندما تم مساومته على الارتباط و يستعيد حريته. (ميلمان، رافيف،1990: 333)

ويقول (يعقوب بري) أن في ظل هذه الظروف أوجدنا عملاء، كان التعامل خارج عن ارادتهم، ويستعرض قصة لأحد المعتقلين الذين تعاملوا مع الجهاز. ويقول ” سمير ” فدائي له وشمه منذ الولادة كان من أفضل عملائنا، بعد أن تم اعتقاله عرض عليه الارتباط فوافق على العمل لصالحنا، فقمنا بتزييف عملية معقدة لهروبه من السجن وبفضله تم إلقاء القبض على عدد كبير من الخلايا، وتم إحباط عمليات خطيرة، وتم اعتقال مطلوبين عديدين وحسب إرشاداتنا فقد تصرف كشخص مطلوب، وعلى هذا الأساس قام ولمدة ثلاث سنوات بتغطية جميع احتياجاتنا. (بري، 1999 : 49 – 50)

3- من خلال الاستدعاء للمقابلات: كان يستخدم هذا الأسلوب بشكل كبير قبل خروج القوات الإسرائيلية من بعض المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، حيث كان يرسل ضابط المخابرات للشخص الذي يرغب في مقابلته طلباً –استدعاء- للحضور إلى مقر الحاكم العسكري أو الإدراة المدنية أو أي مكان يختاره، وهناك تبدأ عملية الضغط والمساومة من أجل التعامل، والشخصيات الضعيفة قد تستجيب لهذا الضغط والمساومة.

وفي السنوات الأخيرة تركزت عمليات المقابلات أما عبر المعابر أو داخل اسرائيل.

رابعاً: أساليب الخداع والاستدراج والتوريط:

إن فكرة التجنيد لدى الموساد أو الشاباك الإسرائيلي تشبه دحرجة صخرة عن تله. وتستعمل كلمة ” ليداردو ” التي تعني الوقوف على رأس تله ودحرجة جلمود – صخرة – من هناك إلى الهاوية. هذه هي الطريقة التي يتم بها تجنيد العملاء. حيث يتم أخذ شخص وجعله تدريجيا يقوم بشيء مخالف للقانون أو للأخلاق، ويتم دفعة منحدرا عن التله بطريق الخداع والإستدراج إلى هاوية التعامل والارتباط. لكن إن كان هذا الشخص على قاعدة راسخة فإنه لن يقدم المساعدة، ولا يمكن استخدامه. لأن القصد كله هو أن يتم استخدام الناس، ولكن لكي يتم استخدامهم يجب قولبتهم، – أي تجهيزهم وتحضيرهم لذلك- فإذا كان هناك شخص سعيد في حياته ولا يحب الشرب أو الجنس ولا حاجة له بالمال، وليست لديه مشكلات، لا يمكن تجنيده. لذلك تسعى المخابرات الإسرائيلية وبشتى الوسائل لخلق الظروف المناسبه من أجل اصطياده. (عمر خليفه، الأنترنت)

فمن أجل التجنيد تستخدم كل الأساليب والوسائل والطرق الخفية والملتوية من الخداع للحصول على تلك المعلومات. وإن طرق ووسائل الخداع والسرية هذه لا تستخدم فقط للحصول على معلومات، وإنما تستخدم أيضاً للقيام بعمليات الإغتيال وغيرها. (بليدوسكا، ويلوتش، 1990: 63)

1- الخداع من خلال التظاهر بالعمل الإنساني: يقول رئيس الشاباك السابق إن أحد العملاء البارزين الذي جندته في بداية فترة عملي كان شيخا محترما من أحد مخيمات اللاجئين وقد قدم هذا الشيخ طلب للحكم العسكري بالسماح لزوجته لتلقي علاج في مستشفى هداسا في القدس حيث أن هذا العلاج لم يكن موجودا في نابلس وحتى في الأردن. وقد دعوته لمكتبي على أساس أنني أريد أن أبحث معه الموضوع وأثناء حديثي معه حاولت أن استوضح ما إذا كان مستعداً للعمل معنا، ولكن أجابني سلباً ومن خلال آيات قرآنيه بان المساعدة للكفار هي ضد مبادئ الإسلام ولذلك لا يوجد لديه نية للاستجابة، وبدون أن ينتظر إجابتي قام وترك الغرفة.

ورغم ذلك أصدرت تعليماتي لإعطاء تصريح لزوجته للذهاب للمستشفى هداسا. ولم أره زمنا طويلا، وفي أحد الأيام حضر بشكل مفاجئ لمكتبي وطلب أن يحادثني “فأستقبلته فوراً وطلب مني أن أقدم شكره وشكر زوجته للأطباء في المستشفى لما لاقته من عناية. وعندها سألته هل فكرت مرة أخرى باقتراحي.

فرد لقد فكرت بذلك كثيرا وأنا أوافق أن أساعدكم بشرط أن تعدني بأن تستخدم المعلومات التي سأجلبها لك فقط لمنع عمليات تستهدف حياة الأطفال والنساء، فوعدته بأن استخدم المعلومات لمنع عمليات تستهدف المدنيين. (بري،1999: 55)

وعبر الخداع أيضا تم تجنيد عميل بارز وناجح آخر، حيث كان تجنيده في أعقاب إعلان في صحيفة قيل فيها إن سائق تكسي من قرية في شمال الضفة، كان شاهد عيان لحادث طرق بين سيارتين إسرائيليتين، وقام هذا السائق بنقل الجرحى بسيارته إلى المستشفى. لذلك قدم له الحكم العسكري شهادة تقدير، ومن جانبنا وضعنا أعيننا عليه، وقد كان السائق عضواَ في الحزب الشيوعي وتم استدعاؤه ومناقشته للعمل معنا حيث أبرزنا له أن الهدف هو جانب إنساني لإنقاذ حياة المدنيين في كلا الطرفين، فوافق على العمل لصالحنا.

ومن بين العملاء ممن صنفوا كعملاء بالرغبة معتقدين أنهم يقدمون خدمة ومساهمة لمجتمعهم وللقضية الفلسطينية بشكل عام. العميل الفلسطيني (أ. هـ) البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً الذي ارتبط مع الشاباك الإسرائيلي عام (1971). ويتحدث عن عملية تجنيده بأنها كانت توريطه، حيث قال: ” وجدت مخزنين وخوذة في الطريق أخذتها للشرطة وهناك قد شكروني ووعدوني بأنني إذا احتجت لمساعدة فسوف يقدموها لي وما عليّ إلا أن أتوجه إليهم، وبدأت بالفعل من هذا الباب بدون ارتباط وشيئاً فشيئاً وجدت نفسي أقدم لهم خدمات، مقابل ما أحصل على خدمات، ثم حُولت للمخابرات لأبدأ التعامل وبشكل رسمي. (بتسيلم،1993: 8)

ومن وسائل الخداع أيضا في التعامل، أنهم يدخلون للبعض عن طريق تقديم المعونات العامة للشعب الفلسطيني، ويدعون بأن لدينهم ميزانية يريدوا من يساعد في توزيع هذه الأموال، وفي هذه الحالة يوافق البعض على مساعدتهم، ومن هنا تبدأ الخيانة.

2- الخداع من خلال التظاهر بالعمل ضد عدو مشترك: وذلك كأن يعملوا على إيهام الشخص بأنهم يحاربوا الشيوعية، أو الأصولية، أو الإرهاب، أو أي مسمى يعتقدوا أنة يمثل قاعدة تفاهم مشتركة.

فهذا العميل المصري( محمد إبراهيم فهمي كامل) قد تم تجنيده أيضا بطريقة المخادعة وهو يظن أنه يحسن صنعاً، وهذا في طبيعته جهل بالوعي الأمني وأخذ الأمور بشكل من البراءة، وإن كانت حاجته المادية الصعبة التي خرج لروما من أجل تحسينها لم تشفع له تلك العلاقة الخطيرة. وقد فاتحه ضابط المخابرات الإسرائيلي قائلاً: لقد حدثنا عنك صديقك، الذي يعرفك منذ زمن طويل، ونحن نعمل في مكافحة الشيوعية في المنطقة، ولا نريد أن تخون وطنك، وكل ما هو مطلوب منك لقاء راتبك الذي سيكون للثلاثمائة دولار أميركي شهرياً هو بعض المعلومات عن خطر الشيوعية في المنطقة فقط. (مجدي،1995: 809)

وفي ألمانيا الشرقية قامت مخابراتها باستدراج مربية اسمها (كالزهورست) تعتبرها رئاسة فرع “برلين” للخدمة السرية السوفييتية مخبراً مفيداً وقد تسلمت هذه المربية على غير انتظار برقية من والدتها التي تعيش في مدينة “جلاوخاو” فى ألمانيا الشرقية أنها مريضة وأنها فى حالة خطرة وطلبت منها أن تحضر حالاً”. وكانت هذه البرقية عبارة عن خدعة لحملها على المجيء إلى ألمانيا الشرقية.

وعندما وصلت إلى هناك أخذت إلى رئاسة الخدمة السرية السوفيتية، وطلب منها أن تعمل جاسوسة في ألمانيا الغربية. وقد حذرت بأنها سوف ترسل هي وأمها إلى معسكر السخرة إذا ما رفضت أن تقدم المساعدة الوطنية للخدمة السرية السوفيتية، وفي المقابل سوف تحصل على راتب سخي نظير خدماتها. (هاتون،1980: 160)

2- الخداع التظاهر بالحب والعلاقات الغرامية: عن طريق التظاهر بالحب تم ربط العميلة (هاجن) مع المخابرات السورية، وهي صحيفة أمريكية تعمل في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث كانت معجبة بكثير من المندوبين العرب. ولذلك ووافقت على التجسس على إسرائيل من أجل خطيبها الدبلوماسي السوري (غالب الخيلي)، وفي عام (1956) وذهبت إلى إسرائيل كمراسلة أجنبية وبدأت في إرسال التقارير للمخابرات السورية، ولأنها بدت مهتمة بشكل غير مألوف بحدود إسرائيل، بدأت الشين بيت تراقبها على مدار الساعة، وقام أخيرا رجال المخابرات الإسرائيلية بالقبض عليها، و أدينت بالتجسس، وقضت ثمانية شهور في سجن إسرائيلي. (عبدة،1992: ج2،367)

وبنفس الطريقة والأسلوب تم ربط العميل (منير ردفه) وهو أحد أفراد أسرة مسيحية مارونية ثرية في العراق كان قد تدرب عند السوفيت، وكان طياراً في سرب من طائرات ميغ 21، أحدث ما أنتجه السوفييت في ذلك الحين. ومن أجل إسقاطه وتوريطه في التعامل تم إرسال فتاه جاسوسة من الموساد إلى العراق تقمصت  دور سائحة غنية، حضرت بعض الحفلات العالية المستوى في بغداد. استطاعت أن تسحر الطيار العراقي، مع أَنه كان متزوجاً وجعلته يقع في غرامها ورفضت ممارسة الجنس معه في العراق، وعرضت عليه أن يذهب معها إلى أوروبا، وعندها يمكن أن ينال ما يريد، ووافق الطيار على مرافقتها إلى باريس، حيث يمكن أن يعيشا قصة غرام مفعمة بالسعادة. وبعد يومين قضاهما في فرنسا تم توريطه ولذلك، وافق على الطيران مع المرأة الفاتنة إلى إسرائيل. بجواز سفر مزورا وفرته له الموساد في باريس. وبعد بضعة أيام عاد والعميلة الإسرائيلية، التي كان يظن أنها صديقته الأمريكية إلى بغداد، وكان قد اتفق في إسرائيل بوضع دفعه له تحت الحساب  في حساب مصرف سويسري، ثم تهريب عائلته من العراق، بمساعدة بعض العملاء الإسرائيليين، ومن ثم نقلهم لإسرائيل.  وذلك مقابل هروبه بطائرة الميج إلى إسرائيل. استقبله رئيس الموساد آنذاك وعند وصوله إلى إسرائيل (مائير أميت). وتم إعطاؤه  وأسرته هويات جديدة وباقي المبلغ الذي وعدوا به. وكل احتاجوا إليه لبدء حياة جديدة في إسرائيل. (رافيف،وميلمان،1991: 117)

وكذلك الجاسوسة (باميلا) الأمريكية الجنسية، والتي أجبرت على التعاون مع المخابرات السوفيتية بفعل تعلقها بعشيقها عازف الجاز والمطرب الراقص (وليام) بعد أن هددها إذا لم توافق على التعامل بفضيحة الإجهاض، وبنشر صور جنسية لها معه.(عبد الهادي، 143:1991)

كما استطاع الجاسوس الألماني الشرقي تجنيد (ايلكه فالك) الألمانية الغربية كعميلة له عن طرق الخداع عبر الحب والتي سرعان ما شغفت به حباً وهي التي أمضت شبابها تبحث عن الرجل الكامل، … أما هو فقد كانت هذه هي وظيفته التقرب ما أمكن إلى قلبها وإيقاعها في شباكه ومن ثم السيطرة عليها جسدياً ونفسياً وعلاقة العشق التي قامت بينهما كانت لمصلحة الحبيب الذي أوقع العشيقة في حبائله، واستثمر ذلك إلى أقصى حدود الاستثمار. حيث كان عملها في المستشارية الألمانية كسكرتيرة. وهذا العمل يعطي الكثير من المعلومات التي تمس أمن ألمانيا. وتجسست على المستشار السابق لحكومة ألمانيا (هيلموت شميت)، واستمرت كذلك تتجسس على المستشار التالي( هيلموت كول) إلى أن نقلت بناء على طلبها، للعمل سكرتيرة بوزارة التعاون الاقتصادي لتزويد حبيبها بمعلومات عن أسرار وزارة التعاون الاقتصادي وكان يأمر وهي تنفذ وكأنها واقعة تحت تأثير سحره، وكلما أراد حبيب القلب معلومة من إدارة ما طلب منها الانتقال إلى هذه الإدارة، وهي تطيع لأنها تعودت أن تقول دائما نعم، حتى لو أدى بها ذلك إلى السجن. (عبدة،1989: 174)

ومن أشهر قصص الاستدراج والخداع والتورط في عملية التعامل والتجسس، تلك التي تعرض لها عالم الذرة العراقي (بطرس بن حليم). حيث بدأت القصة معه حين وقفت عن قصد له في موقف الباصات الذي تعود الركوب منه في باريس، امرأة شقراء عميلة للموساد مثيرة بلباس يكشف من جسمها ما فيه الكفاية لإثارة رغبة أي رجل، وذلك من أجل لفت نظره إليها لتمرير مخطط محكم ومرسوم جيداً من قبل الموساد لإسقاطه وتوريطه في التعامل والتي فعلاً استطاعت بعد رحلة طويلة من الاستدراج أن تسقطه في براثن المخابرات الإسرائيلية. (استوفسكي، وهوي،1990: 28)

خامساً: أساليب المخابرات في انتقاء الأشخاص لجعلهم أهداف التجنيد للتعامل:

هناك العديد من الاعتبارات التي تهتم بها أجهزة المخابرات الإسرائيلية، والتي على أساسها يتم انتقاء الأشخاص لجعلهم أهدافاً للمساومة والتجنيد للتعامل ومن أهمها:

1- طبيعة انتماء الهدف: إذا كان المقصود هو اختراق تنظيمات يتم التركيز على تجنيد أناس منتمين لهذا التنظيم للوصول إلى أفكاره ونشاطه، وبؤر تواجده. لإن أجهزة الأمن الإسرائيلية تفضل أن يكون الهدف المحدد لتجنيده للعمل معهم هو عضو حالي أو سابق في الحركة أو التنظيم المستهدف، وذلك ليكون قريباً من أفراد هذه التيارات لإمكانية حصوله على اكبر قدر من المعلومات الاستخبارية.

2- طبيعة سكن الهدف، والجيران: واذا كان الهدف المنوي مراقبته وجمع معلومات عنه من الأماكن التي يغلب عليها طابع المقاومة للاحتلال والتحريض عليه، مثل الأحياء السكنية التي تعتبر معاقل للتنظيمات الإسلامية والوطنية، أو من الأشخاص الذين هم محط أنظار واهتمام رجال المخابرات الإسرائيلية بسبب نشاطهم المعادي للاحتلال. يعتبر الهدف الذي له أولوية وأهمية في التجنيد للتعامل من الجيران، او من اهل المنطقة.

3- صلة القرابة للهدف: واذا كان الهدف المنوي مراقبته من قيادات وكوادر التنظيمات الإسلامية والوطنية، فإن إحدى العوامل التي تقوم أجهزة الأمن الإسرائيلية بوضعها في الإعتبار، حين تقوم بعملية الربط للتعامل صلة القرابة مع هذا الهدف. وهناك شواهد كثيرة على عملاء كانوا أقارب لأناس مستهدفين، ساعدوا على قتلهم من قبل السلطات الإسرائيلية. منهم على سبيل المثال المثال العميل الذي ساعد في اغتيال الشهيد القسامي من رام الله إبراهيم بني عودة. حيث أعترف هذا العميل بأنه قد أخذ سيارة ابن عمة وأرسلها للمخابرات الإسرائيلية التي قامت بدورها في تلغيم السيارة، التي انفجرت بعد دخول إبراهيم إليها بعدة دقائق. والذي اعترف هذا الشخص أنة تم تجنيده من قبل القوات الإسرائيلية، ثم طلبت منة التقرب للشهيد. (وليامز،2001: 39)

4- محيط الأصدقاء: إن دائرة العلاقات الشخصية، والصداقات التي تحيط بالشخص الذي يمثل الهدف. تكون هي الآخرى بمثابة مجال هام تعمد المخابرات الإسرائيلية على اختراقه والوصول إليه. كما حدث في حالة الشهيد يحي عياش.

5- محيط العمل والمهنة: إذا كان الهدف هو أحد مواقع العمل سواء الأمنية، أو العسكرية، أو المدنية، أو شخصاً يعمل في هذه الأماكن. يتم اختيار العملاء الذين لا يثيرون الشبهة في تواجدهم في مكان العمل المقصود. من نفس دائرة محيط العمل والمهنة، وخاصة في ظل الظروف المعيشية التي يحياها شعبنا من ارتباط وثيق بين الفرد ومجال عمله.

وسائل الاتصال والإلتقاء بين العميل وضابط المخابرات الإسرائيلي:

أ) وسائل الإتصال: إن وسيلة الاتصال تعتبر عاملا مهما جداً في طبيعة العمل التجسسي مع الأعداء. ومن ضمن وسائل الاتصال المستخدمة بين المتعاون بعد إسقاطه وضابط الاتصال الإسرائيلي لنقل المعلومات التي يحصل عليها المجند، أو لإرشاد الأخير وتوجيهه من قبل ضابط الاتصال الإسرائيلي، أو لتكليفه بإحدى المهام هي:

- عبر اللقاء بين الطرفين وهو الأكثر استخداماً.

- عبر تليفون عمومي بعد إعطاء المجند بطاقة هاتف من قبل الضابط الإسرائيلي.

- عبر جهاز بلفون من نوع “سلكوم” في الغالب، – باعتبار ان المدير العام لهذه الشركة هو (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق – والذي يتم شراؤه من قبل المجند وعلى نفقة جهاز المخابرات الإسرائيلي. واختيار هذا النوع من البلفونات “سلكوم” أو التليفون العمومي جاء لعدم القدرة على التنصت على المحادثة.

وإن طبيعة الحديث الذي يدور عبر جهازي البليفون أو التليفون العمومي بين ضابط المخابرات والعميل لا يتعدى التنسيق للتأكيد على موعد ومكان اللقاء بينهما.

ب) أماكن الإلتقاء بين العميل وضابط المخابرات الإسرائيلي: أماكن اللقاء تعد من الجوانب الأكثر أهمية وخطورة في العمل التجسسي، لذلك تحرص عليها أجهزة الأمن الإسرائيلية وتراعي عدم كشفها حتى للمجندين أنفسهم، كما يحرص على عدم كشف اسمه الضابط المجند للمتعاون، والتعامل معه بأسماء وهمية. مما يتم تحديد موعد ومكان اللقاء مسبقاً إما تلفونياً، أو من خلال اللقاء الذي تم بينهما مسبقأً.

 وعن اللقاء يتم إلتقاط العميل عبر الحواجز العسكرية، أو مداخل المستوطنات. بكلمة سر يكون متعارف عليها. ويتم نقله بوسيلة نقل خاصة، إلى مكان الالتقاط داخل المستوطنة، أو داخل الخط الأخضر، وذلك بالإيعاز له بالخروج في اليوم المحدد للقاء مع حركة العمال حتى لا يثير دخوله الشبهه.

وهناك يتم تفتيشه بشكل أولي، ثم يعاد تفتيشه بعد ذلك بشكل دقيق قبل دخوله إلى مواقع اللقاء. ويتم تغطية العميل بقطعة قماش سوداء، من قبل الجنود الإسرائيليين المتواجدين في نفس المكان، حتى لا يتعرف العميل نفسه على المكان الذي سوف ينقل إليه داخل الخط الأخضر لمقابلة ضابط المخابرات. ومن أهم مواقع الالتقاط أو اللقاء:

1) المستوطنات: حيث يتم تحديد مناطق معينة داخل المستوطنة لهذا الغرض.

2) داخل الخط الأخضر:  وقد يكون ذلك في الغالب في أجنحة داخل فنادق مستأجرة لذلك الغرض من قبل أجهزة الأمن الاسرائيلية، او داخل شقق سكنية خاصة تتبع لأجهزة الأمن الإسرائيلية.

3) المعابر الحدودية بين فلسطين والكيان الصهيوني، وخاصة معبر بيت حانون.

الوقاية والعلاج لظاهرة التعامل مع الإحتلال:

لقد تعرض الشعب الفلسطيني  تحت الاحتلال ” لاقتلاع  مستمر من هذا الوطن، والتغريب في إستراتيجية صهيونية متكاملة قوامها سياسة احتواء اقتصادي واستيطان استعماري، الذي هو في حقيقته عنف بنائي. كل هذا فضلا عن سياسة التذويب والتخريب والتمزيق الاجتماعي، والغزو السياسي والفكري والإعلامي، ومحاولات غسل الدماغ المستمرة على جميع الصعد، وبمختلف الوسائل”.

ولذلك فإن هناك صعوبة بالغة في مكافحة التعامل والتجسس. والموكلون بمكافحة الجاسوسية، هم أكثر الناس عناء وتعرضا للارهاق. لأن مراقبة الخونة من أهل البلاد تعتبر اشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب، ذلك لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يبديه نتيجة جهله بالعادات المحلية. أما الخائن لوطنه، المتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية، فمواطن كغيره من المواطنين، لا يختلف عنهم في شيء إلا بعملة التجسسي. ولذا لا يمكن أن نتصور أن يقف المجتمع مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة الخطيرة التي تأخذ في الانتشار والتفشي بين ربوعه. ولا بد من العمل على الوقاية منها، ثم تقديم العلاج الناجح لها بعد ذلك.

سابعاً: تعقيب، وتنبية:

 أ) تعقيب: من خلال حالة الاستعراض السابق، نستطيع ان نرسم بوضوح ملامح شخصية العميل قياساً على شخصية الأفراد المنحرفين والمجرمين في المجتمع.

حيث يمكن للمرء أن يلمس بشكل لا يدع مجالاً للشك، مالك للآخرين اللصيق، حيث يجمع معظم علماء النفس إن السنوات الخمس الأولى من حياة الشخص هي المشكلة الأولى والاهم في حياته، حيث تحفر هذه الفكرة وتسبح الخيوط الأولى من كينونة الطفل.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال (يولد المولود على الفطرة، وانما أهله يهودانه، أو يمسجانه، أو ينصرانه). وهذا بيان واضح كما يقول المثل الشائع ” العلم في الصغر كالنقش في الحجر”.

إن الميول العدوانية، تجاه الآخرين، وتجاه المجتمع، لها علاقة، بطبيعة العلاقة مع الآخر الأول. فإذا كانت هذه العلاقة مع الآخر (الأنت) الحميمة، أو اللصيقة، تسودها معايير صحيحة، وصحيحة في جميع مجالاتها، تنشأ الآخر الأخرى “النحن” على نفس شاكلتها، فالحب والحنان والرعاية وروح التعاون والمحبة، التي تسود الذات (الأنا) مع الآخر (الأنت)، اللصيقة تؤدي في الأغلب إلى أن تسود أيضاً روح العلاقة مع الآخر (النحن) وإذا كانت هذه العلاقة تشوبها معايير الأنانية والحقد والكراهية، والانحلال، واللاأخلاقية، فإنه بالتالي تسود علاقة الفرد هذه المعاني بالآخر بالمجتمع (النحن) من حوله فمثلاً عندما يتعود من والديه إن الحياة فرص مادية، وانتهازية، ولا أخلاق مكان في العلاقات فيها، فإن الطفل يمارس هذا السلوك مع الاخرين، في البداية بشكل من التلقائية العضوية التي يغلب عليها طابع التقليد، وإذا حقق في حياته بعضاً من النجاح عبر هذا المنطق، فإنه يعتمد لديه، ومن الصعب التراجع عنه إلا لموقف صدمي يعيد له التوازن والاعتدال.

وأيضاً من خلال العلاقة الأولى عبر التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها التنشئة الأسرية، يبدأ الإنسان في تكوين مفهومه عن ذاته.

إن الطفل يولد صفحة بيضاء يمكن أن يرسم عليها من يشاء، ما يشاء، فذات الطفل ما زالت في طور التشكل والبلورة، وبرغم أن الذات “النفس” تولد وتوجد مع وجود الفرد إلا أنها تتبلور، وتتحدد معالمها وأركانها عبر الواقع المعاش، ومن خلال هذا الواقع، ومن خلال الآخرين “الوالدين في البداية، ويبدأ الفرد في نسج صورة عن ذاته، أي يبدأ في بناء مفهومه عن ذاته، وهذا يتم في البداية عبر المرآة العاكسة لسلوك الآخرين تجاهه.

إن الآخر اللصيق “الوالدين” هم في البداية مرآة الطفل الذي يرى نفسه من خلالها وهذه المرآة هي عاكسة لذاته، من قبل الآخرين له وخاصة الوالدين، بالثقة بالنفس، التي تمتد معه بعد ذلك طوال سنين عمره وحياته، ثم تنعكس على ذاته كمرآة عاكسة لترتد على الآخرين من حوله أن تنتقل بعد ذلك هذه الثقة للآخرين، حيث يسود علاقته بالغير أو الآخرين بدءاً من “الآخر” الفرد (الأنت) اللصيقة، الحميمة، حتى الآخر المجموع (النحن).

وعبر هذا (النحن) يستمد انتماءه وولائه، وتتبلور وفق ذلك هويته الوطنية والقومية، وإذا تمتع بعلاقة وثيقة وحب للآخر القريب (النحن) فإنه يقبل بكل ما يطرحه هذا الآخر من مفاهيم وأعراف وتقاليد، ولكن إذا حدث شرخ في علاقته بهذا الآخر فإنه يبحث عن آخر يستمد منه الدعم والعون والقوة، ولا يجد أمامه إلا الآخر “الغريب” الذي قد ينبهر به وبسلوكه وأفكاره، مما يؤدي به إلى التقليد والاتباع لكل ما يصدر عن هذا الآخر (الهم) وقد يتطور الأمر مع هذا الآخر (الهم) أن يتوحد ويندمج معه، فيصبح يرى بعينه وينظر برؤيته للأشياء.

وتزداد الأمور خطورة وصعوبة إذا كان هذا الآخر “القريب” أو آخر الآخر (الهم) أن يكون عدداً أو محتملاً، وهنا ينقلب الأمر إلى الانقياد وللعمل ضد ذاته، وضد هويته التي تمثلها (النحن).

وهكذا ينحرف الفرد عبر سلسلة من التفاعلات، تمتد منذ لحظة ولادته، ومنذ تشكيل نواته الأولى لشخصيته ومنذ لحظة بناء الذات، إلى الانسلاخ عن ذاته، والتنكر للآخر الفرد (الأنت) اللصيق والحميم، والتمرد على الآخر “القريب” الجمعي “النحن” ويبدأ في الانهيار، والاعتدال والحب والولاء وربما التوحد مع آخر الآخر أو الآخر الجمعي البعيد للنحن، (الهم) والذي قد يكون غير عدو، أو عدو، وهنا تكون الكارثة، حيث ينتقل الفرد إلى نقيض ذاته، ومجتمعه إلى نقيض (للأنا)، و(الأنت)، و(النحن) ويعود خادماً مطيعاً للآخر (الهم).

والشخص المنحرف أو المجرم يتشكل لديه عبر تاريخه الطويل، وعبر رحلة من الانحراف الكامن والمستتر، عداءة للآخر، في أحضان والديه، ومن خلال التنشئة الأولى له، والتي تكمن خطورتها في حفرها مسار الطفل فيما بعد، نحو ذاته والآخرين من حوله.

ثم تأتي العوامل الأخرى المساندة والمساعدة والضاغطة في نماء هذا الانحراف وهذا الإجرام حيال المجتمع (النحن).

ولكن هذا الانحراف والإجرام حيال المجتمع ليس بالضرورة أن يقود إلى الانتقال من أخر لآخر، أي ليس بالضرورة أن يندفع الفرد ليمارس سلوكاً مضاداً للمجتمع أن يتحول للنقيض، فيوظف حقده وكرهه للمجتمع (النحن) إلى خدمة الآخر (الهم) خاصة الآخر إلى يناصب مجتمعه العداء.

ولقد ثبت أن كثير من المنحرفين والمجرمين داخل المجتمع، يمكن أن يمارسوا أنواع كثيرة من الجرائم والانحراف بحق مجتمعهم، ولكن عندما يصل الأمر إلى ممارسة هذا الإجرام لحساب الآخر (الهم) يرفضون وبشدة ذلك، وربما ينقلبوا بغريزة الكره للآخر، لمقاومة هذا الأخر (الهم) بكل ضراوة وعنف، اكثر من غيرهم الطبيعيين، لأنهم يجدون في ذلك متنفساً لتصريف طاقة الكره للآخر (النحن) في الآخر (الهم).

وهذا ما يجب ان يتبعه المجتمعون المصلحون الاجتماعيون النفسيون في التعامل مع المنحرفين والمجرمين في المجتمع، وتصريف طاقتهم، باتجاه الآخر (الهم) العدو، بدلاً من الآخر (النحن) القريب.

ب) تنوية:

إن من حق كل مجتمع يتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً في التعامل مع الانحراف حتى يمكنه ان يوفر لمواطنيه الإحساس بالأمن والنظام. ومجتمعنا من هذه الناحية لا يختلف عن سائر المجتمعات. من ذلك مثلاً أن مجتمعنا يستخدم العقاب مع المجرمين، ويعتمد على العلاج في حالة مرضى العقول، على أن الهدف الظاهري في كلتا الحالتين هو إعادة التأهيل. (كاشدان، 1977: 178)

ويمكن الوقاية من هذه الظاهرة بإتباع بعض الخطوات الآتية:

1) التوعية العقديه، والوطنية: تبتدئ مسألة التعامل من الفراغ العقدي والايماني، وعدم التوعية الوطنية والسياسية، والامنية. فأما عقيديا وايمانياً فان الولاء لليهود واسرائيل يجب أن يعمم بأنه كفر يخرج صاحبه من دائرة المؤمنين ويحشره في زمرة اليهود. “ومن يتولهم منكم فانه منهم”.(نوفل، 2000: الأنترنت)

أما التوعية الوطنية فيجب أن يعمم بان الامر اخطر مما يظن ويتصور البعض، فهو خيانة للوطن، تضع العميل في دائرة العدو، لان هؤلاء هم الخطر الداهم، والسرطان المستشري القاتل، وهم العدو بنص القرآن “هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله..”.

2) التوعية الأمنية الشاملة: أي تعميم نظرية الأمن الشعبي: إننا نرى في واقع الدولة اليهوديه أن  كل السكان اليهود هم بمثابة عين ساهرة على أمنهم، خاصة أن من طبيعة كيانهم أنه لا يوجد حد فاصل بين المدنى والعسكرى، فالسكان اليهود جميعاً هم مدربون وموضوعون تحت طلب الخدمة العسكرية الاحتياطية، والمخابراتية، ويعتبرون جميعاً جنوداً في الجيش الإسرائيلي عند الحاجة، أو في لحظة الخطر. مما يجعل الحضور الأمني موجوداً في كل مرافق الحياة بدءاً من عمال المخازن والدكاكين والمواصلات والاتصالات والخدمات حتى سائقي التاكسي إلى أعلى أجهزة الدولة. وفوق هذا فإن الفرد اليهودي العادي في إسرائيل مدفوع دوماً إلى خدمة أجهزة المخابرات بضغط عملية ” غسل الدماغ ” اليومية والمستمرة، تحت شعار المحافظة على بقاء ” إسرائيل”. وليس السكان اليهود في إسرائيل فقط، بل كذلك اليهود في جميع أنحاء العالم ايضاً، مطلوب منهم التعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية بدعوى المحافظة على بقاء الدولة اليهودية. وكذلك تقوم المنظمات اليهودية في جميع أنحاء العالم، حتى الخيرية منها، بإمداد أجهزة المخابرات الإسرائيلية ” بالمعلومات “وفق تعليمات هذه المخابرات الدائمة، وتقدم التغطية المطلوبة للعاملين في هذه الأجهزة، وتتعاون معهم في جميع العمليات الخارجية. (الجزائري، 16:1992)

2) تماسك الجبهة الداخلية: بترسيخ الإيمان، وتعميق الولاء للدين. وتقوية الانتماء للوطن، وغرس الوطنية الصادقة. ان مقاومة التجسس تقضي بتوعية المجتمع ليكون كلُّ فرد فيه حذراً ويقظاً بمخططات الأعداء، والمحافظة على الأسرار وربط عملية افشاء السر للعدو بخيانة لله ورسوله والمؤمنين، وهي أماناتٌ، يقول الله تعالى عنها: (يَآيهَا الذينَ آمنُوا لا تخونُوا اللهَ والرسولَ وتخونُوا أماناتكُم وأنتُم تعلمونَ)(125). وذلك يستدعي أن تكون الجبهة الداخلية متماسكة، «بعضهم أولياء بعض»، لا يوالون عدواً، ولا يُسلمون نصيراً، قال تعالى: (يَأيهَا الذينَ آمنُوا لا تتخذُوا عدوي وعدوكُم أولياءَ تلقُونَ اليهِم بالمودةِ وقَد كفرُوا بمَا جاءكُم مِن الحقِ)(126) وتماسك الجبهة الداخلية أمر رباني حيث يقول الله عز وجل: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضهُم أولياءُ بعض يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ ويقيمونَ الصلاةَ ويؤتونَ الزكاةَ ويطيعونَ اللهَ ورسولهُ أولئكَ سيرحمهمُ اللهُ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ)(127).

ومن الايمان تماسك الجبهة الداخلية وذلك بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرقه لقوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”. كما لا ترقهم الشائعات، ولا يُضعف عزمهم التخذيل والاراجيف: (الذينَ قالَ لهمُ الناسُ إنَّ الناسَ قَد جمعُوا لكُم فاخشوهُم فزادهُم إيماناً وقالُوا حسبنَا اللهُ ونعمَ الوكيلُ)(128). وقال تعالى: (ولمَّا رأَى المؤمنونَ الاحزابَ قالُوا هذَا مَا وعدنَا اللهُ ورسولهُ وصدقَ اللهُ ورسولهُ ومَا زادهُم إلاَّ إيماناً وتسليماً)(129).

3) وقاية المواقع والأفراد: وهو ما يختص بأمن الأفراد وأمن المنشآت وامن المعلومات ووسائل الاتصال وكافة الإجراءات الأمنية التي تحقق الوقاية من تجسس الأعداء. وقد قال العرب قديماً «درهم وقاية خير من قنطار علاج ». وقد امر الله سبحانه وتعالى بالوقاية والحيطة والحذر: (يَأيهَا الذذينَ آمنُوا خذُوا حذركُم فانفرُوا ثُباتاً أو انفرُوا جميعاً) (130). وقد حرص الرسول الكريم (ص) على تحقيق الوقاية ووضع الجند في مواقعهم، وهو ما أشار اليه الكتاب المبين: (وإذ غدوتَ مِن أهلكَ تبوئ المؤمنينَ مقاعدَ للقتالِ) (131).( كتاب التجسس، الأنترنت)

4) التآزر والإسناد من الآخر-التكاتف الاجتماعي: إن أسلوب التعامل مع النكبات التي تمر بالإنسان يختلف عن أسلوب التعامل مع الضغط الداخلي. فالضغط الداخلي يحتاج إلى أسلوب الإسناد الانفعالي، وهو الأسلوب الأكثر استخداماً. وأساليب التعامل مع الضغوط الناجمة عن فقدان شخص عزيز أو الحرائق التي تحصل لممتلكات الإنسان وأمواله، أو النكبات الطبيعية، أو مع الأزمة النفسية الشديدة، أو الصدمات الانفعالية العنيفة، أو اضطراب في علاقة الفرد مع غيره من الأفراد على مستوى البيت أو العمل أو المجتمع الصغير، وغير ذلك من المشكلات أو الصعوبات التي يجابهها الفرد في حياته، والتي تدفع به إلى حالة من الضيق والتوتر والقلق، فأنها تحتاج منه لاستيعاب الموقف والتفاعل معه بنجاح، فيتخذ أسلوباً لحل تلك الأزمة، أو ذلك الضغط وفق استراتيجية نفسية خاصة تتناسب وشخصيته.

أو يلجأ لحل توفيقي وسطي، أو تسوية مؤقته بينه وبين القوى الضاغطه. أشبه ببديل تعويضي عن فشل الكبت وما يترتب عليه من قلق. أو يلجأ لأسلوب الإسناد الاجتماعي، أو بعبارة أخرى الإسناد من الآخر الذي يجد في الأغلب لديه القدره على تقديم الدعم والمسانده له. حيث تعارف الناس، أنه إذا أصيب شخص بعزيزٍ له أو بمال أو بآفة، أمروه بالبكاء أو الشكاية بث أشجانهم. ويسعى البعض للحصول على مساعدة الآخر اجتماعياً أو نفسياً، فيلجأ البعض إلى الأهل أو الأقرباء أو حتى العشيرة في بعض المجتمعات للحصول على الدعم الأمني عند الشعور بالتهديد لسبب معين. ,وقد يتجه البعض إلى أصدقائهم لغرض الحصول منهم على الاطمئنان لمستقبلهم.

 (دراسة الماجستير بعنوان “دراسة لبعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي”)

(دراسة الدكتوراه بعنوان “مفهوم الذات، ومفهوم الآخر، لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي” )

 

أترك تعليقا

الأنا والآخر…بين الفلسفة والسيكولوجيا

الأنا والآخر… بين الفلسفة والسيكولوجيا

بقلم الدكتور/ خضر عباس

لقد اهتم كثير من علماء النفس والفلاسفة بدراسة الإنسان وشخصيته، والقضايا المتصلة بالذات، ومفهوم الذات، ومفهوم الآخر. وكانت أعمال (وليم جيمس) هي الأولى في هذا المجال، حيث أسس في نهاية القرن التاسع عشر أول نظرة سيكولوجية للذات، ثم طور (جيمس بالدوين) رؤية تفاعلية، اهتم فيها بعلاقات الذات بالآخر، وشدد على أن (الأنا) و(الآخر) مولودان معا. كما أسهم كل من (تشرلز كولي وجورج ميد) في تأسيس النظرة الاجتماعية لمفهوم الأنا والآخر. (فيلهو هارلي،1999: 55)

وأكد على أهمية التعرف على مفهوم الذات، ومفهوم الآخر، كثير من علماء النفس مثل: (كولي، وآدلر، وروجرز، وألبورت، وليكي، وسينج، وكومبز، ووليم جيمس، وبورنس، وفرنون) وغيرهم. حيث تناولوه في نظرياتهم الشخصية، وكذلك في دراساتهم وبحوثهم النفسية والتربوية.

لأن هذا المفهوم يعمل على وحدة تماسك الجوانب المختلفة للشخصية، وإكسابها طابعاً متميزاً، كما ويقوم مفهوم الذات بتنظيم عالم الخبرة المحيط بالفرد في إطار متكامل. ومن ثم يكون الطاقة الدافعة لسلوك الفرد، وأوجه نشاطاته المتعددة في الحياة.(إبراهيم يعقوب،1993: 154)

وتعددت كتابات علماء النفس التي تناولت مفهوم الذات، كمصطلح سيكولوجي يستخدم ليعبر به عن مفهوم افتراضي يتضمن جميع الآراء والأفكار والمشاعر والاتجاهات، التي يكونها الفرد عن نفسه، وتعبر عن خصائص جسمية وعقلية وشخصية واجتماعية.(حامد زهران،1974: 97)

وأصبحت دراسته تحتل مركزاً مرموقاً في نظريات الشخصية. حيث أن هذا المفهوم يعتبر من العوامل الهامة التي تمارس تأثيراً كبيراً على السلوك، وأنه ينبثق في نفس الوقت من الخبرة الاجتماعية، وينظر إليه كجزء يؤثر بالبيئة الاجتماعية ويتأثر بها. (محي الدين توق، وعبد الرحمن عباس،1981: 231)

وبذلك أصبح لمفهوم الذات أهمية خاصة في فهم الشخصية، بل أنه غدا حجر الزاوية في الكثير من البحوث والدراسات العلمية والتجريبية. لأن له بالغ التأثير على سلوكنا وتوافقنا الشخصي والاجتماعي، حيث كلما زادت المعرفة به، زاد الفهم لطبيعة الإنسان.(إبراهيم أبو زيد،1987: 35)

 وأما مفهوم الآخر وتكوينه لدى الفرد، فإنه لا ينشأ بمعزل عن ذاته، فهو ينشأ من أحشائه سواء كان هذا الآخر هو المفرد اللصيق والحميم (أنت)، أو الآخر الجمعي القريب (نحن)، أو آخر الآخر الجمعي البعيد (هم). حيث تظهر العلاقة بين المفهومين كعلاقة جدلية يخلق كل منها الآخر، ويؤثر فيه. وبالتالي فإن استخدام أيٍّ من هذين المفهومين  يستدعي حضور الآخر.

ويبدو أن هذا التلازم على المستوى المفاهيمي، تعبير عن الطبيعة الآلية التي يتم وفقها تشكل كل منهما. فصورتنا عن ذاتنا لا تكون بمعزل عن صورة الآخر لدينا. (فيلهو هارلي،1999 :55)

إن أول ما يدرك الفرد ويعي من الأخر، الآخر الحميم (أنت) المتمثل في الوالدين، بحيث تكون الحاجة البيولوجية -أول سلم حاجاته الفطرية- هي دافع التعلق به، وامتصاص كل ما يصدر عنها بشكل عفوي وتقليدي -أشبه بالارتباط الشرطي في السلوك- ثم يتطور وعي الفرد وفهمه فيبدأ بالتعرف على (نحن) الأقرب المتمثل في كل من يعيش في الأسرة من أفراد. ثم بعد ذلك على الأقرب المحيط، المتمثل في عالم الأقران والأصدقاء. الذي يبدأ في التعامل معهم، خارج محيط الأسرة، ثم عالم المدرسة، وزملاء العمل والمهنة، ثم زملاء النادي، والمسجد، والحزب… الخ، ثم المجتمع برمته.(مختار حمزة،1994: 102)

ويعتبر الفرد مفهوم الآخر بمثابة تقويم لذاته من خلال الآخرين، حيث يقوم الإنسان بعملية تقويم ذاته وللآخرين وللعالم الذي يعيش فيه، ثم هو يضع لنفسه في ضوء هذه العمليات أهدافاً ليحققها ثم يسعى إلى ذلك السلوك الذي يرى أنه يحقق هذه الأهداف.(عبد السلام عبد الغفار،1973: 15)

أما مفهوم آخر الآخر (هم)، فيتأخر تكوينه لدى الفرد، عن مفهومه لذاته (الأنا) أو عن الآخر (نحن)، وبالتالي يتأخر إدراكه وفهمه له. لأنه -وفي كثير من الأحيان- لا يتشكل هذا المفهوم عبر الواقع المعاش فقط، إنما عبر الثقافة والتربية التي تسود (نحن) حيال آخر الآخر (هم). ويتضح أنه بمجرد إنشاء صورة الآخر، تتحقق نزعة الفرد إلى خلق انشطار بين (نحن) و(هم). وقد تكون للآخر أولوية أكبر على  في هذه الحالة. (آنا أندرينكوفا،1999: 157)

 وتخضع عملية إدراك آخر الآخر (هم) -في بعض الأحيان- للتشويه، إذا كانت (أنت) أو (نحن) تشعر أنه يهدد وجودها أو كيانها. أما إذا كانت العلاقة جيدة، ولا تشعر (أنت) و(نحن) بالخطر منها، أو شعرت بالراحة والطمأنينة، فإن مفهوم أفرادها لآخر الآخر (هم)، يكون موجباً. وأخطر مشاعر الكره والحقد التي ترسم تجاه مفهوم آخر الآخر(هم)، عندما يكون (هم) عدواً للآخر الحميم (أنت)، أو للآخر القريب (نحن). ومن أشد أشكال هذا العدو الذي يكون قد ألحق أذىً وضرراً بالذات (الأنا) أو بالآخر (أنت) أو بالآخر (نحن). وليس أدل في وقتنا الحاضر على آخر الآخر كالاحتلال الإسرائيلي. (خضر عباس،2000: 74)

 ووجود الاحتلال -بحد ذاته- في أي بلد، هو أكبر عامل تهديد لأمن وسلامة الفرد والمجتمع على حدٍ سواء. ويؤدي غياب الأمن الفردي، بشعور الفرد بالخوف والقلق والتوتر، الذي يؤدي إلى وجود العديد من الأمراض النفسية التي تدفع الفرد إلى البحث عن مصادر للثقة والاطمئنان والأمان، بالهروب من الواقع أحياناً، أو اللجوء إلى حيل دفاعية وأساليب مرضية يعوض بها خوفه ويوهم نفسه بالأمن والأمان في أجوائها، أو يلجأ نتيجة لشعوره بالضعف إلى الالتصاق بالاحتلال لتوفير الأمن له، وحماية نفسه من هذا الخوف. (محمد البيومي،1994: 15)

 وقد ساهم تفاقم أزمة الشك والخوف وعدم الاطمئنان لدى البعض، لدفعهم إلى حضن العدو كي يوفر لهم الأمن المفقود. لأن فقدان الجانب الأمني قد يؤدي أحياناً إلى حالة من النقص النفسي،

التي قد تدفع بالفرد لإشباعها باتجاه حمايته الذاتية فقط. فحين يحس الفرد أن أمن المجتمع يتعرض للانهيار يلجأ للخيارات البديلة لحماية نفسه. مضحياً بالآخرين من أجل تحقيق وهم النجاة بذاته وبالتالي لا يكترث بمشاعر الآخرين. وقد كان من عمليات الهروب تلك التوحد بالمعتدي، وكان من أخطر عمليات نكران الذات اللجوء إلى النقيض بالذوبان في الآخر، التوحد معه. أي يتمثل وجود الآخر حتى يصبح الشخص هو الآخر، أو يعيش ذاته كذلك. أي إنه هو هو ومن هنا يتخذ الفرد لنفسه نفس ماهية الشخص الآخر وهويته.(مصطفى حجازي،1995: 128)

وهذا التوحد غالباً ما يكون منشأه عنصر النصر والهزيمة بين الدول والشعوب والأمم. وبناءً عليه اُعتبر (ابن خلدون) أنّ المغلوب مولع أبداً في الاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، وأن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه. وبالتالي التوحد معه. (ابن خلدون، ب.ت: 147)

ومن يمارس هذا السلوك التوحدي بالمحتل وينحرف نحو التعامل مع الأعداء، يعتبر شخصاً غير سوي، يتسم بعدم تحمل المسئولية، وقلة القدرة على تحمل الإحباط، أو عدم قدرة على تأجيل إشباع حاجاته، وتكون أهدافه قصيرة، ولا يستطيع العمل بمثابرة نحو تحصيل الأهداف البعيدة، ولا يتعلم من العقاب أو الفشل، ويندفع باستهتار وراء دوافعه، ويُؤثِر الإشباع السريع لها. (عماد الدين سلطان، 1990: 261)

وأما الشخص الذي يرفض هذا السلوك لكونه متكيفاً مع نفسة وبيئته، ويحترم القواعد التي تحدد العلاقة بينه وبين الآخرين، ويهتم بالوسط الذي يعيش فيه، فإنه شخص سوي. لذلك يمكن تفسير العلاقة الموجبة بين مفهوم الذات والتوافق على أساس أنه كلما ازداد تقدير الفرد لذاته على نحو إيجابي أدى ذلك إلى مزيد من التوافق الشخصي والاجتماعي لديه. (فيوليت إبراهيم،1986: 378)

ويبدأ الاغتراب لدسى الفرد، بالاغتراب عن الذات أولاً، والاغتراب الاجتماعي عن الآخر (أنت)، وعن الآخر (نحن). ثم التوحد بالآخر البعيد (هم). ويعتبر (سيمان) الغربة بأنها ” غربة الفرد عن أهداف وقيم مجتمعه السائدة “. وذلك عندما يشعر الفرد بأنه غريب عن مجتمعه، وعن الثقافة العامة التي يحملها، وعن المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية … إلخ، ولا يعلق أهمية على الأهداف الثقافية العامة، ولا يعتنق المعتقدات الشائعة السائدة في مجتمعه. (نبيل إسكندر،1988: 208)

كما أنه قد يعجز عن استثمار إمكاناته وقدراته ومواهبه، ولا يستطيع أن يحقق ذاته، ومن ثم يبحث عما يعطيه إحساسا بالهوية، ويرد إليه المستلب بالأمن، ويرفع عنه عبء الشعور باللاجدوى، بالاندماج في جماعات دينية أو سياسية. المهم أن يشعر بهويته، وبانتمائه إلى شيء يعوضه عما يفتقده، وذلك أحد أسباب التوحد مع النماذج المتطرفة والمتسلطة والقطعية. (ابراهيم عيد،1990: 235)

الشخصية ومفهوم الذات (الأنا) “

حار العلماء والمفكرون عبر التاريخ البشري من الإحاطة بشخصية الإنسان، فاعتبره البعض بأنه ما زال غامضاً ومجهولاً، رغم ما بذل من مجهودٍ جبار لكي يعرف نفسه. ورغم أننا نمتلك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء والروحانيون في جميع الأزمان، واستطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إلا أننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا.(ألكسيس كاريل،1993: 17)

 وقد غدت حاجة البشرية اليوم لهذا الفهم، ملحةً أكثر من أي وقت مضى. ولم يعد أمام الإنسان إلا أن يفهم ذاته، لكي يتمكن من السيطرة عليها وضبطها وتوجيهها للأصوب، خاصة بعدما تقدمت المعرفه بالعالم الطبيعي من حوله، دون معرفة طبيعته وعالمه النفسي بقدرٍ كافٍ، مما أدى لاختلال التوازن بينهما. كما أصبحت حاجة الناس في فهم ذواتهم لتحقيق التوافق بينها وبين العالم المحيط بها ملحة، بعد أن وجد الإنسان أن علاقته بالبيئة المحيطة لم تعد علاقة ود وأمن، وقد كانت محاولة الإنسان لفهم شخصيته مستمرة عبر التاريخ.(سيد خيرالله،1981: 45)

فقد نظر الفيلسوف (الفارابي) إلى الذات باعتبارها النفس (العنصر الجوهري في الإنسان) وهي ذات مستقلة فلا يدخل البدن في تعريفها ولا يعد جزءاً من ماهيتها، وهي تهبط من محل أرفع”.

و(ابن سينا) يربط بين الأنا والوعي، ويعتقد أن الأنا يمكن أن تنقطع عن كل شيء إلا عن انيتها، ومن ثم يستبعد أن تكون الشخصية مرتبطة بالمظاهر الجسمانية والحسية.

و(هيجل) يربط الشخصية بالوعي بالذات، في إطار الصيرورة العامة والمطلقة لحركة الوجود.

