ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي (عرض ملخص)

ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي

عرض ملخص لرسالة الماجستير والدكتوراة…د.خضر عباس

تتناول هذه الدراسة ظاهرة اجتماعية تنشأ عن واقع احتلالي، يرتبط وجودها ارتباطاً وثيقاً بالاحتلال، حيث يفرض وجودها على المجتمع بما يخدم مصالحة ويحقق أهدافه. مما يتطلب تتبع هذه الظاهرة وعرض أهم المتغيرات المرتبطة بها عبر إطار نظري، يتناول الأفكار الأساسية، والخلفية النظرية لموضوع البحث، و يستند إلى نظريات معروفة تسهل تحديد المشكلة، واختيار الأسئلة والفروض، و يربط بين النظرية ومجال التطبيق بما يؤدي إلى تعزيزها وربما تنفيذها. (الأغا 1997: 201)

   وقد أشار عبيد (1993) إلى ندرة المصادر والمراجع في ظاهرة الأمن بشكل عام ، حيث لم تقع بين يديه أبحاث جادة حول الموضوع على الرغم من كثرة المجلات والدوريات التي تحمل اسم الأمن ، إلا أن أياً منها لم يدرس الظاهرة الأمنية دراسة علمية تحليلية، وقد يعود ذلك إلى إقصاء موضوع الأمن من فروع المعارف العلمية، أو أنه لم يصل إلى المستوى الذي يؤهله إلى الاستقلال كعلم الإجرام أو العقاب. (عبيد ،1993: 222 )

وهذا البحث يعد من الموضوعات التي ندر الخوض فيها من قبل الباحثين ليس بسبب قلة المصادر فيها وحسب ، بل أيضاً لحساسيته البالغة في ذات الموضوع نفسه ، بما يختزنه في ذهن المواطن العادي من ذكريات أليمة قاسية حيال هذه الظاهرة لتجاوزها كل المحرمات الوطنية ، على يد شريحة معينة من الأشخاص الذين هانت عليهم أنفسهم، فهان عليهم كل شأن، وارتبطوا بالاحتلال ، ومع ما سببته هذه الظاهرة من معاناة لمن حولها من المجموع البشري،  سواءُ لأهل العملاء أنفسهم ، أو لذوي ضحاياهم كذلك .

ويدرك الباحث كذلك مدى صعوبة اقتحام مثل هذا الموضوع لما يثيره من شجون وذكريات أليمة على مستوى العملاء أو ضحاياهم ، أو المجتمع برمته ، لكن المنهج العلمي والبحث المحايد سوف يساعد على التغلب على ما يختزن من ألم ومعاناة ، بكشف أهم العوامل والأسباب الكامنة وراء التعامل مع العدو ، إدراكاً من الباحث بأن الإنسان ليس شراً مطلقاً ، ، و لكن هناك مجموعة من العوامل الداخلية والعوامل الخارجية التي تؤثر في سلوكه ، وتبني شخصيته وسوف يتناول الباحث في هذا الفصل من الدراسة مفهوم العمالة ، وتاريخها ، ومدى خطورتها، وحجمها، وأهم مكوناتها ومن ثمّ  تناول النظريات والمدارس التي تتحدث عن السلوك الإجرامي ، ثم التعرف على أهم العوامل التي لها علاقة بظاهرة الانحراف بشكل عام ، وبالتعامل مع الاحتلال بشكل خاص ، وذلك لإفادة من يطلع على هذه الدراسة،  رغم ندرة الدراسات في مجال الأمن عموماً لما لهذا المجال من خصوصية معينة وسرية خاصة ، يحرص ذوو الاختصاص على عدم إطلاع الآخرين عليها .

تعقيب:           

ومن خلال العرض السابق لتعريف الجاسوس يرى الباحث بأن هذا التعريف، هو تعريف واسع وشامل يتسع لمعنيين متضادين ، أي الشيء ونقيضه ، وإن كان يعني في اللغة نفس المعنى ، باعتباره ممارسة تقوم على السرية والتخفي في أداء دورها .

فالمعنى الأول للجاسوس الذي يتعلق بالنشاط السيئ والشرير، أي الموجه ضد الدولة والمجتمع لحساب الغير، هو الذي ورد به النهي بقوله تعالى ” ولا تجسسوا ” وبنهي الرسول صلى الله عليه وسلم ” ولا تجسسوا ” .

والمعنى الآخر هو التجسس لصالح البلد والوطن ضد الأعداء فالجاسوس الذي يجمع المعلومات لصالح وطنه فدائي مخلص .

ولهذا يرى الباحث أنه يجب التفريق بين التجسس لصالح الوطن ، وبين التجسس ضد صالح الوطن . ومن الأفضل أن نصف من يتجسس على وطنه بالعميل أو الخائن .

مفهوم العين :

استخدم في التاريخ الإسلامي مفهوم آخر للجاسوس يحمل نفس المعنى والمضمون، وله حدين أو وجهين الوجه الحسن والقبيح ، وهو مفهوم العين،حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً يوم فتح مكة “اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها “.

وذكر مسلم ” أن العين هو الجاسوس”، وذكر ابن حجر” أن الجاسوس يسمى عيناً لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها ، فكأن جميع بدنه صار عيناً .

وذكر شهاب الدين “العين هو جاسوس القوم ، فيطلع على عورات المسلمين، وينهي الخبر إلى دارهم” ،ولقد ذكرت معظم كتب الفقه “الجاسوس بمعنى العين ، وأن العين هو الجاسوس”.(الدغمي ، 1985 : 28-30)

مفهوم  الخيانة :

   ذكر هذا المصطلح في القرآن الكريم ليكون قريناً لمصطلح الجاسوس لصالح العدو لقوله تعالى” يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرّسولَ وتَخُونْوا أَمْاناتِكِمْ ” (الأنفال : 27)

وقد فسر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمل ” حاطب بن أبي بلتعه بالخيانة -عندما أرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم فيها بتحرك الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوهم -قائلاً يا رسول الله  “إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني أضرب عنقه “.

وقد إعتبر رجال الفقه والتشريع وعلماء القانون والجريمة العمالةَ والتجسسَ لصالح الأعداء  خيانةً عظمى يعاقب عليها القانون .

أما (عبده ، 1996 : 61) فقد اعتبرهم خونة وأشد خطورة من غيرهم حيث أن مراقبة الخونة من أهل البلاد تعتبر أشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب ، وذلك لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يبديه نتيجة جهله بالعادات المحلية ، أما الخائن لوطنه الذي يتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية فهو مواطن كغيره من المواطنين، لا يحتاج إلى أن يتخفى وراء مظهر خادع ، فضلاً عن أنه يعرف بلاده ، وله حق قانوني في أن يتنقل في أرجائها ،ولهذا فان مراقبة الخونة المحليين أصعب بكثير من مراقبة الجواسيس الغرباء .

التعقيب على التعريفات :

من خلال العرض السابق للتعريفات : تظهر أربعة مفاهيم أساسية استخدمت على المستوى العالمي ، والعربي ، والإسلامي، وهي تشترك جميعًا في طريقة النشاط الموجه لممارسة عمل ما بطريقه سريه، والبعض منها يمتاز بالتعبير عن النشاط ومضادة والبعض الآخر يتحيز في نشاط  معين.

فمفهوم الجاسوس ، والعين : ليسا مصطلحين مترادفين فالعين هو الشخص الذي يعتمد على عينه في متابعة الأمور ورصدها ، أما الجاسوس فهو الذي يعتمد على الأذن والتنصت . ولقد استخدم هذان المفهومان في التاريخ الإسلامي بشكل خاص ، مع امتياز مفهوم الجاسوس بسعة الانتشار الزماني والمكاني ، عن مفهوم العين الذي اقتصر استخدامه على المسلمين فقط.

أما مفهوم العميل والخائن: فهما مفهومان مترادفان كذلك، يشيران لنفس المعنى والمضمون،  وإن اتخذ أحياناً مفهوم الخائن معيارا وصفياً أكثر منه مفهوماً مستقلاً ، وندر استخدامه كمصطلح متعارف عليه.