و(ديكارت) يعتبر أن كينونة الشخصية لابد أن ترتبط بصفة لا تقبل الشكل، وهي صفة التفكير لأنها الصفة الوحيدة التي تميز الشخصية. وحينما تنقطع الذات عن التفكير تنقطع عن الوجود.

و(كانط) يعتبرها الكينونة العاقلة التي تدرك نفسها في حريتها وحدود الواجب الأخلاقي. وترتبط بوعي الإنسان بقيمته، وبوعي الذات لنفسها باعتبارها وجوداً أخلاقياً يحترم ذاته وغيره.

و(سارتر) يعتبرها الوعي بالذات الذي لا يكون إلا بحضور الآخر الذي يلعب دور مهم بالتعرف عليها، ويظل محدوداً لأنه يتم في الحدود التي جعلنا الآخر نتمثلها.(توما خوري،1996: 84)

وقد احتلت الشخصية في السنوات الأخيرة مكانة هامة في الدراسات النفسية، لكونها المحصلة العامة لسلوك الطاقة والفعل له، كما تحدده عوامل الوراثة وعناصر البيئة، حيث تنمو وتتكامل من خلال التفاعل الوظيفي الذي يحدث بين أربعة قطاعات هامة تنظم سلوك الفرد، وهي القطاع المعرفي والقطاع الفسيولوجي والقطاع العاطفي والقطاع النزوعي.(محمد ديراني،1991 :92)

ويرى (فرويد) أن اللاشعور أهم منطقة سيكولوجية في الشخصية، حيث نفهم بها سلوكنا، ويرى أن الشخصية تتكون من ثلاثة منظومات فرعية، العلاقة فيما بينهما، هي الكفيلة بتفسير حياتنا النفسية. (عزيز داوود، ومحمد الطيب، وناظم العبيدي،1991: 16)

وترى (انتصار يونس) الشخصية بأنها النظر إلى الفرد في تفاعله مع محيطه الاجتماعي، أي أن شخصية الفرد هي نتاج التفاعل القائم بين الفرد بتكوينه البيولوجي واستعداداته ودوافعه، وبين بيئته الاجتماعيه بما فيها من علاقات معقدة يؤثر فيها وتؤثر فيه.(انتصار يونس،1991 :218)

ويعتبرها يوسف الحجاجي بأنها: ” عبارة عن إدراكات وسلوكيات تميز الفرد عن الآخرين، بل تميزه في نفسه بين لحظة وأخرى، وهذا التمييز يعطي الإنسان فرديته مع نفسه وفي تعامله مع الآخرين والبيئة المحيطه به.(يوسف الحجاجي،1986: 127)

ويعتبر عبد السلام عبد الغفار (1973) أن الإنسان لا يتحدد بقوى لا شعورية وإنما يتحدد بتفكير الإنسان وإرادته، فيقوم بعملية تقويم لذاته وللآخرين وللعالم، ثم يضع لنفسه في ضوء هذه العمليات أهدافاً يحققها، ويسعى إلى السلوك الذي يحقـق تلك الأهـداف. (عبد السلام عبد الغفار،1973: 15)

واعتبر كثير من العلماء أن جوهر التعرف على الشخصية، يكمن بمعرفة الذات، لذلك عمدت كثير من المدارس على فهمها، رغم أنها من المواضيع الجدلية الشائكة لعدم وضوح المفهوم من جهة، ولقبوله لتفسيرات كثيرة من جهة أخرى. وكما أن التعقيد في الذات الجمعية لا يقل عن الذات الفردية، حيث أنها لا تختلف كثيرا عن الذات الفردية، وصورتها لدي الجماعة تبدي الخصائص نفسها التي تبرزها الذات الفردية، مع الاختلاف بأن تصور هذه الذات يوجد لدي تعدد الجماعات الإنسانية أكثر من أن يوجد لدي فرد إنساني واحد. (مهنا حداد،1999: 332)

وقد برز من صعوبة الذات، أننا نفكر فيها كمنطقة خاصة مركزية دافئة من حياتنا، تلعب دوراً قاطعاً في شعورنا وشخصيتنا ونظامنا العضوي، ومن ثم فإن أي نظرية كاملة عن الشخصية لا تستطيع إغفال هذه المشكلة الصعبة عن الطبيعة الشخصية للذات. لذلك بدأ العلماء في الأعوام الآخيره يعطون الذات قدرها الحقيقي، بعد أن أدركوا أن فهم البشر وسلوكهم، لا يتأتى إلا من خلال دراسة الفرد في كليته بواسطة الذات، ومفهوم الذات. (سيد خيرالله،1981: 42)

وقد أخذت الذات تحتل بصورة أو بأخرى مكاناً هاماً في أغلب الصياغات النظرية المعاصرة في علم النفس. ولم يعد الأمر مقصوراً على نظريات الذات، بل أن عدداً كبيراً من النظريات الأخرى تستخدم هذا المفهوم باعتباره عنصراً نظرياً مركزياً. وقد اتجهت هذه الدراسات من الناحية الذاتية للموضوعية. (والاس لابين، وبيرت جرين،1981: 73)

وعلى الرغم من هذا الاهتمام بالذات، إلا أن العلماء قد تعددت آراؤهم حول ذلك قديماً وحديثاً.

مما جعل (هيجل) يعتبر أن الوعي بالذات، لا ينبني إلا ضمن تفاعل متين مع غيره. أي أنه لا يدرك نفسه إلا عبر الاعتراف به من لدن وعي آخر بالذات. واعتبر أنه للتخلص من هذه التبعية يقوم الوعي بالذات نفسه علي أنه أوحد، ويقصي الآخر. (روبار شارفان،1999: 593)

وبعض الباحثين قد خلط بين مصطلحي، (الأنا EGO) (الذات SELF) واستعمل كل منهم الواحد مكان الآخر. ومنهم (ألبورت) الذي استخدم لفظي (الذات) و(الأنا) الواحد بدل الآخر، ويعرف كل منهما بدرجات تتفاوت في الضيق والشمول. (والاس لابين، وبيرت جرين،1981: 84)

كما أن البعض قد وظف مفهومي الذات البديل والذات النقيض كمفهومين مركزين بدل مفهومي الأنا والآخر عندما تنقسم الذات على نفسها، أي تكون ذاتاً ممزقه. (عروس الزبير،1999: 659)

ويتبين مما سبق بأنه للأهمية التي تتمتع بها معرفة الذات، فقد تناولها كثير من العلماء بالبحث والدراسه، سواء علماء الغرب أو علماء المسلمين، حيث أجمعوا بأن الذات تشكل جوهر الشخصية، ولكن أختلفوا في تناول هذه الذات، لكونهم قد نظروا لها من زوايا متعددة، وبالتالي كان تفسيرهم لها ينطوي على كثير من التضارب والتناقض، الذي لم يفسد من قيمة وأهمية دراسة هذه الذات والتعرف عليها.

تعريف مفهوم الذات

الذات في اللغة: قال تعالى ” وأصلحوا ذات بينكم “. قال ابن بري: وذات الشيء حقيقته وخاصيته. وقال ابن الأنباري في قوله عز وجل ” إنه عليمٌ بذات الصدور”. (الملك 13)، معناه: بحقيقة القلوب من المضمرات. (ابن منظور،1119: 1478)

الذات مؤنث ذو، يقال: لقيته ذات يوم أو ذات ليلة وذات مرة، فتكون ذات صفة قامت مقام الموصوف المحذوف. وذات الشيء: نفسه وعينه وجوهره. والذات: ما يصلح لأن يعلم ويخبر عنه. (المنجد،1986: 240)

الذات في الاصطلاح: أسهب العلماء في تعريف مصطلح الذات، فتعددت آراءهم وتعريفاتهم لها.

فيعرفها روجرز Rogers (1951) بأنها: كينونة الفرد أو الشخص. وهي عبارة عن أسلوب الفرد في النظر لنفسه. وهي شعور الفرد بوجوده ووظيفته.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 89)

ويعرفها (البورت Allport ) بأنها: كل جوانب حياتنا الخاصة والجوهرية لمعنى وجودنا، بالذات الممتدة المميزة الموحدة التي تعطي الشخصية وجودها. (والاس لابين،وبيرت جرين،1981: 75)

ويعرفها (آدلر Adler) بأنها: تنظيمُ يحدد للفرد شخصيته وفرديته ويفسر خبراته ويعطيها معنى.

ويعرفها (وليم جيمس James .W) بأنها: مجموع كل ما يستطيع الإنسان أن يدعي أنه له، جسده، سماته، قدراته، ممتلكاته، أسرته، أصدقاؤه، أعداؤه، مهنته، هواياته. (محمد النجار،1997: 43)

ويعرفها (يونج Jung) بأنها: نقطة الوسط أو المركز في الشخصية تتجمع حولها جميع النظم الأخرى وتجمع هذه النظم معاً وتمد الشخصية بالوحدة والتوازن والثبات.(سيد غنيم،1972: 750)

ويعرفها (فرويد Frued ) بأنها: (الأنا) الجهاز الإداري للشخصية، لأنه يسيطر على منافذ السلوك، ويختار ما يستجيب له، ويقرر الغرائز التي يسمح بأشباعها وكيفية ذلك.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999، 86)

ويعرفها (كاتل Cattell .R) بأنها الذات الفعاله الشاعرة، والذات المقبولة بواسطة الفرد، والمركز المنظم في الشخصية أو الذات البنائية، كما يستدل عليها من السلوك.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 87)

وتعرفها (هورني Horny) بأنها: كينونة الفرد أوهي شعوره ووعيه بكينونته. وهي: الذات المدركة، والذات من تصور الآخرين، الذات المثالية.(جارندر ولندزي وكالفن هول،1978: 520)

تعريف مفهــوم الــذات: Self Concept

يعرفه روجرز Rogers (1951) بأنه: أسلوب الفرد في النظر لنفسه، وشعوره بكيانه وبوجوده وبوظيفته. ويتضمن خصائص الفرد التي يكون على وعي بها في حياته.(سعد جلال،1985: 20)

ويعرفه سوسين(1988) بأنه: نوع من الإدراك،إدراك الفرد لذاته.(ريتشارد سوسين،1988 :340)

ويعرفه (كاتل) بأنه: نابع من تصورات التحليل النفسي في (الأنا والأنا الأعلى)، ويرى أن إشباع أي رغبة يتبع جزئياً عاطفة الذات الكلية، فهي بمثابة النظام الرئيس الذي يمارس تأثيره على السمات الدينامية في تفاعلها المعقد. (جميل الطهراوي،1997: 32)

ويعرفه (وليم جيمس W. James) بأنه: المعنى الواسع للنفس أو لذات الرجل.(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 93)

ويعرفه حامد زهران  (1977) بأنه: تكوين عقلي معرفي منظم ومتعلم للمدركات والمفاهيم والتقييمات الخاصة بالذات، يبلوره الفرد، ويعتبره تعريفاً نفسياً لذاته، وكما يود أن يكون عليه الذات المثالية. (حامد زهران، 1977: 98)

ويعرفه (عادل الأشول) بأنه تكوين معرفي منظم موحد ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتعميمات الخاصة بالذات يبلوره الفرد ويعتبره تعريفاً نفسياً لذاته.(فيوليت إبراهيم،1986: 386)

وعرفه (محمود حسين) بأنه: مفهوم افتراضي يشمل الآراء والأفكار والمشاعر والاتجاهات التي يكونها الفرد عن نفسه وتعبر عن خصائص جسمية وعقلية وشخصية واجتماعية. (محمود حسين،1985: 110)

ويعرفه موسي جبريل (1993) بأنه: مفهوم نفسي يعبر عن خصائص الشخص وصفاته، كما يدركها في الجوانب: العقلية والانفعالية والأخلاقية والاجتماعية والجسدية.(موسى جبريل،1993: 100)

أهمية فهم الذات:

 حظي مفهوم الذات على اهتمام واسع من قبل الفلاسفة وعلماء النفس، وقد شكل فهم الذات للإنسان شيئاَ هاماً، باعتبارها هي كل الشخصية وقوامها، تدرك وتفكر وتنفعل وتدخل الخبرات. الأمر الذي دفع الانسان للبحث والدراسة لإدراك وفهم مكوناتها ومكنوناتها، لذلك نجد العديد من النظريات، قد اهتمت بدراسة الذات كمفتاح لفهم الشخصية ككل. حتى غدى واضحاً بأن أي نظرية تبحث عن الشخصية لا تغفل الذات كمكون أساس لها. ولكن على الرغم من وجود العديد من هذه النظريات ورغم التشابهات الكثيرة بين هذه النظريات، فان كل واحدة منها يكون لها تأثيرها حيث تسهم بعنصر قيم لا تسهم به النظريات الأخرى والذي لا يمكن استبعاده أو إدماجه بدرجة كافية في النظرية الأخرى.(ريتشارد لازاروس،1971 :49)

كما اعتبر (كريتش وكراتشفلد) بأن الذات هي البنية الأهم في المجال النفسي، وهي أقوى البنى. لأن لها دوراً لا يوازيه أي دور آخر في تحديد انتظام المجال النفسي، ويكون لطبيعة علاقات الذات ببقية عناصر المجال (الأشياء والناس والفئات والتنظيمات الاجتماعية) أهمية حاسمة في إدراك الفرد الرابط بين مختلف الأشياء والأفراد والفئات، وبين ذاته. (ميخائيل أسعد،1986: 45)

وذكر (البورت) بأن الذات تعمل على وحدة الشخصية وتماسكها. لأن فيها جذور الاتساق الذي يميز الاتجاهات والمقاصد والتقييمات في كل مناحي الحياة. كما تعمل على التماسك والإحساس بأهمية الشخصية، وإعطاء الفرد شخصية متميزة. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 101)

ويعتبر (يونج) أن أهمية الذات للشخصية تكمن في كونها نقطة الوسط فيها، وتجمع حولها جميع نظم الشخصية، وتمدها بالوحدة والتوازن والثبات. (فؤاد أبو حطب وآمال صادق، 1999: 86)

 وللذات في الفكر الإسلامي موقع هام لأن الرساله السماوية في حقيقتها عبارة عن خطاب للذات الإنسانية، والتي عبرها يتحقق الهدف الأسمى للوجود. لذلك يكثر في القرآن والسنة لفظ (النفس) التي وردت في القرآن الكريم في مائتين وخمس وتسعين آية كريمة.(عدنان الشريف،2002 :36)

ويتناول كثير من علماء الإسلام ما للذات من أهمية باعتبارها هي النفس البشرية مناط التكليف، فيعتبر أبو حامد الغزالي أن النفس (الذات) (505هـ) هي الانسان بالحقيقة، وهي نفس الانسان ذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها. (أبو حامد الغزالي،ب.ت: م3-5)

 ومما سبق يتبين بأن دراسة الذات تمثل لب دراسة الشخصية، وأنه من الضروري للتعرف على الشخصية من فهم جوهر ذات الفرد. ومن أجل معرفة هذه الذات لا بد من اكتشاف الفرد لمفهومه عن ذاته. لذلك انطلق الفلاسفه والمفكرين، في بحث الشخصية وجوهرها -الذات- ودراسة مفهوم الذات عبر كثير من الدراسات النفس اجتماعية، رغم اختلاف آراء هؤلاء العلماء والمفكرين في تعريفها، كون هذه الدراسات تعتبر من أعقد الدراسات النفسية، ولكونها تتناول موضوعاً من أعمق المفاهيم الإنسانية. وأي خلل أو نقص يعتريه، في التصور والفهم يؤدي لتوجيهه للاتجاه الخاطيء.

ولذلك فإننا نلحظ اتفاقا بين العلماء بالنسبه لفهم الذات والوعي بها، مؤكدين على وجود خبرات الفرد الذاتية ودورها في رسم تصوراته الخاصة مع نفسه ومع الآخرين من حوله، ومؤكدين على انه يمتلك عنصر المبادأة بالفعل، ومؤكدين على وجود علاقة جدلية بين الذات والواقع الاجتماعي الذي يحياه.

نشأة الذات وتطورها:

لقد قسم سميث (1950) الذات لمفهومين: الذات من حيث هي فاعل للسلوك. والذات كموضوع،   أي من حيث هي صورة يدركها المرء عن نفسه. (Smith .C,1950:516)

ويبدأ وجود الذات باللحظة الأولى التي تنفصل الذات (الأنا)، عن الآخر اللصيق (أنت) الأم. ويبدأ الإحساس بها بمجرد حدوث هذا الإنفصال عبر ذاته الفسيولوجية، بدرجة لا يكاد يشعر بها الآخر. وتستمر بالنمو والنضج والتطور فسيولوجياً، ويواكبه تطور في الإحساس والادراك لها.

ويذكر سعيد جلال (1985) أن أول مراحل تكوين الذات هي انفصال الجسم عن العالم الخارجي.

ويعزو (ألبورت) بداية الذات بانفصال الجسم للعالم الخارجي، ثم الاحساسات المفصلية التي تؤدي إلي انتصاب القامة وتعلم الجلوس والوقوف.

ويرى مصطفى فهمي (1966) أن بداية وجود الذات أو (الأنا)، وتطورها والإحساس بها، تبدأ بوجود الطفل، وتنشأ في ظل الظروف المختلفة له، وتتأثر إلى حد كبير بالبيئة المحيطة به.

فالطفل في الأسابيع الأولى من حياته، تكون علاقته بأمه قائمة على أساس تحقيق حاجياته الأولية، وهي بالنسبة له، مصدر الغذاء والشراب واللذة الحسية والأمن الذي يتصل بالنواحي الحسية… وفي أحضان هذه العلاقة الثنائية بينهما تنشأ هذه الذات.(مصطفى فهمي،1966: 31)

ويعتبر أريكسون (1962) أن الإحساس بالثقة المطلقة الذي يمثل أساس القيمة الذاتية، ويمثل حجر الزاوية في الشخصية، ينشأ من الخبرات المتعلقة بإشباع الحاجات الأساسية، التي تخلق لدي الطفل الإحساس باليقين والثقة المطلقة في الذات والآخرين. (Mack,J 1983:18)

والإحساس بالذات عملية مستمرة منذ الولادة حتى الموت، وفهمها يتشكل عن طريق النضج والخبرة التي يمر بها الفرد. باعتبار أن الطفل المولود حديثاً لا يميز بين نفسه والأشياء المحيطة به ومع الزمن يتعلم أن هناك أفراداً غيره.(محي الدين توق وعبد الرحمن عدس،1993، 301).

ويتبين مما سبق بأن لا وجود للفرد بدون أن توجد الذات، أو بمعنى آخر النفس، حسب تعبير علماء المسلمين. وذلك لإنه بمجرد انفصال الطفل عن والدته، يبدأ الوجود الفعلي والحقيقي للأنا. وتمثل السنوات الأولى من حياة الطفل، بداية تبلور تصورة لذاته، وتشكيل مفهومه عن هذه  الذات، التي تكون صفحة بيضاء ما زالت في طور التشكل. يؤثر الدور الاجتماعي والخبرة عليها، ويتعلم الفرد من خلالها كيف يرى نفسه ويرى الآخرين من حوله.

أهمية مفهوم الذات:

يعتبر مفهوم الذات من أعمق وأهم المفاهيم الإنسانية والنفسية، في حياة الإنسان والمجتمعات البشرية قاطبة. ولهذا فإن أي خلل يصيب هذا المفهوم، أو أي نقص يعتريه من ناحية الفهم الشامل والمتكامل له، أو في كيفية التعامل معه، قد يؤدي لتوجيهه نحو الاتجاه غير الصحيح، فيؤدي لمزيد من الانهيار الكلي أو الجزئي في قناعات الإنسان الشخصية بأشياء من حوله. والذي قد يقوده للرفض التام لذاته. وهي حالة نفسية ومرضية تحوي خطورة وسلبية لوجوده، إذ قد تجعله أقرب للجماد منه إلى الإنسان. مما يعني الشلل لجميع طاقته وفاعليته في الحياة. لذا يجب أن يحاول الإنسان بما أوتي من إرادة أن يفهم ذاته، ويعمل على تحقيق إيجابيتها.

وهذا ما لم يغفل عنه الإنسان عبر تاريخة الطويل، حيث استغرق هذا الاهتمام القرون السابقة، فكان البحث الديني له في البدء، ثم تطور للمجال الفلسفي الذي ناقشه كموضوع افتراضي، أطلق عليه النفس،أو الروح. ثم تغيرت معانيه في علم النفس،وعرف كمفهوم نظري سيكولوجي منذ القرون الوسطى، وتحرك معه كتكوين متعلق به بمصطلحات جديدة، الأنا والذات ومفهوم الذات.

والأدب النفسي لمفهوم الذات يشير إلى أن وليام جيمس William James (1980) من خلال كتابه “مبادئ علم النفس” عام (1890) قد مهد الطريق أمام النظريات المعاصرة، وله الفضل فيما كتب اليوم عن الأنا أوالذات ومفهوم الذات. ثم نظرية (جورج ميد Mead) الذات المشكلة اجتماعياً، ونظرية الذات الاجتماعية (تشارلس كولي Kooley) ونظرية اتساق الذات (ليكي Lecky)،وغيرها.. التي أصبح مفهوم الذات يحتل فيها مركزاً هاماً.(ابراهيم أبو زيد،1987: 40)

وقد انتعش مفهوم الذات من جديد، وتم إظهاره بحيوية أكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وأصبح لا يمثل فقط مركزاً هاماً في نظريات الشخصية، وإنما أصبح يمثل حجر الزاوية في نظريات قامت وتأسست عليه بالدرجة الأولى، نظريات الذات كنظرية: فيليب فرنون (1946) ونظرية: سنيج وكومز (1949) ونظرية كارل روجزر(1951). (والاس لابين وبيرت جرين،1981 :41)

كما شكل مفهوم الذات إطاراً للعديد من النظريات كنظرية: كييرت جولدشتين (1940)، وإبراهام ماسلو (1954) حيث قدم كل منهم نظريات متداخلة ذات تأثير قوي في الشخصية. والفرد في هذه النظريات يفهم في ضوء كيفية إدراكه لنفسه.(جارندر ولندزي، وكالفن هول،1987 : 220)

وقد مثل هذا المفهوم كذلك جانبا مهماً في الدراسات والبحوث النفسية والتربوية الحديثة. فتناوله العلماء مثل (كولي، آدلر، ألبورت، ليكي، وليم جيمس) مما جعله يمثل اتجاهاً في علم النفس. كما أصبح حجر الزاوية في الكثير من البحوث والدراسات العلمية.(ابراهيم أبوزيد،1987 : 35)

إن مفهوم الذات كمفهوم شعوري يعيه الفرد، يشكل أهمية بارزة لهذا الفرد، حيث يضعه في بداية الطريق في فهم نفسه والتعرف على كيانه، وبالتالي فهم وإدراك الآخرين، سواء أكان المجموع البشري من حوله، أو البيئة المادية التي تحيط به. ويتفق الباحثون على أن وظيفة مفهوم الذات هي العمل على وحدة وتماسك واتساق الجوانب المختلفة للشخصية، وإكسابها طابعاً متميزاً، كما يقوم مفهوم الذات بتنظيم عالم الخبرة المحيطة بالفرد في إطار متكامل، ومن ثم يكون بمثابة الطاقة الدافعة لسلوك الفرد وأوجه نشاطاته المتعددة في الحياة. (علي الكنز،1999: 363)

ومفهوم الذات يعتبر أهم من الذات الحقيقية في تقرير وتنظيم وتحديد السلوك لدى الفرد، باعتباره مفهوماً دينامياً يناضل الشخص من خلاله في تنظيم وبلورة عالم الخبرة المتغير الذي يوجد الفرد في وسطه. باعتباره مفهوماً معرفياً منظماً ومتعلماً للمدركات الشعورية الخاصة بالذات نفسها. يتأثر بالبيئة والوراثة وبالآخرين في حياته، وبالنضج والتعلم، وبالحاجات والقيم والمعتقدات. وينمو تكوينياً كنتاج للتفاعل الاجتماعي جنباً لجنب مع الدافع الداخلي. ويلعب دوراً كبيراً في تأثيره على اتساق السلوك، والعمليات الادراكية، والتعلم والتحصيل الأكاديمي، والتوافق المدرسي وتربية الطفل والصحة النفسية. وتعتبر فكرة المرء عن نفسه عاملاً مهماً في توجيه سلوكه وتوحيده ويتصرف مع الناس تبعاً لها.(والاس لابين وبيرت جرين،1981: 127)

ومعرفة مفهوم الذات له درجة عالية من الأهمية عند أغلب الناس. على الرغم من أن الصورة الذاتية تبدو معقدة جدا، لأننا نعرف عن أنفسنا أقل بكثير مما نعرف عن مفاهيم الذوات الأخرى.

ولهذا يذهب (ماركوس ونوريوس) إلى أن محتويات الذات مركب مزيج من الحقائق والتفسيرات والتخيلات والطموحات. لذلك فان إطار المعرفة حول الذات اكثر تعقيدا من المعرفة حول الآخر

وقد أكد يونج (1916) على مفهوم الذات، باعتباره البناء الذي يحدث الاتساق بين الغرائز الحيوانية في الإنسان وإرثه الروحي والاجتماعي.

كما أكد بورنس Burns (1981) على أن وظيفة مفهوم الذات هي العمل على وحدة تماسك الجوانب المختلفة للشخصية، واكسابها طابعاً متميزاً، كما ويقوم مفهوم الذات بتنظيم عالم الخبرة المحيط بالفرد في إطار متكامل. ومن ثم يكون الطاقة الدافعة لسلوك الفرد وأوجه نشاطه المتعددة في الحياة. (ابراهيم يعقوب،1993: 154)

وبهذا أصبح فهم الشخصية يتطلب دراسة مفهوم الذات كمتغير هام من متغيرات الشخصية الإنسانية، وذلك بعد أن تصدرت مشكلة الذات علم النفس في السنين الأخيرة، بسبب إدراكه الحاجة إلى وجود مفهوم كلي يهتم بتجربة الفرد وسلوكه كما ذكر شريف ” أنه بدون مفهوم كلي يهتم بتجربة الفرد وسلوكه فمن المستحيل تعليل اتساق الفرد والاستمرار اليومي لهذا الاتساق في علاقاته الاجتماعية الأخرى “. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 42)

وعلى العموم فان مفهوم الذات واسع ويختلف علماء النفس في تفاصيله كما يختلف علماء الاجتماع، وحتى لا نتوغل في تعاريف لاطائل منها، فإننا سنستخدم مفهوم الذات على أنه الذات الفاعلة، الأقرب إلى مفهوم النفس البشرية التي هي حصيلة تفاعل عوامل داخلية وراثية وخارجية مجتمعية، وان كان الانحياز للأخيرة بين على حساب الأولى.

ومن خلال ما سبق يبدو أن أغلب الكتابات العلمية بالنسبة لأهمية مفهوم الذات، تبين بأنه يمثل عنصرا أساسيا في تكوين الشخصية، وهو ما يتعلق عادة بتصور الفرد عن نفسه الناتج عن خبراته في التفاعل مع الأفراد الآخرين، كما يمكن النظر لمفهوم الذات بأنه مفهوماً نفسيا يبلوره الفرد ويعتبره تعريفا نفسيا لذاته، أو النظر إليه على أنه خيط متصل من الخبرات والذكريات، وإن تصور الذات بهذه الصورة يسهل علينا دراستها والتنبؤ بأحوالها، لأن الحاضر يكون قائماً على الماضي، وإن المستقبل سيقوم عليهما معاً.

أبعاد مفهوم الذات :

 يشير التراث النفسي لمفهوم الذات لعدة حالات تندرج كلها تحت أحد الأبعاد الأربعة التالية:

- مفهوم الذات الأساسي أو المدرك: ويشير إلى إدراك المرء لنفسه على حقيقتها، ليس كما يرغبها ويشمل ذلك إدراكه لجسمه، ومظهره، وقيمه، وطموحه، ودوره في الحياة.

- مفهوم الذات المؤقت: وهو مفهوم عابر يمتلكه الفرد لفترة وجيزة يتلاشى، وقد يكون مرغوباً فيه، أو غير ذلك حسب المواقف والمتغيرات التي يجد الفرد نفسه إزاءَها.

مفهوم الذات الاجتماعي: ويشمل المدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد أن الآخرين يتصورونها عنه. والتي يتمثلها من خلال تفاعله الاجتماعي بهم.

- مفهوم الذات المثالي: ويشمل المدركات والتصورات التي تحدد الصورة المثالية للشخص الذي يود أن يكون عليها. (حامد زهران،1995 :73 )

ويضيف فرنون (1963) مفهوماً آخر سماه “مفهوم الذات العميقة “، أو المكبوتة. ويعرفها بأنها هي التي تظهر عادة عن طريق العلاج النفسي التحليلي. (ابراهيم أبو زيد،1987: 115)

ويشير (عماد الدين إسماعيل) إلى أن مفهوم الذات يتكون من الأبعاد (مفهوم الذات الواقعية، ومفهوم الذات المثالية، ومفهوم الشخص العادي. (فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1999: 93)

وقد ميز (هارت ودامون) بين أربعة جوانب من مفهوم الذات للشخصية هي: (الذات الجسدية، الذات النشطة، أو السلوكية، الذات النفسية، والذات الاجتماعية). وهذه الجوانب نجدها في جميع مستويات الذات الجمعية، وصاحب الذات يملك معرفة حول ذاته من جميع هذه الجوانب.

وتميز سعدية بهادر (1983) بين بعدين البعد الإيجابي، والبعد السلبي، فمفهوم الذات الإيجابي: يتمثل في تقبل الفرد لذاته ورضاه عنها، ويلمسه كل من يتعامل مع الفرد أو يحتك به. ويظهر هذا المفهوم الإيجابي من خلال أسلوب تعامل الفرد مع الآخرين. ومفهوم الذات السلبي: ينطبق على الانحرافات السلوكية، والأنماط المتناقصة مع أساليب الحياة في المجتمع التي تجعلنا نحكم على من تصدر عنه بسوء التوافق ونضعه في فئة غير الأسوياء. (سعدية بهادر،1983 :34)

ويعتبر عبد الله عويدات (1997) أن أحد أبعاد مفهوم الذات (الثقة بالنفس) والتي يعرفها بأنها: ” اتجاه الفرد نحو ذاته، ونحو بيئته الاجتماعية وتصوره لحل مشكلاته وبلوغ أهدافه، وشعوره بالأمن أثناء تفاعله الاجتماعي مع الأشخاص الآخرين في مختلف مواقف الحياة الاجتماعية الطبيعية “. (عبد الله عويدات،1997 :56)

 مما سبق يتبين أن الفرد، يمتلك أكثر من ذات، وذلك من خلال تعدد علاقات الفرد مع البيئة المحيطة به، وكذلك تنوع تجاربه وخبراته في الحياة، وأيضاً باختلاف أدواره ومركزه وموقعه الذي يقوم به في المجتمع. وهذه المظاهر المختلفة لمفهوم الذات ترتبط فيما بينها ارتباطاً قوياً، وتؤثر وتتأثر ببعضها البعض. أي أن للفرد ذوات متعددة، بتعدد علاقاته الدينامية مع العالم الخارجي وبتعدد أدواره، وتنوع تجاربه، وثراء خبراته العملية، وأن المظاهر المختلفة لمفهوم الذات ترتبط بينها ارتباطاً قوياً تؤثر وتتأثر ببعضها فيتأثر مفهوم الذات بمفهوم الآخر وهكذا.

نشأة ونمو مفهوم الذات:

 إن الشخص لا يولد بمفهوم جاهز عن ذاته، بل يتكون مفهومه عن ذاته، عبر ما يكتسبه في مراحل النمو، وخاصة مراحل النمو الأولى. لأن تكوين وتبلور مفهوم الذات، لا ينشأ منفرداً منعزلاً، بل هو وليد التفاعلات المستمرة القائمة بينه وبين كيانه الداخلي من جهة، وبينه وبين المحيطين به من جهة ثانية. باعتبار أن نشأة ونمو مفهوم الذات عملية ديناميكية لا تقف عند حدٍ معين، بل تستغرق زمناً طويلاً. أي أنه ليس مفهوماً فطرياً، وإنما هو ينمو بمضي الزمن.

ولكن يبدأ الفرد في التعرف على ذاته، بتنمية إحساسه بوجوده وكيانه المادي، عن طريق صورة الجسد. ثم بعد ذلك ينشيء لنفسه مفهوماً مناسباً للذات من خلال الواقع المعاش والبيئة المحيطة، من خلال الخبرة الذاتية التي كونها نتيجة لإنجازاته الخاصة، ومن خلال إحساسه بالآخرين من حوله. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 121)

وقد أشارت سعدية بهادر (1983) إلى أن نظريات النمو والتعلم تفيد أن مفهوم الذات يتكون عادة خلال السنوات الست الأولى من حياة الإنسان، من تجميع المعلومات والخبرات الحياتية المختلفة، ومن تكوين الاتجاهات الإيجابية للفرد نحو نفسه وغيره، والتي تتحدد نتيجة لها صورة خاصة للفرد نحو ذاته، تبرز فيها أهم ملامحه ومقوماته الشخصية. (سعدية بهادر،1983: 29)

ويعتبر سامي ملحم (1990) أن عددا كبيرا من العوامل تسهم في تكوين مفهوم الذات. أهمها الأسرة، وخلال تلك الفترة، تتكون لديه البدايات الأولى لمفهومه عن ذاته من الخبرات التي تتاح له داخل البيت مما يتلقاه من استجابات الآخرين البارزين حوله. (سامي ملحم،1990 :596)

ويرى ابراهيم أبو زيد (1987) أن مفهوم الذات ينمو من الخبرات الجزئية والمواقف التي يمر بها الفرد في أثناء محاولاته للتكيف مع البيئة المحيطة به، هذه الخبرات هي التي يترتب عليها نمو التنظيمات السلوكية المختلفة بناء على عملية تعلم. (ابراهيم أبو زيد،1987: 104)

ومما سبق يتضح أن فهم الذات عملية مستمرة منذ الميلاد حتى الوفاة، وأن فهم الذات يتشكل عن طريق الخبرة التي يمر بها الفرد، فالمولود لا يميز بين نفسه والأشياء المحيطة به ومع الزمن يتعلم أن يقف وينظر إلى نفسه وأن يرى سلوكه بالنسبة للآخرين والنتيجة هي الوعي التدريجي للتركيب المعقد للذات. و مفهوم الذات يتشكل من خلال الحياة، والخبره التي يمر بها الفرد حيث أن الصورة التي يكونها الفرد نحو ذاته وإدراكه لها يتشكل من خلال احتكاك الفرد بالبيئة الاجتماعية، ومن العلاقات التفاعلية بين الفرد والعالم الخارجي، ومن تقويم الآخرين له وما يعتقدونه عنه، وذلك من خلال خبرات النجاح والفشل والتوقعات التي يعيشها الفرد.

أهم عوامل تكوين مفهوم الذات:

- أساليب التربية في الأسرة تعتبر محدداً هاماً من محددات تكوين الذات، حيث أن إشباع حاجة الطفل للحب في الأسرة، والإشباع المادي له، بالإضافة إلى اتجاهات الوالدين السويه نحوه.

- التنميط الجنسي والضغوط الطفلية تلعب دوراً كبيراً في تغيير مفهوم الذات، والتغييرات في العلاقات بين الطفل، والمجتمع الخارجي، تخلق الظروف التي تؤدى لتجدد الوعي بالذات.

- صورة الجسم، والشكل، والمظهر الخارجي، والقدرة الفعلية، غالباً ما تكون محددات شخصية لها أثرها الفعال في تقييم الفرد لذاته.

- المعايير الاجتماعية تلعب دوراً ملحوظاً في تشكيل مفهوم الذات، وتختلف من مجتمع لآخر بل وفى المجتمع الواحد، تبعاً لسن الفرد وجنسه والمركز الاجتماعي الذي يشغله.

- الدور الاجماعي يؤثر في مفهوم الذات، حيث يوضع الفرد في سلسلة من الأدوار الإجتماعية، وأثناء تحوله في إطار البناء الاجتماعي يوضع في أنماط من الأدوار الاجتماعية المختلفة.

- الخبرات التي تتفق وتتطابق مع مفهوم الذات والمعايير الاجتماعية تؤدى إلى الراحة. والتي لا تتفق تؤدي لإحباط مركز الذات والتوتر والقلق وسوء التوافق. (هدى قناوي،1986: 384)

التفاعل الإجتماعي والخبرة والعلاقة بمفهوم الذات:

إن للذات البشرية دورا فعالا في تكوين المجتمع، فعلاقة الفرد بالمجتمع علاقة مزدوجة ثنائية الأبعاد، إذ تشتمل على العلاقة التفاعلية، وعلى الوجود المستقل للذاتن وبدون الوجه التفاعلي لا يمكن للذات أن تحقق وجودها، ولكن في الوقت ذاته تحدد الاجتماعية ما للذات من استقلالية.

وإن مفهوم الذات يحدث تحت ظروف الحياة الجماعية، حيث لا يتفاعل الجنس البشري كأفراد منفردين فحسب، وإنما كأعضاء في جماعات أيضاً. ففي كل موقف اجتماعي، يظهر الفرد أنماطاً فريدة ومختلفة من السلوك في ظاهرها. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 111)

ويتشكل مفهوم الذات من خلال الخبرات التي يمر بها الفرد، لأن الصورة التي يكونها نحو ذاته وإدراكه، تتشكل عبر احتكاكه بالبيئة الاجتماعية والعلاقات التفاعلية بينه وبين العالم الخارجي، ومن تقويم الآخرين له وما يعتقدونه عنه. وتلعب خبرات الطفل عبر عملية التنشئة والتطبيع الاجتماعي دوراً هاماً في تشكيل فكرته عن نفسه. (جارندر ولندزي وكالفن هول، 1978: 300)

وفي مرحلة المراهقة يجد الفرد نفسه أمام احتمالين: إما أن يصل لتحقيق ذاته بشكل مقبول، وإما أن يواجه تشعب الذات وتفككها. وفي مرحلة الشباب إما أن ينجح الفرد في تكوين علاقات مع الآخر، وإما أن يجنح إلى العزلة. وفي سن الرشد تدور أغلب المشكلات حول الإنتاج والعمل، والفرد إما يتمركز حول ذاته، وإما أن يفشل في ذلك. وفي الأيام الأخيرة لحياة الفرد تأتي مشكلة الميل للاستسلام وإلى اليأس. (محي الدين توق، وعبد الرحمن عدس،1993 :299-300)

ويؤكد حامد زهران (1977) أن هنالك أفراداً خارج نطاق الأسرة يلعبون دوراً هاماً في نمو مفهوم الذات. ويشير إلى أن الدراسات تؤكد أن كل الاتجاهات منشؤها الخبرة الاجتماعية، وأن اتجاهات الذات ينظر إليها على أنها نتاج للتفاعل الاجتماعي، وكذلك لتأثير الدور الاجتماعي معاً. حيث تنمو صورة الذات خلال التفاعل الاجتماعي، وأثناء وضع الفرد في سلسلة من الأدوار الاجتماعية. وإن التفاعل الاجتماعي السليم يعزز الفكرة السليمة عن الذات.(حامد زهران،1977: 389)

ويرى (بياجيه) أن التكيف السلوكي يشمل وظيفتين التمثيل: وهي عملية تلقي المعلومات عن أحداث البيئة وفهمها واستخدامها في نشاط معين موجود بالفعل في ذخيرة الكائن العضوي. ولا يحدث هذا الفهم إلا إذا نجح في إحداث تكامل بين الخبرات الجديدة والسابقة لديه. والمواءمة: هي إضافة أنشطة جديدة إلى ذخيرة الكائن العضوي، أو تعديل أنشطته القائمة استجابةً لظروف البيئة، لأننا نتغير نتيجة للخبرة وللنضج البيولوجي.(فؤاد أبوحطب، وآمال صادق،1990 :168)

يتضح مما سبق عرضه أن نمو مفهوم الذات يعتمد إلى حد كبير على تفاعل الفرد مع بيئته، وعلى تعميم الخبرات الانفعالية والادراكية على الفرد، وتساهم بعض العمليات النفسية الاجتماعية كالامتصاص والتوقع في تكوين مفهوم الذات، كما تلعب المؤثرات الاجتماعية – كالدور الاجتماعي والأسرة، والمقارنة، والتفاعل الاجتماعي، والمدرسة، وجماعة الرفاق، والمعلمين – دوراً هاماً في نمو مفهوم الذات، هذا بالإضافة إلى أن مفهوم الذات في عملية نمو وتطور مستمر، مما قد يساهم في تعديل مفهوم الذات لدى الفرد.

ويبدو أنه حسب خبرات الفرد يتحرك الفرد في المجتمع، فتتجاذبه الرغبته في الانصياع للمجتمع والخروج عليه. حيث توجد لديه مصادر بيولوجية واجتماعية محركة للصراع، ولكن الخبرات الطيبه تنعكس في المحبة والأمن، وطبيعة الذات وخبراتها تعكس القدرة على توجيه التفاعل وفقا للمعطيات التي لديها.

الأمن الشخصي والعلاقة بمفهوم الذات:

توجد علاقة وثيقة بين مفهوم الذات والأمن. وفقدان الأمن يعتبر تهديداً للذات، ويؤدي إلى إدراك ناقص أو مشوة لها. وهذا الإدراك المشوه للذات وللواقع يؤثر على مفهوم الذات وإدراك الذات.

وقد اعتبر (بلانت) بأن الفرد يستشعر الأمن بسبب ما يكونه هو، بينما يأتي اعتباره لذاته بسبب ما يستطيع أن يفعله. لأن الأمن يؤسس دائماً على الإحساس بالانتماء، والشعور بالأمن أكثر جوهرية. بينما يأتي اعتبار الذات بعد ذلك. فالطفل الذي يعلم أن بعض الناس يحبونه يستطيع أن يقبل تهديدات كثيرة نحو اعتباره لذاته. ويتوقف مدى تكيف الفرد على إشباع حاجته لتأكيد ذاته، لأنها رأس كل الحاجات وذلك طبقا لواقع المجتمع من قبل الفرد.(والاس لابين وبيرت جرين،1981: 203)

تؤدي عملية اختلال التوازن الى الاغتراب عن الذات، والمجتمع، وقد أعتبر كلاً من (سيمان، وأريك،  وفروم،  وماركس) بأن الفرد يبدأ في الاغتراب، عن ذاته عندما يشعر بأن ذاته الخاصة، وقدراته تصير شيئا ما، وتكون مجرد وسيلة، أو أداة الفعل ذاته.(سيد شتا،1984 :224).

 ويمكن القول بوجه عام أن الذات هي التي يفكر صاحبها جيداً في نفسه، ويدرك حقيقة ذاته، وبها يشعر إما بالخوف أو الأمن، وما يتوقع منها من خبرات، أنه الشخص الذي يحُسن التفكير بالآخرين، أنه الشخص الذي يقدر قيمة الآخرين ويحسن التعايش معهم والاستفادة من خبراتهم مع الحفاظ على قيمه ومبادئه. وإنه الشخص الذي يجد نفسه يقوم بدور خلاق، يأخذ كما يعطي، يحب للآخرين كما يحبه لنفسه، وهو الذي يقابل الحياة متوقعاً النجاح غير خائف من الفشل.

ويتبين من خلال ما سبق في هذا القسم بأن دراسة الذات هي لب دراسة الشخصية، وتعد من أهم الدراسات النفس اجتماعية، وأما دراسة مفهوم الذات فهي من أعقد الدراسات النفسية، لكونه من أعمق المفاهيم الإنسانية. وأي خلل أو نقص يعتريه، في التصور والفهم يؤدي لتوجيهه للاتجاه الخاطيء.

ووجود الذات يكون بمجرد انفصال (الأنا) عن الآخر، وتكون صفحة بيضاء، لأنها ما زالت في طور التشكل. وتعتبر السنوات الخمس الأولى هي الأهم في حياة الطفل، لأن فيها يتبلور تصورة لمفهوم  الذات، من خلال إدراكة وفهمه لنفسه، وللآخرين من حوله، وللبيئة المادية المحيطه به.

والدور الاجتماعي يؤثر علي تشكل مفهوم الذات، فيتعلم الفرد كيف يرى نفسه كما يراه الآخرون في المواقف الاجتماعية. وتلعب المعايير الاجتماعية دوراً مهماً كذلك في تشكيله، بنوع من الإختلاف من مجتمع لآخر، بل وحتى فى المجتمع الواحد، تبعاً لكثير من المتغيرات.

ويوجد بين مفهوم الذات، والأمن والأمان، علاقة وثيقة. ففقدان الأمن يعتبر تهديداً للذات، ويؤدي إلى إدراك ناقص أو مشوه لها. وهذا يؤثر على إدراكه لنفسة، وللواقع الاجتماعي.

” مفهوم الآخر أو الغير”

إن مفعوم الآخر  The otheمفهومٌ متعدد المعاني، ومختلفٌ بإختلاف وجهات النظر والرؤى البحثية فلسفياً ونفسياً حوله. رغم أن ثمة إتفاق على أن هذا الآخر أو الغير، مجاوز لمعنى الأنا أو الهو، بحيث تنحصر دلالته في المفهوم الشائع، في معنى الآخر أو الغير المتميز عن (الأنا) أو الذات الفردية -أي هو كل ما ليس أنا- سواء كان هذا الآخر ذاتاً فردية (أنت)، أو كان ذاتاً جماعية بشقيها، كالذات الجماعية التي تنتسب إليها ذات الفرد وهي (نحن)، أو الذات الجماعية المقابلة للجماعة التي تنتمي إليها ذات الفرد، وهي آخر الآخر (هم)، والتي إما تكون ذاتاً جمعية لصديق أو لعدو.

 إن تشكيل صورة الآخر في أبعادها الذاتية والموضوعية، وفي أشكالها ومضامينها، تمر عبر الذات المكونة لهذه الصورة، بكل ما تحوزه هذه الذات من موجهات أيديولوجية وسياسية وخبرات مباشرة، تاريخية ومعاصرة. غير أنه حقيقي أيضاً أن الآخر باختياراته وأفعاله وردود أفعاله يسهم بتأسيس بعض مرتكزات صورته لدي الآخر.(عبد الباسط عبد المعطي،1999: 358)

وصورة الآخر وكذلك الأنا، تتضح من خلال وصفها في مرآة الحياة الاجتماعية. وذلك لرؤية الصور المشابهة أو المختلفة لكليهما. فأحياناً يظهر التقابل صراحة مثل بخل الآخر في مقابل كرم الأنا. وأحيانا يتم وصف الآخر وحده دون ذكر الصورة المقابلة للأنا، ولكن يمكن رؤيتها ضمناً عن طريق القلب والعكس، فالآخر هو المعلن عنه، والأنا هو المسكوت عنه. ونادراً ما يحدث العكس، وهو تصوير الأنا ثم فهم الآخر ضمناً عن طريق قلب الصورة. وأحياناً يتم تصوير الآخر. مثل محبة الغرباء دون أن يتضمن ذلك قلب الصورة عند الأنا، أو كراهية الغرباء. لأنها صورة مشتركة واحدة للأنا والأخر. (حسن حنفي،1999: 292)

إن جوهر علاقة الآخر بالذات، هي تلك العلاقة الإساسية المتمثلة في تولد مفهوم الذات ومفهوم الآخر لدى الفرد. حيث غدت هذه العلاقة موضوعا للفكر والمعرفة، سواء أكانت تلك العلاقة بين أفراد وأفراد، أو بين جماعات وجماعات، أو بين شعوب وشعوب أخرى، إذ أنه بدون معرفة الآخر عملياً يظل التعامل معه في حدود الفهم والمعرفة الضيقة، التي نتصورها حسب ما نريد، ووفق ما نرغب، لا كما هي في واقع الأمر. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 105)

إن العلاقة بين الذات والآخر، هي علاقة تبادلية. لأن فكرة الفرد عن نفسه ومدى تقبله لها، ونظرته للآخرين من حوله تعتبر من المحركات الأساسية لسلوكه. حيث إن هذه الفكرة تنتج أساسا من نظرة الآخرين للفرد، بأعتبار أن مفهوم الفرد عن ذاته، الذي يتولد من أفكار الآخرين

عنه، يصنع في المقابل نظرة الفرد للآخرين وموقفه منهم. ولهذا لا يفكر أحد اليوم تفكيراً جاداً في أن يضع الآخر كمكون للأنا موضع الشك منذ أن أقامه التحليل النفسي على قواعد من البرهان والتجربة الصلبة رغم أنه مرَّ وقت لكي تبنى هذه المقارنة العلائقية، لأن العملية كانت شائكة. ذلك أن (الأنا والآخر)، هما في هذا المقام موجودات جماعية.(علي الكنز،1999: 651)

الآخر كمفهوم عام:

إن معنى الآخر متوقف على المعنى المقابل لذلك الآخر. أي أن الإنسان هو بما يعنيه لآخر. وإن الملاحظة العادية لعلاقة الأشخاص بعضهم ببعض، تدل على أننا عدد من المهايا الشخصية بنوع وعدد من ندخل معهم في أدوار معاشه. فالأب هو آخر بالنسبة للابن، والأنثى كذلك للرجل، والأب نفسه هو صديق لآخر وهكذا. (أحمد فائق،1981 :16)

وبهذا يعتبر مفهوم الآخر مفهوماً عاماً وشاملاً، قبل أن يكون مفهوماً فلسفياً، وقبل أن يتمحور كمفهوم علمي في ميدان علم النفس. وسوف نوضح في هذه العجالة بعض الآراء حول ذلك:

- الآخر: المحكوم في الأمير، حيث يسدى (مكيافللي) النصح العاقل للحاكم الذي يواجهه ” لؤم المحكوم ” و ” جبنه ” و ” خبثه “.

- الآخر: بصفته حاكماً مستبداً لدى (جورج أورويل) (1984 ) أي الأخ الأكبر، وعينه الضابطة.

- الآخر: رب العمل عند (ماركس) في رأس المال ووسيطة في الاستغلال، فائض القيمة.

- الآخر في الدين: وكل الأوضاع التي قامت لتثبيته، سلماً أو حرباً، بين كل دين وآخر، أو داخل أبناء الدين الواحد نفسه.

- الآخر في الجنس: وهو يقسم العلاقة بين المرآة والرجل إلى ثلاث حقب: الأولى عنوانها ” الواحد والآخر” حيث التكامل بين المرآة والرجل، والثانية عنوانها “الواحد دون الآخر” حيث علاقة الهيمنة، والأخيرة عنوانها ” الواحد هو الآخر ” وهي مبشرة بعهد جديد من العلاقة.

- الآخر في السياسة: كقوة عظمى ندية تنافس نظيرتها في السيطرة على البقية غير العظيمة من بلدان العالم.

- الآخر في الجغرافيا: بصفته شرقاً وغرباً، تبعاً للموقع الجغرافي، وهو كثير التداول.

– الآخر: الأقرب إلى التصور الصوفي، حدده الفلاسفة على أنه “غير المفكر فيه” والواجب سبر أغواره حتى بلوغ ” العين “.

- الآخر: هو الأجنبي، تنظر (كرستيغا) إلى الأنا بالنسبة للآخر “، مثل الخصائص الفريدة في كل شخص مفرد، و” الآخر ” ليس أكثر من ” أجنبي ” و “خارجي”. (فيلهو هارلي، 1999 : 55)

وهكذا يتبين أن الآخر يقدم نفسه كل مرة في كينونة مختلفة، تبعاً للرؤية التي ينظر منها صاحب هذا التعريف. لكن نسبية الآخر هذه لا تقتصر على التفاوت في المستويات. إنها تتوغل أحياناً، في اختلاف المدلولات والمضامين. حيث لا يحتمل الآخر دالاً واحداً في كل مرة، بل يتبدل هذا الدال عند كل واقعة تبعاً للحال التي يتم منها التطرق إلى الآخر.

مفهوم الآخر أو الغير فلسفياً:

 كان يعتبر مفهوم الآخر أو الغير في البدء مفهوم فلسفي مجرد، أسهب الفلاسفة في تعريفة لدرجةٍ أظهرت التنوع والاختلاف. وإذا إفترضنا أنهم أفلحوا في تحديد الذات (الأنا) فلسفياً باعتبارها ذاتاً مفكرة أو أخلاقية، فإن مفهوم الغير أو الآخر إكتسب لديهم أبعادا متنوعة يمكن حصرها في المماثلة أو الاختلاف. وهذا التنوع في الدلالة لمفهوم الغير أو الآخر يظهر وجود اشكاليه، تكمن في كيفية التعرف عليه، وعلى وجوده بالنسبة للذات (الأنا)، وعلى طبيعة العلاقة التي تجمع الأنا بالآخر.