وبذلك يتبين أن المفهومين الأكثر شيوعاً واستعمالاً هما مفهوم الجاسوس والعميل ويميل الباحث إلى تحديد كل مفهوم لممارسة معينة بحيث يطلق لفظ

الجاسوس على من يتجسس لصالح الوطن ، ومفهوم العميل على من يتجسس ضد الوطن ، وهذا الميل ينبع من خلال ما لمسة الباحث من تناول بعض الباحثين لمفهوم الجاسوس بمعنيين متضادين بدون توضيح مما يوقع القارئ في لبس كبير، لذلك يجب التفريق بين صفات الجاسوس الذي يعمل لمصلحة بلده ، والجاسوس الذي يعمل ضد مصلحة بلده . ولذلك سوف يعتمد الباحث مفهوم العميل باعتباره أقرب المفاهيم لهذه الدراسة، وأكثرها دلالة على العينة فيها

خطورة ظاهرة التعامل :

* تكمن أهمية دراسة ظاهرة التعامل مع الاحتلال في كونها تشكل تحدياً مغلفاً بالخوف ودواعي الأمن ، أو بالحساسية المفرطة لطبيعة الظاهرة .

* وتعد هذه الدراسة من أخطر الدراسات ، لأنها تتناول ظاهرة لها من العمق التاريخي ما يساوي عمر التجمعات البشرية الأولى ، حيث شكلت عبر هذا التاريخ أخطر أشكال التدمير الاجتماعي للأمم المحتلة ، على الرغم من أن معظم المفكرين والكتاب أحجموا عن دراستها متذرعين ببعض الدوافع والعلل والأسباب  ولكن مهما كانت الدوافع وراء تجنب الباحثين التصدي لهذه الظاهرة الماثلة أمامهم والتي تهدد أمنهم وأمن أولادهم وأمن المجتمع برمته فإنهم مقصرون في ذلك . حيث أنها أولى بالبحث والدراسة من الدراسات النظرية المحضة التي ليس لها مردود اجتماعي عام – كبعض الدراسات التي تتحدث عن نظام القبول في الجامعات الفلسطينية – حيث إن فهم عالم الجاسوسية على المستوى العام والخاص ، ومعرفة ودراسة ردود الفعل النفسية لدائرة العملاء المتعاونين أمر ضروري لكل طبقات الشعب برمتها . (عبده ، 1989 : 38)

* التعرف على العوامل المؤثرة في الظاهرة من الناحية النفسية ، حيث أنه لابد من عناية علم النفس بالجاسوس والعمل على دراسته ودراسة مهنته وتطويرها إيجابيا بحيث تتلاءم وعصرنا الحاضر. (عاقل، 1993 : 232)

 * دراسة هذه الظاهرة يجعلنا ندرك أن الجاسوسية سلاح قديم جديد كان له دور هام في زمن الحرب والسلم ، وهي من أنجع الأسلحة، حيث تحاك في الخفاء وتؤتي ثماراً أهم وأخطر من غيرها.

* كما أن دراسة ظاهرة التعامل مع الاحتلال بشكل علمي ، يعارض اللفظ الشائع لدى العامة بأن هذه الشريحة من الشعب لا تستحق الحياة ، فكيف نجعلها محط اهتمام وبحث ودراسة ، وتأتي الدراسات لتجعل الجميع يقف ويفكر ويعيد حساباته في كثير من الأمور كأن يعدها من المسلمات المقدسة التي لا يجوز اقتحامها.

* ومن خطورة التجسس أنه برغم تطور أجهزة الاستطلاع والتجسس الإلكترونية الحديثة سواء بالأقمار الصناعية، أو الطائرات أو غيرها، فإن أجهزة المخابرات ما زالت تعتمد في جمع المعلومات وتفسيرها ، على العميل نفسه الذي تتمكن من تجنيده باعتباره يستطيع كشف ما لا تستطيع الأجهزة الأخرى كشفه مهما بلغت من التطور والتعقيد . ( الجزائري ،1985: 143)

*كما تكمن خطورته في كونه من أهم وأنجع الأسلحة لصالح البلد ، وفي نفس الوقت يعد من أخطرها وأشدها فتكاً على الأمة لأنها تنكشف من داخلها ، فهو الوسيلة الأهم في الحصول على المعلومات عن العدو، سواء تمّ ذلك  بواسطة الجواسيس والعملاء أو بالأرصاد واستخدام الأجهزة المتقدمة سرية كانت أم علنية. (الدغمي ،1985 : 32 )

* وتكمن خطورته في أن مختلف المهام التجسسيه تهدف إلى شيء واحد يخدم في النهاية مخططات الدولة وفق مصالحها وسياستها ، وهذا الهدف البعيد هو استهداف دولة معينة لإخضاعها بعد إضعاف معنوياتها واضطراب استقرارها ، وهذا ما يُعرف في قاموس الجاسوسية بإنهاك العدو، وهذا لا يتم إلا بإخضاعه لمعرفة ما يخطط له العدو ويفكر به، وكذلك القدرة على تقدير حجمة، فإذا كنت تبغي التيقن مما يرمي إليه عدوك فعليك أولاً أن تقدر قدرة خصمك  مثلما تقدر مهارته ، في لعبة البوكر ثم تضع نفسك مكانه ، وتفكر بما يفكر به لفترة ، وبعد ذلك تضع خطتك وتتصرف كما لو كنت مكانه في تلك الظروف (كوبلاند Kubland، 1990 : 19)

* إن معركة الجاسوسية  تعد من أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة من معارك وذلك لأنها معركة خفية ، و تعتمد على الغدر والخيانة والتسلل تحت ظروف عادية داخل الدولة، وجمع المعلومات الحربية لتمكين العدو من الاستفادة منها .

فإسرائيل دخلت  معركة الجاسوسية مع العرب بقصد العدوان على الجيوش العربية  وعلى الشعوب العربية ، وفي سبيل هذا الغرض أطلقت جواسيسها داخل البلاد يجمعون لها الأسرار العسكرية والمعلومات التي تتعلق بالنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والاجتماعي ، وحتى أرقام الهواتف الهامة ، وهذا ليس عبثاً من جانب العدو وإنما هو عمل مخابراتي أصيل وهو عمل تخريبي يؤدي إلى نتائج خطيرة فيما لو أتيح للعدو الإسرائيلي استعمال هذه المعلومات. (الجزائري،1991 : 482 )

* وللجاسوسية دور خطير في زمن الحرب على أمن الدولة وسلامة المجتمع برمته، لا يقتصر هذا الخطر على زمن الحرب ، بل يمتد شره  في أيام السلم إلى الميادين الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية والمعنوية وغيرها ، وأصبحت الدعايات الخبيثة والإشاعات من أمضى الأسلحة التي تعمل على تفكيك وحدة الأمة بشتى الوسائل وإضعاف الروح المعنوية بالوعود والأكاذيب .

 * ولخطورة ظاهرة التعامل عملت جميع المجتمعات قديماً وحديثاً على سن القوانين الرادعة ضد جريمة التعامل مع العدو ، وقد أقر القانون المصري مثلاً بأن يعاقب بالإعدام كل من سعى “تجسس” لدى دوله أجنبية ، أو تآمر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها للقيام بأعمال عدائية .

وقد اعتبرت كذلك كثير من الدول في قوانينها مثل إيطاليا وفرنسا عملية التخابر مع الأعداء وإن لم يقدم معلومات ذات قيمه هي في حد ذاتها جريمة كبرى ، يعاقب عليها القانون .

ظاهرة التعامل والتجسس عبر التاريخ :

تمهيد :

للوقوف على حقيقة أي ظاهرة – وخاصة الظواهر الاجتماعية – لا بد من تتبعها عبر التاريخ البشري ، ومعرفة جذورها وامتدادها فيه . فلا يمكن تناول هذه الظاهرة ، مجردة من البعد الزماني ، لأن له نفس ما للبعد المكاني الأهمية ، حيث إنه من خلال التفاعل الزماني والمكاني لأي ظاهرة يمكن فهمها والوقوف على حقيقتها .