ويصوغ (أرسطو) مفهوم الآخر في شكل مبدأ الهوية (الذاتية) أي أن يكون الشيء هو هو وإما أن يكون مخالفا لذلك. فبالنسبة إلى كينونته يكون هو هو، وبالقياس إلى الغير يكون مخالفاً له.

وأما (ديكارت) فحاول إقامة مفارقة بين الأنا الفردية الواعية، وبين الآخر. فرفض الموروث من المعارف واعتمد على إمكاناته الذاتية، لأنه يريد أن يصل إلى درجة اليقين العقلي الذي يتصف بالبداهة والوضوح والتميز… فوجود الغير في إدراك الحقيقة ليس وجودا ضروريا. والاعتراف بالغير لا يأتي إلا من خلال قوة الحكم العقلي حيث يكون وجود الغير وجودا استدلالياً.

وأما (هيجل) فأعتبر أن وعي الذات لنفسها يكون من خلال اعتراف الغير بها. وهذه عملية مزدوجة يقوم بها الغير كما تقوم بها الذات. واعتراف أحد الطرفين بالآخر لابد أن ينتزع. وهكذا تدخل الأنا في صراع حتى الموت مع الغير، وتستمر العلاقة بينهما في إطار جدلية العبد والسيد. وهكذا يكون وجود الغير بالنسبة إلى الذات وجودا ضرورياً. (فيلهو هارلي،1999: 52)

وأما (سارتر) فيطرح العلاقة بين (الأنا) والآخر(الغير) في إطار ظاهرياتي، فالغير هو ذلك الذي ليس هو أنا ولست أنا هو. وفي حالة وجود علاقة عدمية بين الأنا والغير، فإنه لا يمكنه أن يؤثر في كينونتي بكينونته، وفي هذه الحالة ستكون معرفة الغير غير ممكنة. فبمجرد الدخول في علاقة معرفية مع الغير معناه تحويله إلى موضوع، أي أننا ننظر إليه كشيء خارج عن ذواتنا ونسلب منه جميع معاني الوعي والحرية والإرادة والمسؤولية. وهذه العلاقة متبادلة بينهما.

تعريف مفهوم الآخر: Self Other

إن معنى الآخر متوقف على المعنى المقابل لذلك الآخر. أي أن الإنسان هو بما يعنيه لآخر. وإن الملاحظة العادية لعلاقة الأشخاص بعضهم ببعض، تدل على أننا عدد من المهايا الشخصية بنوع وعدد ممن ندخل معهم في أدوار معاشهم. فالأب هو آخر بالنسبة للإبن.(أحمد فائق،1981 :16)

والآخر يقدم نفسه كل مرة في كينونة مختلفة، تبعاً للرؤية التي ينظر منها صاحب التعريف. لكن نسبية الآخر لا تقتصر على التفاوت في المستويات. بل في اختلاف المدلولات والمضامين. ولا يحتمل الآخر دالاً واحداً بكل مرة، بل يتبدل عند كل واقعة تبعاً للحال التي يتطرق منها للآخر.

تعريف الآخر أو الغير في اللغة: الآخر: جمعه آخرون، أخرون وأخراة مع آخر وآخريات: بمعنى غير. ولكن مدلولة خاص بجنس ما تقدمة.

وغير: تكون بمعنى سوى، جمعها. نحو جاء غيرهم أي سواهم. وجاء القوم غير فلان. (المنجد،1986: 5،563)

ومفهوم الآخر أو الغير يأتي بمعنى واحد في مستوى الدلالة اللغوية باللغة العربية، ولكنه يتميز بالتضاد مع الأنا أو الذات، لأنه يشير إلى الغير الذي يختلف عن الذات ويتميز عنها. وبالتالي يمكن أن تتخذ منه الذات مواقف، بعضها إيجابي وبعضها سلبي.

وأما في اللغة الأجنبية، كالفرنسية، فيلاحظ تمييز بين مصطلحي الغير Autrui والآخر L’autre، حيث يتخذ مفهوم الآخر معنى أوسع يفيد كل ما يختلف عن الموضوع والذات، ويشمل الاختلاف مستوى الأشياء الحية وغير الحية، أما مفهوم الغير فهو تضييق لمعنى الآخر، حيث يحصره في مجال الإنسان فقط، ويقصد به الناس الآخرين. وأيٍّ كان الاختلاف في المعاني فإن من الواضح أن الغير أو الآخر تعني المقابل للذات أو الأنا، باللغة العربية والأجنبية.(سيفردون سيكرباك،1999: 547)

تعريف مفهوم الآخر أو الغير في الإصطلاح:

إن تحديد مفهوم الغير أو الآخر على مستوى الدلالة السيكولوجية، ما زال جديداً وغامضاً، حيث أدخل لمجال مستوى البحث والدراسة السيكولوجية في أواخر هذا القرن فقط.

لذلك قام الباحث بتناول هذا الموضوع الذي يغلب عليه الطابع الفلسفي بمضامين ومفاهيم جديدة تناسب الدراسة. ويستعرض بعض هذه التعريفات.

يعرِف أريك فروم (1939) مفهوم الآخر: بأنه الإحساس ببعض الذات، الذي لا ينفصل عن الإحساس ببعض الآخرين. (محمد النجار، 1997: 52)

ويعرفه (كالفن) بأنه: هو تأثر مفهوم الذات والذات المثالية لدى الفرد بالآخرين من حوله، وكذلك نظرته العامة للآخرين. (جارندر ولندزي وكالفن هول، 1978: 87)

ويعرفه عبد السلام عبد الغفار (1973) بأنه: عملية تقويم الإنسان لذاته من خلال الآخرين، إذ يقوم بتقويم لذاته وتقويم للآخرين وللعالم الذي يعيش فيه، ثم يضع لنفسه في ضوء هذه العمليات أهدافاً لحققها، ويسعى إلى السلوك الذي يرى أنه قد يحقق هذه الأهداف. (عبد السلام عبد الغفار، 1973: 15)

ويعرفه الطاهر لبيب (1999) بأنه: عبارة عن مركب من السمات: الاجتماعية، والنفسية، والفكرية، والسلوكية التي ينسبها فرد ما أو جماعة، إلى الآخرين. (الطاهر لبيب، 1999: 190)

نشأة مفهوم الآخر:

 إن ثمة تلازم بين مفهوم الذات، ومفهوم الآخر. فاستخدام أي منهما يستدعي تلقائيا حضور الآخر. ويبدو أن هذا التلازم علي المستوي المفاهيمي هو تعبير عن طبيعة الآلة التي يتم وفقا لها تشكل كل منهما. فصورتنا عن ذاتنا لاتكون بمعزل عن صورة الآخر لدينا، كما أن كل صورة للآخر تعكس- بمعني ما- صورة للذات. (Burns,R. 1979:6)

والتلازم بين صور الذات والآخر، قد أبرزته أعمال العلماء النفسيين والاجتماعيين الذين اهتموا بالقضايا المتصلة بالذات  والآخر. وكانت أعمال وليام جيمس (william James) هي الأولي في هذا المجال، حيث أسست في نهاية القرن التاسع عشر، أول نظرة سيكولوجية للذات، ثم طور جيمس مارك بالدوين (J.M.Baldwin) بعد ذلك رؤية تفاعلية اهتم فيها بعلاقة الذات بالآخر، حيث شدد علي أن الأنا والآخر مولودان معا. (Sherif,M, 1968:150)

إن الآخريه متولدة من الأنا، ومولدة لها. وهي ليست ذاك الواقع الموضوعي الخارج عن أنا ليكون بدوره آخر خارجي وموضوعي. رغم أنه توجد في الحقيقة لحظة الآخر، لحظة تشكل الأنا بما هو كذلك، بما هو محض تخارج، ولكن اللحظة تلغي هذا التخارج في الوقت ذاته، وتلج الأنا والأخر بعضهما في بعض ضمن بنية يتزايد تعقدها باطراد. (علي الكنز،1999: 657)

والوعي بالذات والآخر، لا يتم إلا بعد تعرف الطفل الفارق بين الذات واللاذات، أي بين مفهومه عن ذاته ومفهومه عن الآخر. بين أجزاء جسمه، والباقي من بيئته المرئية، كأجزاء صحيحة من ذات اجتماعية مفردة، ويؤسس مجتمعاً من المعتقدات حول نفسه، وفي البداية لا يقيم تمييزا واضحا بين خبراته الحسية المبكرة، والمثير الخارجي.(والاس لابين وبيرت جرين،1981: 103)

وللآخر حضوراً دائماً عند الذات في جميع مراحل الحياة، وحضور الآخر ليس شيئاً عارضاً، إلا أن الآخر في الوقت نفسه، ليس شيئاً ثابتاً باستمرار، بل تتغير خصائصه بتغير الظروف والمواقع. وكما يكون الآخر فرداً يكون أحياناً جماعة. وكما يكون معروفاً للذات وقريباً منها فإنه يكون أحياناً غامضاً، في أماكن بعيدة وفي أزمنة مختلفة. (مصطفى التير،1999 :419)

إن رؤية الأنا في مرآة الآخر، ورؤية الآخر في مرآة الأنا، ليستا خروجاً على الموضوعية أو تحيزاً أو هوى، فالحق، مقياس للحكم، وللاستحسان العقلي. والحق يعني الرؤية الموضوعية المزدوجة للصورتين المتبادلتين بين الأنا والأخر، ويعني الاستحسان العقلي التحسين والتقبيح العقليين المرتبطين بالفطرة الانسانية واطراد التجارب البشرية. (حسن حنفي،1999 :286)

ولكن الشرط الرئيس الذي لا بد منه لكي يوجد (الآخر) هو وجود (الأنا) “ضمير المتكلم المفرد”، ولا يوجد الآخر إلا بعد أن يوجد (الأنا) الذات أو على الأقل لا يوجد إلا مصاحباً له. لما يتعلق الأمر بتعريف أن يكون (الأنا) محتاجاً إلى الوعي لكي يتموضع كذات (جان فارو،1999: 46)

ويسمي (جاينيه) هذه العلاقة (الشريك Socius ) الذي يشاركها حياتها النفسية. لأن هناك علاقة واضحة بين مفهوم الذات والأخر لدى الفرد، فكلاهما ينمو من الخبرات الجزئية والمواقف التي يمر بها الفرد أثناء محاولاته للتكيف مع البيئة. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 105)

وحتى في عملية إدراك الذات لا تدرك الذات ذاتها بطريقة تلقائية، وإنما يتم الإدارك بها عبر الغير دائماً، بالتفاعل معه، وبسلسلة من الأفعال وردود الأفعال، وبالأحكام والتقييمات المستمرة، وبرسائل رمزية متبادلة. كما لا يتم الوعي الوجودي بالذات، ولا يتم بناؤها وتطويرها، إلا من خلال الآخر بإدراكه والوعي به، بتفسير دوره ومكانته، وبالصراع المستمر معه، سواء أكان ذاك الآخر حقيقة أم خيالاً، أو كان بعيداً نائياً، أو قريباً جوانياً. (سالم ساري،1999: 377)

وقد قال: (تودوروف) لن نتوصل أبداً أن نعرف الآخرين دون الذات، فسواء أن تعرف الآخرين أو أن تعرف ذاتك ، فهما شيء واحد. و” بالتالي يجوز إذن للآخرين وللذات أن يكونا في المرآة واحد”. (روبارتو سبيرياني وماريا مانسي،1999: 150)

أما الباحثة التونسية (أسماء العريف بياتريكس) فقد اعتبرت أن ” الآخر جزء من الذات، ورأت أن نفي الآخر بتر للذات. بمعنى أنه قطع لجزء منها، رغم أنه ضروري لاكتشافها، حيث أن تصور الذات لا ينفصل عن تصور الآخر”. (أسماء بياتريكس،1999 :22)

ولهذا من الخطأ أن نرفض أن الآخر حاضر في ذاتنا، فالهوية تنبني على التفاعل بين الاثنين. وعلينا أن نبحث كيف نحقق داخلها تمفصل العلاقة التراتبية بين الذات والآخر، بين المركز والتخوم، بين الملاحظ والملحوظ، تمفصلاً نحققه بطريقة واعية. (منذر الكيلاني،1999: 82)

 إنَّ تشكيل صورة الآخر، في كل أبعادها، تمر عبر الذات المكونة لهذه الصورة بكل ما تحوزه هذه الذات من أيديولوجية وسياسية وخبرات مباشرة. كما تؤثر اللحظة التاريخية التي يتأثر بها الإدراك الجماعي للذات لهويتها الجماعية، في إدراك صورة الآخر، فالذات قد ترضى في الآخر بعضا ممالا تريده لنفسها، وقد تبرز فيه بعضا من إيجابيات تريدها لنفسها.

أبعاد الآخر:

 من صعوبة البحث في مفهوم الآخر، أن الآخر يتمثل في أكثر من بعد، وإن كان يربطه رابط مشترك واحد، بأنه ليس الذات أو الأنا، فهو تارة يعني الآخر اللصيق والحميم (أنت) الوالدين. وأحياناً يعني الآخر الجمعي القريب (نحن) المجتمع الذي يعيش فيه. أو آخر الآخر البعيد (هم)   الذي قد يكون هذا الآخر هو العدو أو الصديق.

ويذهب (جيمس آهو James Aaho) إلى أن الحياة تمارس كالتحام أشياء ذات خصائص محددة. وهنالك بين هذه الأشياء وقبل كل شيء (أنا) وما (ليس انا) ويتكون الأخير من أشياء طبيعية وأشخاص يدعون (أنت)، أضف إلى ذلك أن هنالك تمييزاً بين (أنت) حميمة تنادى ” بالاسم الأول”، وآخرين بعيدين ” ينادون باللقب أو بالاسم الكامل”. وفي النهاية فإن (أنا) و(أنت) الحميمة، يشكلان (نحن)، بينما يتشكل (هم) من حاصل (أنت) الغريب.

الآخر الحميم (أنت):

 يتكون الآخر المفرد الحميم منذ اللحظه الأولى لتنسم الطفل عبير الحياة، حيث تتلقفه يدي والداه بكل رعاية ورحمة وعطف وحنان. والذي في النهاية يتشكل بها هذا الكائن الجديد ال(أنا) من (أنت) الحميمة، و(نحن) القريب. لذلك يعتبر الآخر الحميم (أنت) الأهم في عملية تكوين الطفل، لأن الأم هي الأقرب والألصق للطفل والأكثر تفاعلا معه، وهي توجهه للوجهه السليمه، أو توجهه للوجهه السيئه. ولسوء الحظ للطفل أحياناً ما تكون ردود الفعل للآخر الحميم، الأم تضلل الطفل وتجعله يشك على نحو ما في كفايته وأهليته.(جارندر ولندزي وكالفن هول،1978: 77)

وعبر هذه العلاقة يتضح أن الآخر (أنت) الوالدين، هما المؤثر الأول والأهم، في تكوين وبلورة سلوك الطفل، وفي بناء خبراته، التي تؤثر في تصوره لذاته، وللآخرين من حوله. والتي إما أن تكون هذه التصورات لمفهومه عن ذاته، وعن الآخر، سلبية وإما إيجابية. إن الآخر المتمثل في الأفراد المحيطة بالطفل لا تؤثر فقط في مفهوم ذاته، أوذاته المثالية، إنما تؤثر أيضا على نظرته العامة للأفراد الآخرين، أي تقييمهم وإنشاء أحكاماً تجاههم. وهذا المفهوم يسمى أحيانا (الآخر المعمم) وهو بمثابة طريقة للإشارة إلى الحقيقة بأن الفرد يميل لتكوين مفهوماً شخصياً عن الخصائص التي يتمتع بها الناس بصفة عامة مثلاً: (مسالمين، أو معادين، أو محايدين، وهكذا) ومما لا شك فيه فان الآباء في سلوكهم نحو الآخرين وملاحظاتهم عن الأفراد خارج نطاق الأسرة، يعطي الطفل معلومات موثقة عن كيفية إدراكه للغرباء وقد يقدم الآباء أحيانا، تعليمات مباشرة مثل: (لا تثق بالناس كثيراً). هذا بالإضافة إلى أن الطفل غالبا ما يكون له خبراته المباشرة الخاصة مع الآخرين. (جارندر ولندزي وكالفن هول،1978 :77)

الآخر القريب (نحن):

 إن الإنسان ليس كائناً منفرداً في الحياة، إنما هو منذ اللحظه الأولى عضوٌ في جماعة معينه. فمن خلال الآخر وبالآخر يكتشف ذاته والآخر في آنٍ واحد. ومفهوم الآخر (نحن) يشير إلى صيغة معينة للأنا تتحقق في حالة وجود جماعة تضم في عضويتها عدداً من الأفراد يشعرون بالتعاون فيما بينهم. أو بالاختلاف مع غيرهم. (محمد الفيومي،1991: 164)

وعبر الآخر (نحن) وفي الجماعة، يتعلم الفرد كيف يختار، وكيف يواجه ضغط الجماعة، ويوجه مسارها ويغيره، ويتعلم متى يساير، ومتى يقاوم أو يعتزل. وخلال هذا كله يتعلم درساً أخلاقياً أسمى، وهو احتفاظه بذاته نامية، ومستقلة، ومتماسكة. لا يكتمل إلا بالعمل والكفاح مع الآخرين، في سبيل هدف مشترك نبيل يختاره بالفهم المتزن والإرادة الحرة. (مختار حمزة،1994: 102)

وقد أعتبرت أسماء بياتريكس (1999) أنه يمكننا القول إن الآخر هو الذي يكشف لنا أنفسنا. ففي ما نتناول عبر هذه الرابطة أو نرفض من أشياء لا ندرك واقع الآخر بقدر ما ندرك واقعنا نحن. (أسماء بياتريكس،1999: 93)

وصورة الذات الجماعية (نحن) لا تشكل مكون واحد، بل عدة مكونات أو صور فرعية، لا ينبغي إدراكها كمساحات متراصة أو منعزلة، بل هي في حالة تمفصل، وتلعب في تركيبها متغيرات عدة، مكانية، وزمانية، وتاريخية، وثقافية، ونفسية، واجتماعية.(فتحي أبو العينين،1999: 828)

ويعتبر (فروم fromm) أن المجتمع كآخر هو الذي يوجه الفرد في حياته واحتياجاته الأساسية. وهو الذي يرتبط فيه الإنسان بالإنسان برباط من الألفة والمحبة. وتترسب فيه الاخوة والتضامن. والإنسان يدرك قدراته الذاتية عن طريق الظروف الاجتماعية التي يعيشها ومتطلباته. أي تتكون الشخصية وفقا لفرص المجتمع، وتؤدي بالضرورة إلى وجود ترابط منطقي بينهم. ومن خلال تأكد الرضا لدى الفرد يشارك الآخرين بإدراكاته. (والاس لابين وبيرت جرين،1981: 25)

ومن خلال الآخر المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، وعبر التفاعل الاجتماعي بينه وبين البيئة المحيطة به، يكون الفرد في البداية ذاته، وبعد ذلك مفهومه عن ذاته، ثم مفهومه عن الآخر، سواء أكان هذا الآخر هو (أنت) أو(نحن) أو (هم). وعليه فالذات هي نتاج اجتماعي، وكذلك مفهوم الفرد لذاته وللآخرين أيضاً نتاجاً اجتماعياً. وعملية التفاعل الاجتماعي بين الأفراد ليست بالعملية البسيطة، فهي على درجة عالية من التعقيد لكثرة المتغيرات التي تؤثر في جميع مراحلها ابتداءً من القرار للدخول طرفاً في عملية ما، ومروراً بالأنشطة المتنوعة أثناءها، وانتهاءً بالنتائج التي تنتهي إليها. وتتعلق بعض المتغيرات التي تؤثر بعملية التفاعل الاجتماعي بخصائص الأفراد المعنيين بالأمر، ويتعلق بعضها بالبيئة المحيطة. ومن أهمها ما يتعلق بالصور التي ترسمها أطراف عملية التفاعل الاجتماعي للآخرين في الذات. (مصطفى التير،1999 :419)

وتنتج العلاقات الإيجابية بين الذات والآخر تقبل للذات، على أساس ما يتضمنه ذلك من تكيف مع الآخر، مما يولد شعوراً لدى الفرد بأنه قادر على توجيه سلوكه. فالعلاقة الموجبة بين مفهوم الذات والتوافق تعني أنه كلما ازداد تقدير الفرد لذاته ايجابيا زاد توافقه الشخصي والاجتماعي مع الآخر. (فيوليت ابراهيم،1986: 379)

وبذلك يتبين أنَّ الأشخاص المحققين لذاتهم أكثر تقبلا للذات وللآخرين، وأكثر تحملا لزلات البشر، وأقل ميلاً لإصدار الأحكام على ذاتهم، وعلى الآخرين. (محمد عبد الرحمن،1998 :443)

وللآخر دور مهم على السلوك، فهو يؤثر بالسلب والإيجاب على نمطية السلوك، سواء حسناً أو إنحرافياً. وأي سلوك مهما كان، إنما يرتد إلى نمط علاقة الفرد بالآخرين. وهذا يرتد في نهاية الأمر إلى ما نطلق عليه هوية الذات، أو هوية الأنا. ومن الثابت أن هوية الذات إنما هي نتاج عمليات التوحد بالآخرين، والتي تبدأ من الشهور الأولى من الحياة.(مصطفى زيور،1982: 123)

ويحدث الإنحراف عندما يكون الفارق بين أفكارنا عن ذاتنا وبين نظرة الآخرين لنا كبيراً. لذا يسعى الفرد لإيجاد مطابقة بين إدراكه لذاته وإدراك الآخر لها. لأن لكل مجتمع قائمة غير مكتوبة من الخصال الحميدة على أعضائه التحلي بها. وبها نكتشف الشخص اللااجتماعي. حيث ينقصه الحس بحقوق الآخرين ويتسم بالتمركز حول ذاته، وبعدم القدرة على تأجيل إشباع حاجاته. وتكون أهدافه قصيرة، ولا يعمل بمثابرة لتحصيل أهداف بعيدة. ولا يتعلم من العقاب الفشل. ويؤثر الإشباع السريع على الاشباع الطبيعي. (عماد الدين سلطان،1990: 261)

الآخر (نحن) وتكوين الهوية:

 تبدو الحاجة الإنسانية إلى الكشف عن الهوية عبر الاحتكاك بالآخر قديمة ومتشعبة التعبير، لكن ما يجمعها هو سلبيتها. يقول (إدوارد سعيد) عن أكثر العلاقات تجسيداً للآخر، أن أزمة الهوية لا تظهر إلا في المجتمعات التي تدخل في ديناميكية الحداثة “. والأزمة بمفهومة تعني أنها مجرد بدء الجهد المؤلم أو المفرح في تحديد الذات. (دلال البزري، 1999: 108)

إن صورة الآخر صورة متوسطة اجتماعياً. فضمن العوامل التي تتوسط علاقة الأنا بالآخر، هناك الشعور بالاشتراك في مواطنة أو عدم الاشتراك. فإذا ما تفطن المرء لوجود تحدى لهويته فإن ذلك يؤدى لتغيير رؤيته للآخر، ويكون شرطاً لاهتمامه بصورته.(بيار دوناتي،1999: 129)

وهكذا يتبين بإن الآخر يسهم بدور هام في فهمنا لمعتقداتنا وقيمنا وللدين والفلسفة وهويتنا. وبالتالي فإن الذات الجمعية (نحن) تعتبر وحدة جمع لا فصل فيها بين فاعل وموضوع. وربما أن طبيعة الحضارة الجمعية أو القومية -التي هي تعبير عن الوعي بالذات من خلال اللغة- هو الذي عبر عن ذاته في إيجاد الأنا الجمع. (طاهر لبيب،1999: 198)

آخر الآخر (هم):

 إن تبعيتنا للمجتمع بغير حاجة إلي برهان، ولكن تعويل الإنسان علي الآخرين دوماً ليس إيجابيا بالإطلاق، ذلك أن له أحياناً علاقات سلبية معهم، وتبعيات سلبية ليس لهم، ويمكن أن يكون لنا أعداء من بين الأشخاص الآخرين، أو أن يكون لنا أشخاص نتصور أنهم أعداء. ويمكن كذلك للمجموعات التي ننتمي إليها أن يكون لها أعداء علي الصعيد الجماعي. لأن الانتماء القوي والشامل لنا (نحن)، يفترض بشكل ما تحديد نوع العلاقة مع غير ال(نحن)، أي (هم). ولهذا فإن تقسيمنا للآخرين بين من ينتمون إلي (نحن)، ومن ينتمون إلي (هم)، قد يكون قديماً قدم الإنسانية. أما ما تغير، فلعله حدود (نحن) أو حدود الدوائر المختلفة التي تحتوي (نحن)، والكيفية التي نكون بها متوجسين أو عدائيين إزاء الذين نعتبرهم (هم).(سيفردون سيكرباك،1999: 545)

وقد اعتبر (جان فارو) أن (الأنا) الذي لا يوجد الآخر بدونه، هو اختراع تاريخي متأخر نسبياً، لارتباطه باكتشاف الوعي بالذات. قبل ذلك كان هناك آخر (نحن)، وكان الإنسان ينظر إليه من داخل، القبيلة أو المجتمع فيما بعد، التي كانت تمثل محيط وعيه للآخر. (طاهر لبيب،1999: 21)

وتعتبر (أندرنيكوفا) إن من الشروط الأولية لبناء وحدة اجتماعية هو إنشاء صورة الآخر، فبفضلها تتحقق نزعة الفرد إلى خلق انشطار بين (نحن) و(هم ). وقد تكون للآخر أولوية أكبر على الأنا في هذه الحالة كما بين ذلك عالم النفسن بورشناف. (آنا أندرنيكوفا،1999: 158)

إن الحدود بين الذات والآخر (نحن)، قد تشكلت تاريخياً وجغرافياً بفعل عوامل موضوعية خارجية. ولكن الحدود بين الذات والآخر (هم)، تتشكل ذاتياً ونفسياً بفعل عوامل سياسية وإعلامية بصورة ليست ثابتة. وتتلون عاطفياً، وتظل قابلة للتمدد والانكماش. لهذا يتطلب البحث عن مساحة لفهم الآخر وتقدير مساحة الاختلاف معه، والافتراض أن ضخامة حجم الاختلاف ليس أمراً سيئاً للغاية، إذا كان ينطلق من مبدأ الاعتراف بشرعيته. (سالم ساري،1999: 389)

آخر الآخر (هم) الصديق أو العدو:

يوجد صورتان لآخر الآخر (هم) صورة سلبية، عندما يكون الآخر هو العدو. وصورة إيجابية عندما يكون هذا الآخر بمثابة صديق. وفي كلتا الحالتين يجب التعامل معه والتعرف عليه. وتقول (كوتاستا) إن التعرف إلي الآخر يعني توسيع أفقي الثقافي والإنساني. ولما كان مختلفا عني ، فإني أروم إثراء الذات لدي بما له من تجربة ومن تنوع. (فيكتور كوتاستا،1999: 606)

ويعتبر(أوفير زور Ofer Zur) بأنه يمكن التمييز بين نمطين من أنماط العدو. الجدير والشرير فالعدو الجدير هو شريك مساوٍ في حرب مرتبطة بمباراة ودية كلعبة كرة القدم. وهذا الوضع لا يحظى به أبداً العدو الشرير الذي يعتبر مختلفاً عنه في الأساس. (فيلهو هارلي،1999: 53)

ولهذا يمكن أن تكون العلاقة مع الغير أو الآخر، أحياناً علاقة قيمية، تحكمها ضوابط أخلاقية. وأحياناً أخرى لا تحكمها قوانين وضوابط، بل تحكمها الأنانية، أوالظلم، أوالغرابة (العداء). فالعلاقه مع الآخر البعيد إما تكون علاقه قائمة على الصداقة المفعمة بالود والاحترام المتبادل،

وإما تقوم على قاعدة الكرة والعداء لهذا الأخر (هم). كما هو الحال بالنسبة للعدو الصهيوني.

وتعتبر (كرسيتغا) أن الآخر ليس اكثر من أجنبي وخارجي، ومفهوم الآخر هو أعمق من مفهوم العدو، باعتباره عكس الهوية. حيث يمكن أن نعرف هويتنا ببساطة باستبعاد الآخر. أما مفهوم  العدو فيطرح شيئاً أبعد من ذلك، ويصبح بالتالي حالة خاصة من الآخر، وليس هو الآخر.

ويرى (رينيه جرار) أن العدو يظهر إذا خلد في الادراك أن (نحن) و(هم) مختلفون. ويفهم التمييز بينهما بانه انعكاس لصراع بين الخير والشر. فيرتبط الخير مع (نحن) والشر مع (هم).

وأعتبر (آهو Aho ) أن العدو دائماً هو الآخر، إلا انه لا يمكن تصنيف كل الآخرين باعتبارهم أعداء لنحن. ولكن كيف يصبح الآخر أحيانا هو العدو؟ عندما تقوم (نحن) بتحديد الشر بنسبته إلى (هم)، وهكذا نجعل (هم) الآخر هم العدو، وتضيف الجذور الاجتماعية إلى ذلك أن العدو هو نتاج مشترك يتشكل اجتماعياً منا جميعاً، وفي العادة ليس ظاهرة ينجزها شخص واحد بمفرده.

ويرى (شارفان) أن الآخر والعدو يمثلان الحقيقة بالنسبة للشخص الذي يتحدث عنهما، وينبع العنف من السعي نحو الخير أو مناويء للخير، إلا انه ليس هنالك حقيقة مطلقة أو موضوعية، فالحقيقة تحددها دائماً التقاليد المتداولة عبر المواريث من جيل إلى جيل، هذه التقاليد هي مصدر العدو والآخر، والتقليد الشائع يميل لأن يكون الآخر هو العدو. (روبار شارفان،1999: 592)

وتكون الطامة عندما تختل عملية نكران الذات أو احتقارها لصالح العدو الشرير، كما يحدث في حالة الجاسوس. لأن أخطر عمليات نكران الذات، هي اللجوء إلى النقيض بعملية الذوبان أو التوحد معه، أي تمثل وجود الآخر حتى يصبح الشخص هو الآخر، أو يعيش ذاته كذلك. إنه هو هو، ومن هنا يتخذ لنفسه نفس ماهية الشخص الآخر وهويته. (مصطفى حجازي، 1995: 128)

 ومن خلال ما سبق في هذا القسم يتبين بأنه يوجد ارتباط وتلازم بين مفهوم الذات، ومفهوم الآخر. حيث يتشكل من رحم مفهوم الذات، ويدرك من خلال التصور الذي يتبلور لدى الفرد من خلال التفاعل بينه وبين البيئة المحيطة به. ومفهوم الآخر أبعاد وأنواع هي الآخر المفرد الحميم (أنت) ويمثلهما الوالدين، والآخر الجمعي بشقيه، وهو الآخر القريب (نحن) المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، أو الآخر البعيد (هم) الذي يمثله الاحتلال. وهناك تلازم طردي بين مفهوم الذات، والآخر (أنت) أو(نحن) فاستخدام أي منهما يستدعي تلقائيا حضور الآخر. وعندما يكون الآخر (هم) تكون العلاقة عكسية بينهما. ويعتبر الآخر الحميم واللصيق (أنت) هو مرآة الطفل الأولى العاكسه لذاته، التي يرى نفسه من خلالها، وهذه المرآة هي عاكسة لذاته وعبرها تكون ثقته بنفسه وبعدها تنتقل هذه الثقة للآخرين. ولكن لا يوجد مقدار محدد من السلب في مفهوم الذات والآخر بين جريمة وأخرى. كما لا يتحدد أي العوامل أكثر تأثيراً باتجاه السلب على الأفراد المنحرفين بالنسبة لمفهوم الذات والآخر.

وتوجد ثمة علاقة بين الاغتراب وفقدان الأمن، فغياب الأمن داخل المجتمع يولد الاغتراب عن الذات وعن الآخر الحميم (أنت) والآخر القريب (نحن). ويحدث الإنسلاخ والاغتراب عن الهويه، عندما تهرب الذات من الآخر (أنت)، أو (نحن). لتبحث عن الأمن في أحضان (هم)، وتستمد منه الدعم والعون والقوة، فلا تجد سوى التنكر للهوية. وهوية الذات هي نتاج عمليات التوحد بالآخر (أنت) و(نحن)، التي تبدأ مع بداية الحياة. ولولا وجود الآخر لما وجدت الهويه الفرديه للذات، أو الهويه الجمعيه للجماعات لأن الهوية هي قضية تتعلق برؤية الذات ضمن المجموع الآخر، وتقبل كل ما يطرحه من مفاهيم وأعراف وتقاليد.

ويؤثر الآخر بالسلب والإيجاب على نمطية السلوك، سواء أكان سلوكاً حسناً أو انحرافياً. وأي سلوك مهما كان، إنما يرتد إلى نمط علاقة الفرد بالآخرين.

ويوجد ثمة فرق بين الانحراف عن الآخر (نحن)، والانحراف تجاه آخر الآخر (هم)، لأن الانحراف ضد المجتمع، ليس بالضرورة أن يتحول للنقيض، أي إلى حب وتعامل مع آخر الآخر (هم) العدو ضد (نحن) المجتمع الذي يعسش فيه. والفرد ينحرف عبر سلسلة من التفاعلات، كالبدء في الانسلاخ عن الذات، ثم التنكر للآخر الفرد الحميم (أنت)، ثم التمرد على الآخر القريب (نحن)، ثم الحب والولاء وربما التوحد بآخر الآخر البعيد (هم) صديقاً كان أو عدواً، وبالتالي ينتقل إلى نقيض ذاته وللآخر الحميم والقريب.

ملاحظة: (للمزيد من المعلومات راجع للمؤلف)

(دراسة الماجستير بعنوان “دراسة لبعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي”)

(دراسة الدكتوراه بعنوان “مفهوم الذات، ومفهوم الآخر، لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي” )

 

أترك تعليقا

دورة تدريب اعلامي

 

دورة تدريبية حول التغطية الصحفية في الأوقات الخطرة

إعداد الدكتور/ خضر محمود عباس

مقدمة:

الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة، هذه الحقيقة التي لا بد لمن يحاول الوصول إليها من أن يدفع الثمن غاليا، من وقته وجهده وعرقه، وأحيانا من دمهً..وتزداد فاتورة الدفع عندما ينطلق الصحفي لتغطية حدث، أو موقف ما، في وقت من الأوقات الخطرة، داخل رحى حرب ضروس، أو بين براثن نزاع مسلح، أو في البقاع الملتهبة التي تعاني من عنف واضطرابات، وتفتقد للأمن والأمان والاستقرار، أو حتى من قلب تظاهرة سلمية تنقلب إلى أعمال عنف وشغب يفقد السيطرة عليها..ولذا لا مجال للتشكيك بخطورة العمل الصحفي الميداني الذي يجعل من أوقات الخطر ومن ساحات القتال تقريراً ينسج منه تفاصيل الحقيقة ويبثها للعالم..تلك الحقيقة التي دفعت بالعمل الصحفيين على رأس قائمة سلم الأعمال الخطرة، حيث تعترضهم مجموعة من الأخطار وهم يؤدون مهامهم النبيلة..منها على سبيل المثال لا الحصر الشتم والضرب والقذف بالطوب، والاعتقال والتعذيب، وربما الاغتصاب، والقتل..الخ.

ويُنصحُ كل الصحفيون العاملون في تغطية المواجهات المسلحة والخطرة مهما كان نوعها، أن يخضعوا للتدريب الذي يُكسِبهم بعض المعارف والمهارات، التي تخفف من غلواء هذه الأخطار، ولا تمنعها..وذلك بتوظيف هذه المهارات المكتسبة أثناء تغطية الأحداث في هذه الأوقات الخطرة، كاستخدام سيناريوهات مواجهة الأخطار، واعتماد أسلوب محاكاةٍ معقد في تطبيق مهاراتهم في ارض الواقع.. فضلا عما اكتسبه هؤلاء الصحفيون مسبقا من مهارات متعددة ومتنوعة، قد طوروها خلال الممارسة الطويلة، وعبر التثقيف والتدريب المتواصل..الذي غرس لديهم ثقافة تنتج سلوكيات البحث والتقصي عن الحقائق الأكثر سلامةً وأمناً، وتوفر القدرة على تحقيق التغطية الصحفية والإعلامية على الوجه الأكمل. ولذا جاءت الدورات التدريبية، التي شرعت المؤسسات الدولية والمحلية في تنفيذها، في منطقة الشرق الأوسط وغيرها،     –والتي تشكل هذه الدورة جزءا منه- لزيادة الوعي الميداني لطواقم الصحفيون والإعلاميون والمصورون، بالأخطار الجمة التي تواجههم أثناء التغطيات الميدانية لتلك الأحداث الخطرة -التي سقط خلالها عدد من هؤلاء الصحفيين والإعلاميين والمصورين وهم يوثقون بالصوت والصورة تلك الوقائع والأحداث- وتقودهم إلى التعرف على واقع العمل الصحفي الميداني في الصراعات والنزاعات مما يساعدهم إلى حد كبير في تجنب هذه المخاطر المتوقعة، وغير المتوقعة، ويسهم في أن يصنع الصحفي بيئة آمنة للعمل الإعلامي، تمكنه من أداء عمله على أكمل وجه، بحيث يحقق أهدافه المهنية ويحافظ في نفس الوقت على سلامة حياته.

ولعل من أهم الفائدة التي تتحقق من خلال هذه الدورات تتمثل في ما قد يتجسد في الجوانب التطبيقية التي يتم عملها أثناء الفترات المختلفة في البرنامج، بالإضافة إلى نوعية البرنامج التي قد يستشعرها الصحفيون من خلال تحويل تلك المعارف والمهارات التدريبية إلى تطبيقها عبر سيناريوهات عملية تنمي سلوك وثقافة راسخة تحفظ للصحفي حياته، وتعطي في نفس الوقت للمجتمع وللعالم خلاصة الجهود الإعلامية الجيدة.

وعليه فان التعرف على هذه الدورة التدريبية ومحتوياتها المختلفة، والتفاعل المناسب معها، ضرورة لكل صحفي ميداني، يحمل روحة في كفة، وفي الأخرى يحمل الكاميرا..لما تمثل من ثقافة السلامة التي قد لا تكون متجذرة لدى البعض منهم إلى الحد المطلوب من الأهمية..ولكونها تسعى لامتلاك أسلحةً مهمة تتمثل في أساليب الحماية الأمنية التي يذود بها الصحفي عن نفسه المخاطر التي تمتلئ بها أماكن الصراعات والنزاعات التي يقتحم غمارها..كما ان هذه الدورة التدريبية تسعى إلى رسم أمام محيا كل صحفي حقيقة تقصيره في حق نفسه، وهو يلقي بها إلى التهلكة دون أن يهتم بسلامتها.. كما وتذكرة بان المسئولية الأولى في حماية شخصه، تقع على كاهله، حيث لا يستحق أي خبر أن تكون حياته ثمناً له.

مدخل قانوني:

يحق للصحفيين تغطية النزاعات المسلحة كمدنيين يعملون باستقلالية عن القوات المسلحة وفقا للبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف الصادرين في العام 1977. ولا يجوز قانونا لأي قوةٍ استهداف المدنيين، بمن فيهم الصحفيون. غير أن الصحفيين المستقلين يواجهون مخاطر معينة، فمن يُقبض عليه من الصحفيين وهو يعمل بصفة مستقلة يمكن اتهامه بارتكاب جرائم كالتجسس ويمكن أن يتعرض لمعايير حبس المدنيين التي قد تكون سيئة أو جائرة.

ويعتبر الصحفيون المكلفون بمهمات تغطية صحفية تتسم بالخطورة مدنيون بموجب الفقرة ٧٩لمعاهدة جنيف، بشرط عدم قيامهم بأي فعل يشكل تهديدا بنقض تلك الصفة المدنية عنهم، مثل التأييد الصريح وتقديم المساعدة لأي حزب، أو حمل الأسلحة أو القيام بالتجسس. . ويعد أي استهداف متعمد لصحفي يتسبب في وفاته أو إلحاق إصابة جسدية خطيرة به، خرقا صريحا للبروتوكول الإضافي لمعاهدة جنيف ويعامل على أنه جريمة حرب.

إن سلامة الصحفيين الذين يكلفون بمهمات خطرة لا يمكن ضمانها دوما، حتى لو وفر القانون الدولي الحماية على الورق، فأطراف النزاعات المسلحة يتراجع احترامها لتلك المواثيق الدولية يوما بعد آخر والعاملون في مجال جمع الأخبار لا يمكن أن يحصلوا على ضمانات من الأطراف المتحاربة بضمان سلامتهم بالكامل.

ويختلف الأمر لو كنت كصحفي مرافقا للقوات العسكرية في تغطيتك للأحداث.. فبحسب اتفاقيات جنيف لعام 1949، يصبح الصحفي المعتمد والمرتدي للزى العسكري، من الناحية القانونية، فردا من الوحدة العسكرية التي يتنقل معها. ويجوز للقوات المناوئة، من الناحية القانونية، إطلاق النار على الصحفيين المرافقين باعتبارهم جزءا من الوحدات التي هم فيها، ويجوز قانونا كذلك إلقاء القبض على الصحفي الفرد لاحقا واحتجازه طوال مدة الأعمال العدائية كأسير حرب مقاتل.

ولقد أدركت مؤسسات الأمم المتحدة، والاتحاد الدولي للصحفيين ما يواجه الصحفيون من مخاطر، فشرعوا في مواجهة هذه المخاطر المحدقة بهم في مختلف بقاع العالم، من خلال سن القوانين التي توفر أساسيات السلامة من أجل مهنة صحفية تكون فيها الأولوية لحياة الصحفي بصفته الناقل الأول للحقائق والوقائع على مستوى العالم.

ويكمن جزء من هذا الاهتمام في تزايد الحملات لمساواة حقوق الصحفيين المستقلين وتجهيزهم بمعدات وتدريبهم وتأمينهم بشكل أفضل..وهذه حاجة ماسة للموظفين المستقلين الذين غالباً ما يعتمدون على صحيفة أو قناة واحدة لكنهم لا يتمتعوا بأي من الضمانات الممنوحة لبقية الموظفين.

كما يجب على المؤسسات الصحفية وأصحاب العمل في الإعلام توفير حماية أكبر للصحفيين.. وهذا يشكل جزءاً من المطلب العام بأن أولئك الذين يملكون ويديرون وسائل الإعلام يتحملون مسؤولية أكبر في حماية صحفييهم ورفاهية عائلاتهم.. ولذا يجب وضع الحماية القانونية للصحفيين المستقلين على قمة جدول الأعمال في كل المفاوضات مع أصحاب العمل.

إن لكل وظيفة مخاطرها، ومهنة الصحافة تتمثل في كشف ما يخفيه بعض الناس، لذا فهي أكثر عرضة للخطر من غيرها وبسبب ما يواجه الإعلاميون والصحفيون ومساعديهم من خطر (سواء الدائمين أو المؤقتين) في مناطق النزاعات المسلحة والأوقات الخطرة لتوفير الأخبار الحيه للعالم، فان لهم الحق بالحصول على الحماية والتعويض والضمان من أرباب عملهم، ويجب هنا عدم التذرع بتوفير الأمن من أجل فرض سيطرة وإشراف القوات المسلحة المحلية والسلطات على الصحفيين والإعلاميين كما يتوجب على إدارات المؤسسات الإعلامية أيضا بذل كل الجهود الممكنة لتقليل المخاطر التي تواجه الصحفيين.. وخاصة أن هذه الهجمات عليهم لها تأثير واسع النطاق، فهي تثبط من همة الصحفيين في التحقيق وعمل التقارير، وكذلك فإنها تحرم الجمهور من حقه بالمعرفة.

الطالب الأساسية لتوفر السلامةللصحفيينالعاملينفيالأوقات الخطرة، ومناطقالنزاعاتالمسلحة:

المطلب الأول: المعرفة والجاهزية للمهمة:

المعرفة هي أثمن وسيلة للسلامة..فالمعرفة بالشيء تجعلنا نفكر فيه من عدة زوايا وجوانب..ومن هنا فهي تقينا من الأخطار وتوفر لنا السلامة، حيث كلما زاد اطلاعنا ومعرفتنا بالشيء، كلما كان ارتباطنا اكبر، وتعاملنا معه أفضل.. والصحفي بصفته يبحث عن المعرفة، لينقلها للآخرين، يكون الأجدر بان يتزود بالمعرفة التي تقية إخطار الطريق، ومنها:

معرفة بيئة المهمة:  

ويتمثل ذلك في أن تسال نفسك كصحفي، مطلوب منك أن تغطي حدث ما في أوقات ومواقع خطرة، بعض التساؤلات التي تعرفك بالوجه المرسل إليها، حيث من الضروري لك وجود معلومات حول هذا المكان، ووضعه، وأشخاصه، والمجتمعات المتواجدة فيه، والوضع السياسي والاجتماعي والنفسي فيه..وغير ذلك من المعارف التي لا تستطيع التحرك بدونها، حيث أن الجهل بها قد يورطك بالدخول إلى أماكن لا تعرف شيء عنها، وعن ثقافة ولغة ولهجة أهلها.. ما هو طبيعة المكان الذي ستدخله؟ ومن هم الأطراف الرئيسية للحدث؟ وما آخر التطورات فيه؟ وما اللغات المستخدمة هناك؟ وما هي ردود الفعل المحتملة تجاه رجال الإعلام عموما، وتجاهك قناتك أو شركتك على وجه الخصوص؟ ولأي من الجماعات هناك سجل عنف تجاه الصحفيين أو المدنيين؟ وهل هناك مناطق محظور التجول فيها؟ وما نوع التصاريح المطلوبة منك، ومن أي جهة؟ وهل لهذه التصاريح أية قيمة عند سيرك على الطرقات؟ وما إلى ذلك من الأسئلة اللازمة.

إن الصحفي الجيد هو الذي لا يدعي انه يعرف كل شيء, بل هو الذي يسأل أسئلة كثيرة، ويتعلم بسرعة، خاصة من قبل الذي جاب ذلك المكان مسبقا، حيث قد يزوده بمعلومات جيده، ويطلعه على تجاربه التي حصلها من خلال ذلك الواقع. لذا فان الصحفي الجيد هو الذي يقيم صداقة مع مهنيي الإعلام الذين لا يقللون من شأن الأماكن التي قاموا فيها بتغطية ما، وتعلم منهم تقاليد أهل ذلك المكان ولغتهم وطرق تفكيرهم، حتى تستطيع على الأقل أن تحيي أولئك الأشخاص بلغتهم، مما يساعد في كسر الحواجز، بينك وبينهم، وهذا قد يجعلك أن تطلب منهم المساعدة عند الضرورة.

الجاهزية للمهمة:

إن أكثر الظروف خطورة بالنسبة للصحفيين هي فترة الحرب حيث العمل بين وابل من الرصاص والقنابل والألغام والصواريخ والمدافع..غير أن الظروف العدائية تتواجد في جبهات أوسع من ساحة القتال وتتزايد المخاطر الجسدية للصحفيين أكثر عندما يغطون أحداث الشغب والاضطرابات المدنية والتي هي أكثر من مجرد حرب تقليدية بين جيوش عادية.. لذا يجب التركيز على المخاطر الرئيسية, حتى ولو كانت غير مباشرة مثل مخاطر ساحة المعركة.. لأن العنف يأتي من جهات غير متوقعة, كأن تتحول المظاهرة السلمية إلى ساحة عنف، فيصب الناس غضبهم على رجال الإعلام.

لذا يجب التهيؤ والاستعداد المسبق للصحفي، للقيام بمثل هذه التغطية المحفوفة بالمخاطر المتوقعة، وغير المتوقعة، ليتخذ الاحتياطات الممكنة، وليتحكم بالظروف المحيطة من حوله قدر الإمكان, بدلا من الاعتماد على مسار الحظ فقط.

إن الجاهزية والتخطيط الجيد لا تحميك فحسب, بل تساعدك في تحديد العناصر الأساسية للحدث الذي تغطيه، ويزودك

ذلك بخلفية جيدة حول وضعك وظرفك، ويجعلك أكثر إدراكا، وفعالية في العمل.. رغم انك لا يستطيع السيطرة على

الوضع سيطرة كاملة، إلا أنه قد يمكنك تقدير المخاطر على كل المستويات، وتستعدد لها، لكونها قد أصبحت مدركا لك.

الجاهزية على المستوى الجسمي:

ومن ضمن هذا الاستعداد والجاهزية المسبقة، قبل القيام بالمهمة، الاستعداد والتهيؤ على المستوى الجسمي..أي أنه يجب عليك قبل أن تخرج للعمل الصحفي الشاق والصعب، يجب عليك أن تتأكد من أنك لائق جسديا، من أجل تنفيذ المهمة.

ومن اجل السلامة الجسمية واللياقة البدنية ينبغي الحفاظ على اللياقة البدنية، من خلال القيام ببعض التمارين الرياضية، وكذلك إتباع حمية غذائية مناسبة كتدبير وقائي أولي.. وكذلك ينبغي للصحفيين الذين يتوقعون السفر إلى الخارج أو القيام بمهام في مناطق نائية لفترة طويلة أن يفكروا في زيارة طبيب الرعاية الأولية، وطبيب الأسنان، وأخصائي البصريات، وطبيب الأمراض القلبية، وغير ذلك، لإجراء الفحوصات والتحليلات المناسبة، لأنه من الضروري الاعتناء بالصحة.

إن بعض الصحفيين غير صادق مع نفسه حيث لا يرفض مهمات خطرة لأنه يعتبرها فرصا معززة لمكانته في عمله, لكن الصحفي الجيد عليه أن يكون صادقا مع نفسه، فيرفض ما يعرض حياته للخطر، أو ما ليس له طاقة به..وعليه أن يسال نفسه، هل يمتلك اللياقة الكافية؟ وهل يستطيع السير طوال الليل إذا اضطررت لذلك, أو حتى الركض إلى مكان آمن؟

كما وان عليه قبل الموافقة على المهمة أن يستشير طبيبا مؤهلا..وعند التأكد من سلامته يذهب لعيادةً تخدم المسافرين الدوليين لضمان حصوله على كافة اللقاحات الموصى بها قبل السفر..ويستنسخ صورا من شهادة التطعيم الدولية الصفراء المختومة والموقعة كما أجازتها منظمة الصحة العالمية ويحملها معه (هذه الشهادة متوفرة في جميع العيادات المؤهلة) حيث أن بعض جهات التأمين (حسب ما تفيد منظمة الصحة العالمية) تطلبها كشرط لمنحك التغطية الطبية الطارئة.

الجاهزية على المستوى النفسي:

الاستعداد والجاهزية النفسية لتغطية المواقف الخطرة، لا تقل أهمية عن الجانب الجسدي، حيث تشكل عمليات القدرة على مواجهة المواقف تحديا واقعياً فيما يتعلق بحدود قدراتك العقلية والعاطفية..وقد يكون  من المفيد التفكير مسبقاً في كل الأشخاص الذين قد يتأثروا عاطفيا إذا ما تعرضت، مثلاً، للإعاقة أو للقتل.

كما أن عليك أن تفكر في الضريبة العاطفية لمواصلة إعداد التقارير الإخبارية المسببة للضغط العصبي تقريراً تلو الآخر..وتقييم موقفك النفسي عند نقطة معينة ما..وان تختبر نفسك بنفسك حول ردة فعلك عند سقوط ضحية أمامك، أو رؤية جثة ممزقه، أو تشاهد عائلة تعاني..هل هذا نفسيا شي أكبر مما تطيق؟ وهل هذا الموقف يعيق عملك الصحفي؟

الإرادةالحرة: العمل الصحفي في تغطية الحروب ينطوي على مخاطر جمة تتطلب قبولا من جانب العاملين لتلك المخاطر، كما تتطلب التزاما شخصيا منهم، مما يعني قيامهم بالمهام في مناطق الحرب بشكل طوعي بملء إرادتهم.

ونتيجة لحجم المخاطر المرافقة للمهمات في مناطق النزاعات الخطرة، يتوجب على المؤسسات الإعلامية ترك الخيار مفتوحا أمام موظفيهم لرفض المهمات التي توكل لهم في تلك المناطق من دون إجبارهم على تقديم أي إيضاحات لذلك الرفض ومن دون تقييم ذلك الرفض على أنه سلوك غير مهني.. وخلال تنفيذ مهمة التغطية الإعلامية في الميدان فأنه يمكن للمراسل أو رئيس التحرير إلغاء المهمة بعد التشاور فيما بين الطرفين وتحمل كل منهما للمسؤولية التي تقع على عاتقه، وعلى رؤساء التحرير الحذر من ممارسة ضغوط على مراسلين لدفعهم للمخاطرة بالعمل في المناطق الخطرة.. لذا فان قرارك كصحفي بعدم تغطية موقف ما، هو علامة للنضج عندك، وليس هو مصدراً للخزي والعار.

الخبرة السابقة: إن تغطية الحروب تتطلب مهارات وخبرات خاصة، لذلك يتوجب على رؤساء التحرير اختيار طاقم صحفيين في الميدان ممن يتمتعون بالنضج الكافي والخبرة في التعايش مع ظروف الأزمات. فالصحفيون الذين يغطون الحروب لأول مرة في حياتهم يجب عدم إرسالهم إلى تلك المناطق بمفردهم، بل يجب أن يرافقهم مراسل صاحب خبرة في مثل تلك المهمات. ويجب التشجيع على روح العمل كفريق في الميدان. .كما يجب على رؤساء التحرير الحصول من المراسلين العائدين من الميدان على ملخص حول مجريات المهمة للاستفادة من خبراتهم.

المسئولية الفردية عن السلامة: السلامة تعني الإحاطة بما سيحصل، والتفكير به ملياً.. وهي صفة إيجابية تعني انجاز

العمل بشكل جيد وسريع.. فالسائق الجيد يقرأ الطريق بينما السائق المسرع يقرأ عداد السرعة..كذا الصحفي الجيد الذي

يقوم باستثمار وعيه ومهارته نحو تحقيق السلامة له ولمن حوله..ومن اجل هذه السلامة لا يضع الصحفي نفسه في موضع خطر التهلكة، إنما يتصرف بطريقة مهنية، تمكنه في سرد القصة، ولا أن تجعله يصبح هو القصة.. فالاقتراب من الحدث لا يجعل من التقرير أفضل أو يفرض وجود فيلم أحسن..وعليه أن يسأل نفسه هل تستحق أي قصة أو صورة الموت بسببها؟ فأفضل القصص والصور لا تصبح لها قيمة إلا عند عرضها، وأما الصحفي المقتول أو المصاب لا يمكن أن يسجل قصة أو يقدم صورة..ولا شك أن الصحفي الحي مهما كان هو أكثر فاعلية من الميت، ولو كان قمة الإثارة.وللأسف فإن بعض المراسلين أو المصورين أو طواقم الكاميرا العاملين في مناطق حرب يتصرفون بطريقة مازوشية تشبه المنافسة على التقرب أكثر من الخطر.. لكن الصحافة الجيدة تعنى بتقديم المعلومة الموثوقة دون الحاجة لرفع مستوى الأدرينالين.. إن الصحفيين الذين يتبعون سلوك “الموت أو المجد” يركزون عادة على المجد أكثر من الموت، ونادراً ما يفكرون بالإصابات الخطيرة التي قد تنهي مسيرتهم المهنية.

ولذا فان على الصحفيين مسؤولية فردية لاستباق وتخفيف الأخطار، رغم أنه لا يمكن لأي شخص مهما كان أن يزيل خطر هذه المهنة، لكن يمكنهم أن يتوقعوا كثيراً من هذه المخاطر، ويعملوا على تخفيفها أو تجاوزها بشكل أكثر آمانا.    المسئولية الجماعية عن السلامة: إن توفير السلامة للصحفيين الذين ينتدبون إلى تغطية الأحداث الخطرة في الأوقات الخطرة، لها كذلك مسئولية جماعية، تبدأ من الدولة ووزارة الإعلام فيها، ومن وسائل الإعلام، من حيث بناء ثقافة جديدة تقوم على التوعية بالمخاطر..وفي نفس الوقت على المؤسسات الإعلامية أن تقر بمسؤولياتها تجاه دعم الصحفيين الميدانيين سواء كانوا من موظفيها الرسميين أم من المستقلين، وتوفر لهم دورات تدريبية..كما يجب على مديرو التحرير، والدوائر الإخبارية عند تكليف أولئك الصحفيين الميدانيين بمهمة ما، أن يوفروا لهم الحماية الشخصية، ومعدات السلامة.

ومن متطلبات السلامة في العمل الصحفي الميداني، أن تكون السلطة المخولة لإجراء قرارات العمل والأداء اليومي في يد الأفراد الموجودين في الميدان.. فلا تسمح للمسئول عنك أن يدفعك لاتخاذ قرارات جزافية.. ولكن ينبغي عليك في الوقت ذاته الاتفاق مسبقاً مع مؤسستك حول عدد من الأمور والأشياء التي يتوجب عليك القيام بها، وترك لك التفاصيل.

كما ينبغي أن تتفق مع كافة أفراد العمل الميداني مسبقا حول طبيعة المخاطر، وكيفية صنع القرار الجماعي المناسب .. كالاتفاق حول ما سيحدث في حال انقطع الاتصال لفترة محددة.. حيث أن الصحفي الذي يكون على علم بطبيعة الإجراءات التي سوف تتخذها مؤسسته، سيكون قادراً على اتخاذ القرار في حال تورطه في مسألة ما..كما يجب تسجيل ما يتفق عليه..ويتم تحديث ما يتفق عليه على ضوء التجربة الميدانية, فيصبح هذا السجل مذكرة تجارب مفيدة مع الوقت. ومن ضمن المسئولية الجماعية التي يجب أن توفرها المؤسسات الإعلامية للصحفيين الميدانيين، التأمين المسبق للمهمة..حيث يتوجب توفير بوليصة تأمين للصحفيين ومساعديهم العاملين في مناطق الحروب والمناطق الخطرة توفر تغطية للمرض وعمليات الترحيل القسري وفقدان الحياة..كما يتوجب على إدارات المؤسسات الإعلامية اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لتوفير مثل هذا النوع من التأمين قبل إرسال الإفراد أو توظيفهم لانجاز مهمات تتسم بالخطورة، حيث يجب على الإدارات الالتزام بشكل كامل بجميع المعاهدات والاتفاقيات المهنية التي تنسجم مع توفير تلك التغطية.

ومن ضمن المسئولية الجماعية التي يجب أن توفرها المؤسسات الإعلامية للصحفيين الميدانيين، التحضيرات المطلوبة للصحفي والتي يقف على رأسها التثقيف والتدرب بشكل منتظم على كيفية التأقلم مع الأوضاع في مناطق الحروب الخطرة مما يساعد على تقليل المخاطر التي يمكن أن تواجه الصحفيين..كما ويتوجب على رؤساء التحرير إعلام المراسلين وطواقم العمل بأي دورات متخصصة للتدريب في ذلك المجال وتمكينهم من الحصول عليها..كما ويجب على جميع الصحفيين الذين يطلب منهم العمل في مناطق خطرة، الحصول على تدريب في الإسعافات الأولية.

المطلب الثاني: تقييم المهمة، والمخاطر:

إن المخاطر المتأصلة في تغطية أنباء الحروب والاضطرابات السياسية والجريمة لا يمكن يوماً إزالتها، ومع ذلك يمكن عبر التخطيط، أن تؤدي إلى التخفيف من حدتها.. لذا قم دائماً بإعداد تقييم أمني قبل الشروع في المهمة التي يحتمل أن تقوم بها، من حيث الصعاب والمخاطر.. وينبغي في التقييم الرجوع إلى مصادر مختلفة كالصحفيين المخضرمين الذين لهم خبرة في المكان أو الموضوع، والمستشارين الدبلوماسيين، وتقارير الصحافة، وحقوق الإنسان، والأبحاث الأكاديمية. وينبغي لمديري التحرير العاملين مع موظفين أو مستقلين أن يسهموا مساهمة جوهرية في إجراء التقييم وأن يبادروا إلى طرح مسائل أمنية وأن يتلقوا نسخة من التقييم. ويتوجب على الصحفي المستقل الذي يعمل دون أن تكون له علاقة بمؤسسة إخبارية أن يعد تقييماً أمنياً شديد الدقة بحيث يستشير نظراءه ويبحث في المخاطر ويرتب شبكة الاتصال.

وينبغي إعادة تقييم المخاطر بصورة متكررة عند تغير الظروف..ودائماً وباستمرار، بوزن الفوائد مقابل المخاطر.. وحالما تصل إلى نقطة تشعر فيها بعدم الارتياح لتلك المعادلة، اخرج، ارحل، غادر، فالأمر لا يستحق المخاطرة.. حيث لا توجد قصة صحفية مهما كانت تستحق أن تُقتل من أجلها..وان مقياس تقدير المخاطر التي يجب تعيينها، يجب أن تعتمد على حس وخبرة الصحفي ذاته، لأن هذه المخاطر هي التي تنعكس على سلامته، وعلى سلامة زملائه الآخرين من حوله.

أ) تقييم مخاطر المهمة: (الوضع الأمني): حدِّد المخاطر الأمنية المحتملة المرتبطة بتنفيذ المهمة.

تقييم مخاطر عداء الآخرين:

قيّم احتمالات تعرضك أو تعرض فريقك أو أشخاص الاتصال المحليين الذين تتواصل معهم على الأرض إلى الاستهداف بالمراقبة أو الهجوم.

وحدد الأعداء المحتملين من السلطات الحكومية، ومرتكبو الجريمة المنظمة، والجماعات المتمردة، والقوات غير النظامية.

وحدّد درجة الترابط النسبية في هذه الأعمال العدائية، من خلال هجمات سابقة يمكن أن يكون لها صلة بما سوف يقع لكم

تقييم أماكن الإقامة:

ينبغي أن يشتمل التقييم على معلومات تتعلق بأماكن الإقامة والأماكن التي سيتم اللجوء إليها إذا لزم الأمر؛ والأماكن التي سيتم فيها الحصول على معلومات،وكيفية الحصول عليها.

وتعرَّف على أنواع الإقامة المتاحة في كافة المواقع طوال مدة الرحلة..وبيّن السبب في اعتبار مكان الإقامة المقترح آمنا (هل توجد فيه حراسة أمنية؟ هل ينزل فيه العاملون الدوليون؟ هل يقع في منطقة آمنة؟) واذكر ما إذا كانت وسائل الاتصال متوفرة في المكان (خطوط الهاتف، شبكة الإنترنت).. واذكر معلومات الاتصال الخاصة بمكان الإقامة.

إن أمن الفندق هو الشيء الأكثر أهمية لتجنب الاختطاف او الاغتصاب؛ حيث تتعرض معظم النساء للهجوم في غرفهنّ أو وهنّ في طريقهن إليها.

تقييم المعدات الخاصة:

معرفة ما إذا كانت هناك حاجة لمعدات معينة لجهاز راديو لخدمة استقبال نشرات الأحوال الجوية أو راديو بموجة قصيرة.

تقييم الاحتياجات الأساسية: مثل التغذية والرعاية الصحية.. وتقييم هل يتوفر المأكل والماء بيسر وسهوله؟ وهل يوجد هناك مستشفى أو عيادة أو طبيب؟ وهل يلزم حمل صندوق طبي، وما يجب أن يحتويه؟

تقييم رجال الاتصال:

يجب أن تقرر من الشخص الذي ستتصل به سلفا،ً وعند أية نقطة بالضبط ستعتبر أن الإخفاق في التواصل يعني حالة طارئة وبمن ستتصل للحصول على استجابة شاملة لتحديد مكانك وتأمين خروجك أو تحريرك. وتقتضي الاستجابة لهذاالوضع التواصل بصورة ممنهجة مع الزملاء والأصدقاء الذين يمكنهم تقييم الوضع أو مع السلطات التي يمكنها التحقيق من ذلك أو مع الوسط الدبلوماسي من أجل تقديم الدعم السريع .

تقييم مخاطر موقع الحدث:

حدِّد المخاطر المرتبطة بالتغطية الصحفية في الموقع المعني.. كاندلاع أعمال شغب، أو تصعيد النزاع المسلح، أو الاختطاف، أو الاغتصاب، أو سلطات عدائية، أو مشاكل عند عبور الحدود، أو على نقاط التفتيش، أو الحجز والاعتقال..الخ)

وكذلك حدد أخطار المراقبة الفعلية أو الإلكترونية، ومصادرة المعلومات الحساسة أو إساءة استخدامها، والمخاطر الصحية، والأخطار المرتبطة بوسائل النقل والمواصلات المختلفة..الخ.

وحدد على وجه الخصوص المخاطر المرتبطة بأداء عملك (كإجراء المقابلات، والتقاط الصور الفوتوغرافية، والتصوير، والتواجد في مسرح الأحداث، والحصول على وثائق وصور فوتوغرافية لها قيمة دليلية)

وحدد كيف ستقوم أنت وفريقك بالتغطية الصحفية بطريقة مأمونة بالنسبة لك وللأشخاص المستهدفين بالتحقيق الصحفي.

تقييم مخاطر المواصلات:

يجب التعرف على طرق السفر داخل البلد، ومعرفة الطرق المتعددة للدخول والخروج، وكذلك يجب تحديد أداة السفر.. كما يجب أن يأخذ التقييم بالاعتبار نوع المركبة؛ وهل ستسافر في سيارة مكتوب عليها “صحافة” أو “تلفزيون”، أم أنه من الأفضل أن تمتزج بين مع المدنيين؟ وهل ينبغي عليك أن تعمل وحدك أم في فريق؟ وكيف إذا كنت ستسافر مع أشخاص آخرين أن تختارهم.. فقد لا ترغب في السفر مثلاً مع شخص مختلف تماماً عنك في نسبة التعاطي مع الخطر.

كما يجب أن تقوم بوصِف ترتيبات التنقل والسفر، وأداة المواصلات في الرحلة، وتحدد إذا ما كنت ستستخدم وسائل النقل العام، أو سيارات الأجرة، وما إذا كانت هناك أي مخاطر مرتبطة بذلك، وكيف سوف يتم التصدي لها.. وإذا كنت تخطط لاستئجار سيارة، بيّن أُسس اختيار السائق..وهكذا.

تقييم مخاطر الاتصال:

اذكر ما إذا كنت أو فريقك ستستخدمون هواتف خلوية دولية أو هواتف خلوية محلية أو هواتف تعمل بالأقمار الصناعية أو هواتف أرضية أو أجهزة اللاسلكي المحمولة، واذكر أية مشاكل مرتبطة باستخدام كل واحدة من وسائل الاتصال  (من المشاكل انعدام تغطية الهاتف الخلوي في مناطق مختلفة أو إمكانية انقطاع التغطية؛ ومدى تغطية الهواتف العاملة بالأقمار الصناعية وأي مشاكل أمنية أو قانونية ناجمة عن استخدام هواتف من هذا القبيل؛ أو مراقبة المكالمات الهاتفية). اذكر ما إذا كان الفريق سيتمكن من الاتصال بالإنترنت بانتظام. وحدّد أفضل وسيلة اتصال لاستخدامها في حال اقتضى الوضع على الأرض محادثة مفصَّلة للمتابعة مع المقر.

حدد أشخاص الاتصال بهم واترك معلومات الاتصال الخاصة لهم (أرقام الهواتف الخلوية والأرضية وعناوين البريد الإلكتروني).. وحدد الموظفون المسافرون لأداء المهمة، والموظفون المسؤولون عن إثبات الوجود، والمشرفون وغيرهم من أشخاص الاتصال الاحتياطيين في المقر، والمشاركون من غير الموظفين (كالمستشارون والمترجمون والسائقون)

وحدد أشخاص الاتصال لحالات الطوارئ: أشخاص الاتصال داخل البلد: (أ) اذكر شخص اتصال من داخل البلد (زميل موثوق على سبيل المثال) ليظل على علم دائم بخططك وتحركاتك ومواقعك؛ (ب) قدِّم قائمة بأشخاص اتصال إضافيين من داخل البلد ممن سيقدرون على مساعدة المنظمة الإخبارية في حال وقوع حادثة أمنية أو فقدان الاتصال مع الفريق أو أي حالة طارئة أخرى (ومن هؤلاء، مثلا، أشخاص اتصال في السفارات المعنية، والأمم المتحدة أو موظفي المساعدة

الإنسانية، والمنظمات غير الحكومية المحلية، والمسئولين المحليين المتعاطفين، وسلطات إنفاذ القانون).

وحدد أشخاص اتصال آخرين لحالات الطوارئ إن وُجد، قدِّم بيانات تخص أشخاص اتصال آخرين ممن سيقدرون على

مساعدة المنظمة الإخبارية في حال وقوع حادثة أمنية أو فقدان الاتصال مع الفريق أو أي حالة طارئة أخرى.

وقم بتقييم خط وأداة الاتصال، ومعرفة من هم الذين تعقد معهم تواصل مستمر، ومن يجب أن يظل الصحفي على اتصال دائم معهم كمدير التحرير أو زميل له أو أحد أفراد العائلة أو شخص آخر يوثق به..وينبغي أن تتفق مسبقا مع الأشخاص الذين ستتصل بهم على عدد مرات الاتصال الذي تريدونه ووسيلة التواصل والوقت الذي تحددوه لإجراء الاتصال، وما إذا كان يتوجب عليكم اتخاذ احتياطات لتلافي أن يقوم أحد باعتراض اتصالاتكم. وينبغي أن يتطرق التقييم للبنية التحتية للاتصالات في منطقة المراسلة الصحفية

ومن سيتم الاتصال بهم في البلد المعني من جماعات حقوق الإنسان المحلية، ومن السفارات الأجنبية للحصول على المعلومات العاجلة، كما يلخص في هذا التقييم الطريقة التي ستقوم بواسطتها الاتصال برؤساء التحرير والزملاء والأحباء الموجودين خارج منطقة الخطر.

ويتم كذلك تحديد أداة الاتصال التي قد تلزمك في حالات الطوارئ، (كالإنترنت وخدمات الهاتف المتنقل والأرضي) هل هي متوفرة؟ وهل من المحتمل أن تظل كذلك؟ هل سيلزم مولد أو بطارية سيارة مع محول تيار مباشر حال انقطاع الكهرباء لتشغيل الكمبيوتر؟ وهل سيتوجب استخدام هاتف يعمل بالأقمار الصناعية؟

تقييم مخاطر المعلومات:

بيِّن ما إذا كان فريقك مطلع على أحدث المستجدات الأمنية في المنطقة، وهوية المصادر الرئيسية للمعلومات الخاصة بتحليل المخاطر، وإلى أي حد قد تكون المعلومات المتوفرة قديمة أو محدودة.

حدِّد التدابير اللازمة لحماية المعلومات الحساسة أثناء المهمة. واذكر ما إذا كنت أنت أو فريقك ستستخدمون أجهزة إلكترونية لجمع المعلومات وتخزينها (مسجلات الصوت، الكاميرات، أجهزة الكمبيوتر، إلخ) والتدابير المتخذة لضمان أمن المعلومات في حال مصادرة تلك الأجهزة أو تعرضها للخطر، أو ما إلى ذلك من حالات الولوج غير المأذون للمعلومات..وفي حال كتابة الملاحظات باليد، حِّدد التدابير التي سوف تتبعها لحمايتها من الضياع، أو الاطلاع غير المأذون عليها.

تقييم مخاطر مصادر المعلومات:

تعد حماية المصادر حجر الزاوية في مجال العمل الصحفي، وتكتسب هذه الحماية أهمية استثنائية عند تغطية أخبار مواضيع معينة مثل الجريمة العنيفة والأمن القومي والنزاعات المسلحة التي يمكن في ظلها تعريض المصادر لمخاطر قانونية أو جسدية. ويتوجب على الصحفيين المستقلين بوجه خاص أن يعلموا أن هذا العبء يقع بالدرجة الأولى على عاتقهم، وينبغي على الصحفي ألا يبذل وعداً بالاحتفاظ بالسرية قبل أن يقّدر النتائج المحتملة، وإذا ما قدم الصحفي أو المؤسسة الإعلامية وعداً بالسرية فإن هذا التعهد يحمل التزاماً أخلاقياً مهماً.

ادرس خياراتك فيما إذا كان عليك الاتصال بهم عبر خط هاتف أرضي أو هاتف نقال، وما إذا كنت ستستخدم البريد الإلكتروني من مصدر مفتوح أو مصدر آمن، وما إذا كنت ستزورهم في منازلهم أم في مكاتبهم.

وقد وضعت معظم المؤسسات الإخبارية قوانين خاصة بالاستعانة بالمصادر السرية، حيث تشترط المؤسسات الإخبارية،

في عدد من الحالات، أن يُعلم الصحفيون الميدانيون رؤساء تحريرهم بهوية المصدر السري. وعلى الصحفيين في الميدان

أن يعرفوا هذه القوانين قبل أن يقدموا العهود للمصادر السرية المحتملة.

وفي بعض البلدان، يكون الصحفيون المحليون هم الذين يقومون بتغطية أخبار الجريمة المنظمة أو الأمن القومي أو

النزاع المسلح وبصورة خاصة للسجن أو التعذيب أو الإكراه أو الاعتداء فيما يتعلق باستخدامهم لمعلومات سرية.. وينبغي على الصحفيين دراسة طرق حماية المصادر في اتصالاتهم وسجلاتهم..وفي وقت وطريقة الاتصال بالمصادر، وما إذا كان عليك أن تتصل بهم على هاتف أرضي أو خلوي أو أن تزورهم في مكتبهم أو في البيت، وما إذا كان عليكم استخدام رسالة إلكترونية أو دردشة مأمونة..وفكر في استخدام رمز بسيط أو أسماء مستعارة لإخفاء هوية المصدر في الملفات.

تقييم إجراءات إثبات الوجود: حدِّد مسبقا إجراءات إثبات الوجود المتبعة في المهمة:

حدّد الوتيرة وعدد المرات (مواقع متعددة تحل فيها، سفر طويل، وكل موقع ومرحلة من مراحل السفر).

حدّد الوقت استنادا للتوقيت المحلي في منطقة السفر، وتوقيت الطرف الآخر المتلقي إشعار إثبات الوجود.

حدّد طريقة الاتصال (هاتف أرضي/هاتف خلوي/هاتف يعمل بالأقمار الصناعية/ رسالة نصية/ رسالة بريد إلكتروني).

حدّد الأفراد المسئولون عن إثبات الوجود (عند تكليف هؤلاء الأشخاص، فكّر في اختيار مناطق زمنية مناسبة، وحدد مستوى المخاطرة التي تنطوي عليها المهمة، وخطورة الوضع على الأرض، وخبرة فريقك في القيام بمهام إثبات الوجود؛ وإذا أمكن كلِّف أعضاء مختلفين في فريقك للاضطلاع بأجزاء مختلفة من المهمة).

حدّد ما إذا كان أحد الزملاء هو المسئول عن تلقي الإشعار بإثبات الوجود، فمتى ينبغي له أن يُخطِر المشرف.

تقييم أمن الآخرين:

وحدِّد المخاطر التي قد يواجهها الأشخاص العاملون أو المتعاطون معك (المترجمون ، والسائقين، والمصادر، والشهود المحليون وغيرهم). قيِّم موقف الفاعلين المحتمل ضلوعهم، واذكر في تقييمك أي مراقبة أو أعمال أو هجمات .

واستنادا إلى تحليل المخاطر السابقة، صِف التدابير المقترحة من أجل ضمان أمن الأشخاص العاملين مع فريقك أو المتعاونين معهم.

تقييم مخاطر الظهور:

اذكر ما إذا كنت أنت أو فريقك تخططون للعمل في العلن أو في الخفاء في البلد المعني، وصِف تدابير التصدي للمخاطر المرتبطة بكلتا الحالتين. صِف أيضا كيف ستدخل أنت وفريقك إلى البلد وكيف ستُعرِّف عن نفسك في المواقف المختلفة (على الحدود، عند نقاط التفتيش، أثناء التعامل مع السلطات).

وفي حال وُجدت مخاطر مرتبطة بالخصائص الفردية لأعضاء الفريق (كالجنسية أو الإثنية أو العرق أو نوع الجنس) حدِّد

إمكانية التصدي لها وسُبل ذلك، وصِف الحاجة، إن وجدت، لاتخاذ تدابير إضافية للحد من هذه المخاطر.

ب) التدابير المقترحة للحد من المخاطر المتوقعة:

تتنوع وتتعدد المخاطر.. فمنها المخاطر الميدانية في ساحة القتال (كتقاطع النيران والألغام الأرضية والقنابل العنقودية

والفخاخ المتفجرة والقصف المدفعي والجوي؛ والتفجيرات الإرهابية؛..الخ)

ومنها المخاطر الصادرة في الغالب عن وحدات مقاتلة نظامية، أو غير نظامية، أو عن عناصر إرهابية، أو إجرامية ( كالقتل، والحجز والاعتقال، والخطف والتعذيب، الخ)

ومنها المخاطر الصادرة عن الجماهير (كاحتمالية الاعتداء الجنسي أو السرقة أو الهجمات بالغاز المسيل للدموع أو العنف، أو الفوضى، أو مخاطر الحوادث المرورية..الخ )

ومنها المخاطر الطبيعية (كالأعاصير، والفيضانات، والزلازل، والبراكين، وحرائق الغابات، وغيرها)

ومنها المخاطر الجسمية والنفسية مثل: (الأمراض المنتقلة، والأمراض المعوية، والاضطرابات، والقلق، والتوتر، وغيرها).

والذي يعنينا في هذا الكراس التحدث عن بعض التدابير الواجب اتخاذها لمواجهة المخاطر، التي تقود إلى (الموت، أو

الاعتقال، أو الاختطاف، أو الاغتصاب) باعتبارها تشكل المخاطر الأشد وقعا على الصحفي أثناء تغطيته للأحداث في

الأوقات والأماكن الأكثر سخونة في العالم..ومن أهم هذه المخاطر:

أولا: مخاطر الموت، والقتل:

تتعدد وتتنوع أسباب وأدوات الموت والقتل، في ساحات الحرب، وفي المناطق التي تشهد صراعا حادا وداميا بين الخصوم ويقف على رأس هذه الأدوات (الأسلحة النارية بأنواعها المختلفة، والقنابل، والمتفجرات، والألغام المتعددة والمتنوعة)..  ولذا يجب على الصحفي المعد لتغطية أحداث الخطر، أن يعرف ولو القليل عن هذه الأدوات، ليتمكن من الوقاية منها:

أ) الأسلحة النارية:

المعرفة بالأسلحة وأنواعها ومداها وسعتها والفرق بينها يشكل ترياق الحياة للصحفي الذي يغطي الأحداث الساخنة في العالم، خاصة تلك التي تشهد قتالا ضاريا فيها.. حيث إن هذه المعرفة قد تساعده في اتخاذ القرارات المصيرية..رغم أنها تشكل فقط شذرات قليلة من هذه الأسلحة التي تستخدم في ساحات القتال (وهذه بعضها من تلك المعارف).

المسدس:

هو سلاح شخصي صغير، يطلق طلقة طلقة عند الضغط على الزناد (الياي)، وهو في الغالب يستخدم كسلاح دفاعي.

البندقية نصف الآلي:

البندقية شبه الرشاشة تكون دقيقة الإطلاق من على بعد يتراوح بين 70 إلى 100 متر، في حين تحقق البندقية عالية

السرعة دقة عالية من مسافة 200 إلى 300 متر في يد جندي مدرب .. أما غير المدرب جيدا فلا يحقق هذه الدقة، إلا أنه قد يصيبك بالخطأ.. والرصاص قد يرتفع إلى الأعلى لذلك يتعين عليك أن تبقي رأسك منخفضاً دوما.

البندقية الآلي:

تشكل الأسلحة الرشاشة الرئيسية السلاح القتالي لجميع جيوش العالم،  اليوم هي M-16 الأمريكية الصنع، و AK47 الروسية المعروفة بفاعليتها حتى في أسوأ الظروف.. وكلا النوعين قد تخرق الرصاصة فيه خوذة مصنوعة من الفولاذ، ومدى هذا السلاح 1000 متر تقريبا، وتكون دائرة الخطر ضمن مدى يبلغ 460 متر.. واعلم أن الأسلحة عالية السرعة (كالرشاش الآلي) تطلق الرصاصة بسرعة أكبر من سرعة الصوت، فإذا سمعت صوت الرصاصة فهذا يعني أنها قد أخطأتك، وإذا كان الصوت كفرقعات حادة وواضحة فهذا يعني أن الاشتباك قريب جداَ منك، مما يتطلب منك اتخاذ التدابير اللازمة لك. واعلم أن من يطلق وابلاً من الرصاص هو في الغالب جندي مرعوب أو غير مدرب جيداً، لان الجنود الجيدين يتدربون على إطلاق ما لا يزيد عن رصاصتين أو ثلاثة في الوقت نفسه.

البندقية القناصة:

البندقية القناصة لديها ماسورة أطول وأسمك وتثبت بها عدسات تلسكوبية للرؤية الدقيقة، وتبلغ دقة الإصابة من مسافة تصل إلى 600 متراَ، وذلك حسب مهارة القناص.. وغالباً ما يعمل القناصة بشكل زوجي لمضايقة القوات والمدنيين ولتدمير المعنويات..فقد يطلقون النار على ضحية ويستهدفون من يحاول إنقاذها.

الرصاص:

إن معظم الرصاصات مصنوعة من المعدن، فمعدن الرصاص العادي يكون مغطى بغطاء نحاسي.. وأما الرصاص الخارق للمدرعات، فيكون معدن الرصاص مغطىً بغطاء فولاذي صلب.. وأما الرصاص المطاطي فيكون مغطى بالبلاستيك، وهو أيضا رصاص قاتل.. أما الدمدم فهي رصاصات غير طبيعية يضعها الجنود بأنفسهم، وهي غير مشروعة وتستخدم حتى تسبب الضرر الأكبر للأعضاء الداخلية في الجسم لانفجارها إلى عدة أجزاء..وأما الرصاصات الخارق الحارق الفردية فإنها تحدث إصابة وحروق حول مدخلها للجسم، وأما الرصاصات الحارقة فقط فهدفها إشعال حريق في الهدف.. وأما الرصاصات الضوئية فتضيء المكان ليصبح بالإمكان توجيه النار على الهدف، ويجب أن تكون

حذراً عندما تنطلق مثل هذه الرصاصة الضوئية فوقك.

دقة الإصابة في السلاح الناري:

تميل المسدسات والبنادق الأوتوماتيكية وشبه الأوتوماتيكية، إلى الانحراف جهة اليمين، ومع طول المسافة تنحدر للأسفل.

وتتحدد دقة الإصابة في الأسلحة بجودة الصناعة، وبقدرة وخبرة الشخص المستخدم له، وبالحالة الذهنية من التعب والإرهاق..إلخ. أي أن ذلك يعتمد علي مستوي الجندي حيث يستطيع جندي مدرب أن يصوب نحو هدف بشري من مسدس على بعد لا يتجاوز الـ20 متراً فيصيبه بدقه، في حين أن جندياً قليل التدريب يصوب من نفس المسافة فلا يصيبه..وفي الحروب تزداد نسبة التوتر مما يقلل من دقة الإصابة.

إن هذه المعلومة تساعدك في أن تقرر كيفية أن تنسحب من المكان عند وجود ساتر، أو القيام بحركات دحرجة سريعة.

المدفعية:

المدفعية الأكثر استعمالا في الحروب الحديثة، إما المدفعية الثابتة، أو مدفعية الدبابات، يحقق قادة المدفعية دقة من خلال تحديد أبعاد الهدف واستخدام عدسات وإطلاق قذيفة واحدة أمامية وأخرى خلفية، ومن ثم حساب المدى والاتجاه للإطلاق. لذا فعليك كصحفي أن تحذر القذائف الفردية، حتى ولو أطلقت على أرض مفتوحة، ولو لم يوجد فيها أهداف، واعلم انه إذا ما أسقطت القذيفة على إحدى الجانبين، فيحتمل أن تكون الثالثة على مرمى الإصابة، لذا أسرع قبلها في الهروب.

واعلم أن مدى المدفعيات الخفيفة يبلغ حوالى 17 كلم، والمدفعيات المتوسطة 24 كلم، ومدى المدفعيات الثقيلة 30 كلم.

وقد يبلغ مدى قذائف بعض الدبابات من 2 إلى 4 كلم، لذا تحتاج إذا كنت قريباً من الدبابة عند الإطلاق إلى واق لأذنيك

الصواريخ:

يوجد من الصواريخ ما هو صناعة محلية، كتلك التي صنعتها المقاومة الفلسطينية، وهي تشكل مدى بسيط، وقوة تدميرية متواضعة بالنسبة للصواريخ التي تمتلكها الجيوش الحربية.

أما الصواريخ الحربية فهى سلاح العصر الحديث، حيث تستخدم عبر جميع الوسائل الحربية، بدءا بالطائرات حتى البوارج الحربية وانتهاء بقواعد إطلاق الصواريخ البرية.. وتطلق المدفعيات والطائرات الحربية صورايخ باستخدام “صواريخ ثانوية” تنتشر الشظايا فوق منطقة محيطها 500 متر من الانفجار الأساسي..ويبلغ مدى الصواريخ متعددة القواعد حوالي 30 كلم ويمكنها إسقاط 8000 قذيفة على منطقة بمساحة ملعب كرة قدم..

ب) القنابل والمتفجرات والألغام:

القنابل اليدوية:

القنابل اليدوية ذات الاستخدام الفردي، التي تستخدمها القوات النظامية، وغير النظامية، في الحروب بين الجيوش، وفي حرب العصابات..ومنها أنواع متعددة، أشهرها قنابل الميلز، وقنابل F1 ، وقنابل الصوت، وقنابل الدخان والألوان وغيرها.

ويمكن أن تتسبب بعض هذه القنابل في أنماط متعددة من القتل الإصابات.

المتفجرات:

إن أنماط الإصابات التي تنتج عن هذه المتفجرات مرعبة وفظيعة، وتتحدد مدى قوتها، بمحتوى وكمية المواد المستعملة في التفجير..وبطبيعة المكان..وبطريقة استخدام المواد المتفجرة..وبحسب المسافة التي تفصل الضحية عن التفجير..وبحسب وجود الحواجز الوقائية، وغيرها.. وتصنف إما (متفجرات عالية التفجير، أو متفجرات منخفضة التفجير)

1-المتفجرات عالية التفجير: تحدث صدمة بموجة صوتية عالية الضغط خلال 1 -1000جزء من الثانية قد تصل قوتها 700 طن.. وتتضمن أمثلة المتفجرات عالية التفجير مركبات مثل تي إن تي TNT ، الديناميت Dynamite ، C-4 ، نيتروجلسرين Nitroglycerin ، سمتكس Semtex ، ومركب ammonium nitrate fuel oil المعروفANFO .
2-المتفجرات منخفضة التفجير: فهي تخلق صوتا أخفض وصدمة ذات موجة منخفضة الضغط.. ومن أمثلة هذه المتفجرات منخفضة التفجير (مأسورات القنابل، والكواع (صناعة محلية)، وبارود البنادق والقنابل المرتكزة على البترول الخالص (المولتوف) وغيرها) .
والإصابات التي تخلفها هذه المتفجرات تختلف بحسب هذان النوعان من التفجيرات، فالقوة التي تخلفها المتفجرات الأولى ترجع إلى موجة التفجير (الأولية) وإلى الضغط الشديد الناتج عن الاندفاع الذي يولده المتفجر العالي التفجير، مما يسبب في الموت، أو الإصابات التي يرمز للآليات الأربعة الأساسية التي تخلفها من الأخف للأقوى على الترتيب (أولية وثانوية ودرجة ثالثة ورابعة).. وتتميز الإصابات التي تخلفها هذه التفجيرات بتغييرات تشريحية ووظيفية تتسبب فيها قوى الضغط المرتفع المباشرة أو الانعكاسية المسلطة على مساحة الجسم.. وبالتالي فان المصابين منها يعانون وبشكل سائد من جروح فظة ونافذة..يعتبر تهتك (انفجار) الرئة الإصابة الأكثر انتشارا فيها لهؤلاء الناجين من الموت بعد التفجير.

الألغام:

التوعية بمخاطر الألغام للصحفيين مهمة جدا، حيث تجعلهم مدركين للمخاطر التي تنجم عن هذه الألغام، وتشجعهم على أن يكون سلوكهم مؤدياً إلى تقليل تعرّضهم لهذه المخاطر، وتسهم بالتالي في الحدّ من احتمالات التعرّض لإصابات بدنية بسبب تلك الألغام التي لم تنفجر بعد، والتي تمتد على مسافات شاسعة تعرف بحقول الألغام.. وتنقسم هذه الألغام إلى:

الألغام المضادة للأفراد:

لعل هذا النوع من الألغام هو الأخطر على الإطلاق وهو الذي يشكل المشكلة الأساسية، حيث توقيع الاتفاقيات العالمية التي تجرم استخدام الألغام المضادة للأفراد، إلا أن المشكلة لازلت قائمة..والألغام الأرضية تتكون بشكل عام من هيكل بلاستيكي أو من مادة غير قابلة للصدأ، أعلاه مساحة عريضة أسفلها طارق مرتبط ب«ياي» ينطلق عندما يطأه الفرد ليفجر شحنة التفجير المبدئية في المنتصف التي تفجر الشحنة الناسفة الأساسية (هذه الطريقة تشبه طريقة تفجير الرصاصة العادية)..ويتألف اللغم من حشوة من البارود السريع الاشتعال والخرادق السامة، الفتيل، نابض وإبرة، وعند اهتزاز الأرض تضرب الإبرة النابض فيشتعل الفتيل ويؤدي للانفجار السريع..وهذه العملية تستغرق لحظة واحدة.. ومن أنواع هذه الألغام الأرضية:

-الألغام الفردية العادية: عبارة عن عبوات ناسفة مصممة لقتل أو تشويه من يدوس عليها، أثناء القتال، وحتى بعد انتهاء القتال..وهذه الألغام المستهدفة للبشر تكون على عدة أشكال ويتم تفجيره بواسطة الضغط عليه، وتحتوي ألغام الشظايا مواد مصممة للقتل أو التشويه في مساحة واسعة.. وينفجر اللغم المضاد للأفراد إذا ما وطأه وزن معين وليكن 80 كلغ أقل للشخص البالغ، وبمرور الزمن وبفعل عوامل الصدأ والرطوبة والتعرية يقل الوزن المطلوب لتفجير اللغم فينطلق عند أي وزن يمر عليه..ومن الألغام الأرضية للأفراد، ما يسمى:

-الألغام الفردية الطيارة: التي يمكنها أن تقفز على ارتفاع يزيد عن متر فوق مستوى الأرض عندما تنفجر وتخرج من هذه الألغام شظايا قاتلة تصل إلى مسافة 200 متر..وهذه الألغام صغيرة وخفيفة الوزن يمكن إلقاؤها من الطائرات المروحية.

-وأما ألغام “الفراشة”: فهي الأسوأ لأنها تجذب الأطفال بشكلها.. وهذه الألغام تكون عادة مغطاة أو مخفية..كما أن هناك أنواع من الألغام يكون لها أسلاك تربط فيما بينها، وما أن يتعثر بها شخص حتى تنفجر فيه.

المرور من حقل ألغام أفراد:في ظروف الحروب يقوم الجنود بالزحف الحذر، ويتوقفوا عندما تظهر علامة على أن هذه المساحة هي حقل ألغام، (وتكتشف عادة بالانفجار في أحد المعدات أو الجنود) وعندما يريد الجنود أن يمروا من خلال

هذا الحقل ينقبون الأرض بحراب بنادقهم ويضعون علامة على مكان اللغم، حتى يفتحون طريقاً آمنا ليمر الجميع .

الألغام المضادة للدروع:

هذه الألغام في العادة موجهة لصد الدبابات وهي تنفجر في العادة أذا ما مر عليها وزن أعلى من 150 كلغ.. (من الممكن للجنود والأفراد أن يمروا عليها بأمان دون أن تنفجر) وتنفجر إذا ما مرت عليها ناقلات الجنود وما إلى ذلك من العربات العادية.. ولا تزال الدبابات على اختلاف أنواعها وتسليحها ضعيفة في مواجهة الألغام المضادة للدبابات، فعلى أقل تقدير إن لم يتسبب انفجار اللغم في تفجير دروع الدبابة، فانه سوف يتسبب في قطع – الجنزير- الذي تسير عليه الدبابة فتتعطل إلى أن تأتي قوات الإمدادات والدعم وهو شيء مستبعد حدوثه في وقت قصير خلال ظروف المعارك.

المرور من حقل ألغام مركبات: يتم ذلك باستخدام دبابة كاسحة ألغام، وعادة ما تتولى وحدات من المهندسين العسكريين مهام إزالة الألغام، ففي البداية يتم فتح طريق آمن بفعل كاسحات الألغام، ثم يأتي دور الفرق الهندسية الفنية التي تقوم بمسح المساحات بعد تقطيعها إلى مساحات منتظمة بأجهزة كشف المعادن والمتفجرات، ويتم التعامل مع الألغام كل على حدة، وهي عملية تنطوي على كثير من الخطورة، إذ أنه في بعض الأحيان تكون الألغام شراك خداعية على شكل لغمين فوق بعضها البعض، ما أن يزال اللغم الأعلى حتى ينفجر الذي أسفله لأنه غير ظاهر، لذلك فالخبرة هامة جداً في هذا المجال، والحذر إضافة إلى الالتزام بقواعد سلامة الأمان وارتداء المعدات الوقائية توفر التقليل من الأخطار قدر الإمكان.

الاعتداء الجنسي:

الاعتداء الجنسي غالبية الضحايا فيه من الصحفيات، لكن هناك بعض الصحفيين تعرضوا له، ولا يخوضوا في غماره.  ولتلافي ذلك العمل المشين ينبغي على الصحفيين أن يعملوا برفقة زملاءهم، أو مع موظفي إسناد، أو مساعدين محليين. كما يشكل وعي الصحفي للبيئة التي هو فيها، شيئا هاما له، حيث يجعله مدركاً للظروف المحيطة به، ويفهم الكيفية التي يتم تصوره بها لتلك البيئة، خاصة ثقافة وعادات وتقاليد تلك البلد، مما يظهرهم بمظهر الألفة والثقة للبيئة التي هم فيها، ويتجنبوا إقحام أنفسهم في مخاطرة هم في غنى عنها..كما أن من تدابير الحماية للمهمة تكون برفقة هؤلاء الصحفيين مرافقون ومترجمون وسائقون من السكان المحليين، وخاصة أثناء السفر في مهمات تنطوي على وجود ظروف خطرة.. وعلى موظفي الإسناد أن يراقبوا المستوى الأمني الكلي للوضع، وأن يحددوا المخاطر المحتملة أثناء قيام الصحفي بعمله.

وأما الصحفيات فهن أكثر عرضة للاغتصاب، مما ينبغي عليهن أن يرتدين ملابس محافظةً بما يتفق مع العادات المحلية؛ فربما يكون ارتداء غطاء الرأس بالنسبة للصحفيات في بعض المناطق، أمراً محبذاً.. كما وينصح بتحاشي ارتداء الفانيلات (تي شيرت) وبناطيل الجينز الضيقة، والماكياج، ولبس المجوهرات، ليتحاشين جلب الانتباه غير المرغوب فيه.

وعليهن ارتداء أحزمة وأحذية ثقيلة يصعب خلعها بالإضافة إلى ملابس فضفاضة.. كما ينبغي عليهن ألا يلبسن عقوداً أو يربطن شعرهن كذيل الفرس، أو يرتدين أي شيء يسهل إمساكه.

كما وينبغي على الصحفيات أن يرتدين خاتم الزواج، أو خاتم يشبهه، بغض النظر عما إذا كن متزوجات أم لا.

كما أن عليهن حمل المعدات مخبأة في حقائب عادية يصعب تمييزها مما يقلل من الانتباه غير المرغوب فيه لهن.

كما أن عليهن حمل بخاخ برذاذ الفلفل أو حتى بخاخ مزيل العرَق لردع المعتدين.

وينبغي عليهن أن يدركن أن الإيماءات الدالة على الألفة واللطف، كالابتسام حتى مع الزملاء، قد يُساء فهمها وقد تثير الاهتمام غير المرغوب فيه.

ويقول الخبراء إنه على الصحفية ألا تختلط عند التغطية الصحفية مع جمعٍ سواده الأعظم من الذكور، بل أن تظل قريبة من الأطراف وأن تضع في بالها مساراً للهروب.

وعليها اختيار فندقاً فيه حراس أمن -كلما أمكن- وعليها تجنب الغرف التي لها نوافذ أو شرفات يسهل الدخول منها.

وعليهن استخدام جميع الأقفال المركبة على أبواب الفندق، واستخدام قفل خاص بها، وجهاز إنذار لمقبض الباب.

ويرى الخبراء أن تحاول الصحفية تجنب الأوضاع التي تزيد من حدة المخاطرة، مثل: التواجد في مناطق بعيدة دون رفيق موثوق؛ وركوب سيارة أو سيارات أجرة غير رسمية يوجد بداخلها غرباء؛ واستعمال المصاعد أو الممرات التي قد تكون فيها وحيدةً مع غرباء؛ أو تناول الطعام في الخارج وحيدةً، وقضاء أوقات طويلة لوحدها مع المصادر أو موظفي الإسناد.

وعليها حمل هاتفاً نقالاً فيه أرقام الأمن، ومن ضمنها الأرقام المهنية وأرقام الطوارئ المحلية، وتكون متحفظة في إعطاء أية معلومات شخصية..وينبغي أن تحافظ على الاتصال المنتظم مع محرري غرفة الأخبار في المؤسس.

ويوجب إذا ما شك الصحفي أو الصحفية أن اعتداءً جنسياً أصبح وشيكاً، عليه أو عليها، حسبما يقوله الخبراء، أن تقول شيئاً من أجل تغيير المجريات..مثل أن تصرخ طالبة المساعدة إذا ما كان الناس ضمن مسافة السمع أو أن تقول بصوت عالٍ شيئاً غير متوقع مثل “هل تلك سيارة شرطة؟” أو تقوم بإسقاط أو كسر أو رمي شيء يمكن أن يسبب إجفالاً.

ولذا نؤكد على أن حماية الصحفي لحياته والحفاظ عليها في مواجهة الاعتداء الجنسي، هي القاعدة الإرشادية العامة..

وعليه نوصي بأن يتعلم الصحفيون والمصورون والمراسلون مهارات الدفاع عن النفس من أجل مقاومة المعتدين وصدهم.  ولكن عند ذلك يؤخذ بعين الاعتبار، نوع المهاجمين، وعددهم، وما إذا كان لديهم سلاح ناري، وما إذا كان الاعتداء في مكان عام أم خاص، وهل يحاول مهاجموك أخذك لمكان آخر للاعتداء عليك.

وننوه إلى انه قد يمكن أن يقع الإيذاء الجنسي عندما يكون الصحفي/الصحفية معتقلاً لدى حكومة أو رهينة عند قوات غير نظامية..ولذا فإن القيام ببناء علاقة مع حارسه أو محتجزه قد يقلل من خطر كافة أشكال الاعتداء عليه، لكن على الصحفيين أن يدركوا أن الأذى قد يقع عليهم وقد لا يتاح لهم الدفاع.

ولذا يجب على للمؤسسات الإعلامية أن تدرج إرشادات حول خطر الاعتداء الجنسي في كتيبات الأمن الخاصة كوسيلة

لزيادة الانتباه وتشجيع النقاش..وأن تحدد البلدان التي يكون فيها الاغتصاب السلاح الأشهر، والخطر الأكبر، وكذلك توضيح الأماكن التي يشيع فيها الاعتداء الجنسي.

ويمكن للمؤسسات أن تضع سياسات واضحة حول كيفية الاستجابة لحالات الاعتداءات الجنسية، بحيث تتعامل مع احتياجات الصحفي من الدعم الطبي والقانوني والنفسي.

ويجب على المدراء الذين يتعاملون مع حالات اعتداء جنسي أن يراعوا رغبات الصحفي من حيث السرية وأن يتنبهوا إلى التأثير العاطفي لهذه التجربة.

وينبغي على مدراء التحرير أن يخلقوا مناخاً يستطيع الصحفيون فيه أن يبلغوا عن الاعتداءات دون الخوف من فقدان مهمات مستقبلية ويشعرون فيه بثقة في الحصول على المساندة والمساعدة.

عمليات الاختطاف

لقد حدثت عمليات اختطاف لصحفيين بشكل كبير، خاصة في مناطق الحروب والصراعات العنيفة.. واختلفت الدوافع التي تقف خلف هذه العمليات، فكانت مقابل فدية مالية، أو مكاسب سياسية، أو لتبادل مختطفين، أو لأغراض أخرى.

ويعتبر احتجاز الرهائن ظاهرة نادرة نسبيا، تشكل موقفا مأساويا ومؤلما، يولد آلاما نفسية غائرة..ومعظم الأشخاص الذين كانوا يحتجزون كرهائن يعانون من هذه التجربة لسنوات طويلة، لأنه عندما يحتجزك شخص كرهينة تشعر بخوف وبهول

الموقف فتفقد السيطرة على شخصك وعلى مستقبلك، لعلمك بان من يختطفك يستطيع أن يفعل بك ما يريد.

ولتجنب مثل هذه الأمور يتطلب اخذ الوقاية، التي هي خير من كل علاج..وهذا يتطلب التقيد بالتالي:                    -السفر دوما ضمن فريق في المناطق الخطرة مع التأكد من أن مدراء التحرير وربما أشخاص محليين يعرفون عن خط سيرك وتحركك.

-قم بإعداد خطة طوارئ تحتوي على معلومات الاتصال بأشخاص وجماعات يجب الاتصال بهم في حال اختفائك.

-حدد مسبقا مع مدراء التحرير والأشخاص الذين تثق بهم ممن يراد الاتصال بهم، طول الفترة الزمنية التي يجب عندها أن يفسروا انقطاعك عن الاتصال بأنه حالة طارئة.

-إذا ما وقعت رهينة فقد يكون أول شيء يقوم به الخاطف هو البحث عن اسمك في الإنترنت.. لذا سيرى الخاطفون كل شيء مكتوب عنك في الشبكة، مثل: أين عملت والملفات التي غطيت أخبارها، وتعليمك، وارتباطاتك الشخصية والمهنية، وربما قيمة منزلك وثروة أسرتك.

-التدريب بخصوص التعامل مع البيئة العدوانية، وعلى آليات التغلب على المشكلات وأساليب البقاء، وإنشاء علاقة مع محتجزيك؛ فهو إجراء قد يقلل من فرصة قيام حراسك بإيذائك..أي تعاون مع الحراس ولكن لا تحاول استرضاءهم.

-وضّح لخاطفيك دورك غير الحربي، كمراقب فقط وأن عملك ينطوي على نقل رواية جميع الأطراف.

-سر بخطى ثابتة في كافة مراحل المحنة وحافظ قدر الإمكان على رباطة جأشك من الناحية العاطفية.

-ينبغي على الصحفيين الذين يتم احتجازهم كمجموعة أن يتصرفوا بطريقة تقود الحراس إلى إبقائهم معاً وليس إلى الفصل بينهم. وقد ينطوي ذلك على التعاون مع أوامر الحراس وإقناع الآسرين بأن بقاء الصحفيين معاً سيقلل من جهد العمل.

-ينبغي على الصحفيين أن يقدموا لبعضهم الدعم المعنوي والعاطفي خلال فترة الأسر.. فهذا يسهم في حفاظهم على تماسكهم وزيادة فرص تحرير كل أسير منهم بنجاح.

-لا تفكر في الفرار إلا نادرا جدا، عندما تنشأ فرص للفرار من الأسر فقط، ولكن الكثير من الصحفيين المخضرمين

يحذرون من أن الفرص في النجاح ضئيلة إلى أبعد الحدود، مما يزيد من احتمالية الموت نتيجة فشل المحاولة.