ومن خلال التتبع لهذه الظاهرة تاريخياً ، نستطيع الوقوف على أثر العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية المنتجة لها ، باعتبار أن لها جذوراً عميقة في عمر التاريخ البشري ، تمتد منذ أقدم المجتمعات الغابرة حتى وقتنا الحاضر ،

حيث فطن الإنسان منذ فجر التاريخ البشري  إلى أهمية التجسس والاستفادة منه ، مما جعله يستغل هذا الأسلوب في صراعه مع القوى المضادة له ، بدءاً باستخدام أبسط الأساليب ، ووصولاً إلى أعقد الطرق والوسائل والأساليب .
( فاخر ، 1973 : 232 )

التجسس في العصور القديمة :

ورد في كتب ، قدماء المصريين ” الفراعنة ” أنهم استخدموا هذا الأسلوب في صراعهم مع أعدائهم وتؤكد المستندات القديمة عن المخابرات أن فن المخابرات ” أي التجسس ” فن قديم جداً فالمصريون كان لهم نظام تجسس منذ حوالي خمسة آلاف عام ، وكانوا يعدون التجسس على أعدائهم فناً ولوناً من ألوان العلم الحربي بحيث استطاع أحد ضباط المخابرات المصرية القدماء- ويدعى ” توت ” – أن يرسل مائتي جندي مسلحين ضمن أكياس القمح على ظهر مركب إلى مدينة ” يافا ” التي كانت محاصرة من قبلهم في حينه لاقتحام المدينة بعد أن تأكد بواسطة عيونة من صعوبة اختراق تحصيناتها عبر البر ، ولما استقر المركب في الميناء ، خرج الجنود واستولوا على المدينة.  (الجزائري، 1991  : 10 )

وأثناء غزو رمسيس الثاني الحيتيين تم القبض على جاسوسين للعدو في معسكر جيشه ، حيث تم استجوابهما وضربهما ضرباً مبرحاً ليعترفا بالحقيقة ، ويقول ” احمد هاني ” فيما ينقله عن ”  لاديسلاس فاراجو ” المصريون القدماء كان لهم إدارات مخابرات منظمة قبل السيد المسيح بعدة قرون .

( الدغمي ، 1985 :47 )

ومن أشكال ذلك الفن الذي عرفه قدماء المصريين ، ما يحدثنا به المؤرخ ” هيرودتس ” بأن الرسائل السرية كانت تكتب في صورة وشم فوق رؤوس العبيد ثم يرسل هؤلاء إلى الأهداف المقصودة ، كما عرفها الكلدانيون والأشوريون والبابليون. (الجادر،1987 : 3)

وكان فن التجسس والجاسوسية وجمع المعلومات شائعاً بين الإغريق والفينيقيين والرومان والحضارات القديمة الأخرى ، وعلى الرغم من عسير التكهن بما كان يحدث قبيل ظهور” العهد القديم ” إلا أنه يمكن التخمين بأن معرفة ما بحوزة العدو أمر هام لضمان أمن المرء وسلامته . (اللجنة، 1993 : 16)

   وفي الإلياذة نسمع” هومر” الشاعر يتغنى بقصة رائعة من قصص الجاسوسية حين نقل الطرواديون بعض جنودهم ضمن جواد كبير صنعوه من الخشب إلى قلب مدينة العدو ، وسمي ” بحصان طرواده “(عبده، 1989 ،  12 )

     وقبيل مولد المسيح بأربعمائة عام أكد الوزير الصيني ورجل الاستراتيجية العسكرية ( صن تسو ) في كتابه ( فن الحرب ) أن أهمية المخابرات الجيدة تسبق الحرب نفسها (اللجنة ، 1993 : 16 )

وقد استخدم هذا الأسلوب” الاسكندر المقدوني” ، مدركا أهمية الطلائع وفرق الاستكشاف وأكثر ما أستعمل الفرسان للكشف البعيد ، وهو أول من استعمل الحصن في الجبال للكمائن ، وأول من اتخذ الجواسيس والعيون على العدو .

وقبل الإسلام نشطت الإمبراطوريات العظيمة في استخدام التجسس على بعضها البعض كدولة الفرس ودولة الروم ، حيث كانت الحرب بينهما محتدمة في كثير من الأحيان ، واستعمل سلاح التجسس بينهما كوسيلة عسكرية .

وكانت دولة الروم تستعمل الجواسيس ضد العرب قبل ظهور الإسلام الذين يعملون لحساب الرومان ، وكان التجسس يتم في بيوت تجارية  يستخدمها الرومان للشئون التجارية في الظاهر والتجسس على أحوال العرب سراً ، ولما ظهر الإسلام اعتمدوا على التجسس ضد المسلمين بشكل موسع.

 وقد عمد العرب في الجاهلية إلى استخدام العيون للتجسس على الأعداء في صورة تجار أو مسافرين أو على هيئة سرايا صغيره تتقصى آثار العدو وتسأل من تلتقي به من الركبان عن أحوالهم . (الدغمي ،1985 :48-52 )

التجسس في التاريخ اليهودي :

لقد برع اليهود منذ القدم ، في استخدام أسلوب التجسس ضد خصومهم وأعدائهم ولقد ورد ذلك واضحاً في التوراة ، حيث  كان التجسس المنظم ، في العهد القديم ، مهنة معترفاً بها بين الإسرائيليين القدامى ، ويعد الإسرائيليون المخابرات الإسرائيلية واحدة من أقدم منظمات الاستخبارات في العالم .

كما أنهم يعدون موسى عليه السلام أول من قام  باعتماد التجسس على الأعداء قبل ملاقاتهم ، حيث أرسل اثني عشر شخصاً للتجسس والاستطلاع على أرض ” كنعان ” فلسطين قبل دخولها . حيث وجههم قائلاً ” اصعدوا من هنا إلى الجنوب واصعدوا إلى الجبل ، وانظروا الأرض ، ما هي ؟ والشعب الساكن فيها أقوي هو أم ضعيف ؟ وقليل أم كثير ؟ وكيف هي الأرض التي هو ساكن فيها ، أجيده أم رديئة ؟ وما هي المدن التي هو ساكن فيها ، وتشددوا واتخذوا من ثمر الأرض. (ديكون Dekon، 1991 : 45-46 )

ويؤمن الإسرائيليون أن جهازهم  الفتي المعقد يدين كثيراً للماضي البعيد ،منذ أن أرسل يوشع بن نون من شطيم رجلين جاسوسين سراً ليتجسسا على ملك أريحا آنذاك من أجل غزوها.

ولم يقتصر الأمر على استخدام الوسائل التقليدية في الجاسوسية ، بل استخدم اليهود أقوى وأفتك سلاح في عالم الجاسوسية ، وهو المرأة والجنس ، حيث علم “يوشع بن نون” أن ملك مدينة أريحا ضعيف أمام النساء ، فكلف اثنين من أعوانه بمهمة التسلل إلى أريحا لإشباع نقطة الضعف لدى الملك ، ومن ثم الانقضاض عليه من الداخل ، فوقع خيارهما على رحاب الزانية ذات الجمال والحسن حيث تجاوبت معهما حالاً ، وقبلت المهمة بصدر رحب ، لأنها كانت أصلاً على استعداد ذاتي لمثل هذه المهمة ، فانطلقت معهما إلى أريحا وتجولت حول قصر الملك فأعجب بها ودعاها إلى قصره ، فطلبت أعوانها بحجة أنهم أقرباؤها وأولياء أمرها فلبى طلبها، وأقاما إلى جانبها في القصر يدبران المكيدة تلو المكيدة .(الجزائري،  1991 :426 )

التجسس في التاريخ الإسلامي:

 أشار القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة إلى مفهوم التجسس بوضوح بقوله تعالى ” ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ” ( الحجرات : 12 ) ، كما استعمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم الجواسيس والعيون منذ فجر الدعوة،  ففي طريق هجرته من مكة إلى المدينة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه استخدم عبد الله بن أبي بكر جاسوساً له في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله  نهاره وأبي بكر،ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر”.(ابن هشام،130:1373)

وبعد الهجرة إلى المدينة ، وتكوين الدولة الإسلامية بدأت المخاطر تزداد على المسلمين مما جعله صلى الله عليه وسلم ، يستخدم أسلوب التجسس حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتاز بسعيه الحثيث ، وحرصه الشديد على أن يعرف عن خصمه كل ما يستطيع .

وقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم عيون في مكة يأتوه بأخبارها، ومنهم عمه العباس بن عبد المطلب وبشر بن سفيان الفنكي.(مناصره ،1991 : 124)

وقد أرسل له العباس بوقت خروج قريش لقتاله في أُحُد كما أعلمه بعدد قواتها ، فأسرع حامل رسالة العباس وقطع المسافة في ثلاثة أيام ، وكان العباس يرغب في الهجرة ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب إليه : ” إن مقامك في مكة خير ” .(الدغمي ، 1985 : 59 )

ومن هذا الحرص على معرفة ما عند العدو وسبر غوره أنه ” كان عليه السلام يهتم باقتفاء أخبار العدو واستطلاع خباياهم ، فكان يبعث العيون ليأتوه بخبرهم ، فقد أرسل عبد الله بن جحش سنة اثنتين للهجرة في اثني عشر مهاجراً بعد أن دفع إليه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، فلما مضى اليومان نظر عبد الله فإذا فيه ” إذا نظرت إلى كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد لنا قريشاً ، وتعلم لنا من أخبارها ( نوفل ، 1983 :110)

وقد بعث صلى الله عليه وسلم بسبس بن الجهني وعدي بن الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره.ثم ارتحل وقد قدمهما.(ابن هشام،1374: 156)

     وفي غزوة بدر بعث صلى الله عليه وسلم بضعة عشرة عيناً يتجسسون له، ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا بل بعث برجلين يتجسسان له الأخبار عن عير قريش .

وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ هوازن وثقيف أرسل  “عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي ” ليأتيه بالمعلومات اللازمة ، فدخل فيهم ، وعرف ما أجمعوا عليه ، وسمع من مالك بن عوف قائد هوازن ، ثم جاء إلى رسول الله يخبره بالخبر

وفي غزوة الخندق ، جاء ” نعيم بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يكلفه بأي عمل يقوم به ضد المشركين ، حيث إن قومه لا يعلمون بإسلامه ، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم ” مرني بما شئت ” فقال صلى الله عليه وسلم ” إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا. (الدغمي، 1985 :59-70)

وعندما اشتد الكرب في غزوة الأحزاب ،أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفه بن اليمان للتجسس في صفوف العدو. وقال له: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم ، وفعلاً ذهب حذيفة ودخل صفوفهم واسترق السمع عليهم ، وجاء بخبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيوب،  1977 :264 )

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير : ( أنا ) قالها ثلاثاً ، ويجيبه الزبير ، ثم  قال صلى الله عليه وسلم : إنّ لكل نبي حواريين وأن حواري  الزبير . رواه الشيخان والترمذي .(ناصف ،  1932 : 402) .

واستمر الصحابة و التابعون من بعده صلى الله عليه وسلم يهتمون في حروبهم مع أعدائهم بالعمل التجسسي لصالح المسلمين .

وليس أبلغ في ذلك من وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقائد جيشه في مصر التي يقول فيها : ابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم قوة لهم على استعمالهم الأمانة والرفق بالرعية ، وتحفظ من الأعوان فإن أحداً منهم بسط يده إلى خيانة، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه ( مناصره، 1991 : 186)

وبنفس القدر الذي حرص فيه الإسلام على استخدام الجواسيس والعيون ضد الأعداء عمل على محاربة الجواسيس الذين يتجسسون لصالح الأعداء ضد أوطانهم وبلدانهم ، لقولة تعالى” ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً” ( الحجرات : 12 ) ، ولقول رسوله الله صلى الله عليه وسلم : ” إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تباغضوا ، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ” كما أمرتكم ” ..ألخ” رواه مسلم .(الدمشقي، 676 : 427)

وقد طالب عمر بن الخطاب بقتل حاطب بن أبي بلتعه لقيامه بالتجسس لحساب الأعداء ، ولم يشفع له إلا أنه من المقاتلين الأوائل ، ولأنة شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر ، ولعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن فعله هذا كان فعلاً استثنائياً ولم يكن أصلاً ديدناً لديه .

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل أحد العملاء الذين قاموا بالتجسس لحساب العدو . فعن سلمه بن الأكوع قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر فجلس مع أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال : النبي صلى الله عليه وسلم : اطلبوه فاقتلوه ،  فقتلته ، فنقلني سلبه …  رواه البخاري وأبو داود.(ناصف ، 1932: 401 )

وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الاتصال بالعدو وإعطائه معلومات عن المسلمين ، لأن في ذلك خيانة لله وللرسول وللمؤمنين ،وعدوا أنه إذا لم يكن لتجسس المسلم تأويل معقول ، أو عذر مقبول ، وأنه قام بعمله خدمة للأعداء وموالاة للكفار، وكراهية للمسلمين وحقداً عليهم ، ومحبة للأعداء وإخلاصاً لهم ، واستهتاراً بحق المسلمين ومصيرهم ، فإنه يجوز للأمام أن يأمر بقتله تعزيرا ليكون عبرة لغيره ” (الدغمي، 1985 :156 -161 )

التجسس في القرون الوسطى :

وفي القرن الثالث عشر استخدم القائد المغولي ” سوبوتاي ” الرجال والنساء والأطفال ليخترق بهم قوات أعدائه وجيوشهم  لجمع المعلومات ، وكان نادراً ما يهزم عسكرياً ، ويعزي انتصاراته إلى التجسس ، وليس إلى البسالة أو الشجاعة العسكرية.

وكانت جيوش أعداء ” هرناندو كورتيس ” المستكشف الأسباني ( 1485 – 1547 ) الذي غزا المكسيك عام 1519 تفوقه عدداً وعدةً بصفة دائمة . ولذا شعر أن الجاسوسية أمر أساسي لكسب الحرب ضد المكسيك ، فاستعمل الجواسيس في حربه.

أما في النصف الغربي من الكرة الأرضية ، فإن أهل ( الأنكاس )و(المايانا ) و ( الأزتيك ) استخدموا الجواسيس ، ونتيجة لذلك عززوا من امبراطوريتهم عسكرياً، واستخدم ( هرناندوكورتيس ) الجواسيس سواء من الهنود أو الأسبان لتحسين معرفته بالاتجاهات والنوايا التي يضمرها حاكم الأزتيك ” مونيتزوما ” .

ويكشف التاريخ عن الحكام الآسيويين وحكام منطقة الشرق الأوسط والهنود الحمر أنهم أعطوا كذلك للمخابرات والجاسوسية الأولوية المطلقة .

وفي القرون الوسطى في أوروبا كانوا لا يعرفون الكثير عن أواسط وشرق آسيا إلا أنه بعد ذلك ، استخدم الزعماء الأوروبيين الجاسوسية ، وعدوها سياسة مقبولة لوزارات الخارجية داخل حكوماتهم .

وتضاعفت عمليات التجسس والمؤامرات والمهمات التخريبية على نطاق الواسع إبان عهد ( ليوناردو فيتشي ) و( ميكيافيلي ) والبابوية في عصر النهضة.   (طلعت ، 1993 :15- 17 )

وفي القرن السادس عشر ظهر في البندقية ( فينيسيا ) نشاط تجسسي ، وكانت تعد في ذلك الوقت ، أحسن منظمة للتجسس في العالم ،وتمت فيها أفضل العمليات التجسسية التي حصلت في أوروبا إبان ذلك الوقت. ( هاتون Hatoun، 1990  : 5 )

وفي القرن السادس عشر ، طور السير فرانسيس والسنجهام وزير خارجية الملكة اليزابيث ملكة إنجلترا شبكة من عشرات العملاء والجواسيس في الخارج ، وأرسل بهم عبر أوروبا والشرق الأوسط  . وقد استخدمت الكنيسة الكاثولكية في اوروبا العملاء والجواسيس لتثبيت أركانها ، وكان هؤلاء العملاء يكتبون التقارير عن شؤون ومسائل مثل العقيدة والتبرعات المالية والطاعة والامتثال للأوامر البابوية.

  وفي عهد ديوان ومحكمة التفتيش الكاثولكية التي نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت مهامها اكتشاف ومعاقبة الهراقطة، وكان الجواسيس من الفاتيكان يكتبون التقارير عن الهراقطة، وازدهرت مرحلة الإصلاح البروتستانتية، ازدهرت وظيفة جواسيس البابوية الكاثولكية .