-من المطلوب أن يتعاون مدراء التحرير وأفراد الأسرة معاً لتحريرهم.. فحالما يتم تأكيد وضعية الاختطاف، ينبغي عليهم الاتصال مع ممثلي الحكومات في بلد الرهينة بالإضافة للسلطات في وطن المؤسسة الإعلامية، التي ينتمي الصحفي.

-مدراء التحرير والأقارب قادرين، وربما غير قادرين، على التأثير على القرارات بشأن قيام الحكومة بعملية إنقاذ للرهائن.

-قد يحاول الخاطفون إجبار المؤسسة الإخبارية على نشر دعاية لوجهة نظرهم أو تغطية أحادية الجانب لها.

-في شكل آخر من أشكال الإكراه، قد يطالب الخاطفون بأن يقول الصحفي بعض العبارات الدعائية على تسجيل مصور.. والقرار في ذلك يعتمد بالكامل على الظروف والأشخاص الضالعين في الموضوع

-أحيانا ليست التهديدات تكتيكاً تهدف إلى تخويف الصحفيين الناقدين فحسب، بل تهديدات تعقبها اعتداءات فعلية.. لذا يجب أن تأخذ التهديدات على محمل الجد مع إيلاء اهتمام خاص لتلك التهديدات التي تشي باستخدام العنف الجسدي.

-قم بإبلاغ مدير التحرير ومن تثق به من زملائك عن التهديد وتأكد من أنهم يعرفون بتفاصيل التهديد بما في ذلك طبيعة ذلك التهديد وكيف ومتى تلقيته.

-يمكن للصحفيين الذين يتعرضون للتهديد أن يفكروا في تغيير مجال التغطية مؤقتاً أو بصورة دائمة، وهنا على مديري

التحرير أن يتشاوروا بعمق مع الصحفيين الذين يواجهون تهديدات وأن يعملوا على الإسراع في تغيير مهماتهم إذا ما طلبوا

ذلك لغايات الحفاظ على سلامتهم.

-إذا كنت هدفا محتملا للاختطاف فكر في مدى سهولة احتجاز الخاطفين لك..فعادة ما يحتجز الخاطفون الهدف الأسهل، وهم يحتاجون إلى فترة للاستطلاع يبحثون من خلالها على أنماط لأحداث ومواقف معينة تكون فيها فريسة سهلة لهم..ولذا فقد تراقب وأنت في منزلك, أو في الفندق، أو مكان العمل.

-وكلما كانت تصرفاتك سهلة التوقع كلما اشتد الخطر عليك، لذا يفضل أن تترك مكان الإقامة في أوقات مختلفة كل يوم  أو بنمط مضطرب, أو بسلوكك طرقا مختلفة.

-حاول أن لا تكون لك طرق تجوال يمكن التنبؤ بها, أو كن مدركا للأوقات التي  يمكن أن تتعرض فيها لخطر شديد.    -إذا كنت تسكن منزلا مؤجرا أو بناية مؤجرة تأكد من كفاية الترتيبات الأمنية فيها

-تحتاج إلى إتباع حاستك في اتخاذ الإجراءات الأمنية الضرورية. وعندما تعد ترتيباتك احذر أن تتصل باستخدام هاتف حجرة الفندق. وبدلا من ذلك استعمل هاتفا نقالا أو عموميا. واختره بشكل عشوائي. تذكر أنه يمكن تعقب كافة الاتصالات الإلكترونية. وعندما تتجول في سيارتك, تأكد أن الأبواب مغلقة دائما, فأنت عرضة للخطر في المدن عندما تتوقف عند إشارة ضوئية , وفي المناطق الريفية عندما تجبر على التوقف بسبب مطب أو حادث ما.

-قد يكون الحادث الذي يغلق طريقا ما عبارة عن كمين منصوب لك.. إذا لم تستطع أن تواصل المسير توقف على بعد مسافة معينة لتقيم الوضع وتحاول أن تجد منفذا أو طريقا سالكا.

-إذا كنت ترتب للقاء شخص في مكان تخشى فيه على حياتك أحرص على أن يكون اللقاء وفقا لشروطك أنت..اختر مكانا كمقهى مثلا بشكل عشوائي وطاولة في زاوية يجلس عليها مجموعة من الأشخاص..واحذر من تغييرات اللحظة الأخيرة في الترتيبات وخصوصا تلك التي تعطى فيها  فسحة قليلة من الوقت أو الجدل.

-عادة ما يحصل الاختطاف فجأة.. وعندها عليك أن تعد تقييما سريعا لما يحدث وتتصرف بسرعة.. ولا يمكن لأحد أن يوازن الأمور عنك..وخاصة إذا كان الخاطف مسلحا، مما قد لا يكون لك خيار إلا التسليم.

-إذا لم يكن الخاطف مسلحا فقد تصدر صوتا أو تصرخ كي تلفت الانتباه..ويقوم البعض بالتظاهر بالإغماء حتى  يصعب على الخاطف حمله في السيارة.

-في الهجوم يعتمد الخاطف على اندهاش وعدم جاهزية هدفه.. والصراخ يرفع نسبة هرمون الأدرينالين في جسمك وهذا يسهل عليك المقاومة.. إلا أن هناك خطر قائم في المقاومة، لكن الخطر الذي تتعرض قد يكون اقسي عليك.

-لا يكون الاختطاف مفاجئا وعنيفا على الدوام حتى لو كان واضحا أنك أخذت إلى مكان ما رغما عنك.

-عندما يكون الصحفي بداخل السيارة مع أشخاص لا يعرفهم وفي مكان لا يعرفه وإلى وجهة لا يستطيع أن يحددها, يفقد عندها السيطرة على الوضع وتصبح مسألة عودته بتقرير صحفي أو احتجازه كرهينة مسالة حظ.

-عليك أن توازن بين إجراءك للمقابلة أو تعرضك للخطر.. فالصحفي الذي لا يغامر أبدا لا يقوم إلا بعمل روتيني ولن ينجز تقريره الصحفي الذي يبغي..غير أنه من الغباء أن تقدم على شيء  على أساس أن احتمالية الاختطاف غير واردة.

ومن الأمور التي تساعدك في النجاة من الاختطاف:

- الحفاظ على اليقظة الذهنية والسلوك الإيجابي.

- إقامة علاقة مع الخاطفين.

- الانصياع للأوامر.

- سلوك روتين إيجابي.

- المطالبة بتحسين ظروفك.

- التحدث والتخطيط مع شخص وهمي.

- عدم تصديق الوعود بإطلاق السراح حتى يتم فعلا.

- تذكر أن معظم الأشخاص ينجون من هذه التجربة ويعودون بسلام. فخبرات أولئك الذين ينجون من حوادث الاختطاف توحي إليك بان هناك ما يمكن فعله ليزيد من فرص نجاتك ويسمح لك بتحمل الأوقات الصعبة.

- قد تفقد قواك الجسدية ولكن لا تفقد السيطرة الذهنية. يجب أن تتحمل فترة التوتر الذهني والجسدي. وحتى تنجو فإنك تحتاج إلى سلوك ذهني إيجابي. وحاول قدر المستطاع أن لا تظهر مشاعرك وعواطفك. استخدم مشاعرك الإيجابية للتخطيط بكيفية التصرف. هناك العديد من الأشياء يتعين عليك عملها على المدى القصير والبعيد.

- لا تسمح لخاطفيك أن يعاملوك بوحشية. وإن استطعت أن تقيم علاقة معهم فقد تقلل من المخاطر الجسدية التي قد تقع عليك. تحدث عن العائلة مثلا وضع صورا لعائلتك بحيث تنظر إليهم وتتحدث عنهم أمام الخاطفين.

- تصرف كما يطلب منك , كن مهذبا ولا تقم عداوة معهم.

- لا تحاول في الوقت أن تطلب رضاهم, فحتى لو كنت متعاطفا مع قضية ما فأنت لست في (صفهم) لأنك أسيرهم. وإذا سمح لك التحدث مع خاطفيك فلتكن رسالتك الرئيسية أنك صحفي وغير مشترك في نزاعاتهم , وأن الصحفيين يلعبون دورا رئيسيا يضمن سماع كافة الأطراف بعدالة.

- تصرف وكأنك ستبقى طويلا وحاول أن تتكيف بأقصر وقت. وحاول أن تكون يقظا طوال الوقت..فأنت لا تعرف المدة التي ستبقى محتجزا خلالها.

- استخدم أية طريقة لديك للاسترخاء. فكر فيم ستقوم به عند عودتك للبيت, كالذهاب في نزهة مع الأصدقاء والعائلة. اكتب رسالة في مخيلتك,  وحاول أن تتذكر أبياتا من الشعر.

- إذا احتجزت ليوم أو أكثر ابدأ بطلب أشياء معينة حتى تحصل على بعض التنازلات البسيطة..فطالب بحسن المعاملة

كأن لا تبقى مقيدا، أو أن تعطى صابونا لتغتسل به, أو أن يسمح لك بكتابة رسالة لابنتك، أو أن يبقى الرهائن معا.

- حاول أن لا تقيم عداوة مع خاطفيك ولكن كن ملحا في حدود المسموح به وحسب الظروف المتاحة. وليكن طلبك متكررا كل يوم. فإذا كان بمقدور الخاطفين تحقيق الطلب بدون مخاطرة فقد يذعنوا لطلبك. ويعتبر ذلك انتصارا فكريا بسيطا. كن ممتنا لهم واشكرهم, ثم انتظر قليلا وطالب بشيء آخر.

- إذا كنت بمفردك وخصوصا إذا كنت تعامل بوحشية , حاول أن تخفف من شعورك بالوحدة بأن تخاطب ربك أو أن تصلي. كما يمكنك أن تبتدع  حوارا مع شخص تحبه أو صديق تثق به واطلب منه النصيحة  للنجاة.

- لا تصدق وعودا لإطلاق سراحك. فإن كانت هناك مفاوضات فقد تطول. وقد يشعر خاطفوك بتفاؤل لا أساس له , أو

أنهم يلاعبوك. تصرف وكأنك ستظل أسيرا لفترة طويلة. فهذا سيساعدك في الحفاظ على رباطة جأشك ويخفف من شعورك بالإحباط والانجراف وراء الأمل الزائف هو أسرع الطرق التي تضعف من عزيمة الإنسان.

- هل ينبغي أن تحاول الهرب؟ إذا كان آسروك على درجة عالية من الكفاءة، فسيتكبدون عناءً شاقاً في حراستك..ومن المحتمل أن تبوء أي محاولة للهرب من جانبك بالفشل ما لم تتدخل عوامل خارجية أو ما لم يكن لديك عنصر مفاجأة. وتعتمد مسألة محاولة الهرب على وضعك الجسدي وعلى قوتك الذهنية وعلى الظروف. فإذا كنت أسيراً وفي وضع جسدي جيد عليك أن تتنبه دوماً لأي قصور في الحراسة في مكان احتجازك. بيد أن عواقب أي محاولة هرب فاشلة قد تودي بك إلى وضع أسوأ من الذي كنت عليه.

- إذا قررت جازماً أن حياتك في خطر محدق فعليك أن تحاول الهرب وعليك أن تبذل أقصى قوتك سواء من ناحية

الإرادة أو الجهد الجسدي حتى النهاية. وتذكر أنك إذا كنت محتجزاً في مكان ضيق لأية فترة زمنية ستجد أن الركض غدا أصعب وتحملك غدا أضعف. وفي حال نجاحك في الهرب من سجنك الحالي، فإما أن تتجه إلى أقرب مكان عام يتواجد فيه أناس كثر وتصدر أكبر قدر ممكن من الإزعاج، أو أن تختبئ وتحاول الوصول إلى بر الأمان بالتدريج.. وهذا يعتمد على مقدار أمن الحي المحتجز فيه.

الخطر المتوقع من مقابلة كبار المجرمين:

-ابدأ بمقابلة المصادر التي تعتبرها الأكثر أهلاً بالثقة، ثم توجه تدريجياً نحو المصادر التي قد تكون أكثر عدائية.

-حدِّد مقدار المعلومات التي تكشف عنها حول تحقيقك الصحفي.

-تتطلب السلامة في تغطية شؤون الجريمة والفساد إعمال التفكير العميق عند التحضير وتقييم المخاطر.

-قبل الشروع في العمل على أية قصة ممكن أن تكون خطيرة، قم بمراجعة شاملة للتقارير الإخبارية والوثائق الرسمية وسجلات المحاكم والتحدث مع أصدقاء لهم خبرة في مجال المراسلة الصحفية ومصادر محلية موثوقة واسعة الاطلاع.

-اعتبارات السلامة ليست مسؤولية الصحفي وحده بل ومسؤولية المؤسسة الإعلامية التي تعتزم نشر أو بث التقارير.     -ينبغي أن يدرس مديرو الأخبار تدابير أمنية محددة لحماية المرافق والصحفيين وفي بعض الحالات عائلات الصحفيين.

-يوصى عند تغطية أخبار شخصيات خطيرة كشخص يشتبه في أنه مجرم أو إرهابي، أن يكون التقييم مصحوباً بخطة طوارئ في حالة أصبح الصحفي أو مصادره عرضة للخطر.

-ينبغي أن يحدد التقييم الفاعلين الأشد خطورة والقضايا الأشد حساسية في التحقيق وأن يقيّم المخاطر التي قد تنشأ.

-إن السؤال الخطأ في الوقت الخطأ للمصدر الخطأ في مثل هذا التحقيق قد يعرض الصحفي أو أياً من مصادره للخطر.

-من الأفضل أن تبدأ تقاريرك الإخبارية بمقابلة المصادر التي تحظى بأكبر قدر من ثقتك ومن ثم العمل تدريجياً باتجاه

أولئك الذين قد يكونوا أكثر عدائية.

-لحماية نفسك ومصادرك ضع حدوداً لمقدار ما ستكشف عنه بشأن التحقيق الذي تجريه.

-يُحبذ أن يجري الصحفي والمحرر المسئول، مع نهاية التحقيق، تقييماً منفصلاً للمخاطر يسهم في معرفة ما إذا كان

يتوجب مفاتحة الشخص المشتبه في أنه مجرم والذي قد يكون موضوع القصة وكيفية مفاتحته.

-يجب أن يشتمل هذا التقييم على تقدير لمستوى المخاطرة ومجموعة من الخيارات الخاصة بمفاتحة الشخص وتقييم لردود الفعل المحتملة للمشتبه به.

-يجب أن يشتمل التقييم على بروتوكولات واضحة تكون أساساً لكيفية وموعد قيامك بالتواصل بأمان مع مدير تحريرك وربما مع الزملاء الموثوق بهم.

-يمكن القيام بذلك من خلال مجموعة من الطرق -ابتداءً من البريد الإلكتروني إلى المكالمات الهاتفية- والتي يمكن أن تنطوي على شفرة بسيطة تدل على ما إذا كنت تعتقد أنك في مأمن أم في خطر.

-ينبغي على الصحفيين تفحص حالة دوائر إنفاذ القانون؛ إذ يجب على الصحفيين في المناطق التي تكون فيها هذه الدوائر ضعيفة أو فاسدة أن يتوقعوا مستويات أعلى بكثير من المخاطرة وأن يعدلوا طريقتهم بناء على ذلك.

-يجب عليك كصحفي التنبه إلى الطريقة التي يُنظر بها إليك وإلى مؤسستك الإعلامية في مجتمع الأفراد الذين تغطيهم في تقريرك.

-عند القيام بأي تحقيق صحفي في مجال الجريمة، تذكر أن الخطر الأكبر قد لا يتمثل في إعداد التقارير عن الجماعات الإجرامية بحد ذاتها، بل عن شبكة الفساد الرسمي التي تحميها، ولذا يُنصح باتخاذ الحذر الشديد في كثير من بقاع العالم.

-يرغب الصحفيون الذين يحققون في الفساد الرسمي أو أي شكل من أشكال التواطؤ مع جهات إجرامية في إنتاج قصة تمويهية لاسيما للمصادر التي يحتمل أن تكون عدائية. ولذا، يجب أن تكون القصة ذات مصداقية واسعة بما يكفي لتحوي التحقيق الفعلي دون أن تضحي بالشأن المحدد موضوع التحقيق.

-غالباً ما تكون الفترة التي تسبق نشر القصة الإخبارية فترة خطرة، وعلى الصحفيين أن يحترسوا لما يتفوهون به ولمن ومتى يقولونه.

-قد تلجأ الأهداف العدائية والمحتمل أن تكون عنيفة إلى عمل استباقي إذا ما علمت أنها المستهدفة.

-من المسائل المهمة معرفة ما إذا كانت مفاتحة أشخاص يُشتبه أنهم فاعلون إجراميون أمراً يمكن القيام به على نحو آمن تحت أي ظرف.

-يجب على المراسلين ومديري التحرير في الدول التي تشكو فيها دوائر إنفاذ القانون من الضعف أن يتخذوا القرار الواقعي والأخلاقي من حيث ما إذا كانت متابعة القصة أو تسمية مرتكبي الجرائم المزعومين تستحق المخاطرة أصلاً.

وإذا ما اتخذ قرار بالتحدث إلى أهداف يحتمل أن تكون عدائية ينبغي على مديري التحرير أن يعرفوا مقدماً أن زميلاً سيرافق الصحفي أو يراقبه.

-على الصحفيين أن يُفهموا الأهداف العدائية أن هؤلاء لا يتحدثون لمجرد شخص بل لمنظمة إعلامية تخطط لنشر

القصة.

-ربما تكون مفاتحة بعض الأهداف داخل السجن أمراً شديد الخطورة. لذا، فمن المستحسن في بعض الحالات أن تتم

مفاتحة محامي الهدف بدلاً من الشخص المستهدف نفسه.

- ينبغي إفهام الشخص المستهدف أو محاميه أن أمر القصة الصحفية قد تم وأنتهي منه وأنك تسعى للحصول على تعليق منه لأسباب أخلاقية وقانونية.

-في حال غياب محامي الدفاع، عليك أن تقيّم ما إذا كان التحدث مع الشخص المستهدف عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني أو بالبريد الخطي أمراً عملياً أو مأموناً.

- تحدث بصراحة مع مدير التحرير المسئول حول الأوضاع التي قد يكون الشخص المستهدف فيها شديد العدائية بحيث تتعذر مفاتحته.

الاختطاف خلال مقابلات الشخصيات الخطرة: إن حرصك كصحفي على مقابلة شخص خطر، يوجب عليك أن تهتم:

-بالسجل السابق للشخص الذي تنوي مقابلته: هل تم إجراء مقابلة معه من قبل , وهل التزم بوعوده؟ من الذي يجري معه المقابلات عادة؟ فإذا كان الشخص أو المجموعة نادرا ما يسمح بالمقابلات , فلماذا الآن؟ ولماذا أنت بالذات؟ يجب أن تشعر بالقلق إدا لم يعطى سبب واضح لاختيارك لإجراء مقابلة ما.. احذر فرغبتك الطبيعية في إجراء مقابلة ما قد تؤثر في حكمك على الأشياء. يجب أن لا تتخذ قرارا بمفردك.

-القوة الحقيقية لاتصالاتك ومدى تأثيرها: هل وسيطك شخص تعرفه منذ سنوات أم أنه شخص التقيت به منذ فترة وجيزة؟

الصداقة العابرة ليست ضمانا لسلامتك. فقد يكون الصديق الجديد على صلة بخاطفين محتملين, أو بالشرطة أو بقوات الأمن. فإذا كانت نية هذا الوسيط سليمة , فهل له تأثير بخصوص إجراء المقابلة؟ وهل من السهل العثور عليك؟ ومن الذي يعرف مكان وجهتك ونوع رفقتك؟ وما الإجراءات المتبعة في حال عدم رجوعك أو اتصالك خلال فترة زمنية محددة؟ وهل سيكون هؤلاء الأشخاص قادرين على تتبع أثرك؟ يعمل الخاطفون داخل مناطق يعرفونها جيدا ويشعرون فيها بالأمان, ودليل ذلك إمكانية نقل الرهائن بسهولة ويسر من غير اكتشاف هذه التحركات.

إذا قررت الاستمرار في هذه الترتيبات الخطيرة فاترك تعليمات واضحة حول المكان الذي ستذهب إليه.. واتفق مع آخرين على كلمات سرية يمكنك استخدامها في مكالمة هاتفية حتى يعرف الشخص الآخر إذا كنت في وضع امن, وأعط حدودا زمنية يبدأ بعدها الأشخاص بالبحث عنك.. ويجب أن تكون الرموز كلمات تظهر بأنك في وضع آمن وليس العكس.

فإذا اختطفت قد تتصل بأفرادك من خلال نصوص مكتوبة بحيث لا تكون لديك فرصة إدخال رموز وإذا حصل وأخذك الوسيط إلى مكان ما, فيمكنك أن تناقش مع زملائك مسبقا النقطة التي لن تتجاوزها, أي النقطة التي ستحاول عندها أن تفشل العملية وتعود سالما.

المطلب الثالث: المعدات والأدوات اللازمة للمهمة:

1-أدوات الاتصال:

الجوال والتلفون:عندما تكون في مهمة بعيدة عن بلدك، فقد تطرأ مشكلات في الاتصال مع مديريك..ولذا تذكر أنك في خطر أينما تكون طالما لا أحد يعرف بمكان وجودك وطبيعة عملك.. حيث انه في كافة خطوات الصحفي ينبغي أن يكون هنالك شخص مسئول يعلم بمكان وجوده دوما..ولذا عليك كصحفي أن تتفق مع مسئولك على جدول زمني للأوقات التي ستطلبه فيها أو ستناقش فيها معه.

وتُعتبر تكنولوجيا الاتصال عبر الأقمار الصناعية وسيلة حيوية للصحفيين الذين يعملون في مناطق النزاعات، ولكن     لا يمكن الاعتماد على وسائل الاتصال هذه عندما تعمد السلطات إلى تعطيل خدمات الاتصال.

كما قد تشكل خطورة لسهولة تعقب الهواتف النقالة التي تعمل عبر الأقمار الصناعية.. لذا يجب أن تكون مكالماتك مختصرة، وينبغي تجنُّب البث من الموقع نفسه باستمرار، وعليك إطفاء الجهاز عندما لا يكون قيد الاستخدام..لأنه من الممكن تتبع إشارات الاتصال عبر الأقمار الصناعية التي يبثها الصحفيون.

ويتفق خبراء التكنولوجيا أنه يمكن بسهولة تتبع الهواتف التي تعمل بالأقمار الصناعية.. فتتبع بث ترددات موجات الراديو هو أمر بسيط نسبيا للفنيين المدرَبين، على استخدام تكنولوجيا الاتصال بالهواتف النقالة.

كما يمكن تتبع الهواتف التي تعمل بالأقمار الصناعية من خلال تتبع جهاز نظام تحديد المواقع (GPS) المثبّت بالهاتف.. وتشير منظمة ‘سيفر موبايل’ إلى أن “بيانات موقع جهاز تحديد المواقع” يمكن “أن تُبث بكل وضوح عبر الهاتف الذي يعمل بالأقمار الصناعية”.

ولذا يوصي الخبراء بإتباع إجراءات صارمة عند استخدام هواتف تعمل بالأقمار الصناعية في بيئة معادية..وتجنَّب استخدام الهاتف الذي يعمل بالأقمار الصناعية من الموقع نفسه أكثر من مرة واحدة.

وتجنَّب استخدام الهاتف الذي يعمل بالأقمار الصناعية أو أية أجهزة شبيهة من موقع لا يمكن إخلاؤه بسهولة في حالة تعرضه لهجوم..وبالتالي عليك كصحفي أن لا تتجاوز مدة أي اتصال لك أكثر من 10 دقائق كحد أقصى.. وعليك كذلك إغلاق الجهاز وإزالة البطارية حالما تنهي الإرسال قبل أن تسافر..ويجب تجنب الأوضاع التي تتضمن قيام عدة أشخاص بالبث من موقع واحد

وقد تبين إلى أن العديد من الحكومات قادرة على فك التشفير.. وينصح باستخدام كلمات مرمزة عند بث الرسائل شديدة الحساسية، أو حتى تجنب الهواتف التي تعمل بالأقمار الصناعية لبث مثل هذه الرسائل..كما انه إذا ما قامت سلطات أو جهات معادية بمصادرة هاتفك الذي يعمل بالأقمار الصناعية فيمكنها الوصول إلى معلومات حساسة من سجل المكالمات أو قائمة أرقام الهواتف أو الملفات المُرسلة..وينصح بأن تقوم بمسح سجلات المكالمات والملفات المُرسلة بانتظام من أجل حماية مصادرك، وكذلك أن تُبقي بطاقة الذاكرة الخاصة بالهاتف منفصلة عن الهاتف في الأوقات التي لا تستخدمه بها.

الاتصال عبر الانترنت: على الرغم من أن الهاتف لا يزال يستخدم في الكثير من المحادثات إلا أن الإنترنت هي الوسط الآخذ في التنامي للاتصالات الشخصية. وعلى العكس من نظام الهاتف المركزي الذي يستخدم مسارات ثابتة للاتصال، يعتبر الإنترنت نظاماً لا مركزياً يستخدم الكثير من المسارات المحتملة للمكالمات الخاصة.

وينقل الإنترنت البيانات لمسافات طويلة عن طريق تمرير المعلومات عبر كثير من الكمبيوترات الوسيطة بطريقة أشبه ما تكون بفريق تمرير الدلاء الذي يقوم بإمرار ماء الإطفاء من إحدى نهايتي الخط إلى الأخرى. في كثير من الأحيان، تنتقل البيانات باتجاهين عبر هذه السلسلة بشكل يمكن اعتراضه من قبل مالكي الجهاز الذي تمر البيانات عبره. وما لم تكن البيانات محمية بصورة تقنية أو بقيود قانونية مفروضة، فإنه يمكن لمزود خدمات الإنترنت الذي تتعامل معه أن يسجل اتصالاتك ويراقبها، وأن يسجل ويراقب المواقع التي تقصدها على الإنترنت مثل فيسبوك، والمزودين المحليين للخدمة مثل مقهى الإنترنت أو الفندق الذي تشبك منه، أو حتى المستخدمين الآخرين للإنترنت الموجودين على نفس الشبكة المحلية.

وتشمل البيانات المعرضة للرقابة كذلك رسائل البريد الإلكتروني (الإيميل) والرسائل الفورية والمواقع التي تزورها على الشبكة أو التي تقوم بإدخال بيانات فيها.

والصحفيين يستخدمون اليوم عبر الانترنت مجموعة كبيرة من أدوات الاتصال ومن ضمنها الرسائل النصية والبريد

الإلكتروني والرسائل الفورية ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة المصورة والصوتية، وغير ذلك.. وأدوات الاتصال الحديثة هذه كلها قد تسمح بتسرب معلومات للآخرين.

فعند قيامك باتصال مع شخص ما، يمكن لطرف ثالث أن يحصل على معلومتين ثمينتين، هما: من هو الشخص الذي تتحدث معه، وما الذي تقوله..لذا فإن إجراء مكالمة أو تفقد بريدك الإلكتروني قد يكشف موقعك وبالتالي يسمح لشخص ما أن يقتفي أثر تحركاتك.. ويمكن أيضاً لبعض البرامج، مثل برامج التراسل الفوري الموجودة على جهاز المستخدمين أو مواقع الشبكات الاجتماعية، أن تكشف هوية معارفك من خلال قائمة الأسماء أو قائمة الأصدقاء الخاصة بك.

2-أدوات حفظ المعلومات:

تعني عبارة أمن المعلومات أن تحمي بياناتك، ابتداءً من ملاحظات البحث إلى التفاصيل السرية الخاصة بالأشخاص الذين أنت على صلة بهم، ومن التفاصيل الأولية لمسيرتك اليومية إلى الملفات الصوتية والمصورة..وهو يعني حماية بياناتك، وحماية خصوصية التواصل بينك وبين زملائك أو مصادر معلوماتك..وذا كنت تقوم بعمل ميداني، فقد تكون الملفات الرقمية الموجودة على كمبيوترك أعز شيء تحمله، ففقدانها يخرج القصة عن مسارها.. وعليك أن:

-تحفظ كميات هائلة من المعلومات التي قمت بتحصيلها في كمبيوترك المحمول، إلا أن ذلك ينطوي على مخاطر جدية؛ إذا تم سرقة كمبيوترك، أو تخريبه، حيث ستفقد إلى الأبد كميات كبيرة من المعلومات المهمة.

-تحرص من عملية الاختراق، لان ذلك خطر يهدد امن معلوماتك، مما يوجب عليك أن تأخذ في الحسبان احتمالية أن يستهدفك المعتدون بهدف تعطيل عملك أو القيام بإجراء انتقامي.

-تحذر من أن يعمد السارقين إلى زرع برنامج خبيث في كمبيوترك بحيث يصبحوا قادرين على الدخول من بعيد إلى ملفاتك وكافة اتصالاتك.

- تفكر في استخدام كمبيوتر محمول آخر أو هاتف بسيط يحمل القدر الأدنى من المعلومات، إذا كنت ستسافر لتغطية أخبار وضع خطير.

- تفكر في الاحتفاظ بمعلوماتك السرية على ذاكرة خارجية (‘USB’) خارجية، وهي أداة تخزين صغيرة يمكنك إدخالها في كمبيوترك المحمول)، أو يمكن تخبئتها وحمايتها بسهولة.

- تتأكد من أن كمبيوترك مغلق عند مغادرتك لمنطقة عملك.. حتى داخل غرفة الأخبار، انتبه لعدم وجود أشخاص ينظرون من وراء ظهرك عند قيامك بتسجيل الدخول أو قراءة الرسائل.

- أن لا تستخدم الكمبيوترات العمومية في مقاهي الإنترنت أو الفنادق لإجراء محادثات سرية أو لفتح الذاكرة الخارجية (يو إس بي)، ولا تقم بإدخال كلمات مرور في تلك الكمبيوترات العمومية.

- أن تقم دائماً بتشكيل كمبيوترك المحمول أو هاتفك بحيث لا يمكن فك قفل الجهاز إلا بإدخال الرقم السري  (PIN).. ينبغي أن تفهم أن لصوص البيانات المصممين على تحقيق مرادهم غالباً ما يكونونا قادرين على تخطي هذه الاحتياطات.

- أن تتوقع إذا كنت تتم في أوضاع معينة مصادرة كمبيوترك أو تفتيشه – في نقاط العبور الحدودية مثلاً – فربما يكون من الأفضل إزالة البيانات السرية منه.. ولكن عملية استرجاع الملفات التي تم حذفها عملية سهلة نسبياً من الكمبيوتر.

- أن تختار كلمة مرور قوية..فذلك يعد أفضل وسيلة أمن عامة يمكنك توفيرها لبياناتك، ولكن اختيار كلمة مرور لا يمكن كسرها أمر أصعب مما قد يبدو عليه.

- احرص على حماية هوية مصادر معلوماتك المدونة في دفتر ملاحظاتك المكتوبة وملفاتك الإلكترونية، ويمكنك استخدام رموز أو أسماء مستعارة تستطيع تذكرها..ويكتسب هذا أهمية استثنائية عند التعامل مع مصادر للمعلومات ستتعرض للخطر إذا ما كُشفت هويتها.

3-توفيرلوازم السفر:

يجب على المؤسسة الصحفية، أن توفر اللوازم والمعدات الجيدة للصحفيين العاملين في الأوقات والمناطق الخطرة، ومنها:

الماء الصالح للشرب:

يُعتبر الماء النقي ضروريا في كل الأوقات في حالات النزاع، حيث قد تتوقف مصادر الماء النظيف أو قد تصبح ملوثة. فقد تصمد أياماً طويلة دون طعام، لكن تحتاج إلى الماء يومياً..لذلك احمل قوارير ماء قدر الإمكان بالإضافة إلى فلترات ومعقمات كيميائية.. وتُعتبر المياه المعبأة في قوارير مقفلة أحد الخيارات الممكنة حيثما قد تكون مياه الصنبور ملوثة.. ويوصي الاتحاد الدولي للصحفيين بالاقتصار على شرب المياه الغازية المعبأة في العديد من البلدان؛ حيث يمكن أن تكون المياه المعبأة غير الغازية ملوثة..وإذا لم يتوفر سوى الماء غير النقي، فإنه يجب غلي الماء لأن غليه هو الوسيلة الأنجع للقضاء على المرض..ثم اترك الماء ليبرد قبل وضعه داخل الثلاجة.

هوية الصحافة، وجواز السفر:

هوية الصحافة تعرف بك وتحمل صورتك، ويمكن أن توزعها مؤسستك المهنية أو نقابة مهنتك أو مسئولك في العمل. ومدى أهمية وجود بطاقة عمل تصدر من مؤسستك هو تعزيز المفهوم بأن الصحفيين ينتمون إلى مهنة جماعية غير أن هذه البطاقة قد تساعد وقد تعيق تبعاً لطبيعة أطراف النزاع وسمعة مؤسستك لديهم. وقد تحمل أيضاً رسائل أو تصاريح من ضباط شرطة أو عسكريين ليقبلوك كصحفي ويقدموا لك التعاون المطلوب. وعليك أن تعي جيداً قيمة هذه الأوراق في مختلف الظروف الخطرة المحتملة. فإصدار جواز مرور من قبل قائد تمرّد قد يؤدي إلى اعتقال قوات الحكومة المعنيةلك. فكّر في نوعية المعلومات التي تحملها والتي قد تضعك في موقف سيئ. وحتى القصاصات الورقية المهمة  قد تشكل لك ورطة عند إحدى نقاط التفتيش.

الصندوق الطبي:

-احمل فيه معك ما يكفي من الأدوية حديثة الصنع، والعدسات اللاصقة والنظارات، واحتفظ أيضا بأخرى احتياطية.

-عرف من معك على فصيلة دمك واحمل معك بطاقة المتبرع بالدم أو أي بطاقة طبية أخرى تبين فصيلة دمك بوضوح.

-مَن كانت لديه حساسية لعقاقير مثل البنسلين يجب أن يضع بطاقة حول عنقه أو يلبس سوارا أو غير ذلك على نحو بارز من أجل تنبيه الطواقم الطبية بشأن تلك الحساسية.

-التدريب ينبغي أن يكون متاحاً لجميع الصحفيين، وخصوصاً أولئك الذين يعملون بشكل مستقل ولا يحظون بدعم من المنظمات الكبيرة.. بالإضافة للمراسلين والمحررين المحليين الذين يعيشون فعلاً في مناطق الصراع ويشكلون العدد الأكبر

من المسجونين والمُهددين من قبل الغير.

-في البيئات العدائية يجب أن يرتدي الصحفي سوارا في معصمه أو يضع بطاقة مغلفة بالبلاستيك المقوى حول رقتبه مكتوبا عليها فصيلة دمه وأي حساسيات لديه.

أرقام الطوارئ:

يجب أن تحمل قائمة بأرقام الهواتف الطارئة، مع وجود ملاحظة عن الجهة التي يجب الاتصال بها في حالة الإصابة

بجروح. وإذا كنت تجري مقابلة حساسة قد تورط من تقابله، اتخذ إجراءات للمحافظة على السرية. افصل بين الأسماء أو أنسخ أو اخف أسماءً أخرى واحرص على ألا يبدو أسلوب إخفائك للأسماء كنظام شيفرة معين.

محفظة احتياطية:

يجب إبقاء نقودك ووثائقك الأساسية بعيدا عن الأنظار. غير أنك بحاجة إلى مبالغ بسيطة من المال لتتدبر أمرك في حال سرقتك. لذلك احمل معك محفظة احتياطية بكميات بسيطة من المال وبطاقات ائتمان قديمة. فإذا ما تعرضت للسرقة، يمكنك أن تتدبر أمرك بها.

الخوذة:

ينصح الصحفيون القائمون بتغطية مناطق الحرب بارتداء الخوذة.. وليكن في معلومك أن أفضل الخوذات تصنيفا سيقيك بصورة رئيسية من الشظايا، بينما سيخترقه على الأرجح الرصاص المقذوف مباشرةً من بندقية هجومية أو بندقية قنص..وهناك أيضا القبعات المصفحة معدنيا.. وكذلك الأقنعة الواقية من الغاز، غير أن الصحفيين، بارتدائهم هذه الأقنعة يمكن أن يتعرضوا لخطر الاعتقاد من قبل الناس بأنهم من شرطة مكافحة الشغب، فينقضوا عليهم بنفس القسوة التي ينقضوا بها على رجال الشرطة.

الدرع الواقي:

في ارض المعركة كلما اقتربت زاد الخطر، وكلما تحركت زاد الخطر، ولكن إذا اضطررت للتحرك فيجب أن تعرف إلى أي مسافة ستقترب، وكم ستسير، ولا تذهب في اتجاه أماكن إطلاق الرصاص، فالأغبياء فقط هم الذين يتسابقون لذلك.

وينبغي دوما أن تكون مجهَّزا تجهيزا كاملا بالعتاد المناسب للموقف الذي أنت يصدده..ويمكن أن ينطوي التجهيز في أشد الظروف على ارتداء بدلات تقي من المواد الخطرة أو حمل معدات الكشف عن المواد الخطرة أو تناول أقراص بواسطة الفم لتعطيل مفعول أي عوامل بيولوجية أو كيميائية أو نووية محتملة أو مقاومتها وصدها.

وفي مناطق القتال، ينطوي التجهيز على ارتداء الدروع الواقية للبدن المصنفة لتحمّل الشظايا والرصاص شديد الاندفاع، وفي حالة الاشتباكات أو العنف في الشوارع، فإن التجهيز قد يقتضي ارتداء سترة مخفية تحت الملابس مضادة للطعن بالسكين..وينبغي للصحفيين المحتاجين إلى ارتداء الدروع أن يختاروا سترةً تتناسب والتهديد المتوقع لهم..فإذا كنت بصدد تغطية نزاع مسلح، فعليك أن تختار سترةً مصنفةً لتصدَّ الرصاص المنطلق بسرعة عالية من البنادق العسكرية.. ولكن فليكن في علمك أنه ما من سترةٍ مضادةٍ للرصاص تماما.. فقد يتعرض المرء لإصابةٍ بالغة أو يلقى حتفه جراء الصدمة الناجمة عن قوة الرضّة، حتى وإن لم تخترق المقذوفة الدرع الذي يلبسه.. وهناك تصاميم خاصة بكلا الجنسين وإضافات

أخرى قد تحتاج إلى لبسها مثل واقي الجنبين أو واقي الفخذين.

ولكن لا يُنصح بارتداء الدرع الواقي عند تغطية الأحداث الجنائية لأنه قد يدفع الآخرين للاعتقاد خطأً بأن الصحفي هو أحد أفراد إنفاذ القانون.

ويتوفر العتاد الواقي أيضا لمهمات تغطية الاضطرابات المدنية. إن ارتداء سترة خفيفة ورقيقة نسبيا مضادة للطعنات توفر

وقاية من الهجمات بالسكاكين، والرصاص المطاطي، وأخطار أخرى.

الرداء الواقي:

في حال تعرضك لإطلاق نار فإنك بحاجة إلى رداء واق وقوي. وأفضل ذلك ما هو مخصص للقتال، وهو رداء مزود بواقيات للرقبة وما حولها والوركين. كما يحتوي الرداء على زوائد يمكن إدخال الصفائح بداخلها. وصفائح السيارميك أفضل واخف من الصفائح المعدنية، إلا أنها تحتاج إلى عناية أكبر. وهذا النوع من المعاطف يحمي نوعاً ما من الرصاص ذي السرعة البسيطة ومن شظايا الألغام. في حين أن الصفائح المعدنية تحمي من الرصاص عالي السرعة من الأمام ومن الخلف. (وهي تزن حوالي 12 كيلو غرام) فيصبح من غير الممكن الركض لفترة طويلة.

وينبغي على المصورين ارتداء معاطف بدرجة حماية مضاعفة ضد الرصاص بينما يحملون الكاميرات. وكل المعاطف تكون مضادة للماء.

وعندما تقرر ارتداء هذه الأدوات فإن قرارك يعتمد على حاجتك إلى الحركة والحماية. وتذكر أن استخدام الرداء الواقي والتصفيح يبطئ من حركة الصحفي.

العدسات الطويلة:

إحدى الطرق التي يحمي بها المصورون أنفسهم، ويوفروا مسافات خطرة عند اقترابهم فيها، هي حملهم للعدسات الطويلة ذات الزوم البعيد، الذي يجعلهم أكثر قربا للحدث.. وهي على عكس العدسات الأقل تجهيزاً التي تزيد من المخاطر على الصحفيين والمصورين..لأن الصحفي غير المجهز جيداً بالأدوات المطلوبة لتغطية الحدث، هو أقل حظاً من غيره.. وأكثر خطرا على حياته.

صفارة إنذار:

احمل معك صفارة فقد تحتاج إلى لفت الانتباه أو إلى التنبيه. ارتد سواراً يحمل نوع دمك أو يبين أية ظروف صحية معينة أو حساسية خاصة.

اللوازم الشخصية:

يتطلب عملك بعيداً عن مكان إقامتك، وجود مستلزماتك الشخصية التي تحفظك نظيفاً وتبقى على معنوياتك عالية..  واحمل معك صابوناً وقماشاً صوفياً ومنظفات..وخذ أيضاً أوراق تنظيف ومنشفة لأغراض صحية..واعتن بنظافة أسنانك.

وارتد الملابس المناسبة، فحاجتك للملابس تعتمد على طبيعة المناخ والفصل والفترة الزمنية التي ستبتعد فيها عن قاعدتك.

-اقتني الحذاء المناسب، حيث من المهم أن تبقى في حركة دائمة وتسير لفترات طويلة عند الضرورة. ويفضل  ارتداء زوج من الأحذية الرياضية خفيفة الوزن والمضادة للماء. ويجب أن يكون الحذاء مريحاً ولكن ليس جديداً عند البدء بالمهمة، يكون الحذاء واسعاً كفاية حتى تتمكن من ارتداء جوارب قطنية تبقي قدميك دافئتين وتقلل من الاحتكاك.

-إلبس اللباس الفضفاض ومتعدد الطبقات، ففي أغلب الأحوال، ارتد عدة طبقات من الألبسة حتى تتمكن من خلعها عند شعورك بالحرّ الشديدة.. أما الطبقات الخارجية فتكون فضفاضة في حين تكون الطبقات الداخلية من القطن أو الأقمشة

الطبيعية الأخرى.

-استخدم قبعة جيدة تحميك من حر الشمس وتقيك من برد الشتاء.

-في المناطق المُحتمل تلوث الأغذية فيها، كُل من الطعام ما طُبِخ جيدا.. واقشُر الفواكه أو اغسلها بالماء النظيف.

-تجنّب شراء الأطعمة من البائعين المتجولين والمنتجات المصنوعة من الحليب غير المبستر أو الماء أو البيض.

-تجنّب ابتلاع الماء عند الاغتسال والاستحمام، واستخدم الماء النقي في تنظيف أسنانك، واغسل يديك وأدوات المائدة قبل تناول الطعام.

-احمل محلول فموي، وإن لم يتوفر لك ذلك، اخلط ست ملاعق من السكر مع ملعقة واحدة من الملح في لتر من الماء الصالح للشرب.

-في المناطق التي ينتشر فيها البعوض ومرض الملاريا، احرص على اقتناء ناموسية وارتداء الأكمام والسراويل الطويلة.

-إذا كنت تعاني من حساسية للسعات النحل أو قرصات الحشرات الأخرى، فاحمل معك جهاز الحقن الذاتي أو الترياق الموصوف طبيا.

-لا بد من معالجة الجروح والخدوش فور الإصابة بها باستخدام مرهم مطهر.. ولا بد أيضا من معالجة الحكة أو تقشر الجلد بين أصابع القدم فور الإحساس به بواسطة العلاجات المضادة للفطريات.

-اغتسل يوميا ولو مسحا بمنشفة أو قطعة قماش مبللة، ويمكنك وضع بودرة “تلك” على المواضع الحساسة من الجلد.

- ابق نظيفاً وبمعنويات عالية واعتن بحالتك الجسدية، وتذكر أنك قد تضطر للركض حتى تنجو.

المطلب الرابع: السفر والتوجه لموقع المهمة:

أ) السفر والتنقل ً:

تجهيز وسيلة النقل:

-عندما تكون بعيداً عن مكان إقامتك لفترة طويلة، ينبغي قدر المستطاع أن يكون لديك مركبة من اجل التجوال السريع. ولتوفر لك المزيد من الأمان.. وفي نفس الوقت تحمل لك المواد صعبة الحمل.

- تفقد وضع المركبة جيداً قبل التحرك.. هل هي تستطيع تحمل ضغط السفر، وهل هي في وضع ميكانيكي جيد، وبإطارات احتياطية جيدة النوعية، مع وجود احتياطي من الوقود والماء للمركبة..الخ.

-في الأماكن المنعزلة قد تضطر إلى سحب مركبتك أو جرها بعيداً عن موقع الاضطرابات.. لذا يجب الاحتفاظ بأدوات للسحب أو الجر.

- يتعين أن يكون السائق أما آنت، أو فرداً مخلصاً من نفس الفريق، لدية مراس جيد على القيادة، ويكون ذا خبرة وهادئاً، ويقود بشكل آمن، فالسير مع سائق متهور يسلبك الراحة والمعنويات المرتفعة.

- قم بقيادة العربة من الداخل وليس من الخارج، أي استخدم مركبة بأربع عجلات حتى لا تتعرض للاختطاف من الخلف.

-قدر حجم المخاطر بتمعن، فالتجوال من مكان لآخر قد يضطرك لسلوك طرق خطيرة.. كما أن المعلومات في تجدد مستمر، وتحتاج إلى معرفة الوجهة التي تذهب إليها.

-بعض الصحفيين لا يلبسون حزام الأمان لاعتقادهم أنه يعيق هروبهم في حال الهجوم.. إلا أنها تحمي المسافرين من الإصابات الخطيرة، فأشد الإصابات خطورة في منطقة الحرب هي حوادث الطرق.

-احرص أن تكون معك خريطتك الخاصة بك، وبوصلة لتحديد الاتجاه، لكي تتعرف على المكان الذي سوف تنطلق اليه. -احرص أن يكون في المركبة صندوق إسعاف أولي ذا نوعية جيدة، وكذلك طفاية حريق.

- يمكنك أن تطبع كلمات (صحافة / إعلام) بأحرف كبيرة، فقد يساعد ذلك في بعض الظروف.. وإذا ما استخدمت هذه العبارة فضعها على أعلى المركبة وعلى الجانبين حتى تكون مرئية وواضحة.

- التحرك في القوافل عسكرية قد يعطيك شعوراً خاطئاً بالأمان، لكن هي عرضه للهجوم كل لحظة، خاصة على المقدمة لقطع الطريق وتوقف القافلة..لذا تحرك خلفها واجعل مسافة مناسبة بينك وبينها.

السفر مع رفقة مدنية أو صحفيين:

-سافر مع مرافق، وانتبه إلى السلامة أثناء السير.. حيث من الضروري أن تعرف كيف ومع من تسافر في منطقة

النزاع.. ولا تجازف بالسفر وحيداً، فالسفر وحيداً يعرضك للخطر.. فالصحفيون الذين يذهبون لمناطق تعج بالخطر

ينبغي عليهم أن لا يسافروا بمفردهم ومن الأفضل السفر مع فريق كامل.

-لا يجب أن تسافر لوحدك بل مع من ينتبه إليك ويكون مسؤولاً عن مساعدتك عند الإصابة.. وتجنب مرافقة المتبجحين لأن ثقتهم المفرطة قد تكلفك حياتك.

-إذا كنت برفقة قافلة غير عسكرية فإنه غالباً ما تكون المركبات على شكل طوابير تسير في نفس الاتجاه..فاحرص على أن تكون كل المركبات على مرمى بصرك، وابق على اتصال معها باستمرار.

التحرك مع المرافقة العسكرية :

-تتم المرافقة من قبل الصحفيين للجيش ضمن ترتيبات للسفر مع وحدات عسكرية معينة، من أجل تغطية الحرب او منطقة قتال ما، ويكون الصحفي المرافق للوحدة العسكرية مطالباً في العادة بالسفر مع تلك الوحدة بحسب الأوامر وبتجنب أي فعلٍ من شأنه كشف موقع الوحدة أو تعريض أمنها للخطر بأي حال من الأحوال. ولكن ينبغي لك الاحتفاظ بحق نقل الأحداث، حتى وإن كان ذلك بعد وقوعها، كما تراه مناسبا.

- إن باستطاعة الصحفيين تغطية النزاعات من جوانب مختلفة، لأن من ينقل الأحداث من جانب واحد قد يجد نفسه متهما من الجانب الآخر بالتعاون مع العدو..لكن رغم ذلك فان القوات الحكومية والقوات المقابلة على حد سواء تهاجم وتعتقل الصحفيين بحجة أنهم يقيمون علاقات مع الطرف الخصم..

- وفي اتخاذ القرار إما بالمرافقة أو بالعمل المستقل (أي مستقلا عن القوات العسكرية) فإنك تقوم بمقايضات مهمة. فالتنقل مع القوات العسكرية يمنحك فرصةً حصرية للحصول على القصص الصحفية في الخطوط الأمامية، غير أن ذلك

قد يكون على حساب الاطلاع على وجهات النظر الأخرى، بما في ذلك رصد أثر القتال على المدنيين.

-يمكن للجيش أن يمكنك من الوصول إلى جبهة القتال، فيكون السفر معهم هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى المناطق التي تريد، ويفضل أن ترافق كبار الضباط، لان الضباط الصغار ليس لهم خبرة في اتخاذ القرارات.

-عندما تتجول برفقة قافلة عسكرية، أو برفقة قوات للأمم المتحدة، يكون لهذه القوافل قوانين وقواعد صارمة.. فاحرص على إتباع قوانينها وليس قانونك.

-كن حذراً من سلبيات المرافقة العسكرية، ففي بعض الدول تجوالك مع الجيش يربطك به فتصبح هدفاً لأنه قد يظن بأنك جندي أو أنك متواطئ مع العدو ولذلك ينظر إليك كعدو محتمل، يمكن إطلاق النار عليه.

-أن عليك فعل ما يطلب منك فعله عند تعرض الجيش المرافق له للهجوم، رغم أنهم يهتمون بأنفسهم وبسلامة رفاقهم أكثرً، وليسو مسئولين عن سلامتك أو سلامة صورك أو أوراقك.

- حتى لا يشتبه بك كهدف محتمل، احرص ألا يكون لباسك ذا نمط عسكري، ولا ترتد ملابس للتمويه.

- يمكنك تقليل الاشتباه بك كهدف عسكري بأن تتجنب التشبه بالقوات العسكرية وذلك بارتدائك زياً مدنياً وبألوان باهته

وبظلال مختلفة من الأعلى إلى الأسفل، كن حذراً عند التصوير لأن الكاميرا قد تبدوا سلاحاً فيبدو مكانك موضع خطر. في بعض الظروف تتشابه كاميرا الفيديو مع مطلقة الصواريخ SAM7، وقد يبدو انعكاس أشعة وميض اللهب على عدسة الكاميرا كسلاح مضاد للدبابات، أو وميض اللهب من سلاح عسكري، كما أن قربك من هدف استراتيجي  قد يعرضك لخطر هجوم المدفعية أو الطائرات الحربية.

-إذا كنت مرافقا لقوة عسكرية لا ينبغي التقليل من مخاطر مرافقة القوات العسكرية.. واحرص على أن لا تَبرُز بطريقةٍ توحي بأنك ضابطٌ أو مستشار.. فالقناصون مدربون على استهداف مَن يُشتبه أنه ضابطٌ من بين أفراد الوحدة العسكرية المناوئة. ويُطلب من الصحفيين أحيانا ارتداء زي مَن يرافقونهم من المقاتلين. إن ارتداء زيِّهم لا ينتقص من التزاماتك المهنية، ولكن يظل عليك أن تلبس أو تحمل شارتك الصحفية التي تبين هويتك كصحفي عند المعاينة عن قرب. وينبغي للصحفيين المرتدين للزي العسكري أن يتوقعوا معاملتهم كمقاتلين أعداء على يد القوات المناوئة؛ بما في ذلك عندما يكونون منفصلين عن وحداتهم العسكرية.