وفي فرنسا أبان القرن السابع عشر ، كان الكاردينال ” ريتشيليو ” يقرب جواسيسه في الفاتيكان

ليعملوا لحسابه داخل الفاتيكان وانجلترا. (اللجنة،1993: 17-26)

ويقال أن نابليون أفاد أثناء حكمه من جواسيسه – وحصل على معلومات خطيرة عن جيوش أعدائه بواسطتهم قبل أن يتقدم لمنازلتهم وتفريقهم.

دور التجسس في قيام الولايات المتحدة:

عندما بدأت الثورة الأمريكية ضد الإنجليز ، بدأ كل طرف يستخدم حرب  الجاسوسية ضد الآخر الجاسوسية السياسية ، والعسكرية سواء في المستعمرات أو أوروبا ، وقام ” جورج واشنطن ” بتعيين الجواسيس لجمع المعلومات للأغراض الاستخبارية، أما الجواسيس لصالح الإنجليز فكانوا من قبائل ” الثوريس ” والهنود ورجالهم .وقد تعرض بنيامين فرانكلين للتجسس عليه من جانب العملاء البريطانيين ، المهتمين بمعرفة مدى جدية الفرنسيوين في إسداء المعونة والمساعدة للأمريكان .

 وإبان الحرب الأهلية صارت الجاسوسية تحظى بالأولوية المطلقة لدى الاتحاد حيث استخدمت بالونات الهواء لتحديد مواقع القوات، وحتى بعد الحرب، استمرت أعمال المخابرات الأقل شأناً، ولكن لم تكن البلاد في حاجة إليها بالفعل.

وقد عُرف من رواد الجاسوسية الأمريكية أنذاك– ناثان هيل – وبنيامين تالميدج، و” هيل ” وهو أول بطل وجاسوس لأمريكا إلا أن أحد رفاق دراسته، وهو الميجور بنيامين تالميدج كان جاسوساً ناجحاً للغاية، وقام بتنظيم حلقة متعددة اليوم معقدة بمعايير الزمن الحاضر، واستخدم الجاسوسان الوطنيان الشفرات والرموز والحبر السري والأسماء المستعارة وكافة أنواع الرسائل. (اللجنة ،  1993 :17 – 32 )

التجسس إبان الحرب العالمية الثانية :

نشطت عمليات التجسس إبان الحرب العالمية الثانية ، وخاصة بين الألمان والإنجليز ، وظهر في تلك الحقبة ألمع الجواسيس العالميين حيث كانت  أشهر الجواسيس قاطبة الجاسوسة الألمانية الهولندية المولد “” ماتا هاري ”  ذات الجمال الفائق الذي برعت في استخدامه بشكل جيد رغم أنها كانت عميلة فقيرة مسكينة.

وقد ذاع صيت المخابرات الإنجليزية ، حيث كان البريطانيون قد زرعوا في حقيقة الأمر عملاءهم في كل دولة وكان لهم جهاز مخابرات مضاد واسع النطاق وعمليات سرية خفية،وكان التنافس على أشده قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية بين دول المحور وأهمها ألمانيا وبين دول التحالف وخاصة بريطانيا وفرنسا ، التي برع فيها كل جانب بشكل كبير.

التجسس اليهودي في أوروبا :

نشط اليهود في الانخراط بعمليات التجسس في أوروبا في القرن الحالي ، فقد عمل بعض اليهود جواسيس مزدوجين ، وأحياناً عملاء لثلاث جهات مستخدمين التجسس مهنة وليس دعوة وطنية .( ديكون Dekon، 1987 : 53)

ولهذا اتصف العملاء والجواسيس اليهود منذ الأزل بروح الغدر والخسة والخيانة وعدم الأخلاق من أجل إصابة أي ثمن ، وهم يقدمون خدماتهم للجميع ، ويؤكد ذلك أن المخابرات البريطانية كانت وما زالت لا تأمن للجواسيس اليهود . (الجزائري ،1991 : 421)

وقد أكدت جميع المصادر أن اليهود قبل وصولهم إلى فلسطين قد شاركوا عالمياً تقريباً في جميع أعمال الجاسوسية وعندما وضع البريطانيون مخططاتهم لقيام الكيان الإسرائيلي استناداً لوعد بلفور ، سخروا اليهود لأعمال الجاسوسية .(ديكون Dekon، 1987 : 426)

وكانت كبرى الأعمال اليهودية الفلسطينية المشهودة خلال الحرب العالمية الأولى هي أعمال عائلة أرون أرنسون اليهودية الذي عقد عزمه على المضي في خطته التي قبلها البريطانيون لإنشاء شبكه تجسسية في محطة تجريبية في عتليت على الساحل الفلسطيني وكانت شبكته من أفراد بارزين.

 وهكذا فإن اليهود بطريقة أو بأخرى ، كانوا يكتسبون تدريباً متواصلاً ويحرزون خبرة عالية في التجسس الذي أصبح ذا قيمة هائلة لهم حين أقيمت إسرائيل ،وجعلهم يحرزون تقدماً سريعاً في هذا المجال لولا ذلك الفيلق الصلب من رجال المخابرات الإسرائيلية العاملين من أجل الصهيونية لما ظهرت إسرائيل في الوجود .(ديكون Dekon،  1987 : 26 – 61)

ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني :

ارتبطت ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني في فلسطين بدخول الاستعمار البريطاني ، فمنذ البداية حدد المستعمر بدخوله فلسطين 1916 دوره باتجاهين الأول تثبيت سياسة فرق تسد وتمزيق بنية الشعب الفلسطيني وقواه، وتكريس تناقضاته،  والاتجاه الآخر هو تثبيت المشروع الاستعماري الصهيوني على الأرض الفلسطينية، ووفق هذا المنطق بدأ الاستعمار البريطاني يبحث عن دعم ومساندة له من بعض الشرائح والطبقات الاجتماعية وبعض الأحزاب والمؤسسات ، وكانت طبقة البرجوازية الإقطاعية ، هي الشريحه المتعاونه مع الارتباط بالاحتلال ، وعلى هذه الأرضية نبتت أول شجرة للعملاء والمتعاونين الذين شكل السماسرة ، والوجهاء وباعة الأراضي أهم ملامحها ، وإلى جانب هذه الطبقة أفلح الاحتلال البريطاني ، في خلق أحزاب وقيادات لصيقة له ارتبط مصيرها بمصيره،وبدأت تأخذ دورها في تشويه سمعة الثورة الفلسطينية، وقد شكلت ظاهرة المتعاونين تاريخيا خنجراً مسموماً في ظهر الشعب والثورة . الأمر الذي أدى إلى بروز سياسة الاغتيالات السياسية التي كانت موجهة إلى عملاء المخابرات البريطانية وإلى الذين تعاونوا مع البوليس البريطاني وأرشدوا عن الشيخ القسام. (البيومي، 1994 : 13 )

مما حدا بالقسام ورجاله بملاحقة العملاء والجواسيس الذين يتعاملون مع الإنجليز واليهود جنباً إلى جنب في حربهم العسكرية ضد القوات العسكرية البريطانية والصهيونية ، وعُرف من العملاء الخطرين الذين تم تصفيتهم ” حليم سبطه ، وأحمد نايف ، ومحمد العصفوري من حيفا ،ويوسف جليله من عرابة و سليم فرج من يافا، وآخرون. (حموده ، 1985 : 118)

وبفعل هؤلاء وأمثالهم أفلح المحتل البريطاني في تمزيق الشعب الفلسطيني وتحطيم وحدته، حيث إنه في الوقت الذي كان فيه القسام ورجاله  يوجهون الرصاص للإنجليز والصهاينة على حد سواء ، كان خط الوجهاء والمتعاونين مفتوحاً على المحتل البريطاني يشكل معه أداة قمع للشعب والجماهير.

تاريخ إسرائيل التجسسي:

إن دولة إسرائيل التي أقيمت على الأرض المحتلة من فلسطين منذ اغتصابها  عام 1948 وحتى تاريخه لم تقم بعمل من أعمالها العدوانية إلا وكانت المخابرات الإسرائيلية من ورائها حيث يُظهر الواقع التجسسي أن هذا الاهتمام ليس بالأمر الجديد ، لأنه نما وترعرع مع هذا الكيان جنباً إلى جنب مع صراع الحروب العسكرية (الجزائري ، 199 :425 )

ومنذ اللحظة الأولى لإعلان قيام الدولة الإسرائيلية ، بدأت تشحذ هممها لكي ترسل الجواسيس والعملاء ليتجسسوا على الدول العربية، وبدأت تستعر أتون الحرب السرية بين المخابرات العربية والإسرائيلية، وأخذت  توجه عملاء لاختراق الدول العربية وخاصة مصر وسوريا ، وقد أفلحت مخابرات الدول العربية في اكتشاف وتفكيك بعض أو أكثر شبكات التجسس التي يقيمها المحتل في البلاد العربية حيث تمكنت المخابرات المصرية في اكتشاف عدد من الجواسيس والعملاء الذين يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية مثل “هبه عبد الرحمن عامر ، وإبراهيم شاهين ، ورجب عبد المعطي ، وفؤاد علي جمعه ، وبهجت يوسف حمدان ، ومحمد ابراهيم فهمي كامل ، ومحمد متولي مندور ، وجمال حسين يوسف ، فايز عبد الله المطري” .

ولم يقتصر النشاط التجسسي الإسرائيلي على مصر بل طال هذا النشاط التجسسي معظم الدول العربية خاصة سوريا ولبنان والأردن ، وما زالت معركة التجسس محتدمة حتى بعد توقيع معاهدات السلام ،والدليل على ذلك اكتشاف شبكة التجسس التي يقودها الجاسوس عزام عزام في مصر ومحاولة الاغتيال التي تعرض لها خالد مشعل في الأردن.

بروز ظاهرة التعامل في المناطق المحتلة :

التعامل والاحتلال لا ينفصلان ، فأينما وجد احتلال أجنبي لا بد من وجود عملاء له من أهل المناطق المحتلة ، فمنذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967 أرادت إسرائيل التمكن من سيطرتها على السكان ، وذلك بمحاولة منع أي أعمال تمس أمن إسرائيل ، وذلك باعتقال مدبري هذه الأعمال ومخططيها من الفلسطينيين ، وذلك من خلال تدعيم الارتباط الاستخباري بين العناصر المحلية وبين جهاز “الشين بيت ” وذلك إما بوسائل الإغراء المادي أو باستخدام القوة والتهديد أو أي شكل من الأِشكال الأخرى التي ينتج عنها نوع من الارتباط بين المواطن وجهاز الاستخبارات العامة كالإسقاط (أبو هين، 1993 : 2 )

وقد كانت أبرز سياسات التخريب التي مارسها الاحتلال منذ البداية وحتى الآن أي بعد دخول السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أرض الوطن تجنيد بعض أشخاص لخدمة مصالحه وسحبهم من الصف الوطني بهدف التخريب المستمر للحلم الفلسطيني بالتحرر والانعتاق من الاحتلال.

ورداً على الاحتلال الإسرائيلي للمناطق وُجِدَت المقاومة السياسية وغير السياسية من جماعات وأفراد فلسطينيين ضد إسرائيل والإسرائيليين . وأقام اليهود شبكة من العملاء بين السكان الفلسطينيين من أجل مجابهة هذه المقاومة واجتثاثها .

واستغلت إسرائيل بذلك جميع الخدمات المدنية وغير المدنية مثل الموافقة على طلبات التصاريح المختلفة المرتبطة ارتباطاً مباشراً ومشروطا بموافقة جهاز الأمن العام الذي يسخره لتجنيد العملاء . وحتى الإدارة المدنية استخدمت أيضا الخدمات المدنية ليس ضماناً للحقوق الشرعية بل لتقديم معروف وتعبيراً عن المقدرة التي من الممكن إلغاؤها في أي وقت . إن سلاح الخدمات التي كانت تستخدمه السلطات الإسرائيلية لابتزاز المواطنين من أجل الارتباط قد أدى إلى سقوط بعض الأفراد في العمالة نزولاً تحت تحقيق هذه الرغبة أو الحاجة ،ولم تكتفي السلطات الإسرائيلية بالضغط على الناس واستغلال حاجاتهم مباشرة بل فتحت المجال لعملائها للابتزاز من جهة ثانيه، للاستفادة المادية والمعنوية .

ومن خلال هذا النشاط أقام الكثير من العملاء علاقات مكشوفة مع موظفي الحكومة العسكرية ، وجهاز الأمن العام . وقد كانت هذه الروابط مصدراً للقوة والتأثير، وفي بعض الحالات مصدراً مهماً للدخل .(بتسيلم Petsailem، 1993 : 3)

ولقد حاول جهاز المخابرات الإسرائيلي أن يخلق تجمعاً خاصاً بالعملاء عبر محاولة إنشاء رابط القرى ، إلا أنه لم يفلح في ذلك -كما أفلح من قبل الاحتلال النازي في أوروبا في خلق بعض الحكام المحليين المتعاونين معه ، وكما أفلح الاحتلال البريطاني في فلسطين بإنشاء بعض القادة والأحزاب التابعة لها -حيث كان الفشل ذريعاً لكل هذه المحاولات الاحتلال . وذلك بسبب العمق الحضاري الذي يفصل اليهود عن المسلمين ، ولم يسجل  في تاريخ فلسطين أن تعامل أحدُ ، على أساس أيدلوجي أو مذهبي ، وهذا يعني أن هذه الظاهرة ، وإن شكلت كماً لا بأس به على المستوى الفردي إلا أنها لم تتجذر روحياً ووجدانياً وعقلياً لدى الجماهير .

تعقيب على البعد الزماني لظاهرة التعامل :

يرى الباحث من خلال العرض السابق للبعد الزماني لظاهرة التجسس بمفاهيمها المختلفة ، أنها حظيت باهتمام الشعوب والجماعات والدول والحكومات منذ فجر التاريخ ومازالت ،باعتبارها تشكل حلقة من حلقات الصراع الممتد بين المتخاصمين والأعداء ، وقد أثبتت الوقائع أن الأمم القديمة ، والحضارات الغابرة ، قد مارست هذا النوع من النشاط ضد بعضها .

فقد عنى الفراعنة بعمليات التجسس والتجسس المضاد ، وكذلك كان لقدماء الصينيين ، والفينيقيين ، والأشوريين ، والإغريق ، والرومان ، والفرس ، واليهود، والعرب وغيرهم باع كبير في هذا الميدان ، وامتد ذلك عبر التاريخ ، ولم يتوقف لحظة من لحظات التاريخ البشري ، حيث واصلت الشعوب في العصور الوسطى العمليات التجسسية ضد بعضها ومثال ذلك الواقع الأوربي لدى البابوات والامبراطوريات آنذاك، واستمر كذلك في العصر الإسلامي ، ولم يتوقف أعداء الإسلام عن عملياتهم التجسسية ضد  الإسلام والمسلمين. وبنفس القوة والمقدار الذي  شدد فيه الإسلام على محاربة التجسس لصالح الأعداء ، حث على القيام بعمليات التجسس ضد أعداء الإسلام.

وفي القرن العشرين ، كانت أهم عمليات التجسس وأنشطها إبان الحرب العالمية الثانية  ، واشتدت وطأتها بعد الحرب حيث يعزو كثير من الكتاب النصر للحلفاء إلى العمليات التجسسية التي قامت ضد دول المحور.

وهدأت أتون الحروب العسكرية ، ولكن عمليات التجسس بقيت مستمرة على أشدها ، واشتدت حدتها وضراوتها بسبب التنافس الحاد بين الكتلتين ، الكتلة الشرقية ، والكتلة الغربية ، ونظمت أكبر عمليات التجسس في التاريخ البشري إبان مرحلة الحرب الباردة خاصة بين العملاقين آنذاك .

ولقد أفلح الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في اختراق أهم الأجهزة الغربية كجهاز المخابرات البريطاني ، وساعدهم في ذلك الجانب الأيديولوجي ، حيث تبنى كثير من شباب الغرب  المبدأ  الشيوعي ، وكان أبرز عمل مستغل من قبل المنظومة الاشتراكية.