نقاط التفتيش (الحواجز الأمنية):

-قد يشكل المرور من نقطة التفتيش وقتاً عصيباً أو يعرضك للخطر وقد يعج بالمليشيات والجماعات المسلحة أو الجنود النظاميين الذين فقدوا روح الانضباط والسيطرة. حتى تعبر بسلام كن لبقاً ومؤدباً وتجنب الاصطدام بهم.

-احرص في التعامل مع نقاط التفتيش حيث يعمل بها رجال صغيروا السن غير مدربين أو مجهزين جيداً ومرهقين ومتعبين يعبرون عن وجهة نظر شخصية وقصيرة الأمد ومتحيزة عن الأحداث الجارية.

- يحتاج الصحفي قبل الدخول إلى منطقة التفتيش، المعرفة الجيدة بالمعنويات والانضباط وموقف القوات المقاتلة على الأرض.. والمعرفة بمهارة التعامل معهم لتخفيف حدة الموقف لديهم.

-اقترب من نقطة التفتيش ويدك خالية من أي شيء باستثناء الأوراق الضرورية. قدم نفسك كصحفي، وإذا كان معبراً روتينياً ولم يظهر أي مانع لعبورك فكن مؤدباً ولكن لا تدل بأي معلومات غير ما يطلب منك ولا تظهر أي نوع من

الفضول. ولا تحاول أبداً أن تلتقط صوراً بدون إذن منهم.

-في حال وجود مشاكل وأبدى الجنود عدوانية وتطفلاً، حاول أن تهدئ من الوضع، كأن تقدم حلوى أو سيجارة. وإذا كنت تتحدث بنفس لغة الجندي، فتحدث عن أي موضوع غير النزاع كالرياضة  أو العائلة مثلاً. قل لهم اسمك وأظهر لهم بأنك تعرف تماماً مكان تواجدك وإن هنالك من يعرف بوجودك أيضاً.

- تكون أكثر عرضة للخطر عند التعامل مع الميليشيات غير المدربة وغير المنضبطة واحذر من الجنود اللامبالين والذين لا ينظرون إليك أو يظهرون أية مشاعر. فهم لا يقدرون قيمة حياة الإنسان. توخى الحذر عندما يضمحل بؤبؤ عين الجندي بشكل غير طبيعي. فقد يكون تحت تأثير المخدرات والتي تقلل من الاهتمام بمحيط الشخص المخدّر.

-بينما تظهر أوراقك الثبوتية يمكنك أن تخرج صورة لزوجتك أو طفلك، مما يجعلك تبدو أكثر ألفة. احرص على أن تشعرهم بأن هناك من يعرف بمكانك ويتوقع رجوعك. فأنت لا تريدهم أن يروا فيك مصدر تهديد لهم، ولكن يجب أن يعرفوا بأن لديك حقوقا قد يتحملون عواقب الاعتداء عليها بالإيذاء أو التحرش. ولتبق مؤدبا معهم.

-احرص قبل التنقل على الطرق الداخلية، آن تستشير الزملاء، والمسئولين العسكريين، والمصادر المحلية الموثوقة لتحديد

مواقع نقاط التفتيش الممكن اجتيازها ومعرفة القائمين عليها.

-كن على دراية مسبقة بكافة الإجراءات المتبعة عند نقاط التفتيش، مثل الإشارات التحذيرية التي تستعملها القوات العسكرية والبروتوكول المتوقع من المركبات الدانية.

-تذكر بأن التفاعل مع الجماعات المسلحة عند نقاط التفتيش أمرٌ خطير ولا يمكن التنبؤ بمآلاته. فقد لقي الكثير من الصحفيين، حتفهم عند نقاط تفيتش. إذ غالبا ما يعتري الجنود القائمين على حراسة نقاط التفتيش الخوفُ من التفجيرات الانتحارية والهجمات الأخرى.

-خفِّف السرعة وأنت تدنو من نقطة التفتيش، اخلع النظارات الشمسية إن كنت تلبسها، وأرِهم بأنك لا تحمل شيئا بيديك، وأظهر الاحترام.

-قد يكون من المستحسن أيضا السماح للجنود أو المقاتلين بتفتيش سيارتك. ابق منتبها وحذرا عندما تسلك طرقا غير مألوفة، واعلم أن العلامات والإشارات التي تدل على نقاط التفتيش قد لا تكون موجودة أو قد تكون مُحيِّرة.

-تُعتبر نقاط التفتيش التي تقيمها القوات غير النظامية أو المليشيات أو الجماعات شبه العسكرية أشد خطرا وأقل قابليةً للتنبؤ بما سيتمخض عنها، وذلك نظرا لضعف الانضباط وغياب خطوط واضحة للسلطة.

-قد يلتقي الصحفيون بعناصر ثمِلة أو بها عجز عند نقاط التفتيش التي يديرها المقاتلون، ومنهم القوات غير النظامية؛ وقد يأمرهم هؤلاء بدفع النقود أو إسداء خدمات أخرى مقابل السماح لهم بالعبور. لذلك، يحمل بعض الصحفيين معهم فئات صغيرة من العملة أو علب سجائر أو أشياء أخرى كساعات غير ثمينة ولكن جديدة في علبها الأصلية ليدفعوها لهم كرشاوى صغيرة.

- احرص على أن لا يبدُر منك ما من شأنه أن يُصعِّد الموقف أو يزيد مطالب الجنود. وتعاطى معهم باحترامٍ متبادل دون أن تُبدي خوفا، وليكن الخروج الآمن هدفك الأول والأخير.

المطلب الخامس: التغطية من قلب الحدث:

سوف نناقش التغطية الصحفية من قلب مناطق القتال المسلح، والتغطية الصحفية من قلب الاضطرابات المدنية العنيفة:  

أولا: التغطية في قلب مناطق القتال:

-إذا دخلت في منطقة النزاع المسلح فتحتاج إلى معرفة أماكن تمركز مختلف القوات.. لذا عليك أن تتجول مع شخص خبير بالمنطقة.

- تأكد انك في المكان الغير خاطئ لكي لا تكون هدفاً فيه، وقبل تتقدم تصرف أيضا بشكل لا يجعلك هدفاً في بعض الأحيان.

- احرص من التحرك المكشوف للقوات المتحاربة، لان الكثير من الصحفيين تعرض للقنص في الكمائن المخفية.

- عندما يبدأ الرصاص بالتطاير لا يوجد أي ضمان لسلامتك، وقد يصبح جميع الصحفيون هدفاً، سواء بالخطأ أو عمداً.. فقد تسبب رصاصة طائشة أو شظية العديد من الوفيات.

- اعلم انه في الحالات التي يكون فيها النزاع من عدة أطراف، يختلف موقع خط النار باستمرار.. ويكون من الصعب التنبؤ بمكان ثابت له..فاحرص أن تبقى بعيداً لتتمتع بفرصة أكبر في النجاة وعدم الإصابة.

- الوعي هو أكبر وسيلة دفاع للصحفي وقت القتال..لذا فان فهم عقلية المقاتلين في منطقة الحرب وطبيعة الأسلحة المستخدمة تقلل من فرصة الإصابة أو الأذى.

- يجب على الصحفي في الميدان أن يقيّم حجم الخطر، ويبين الأفعال التي تعرضه للخطر، ويبين أسرع طريقة للنجاة.

-استهدافك كصحفي أمر عادي لدى الجنود المقاتلين، لذا احرص دوما على إخفاء الكاميرا من أمامهم خاصة وقت احتدام العنف.

- كن حذراً ومتيقظاً لأي إشارة عدوان من قبل الجنود، ويزداد الخطر عليك إذا حضرت مقتل شخص أو أحداث عنف من

قبل القوات العسكرية أو شهدت دليلاً على مجزرة ما، مما يتطلب منك أن تكون هادئاً وطبيعياً وأخف والكاميرا بسرعة.   - لو شعر الجنود بالخطر منك، أو انك تشكل عليهم دليل أدانه فإنهم يرغبون بإزالة الدليل، ففي أسوأ الحالات يقضون عليك كشاهد، أو يحطمون الكاميرا وشريط التسجيل..ولذا أعط انطباعاً دائماً وكأنك لم تر شيئاً وابتعد عن المكان بسرعة.

- يجب أن يكون في أذهان الصحفيين خطة لمغادرة المكان عند اشتداد الخطر.. ويكون كمثل الآخرين في مناطق الاقتتال، يحتاج إلى توقع الأسوأ عندما لا توجد خيارات آمنه تماماً.

- غالباً ما يتسم الجنود بالتشكيك في دور الصحفيين أثناء القتال..لكن الكثير منهم يحبون التقاط الصور لهم، وأن تجرى معهم المقابلات، لأن هذا يسجل ويؤكد دورهم الحرب.

- اعلم أن الإعلام بشكل عام في موضع غير مرحب به في الميدان خاصة من قبل القادة العسكريين..لانه يعتبر لهم مصدر إزعاج ومخاطرة أمنية، وخاصة عندما يعتقد هؤلاء الضباط بان الإعلام طريقة دعائية للطرف الآخر من النزاع.

-يسعى القادة السياسيون إلى توجيه عمل الصحفيين -بواسطة مكاتب الارتباط- بتغذيهم بمعلومات مغلوطة تبعدهم عما يجب أن يعرفوه.. في حين يرفض القادة العسكريون التعاون، بل وقد يعيقون عملهم بالقوة.

-حاول أن تميز القوات المتصارعة من خلال الزي، أو نوع المركبات والمعدات المستخدمة.. ولهذا يجب المعرفة المسبقة بشارات وأعلام ورتب وتسليح الجيوش.

- انتبه إلى انك إذا قمت بتصوير القوات العسكرية من دون موافقة، قد تستوقف وتصادر معداتك وأفلامك أو أسوأ من ذلك.

- تذكر دوما انك قد تعتبر هدفاً بسبب ثلاثة أشياء..لكونك موجود في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ، ولأنك صحفي لسوء حظك.

- تذكر دوما إن أهدافك تختلف عن أهداف القوات العسكرية في المنطقة.. فأنت تصبو للوصول إلى أماكن تغطية الخبر، في حين ترغب القوات العسكرية في بسط السيطرة العسكرية عليها وكسب المعركة.

-يحرص القادة العسكريون أن يكشفوا للصحفيين جانبٍ واحد فقط من العمليات التي يريدوا لها أن تذاع وتنتشر مما يوقعك في عدم الحياد.

- الصحفيين المستقلين عن القوات المسلحة في تنقلهم قد يكتسبون منظورا أشمل، لكن نسبة الوفيات ترتفع في أوساطهم. لِما قد يبدو عليه مظهرهم وسلوكهم من بعيد.

- إذا كنت تعمل مستقلا، ارتد ثيابا لا تشبه الزي العسكري ولا تبرزك من بعيد.. وفي هذا الصدد، تُعتبر درجات الألوان الأرضية القاتمة أفضل من الألوان الفاتحة.

-ابحث بتعمق في سياسة الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة ما وفي تاريخها وسلوكها.

-اعلم اعتبارات التماسك والانضباط والروح المعنوية والتدريب وقوة السلاح واحترام المدنيين، والصحفيون، تتباين تباينا كبيرا بين القوات العسكرية وبين القوات غير النظامية مثل المتمردين أو المليشيات الموالية للحكومة.

-عند تغطية النزاع المسلح، كن مدركا لتأثير التقارير الآنية.. فما قد يبدو تقريرا جديدا وقويّا بالنسبة لجمهور بعيد عن منطقة النزاع قد يُعتبر في الميدان محاولةً لنقل معلوماتٍ للعدو.

-تذكر بأن دورك المهني يتمثل في مراقبة النزاع وتغطيته وليس المشاركة فيه ولا حتى عن غير قصد.

-في التغطية الإعلامية للمناطق الحربية الخطرة، تعلم كيفية السير في حقل ألغام، والركض عكس اتجاه إطلاق

النار.

-سرعة البديهة والتصرف السريع يحررك من المواقف الغبية جداً لأنك لم تكن تعرف كيف تتصرف بشكلٍ أفضل.

- يمكنك أن تخرج من المواقف الخطرة بسرعة مقبولة عند وجود خطة احتياطية وشبكة اتصالات تم تأسيسها أساساً مع أشخاص يمكنهم المساعدة، في وقت الخطر.

-ما يصعد إلى الأعلى يسقط حتماً للأسفل، فاحذر أعيرة النيران التي يطلقها الجنود احتفالاً بانتهاء المعركة، فقد يسقط الرصاص بسرعة نهائية قدرها 190 كلم في الساعة.

- إذا ارتديت الدرع الواقي حاول أن ترتدي ملابس فوقه تكون بألوان متناقضة مع الملابس العسكرية.

-من الأفضل حمل قطعة قماش زاهية اللون في حقيبتك لتلوح بها للفت الانتباه، أو قماشاً أبيضاً تستخدمه كعلم أبيض.

- ارتد ملابس واقية في حال أطلق الرصاص.

- احمل عدة الإسعاف الأولي وتعلم طريقة استخدامها.

- ارتد ملابس فضفاضة مصنوعة من النسيج الطبيعي.

- قم بتغطية الذراعين والساقين والرقبة.

الاختباء، والاحتماء من مواقع الخطر:

-تعلم كيف تفرق بين الاختفاء عن الأنظار (حتى لا تشاهد احد او يشاهدك احد) وبين الاحتماء من وابل الرصاص.

- في التخفي عليك تغيير شكلك ومظهرك وتحركاتك. وإذا أردت ألا تلاحظ، فلا ترتد أي شيء فاقع اللون، واترك المعدات البراقة تصبح مغبرة أو موحلة، وفكر في انعكاس أشعة الشمس على عدساتك.

- في الاختباء من وابل الرصاص، لا تحتم بمكان كان يطلق منه النار، فهذا هدف مباشر للهجوم. وحتى يكون الاختباء فاعلا، يجب أن يحميك من الرصاصة، ولكن لا يخفيك عن الأنظار.

-تذكر أن التراب مناسب جدا لامتصاص أثر الرصاص ولذلك يستخدم في الأكياس الرملية. فحفرة أو هوة في الأرض تساعد في الاختفاء والاحتماء من الرصاص.

-إذا اضطررت للاختباء خلف سيارة عادية فليكن المحرك حاجزا بينك وبين مكان إطلاق النار. وابتعد عن خزان الوقود. -الحواجز الإسمنتية قد توفر الحماية ولكنها غير فعالة في وجه الأسلحة الحديثة. وإذا كنت داخل بناء فجد غرفة ليس لها جدران خارجية كالحمام مثلا.

-لا تخرج رأسك من داخل مكان اختبائك. وإذا كان لا بد من النظر، فافعل ذلك من الجوانب وعلى مقربة من مستوى الأرض قدر الإمكان بدلا من الأعلى. وحتى لو كنت خلف حائط، انبطح على الأرض وعلى أقل مساحة ممكنة.

-عندما تختبئ ابدأ فورا بتقييم موقفك وخطط لكيفية الانسحاب إلى مكان أكثر أمنا. وعندما تنسحب، اركض وابق رأسك منخفضا.

-حاول المرور من منطقة الخطر بشكل متقطع وغير مكشوف وعلى فواصل زمنية غير متوقعة. فلا تتحرك على دفعة واحدة. حاول أن تستفيد من الأرض المحيطة أو الأشجار أو البنايات للحيلولة بينك وبين مطلقي النار.

-احتفظ دائما باحتياطي من الوقود. فإذا كنت في أزمة شديدة، اترك المعدات خلفك وانج بحياتك.

-إذا كنت في بناية قد تتعرض للنار، أزل الزجاج عن النوافذ وتخلص من الأشياء المبعثرة غير الضرورية فيها.. فالأشياء

غير المثبتة بالأرض قد تتطاير بفعل القصف مثلا.

- قم بتبليل الفراش قدر الإمكان وضعه مقابل الجدران والأبواب لمنع الرصاص والشظايا من الاختراق، واحتفظ بالماء في أوعية مغلفة حتى تتمكن من الحصول على الماء النظيف للشرب والغسيل.

-استخدام الحدس في مناطق المعارك، ولكن لا تثق بنفسك كثيراً واعرف حدودك.

-اعرف أين يتمركز المقاتلون؟ وأين مصدر الإطلاق؟ وتأكد من هوية المكان وحاول أن تبقى واعياً لكيفية خروجك منه في حال الطوارئ.

-كن مسئولا عن قراراتك ولا تنجرف إلى مواقف مميتة بتأثير غيرك من الصحفيين وتبتعد عن حدسك.

ليس من المفضل أن تقترب، وفكر في الأماكن الأكثر علواً وأكثر بعداً فنادراً ما تنتشر الصور الواضحة جداً.

-لا تحاول أن تلتقط تذكاراً معين فقد تخبأ الألغام بكافة الأشكال الجذابة.

- في التغطية الإعلامية لا تحمل معك سلاحاً أو بندقية، فإنك تفقد عندها كل حقوقك المدنية.

-كن متيقظاً لأي احتمال للخطأ أثناء مراقبتك للمدفعية أو القنابل أو الصواريخ من مواقع قريبة، وأنت عرضة للإصابة بما يسمى بـ ” النيران الصديقة “.

-إن من الاختيارات المهمة التي قد تتخذها هو اختيارك للموقع الذي تُطِل منه على النزاع.

-عليك أن تدرك بأن الظروف على الأرض قد تتغير في أي لحظة دون سابق إنذار.

ثانيا: التغطية من قلب الاضطرابات المدنية:

يمكن لأحداث الشغب والاضطرابات المدنية العنيفة في مركز مدينتك، أن يحدث خطرا يوازي خطر مناطق الحرب.. حيث أن الخطورة تكمن في أن بعض الحوادث لا يمكن توقعها، فالخطر غير المرئي والغير متوقع أصعب من الخطر المتوقع، حيث يمكن للوضع أن يتفاقم بسرعة مخيفة غير محسوبة.. والتجمهر السلمي قد يكون خطرا عندما يصبح الناس غاضبين أو خائفين.. ويمكن للمظاهرات السلمية أن تتحول إلى أحداث شغب خطيرة..ويزداد الأمر تعقيدا لو انقلب الموقف لنزاع طائفي، أو حزبي..لذا يحتاج الصحفي حينذاك إلى معرفة الأماكن الآمنة والخطرة معا، وأنماط السلوك الآمن وغير الآمن، لان الانفعال الشعبي قد يصل الى درجة تستهدف حتى المدنيين، بما فيهم طواقم الصحفيين المصورين الذين يغطون الأحداث، وهذا يوجب على هؤلاء الحذر من الانتقام أو الهجمات عليهم مباشرة بعد بدء الحدث.

وهنا لا بد من ان نطبق نفس مبادئ التخطيط المسبق، بتحقيق السلامة، خلال السيطرة على الموقف، وإلا فان أخطر المواقف هو ذهاب الفريق الصحفي إلى مكان لا يقدر درجة خطورته أو أشكال المخاطر المتوقعة فيه، ولا يعرف مدى احتمالية أن يكون الفريق هدفا.

ويكون الفريق في خطر أكبر، عندما يعتقد أولئك المشتركون في الاضطرابات المدنية، أن مؤسسة هذا الفريق الصحفي مرتبطة بأحد أطراف النزاع..لذا على الصحفيين وباقي الفريق أن يزيلوا أية ملصقات أو شعارات تربطهم بهذه المؤسسة الإعلام المعينة .

ومن جهة أخرى قد تدعي قوات الأمن والشرطة أن وجود الكاميرات يصعد من وتيرة الشغب، ولذلك هي تحاول منع الكاميرات من تصوير الأحداث.. وبالتالي يمكن للصحفي أن يكون هدفا لأفراد الشعب، والشرطة معا طالما أن تغطيته للحدث ستضع أحدهما في وضع المذنب..وأما المصورون ومشغلو الكاميرات فهم عرضة للخطر الأكبر، إذا ما اعتقد المشتركون في الشعب أن الفيلم سيسلم إلى الشرطة.

وقد يرتدي الأشخاص الذين يخشون تصويرهم في هذه الأحداث غطاء وجه أو خوذة الدراجة النارية لتغطية وجوههم..وكذلك يستثار عناصر القوات الخاصة للشرطة أو الجيش من تغطية أحداث الشغب.

لان هنالك اعتقاد لديهم أن إخفاء الهوية يعني تضاؤل احتمالية المساءلة عن الأفعال، وبالتالي يلجأ إلى العنف.. وهذا العنف قد يبدأ بحالة من غضب جماهيري، وفي أحيان أخرى يبدأ عندما يحاول أفراد الشرطة تفريق الجمهور بالقوة، وقد تصعّد الشرطة الموقف ليتحول من استخدام للعصي إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاط وحتى الرصاص الحي.. واحرص أن لا تقع في قبضة جمهور غاضب، حيث إذا ما امسك بك حشد من الناس، قد يصعب عليك الوصول إلى مكان آمن بسرعة.. ولذا يجب عليك كصحفي عندما تغطي أحداث المظاهرات أو الشغب أن تتقيد بالأمور التالية:

- إذا كنت ذاهبا إلى منطقة شغب أو أحداث عنف فيجب أن لا تضل الطريق وتضيع.. وعليك دوما النظر إلى الخلف، ووضع علامات مميزة على الطريق تبين لك من أين أتيت حتى تعرف أين تهرب في حال خرجت الأمور عن السيطرة.

-عندما تغطي حدثا متوقعا كمظاهرة ما، قم بجمع المعلومات مسبقا حول تحرّكات الجمهور المحتملة، ونقاط تمركزهم والطرق التي سوف يسلكونها..واستطلع المشهد سلفا في مخيلتك، لتحديد اختياراتك والطرق البديلة للخروج من المكان عند الخطر، وكذلك معرفة الأماكن التي ينتمي إليها جماعات عرقية معينة ومجتمعات دينية محددة قد يبيّن لك طريق تحركك من والى المنطقة المعنية.

-رتب أماكن الالتقاء مع فريقك مسبقا وأوقات الالتقاء، إذا انفصلت عن فريقك داخل التظاهرة، وحاول استخدام وسيلة اتصال مباشرة معهم..عبر هاتفك النقال من خلال أرقام الطوارئ المخزنة مسبقا لديك.

-إذا كان هناك احتمال لإطلاق غاز مسيل للدموع، ولم تحمل قناع ضد الغاز، استخدم واقيات للدموع كمنظار واق للعين أو نظارة السباحة.

- قف باتجاه الريح واحتفظ بمنشفة وكمية من الماء لتغطية وجهك، واعصر الليمون على المنطقة المتضررة، مما قد يساعد في التخفيف من آثار المواد المهيّجة.. أو شم البصل.

-ارتد قميصا بأكمام طويلة وبنطالا طويلا، وليكن القميص بقبة عالية..كي لا يتعرض جسمك لآثار المواد المهيجة في الغاز المسيل للدموع قدر المستطاع.

-وفي حال استخدام السلاح العسكري يجب أن ترتد لباسا واقيا كما لو كان الأمر في منطقة حرب.

-قد تحتاج إلى وسيلة لإطفاء النيران إذا رشقت بزجاجات حارقة..وإذا لم توجد فعليك التدجرج أرضا.

-ارتد لباسا فضفاضا مصنوعا من نسيج طبيعي حتى لا يحترق بسرعة مثل النسيج الصناعي.

-احمل حقيبة صغيرة بها كمية كافية من الطعام والماء والأغراض الأخرى لتستخدمها خلال يوم واحد على الأقل في حال امتد الاضطراب وعانيت من صعوبة في الوصول إلى مكتبك.

-احمل معك صندوق إسعاف أولي واعرف كيفية استخدامه جيدا.

-إذا كنت تصور مظاهرة فمن الأفضل أن لا تسير وسط الجمهور بل تكون قريبا من الأحداث، وإذا كنت لا تصور فليس ضروري أن تبتعد عن الجمهور طالما تستطيع أن ترى وتسمع ما يجري عن بعد .

-يمكنك إجراء مقابلات مع أطراف النزاع قبل وبعد الحدث بحرية، حول ما يجري.

-إذا كنت جزءا من الفريق فابق مع الفريق، أو انسحب مع الفريق، وإذا انسحبت فانسحب مبكرا، وإذا كنت تعمل بمفردك تأكد من وجود وسيلة اتصال مع شخص يستطيع مساعدتك عند الحاجة.

-حاول أن تتذكر طرق ومسارب المكان الرئيسية المواقع البارزة فيه ومراكز قوات الأمن وأقرب مستشفى.  وحاول أن تتوقف من وقت لآخر لتتأكد أن هذه الطرق خالية أم مزدحمة.

-إذا كنت تخشى أن يختطف الفيلم أو الشريط منك، فاستخدم فيلما أو شريطا رخيصا وضعه في جيبك، واخف المواد المستخدمة حالما تخرجها من الكاميرا.

-أما إذا كنت تستخدم معدات رقمية فليكن معك قرصا احتياطيا في حال اضطررت لتسليمه بالقوة.

- في حالات الخطر الشديد ابق مع مصور آخر حتى تستطيعان الاعتناء ببعضكما البعض.

-إذا كنت تعمل لوحدك، سواء كصحفي أو كمصور، حاول أن تعرف متى تكون مركز اهتمام الجمهور وليس جزءا منه.  فقد تكون عرضة للخطر حتى عندما لا يكون الجمهور عدائيا.

-عليك أن تنجرّ  باتخاذ خطوات خطيرة لالتقاط نفس الصور أو الفيلم الذي قام غيرك بتصويره.

-اطلع مركز الأخبار بكل ما يحصل حتى يكون درسا يستفاد منه في الأحداث القادمة..واحم معداتك جيدا.

-يجب أن تدرك النتائج القانونية لك كصحفي في منطقة أو إقليم أو دولة تقوم فيها بتغطية حدث معين وإعداد التقارير حوله.

-تذكر أن قدرتك على القيام بواجبك بأمان يمكن أن تتأثر سلبا إذا سمح للشرطة بالوصول إلى موادك بعد المظاهرات والاضطراب المدني.

-تذكر أن التجمعات السلمية قد تكون خطيرة، وتكون عرضة للخطر عندما يشعر المشاركون في الشغب انك تجمع أدلة ضدهم.

-اعلم أن الجمهور المتأجج غضبا قد ينهال ضربا على المصورين ورجال الكاميرات لأنهم يعتقدون أن رجال الإعلام غير مبالين بهم، أو للقيام بمنع نشر صور من قام بالهجوم.

- ينبغي البقاء على الحافة في حال وجود الحشود خلال الاضطرابات الأهلية، وابقي نفسك متيقظاً لرؤية أية علامات فارقة.

-اعلم انه في بعض الأحيان يتم افتعال حادثة معينة لينصب كمين لقوات الشرطة أو الجيش.

المطلب السادس: الآثار الجسمية والنفسية الناجمة عن المهمة:

يتوجب على إدارات المؤسسات الإعلامية ضمان توفير الاستشارة الطبية النفسية للصحفيين ومساعديهم بعد عودتهم من مهماتهم الخطرة أو بعد تغطيتهم لأحداث خلفت لديهم نوعا من أنواع الصدمة.

أ) اضطراب التوتر ما بعد الصدمة :

يمر الصحفيون بأحداث مريعة تنخر في عمق نفوسهم، وهم يقومون بتصوير وعمل أفلام وتقارير حول أحداث يتعرض فيها الناس للإصابة أو القتل بقسوة ووحشية، بينما يقفوا هم عاجزون عن تقديم لهم يد العون والمساعدة..مما يسبب لهم بلا شك توترا واضطرابا حادا بعد تلك الصدمة التي تلقوها من خلال هذا المشهد الذي مثل لهم جرحا في ضميرهم عند رؤية أبناء جنسهم من البشر يتعرضون للإرهاب أو الإصابة أو القتل.. هذا فضلاً عما قد يتعرض له الصحفيون أنفسهم من خوف عميق (لكن يعاني المصورون الذين يغطون الحروب والصراعات نسبه أكبر من الاضطرابات بسبب أنهم يمضون وقتاً في تحليل أفضل الزوايا لتصوير الناس الخائفين أو الموتى أو الذين يحتضرون) حيث انه في أغلب الأوقات يشعر الصحفيين والمصورين بالتردد لنقل الاهتمام بالناس الذين انتهت حياتهم، إذ أنهم يرغبون في نقل الخبر، ولكنهم لا يرغبون في رؤية أنفسهم جزءاً من الخبر بصفتهم ضحايا.

ومن الأعراض التي تؤثر على الحياة اليومية للصحفيين، أن بعضهم يعاني من ردود فعل قصيرة الأجل كالشعور المتزايد بالخطر أو الحساسية المفرطة لأي صوت مفاجئ، وقد يعاني آخرون منهم من تحجر العاطفة، ويصبحوا لا مبالين بشأن الموت والمعاناة.. وقد يبقى البعض منهم يعاني من مشاكل طويلة الأجل حتى تدمر حياته..حيث تهيمن عليه مشاعر الغضب أو العجز أو الأسف أو الذنب.. وكذلك انعدام الصبر في التعامل مع الحياة الاجتماعية أو العائلية الطبيعية..والشعور بخدر عاطفي.. ورؤية كوابيس بشكل متكرر.. وتجنب التفكير في الحوادث التي تسب اضطراباً كبيراً.

وقد ظهر على هؤلاء الصحفيين أن من الصعب أن يعترفوا بأنهم يعانون من الغضب أو الكآبة ما بعد الصدمة..لان هناك خوف كبير من أنهم إذا بدأوا التفكير في اتخاذ إجراء –ولو كان إجراءاً علاجياً- أن يهمشوا، أو أن يفقدوا مهنتهم.

ولكن ثمة اعتراف متزايد لاضطراب التوتر ما بعد الصدمة لدى بعض الناس ممن نجوا من أحداث مروعة، ومن بين طواقم الطوارئ التي تعاملت مع تلك الأحداث.. كما اعترف بعض الصحفيين والمصورين من أنهم يعانون من اضطرابات مشابهة ومن أعراض تجعل عملهم اليومي صعباً..حيث يبدأ الصحفي بالتعرض لردود الفعل هذه بعد انتهاء الصراع أو بعد تركهم لمنطقة الصراع، وعندما لا يعود هناك حاجة للقيام بالعمل وتغلب عليهم مشاعرهم الخفية.

توحي كلمة اضطراب بأن رد الفعل البشري الطبيعي قد أصبح أعمق، وأن الإصابات الذهنية فيه لا تشفى وحدها.. وأحياناً تُصنف الأعراض لفترة أقصر من الزمن بأنها اضطراب التوتر الحاد..ولذا فان تأثير عمل الصحفي عليه يبدأ فجأة من خلال نوبات خوف أو من خلال حالات صداع فظيعة أو حتى من أعراض جسدية تظهر بشكل متقطع، وهذا يقود فجأة إلى بعض الأعراض الكلاسيكية للتوتر. ويقود إلى أحلاماً مزعجة. ويقظة بشكل مفرط. واعتقاد خاطئ أحيانا بأن شيئاً سيسقط على رأسه، ولذا يجفل من أية أصوات مفاجئة.. وكذلك يبتعد عن الأمور التي تذكره بالأحداث المروعة تلك.

ولكن يقوم باستعادة الأحداث المروعة في أحلامه، فتذكر فيها الماضي أو الذكريات التطفلية غير المرغوب والمرحب بها.

كما يعاني أحيانا من الهيجان الفسيولوجي مثل تسارع نبضات القلب والتعرق والحصر النفسي..وهذا ما يقود إلى زيادة

معدل شربهم للكحول أكبر من غيرهم، حيث يشربون ضعف ما يشربه الآخرون، بالإضافة إلى استخدام متزايد للأدوية المنشطة..كما يظهر عليهم اكتئاب أكبر بشكل ملحوظ.. كما يعانون من اختلال وظيفي اجتماعي كبير..ويمكن أن يؤثر الاكتئاب واضطراب التوتر ما بعد الصدمة على العائلات من ناحية نوعية الحياة وسلامتها الفيزيائية.

الدعم النفسي والعلاج:

لقد غدت نوعية المعونة المقدمة للصحفيين قضية مهمة.. رغم ان الصحفيون لا يرغبون في أن تعالج ردود فعلهم البشرية، وحتى عندما يحتاجون للمساعدة، فهم يخشون دخول عالم من الهذيان النفسي. إذ أن الأشخاص الذين يقدمون المشورة الطبية بحاجة إلى معرفة الضغوطات الصحفية ورعب الحرب وعمليات القتل..لذا فإن المشكلة لا تكمن في حدة الصدمة، وإنما في مسألة كيفية علاج الصدمة، ومن هنا تأتي أهمية الوعي الذاتي، وأهمية التعاطي السليم مع العلاج الذي يجب أن تكون الخطوة الأولى فيه تشجيع الصحفيين على التحدث عن تجاربهم كإجراء روتيني بعد العودة من مهمتهم المروعة تلك.. كما يجب أن يدرك الصحفيون أن الاعتراف بمشاعر الاكتئاب أو الحزن لا يعتبر تعبيراً عن الضعف، إذ أن هذه المشاعر هي جزء من آلية تكيف الجسم..لذا فان أفضل طريقة للتعامل مع تلك الصدمات، أن:     -يتمكن البعض من التحدث إلى عائلاتهم وأحبائهم، او التحدث إلى الأشخاص الذين شاركوهم في تجاربهم القاسية تلك.

-وقد يكون الخروج برفقة زميل لاحتساء مشروب ما، والتحدث عن الأحداث المفجعة السابق كافياً لتخفيف وتنفيس التوتر.

-وقد يمكن تقديم المساندة لهم من خلال برامج مثل المشورة الخارجية المجانية التي تُوفر لكافة الموظفين.

-وينبغي أن يتأكد كل صحفي يخضع للمشورة الطبية بأنه لن يفقد عمله، أو يفقد حق المشاركة في المهمات الكبيرة، أو يفقد هيبته بسبب اعترافه الاكتئاب أو بالكوابيس.

-ويجب أن يكون نظام المشورة الطبية للكوادر سرياً ويجب أن يتيح للصحفيين أن يراجعوا بأنفسهم دون الحاجة إلى الخوض في إجراءات إدارية.

-يجب على منظمات الصحفيين أن تمارس ضغطاً على الإدارات الإعلامية لضمان توفير فرصة المشورة الطبية السرية لكافة الصحفيين بعد أدائهم لمهام تنطوي على تعرضهم لصدمة.

-كما أن مهما تعلم الصحفيون كيفية إدراك الأعراض في بعضهم البعض لتسنى لهم تقديم المعونة واقتراح التدخل.

-إنشاء مجموعات تقدم مساعدة ذاتية حيث يتسنى للصحفيين الذين غطوا صراعاً أن يتحدثوا عن خبراتهم. وستخلق هذه

المجموعات شعوراً بالأمان بحيث أن ما يقال في أحد الاجتماعات لن يكون موضوع قيل وقال خارج المجموعة.

-وجود حالات انهيار شخصي أو حالات توشك على الانهيار بعد تغطية صراع طويل، ويجب أن يقدم أصحاب العمل علاجاً لا ينطوي على سمة شخصية للصحفيين ذوي الأعراض طويلة الأجل، إذ أن علاج الجروح الذهنية التي خلفتها تغطية مثل هذه الأحداث يجب ألا تختلف عن ضمان أن الصحفي الذي تعرض لإصابة في يده يجب أن يخضع للعلاج قبل عودته إلى عمله.

ب) الإجهاد اللاحق للصدمة:

هو رد فعل طبيعي على حدث غير اعتيادي.. فالإجهاد لا يؤثر في مراسلي الحرب وحسب بل في الصحفيين الذين يغطون المآسي التي تنطوي على ألم أو خسائر في الأرواح. ومن القصص الصحفية التي يمكن أن تتسبب في إجهاد مفرط تلك التي تتناول عمليات تنفيذ عقوبة الإعدام، وإطلاق النار العشوائي، والتفجيرات الإرهابية، والاعتداء الجنسي بما فيه الاعتداء الجنسي على الأطفال، والعنف الأسري، وحالات الانتحار، والتنمّر.

ويتجلى الإجهاد اللاحق للصدمة في طرق عديدة. فقد لا يقوى الفرد المتعرض للإجهاد على الإفصاح عن أكثر من شعوره بأنه ليس على ما يُرام، أو أنه ينبغي فعل المزيد. فبالنسبة للصحفيين الذين يحتم عليهم عملهم مراقبة الأحداث ونقل وقائعها وعدم التدخل فيها، فإن مشاهدة المأسي الإنسانية مشاهدةً بحتة يمكن أن يُحدث ضررا عاطفيا. بل إن الصحفيين الذين يقابلون ضحايا الصدمات، قد يتعرضون هم أنفسهم إلى ما يسميه الخبراء الصدمة غير المباشرة أو الثانوية. فمحررو الصور ومقاطع الفيديو قد يتعرضون للصدمة بسبب تعاطيهم مع الصور المروعة الواحدة تلو الأخرى.

وتتسم علامات الإجهاد في الغالب بصعوبة الكشف عنها. ومنها أن يبدو الصحفي أكثر قلقا أو انفعالا أو انطواءً على نفسه أو جفاءً أو اكتئابا أو حزنا أو غضبا، وتكون تلك المشاعر إما متواصلة بوتيرة واحدة أو متقلبة.

وأما الأعراض الجسدية فتشمل اضطرابات في النوم أو الأكل، وتسارع في دقات القلب، والتعرق، ونوبات الذعر، والصداع، والغثيان، وألمٌ في الصدر. كما يُعتبر توتر العلاقات الشخصية والمهنية عَرَضا شائعا، وكذلك الإسراف في تعاطي الكحول أو المخدرات.

ومن العلامات الأخرى الانكباب بصورة غير طبيعية على العمل، كما لو كان المرء، مثلما في حال السلوكيات القهرية الأخرى، يحاول أن يهرب من مشاعر مزعجة.

وينطوي هذا الاضطراب على استمرار ظهور الأعراض لعدة أشهر أو مدة أطول، كما قد ينطوي على أعراض أكثر وبالا على المصاب ومنها الانسحاب العاطفي أو فقدان الإحساس، والخوف أو الغضب الشديدين أو الشعور بالذنب، واليأس، وفرط التيقظ للتهديدات المتصَوَّرة، وتدني الوعي، والارتباك.

ويمكن لاضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة أن يغير الطريقة التي تتواصل فيها الشبكات العصبية مع بعضها داخل الدماغ، وهذه التغيرات التي تحدث “يمكن أن تحدو بالمرء لأنْ يُحيي في نفسه تجارب سابقة.

وإذا تُرك اضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة دون علاج، فإنه قد يُفاقم طائفة من الاعتلالات الصحية كارتفاع ضغط الدم.

ومن الأمور التي تساعد الصحفي، في التغلب على إجهاد ما بعد الصدمة، التقيد بالتعليمات والإرشادات التالية:

-تعلم كيفية الاعتناء بنفسك.

-التخلص من الثقافة السائدة التي تنزِع إلى مقاومة الاعتراف بتأثير الصدمة.

-عليك أن تتدارك بأنك تعرضت لصدمة قد يكون الخطوة الأصعب.

-خذ إجازة من العمل، فأخذ إجازة قد يُفضي إلى نفع لا يُقدر بثمن

-أبلِغ المحرر إذا اقتضى الأمر بأنك ترغب في العمل في حقل آخر من حقول الكتابة الصحفية.

-أداء التمارين بانتظام يساعد في التنفيس عن الإجهاد، بأن تمارين العقل والجسم مثل اليوغا، وتاي تشي، وكي جونج، والتأمل قد تعود بالنفع على ممارسها في هذا السياق.

-امنح نفسك الفرصة كي تعرب عن أحزانك أو معايشة عواطفك الأخرى.فالتعبير عن عواطفك هي وسيلة أخرى للتنفيس عن الإجهاد. فالصحفيون يستفيدون عندما يناقشون تجاربهم فيما بينهم. ويمكنهم الاجتماع لأجل ذلك في مكانٍ ما داخل غرفة الأخبار أو في مقهى قريب.

-ينبغي لمديري غرفة الأخبار المساعدة في إيجاد الفرص والمنتديات لإتاحة هذا التفريغ بين الأقران. أيا كان المكان، فلا ينبغي أن يشعر الصحفيون بأنهم عرضة لأحكام الآخرين، بل ينبغي أن يشعروا بالأمان لكي يفتح كلٌ منهم قلبَه للآخر”.

-يمكن للصحفيين الذين يواجهون إجهادا عاطفيا التحدث مع مستشار متخصص بحالات الإجهاد. حيث يمتلك العديد من المعالجين خبرةً في معالجة الإجهاد اللاحق للصدمة.

ج) الضغوط النفسية التي تواجه الصحفي أثناء تغطية الاحداث:

يعتبر الضغط النفسي: هو درجة استجابة الفرد للأحداث أو المتغيرات البيئية في حياته مما يؤدي إلى التأثير على  حالته الجسدية والنفسية ). أو هو ” شعور الإنسان بوجود حدث يشكل تهديدا لسلامته الجسدية والنفسية أو كارثة إنسانية كالزلزال أو البركان أو من صنع الإنسان مثل الفشل الدراسي أو ظروف الأسرة كالفقر والحروب والسرقة حيث يشكل الضغط النفسي ضيقا واختناقا يجعل الفرد يبحث عن متنفس يرفع عنه هذا الضغط “.

ويمكن تسمية عصرنا بعصر الضغوط ” العلل ” وذلك لأن كل منا معرض للضغوط في حياته.. ولأن هذه الضغوط تترك آثارا سلبية على الحالة المهنية للصحفي، لا بد من التطرق لها..واخطر أنواع الضغوط هي الضغوط النفسية.

الآثار السلبية للضغوط النفسية على الصحفي:

-تؤثر على الحالة الجسدية، وتؤدي إلى الشعور بالصداع أو الآم المعدة، أو تؤدي إلى التشنجات العضلية وعسر الهضم وارتفاع ضغط الدم.

-تسبب الضغوط النفسية قلقا عند الفرد وهو أكثر شيوعا حيث يشعر بالخوف والتوتر وعدم القدرة على النوم لأنه يتذكر مشاهد الحدث الذي سبب له الضغط النفسي .

-اضطراب الذاكرة وضعف التركيز والانتباه وانخفاض القدرة على التعليم، بسبب الشحنات الانفعالية الزائدة الناتجة عن الضغوط التي تمنع اختزان العقل للمعلومات الجديدة.

نتيجة التفكير الشديد في عواقب ردود الأفعال على الحدث إلى يسبب الضغط ومراجعة النفس مرارا مما يسبب التشتت الذهني وعدم التركيز.

-تزيد الضغوط من الغضب والعنف عندما يشعر الإنسان أن جهده الذي بذله من اجل الوصول إلى هدف معين قد أعيق مما يؤدي إلى العنف والإحباط كما يحدث في المباريات الرياضية عندما يشعر  احد الفريقين أنه قد خسر البطولة فيقوم بافتعال المشاجرات مع الفريق الأخر.

-يسبب الضغط النفسي الاكتئاب والتبلد وهما عكس ما ورد حيث يتم الانسحاب للداخل وهذا ما يحدث  عندما يتعرض شخص لقمع مستمر وضرب وإهانة متكررة  .

ويتمكن للصحفي تخفيف الضغوط النفسية التي تنهشه، من خلال:

-الحديث مع إنسان يثق به حول ما يضايقه والبحث معه عن سبل الضغط وإيجاد الحل له.

-والتغيير الايجابي البسيط في نمط الحياة، مما يحول الضجر والملل إلى راحة نفسية عن طريق القيام بأعمال بسيطة وسهلة، كتغيير نمط الدراسة التقليدية التي اعتدت عليها، واستخدام طريقة حديثة أو تشكيل مجموعة من عدد محدد من الأصدقاء للدراسة معهم.

-القيام بنزهة إلى الحديقة، أو ممارسة التمارين الرياضية، حتي تحسن المزاج وتخفف الضغط النفسي.

-الصبر والتفاؤل والنظرة الايجابية للأمور، قال تعالى ” إن مع العسر يسرا “

أترك تعليقا

” الحركة الإسلامية الأسيرة في فلسطين “

” الحركة الإسلامية الأسيرة في فلسطين “
مقدمة:
يرتبط تاريخ فلسطين بالإسلام بشكل عام، وبتاريخ الحركة الإسلامية المجاهدة بوجه خاص، فقد شهد القرن العشرين، ولادة تجربة إسلامية جهادية تمثلت في “حركة القساميين” بقيادة الشيخ المجاهد عز الدين القسام، وما نتج عنها من ثورة عام 1936م-1939م والتي كانت نموذجاً للجهاد والاستشهاد في التاريخ السياسي الفلسطيني، وتركت أثرا بالغ الأهمية على مسيرة الحركة الوطنية السياسية في التاريخ الفلسطيني بعد ذلك، كما كانت معلما ونبراسا لكل القوى الإسلامية المجاهدة في فلسطين، التي تبنت درب الثورة والمقاومة والجهاد.
ثم جاءت نكبة فلسطين عام1948م ، التي أدت إلى تشريد القسم الأكبر من السكان، إما إلى قطاع غزة، الذي خضع سياسيا وإداريا‎ً للإدارة المصرية، أو للضفة الغربية التي خضعت سياسيا وإداريا للأردن.. مما كان له اثر على الوقع السياسي الفلسطيني، الذي امتاز في الغالب بالتأثر بهذا الواقع، الذي شهد هدوء على معظم الجبهات، عدا جبهة قطاع غزة التي انطلق منها فدائيو مصطفى حافظ، بالعمل ضد الكيان الصهيوني، بعد ثورة يوليو في مصر. أما القوى السياسية في الضفة بجميع أطيافها، فقد تراجعت عن دورها التاريخي حيال القضية الفلسطينية.. حيث ارتبطت بالأوضاع السياسية والحزبية في العالم العربي.. مما جعلها تتأخر عن فكرة مقاومة المحتل..وتسلك مسلكا سياسياً ودعوياً وتربوياً فقط..وبذلك غاب دورها عن أي مجال قيادي أو جهادي في فلسطين الأمر الذي مكن غيرها من القوى السياسية على الساحة الفلسطينية من التقدم لقيادة العمل الوطني الفلسطيني.
وفي ظل هذا الغياب غير المبرر للتيار الديني، ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية في عام1964 م بقيادة احمد الشقيري، وفي بداية عام1965م انطلقت الشرارة الأولى للمقاومة الفلسطينية المسلحة، عبر حركة فتح بقيادة أبو عمار على أساس وطني فلسطيني دون تبني فكر إيديولوجي معين.
وبعد هزيمة عام 1967م واحتلال جيش العدو الصهيوني لباقي الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وإخضاعها لإدارة الحكم العسكري الإسرائيلي، التي أفرزت واقعا جديدا -للأسف- لم تستغله الحركة الإسلامية.. وبالتالي ابعد التيار الديني نفسه، عن ساحة المواجهة مع الاحتلال الصهيوني، عن العمل العسكري. في حين تقدم التيار الوطني الفلسطيني ممثلا في فصائل (منظمة التحرير الفلسطينية) ليقود مرحلة الكفاح الوطني الفلسطيني المسلح، وقام بأعمال فدائية جريئة، أكسبته مكانة عالية عند الجماهير الفلسطينية والعربية على حد سواء.
وقد كان لجيش التحرير الفلسطيني (الذي تأسس عام1964 م ، على يد أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، السيد احمد الشقيري) المتواجد في قطاع غزة، السبق في هذه الملحمة الفدائية، حيث انتشر هذا الجيش في قطاع غزة، بعد احتلاله من قبل الصهاينة عام1967 م وباشر في تجميع طاقاته وقواته، على شكل خلايا مسلحة ومنظمة، انخرطت في مجموعات فدائية، في إطار وطني مقاوم، هو ” تنظيم قوات التحرير الشعبية ” تحت قيادة عدد من ضباط جيش التحرير الفلسطيني، كان أبرزهم (زياد الحسيني).. ولم يتبنى هذا الفصيل أي إيديولوجية فكرية معينه، باعتباره مجرد تجمع وطني عسكري، يهدف للقتال ضد العدو الصهيوني.
وقد تمكن هذا التنظيم من مباشرة العمل العسكري المسلح بأسلوب حرب العصابات ضد جيش الاحتلال الصهيوني، والقيام بالكثير من العمليات العسكرية الجريئة ضده، وتوجيه ضربات موجعة ومؤلمة، لهذا العدو المنتشي بالنصر ضد الجيوش العربية مجتمعة، مما جن جنونه فزاد من عمليات القمع ردا على عمليات المقاومة هذه، فقام بهدم وتدمير واعتقال وتعذيب وترحيل وحظر تجوال وغير ذلك ضد المقاومة والمدنيين، إلا أن المقاومة ازداد لهيبها، وامتد اشتعالها، حتى وصل إلى الضفة الغربية كذلك.
واستمر التنظيم يعتمد على عناصره المجندة عسكريا في الجيش، حتى نهاية عام 1968م، حيث تعرضت قواته العسكرية من أبناء الجيش، إلي ضربة اعتقال قوية، مما اضطره للانتقال إلى التنظيم في أوساط الطلبة (المرحلة الثانوية)، وبهذا تمدد التنظيم بشكل كبير، وأصبح التنظيم الأكبر عددا وعدة، والأكثر خلايا تنظيمية، وسجل على صعيد العمليات العسكرية الرقم الأول من حيث الحجم والكفاءة والفعالية، آنذاك في قطاع غزة. وأصبح التنظيم الأكثر ملاحقة ومتابعة، وامتلأت السجون الصهيونية -جراء الاعتقالات المتواصلة- بعناصره وإتباعه وأنصاره.
وقد كان لهذا التنظيم، الفضل الكبير في تنشيط الخلايا المسلحة، بالإضافة إلى الفصائل الوطنية الفلسطينية الأخرى (كحركة فتح، والجبهة الشعبية) التي وصل بها الأمر في بداية السبعينيات، إلى فرض سيطرتها على القطاع. حيث كانت قوات العدو الصهيوني، تجبن حتى عن دخول بعض المناطق، ليلا بعد حلول الظلام.. مما جعل البعض يفاخر بان المقاومة الفلسطينية، هي التي كانت تحتل قطاع غزة ليلا وتفرض سلطتها عليه، وليس العدو الصهيوني.
التعبئة الفكرية لفصائل الحركة الوطنية داخل السجون الصهيونية:
لقد انطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية الوطنية، في مقاومة المحتل الصهيوني، على أرضية القطيعة الحادة مع الإسلام كمنهج، ومع الحركات الإسلامية كواقع، وقد وصل الحال ببعض هذه الفصائل إلي تبني أفكارا مناقضة بشكل واضح للفكر الإسلامي، كالفكر الماركسي الذي نظر إلي الدين كأفيون للشعوب.. وتعمق هذا الفكر داخل السجون، لدرجة ادعي فيها الماركسيون بأن المتدينين، وحتى أبناء الفصائل العلمانية، هم رجعيون ومرتبطون بالأنظمة العربية الرسمية التي تحارب الكفاح المسلح.
وأصبح الإسلام متهم في عقر داره، وغدي كل متدين.. إما عدو للحركة الوطنية، أو مهادن للاحتلال.. مما جعل أغلب شباب فلسطين، يتوجهون للمقاومة الوطنية بجميع فصائلها، ويتخلون عن الحركة الإسلامية بجميع أشكالها بسبب الاغتراب الذي أفرزته الاجتهادات الخاطئة في الحركة الإسلامية، بتأجيل المواجهة مع المحتل الصهيوني، مما ضرب الإسلام ومنهجه في الصميم، وغدى بذلك كالغريب في موطنه، البعيد عن أهله.. الأمر الذي أدى إلى اشتداد هذه الغربة بين الإسلام، وبين الفصائل الوطنية الفلسطينية حتى داخل السجون الصهيونية.
حتى وصل الأمر -في مرحلة السبعينيات- إلى فرض معادله جديدة وملحة أمام التنظيمات، وذلك بالبحث عن مادة تعبوية ثقافية لعناصرها ومؤيديها.. فبدأت بالفعل هذه الفصائل بتعبئة أفرادها، بثقافة وفكر بعيد عن الإسلام، كالفكر الماركسي. حيث نحت الجبهة الشعبية بعد عام 1971م نحو هذا الفكر.. وتبدلت التعبئة في هذا الفصيل إلي تعبئة بالفكر الماركسي، مما شكل خطرا فكريا علي الفصائل والتنظيمات الأخرى..التي أخذت تحصن إفرادها ضد هذا الفكر.. فأخذت فتح تشحن عناصرها بالتعبئة الثورية الوطنية، أمام هذا الفكر الشيوعي الصاعد في تلك الفترة. ولكن بعض عناصر فتح لم تصمد أمام هذا الفكر، فتبنت الأفكار الماركسية، مما خلق أزمة داخليه في فتح. الأمر الذي جعل البعض يتجه للفكر الإسلامي، إما للتعرف عليه، وإما لتبنيه، وهذا الأمر جوبه بشده وحزم، حيث اعتبر ذلك بمثابة خروج عن الصف الوطني، بل وجريمة نكراء يعاقب عليها. وفي ظل الأجواء الملبدة بغيوم الشك وعدم الثقة بكل ما هو إسلامي، فرض الواقع علي كثير من الأخوة المنتمين لفصائل العمل الوطني الفلسطيني إلي تبني الفكر الإسلامي سرا، وذلك خوفا من العقاب والعواقب.
تبني الفكر الإسلامي المقاوم داخل السجون:
وعلى صعيد تنظيم قوات التحرير الشعبية (المنبثق عن جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية) الذي لم يتبنى أي إيديولوجية، باعتباره مجرد تجمع وطني مقاتل ضد العدو الصهيوني -بدون أيديولوجية حزبية أو فكر ثوري محدد- وكان يقتبس معظم قواعده التنظيمية والسلوكية من بعض ما حفظه المؤسسين العسكريين من المدرسة العسكرية..أو من بعض الكراسات التعبوية للمدرسة الثورية.. ولكن هذا لم يشكل حصانة لأفراد التنظيم، مما جعل اغلب أبناء التنظيم بحكم النشأة يتوجهون لدراسة الفكر الإسلامي، الذي تولد عنه تبني السواد الأعظم من أبناء التنظيم لهذا الفكر الذي شكل بالفعل مدرسة فكرية جديدة داخل السجون، أفلح في خلق حصانه فكريه امام المد الماركسي الكاسح في السجون.
ولقد أفرز هذا التوجه -خاصة من أبناء تنظيم قوات التحرير الشعبية- إلى تبني الفكر الإسلامي كأيديولوجيا لهم (منهج ثقافة وسلوك ونظام حياة).. وبات واضحا وجليا، بعد العام 1973م، بأن فصيل قوات التحرير الشعبية قد تحول برمته إلي التوجه نحو الفكر الإسلامي، مما حدى ببعض الفصائل إلي التضييق عليه ومحاصرته..مما خلق ردة فعل من قبل الكثير من المعتقلين الوطنيين ومن معتقلي “قوات التحرير الشعبية” داخل السجون الصهيونية، في العام 1973م، إلى بناء نواة “الحركة الإسلامية الوطنية” أو “الحركة الإسلامية الأسيرة” داخل السجون التي كانت بمثابة النواة الأولى في بناء حركة الجهاد الإسلامي، وحركة حماس فيما بعد.
وقد ترأس هذا التيار قائد فصيل قوات التحرير الشعبية في سجن المجدل الأخ (جبر عمار) الذي كان بحكم رتبته وموقعة التنظيمي بمثابة القائد لهذا التجمع.. وقام اغلب أبناء التنظيم في جميع السجون الصهيونية بالولاء له.. وقد انضم بعد ذلك إلى هذا التجمع العشرات بل بالمئات من أبناء الفصائل الوطنية، الذين حسموا أمرهم بالانضمام لهذا التجمع الإسلامي الأول..وقد نشط البعض منهم على المستوى الفكري والثقافي، وخاصة في مجال الكتابة والتأليف.
وقد أجمع جميع الإخوة -من خلال محنة الواقع- على فكرة أساسية.. بأن غياب الإسلام كمنهج حياة..عن مقارعة الاحتلال، ومقاومته عبر إطار تنظيمي جهادي، هو خطأ تاريخي قاتل.. ورأوا بأن المسلم الحقيقي..هو الذي يتقدم ليدافع عن حياض الوطن، وأن الوطني الحقيقي هو الذي يرتبط بتراث وحضارة وثقافة وطنه.. وان المقاتل الصادق –خاصة في هذه البقعة المباركة- هو المرتبط بالإسلام العظيم عقيدة وتاريخ.
وهكذا جاءت عملية تبني الفكر الإسلامي داخل السجون الصهيونية من قبل المناضلين الفلسطييين، كرد فعل طبيعي من قبل الفتية الذين تربوا علي حب الجهاد والاستشهاد في رحاب الوطن ورحاب الإسلام.. وكان الإسلام والوطن في مخيلتهم أمرا واحدا لا يمكن الفصل بينهما بتاتا.. ولم تشكل بالتالي معادلة الانفصام النكد بين الوطنية والإسلام.. أي معيار سلبي لديهم.
الإعلان عن تأسيس الحركة الإسلامية داخل السجون الصهيونية:
بدأت رياح التغيير داخل السجون الصهيونية، وبات واضحا علائم تأسيس الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون، حيث زادت الأزمة الفكرية بين فصيل قوات التحرير الشعبية، وبين فصائل العمل الوطني، وتعمقت أكثر عندما أشيع في نهاية عام 1973م بان هذا تنظيم قوات التحرير الشعبية، قد تم حله من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وتطورت الأمور نحو القطيعة شيئا فشيئا حين أعلنت جميع فصائل العمل الوطني عام 1976م عدم التعامل مع تنظيم قوات التحرير باعتباره قد حل بشكل نهائي ورسمي، وبالتالي علي جميع عناصره الانخراط في الفصائل الأخرى. مما جعل البعض من أبناء الفصيل يتوجه للالتزام ببعض هذه الفصائل، ولكن ظل السواد الأعظم من التنظيم رافضا لهذا القرار، ومتماسكا ومرتبطا بموقفه الرافض لهذا القرار.
وأدي احتدام الصراع في نهاية المطاف إلي الإقدام علي الخطوة التي كان لا بد منها.. والتي تمثلت في الإعلان الرسمي عن تشكيل الجماعة الإسلامية في السجون الصهيونية، وانفصال وخروج معظم الإخوة الذين تبنوا الفكر الإسلامي عن فصائلهم، بالإضافة لأغلب شباب قوات التحرير الشعبية الذين شكلوا الركيزة الفكرية والنظرية لتلك الجماعة.. أي انه كان لتنظيم قوات التحرير الشعبية النصيب الأكبر من هذا التحول نحو الإسلام، وكذلك المباشرة بإنشاء الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية.. لكونها التنظيم الوطني الوحيد الذي لم يحمل أيديولوجية معينة أو حتى فكرا محددا يعيقه عن تبني الفكر الإسلامي، إضافة على أن معظم عناصره يغلب عليهم التدين بالفطرة، بالإضافة كذلك إلي تعرض التنظيم لعملية الحل من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي جعل قيادة التنظيم في السجون الصهيونية تعمل على تحويل التنظيم برمته إلى الحركة الإسلامية، ومن ثم إلى تميز الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون بتبني الفكر الإسلامي علنا وبوضوح.
ولذا نستطيع القول بان النواة الأولي (للحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية) نشأت من رحم هذه الفصائل، رغم المعاناة والألم التي تعرضوا له في سبيل ذلك، حيث كانت الفصائل في أوج قوتها ونفوذها وعنفوانها، ومارس بعضها أنواعا شتى من التضييق والحصار والمحاربة ضد هؤلاء الإخوة.. وقد بدأت بذلك مرحلة جديدة ببزوغ وتكوين الحركة الإسلامية داخل السجون الصهيونية الموحدة.
وبعد أن أعلن عن بناء الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجن الصهيونية، احتدمت المواجهة الفعلية بين هذا التيار الإسلامي الفتي داخل السجون الصهيونية -الذي انخرط فيه عدد من أبناء الفصائل الأخرى بالإضافة لشباب قوات التحرير الشعبية- وبين التيار الشيوعي والعلماني، الذي حاول تشويه هذا التوجه والإساءة إليه..لأنه كان يعتقد خاطئا بأن التدين ضد الخط الوطني الثوري.
وعلى أثر ذلك خاضت الحركة الإسلامية الوطنية الناشئة داخل السجون الصهيونية، معركة نفسية قاسية، شنت من قبل بعض الفصائل، التي رأت في هذا التوجه خطرا عليها.. خاصة وأن بعض عناصر هذه الفصائل قد تبنت الفكر الإسلامي.. مما جعلها تخشي من امتداد تأثير ذلك إلي داخل تنظيماتها وبالتالي تفقد خصائص وجودها، وخاصة بعد أن التحق بركب الحركة الإسلامية رموز من هذه الفصائل داخل السجون..مما جعل بعض قيادات هذه الفصائل يتمادي في المواجه التي انتهت بمقاطعة الإخوة في بعض السجون .
وقد شهد سجن غزة المركزي.. تكتيكا جديدا واجتهادا أخر من قبل أبناء تنظيم قوات التحرير الشعبية، تمثل بعدم الطلب من شباب (قوات التحرير الشعبية) بحل التنظيم والخروج منه إلى الجماعة الإسلامية التي كانت موجودة في المعتقل، وذلك لوجود أعداد كبيرة في السجن من أبناء قوات التحرير الشعبية -منهم نسبة من الشباب الصغار- والذين كانوا يشكلون حجما لا بأس به في هذا المعتقل في الأعوام (1979-1980-1981)، وعمدوا بدلا من ذلك إلى إعلان تبني التنظيم نفسه للإسلام، وتغيير اسمه باسم تنظيم (قوات التحرير الإسلامية) مع المحافظة على علاقة تكاملية بين هذا التنظيم، وبين أبناء الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية .
فكرة بناء تنظيم إسلامي مقاوم:
إن مسيرة النضال والكفاح الفلسطيني لم تنفصل عن بعضها البعض، حيث يشكل هذا النضال والكفاح تراكما عمليا لمسيرة الثورة ضد العدو الصهيوني، وإن برز هذا النضال بعناوين مختلفة تقود هذا النضال تتراوح بين ما هو يساري وعلماني، وبين ما هو ديني وإسلامي.. ولهذا فإن فكرة الجهاد والمقاومة بثوب إسلامي، ليست بدعا من العمل الثوري بل هي مدرسة إسلامية جهادية تخوض النضال والجهاد في الساحة الفلسطينية حسب رؤية ومنهج يستمد قواعده ومسلكياته من منهج الإسلام العظيم.. ووفق هذه الرؤية لا يجوز أن تتنكر الحركة المجاهدة المقاومة في فلسطين لماضيها الوطني المقاوم، في اللحظة التي تعتز فيه بماضيها وبحاضرها الإسلامي المقاوم، باعتبار أن النضال والكفاح والجهاد في فلسطين ضد العدو الصهيوني عبر التاريخ، هو امتداد لتاريخ واحد، وهو عمليه تراكمية متكاملة يجمع ما بين الوطنية والإسلام.
إن الجهاد والمقاومة في فلسطين كفكرة تمثل متطلب شرعي يوجب الجهاد كفرض عين عندما يحتل العدو بلد إسلامي ما.. وإن الجهاد والمقاومة في فلسطين كواقع انبثقت من داخل السجون الصهيونية، بسبب عدم وجود فصيل إسلامي مجاهد، يمثل إجابة لهذا الواقع الذي مثل غياب الحركة الإسلامية التقليدية عنه، إلى حالة من الانفصام بين الوطن والإسلام، بعدم تبني أي من فصائل المقاومة الفلسطينية المنهج الإسلامي في صراعه الوطني ضد المحتل الصهيوني.
كما جاءت في نفس اللحظة، التي وصلت فيها الحركة الإسلامية التقليدية إلي أزمتها الإسلامية، بغيابها وانكفائها عن الواقع، حيث وضعت نفسها في ثلاجات الإجهاد الخاطئ.. والفهم السلبي لحقيقة الصراع في فلسطين .
وإننا لا نبالغ إن قلنا بأن بذرة التفكير بقيام حركة أو تنظيم إسلامي مقاتل علي الساحة الفلسطينية يعود الفضل فيه إلي الأخوة السجناء الذين تبنوا الإسلام فكرا وسلوكا ومنهج حياة، وحاولوا بعد ذلك الإجابة عن السؤال الذي راود كل طلائع العمل الإسلامي داخل السجون الإسرائيلية، لماذا لا يتقدم الإسلام ليخط معالم طريق العمل الجهادي في فلسطين.
تأثير الحركة الإسلامية الوطنية في السجون، على تبني النهج الإسلامي الثوري:
لقد تمخض التفكير داخل السجون الصهيونية، من خلال الحركة الإسلامية الوطنية الأولى في هذه السجون، عن ضرورة وجود تيار إسلامي ثوري، يحمل الإسلام فكرا، ويسلك المقاومة نهجا وطريقا..أي كانت فكرة التأسيس للعمل الجهادي، وفكرة الانطلاق والبناء من داخل السجون الصهيونية.
وبكل بساطة وبدون تعقيد أو تهرب أو انتظار، توصل الأخوة السجناء، القادمين من رحم الحركة الإسلامية، والذين تبنوا الإسلام داخل السجن الصهيونية، إلي وجوب الانطلاق في العمل لبناء عمل إسلامي وطني، والمباشرة بإنشاء النواة لهذا التيار، وعدم انتظار أحد مهما كان – تنظيما أو حزبا أو حركة- والذي تمخض عن ذلك التوافق والاتفاق فيما بين بعض الإخوة السجناء على هذا البدء بالتجسيد لهذه الفكرة..وبهذا فان فكرة بناء العمل الجهادي، الذي يتبني الإسلام كمنهج، والكفاح المسلح (الجهاد) كوسيلة، لم تكن بدعا من العمل الثوري، بل هي مدرسة إسلامية، تمت حسب رؤية ومنهج يستمد قواعده ومسلكياته من الإسلام..ومن واقع الكفاح المسلح الفلسطيني.
وللتاريخ والواقع إن الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية، تكونت باجتهاد فردي، ليس له علاقة أو ارتباط بأي حركة أو تنظيم أو حزب سابق على الساحة الفلسطينية او العربية أو الإسلامية.. ولهذا كان لأبناء الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية، فيما بعد تأثير مباشر على الواقع الفلسطيني بشكل عام، وعلى الحركة الإسلامية الفلسطينية بشكل خاص، حيث أحدثت تطورا نوعيا من حيث الإسراع في تبني العمل الجهادي المؤطر إسلاميا، المنتمي وطنيا، مما أعاد الإسلام إلي الصدارة في المواجهة مع الاستعمار والصهيونية، الذي غاب بفضل اجتهادات خاطئة أثرت بالسلب علي قيمة الإسلام كفكر ثوري باستطاعته أن يحدث ما عجز غيره عن انجازه وتحقيقه.
إن أمر الجهاد في فلسطين كان ملحا لأبناء الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية -الذين حملوا علي عاتقهم تأسيس هذه الحركة الإسلامية الفلسطينية داخل السجون- لذلك كان التفكير الأساس الذي اجمع عليه جل الذين تبنوا الإسلام داخل السجون، انه لا بد من وجود حركة أو فصيل أو تنظيم إسلامي مجاهد داخل فلسطين..والأمر لا يوجب التأخير أو التسويف أو التأجيل.. فالدين والواقع.. يحتم ذلك ولا مصلحة لتعطيل هذا الواجب مهما كان المبرر والسبب.. لذا فإن الحركة الإسلامية الوطنية -التي ولدت من رحم المعاناة والألم من داخل السجون، قد كان لها الدور الأساس في بناء التيار الجهاد في فلسطين.. الذي كانت تعبيرا عن حاجة دينية ومتطلبا واقعيا.. عاني منه بالأساس كل مؤسسو التيار الإسلامي داخل السجون الصهيونية.
التقاء الروح رغم تباعد المسافات:
لقد كان لغياب التيار الديني عن العمل الوطني الجهادي في فلسطين.. وغياب الفكر الإسلامي كأيديولوجية عن التبني في المشروع الوطني الفلسطيني..الأثر الأول في اجماع المؤسسين الأوائل للتيار الإسلامي داخل السجون، على انتقاد كافة مستويات الرؤى التي كانت تعالج القضية الفلسطينية، كقضية منفصل فيها الإسلام عن الوطن، وكان الانتقاد معمما من قبلهم للتيارين الوطني والإسلامي على حد سواء، حيث لم تقتصر الإدانة على الحركة الإسلامية التي غيبت فلسطين، بل شمل أيضا الحركة الوطنية الفلسطينية، التي استبعدت الإسلام من محتواها الفكري والنضالي، مشكله بذلك الاستبعاد أخطر نقاط ضعف المشروع الوطني الفلسطيني.
وبهذا تبلور –على مستوى فلسطين- التأسيس للمشروع الجهادي في فلسطين، عبر السؤال الإشكالية، الذي يمثل الواقع الملح، لماذا يوجد ” وطنيون بلا إسلام.. وإسلاميون بلا فلسطين”؟ والذي رسم الإجابة عليه أولئك السجناء الوطنيين الذين تبنوا الفكر الإسلامي في داخل السجون الصهيونية، الذين اعتبروا أن مشروعهم يمثل حلا لهذا السؤال، بتبنيهم المسألة الفلسطينية، بفكر الإسلام، والمقاومة المسلحة.. وقد شكل ذلك معلما مركزياً في شخصيتها، حيث شكل معا الهم الوطني والإسلامي، جدلية المرحلة القادمة، وبذرت بذور الفكر الجهادي الفلسطيني، الذي تعمد بالاشتغال بالمسألة الوطنية، وبقي حاملا لجدل المحافظة على التمرد والثورة.
عمق منطاقات الحركة الإسلامية الاسيرة:
لقد تحركت الجماعة الإسلامية، ونشطت كتجسيد لتلك الحركة التاريخية التي انطلقت بعد هزيمة 1967م ، لتؤكد بأن الإسلام كدين وحضارة هو الشرط الوحيد، لبقائنا واستمرارنا كأمة وثقافة، لمواجهة التحدي الغربي السياسي والثقافي على حد سواء.. ولهذا وبحكم الجذر الوطني للطلائع الإسلامية داخل السجون، ولقادتها والتكوين الثوري الذي حسمت به خيارها، كان من الطبيعي أن تنحاز إلى الاتجاه الذي يضم الجهاد، بما تحمله من روى جذرية وثورية تجاه الأنظمة الحاكمة، لكن دون أن يعني ذلك تطابق الحركة الإسلامية الأسيرة وتماثلها التام مع غيرها. حيث رفضت الطابع السلفي النصوصي المغلق، فكانت برامجها التربوية والتثقيفية داخل السجون أكثر سعة وانفتاح على الفكر الإسلامي وأصوله، ففي الوقت الذي كانت تقرر في خلاياها التنظيمية تدريس العلوم الإسلامية التقليدية -كعلوم الحديث والتفسير والسيرة النبوية والفقه وأصوله والعقيدة الإسلامية- كانت تدرس كتب المفكرين الإسلاميين –كسيد قطب، وحسن البنا- إضافة لكتب السياسية والتاريخ الفلسطيني، كما اهتمت بالتاريخ الاسلامي.
كما لم توافق هذه الحركة الإسلامية الاسيرة الجماعات المتطرفة، وخاصة في موقفها العدائي والتكفيري من الإخوان المسلمين، لمهادنتهم للحكومات، وإتباعهم للسبل السلمية الديمقراطية في التغيير.. وقد سعت الطلائع الإسلامية إلى الإفادة من الهوية الأيديولوجية المشتركة، الخاصة بالتوجه الإسلامي الجهادي، في التأثير على هذه الجماعات المتطرفة، وإعادة ترتيب أولوياتها التغييرية الصراعية والتحالفية.. حيث دعت الى وحدة كل الجماعات الاسلامية، ووحدة كل قوى وفصائل الحركة الإسلامية.
مظلومية الحركة الإسلامية الاسيرة في فلسطين :
إن الكثير ممن كتب في تاريخ حركة الإسلامي الأسيرة في فلسطين، يتجاهل للأسف الدور الهام الذي لعبه السجناء من أبناء الحركة الإسلامية الوطنية الأسيرة -التي تأسست داخل السجون الصهيونية- في التأسيس والانطلاق لفكرة المقاومة الإسلامية في فلسطين. وخاصة في الجانب التنظيمي والإداري والأمني والعسكري، وكذلك الفكري. فالسجناء من أبناء الحركة الإسلامية الوطنية داخل السجون الصهيونية، كان لديهم من نضوج الفكرة ووضوح الرؤية على المستوى الفكري والتنظيمي، ما جعلهم يتبنون فكرة بناء تنظيم إسلامي مقاتل على الساحة الفلسطينية، وهذا ما دفعهم بالفعل إلى طرح هذه الرؤية، باسم السجناء علي قيادة العمل الإسلامي في فلسطين.
ولو جاء الرد سلبيا لبدأ هؤلاء السجناء في العمل بمفردهم علي خيار قيام تنظيم إسلامي مقاتل مستقل، يجمع بين الإسلام والوطنية، ويضع أولويات الجهاد في فلسطين علي أرضية إسلامية، ومن منظور وطني صادق، باعتبار أن لا تعارض بين الوطنية الصادقة، والإسلام المجاهد.. معتمدين على ذواتهم وقدراتهم الخاصة.
ولقد كان اللقاء التاريخي، بين بعض الإخوة السجناء الذين خرجوا من السجن، -استكمالا لما توافقوا عليه داخل السجن- وبين الحركة الاسلامية.. حيث شكل هذا اللقاء المنطلق من داخل السجون فاتحة اتفاق، واثمر هذا الاتفاق الرائع التزاوج بين مدرستين: مدرسة الحركة الإسلامية من خارج السجون، ومدرسة الحركة الإسلامية من السجون الصهيونية.. وكان بهذا الاتفاق المبدئي دمج المدرستين، وبذلك تحقق الحلم لهؤلاء السجناء، الذين اكتووا بنار القطيعة بين الإسلام والوطنية على مدار سني الاعتقال.
وقد كان لهذا التلاقح، بين ابناء الحركة الاسلامية من خارج السجون، وبين أبناء الحركة الإسلامية المجاهدة من السجون الصهيونية الأثر الأكبر في بناء الحركة المجاهدة في فلسطين وذلك على عدة مستويات.. حيث ساهم هذا البناء التركيبي، المبني من تزاوج الخبرة للحركة الوطنية الإسلامية داخل السجون (التي تمتاز بالفهم الناضج للإسلام، وبعمق الانتماء للوطن، وبالخبرة التنظيمية والأمنية والعسكرية الواسعة).. وعلى الخبرة الإسلامية من الخارج (التي تمتاز بعمق الفهم والتحليل للإسلام، وبالحب الشديد للجهاد، وعمق الخبرة الفكرية والسياسية) في بروز وليد حركي تنظيمي، يمثل قمة في الرقي والروعة.. الأمر الذي جعله يتخطي مراحل.. ويقفز فوق الزمن.. ليشق طريقه بين فصائل ومنظمات وحركات تفوقه عده وعدد، وقوة وإمكانيات، وتاريخ وزمن، وواقع وبناء.
وبهذا الدمج بين المدرستين، كان السجناء منذ اللحظة الأولي، هم اللبنات الأولي في بناء الحركة الإسلامية المجاهدة، حيث عملوا علي تحويل الإطار الفكري والثقافي والسياسي إلي بناء حركي تنظيمي.. علي غرار الفصائل والتنظيمات والحركات الفلسطينية، فكانوا بحق وقود التحرك الميداني الفعلي خاصة في الجانب التنظيمي، بما يحوي من بناء عضوي يجمع في أطيافه مكونات التنظيم الثلاث الأساسية (الجهاز السياسي والأمني والعسكري) وهكذا شكل هذا العقد عملا فريدا في تركيبه، كبيرا في بناءه..راشدا في فكره.. عملاقا في تكوينه.. فكان بمثابة الوليد الذي خرج رجلا وافيا، متجاوزا مراحل الطفولة والرشد.

أترك تعليقا

سيكولوجيا القائد والاتصال الإنساني

سيكولوجيا القائد والاتصال الإنساني
بقلم الدكتور/ خضر عباس
من المفيد أن يضع القائد الذي يحتم عليه موقعه الظهور في الإعلام المرئي، كأحد وسائل الاتصال الإنساني الحديث، بين يديه بعض الأمور التي سالية الاتصال.. لكي يتم التركيز عليها من قبله. وهذه الأمور تتمثل في الاهتمام (بالمظهر (الملبس) والألوان والصوت ومستوياته وحركة الجسم والوقوف والجلوس والإيماءات وتقاطيع الوجه ونظرة العين.. الخ. اللون والمظهر (ألوان الملابس): إن من المفيد أن يعلم القائد (أي قائد) أن لكل لون من الألوان بعد سيكولوجي متعارف عليه لدى الناس يمثل هذا اللون لدى أغلبهم حاله معينه لها دلاله نفسية متراكمة بفعل طبيعة هذه الألوان، وما تضخه في النفس من انعكاسات.. أو بفعل ما تأخذ هذه الألوان من قيمة تراثية وتقليدية لدى الأمم والشعوب والأحزاب والتنظيمات. فاللون الأزرق: بكل مشتقاته (عدا الأزرق القاتم جداً) مريح للعين ومريح للنفس، ولا يثير لدى المشاهد حالة ضيق أو اكتئاب. وهو أكثر الألوان راحة لنفس المشاهد.. وهو لون الأكثرية الساحقة من الناس، التي تحب بشدة الحركة والنشاط .ولذا نرى أن اغلب القادة والزعماء يميلون للبس هذا اللون. وأما اللون الأبيض: (ناصع البياض التام) فلا يليق مطلقا بان يلبسه رجل سياسي مهم، ولكنه قد يكون مناسب جدا لفنان أو ممثل أو ما شابه ذلك..ويجب أن يعلم القائد بان هذا اللون يعجب الأشخاص المتقلبين في أرائهم ، الذين لا يستقرون على حال من الأحوال، . والذين يفتقرون إلى قوة الملاحظة والبديهة وروح الانتقاد .وان كان من الالوان المريحة للنفس ولا تثير حالة نفسية سلبية.
وأما اللون الأسود: (خاصة لأسود الغامق ) فلا يليق للقائد في المناسبات العامة الشعبية لأنه يدل على حالة من النظرة السوداوية للأمور..التي تعني انسداد الأفق لدى هذا القائد..وتعطي ظلالا نفسيا يشبه ظلام الليل في واقع الحال. خاصة أن هذا اللون يفضله المتشائمون، الذي من الصعب معرفة ما إذا كانوا يلبسون السوداء لفرط حزنهم وتشاؤمهم، أو لان الحزن والتشاؤم هما نتيجة ارتدائهم لهذا اللون. وأما الملابس الحمراء: فهي غير مناسبة لرجل السياسة في محيطنا العربي، إلا إذا ارتبطت بفكرة.. لأنها تعني حالة من الهيجان والانفعال والتمرد والتحرر من القيود، وهو لون الحيوية والنشاط، وهو ملفت جاذب ومثير، وهو أقوى الألوان تأثيرا لكونه متعلق بحاجات البقاء والتثبت في تحقيق رسالة الفرد في الحياة..وهو يعتبر من بين الألوان الذي تسترعي انتباه الجميع، وتحوز على إعجابهم. والكثير من الشعوب يشعرون بارتياح عظيم لدى وقوع بصرهم عليه.. وأكثر من يحبه من الناس المندفعون النشطون دائمو الحركة.. شديدو الحمية والمراس..الجسورون ذو الإرادة الصلبة.. الذين يلذ لهم استماع أخبار الحروب والمنازعات. وأما اللون الأخضر :فهو لون الحياة .. ولون ذوي النفوس المرهفة الحس.. الذين يفضلون الحياة المتقلبة دائمة الحركة والنشاط على الحياة الهادئة الرتيبة. وهو لون التوازن إذ هو بين الألوان الحارة الثلاثة (الأحمر والبرتقالي والأصفر) وبين الألوان الباردة الثلاثة (الأزرق والنيلي و البنفسجي) وهو مرتبط بالربيع والنمو والخضرة. ولكن من غير المناسب أن يكون لباس للقائد مطلقا.
وأما اللون البرتقالي :فهو لون الثورة والعصيان والتمرد، ..وهو من الألوان الحارة كالأحمر، وهو الثقة ومصدر الإمكانات الكامنة، والشجاعة والنجاح، وهو اللون الأقل اختيارا بين الناس للبس. ولذا يفضا ان لا يكون لباسا للقائد.
وأما اللون الأصفر : فهو لون التنوير والحكمة والحماسة والتفاؤل والمرح والوضوح والثقة، وهو من أكثر الأوان ملاحظة لأنه لون الشمس مصدر الحياة والقوة للأرض. وهو يعتبر ثالث الألوان الحارة. وهو لون الأشخاص المحبين للحركة والتنقل من محيط لمحيط، ومن بيئة لبيئة سعيا وراء كل جديد. وعلى القائد أن يبتعد عن هذا اللون من الملابس. وأما اللون البني :فهو لون الأشخاص الذين يقبلون على العمل بنشاط عظيم، وهم لا يفكرون بالسوء، ولا يدعون اليأس يتطرق إلى نفوسهم، وهم أمناء، جديرون بالثقة، صبورين يتحملون المكارة بصدر رحب، ويتمسكون بالدين. ولذلك يجب أن يكثر القائد من لبس هذا اللون خاصة في المناسبات العامة.
وأما اللون الرمادي :فهو لون الأشخاص المتحفظون شديدو الحذر، الذين يتهربون من أي تصريح يمكن أن يجرح موقفهم أو يورطهم في أمور هم في غنى عن تحمل عواقبها السيئة والوخيمة .وهو لون السكينة والوقار الذي يوجب أن يكثر القائد من جعله لباسا له. وأما الألوان ذات الدرجة الواقعة بين الأبيض والأسود (البيج والسكني والسمني) فهذه الألوان لا تشد النفس لحالات متوترة أو مشدودة بشكل تشنجي..وهي من الألوان المناسبة جدا أن يلبسها القائد كثيرا. ولكن على القائد أن يبتعد عن الألوان المزركشة..أو الألوان التي بها نوع من الشبابية الصبيانية.. وأما الألوان التي تعكس الإضاءة، أو التي بها نوع من البريق أو اللمعان.. فيجب على القائد أن يبتعد عنها، خاصة عند الظهور أمام الحشود الجماههيرية، أو حتى في المقابلات الرسمية الضيقة كذلك.. وان على القائد أن يحرص دوما على أن يتعرف على نوع الجمهور الذي أمامه.. مزاجه وعاداته وتقاليده ومستواه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وما إلى ذلك، لكي يوائم بين ذلك وملبسه. القائد والصوت: إن لكل كلمة معنى لغوي، وفي نفس الوقت معنى نفسي لا ينفصل عنها بتاتا.. كما أن لنبرة الصوت معالم تحدد بها شخصية الفرد.. وكذا الطريقة التي يتحدث بها الفرد تكشف خفايا ذاته، ومكنونات نفسه.. وما يدور بخلده.. وتحدد نوعيه عواطفه.. حتى أن لكل نبره حالة تعكسها عن الفرد. ولذا يتوجب على القائد أن يتحكم بنبرات الصوت، خاصة في مساقات العلو والانخفاض، وتوظيفها بما يناسب الموقف.. فمثلا لمواجهة الخلافات أو الاعتراضات التي تعترضه تقتضي الحاجة إلى تجنب استخدام كلمة (لا ) للوهلة الأولى، واستبدالها بكلمة (نعم ولكن) وعلى القائد أن يطلع مسبقا على أنواع النبرات الصوتية، وغرض كل نبرة، من حيث القوة والضعف. -ثبت علميا بأن للأحبال الصوتية موجات معينة كل موجه لها درجة أثيرية، تصحبها في التأثير على المستمع- فالتحدث مثلا بنبرة قويه، تكون عندما تريد حشد حاله من الإثارة لدى الجمهور المخاطب. وأما الحديث بنبرة عاطفيه تكون عندما تريد أن تكسب عواطفهم تجاهك أو تجاه حاله عاطفيه معينه..كالغضب أو الفرح أو القلق من شيء ما.. كما يجب الا يتحدث بسرعة شديدة، لان ذلك يضيع الأفكار ولا يوصلها للجمهور. كما عليه ان يحذر من أن يتسم صوته بالنعومة لانه عاده لا يخاطب الجنس الآخر، وليكن هادئ دوما في كلماته ولا يتستثار أو يفقد قدرته على التعبير عما تريد. وأما إذا كان خطاب القائد أمام حشد محصور ومحدد.. فإن الخطاب الحامي الوطيس يعتبر خطاب فاشل جدا باعتباره لم يراع حالة الفئة التي تستمع لهذا الخطاب.. ولذا يجب أن تكون نبرة الصوت معتدلة مسموعة..ذات عبارات متوسطة الطول..أو طويلة. إن صوتك إما يدل على انك شخصية قياديه، أو لا يدل، حيث أن لكل نبره صوت دلالة محددة، ووقعا نفسيا معينا. فنبرة الصوت الحادة شديدة الارتفاع تدل على أن الموقف جد خطير ومهم.. وقد تنفع في خطاب جماهيري حاشد به جمهور عاطفي يهدف القائد من خلاله أن يصرف الجماهير عن همومه الحقيقية ومطالبه الحياتية..فيصعد من هجومه على العدو..الاستعمار وأعوانه.. ويهتف بأشد الشعارات عنفوانية وثورية..بعبارات قصيرة ساخنة. وعليه حينئذ ان يكثر من الاستشهاد بالآيات أو المقولات أو العبارات المشهورة. وفي هذا الخطاب يجب على القائد أن يكثر من الأسلوب العاطفي المحشو بالجمل الكبيرة المؤثرة التي لا تحتاج إلى شرح وتفسير كبير. وإذا قصد أن يتحدث بأمرناً سلوكيا عليه أن يطلب ذلك بشكل واضح ومباشر دون الاحتيال في توصيل الفكرة.. وعليه ان يباشر هو فعل ذلك قبل الجمهور..فلو أراد على سبيل المثال أن يقاطع بضاعة أجنبية ما عليه أن يختار بضاعة يحبها أو يروج مسبقا أنه يحبها ثم يقدم على الملأ بإعلانه عن الإقلاع عن شرائها مع إعطاء البديل دائما لبضاعة أخرى. وعلى القائد أن يكون بارعا في انتقاء العبارات لكل اجتماع، حيث لكل اجتماع عباراته الخاصة به. فمن المسموح له أن يستخدم عبارات دبلوماسية تحتمل التفسير والتأويل في حالات الحوار مع بعض السياسيين والدبلوماسيين، ولكن من غير المسموح أن يستخدم هذه العبارات في حالة اجتماع حزبي أو تنظيمي بتاتا، أو في حالة اجتماع مع ممثلي طبقات اجتماعية كالعمال والفلاحين، لأن ذلك يترك تأثيرا سلبياً عليهم بعدم وصول الفكرة واضحة لهذه الفئات مما يفتح باب التأويل والتفسير على مصراعيه الأمر الذي يؤثر بالتالي على شعبية الحزب أو التنظيم، أو حتى شخصية القائد نفسه . ومن الخطأ أن تظهر نبرات صوت القائد كأنه ينتحب.. أو أن يكون صوته على شكل همس، أو أن يكون مائلاً للتوتر .. أو أن تكون نبرات صوته منخفضة جدا كما انه مبحوح..ولكن من المهم في كل الأحوال أن يسيطر على ألفاظه تماما.. ومن الأفضل أن يكون صوته هادئ جداً ولا يعلو عن الحد المألوف ويتحكم فيه لأبعد الحدود.
ولا تتحدث بسرعة شديدة فنادراً ما تتحكم في كلماتك التي عاده ما تكون أسرع من تفكيرك ..لان الذين يتحدثون بسرعة زائدة .. يقعوا في العصبية الزائدة والتسرع ..لذلك يفقدون الكثير من الطاقة في هذه العملية الغير مجديه …ولا تتحدث ببطء شديد ولا تعتمد ذلك في خطابك للجمهور، بل يتخير الألفاظ.. ويحدد الكلام قبل أن تنطق بها.. وعليه الا يكثر من السكوت والصمت فيها.. ويكثر من الخطاب المنطقي الذي يربط به الأحداث ويسلسلها بشكل يقنع السامع بفكرته، لأن هدف اللقاء المحدود غالبا ما يدعو لفكرة، أو يدافع عن فكرة.. يحاول من خلالها القائد حشد نوع من الناس بشكل منطقي.. وليس بشكل سوقي أو إجباري لتسويق رأيه. وأما إذا كان الحديث مع علية القوم أو من هم بمستواه.. فيجب ان تكون نبرة صوته خفيفة المستوى.. بشكل طبيعي في الحد المألوف، بحيث يكون مسموع بوضوح بدون لبس وتفسير. ويبتعد القائد في هذا الخطاب عن الأنانية أو المدح للذات.. فلا يتحدث عن نفسه بإعجاب بتاتا. وفي حال أن يكون خطاب موجه لفئة عليا( كرئيس) يجب أن يكون حجم الألفاظ ونوعها منتقاة بشكل جيد، ويحرص البعد عن الكلمات أو العبارات التي بها تورية.. بل على القائد أن يستخدم أسلوب ربط العلاقات..ويهيكل الوقائع بشكل يشعر المخاطب بوجود علاقة إنسانية قائمة بينهما..بل علاقة وجودية يجعل المخاطب يتبنى الموقف الذي عليه، بشكل يصبح وكأن المشكلة مشكلته والموضوع موضوعه. القائد والحركة: إن اكتشاف مزاج الأشخاص وشخصياتهم وطباعهم وأحوالهم النفسية والصحية يتم أحيانا من خلال الشكل والمظهر الخارجي وبالأخص الوجه (كشفت الدراسات عن بعض جوانب الشخصية من خلال الوضعيات الجسمية سواء بالوقوف أو الجلوس أو النوم أو الاسترخاء الخ . لان قراءة الوجه بحركة الرأس ومحجر العين والفكين والجبهة، وحركة الحواجب والشفاه والخدود والتقاطيع كلها.. ككتاب مفتوح ثابت العنوان.. وان حصل التغيير في المحتوى الداخلي له.. لأن علم فراسة الوجوه لا يقرأ ملامح الوجوه فقط.. بل يقرأ كذلك تعبيراتها في أحوالها النفسية والشعورية والعقلية، ويفسر ذلك في ضوء دلالاته على الشخصية بشكل عام). إن الحركة تفهم من السياق العام للكلمات والجمل فكلاهما لغة أحدهما منطوقة (اللغوية) والأخرى غير منطوقة (النفسية). .فهناك علاقة وطيدة بين إيماءات القائد التي تصدر عن حركة جسمه كاليدين، وتقاطيع الوجه، وحركة الرأس والعينان بشكل خاص، باعتبارها من أهم عوامل سيكولوجية الاتصال والتواصل بين القائد وبين الحركات التي تصدر عن جسمه بشكل عام، لما لها من دلالتها الإيمائية بشكل هام. وأما إيماءات يديه في حالة السلم.. فيجب أن تختلف عنها في حالة الحرب، ففي حالة السلم لا داعي مطلقا لتحريك اليدين -وان كانت تلزم أحيانا بشكل قليل- أما في حالة الحرب أو المشاكل الاجتماعية التي يعقبها قلاقل وتمرد وعصيان، فانه يجب أن يكثر من إيماءاته بحركة جسمه ويداه ورأسه لإعطاء قوة وحماس في الجمهور. وتعبيرات الوجه من الحزن أو الفرح أو الاندهاش أو الصدمة أو التقزز والنفور، وخطوط اللون النفسية التي تختلط فيه من الصفرة أو الحمرة أو الزرقة والاهتزاز أو الجمود والتغيير في تقاطيع الوجه يمكن أن يحدث انطباعا معينا لدى الجمهور.. لأن بعض الأشخاص الذين تتغير ملامحهم بشكل شديد وواضح يؤثر ذلك في شخصيتهم وتظهر بهم طباع جديدة يمكن ملاحظتها من قبل الجمهور مما يعود بالسلب عليهم. ولغة العين مهمة جدا كذلك في مجال الاتصال مع الآخرين، لذا ينبغي على القائد تعلم أبجديات ثقافة لغة الجسد من خلال لغة العين..فالمساحة التي ترمق بها الآخرين، وعلو وارتفاع نظرة العين، وعمق وسطحية تلك النظرة، واللغة النارية التي تؤججها النظرة، أو البرود واللامبالاة التي ترسلها العين، أو الهم والانكسار.. وغير ذلك هو من منظومة لغة العين التي تعطي رسائل للجمهور قد تكون ابلغ من الخطاب ذاته. لذا يجب ألا تكون نظرة العينين حادة مستقيمة في الأيام العادية، لان هذا ينفع فقط في أيام الحرب. كما عليه أن لا يكثر من رمش العينين، لأن هذا يدل على حالة من القلق والتوتر، الذي قد ينعكس بالسلب عليه، وإنما يحاول دوما أن يحافظ على هدوءه ورزانته. الوقوف والجلوس: حركة الجسم في حالة الوقوف أو الجلوس هي مؤشرات تعطي رسائل في المحبة والاهتمام، أو في الكرة والبغض. وانعكاسات المظهر في الجسد والمكان الذي تحل فيه تعطي رسائل نوعية للآخرين. فطريقة وقوف القائد وانحناء جسمه تشكل أهمية كبرى في التأثير على الجمهور، فالوقوف مثلا أمام حشد كبير من الجمهور للخطابة، يتطلب أن يحرص القائد على أن يكون وقوفه منتصب القامه مستقيم الجسم مرفوع الرأس لا يكثر من الإنحاء للأمام والخلف أو نحو اليسار واليمين. وأما في حال الوقوف أمام مجموعة صغيرة لإجراء مقابلة صحفية.. يجب أن يكون وقوفه بشكل يتحرك فيه بجسمه ونظره تجاه مخاطبيه..ويبتعد عن الانفعال أو عدم الإجابة حتى لو كان السؤال محرجا أو وقحا من قبل الصحفيين، ولكن يمكنه أن يجيب باقتضاب، ويحرص في أن يبتعد عن شن أي هجوم شخصي على أحد.. حتى لو استدرج لذلك. وكذلك عليه أن يهتم بالمسافة الحدودية من اقترابه من الآخرين، ففي اللقاء العام يحرص ان يكون بعيدا عن الجمهور، وفي حال اجتماع محصور يجب أن يكون قريبا من محدثيه لان القرب يخلق تعبيرا عن الحالة الحميمة تجاه الشخص. وفي حالة السلام باليد يجب أن تكون مسافة ابتعادك عن الضيف حركة قدمين وبعد السلام ابتعادك بمسافة أربع أقدام على الأكثر. وفي حال الجلوس على القائد أن يجلس بشكل معتدل ويبتعد عن جلوس التكبر (رجل فوق رجل) ويبتعد كذلك عن الجلوس المنحني (جاعص)، وكذلك الجلوس المتحفز (كأنه يجلس على خازوق) أو الجلوس الانقضاضي، أو كأنه ينتظر فريسة يحاول أن لينقض عليها(كأنه يجلس على نار) . الابتسام والضحك: يجب أن يبتعد القائد عن الضحك سواء المتواصل أو المتقطع في الخطاب الموجة للجماهير.. وكذلك حالة البكاء.. فهما حالتان غير مسموح للقائد فيهما مهما يكن الموقف، ولا يلجأ لهما.. ويمكن أن يبتسم أحيانا دون أن تنكشف أسنانه أو يفتح فمه على الغارب.. ويمكن أن يبتسم بسخرية أو بفرح..ولكن في الاجتماعات الخاصة لا غضاضة أن يبتسم حسب نوع المتحدث الذي أمامه ونوع الموضوع المناقش.