أما اليهود ، ودورهم في التجسس ، والعمالة ، فإنه محط افتخارهم ، بل  وينسبون الفضل لأنفسهم بأنهم أول من نظم عمليات التجسس الناجحة في التاريخ منذ دخول مدينة أريحا عبر الزانية “رحاب” مروراً بتاريخهم الطويل في خدمة كل نظام عاشوا فيه بممارسة أعمال التجسس لصالح حاكم البلد ولو كان ذلك ضد أبنائه. وذلك تحت ذريعة حماية النفس ، وتعد عمليات التجسس التي وقعت في ألمانيا ، وأوروبا ، وفي روسيا دليلاً واضحاً على هذا الدور ، وامتاز اليهود عن غيرهم في إتقان التجسس المزدوج ، وأحياناً كما يقول “ريشتارديكون” جواسيس لثلاثة أطراف في آن واحد.

ولهذا برع اليهود في إنشاء جهاز استخباري منذ بداية الهجرة إلى فلسطين في مطلع القرن العشرين ، وعمل هذا الجهاز على هدفين الأول تسخير الاحتلال البريطاني لمصالحهم ، وترسيخ قيام دولتهم . وعلى الرغم من حرصهم الشديد على عدم اختراق أحد لصفوفهم ، إلا أن بعضهم بغريزته السابقة قد  تجسس لصالح الإنجليز.

وأول ما فكر فيه قادة وزعماء إسرائيل بعد إعلان قيام الدولة هو إنشاء الجهاز الاستخباري ، الذي ما أن تم إنشاؤه حتى بدأ يمارس بنشاط وهمة عمليات التجسس على الدول العربية ، ولم يتوقف حتى الآن برغم اتفاقيات السلام.

أما على نطاق الأراضي المحتلة ، بعد حرب 1967 التي مكنت إسرائيل من بقية أرض فلسطين وأطراف بعض الدول العربية ، فقد كان لجهاز “الشين بيت” الأمن الداخلي ، دور وباع كبير في تجنيد وربط وإنشاء الشبكات التجسسية والعميلة التي تعمل لصالحه -التي زادت حدتها بازدياد المقاومة في أوائل السبعينيات – حيث استخدم جميع الوسائل والطرق والأساليب للضغط على الناس وابتزازهم للتعامل . وما زال على هذا الحال حتى بعد خروجه من بعض المناطق الفلسطينية وقدوم السلطة الوطنية الفلسطينية اليها.

أما على مستوى العمق المكاني للظاهرة :

 فإن الباحث يشير من خلال العرض السابق إلى أن التجسس ، والتجسس المضاد ، في اللحظة التي لم ينقطع فيها تاريخياً لارتباطه بمصالح عليا للدولة والمجتمع ، فإنه من حيث الموقع والمكان ، يتعلق وجودة بوجود الاحتلال ، فمتى وجد الاحتلال زمانياً ، فانه يوجد مكانياً ، وإن إختلف هذا الوجود شكلاً ومضموناً من من مجتمع إلى آخر، ومن بلد إلى آخر.

حيث يؤكد الواقع المقروء والمشهود على أن ظاهرة التعاون مع الأعداء لا يمكن أن توجد إلا في ظل احتلال.  فحيثما وجد الاحتلال  تنشط عمليات التجسس والتعاون مع المحتل ، وهذا يؤكد أن هناك عوامل مهمة أخرى تقف خلف ظاهرة التعاون ، وربما تكون أكثر التصاقاً وأهمية من العوامل التقليدية العادية التي تؤثر في الظواهر الأخرى.  وذلك باعتبار الظاهرة الاجتماعية انعكاساً للواقع الاجتماعي الذي يحياه المجموع ، وتتطور بشكل طبيعي ، وفق تطور العلاقات الداخلية للمجتمع ، ولكل ظاهرة اجتماعية جوانب إيجابية وجوانب سلبية ، والمجتمع الواعي والمقتدر ، بالإضافة إلى الدولة الحريصة تطوق الآثار السلبية للظاهرة ، أو توجهها ضمن سلوكيات محمودة وحسنة . ولكن إذا لم يستطع المجتمع أن يحل إشكاليات هذه الظاهرة ، فإنها تتحول إلى مشكلة اجتماعية ، ربما تتطور هذه المشكلة سلباً فتتحول إلي أزمة يستعصي حلها والتعامل معها ، مما يولد الثورات والتمرد.  وإما أن تتجمد بتطويق أثاراها وإن ظلت قائمة ، بحيث يتأقلم معها المجتمع ، ولا تشكل له عامل توتر أو قلق أو إحباط .

أما ظاهرة التعامل ، فهي ظاهرة اجتماعية تمثل مشكلة اجتماعية ، يخلقها المحتل ، وينشط عواملها الكامنة ، ويوفر لها المناخ المناسب الذي يكفل نماءها وبقاءها .  باعتبار أن أي ظاهرة سلبية ، أو أي موقف سلبي حتى على صعيد الفرد لا يوجد إلا بتفاعل المكونات الداخلية التي شكلت شخصيته ، بما تشمل عليه من صفات وسمات شخصية ، وعوامل كامنة أنشأتها العوامل الاجتماعية السيئة كالتنشئة الاجتماعية الخاطئة ، والعوامل الاقتصادية والتعليمية السيئة بالإضافة إلى الموقف الضاغط ، فإذا تناغمت المواقف الضاغطة ولاقت قبولاً واستجابة مع المواقف الكامنة حدثت المشكلة ، وحدث السلوك الخاطىء، وهو ما يخطط له العقل الاستخباري الإسرائيلي جيداً.

          ووجود الاحتلال في أي بلد يجعله يخلق المناخ والأرضية اللازمة بما يمتلكه من السيطرة على بعض العوامل الكامنة  للانحدار في الانحراف نحو العمالة والجريمة ، المواقف الضاغطة التي  يستغلها ابتزاز الأفراد وربطهم به والتعامل معه .

وبذلك فإنه يتضح بجلاء أن البعد المكاني لظاهرة التعامل، مرتبط بشكل وثيق بوجود الاحتلال في هذا البلد لذا كان مفهوم التعامل مفهوماً مقترناً بالاحتلال ، أكثر من  مفهوم التجسس ، وإن كان يعني ذلك في حالة التجسس لصالح الأعداء.

حجم  ظاهرة التعامل مع الاحتلال في فلسطين:

من الضروري عند الولوج في مناقشة أي ظاهرة اجتماعية وإخضاعها للبحث والدراسة من الوقوف على حجم هذه المشكلة، ومن أجل ذلك لا بد من تغطية هذا الجانب من خلال الإحصائيات الرسمية وشبه الرسمية إن وجد، أو بعض المصادر والمراجع التي تتحدث عن ذلك

أما الإحصائيات الرسمية حول حجم هذه الظاهرة فتكاد تكون معدومة، وإن وجدت فإنها تزيد الأمر تعقيداً، حيث نرى البون الشاسع بين تقديرات الاحتلال الإسرائيلي لهذه الظاهرة وتقديرات الجانب الفلسطيني.

          إذاً ليس هناك اتفاق على تقدير عدد العملاء الذين تم ربطهم بالأجهزة الإسرائيلية ، وذلك لاتساع الرقعة الزمانية التي تمتد من اللحظة الأولى لاحتلال باقي فلسطين عام 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة وحتى يومنا هذا .

          هذا بالإضافة إلى خصوصية الموضوع وسريته، واحتكار الأرقام الحقيقية لحجم هذه الظاهرة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها، مع الأخذ بعين الاعتبار كذلك طبيعة المفهوم والتعريف للعميل، وتأثر هذا المفهوم ضيقاً وإتساعاً بتعريفات الفصائل الفلسطينية نفسها .

          فمنذ عام 1967 قامت قوات الأمن بتجنيد أعدادَ لا بأس بها من الفلسطينيين للتعاون مع الأجهزة الإسرائيلية، وكان ذلك ممكناً بسبب الاعتماد العظيم من قبل الفلسطينيين على الخدمات التي تقدمها الإدارات الإسرائيلية، وقد استخدمت قوات الأمن في تجنيدها للمتعاونين طرقاً تتعارض مع القانون الدولي.