أترك تعليقا

الأسرى في الإسلام

الأسرى في الإسلام

المعنى اللُّغوي لكلمة الأَسير في اللغة: تعني المسجون، والجمع أُسَراء وأُسارى وأَسارى وأَسرى، وسُمِّيَ بذلك لأنه عادة ما يُقَيَّد بشيء من الجلد ونحوه من كل ما يُرْبَط به، ثم صار يُطلق على الشخص الذي يقع في يَدِ الأعداء سواء كان مقيَّدًا أو غير مقيَّد.
للإسلام نظم وقوانين تحمي الأسير، وقد شرع الله الأَسْرَ فقال في كتابه:”حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا أصحابه بحُسن معاملتهم فقال: “اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا”أسرى يهود بني قُرَيْظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، فقال مخاطِبًا المسلمين المكلَّفين بحراستهم: “لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السّلاَحِ، وَقَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا”. كما نهى عن تعذيبهم وامتهانهم، فقد رأى “، وحرص الإسلام على الإحسان إليهم، فقال تعالى: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” وأوصى النبي ولهم كذلك حق في الكساء والحرية الدينية.
أما مصـير الأســرى فهو المنّ، أو الفداء، وقد ثبت أنَّ النبي منَّ على بعض الأسرى بإطلاقهم وفادى بعض أسرى بدر بالأموال وغيرها. أو الاسترقاق ولا يكون ذلك إلا بأمر ولي الأمر.
أما الأسير المسلم: فقد اتَّفق الفقهاء على حرمة قَتْلِ مُدْبِرِهم وجريحهم، وأنه لا يغنم لهم مال، ولا تُسْبَى لهم ذرِّيَّة ومَنْ قُتِلَ منهم غُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه.
لماذا لا تنتقم من أعدائك؟! فقد قال صلاح الدين الأيوبي عن ذلك: إن ديننا يأمرنا بالعفو والإحسان، وأن نقابل السيئة بالحسنة، وأن نكون أوفياء بعهودنا، وأن نصفح عند المقدرة عمَّن أذنب.
جاء الإسلام وغرضه إنصاف المظلوم، وهداية الضالِّ، وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ونشر الرحمة والعدالة، فقد استطاع الإسلام نقل البشريَّة من التعامل الهمجي الذي كان يُلاقيه الأسير إلى وضع كله رحمة ورأفة به وبحاله، وكان للإسلام فضل السبق في ذلك؛ فقد حرص الإسلام على الإحسان إلى الأسرى فقال تعالى في كتابه العزيز: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا وقال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يُحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك
ووضع الإسلام تشريعات للأسرى، فقد وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تحثُّ على معاملة الأسرى معاملة حسنة تليق به كإنسان، يقول الله تعالى في سورة الأنفال: “يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فإذا كان المولى سبحانه يَعِدُ الأسرى الذين في قلوبهم خيرٌ بالعفو والمغفرة، فإنَّ المسلمين لا يملكون بعد هذا إلا معاملتهم بأقصى درجة ممكنة من الرحمة والإنسانيَّة.
ولقد قرَّر الإسلام بسماحته أنه يجب على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وأن يكون الطعام مماثلاً في الجودة والكَمِّيَّة لطعام المسلمين، أو أفضل منه إذا كان ذلك ممكنًا، استجابة لأمر الله تعالى في قوله في سورة الإنسان: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا”، وأوصى النبي أصحابه بحُسن معاملة الأسرى فقال : “اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا، كما نهى النبي عن تعذيب وامتهان الأسرى، فقد رأى أسرى يهود بني قُرَيْظة موقوفين في العراء في ظهيرة يوم قائظ، فقال مخاطِبًا المسلمين المكلَّفين بحراستهم: “لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السّلاَحِ، وَقَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا”.”
وامتثل الصحابة لقول النبي فكانوا يحسنون إلى أسراهم، والفضل ما شهد به الأسرى أنفسهم، فيقول أبو عزيز بن عمير وكان في أسرى بدر: “كُنْتُ مَعَ رَهْطٍ مِنَ الأَنْصَارِ حِينَ قَفَلُوا، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا طَعَامًا خَصُّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التَّمْرَ؛ لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ إِيَّاهُمْ بِنَا، مَا يَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةٌ إلاَّ نَفَحَنِي بِهَا؛ قَالَ: فَأَسْتَحِي فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمَا، فَيَرُدُّهَا عَلَيَّ مَا يَمَسُّهَا”. والأمثلة في ذلك كثيرة ومتعدِّدة.
حقوق الأسرى في الإسلام
أمر النبي بالإحسان إلى الأسرى ، ليُدرِكوا عندها أن الإسلام ما جاء إلا رحمة للعالمين، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولم يأمر الإسلام بالإحسان إلى الأسرى فقط، بل وضع أسسًا في كيفيَّة معاملة الأسرى، وقرَّر لهم واجبات وحقوقًا على المسلمين؛ منها الحقُّ في الطعام، والكسوة، والمعاملة الحسنة، وكلُّ ذلك له شواهد في سُنَّة النبي وحضارة المسلمين.
المعاملة الحسنة
أمر الإسلام بحُسن معاملة الأسرى والرفق بهم وعدم إيذائهم، أو التعرُّض لما يجرح كرامتهم، تعدت صور المعاملة الحسنة للأسرى فشملت العفو، أو المعالجة من الأمراض، أو غير ذلك من صور المعاملة الحسنة، مما دفع بعضهم إلى أن يعتنق الإسلام كثُمَامَةَ بن أُثَالٍ ، فقد رُوي أن رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ سَيِّدِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: انْطَلِقُوا بِثُمَامَةَ. فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الأَدْيَانِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَإِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى. فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ” لقد دفعت هذه المعاملة الحسنة ثُمَامة إلى الإسلام دفعًا قويًّا، ولو أنه رأى جفاء في المعاملة أو تعذيبًا ما فكَّر لحظة في أن يدخل في هذا الدين.
وأسلم كذلك الوليد بن أبي الوليد القرشي المخزومي الذي أُسِرَ في بدر، ورأى المعاملة الحسنة من النبي وأصحابه؛ مع أنه قد قَدِمَ من مكة محارِبًا للمسلمين، فدفعته هذه المعاملة الحسنة إلى الإسلام، ولِصِدْقِ نيَّته أسلم بعد أن افتداه أهلُه من الأَسْرِ، حتى لا يُقال: إنه أسلم جزعًا من الأسر.
وقد بلغ أمر معاملة الأسرى إلى حد العفو عنهم، فيروى أن النبي أعطى أسيرًا لأبي الهيثم بن التيهان وأوصاه به خيرًا فقال له: إن رسول الله أوصاني بك خيرًا، فأنت حُرٌّ لوجه الله. وفي رواية أخرى أنه قال له: أنت حرٌّ لوجه الله، ولك سهم من مالي.
وظلَّ الصحابة على هذه المعاملة الحسنة للأسرى حتى بعد وفاة النبي فلم يُؤْثَر عنهم أنهم اضطهدوا أسيرًا أو آذَوْه أو عذَّبوه، حتى الهرمزان الذي نقض العهد مع المسلمين أكثر من مرَّة، كما قتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك، لما وقع في أيدي المسلمين أسيرًا لم يُعَذِّبوه ولم يضطهدوه ولم يُؤْذُوه جرَّاء ما فعله من جرائم في حقِّ المسلمين. وكذلك كان الحال مع كل الأسرى فلم يكن للأسرى غير المعاملة الحسنة، ولم يكن يعاملهم المسلمون بمثل معاملاتهم.
وكما أمر الإسلام بالمعاملة الحسنة للأسرى – ونهى عن تعذيبهم والإضرار بهم، ولقد وصل الأمر إلى أبعد من ذلك فعندما رأى النبي أسرى بني قريظة في الشمس نهى النبي عن ذلك وقال لأصحابه: “لا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلاحِ، قَيِّلُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا.”
بل إن شريعة الإسلام تَذْهَب إلى ما هو أبعدَ من ذلك، حيث تمنعُ تعذيب الأسير للإدلاء بمعلومات عن العدوِّ، وقد قيل للإمام مالك: أَيُعذَّبُ الأسيرُ إن رُجِيَ أن يدلَّ على عورة العدوِّ؟ قال: ما سمعت بذلك، وهذا ما أنكره النبي على بعض الصحابة عندما ضربوا غلامين من قريش وقعا أسيرين في أحداث بدر، فقال لهم: “إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاللهِ إِنَّهُمَا لِقُرَيْشِ…”. مع أن هذين الغلامين اللذين ضُرِبَا كانا يمدَّان الجيش المعادي بالماء.
وتنصُّ اتفاقية جنيف بشأن معاملة الأسرى على ما يلي: (يجب معاملة الأسرى معاملة إنسانيَّة في جميع الأوقات… وعلى الأخصِّ ضدَّ جميع أعمال العنف أو التهديد، ولهم الحقُّ في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال، ويحتفظون بكامل أهليَّتهم المدنيَّة التي كانت لهم عند وقوع الأسر، ويجب أن تعامل النساء الأسيرات بكلِّ الاعتبار الواجب لجنسهنَّ) وهذا ما جاء به الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان.
تقديم الأسير على النفس في الطعام
من الحقوق التي كفلها الإسلام للأسير حقُّ الطعام فلا يجوز تركه بدون طعام وشراب حتى يهلك، فهذا مخالف لشرع الله ، وفي السيرة النبويَّة والتاريخ الإسلامي أمثلة ونماذج تدلُّ على ذلك، ولقد أمر الله بذلك فقال في كتابه: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا”، فإطعام الأسير المشرِك قُرْبَة إلى الله. وذكر أنَّ رسول الله: أمر أصحابه يوم بدر أن يُكرِموا الأسرى، فكانوا يُقَدِّمونهم على أنفسهم عند الغداء.
ويقول الشيخ سلمان العودة معنى هذا أنه لم يُطْعِمْه مما فضل من قُوتِهِ، وإنما يُطْعِمه من طَيِّب طعامه مع حاجته إليه ومحبَّته له؛ ولذلك كان منع الطعام عن الأسير من الكبائر كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: “دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏‏الأَرْضِ.”
فلما كان الحبسُ مانعًا للمحبوس من التصرف في أمر معاشه وكسبه، وَجَبَ على حابسه أن يَقُومَ بِحَقِّه، ولو كانذلك في حقِّ الحيوان، فما بالك بالإنسـان الذي كرمه الله تبارك وتعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، ويكفي أن الله قرن حقَّ الأسير بالمسكين واليتيم، “مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا حثًّا على القيام على إطعامه والإحسان إليه،وقد يكون هذا الإحسان سببًا في هدايته، كما كان الأمر في شأن ثُمَامة
ولقد أوصى النبي أصحابه بالأسرى فقال لهم: “اسْتَوْصُوا بِهِمْ – أَيْ بِالأَسْرَى – خَيْرًا، فكان الصحابة يُؤْثِرُونَ على أنفسهم ويُطْعِمُون الأسرى تنفيذًا لوصيَّة رسول الله ، وكذلك كان يفعل الصحابة من بعد النبي وحينما أراد الهرمزان أن يشرب وجيء له بقدح غليظ عافه ولم يشرب منه، فأمر سيدنا عمر بتغيير القدح فلم يُؤْثَرْ عن مسلم أنه ترك أسيرًا بدون طعام وشراب؛ بل إن صلاح الدين الأيوبي ناول أسيرًا من أسرى الصليبيين القدح الذي شرب منه ليشرب الأسير.”
وبالرغم من أن إطعام أسرى الحرب أمر إنساني خالص، إلا أن الإسلام جعله عبادة يُؤْجَر عليه المرء، عندما قال تعالى: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
حق الأسير في الكسوة
ومن الواجبات التي قرَّرها الإسلام للأسرى الكسوة، ولقد حثَّ الإسلام على كسوة الأسير وتكون كسوة لائقة به تقيه حرَّ الصيف وبردَ الشتاء، والكساء عمومًا أمر واجب لستر العَوْرات، وعدم إشاعة الفاحشة فيالمجتمع، وأوجب الشرع كسوة الأسير وستر عورته، وقد عنون الإمام “البخاري” بابًاكاملاً أسماه (باب الكسوة للأسارى)، وهذا يدل على أهمِّيَّة هذا الأمر، وقد ثبت عن رسول الله من حديث جابر أنه لما كان يوم بدر أُتِيَ بالأسارى، وأُتِي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر رسول الله فوجد قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه إياه، كما ورد أنه كسا بعض الأسرى من ملابسه.
الحرية الدينيَّة للأسير
من الحقوق التي قرَّرها الإسلام للأسير حقُّه في ممارسة شعائر دينه خلال مدَّة أسره، ولا يُجْبَرُ الأسير على اعتناق الإسلام، ولم يُعْرَف عن النبي أنه أجبر أسيرًا على اعتناق الإسلام؛ بل إن بعض الأسرى لما رأَوْا تلك المعاملة من رسول الله دفعهم ذلك إلى اعتناق الإسلام، وكان ذلك بعد إطلاق سراحهم، كما فعل ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فبعد أن أمر النبي بإطلاق سراح ثُمَامة, ذهب ليغتسل ويُسْلِمَ، وكذلك فعل الوليد بن أبي الوليد بعد أن افتداه أهله من رسول الله أسلم، فقيل له: لماذا أسلمت بعد الفداء؟ فقال: حتى لا يظنَّ أحد أنما أسلمتُ من عَجْزِ الأسر.
ومن ذلك أيضًا ما فعله النبي مع غَوْرَثِ بْنِ الحارث الذي استلَّ سيف النبي من الشجرة، وقال له: من يمنعك مني؟ وعندما وقع السيف من الرجل وأصبح في يد رسول الله لم يجبره النبي على الدخول في الإسلام، بل تركه حرًّا طليقًا بعد أن أصفح عنه أمَّا إذا نظرنا إلى ما حدث من الأسبان عند دخولهم الأندلس، نجد أنهم فعلوا عكس ما فعله رسول الله ، فقد عَمِدوا إلى المسلمين فعذَّبوهم واضطهدوهم؛ لتغيير دينهم وعقيدتهم.
مصـير الأســرى
الحكم الأصلي في مصير الأسرى يُقرِّره القرآن الكريم بقوله تعالى: “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا حول هذه الآية الكريمة نذكر المسائل التالية:
المسألة الأولى
يقول بعض العلماء أنَّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم”، ويقول آخرون أنها ناسخة. وقد ذكر الطبري هذه الأقوال ثمَّ ردَّها جميعًا بقوله: والصواب من القول عندنا في ذلك أنَّ الآية محكمة غير منسوخة. واستدلَّ على ذلك بفعل رسول الله فيمن صار أسيرًا بيده من أهل الحرب فيقتل بعضًا ويفادي بعضًا ويمنُّ على بعض.
كما ذكر القرطبي الأقوال المختلفة، واختار أنَّ الآية محكمة واستدلَّ على ذلك كما فعل الطبري، بفعل رسول الله الثابت في الصحيح، وأنَّ النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للنسخ.
المسألة الثانية
هذه الآية الكريمة تُحَدِّد الحكم الأصلي في مصير الأسرى وهو أحد أمرين:
المنُّ عليهم: أي إطلاقهم بغير مقابل، وجواز المنِّ على الأسرى هو مذهب الجمهور من المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة وغيرهم، واستدلُّوا بما ثبت في سيرته أنه منَّ على أبي العاص بن الربيع والمطلَّب بن حنطب، وصَيْفِيِّ بن أبي رفاعة، وأبي عزَّة الجهمي الشاعر، وهم من أسرى بدر، كما منَّ على ثُمَامَة بن أُثَال سيِّد أهل اليمامة، ومنَّ على ثمانين أسيرًا من المشركين.
الفداء أي إطلاقهم في مقابل فدية يُقدِّمونها للمسلمين، والفدية قد تكون مالاً، والفداء بالمال هو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعيَّة والحنابلة والمالكيَّة ومحمد بن الحسن من الحنفية، واستدلُّوا على ذلك بفداء رسول الله لأسرى بدر بالمال وكانوا سبعين رجلاً، وقد تكون الفدية إطلاق سراح أسرى المسلمين عندهم، وهذا هو المعروف بتبادل الأسرى، فقد فادى رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عُقَيْلٍ، ورُوِيَ أن الرسول فادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناسًا من المسلمين كانوا قد أُسِرُوا بمكَّة
وقد ثبت أنَّ النبي فادى بعض أسرى بدر على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة
المسألة الثالثة
أضاف الفقهاء إلى الخيارَيْن المذكورَيْن في الآية الكريمة – المنِّ والفداء – ثلاثة خيارات أخرى وهي:
1- القتـل
فقد ثبت أنَّ رسول الله قتل بعض الأسرى، منهم عقبة بن أبي مُعَيْط، وطُعَيْمَة بن عدي، والنضر بن الحارث، وهم من أسرى بدر، وجواز قتل الأسير هو مذهب جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، لكنَّهم يجعلونه خيارًا مرتبطًا بالمصلحة وجوبًا فإذا كانت المصلحة تقضي بعدم قتلهم، فلا يجوز في هذه الحال أن يُحْكَمَ عليهم بالقتل، كما إنه إذا ارتبط المسلمون بمعاهدات دُوَلِيَّة تمنع قتل الأسرى فيجب عليهم الوفاء بها، ولا يجوز في هذه الحالة قتل الأسير.
لكن ذكر ابن رشد في (بداية المجتهد): (وقال قوم لا يجوز قتل الأسير، وحكى الحسن بن محمد التميمي أنه إجماع الصحابة)
والذي نراه هنا أنَّ قتل الأسير لمجرَّد أنه أسير غير جائز أصلاً؛ استنادًا إلى الآية الكريمة التي حصرت مصير الأسير بالمنِّ أو الفداء، لكنَّه يصير جائزًا إذا وُجِد في أسير مُعَيَّن أسباب أخرى تُبيح قتله، فهو عند ذلك يُقتل لهذه الأسباب وليس للأسر، وهذا ما يُفَسِّر كلَّ الحوادث التي قضى فيها رسول الله بقتل بعض الأسرى، فأبو عزَّة الجمحي استحقَّ القتل في أسرى أُحُدٍ؛ لأنَّه عاهد ونقض العهد.
وأسرى بنو قُرَيْظَة استحقُّوا القتل؛ لأنهم عاهدوا المسلمين على القتال معهم ضدَّ كلِّ عدوٍّ خارجيٍّ، فلمَّا جاء المشركون وحاصروا المدينة في غزوة الأحزاب نقضوا عهدهم وانضمُّوا إليهم، وقد كان هذا الغدر كفيلاً بالقضاء على الإسلام وإبادة المسلمين لولا أنَّ رعاية الله حفظتهم. وأسرى بدر الذين قتلهم رسول الله – وهم عقبة بن أبي مُعَيْطٍ، والنضر بن الحارث، وطُعَيْمَةُ بن عدي – كانوا قد قاموا بإيذاء المسلمين وتعذيبهم وتعريضهم للموت.
ولذلك نقول: إنَّ بعض الأسرى الذين يُعتبَرون في المعاهدات الدُّوَلِيَّة الحديثة مجرمي حرب، لتسبُّبهم بقتل الأبرياء يجب أن يُقَدَّموا للمحاكمة، ويمكن أن يُحكم عليهم بالقتل أو بأي عقوبة أخرى، لكن لا يجوز لكلِّ مَنْ أَمْسَكَ بأسير أن يَقتله، فذلك مخالف لصريح النصِّ القرآني، وللمعاهدات الدُّوَلِيَّة المعاصرة.
2- عقد الذمَّة
إذا طلب الأسير أن يكون من رعايا الدولة الإسلاميَّة، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويخضع لنظام هذه الدولة مع الاحتفاظ بحقوقه الشخصيَّة في العقيدة والعبادة، وهذا ما يُسَمَّى عقد الذِّمَّة، فقد اتَّفق الفقهاء من جميع المذاهب على حقِّ السلطة في منحه عقد الذمَّة، لكن بعض الشافعيَّة لم يَتْرُكُوا للإمامِ الحقَّ في ذلك، بَلْ أوجَبُوا عليه قَبول عقد الذمَّة إذا طلبه الأسير، وحرَّموا قتله في هذه الحالة.
إنَّ المعاهدات الدُّوَلِيَّة المتعلِّقة بهذا الموضوع – وخاصة اتِّفاقيَّة جنيف – لم تُشِر إلى مثل هذه الحالة، كما أنَّ جميع قوانين الدول لا تشير إليها، وهذا يؤكِّد بما لا يدع مجالاً للشكِّ أنَّ الدولة الإسلاميَّة، دولة مفتوحة لجميع بني البشر، وأنها تَستقبِل أي إنسان يرغب في أن يكتسب جنسيتها ويلتزم بقوانينها، مع حقِّه في البقاء على دينه، ودون أن تُلْزِمَه باعتناق الإسلام، كما يُؤَكِّد أنَّ هذه الدولة سبقت بهذا الموقف جميع دول العالم على الإطلاق، وهي التي لم تصل إليه حتى الآن.
3- الاسترقاق
وهو الخيار الأخير الذي أشار إليه الفقهاء من ضمن خيارات الإمام في تحديد مصير الأسرى مسألة نظريَّة خالصة، وذلك بعد اتِّفاق دول العالم قاطبة على إلغاء الرقِّ وتجارة الرقيق خاصَّة في اتِّفاقيَّة جنيف في 7سبتمبر 1965م، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الإسلام يُرَحِّب بمثل هذه الاتِّفاقات الدُّوَلِيَّة باعتبارها تُعَبِّر عن مبادئه الأساسيَّة التي تجعل البشر جميعًا عبادًا لله، وتدعو إلى المساواة بينهم؛ لقوله: “كُلُّكُمْ لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ
كيـف يُعامـَل الأسـيرُ المسلـم؟.
إذا وقع قتال بين طائفتين من المسلمين في دولة واحدة أو دولتين إسلاميَّتَيْنِ، أو بين دولة ومتمرِّدين عليها من رعاياها، يقول تعالى آمرًا بالإصلاح بين المسلمين الباغين بعضهم على بعض: “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَ فسمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومَن تابعهم من المعتزلة ونحوهم وبذلك نجد صريح الآية يرشد إلى وجوب الإصلاح بين الأطراف المتخاصمة أو المتقاتلة، وعلى أساس من العدل بين المتنازعين، فإن رفضت إحدى الأطراف المتنازعة الرجوع إلى حكم الله والرضا بما ارشد إليه ودلَّ عليه كتاب الله، وأجابت الفرقة الأخرى بذلك، فإنه يتعيَّن على باقي الأمَّة المؤمنة أن تواجه الفرقة التي أَبَت الرجوع إلى العدل والإنصاف، وتُقَاتِلَهَا حتى ترجع إلى الحقِّ الذي هو الرضا بكتاب الله وسُنَّة رسوله r، فإذا رجعت الفرقة الباغية عن قتالها، وارْتَضَت الصلح، وجب الإصلاح بالعدل والإنصاف بين الفريقين، وكفّ القتال، هذا يعني وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي.
وقد اتَّفق الفقهاء على حرمة قَتْلِ مُدْبِرِهم وجريحهم، وأنه لا يغنم لهم مال، ولا تُسْبَى لهم ذرِّيَّة؛ لأنهم لم يَكْفُروا ببغيهم ولا قتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم، ومَنْ قُتِلَ منهم غُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه.
صـور مضيئــة لمعاملـة للأسـري
الدارس للتاريخ الإسلامي يجد صورًا مضيئة في كيفيَّة معاملة الأسرى، ومن النماذج الطيِّبة في معاملة الأسرى ما كان بين صلاح الدين الأيوبي وبين أسرى الصليبيين الذين جاءوا من أوروبا فاحتلُّوا بلاد المسلمين، وقتلوا كثيرًا من المسلمين، فلم يعاملهم صلاح الدين بمثل معاملاتهم بل عفا عن كثير منهم وصفح، بل مَنَّ على كثير منهم بدون مال يدفعونه، وإليك ما حدث: فلقد طلب العادل من أخيه صلاح الدين إطلاق سراح ألف أسير من الفقراء على سبيل المكافأة عن خدماته له، مُظْهِرًا بذلك تسامُحًا كبيرًا فوهبهم له صلاح الدين، بل إن بطريرك النصارى طلب من صلاح الدين الأيوبي أن يهبه بعض الفقراء من أسرى الصليبيين ليُطْلِقَ سراحهم، ومع أنه من المخالفين لديننا إلا أن صلاح الدين – صاحِبَ المعاملة الحسنة والقلب الرحيم الذي رُوِيَ بالإيمان، وصاحِب السلوك القويم مقتديًا بهذه المعاملة من رسول الله – وَهَبَ البطريرك بعض الفقراء ليُطْلِقَ سراحهم، كما وهب “باليان” خمسمائة أسير، ثم أعلن أنه سوف يطلق سراح كل شيخ، وكل امرأة عجوز، كما ذهب بعيدًا حين وعد هؤلاء النسوة بأن يطلق سراح كل مَن في الأسر من أزواجهن، ومنح الأرامل واليتامى العطايا من خزائنه كل واحد بحسب حالته.
ولقد شهد المستشرقون وغيرهم بمعاملة صلاح الدين الأيوبي للأسرى، فقال المستشرق رنسيمان: وهكذا، ففي مشارف حِطِّين، وعلى أبواب بيت المقدس انتقم صلاح الدين من الصليبيين بطريقته الخاصَّة، لِمَا حدث من الصليبيين في الحملة الأولى من المهانة والإذلال والمجازر، وأظهر كيف يحتفل القائد الشريف بانتصاره، وأثبت بالدليل القاطع ما لدى الشرق من قوَّة ورُوح كامنة مبرهنًا على أنه كان أعظم شهم، ذا قلب كبير كفاتح في زمانه، أو في أي عصر آخر.
ورتَّب صلاح الدين أمر ترحيل الذين افتدوا أنفسهم إلى “صور فجمعهم خارج المدينة تحت حراسة مشدَّدة، وقسمهم إلى ثلاث مجموعات، وأرسلهم مخفورين؛ خشية أن يتعرَّضوا لهجمات البدو في الطريق.
لماذا لا تنتقم من أعدائك؟!
بينما كان صلاح الدين سائرًا ذات يوم في بعض طرق مدينة بيت المقدس قابله شيخ من النصارى كبير السن، يعلِّق صليبًا ذهبيًّا في رقبته، وقال له: أيها القائد العظيم، لقد كُتِبَ لك النصرُ على أعدائك، فلماذا لم تنتقم منهم، وتفعل معهم مثل ما فعلوا معك؟ فقد قتلوا نساءكم وأطفالكم وشيوخكم عندما غزَوْا بيت المقدس؟ فقال له صلاح الدين: أيها الشيخ، يمنعني من ذلك ديني الذي يأمرني بالرحمة بالضعفاء، ويُحَرِّم عليَّ قتل الأطفال والشيوخ والنساء. فقال له الشيخ: وهل دينكم يمنعكم من الانتقام من قوم أذاقوكم سوء العذاب؟ فأجابه صلاح الدين: نعم، إن ديننا يأمرنا بالعفو والإحسان، وأن نقابل السيئة بالحسنة، وأن نكون أوفياء بعهودنا، وأن نصفح عند المقدرة عمَّن أذنب. فقال الشيخ: نِعْمَ الدين دينكم، وإني أحمد الله على أن هداني في أيامي الأخيرة إلى الدين الحقِّ. ثم سأل: وماذا يفعل مَن يُريد الدخول في دينكم؟ فأجابه صلاح الدين: يُؤمن بأن الله واحد لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويفعل ما أمر الله به، ويبتعد عما نهى الله عنه. وأسلم الرجل وحَسُن إسلامه، وأسلم معه كثير من أبناء قومه.
حقوق الأسير في الإسلام
من حق الاسير عدم اكراهه على ترك دينه فلا يكره على الدخول في الاسلام، وانما يدعى الى الإسلام بالتي هي احسن، وفي العصر الحاضر يعرف هذا بالحرية الدينية، يقول الله تعالى: «يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم» (الانفال: 70) ففيها استمالة لهؤلاء الاسرى، وتجديد الدعوة لهم، وفتح باب التوبة أمامهم، وترغيبهم بما يعوضهم عما دفعوا من الفداء ويعدهم ان هم دخلوا في الاسلام طائعين مختارين بالرزق الوفير في الدنيا والآخرة والمغفرة لما سلف من ذنوبهم قبل الايمان، وفي هذا دليل واضح على انهم لا يكرهون على الدخول في الاسلام، ولم يقع قط ان اكره اسير على ان يدخل في الاسلام، ومن الأدلة على ذلك قصة ثمامة بن أثال الحنفي وهي في البخاري (4372) ومسلم (1764) من حديث ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وكان مشركا اسره جيش المسلمين وربط في المسجد فأتاه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي خير يا محمد ان تقتل تقتل ذا دم، وان تنعم تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما كان من الغد قال له مثل ذلك، وفي اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اطلقوا ثمامة) فأطلقوه فإذا به يذهب ويغتسل ويعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد انك رسول الله والله يا محمد ما كان على ظهر الارض وجه أبغض الي من وجهك فقد اصبح وجهك احب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على ظهر الأرض دين أبغض علي من دينك فأصبح دينك احب الدين كله الي، والله ما كان على وجه الأرض بلد أبغض الي من بلدك فأصبح بلدك احب البلاد كلها الي.
وهكذا اثرت هذه المعاملة الحسنة والخلق الكريم، في استمالة قلب رجل غير عادي انه ليس من بسطاء الناس او سذجهم، بل هو سيد قومه، ولم يكن اسلامه اسلام تقية او خوفا على نفسه وحياته.
ومن حقوقه اطعامه ما يكفيه من الطعام والشراب، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا» (الإنسان 8 ـ 9) ففي هاتين الآيتين دليل على ان اطعام الاسير قربة يتقرب بها المؤمن الى ربه سبحانه وتعالى، ولهذا قال: «نطعمكم لوجه الله» وفيها ان المؤمن يؤثر الاسير حتى على نفسه «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا» ومعنى هذا انه لم يطعمه مما فضل من قوته، وانما يطعمه من طيب طعامه مع حاجته اليه ومحبته له، ولذلك كان منع الطعام عن الاسير من الكبائر كما جاء في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «عذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي اطعمتها ولا سقتها اذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» رواه البخاري (3482) ومسلم (2242).
فلما كان الحبس مانعا للمحبوس من التصرف في امر معاشه وكسبه وجب على حابسه ان يقوم بحقه، ولو كان ذلك في حق الحيوان، فما بالك بالانسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى «ولقد كرمنا بني آدم» (الاسراء: 70) ويكفي ان الله سبحانه قرن حق الاسير بالمسكين واليتيم «مسكينا ويتيما وأسيرا» (الإنسان 8) حثا على القيام على إطعامه والإحسان اليه، وقد يكون هذا الإحسان سببا في هدايته، كما كان الأمر في شأن ثمامة رضي الله عنه.
حقه في الكسوة والثياب المناسبة التي تليق به وتجذر بمثله وقد روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: «لما كان يوم بدر اتي بأسارى واتى بالعباس، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبدالله بن ابيّ يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم اياه» البخاري (3008) فالإسلام يضمن للأسير حق الكسوة والثياب المناسبة.
المأوى والسكن المناسب ايا كان فقد يسكن في المسجد او يسكن في سجن خاص ويكون ملائما او حتى في بيوت بعض المؤمنين وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك دار خاصة للأسرى ولا للسجن ولهذا ربما سجن الاسير في المسجد وربما وزع الاسرى على المسلمين في بيوتهم الى ان ينظر في شأنهم وقد روى البيهقي في سننه (9/89) عن ذكوان عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها بأسير وعندها نسوة فلهينها عنه فذهب الاسير فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة: (أين الأسير؟) قالت: نسوة كن عندي فلهينني عنه، فذهب فقال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «قطع الله يدك» وخرج فأرسل في اثره فجيء به فدخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واذا عائشة ـ رضي الله عنها ـ قد اخرجت يديها فقال مالك قالت يا رسول الله انك دعوت علي بقطع يدي واني معلقة يدي انتظر من يقطعها، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجننت؟ ثم رفع يديه وقال: (اللهم من كنت دعوت عليه فاجعله له كفارة وطهورا) قال الذهبي عن هذا الحديث: إسناده جيد.
وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (5/191) ان الرسول صلى الله عليه وسلم فرق اسرى بدر على اصحابه، وروى الإمام احمد (2216) عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل ناسا من الاسرى الذين كانوا يتقنون القراءة والكتابة يعلمون اولاد الانصار القراءة والكتابة وجعل ذلك فداءهم وفكاكهم ومن المعلوم ان الاسير كي يعلم ويكتب لا بد ان يكون طليقا غير مقيد ولا مربوط وقادرا على الذهاب والاياب والوثاق انما جُعل لمنعه من الهرب فإذا امكن منعه بلا وثاق فلا حاجة اليه.
لا يفرق في الاسرى بين الوالدة وولدها او بين الولد ووالده وبين الأخ واخيه وهذا ورد في حكم السبي والسبي نوع من الاسر وان كان يطلق في الغالب على النساء والذرية والتفريق بينهم وبين الاسرى انما هو امر اصطلاحي والا فالكل اسرى وقد جاء في حديث رواه الامام احمد (23499) واهل السنن الترمذي (1283) وابن ماجه (2250) من حديث ابي موسى وابو داود (2696) من حديث علي ـ رضي الله عنه ـ عن ابي الدرداء رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فرق بين والدة وولدها ـ يعني من السبي ـ فرق الله بينه وبين احبته يوم القيامة) قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند اهل العلم من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا التفريق في السبي بين الوالدة وولدها وبين الولد والوالد وبين الاخوة.
واعجب من ذلك ان الدارمي (2479) روى هذا الحديث، وذكر في اوله ان ابا ايوب رضي الله عنه كان في جيش ففرق بين الصبيان وبين امهاتهم من الاسرى فرآهم يبكون فجعل يرد الصبي الى امه ويقول: ان رسول صلى الله عليه وسلم قال: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين احبته يوم القيامة).
فانظر كيف بلغ الرفق والرحمة والشفقة والعدل بالمسلمين في الجمع بين الاخوة وبين الآباء والأمهات والأولاد من الاسرى.
عدم تعريضهم للتعذيب بغير حق فلا يمكن ان نعذبهم مثلا لأنهم قاتلونا ولم ينقل في الشرع انه امر بتعذيبهم ولا انه حصل لهم تعذيب خلال عصور العزة الإسلامية وذلك لأنه اذا كان المسلم مأمورا بإكرامهم واطعامهم وسقيهم والجمع بينهم فإن تعذيبهم يتنافى مع هذا الامر، اللهم إلا ان يكون هناك حالات خاصة يتطلب الامر فيها ان يمس بشيء من العذاب قليل لا يؤثر عليه من اجل كشف امور يعلم انها موجودة عنده كما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاتل اهل خيبر حتى ألجأهم الى قصرهم فغلب على الارض والزرع والنخل فصالحوه على ان يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصفراء والبيضاء ويخرجون منها، واشترط عليهم ان لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحي بن اخطب كان احتمله معه الى خيبر حين اجليت النضير فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعم حي: (ما فعل مسك حي الذي جاء به من النضير؟) فقال: أذهبته النفقات والحروب فقال: (العهد قريب والمال اكثر من ذلك) فدفعه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الى الزبير فمسه بعذاب، وقد كان حي قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حي يطوف في خربة هاهنا فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخربة الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/137) وقال ابن حجر في الفتح (7/479) اسناد رجاله ثقات.
واما قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعض الاسرى فذلك لأن لهم سوابق وجرائم في حق المسلمين استوجبت قتلهم، ولهذا جاء في التاج والاكليل انه قيل لمالك: أيعذب الأسير ان رُجي ان يدل على عورة العدو؟! فقال: ما سمعت بذلك.
وكان جماعة من السلف يكرهون قتل الاسرى والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الاسرى خلال حروبه الطويلة إلا عددا قليلا كانوا من أكابر عتاة المشركين وقادة الحرب الضروس الفاجرة ضد الإسلام وأهله، ويمكن ان نطلق عليهم حسب التعبير المعروف اليوم (مجرمي حرب) وقد روى مسلم في صحيحه (1779) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه مقدم ابي سفيان ومن معه شاور اصحابه فيما يصنع، وفي القصة انهم ظفروا بغلام فأخذوه فكان اصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألونه عن ابي سفيان واصحابه، فيقول: ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا ابو جهل وعتبة وشيبة وامية ابن خلف فإذا قال ذلك ضربوه فقال: نعم انا اخبركم هذا ابو سفيان فإذا تركوه فسألوه
فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا ابو جهل وعتبة وشيبة وامية بن خلف في الناس فإذا قال: هذا ايضا ضربوه ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف، قال: (والذي نفسي بيده لتضربوه اذا صدقكم وتتركوه اذا كذبكم) فهذا دليل على انه ينبغي ألا يكون هناك عدوان على الاسرى ولا تعذيب لهم بغير حق، واذا كانت هذه الاشياء كلها مطلوبة فالإسلام يوجب ان يكون لهم العلاج المناسب والمعاملة الحسنة وألا يظلم أحد منهم في نفس او أهل او مال.
أهمّ الأحكام الشرعية المتعلّقة بأسرى الحرب في الإسلام مقارنه بالاتفاقيّة جنيف الدوليّة:
وقد اتّفق الفقهاء أنه لا يجوز أسر أحد من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبين هذه الدار عهد موادعة، لأنّ هذا العهد يفيد الأمان حتى لو خرج من بلده إلى بلاد أخرى ليس بينها وبين المسلمين موادعة.
واتفقوا أيضاً أنّ الحكم الشرعي للأسر أنه مشروع لقوله – تعالى: “فشدوا الوثاق” (محمّد: 4).
الأسير في يد الدولة:
اتّفق الفقهاء أيضاً أنّ أسير الحرب ليس لآسره يد عليه ولا حقّ له في التصرّف فيه، وعليه بعد الأسر أن يسلمه إلى الأمير ليقضي فيه بما يرى. وليس له إلاّ أن يشدّ وثاقه لمنعه من الهرب.
وهذا ما نصّت عليه المادّة 12 من اتفاقية جنيف: (يقع أسرى الحرب تحت سلطة الدولة المعادية، لا تحت سلطة الأفراد أو الوحدات العسكرية التي تأسرهم).
معاملة الأسير: من إعجاز الكلام النبوي الشريف ما وصف به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذا الدين عندما قال: (بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق).
ومن أعظم أخلاقه – صلى الله عليه وسلم – الصفح والعفو مع المقدرة على الانتقام. روى البخاري ومسلم (أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان في حرب، فجاء رجل هو (غورث بن حارث) حتى قام على رأسه بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال: من يمنعك مني؟ قال الرجل: كن خير آخذ. قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : قل: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله. فقال الرجل: لا. غير أني لا أقاتلك، ولا أكون معك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله. فجاء أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس).
ومن هذه الأخلاق معاملته الأسير وتعليمه أصحابه كيف يعامل، ويمكن تلخيصها بما يلي:
1- الرفق بالأسرى والإحسان إليهم وإكرامهم:
هذا ما أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله في أسرى غزوة بدر: (استوصوا بالأسارى خيراً)، وقال الحسن: (وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المحسنين، فيقول: أحسن إليه. فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه)، وروي أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النهار في يوم صائف “أحسنوا أسراكم وقَيِّلوهم واسقوهم” قيلوهم: أي ساعدوهم بالقيلولة وهي راحة نصف النهار عند حرّ الشمس. وقال: (لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السلاح).
2- توفير الطعام والشراب والكساء لهم:
قال – تعالى -: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا” (الإنسان)، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله – تعالى -كما يقول القرطبي في تفسيره. ويذكر (أبو عزيز) أخو مصعب بن عمير، وكان من أسرى غزوة بدر: (وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلاّ نفحني بها. وقال: فأستحيي فأردّها على أحدهم، فيردّها ما يمسّها) وكان الخبز عندهم أنفس من التمر، لندرة القمح وكثرة التمر، فلهذا كان إيثار الأسير بالخبز من باب الإكرام والحفاوة.
وذكر ابن كثير أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء) .
3 النهي عن تعذيبهم:
ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي: “التعذيب غير المشروع للإنسان، ومنه تعذيب الأسرى، فقد ذكر الفقهاء عدم جواز تعذيبهم، لأنّ الإسلام يدعو إلى الرفق بالأسرى وإطعامهم، قال – تعالى -: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا” (الإنسان)، وفي الحديث: (لا تجمعوا عليهم حرّ الشمس وحرّ السلاح، قيِّلوهم حتّى يبردوا)، وهذا الكلام في أسارى بني قريظة حينما كانوا في الشمس. وإذا كان هناك خوف من الفرار فيصح حبس الأسير من غير تعذيب”.
وأجاز بعض الفقهاء ضرب الأسير إذا تبيّن وجود معلومات مهمّة عنده، وهذا أقصى ما يمكن أن يتعرّض له الأسير من إساءة.
أما التعذيب المعروف في هذا العصر، ومنه ما جرى في جوانتانامو وفي سجن أبوغريب في العراق وتناقلته وسائل الإعلام، فهو أمر مرفوض ويتناقض مع جميع المبادئ الأخلاقية والقيم الدينية والمواثيق الدولية. تنصّ اتفاقية جنيف بشأن معاملة الأسرى على ما يلي: (يجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية في جميع الأوقات…وعلى الأخصّ ضدّ جميع أعمال العنف أو التهديد، ولهم الحقّ في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال، ويحتفظون بكامل أهليتهم المدنية التي كانت لهم عند وقوع الأسر ويجب أن تعامل النساء الأسيرات بكلّ الاعتبار الواجب لجنسهنّ)
مصير الأسرى:
الحكم الأصلي في مصير الأسرى يقرّره القرآن الكريم بقوله – تعالى -: “فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها” (محمّد: 4).
حول هذه الآية الكريمة نذكر المسائل التالية:
المسألة الأولى: يقول بعض العلماء أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (التوبة: 5) ويقول آخرون أنها ناسخة. وقد ذكر الطبري هذه الأقوال ثمّ ردّها جميعاً بقوله: (والصواب من القول عندنا في ذلك أنّ الآية محكمة غير منسوخة) واستدلّ على ذلك (بفعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيمن صار أسيراً بيده من أهل الحرب فيقتل بعضاً ويفادي بعضاً ويمنّ على بعض… ولم يزل ذلك ثابتاً من سيره في أهل الحرب من لدن إذن الله بحربهم إلى أن قبضه إليه)
كما ذكر القرطبي الأقوال المختلفة، واختار أنّ الآية محكمة واستدلّ على ذلك كما فعل الطبري، بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح، وأنّ النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للنسخ.
المسألة الثانية: هذه الآية الكريمة تحدّد الحكم الأصلي في مصير الأسرى وهو أحد أمرين:
1- المنّ عليهم أي إطلاقهم بغير مقابل، وجواز المنّ على الأسرى هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، واستدلوا بما ثبت في سيرته أنه منّ على العاص بن الربيع والمطلّب بن حنطب وصيفي ابن أبي رفاعة وأبي عزة الجهمي الشاعر وهم من أسرى بدر، كما منّ على ثمامة بن أسال سيد أهل اليمامة (البخاري)، ومنّ على ثمانين أسيراً من المشركين (مسلم).
2- أو الفداء، أي إطلاقهم في مقابل فدية يقدمونها للمسلمين. والفدية قد تكون مالاً، والفداء بالمال هو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والمالكية ومحمّد بن الحسن من الحنفية، واستدلوا على ذلك بفداء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأسرى بدر بالمال وكانوا سبعين رجلاً. وقد تكون الفدية إطلاق سراح أسرى المسلمين عندهم، وهذا هو المعروف بتبادل الأسرى، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة، واستدلوا بفعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فقد فادى رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل (أخرجه مسلم)، وفادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناساً من المسلمين كانوا قد أسروا بمكّة. (أخرجه مسلم).
وقد ثبت أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – فادى بعض أسرى بدر على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة.
المسألة الثالثة: أضاف الفقهاء إلى الخيارين المذكورين في الآية (المنّ والفداء)، ثلاثة خيارات أخرى وهي:
الأول: القتل:
فقد ثبت أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قتل بعض الأسرى، منهم عقبة بن أبي معيط، وطعيمة ابن عدي والنضر بن الحارث، وهم من أسرى بدر. وجواز قتل الأسير هو مذهب جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم. لكنّهم يجعلونه خياراً مرتبطاً بالمصلحة وجوباً، فإذا كانت المصلحة تقضي بعدم قتلهم، فلا يجوز في هذه الحال أن يحكم عليهم بالقتل، كما أنه إذا ارتبط المسلمون بمعاهدات دولية تمنع قتل الأسرى فيجب عليهم الوفاء بها، ولا يجوز في هذه الحالة قتل الأسير.
لكن ذكر ابن رشد في (بداية المجتهد): (وقال قوم لا يجوز قتل الأسير، وحكى الحسن بن محمّد التميمي أنه إجماع الصحابة).
والذي نراه هنا أنّ قتل الأسير لمجرّد أنه أسير غير جائز أصلاً إستناداً إلى الآية الكريمة التي حصرت مصير الأسير بالمنِّ أو الفداء. لكنّه يصير جائزاً إذا وجد في أسير معيّن أسباب أخرى تبيح قتله، فهو عند ذلك يقتل لهذه الأسباب وليس للأسر. وهذا ما يفسّر كلّ الحوادث التي قضى فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقتل بعض الأسرى. فأبو عزّة الجمحي استحقّ القتل لأنه عاهد ونقض العهد. وأسرى بنو قريظة استحقوا القتل لأنهم عاهدوا المسلمين على القتال معهم ضدّ كلّ عدو خارجي، فلمّا جاء المشركون وحاصروا المدينة في غزوة الأحزاب نقضوا عهدهم وانضمّوا إليهم، وقد كان هذا الغدر كفيلاً بالقضاء على الإسلام وإبادة المسلمين لولا أنّ رعاية الله حفظتهم. وأسرى بدر الذين قتلهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وطعيمة بن عدي كانوا قد قاموا بإيذاء المسلمين وتعذيبهم وتعريضهم للموت. ولذلك نقول: إنّ بعض الأسرى الذين يعتبرون في المعاهدات الدولية الحديثة مجرمي حرب، لتسببهم بقتل الأبرياء يجب أن يقدّموا للمحاكمة، ويمكن أن يحكم عليهم بالقتل أو بأي عقوبة أخرى. لكن لا يجوز لكلّ من أمسك بأسير أن يقتله، فذلك مخالف لصراحة النصّ القرآني. وقد نصّت اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب على جواز محاكمتهم من قبل الدولة الحاجزة، وعلى جواز اتخاذ الإجراءات القضائية بما في ذلك إنزال عقوبة الإعدام بحقّهم..على أن تتمّ المحاكمة أمام المحاكم العسكرية النظامية، وأن تتوفّر فيها الضمانات الأساسية المتعارف عليها من حيث الاستقلال وعدم التحيز وحقّ الدفاع وغيرها.
الثاني: عقد الذمّة:
إذا طلب الأسير أن يكون من رعايا الدولة الإسلامية، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويخضع لنظام هذه الدولة مع الاحتفاظ بحقوقه الشخصية في العقيدة والعبادة، وهذا ما يسمى عقد الذّمة، فقد اتّفق الفقهاء من جميع المذاهب على حقّ السلطة في منحه عقد الذمّة لكن بعض الشافعية لم يتركوا للإمام الحقّ في ذلك بل أوجبوا عليه قبول عقد الذمّة إذا طلبه الأسير، وحرموا قتله في هذه الحالة.
إنّ المعاهدات الدولية المتعلّقة بهذا الموضوع (وخاصة إتفاقية جنيف) لم تشر فيما نعلم إلى مثل هذه الحالة، كما أنّ جميع قوانين الدول لا تشير إليها. وهذا يؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ الدولة الإسلامية، دولة مفتوحة لجميع بني البشر، وأنها تستقبل أي إنسان يرغب في أن يكتسب جنسيتها ويلتزم بقوانينها، مع حقّه في البقاء على دينه، ودون أن تلزمه باعتناق الإسلام. كما يؤكّد أنّ هذه الدولة سبقت بهذا الموقف جميع دول العالم على الإطلاق، وهي التي لم تصل إليه حتى الآن.
الثالث: الاسترقاق:
وهو الخيار الأخير الذي أشار إليه الفقهاء من ضمن خيارات الإمام في تحديد مصير الأسرى. لكنني لم أرد التفصيل في هذا المجال لأنه أصبح مسألة نظرية بحتة، وذلك بعد اتفاق دول العالم قاطبة على إلغاء الرقّ وتجارة الرقيق خاصّة في اتفاقية جنيف في 7سبتمبر 1965، ومما لا شكّ فيه أنّ الإسلام يرحّب بمثل هذه الاتفاقات الدولية باعتبارها تعبّر عن مبادئه الأساسية التي تجعل البشر جميعاً عباداً لله، وتدعو إلى المساواة بينهم: (كلّكم لآدم، وآدم من تراب).بناءً على ذلك نصل إلى الخلاصة التالية:
1- أنّ الحكم الشرعي الأصلي الذي يحدد مصير الأسرى هو المنّ أو الفداء.
2- أنّ واجب الإمام في قبول عقد الذمّة إذا طلبه الأسير، حكم إضافي مأخوذ من تحديد العلاقة مع غير المسلم. وهو يشمل جميع الأسرى.
3- أنّ قتل الأسير حكم استثنائي خاص، يبنى على أسباب محدّدة تبيح قتله. ولذلك لا يكون القتل إلاّ من الإمام بناءً على حكم قضائي.
4- أما الاسترقاق فقد انتهى وجوده في هذا العصر بالاتفاقات الدولية، وهو أمر يحرص عليه الإسلام ويدعو له لأنه في الأساس يدعو إلى تحرير الإنسان من كلّ عبودية لغير الله.

أترك تعليقا

دورة تدريبية حول التغطية الصحفية في الأوقات الخطرة

بتمويل من اليونسكو

فلسطين-قطاع غزة
دورة تدريبية من 1-4 تشرين الأول 2012

دورة تدريبية حول التغطية الصحفية في الأوقات الخطرة
مقدمة:
الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة، هذه الحقيقة التي لا بد لمن يحاول الوصول إليها من أن يدفع الثمن غاليا، من وقته وجهده وعرقه، وأحيانا من دمهً..وتزداد فاتورة الدفع عندما ينطلق الصحفي لتغطية حدث، أو موقف ما، في وقت من الأوقات الخطرة، داخل رحى حرب ضروس، أو بين براثن نزاع مسلح، أو في البقاع الملتهبة التي تعاني من عنف واضطرابات، وتفتقد للأمن والأمان والاستقرار، أو حتى من قلب تظاهرة سلمية تنقلب إلى أعمال عنف وشغب يفقد السيطرة عليها..ولذا لا مجال للتشكيك بخطورة العمل الصحفي الميداني الذي يجعل من أوقات الخطر ومن ساحات القتال تقريراً ينسج منه تفاصيل الحقيقة ويبثها للعالم..تلك الحقيقة التي دفعت بالعمل الصحفيين على رأس قائمة سلم الأعمال الخطرة، حيث تعترضهم مجموعة من الأخطار وهم يؤدون مهامهم النبيلة..منها على سبيل المثال لا الحصر الشتم والضرب والقذف بالطوب، والاعتقال والتعذيب، وربما الاغتصاب، والقتل..الخ.
ويُنصحُ كل الصحفيون العاملون في تغطية المواجهات المسلحة والخطرة مهما كان نوعها، أن يخضعوا للتدريب الذي يُكسِبهم بعض المعارف والمهارات، التي تخفف من غلواء هذه الأخطار، ولا تمنعها..وذلك بتوظيف هذه المهارات المكتسبة أثناء تغطية الأحداث في هذه الأوقات الخطرة، كاستخدام سيناريوهات مواجهة الأخطار، واعتماد أسلوب محاكاةٍ معقد في تطبيق مهاراتهم في ارض الواقع.. فضلا عما اكتسبه هؤلاء الصحفيون مسبقا من مهارات متعددة ومتنوعة، قد طوروها خلال الممارسة الطويلة، وعبر التثقيف والتدريب المتواصل..الذي غرس لديهم ثقافة تنتج سلوكيات البحث والتقصي عن الحقائق الأكثر سلامةً وأمناً، وتوفر القدرة على تحقيق التغطية الصحفية والإعلامية على الوجه الأكمل. ولذا جاءت الدورات التدريبية، التي شرعت المؤسسات الدولية والمحلية في تنفيذها، في منطقة الشرق الأوسط وغيرها، –والتي تشكل هذه الدورة جزءا منه- لزيادة الوعي الميداني لطواقم الصحفيون والإعلاميون والمصورون، بالأخطار الجمة التي تواجههم أثناء التغطيات الميدانية لتلك الأحداث الخطرة -التي سقط خلالها عدد من هؤلاء الصحفيين والإعلاميين والمصورين وهم يوثقون بالصوت والصورة تلك الوقائع والأحداث- وتقودهم إلى التعرف على واقع العمل الصحفي الميداني في الصراعات والنزاعات مما يساعدهم إلى حد كبير في تجنب هذه المخاطر المتوقعة، وغير المتوقعة، ويسهم في أن يصنع الصحفي بيئة آمنة للعمل الإعلامي، تمكنه من أداء عمله على أكمل وجه، بحيث يحقق أهدافه المهنية ويحافظ في نفس الوقت على سلامة حياته.
ولعل من أهم الفائدة التي تتحقق من خلال هذه الدورات تتمثل في ما قد يتجسد في الجوانب التطبيقية التي يتم عملها أثناء الفترات المختلفة في البرنامج، بالإضافة إلى نوعية البرنامج التي قد يستشعرها الصحفيون من خلال تحويل تلك المعارف والمهارات التدريبية إلى تطبيقها عبر سيناريوهات عملية تنمي سلوك وثقافة راسخة تحفظ للصحفي حياته، وتعطي في نفس الوقت للمجتمع وللعالم خلاصة الجهود الإعلامية الجيدة.
وعليه فان التعرف على هذه الدورة التدريبية ومحتوياتها المختلفة، والتفاعل المناسب معها، ضرورة لكل صحفي ميداني، يحمل روحة في كفة، وفي الأخرى يحمل الكاميرا..لما تمثل من ثقافة السلامة التي قد لا تكون متجذرة لدى البعض منهم إلى الحد المطلوب من الأهمية..ولكونها تسعى لامتلاك أسلحةً مهمة تتمثل في أساليب الحماية الأمنية التي يذود بها الصحفي عن نفسه المخاطر التي تمتلئ بها أماكن الصراعات والنزاعات التي يقتحم غمارها..كما ان هذه الدورة التدريبية تسعى إلى رسم أمام محيا كل صحفي حقيقة تقصيره في حق نفسه، وهو يلقي بها إلى التهلكة دون أن يهتم بسلامتها.. كما وتذكرة بان المسئولية الأولى في حماية شخصه، تقع على كاهله، حيث لا يستحق أي خبر أن تكون حياته ثمناً له.
مدخل قانوني:
يحق للصحفيين تغطية النزاعات المسلحة كمدنيين يعملون باستقلالية عن القوات المسلحة وفقا للبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف الصادرين في العام 1977. ولا يجوز قانونا لأي قوةٍ استهداف المدنيين، بمن فيهم الصحفيون. غير أن الصحفيين المستقلين يواجهون مخاطر معينة، فمن يُقبض عليه من الصحفيين وهو يعمل بصفة مستقلة يمكن اتهامه بارتكاب جرائم كالتجسس ويمكن أن يتعرض لمعايير حبس المدنيين التي قد تكون سيئة أو جائرة.
ويعتبر الصحفيون المكلفون بمهمات تغطية صحفية تتسم بالخطورة مدنيون بموجب الفقرة ٧٩لمعاهدة جنيف، بشرط عدم قيامهم بأي فعل يشكل تهديدا بنقض تلك الصفة المدنية عنهم، مثل التأييد الصريح وتقديم المساعدة لأي حزب، أو حمل الأسلحة أو القيام بالتجسس. . ويعد أي استهداف متعمد لصحفي يتسبب في وفاته أو إلحاق إصابة جسدية خطيرة به، خرقا صريحا للبروتوكول الإضافي لمعاهدة جنيف ويعامل على أنه جريمة حرب.
إن سلامة الصحفيين الذين يكلفون بمهمات خطرة لا يمكن ضمانها دوما، حتى لو وفر القانون الدولي الحماية على الورق، فأطراف النزاعات المسلحة يتراجع احترامها لتلك المواثيق الدولية يوما بعد آخر والعاملون في مجال جمع الأخبار لا يمكن أن يحصلوا على ضمانات من الأطراف المتحاربة بضمان سلامتهم بالكامل.
ويختلف الأمر لو كنت كصحفي مرافقا للقوات العسكرية في تغطيتك للأحداث.. فبحسب اتفاقيات جنيف لعام 1949، يصبح الصحفي المعتمد والمرتدي للزى العسكري، من الناحية القانونية، فردا من الوحدة العسكرية التي يتنقل معها. ويجوز للقوات المناوئة، من الناحية القانونية، إطلاق النار على الصحفيين المرافقين باعتبارهم جزءا من الوحدات التي هم فيها، ويجوز قانونا كذلك إلقاء القبض على الصحفي الفرد لاحقا واحتجازه طوال مدة الأعمال العدائية كأسير حرب مقاتل.
ولقد أدركت مؤسسات الأمم المتحدة، والاتحاد الدولي للصحفيين ما يواجه الصحفيون من مخاطر، فشرعوا في مواجهة هذه المخاطر المحدقة بهم في مختلف بقاع العالم، من خلال سن القوانين التي توفر أساسيات السلامة من أجل مهنة صحفية تكون فيها الأولوية لحياة الصحفي بصفته الناقل الأول للحقائق والوقائع على مستوى العالم.
ويكمن جزء من هذا الاهتمام في تزايد الحملات لمساواة حقوق الصحفيين المستقلين وتجهيزهم بمعدات وتدريبهم وتأمينهم بشكل أفضل..وهذه حاجة ماسة للموظفين المستقلين الذين غالباً ما يعتمدون على صحيفة أو قناة واحدة لكنهم لا يتمتعوا بأي من الضمانات الممنوحة لبقية الموظفين.
كما يجب على المؤسسات الصحفية وأصحاب العمل في الإعلام توفير حماية أكبر للصحفيين.. وهذا يشكل جزءاً من المطلب العام بأن أولئك الذين يملكون ويديرون وسائل الإعلام يتحملون مسؤولية أكبر في حماية صحفييهم ورفاهية عائلاتهم.. ولذا يجب وضع الحماية القانونية للصحفيين المستقلين على قمة جدول الأعمال في كل المفاوضات مع أصحاب العمل.
إن لكل وظيفة مخاطرها، ومهنة الصحافة تتمثل في كشف ما يخفيه بعض الناس، لذا فهي أكثر عرضة للخطر من غيرها وبسبب ما يواجه الإعلاميون والصحفيون ومساعديهم من خطر (سواء الدائمين أو المؤقتين) في مناطق النزاعات المسلحة والأوقات الخطرة لتوفير الأخبار الحيه للعالم، فان لهم الحق بالحصول على الحماية والتعويض والضمان من أرباب عملهم، ويجب هنا عدم التذرع بتوفير الأمن من أجل فرض سيطرة وإشراف القوات المسلحة المحلية والسلطات على الصحفيين والإعلاميين كما يتوجب على إدارات المؤسسات الإعلامية أيضا بذل كل الجهود الممكنة لتقليل المخاطر التي تواجه الصحفيين.. وخاصة أن هذه الهجمات عليهم لها تأثير واسع النطاق، فهي تثبط من همة الصحفيين في التحقيق وعمل التقارير، وكذلك فإنها تحرم الجمهور من حقه بالمعرفة.
الطالب الأساسية لتوفر السلامة للصحفيين العاملين في الأوقات الخطرة، ومناطق النزاعات المسلحة:
المطلب الأول: المعرفة والجاهزية للمهمة:
المعرفة هي أثمن وسيلة للسلامة..فالمعرفة بالشيء تجعلنا نفكر فيه من عدة زوايا وجوانب..ومن هنا فهي تقينا من الأخطار وتوفر لنا السلامة، حيث كلما زاد اطلاعنا و