وقد عملت عدة أجهزة لإجبار الفلسطينيين على التعامل معها، ومن أهم هذه الأجهزة الشاباك والإدارة المدنية والشرطة، والعاملون معها يعملون بصورة سرية أو علنية حسب تقديرات مختلفة ، ويعمل في هذه المناطق آلاف العملاء وغالبيتهم عملاء سريين. (بتسيلم Petsailem، 1998 : 4)

وقد أدى هذا الجهد من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى نشر آلاف من المخبرين في المجتمع الفلسطيني ، من عمال المصانع حتى المثقفين ، وكان على المخبرين أن يعلموا الإسرائيليين  بالنشطاء الذين يحاولون تحويل المنظمات المهنية والاجتماعية إلى مراكز سياسية .(ميلمان، دان Meleman-Dann: 1991 : 336 )

          ولم يذكر أي مرجع إسرائيلي رسمي عدداً محدداً للعملاء ، وإنما هناك تقديرات غير رسمية صدرت في بعض الكتب والمراجع .

          فيقدر ” روني شاكد ” في جريدة يدعوت أحرنوت عدد المتعاونين ما بين (4.000 – 10.000) متعاون .(أبو نجيله ، 1998 : 40 ).

أما “بتسيلم” فإنها في تقريرها الصادر عام (1993) لم تذكر عدد المتعاونين مع الاحتلال ولكنها حصرت الذين قتلتهم المنظمات الفلسطينية بتهمة التعاون مع المخابرات الإسرائيلية بـ 942 شخصاً ، حسب إفادة المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي . (بتسيلم Petsailem، 1993 : 4 )

وأشار عطا الله منصور في مقالة له  نشرت في يناير 1994 بعنوان ” ظاهرة القتل على التقرير الصادر عن منظمة “بتسيلم” حول قتل المتعاونين ” إلى وجود آلاف المتعاونين من المعروفين للشعب ، يعيشون داخل الأراضي المحتلة قبل عام 1948 ، حيث يواجه المحتلون مشكلة إستيعاب هؤلاء العملاء وعائلاتهم والبالغ عددهم (50,000 ) متعاون  . (أبوانجيله،,وآخرين ،1998: 40 )

ويذكر (ميلمان، ودان Meleman-Dann، 1991 : 334) من جهاز الشين بيت ، إن مخبري الشين بيت المعروفين يبلغون آلافاً من فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويؤكد ( أبو هين،1993: 2 ) أنه لا توجد لدينا دراسات أو أرقام حقيقية عن حجم انتشار هذه المشكلة في الأراضي المحتلة ، ولكن المتوفر حاليا هو عدد القتلى من الفلسطينيين بحجة التعاون مع السلطات الإسرائيلية منذ بداية الانتفاضة وحتى يناير 1993 .

 وهكذا يتبين أن جميع المصادر الإسرائيلية أو الفلسطينية لا تؤكد رقماً معيناً لحجم هذه الظاهرة ، وجميع هذه المصادر يكتنفها التناقض والغموض ، مع العلم بأن معظم المصادر التي نستقي منها هذه التقديرات لا تتبنى الأسلوب العلمي المناسب في تقدير حجم الظاهرة .

 وبسبب هذا التناقض في الإحصاءات المتوفرة عن هذه الظاهرة ، فإن الباحث سيكتفي بالتأكيد على وجود هذه الظاهرة بوجود هذه المشكلة ، والتعامل مع الأرقام بشكل تقريبي وتقديري ، وليس على سبيل الضبط والدقة .

وخاصة أن الحقبة الزمنية الطويلة التي تغطيها هذه الظاهرة ، ممتدة من عام 1967 – 1999 حيث استطاع جهاز المخابرات الإسرائيلي أن يجند أعداد لا بأس بها من ضعاف النفوس ، أضف إلى ذلك انعكاس هذه الظاهرة سلبياً على المحيط الأسري والعائلي وخاصة أبناء العملاء وزوجاتهم . وعلية فلن تمثل هذه المعطيات والأرقام الحجم الحقيقي للظاهرة وإن كانت تدل بشكل قاطع على اعتبارها مشكلة اجتماعية حقيقية لا بد من مواجهتها وعدم التهرب منها .

 ومن خلال العرض السابق لتحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال ، يتضح مدى الاختلاف البائن في تحديد مدى اتساع هذه الظاهرة ، مما يتوجب الاهتمام  بها ودراستها ، ومعرفة العوامل والأسباب التي تؤثر فيها ، والعمل على حلها وحسن التعامل معها .

التعقيب على حجم الظاهرة:

يعزي الباحث هذا الاختلاف إلى عدة أمور منها :

أن تحديد العدد الدقيق هو من مهمة الجانب الإسرائيلي ، حيث  إنه الطرف الوحيد الذي يستطيع إعطاء رقماً حقيقياً لهذه الظاهرة باعتباره المسبب الأساسي لها.

 أن السلطة الوطنية الفلسطينية ليس بمقدورها تحديد حجم هذه الظاهرة بشكل قطعي ولكن يمكنها وضع  إطار كمي لذلك من خلال ما تم كشفه من العملاء.

إن ظاهرة العمالة تتعرض للزيادة والنقص ، وليس لها حجم ثابت ، فخروج الاحتلال من بعض المناطق ينهي هذه الظاهرة إلا أن جهاز الشين بيت لم يتوقف عن نشاطه فلا يزال يمارس الضغط على شريحة العمال الذين يعملون داخل حدود ما قبل 48 مستغلة حاجتهم للعمل.

أن عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق أيضاً يرجع إلى اختلاف الإسرائيليين والفلسطينيين في  تعريف العميل  وخضوع هذا المفهوم في الجانب الفلسطيني إلى الاتساع والضيق من فترة إلى أخرى .

أن عامل الزمن له تأثير على عدم دقة إحصاء حجم هذه الظاهرة ، حيث تمتد زمانياً منذ دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى الضفة وقطاع غزة .

 أن الاتساع الأفقي الجغرافي يلعب دوراً في عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق ، باعتبارها ممتدة إلى جميع أرجاء الضفة وقطاع غزة .

 أن تحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال صعب تحديده ، لتأثر هذا العدد بأهالي العملاء ، إذ يعد أهالي العملاء الذين هربوا للسكن معهم في إسرائيل ضمن الحجم المحسوب على هذه الظاهرة ؟

 أن الحرب النفسية لها دور كبير في تحديد حجم العملاء ، فليس كل ما ينشر من إحصاءات أو بيانات عن ظاهرة معينة خاصة إذا كانت هذه الظاهرة في مجال الأمن ويحوطها كثير من السرية يجب الاعتماد عليه ، فقد تلجأ سلطات الاحتلال إلى التهويل في عرض أرقام العملاء رغبة في نشر الشك وعدم الثقة بين الفلسطينيين .

أن تحديد حجم الظاهرة يتأثر في كثير من الأحيان  بالتداخل عند الناس بين الجانب الأخلاقي والجانب الأمني ، وقد أثبت الواقع خطأ هذه الموقف .

 أن هذا الاختلاف مهما اشتد أو انخفض ، فإنه يعبر عن حقيقة مُجمع عليها، وهو أن حجم التعامل مع الاحتلال يشكل ظاهرة مقلقة ومزعجة للمجتمع الفلسطيني ،مما يتطلب الوقوف عليها ملياً والعمل على فك أحاجيها ، من أجل سلامة المواطن والوطن.

المتغيرات المؤثرة في ظاهرة الانحراف والجريمة:

 تمهيد : 

العامل كما يتضح من معجم “وولمان Wollman”  مؤثر كامن   يكون مسئولاً عن جانب من التقارير Uariance لعدد من المظاهر السلوكية (عبيد،1981: 141)

 ثم إن العوامل التي تسهم في تنمية التكوين المهيئ للانحراف , هي خليط من تفاعل  العوامل الذاتية مع العوامل البيئية حيث إن الانحراف في الموقف هو نتاج هذا الخليط المتراكم من هذه العوامل عبر رحلة الحياة الطويلة للفرد ,

وتناولت عدة نظريات أهم العوامل البيئية ( الاجتماعية – الاقتصادية – التعليمية – النفسية.. الخ ) ودورها في عملية الانحراف  واستدلوا على ذلك من خلال تعقب الخبرات التي تعرض لها المنحرفون في زمن الطفولة , وانتشار الانحرافات السابقة في أسرهم , وعلاقة هذا الانحراف بالعوامل السابقة .

وقد تبين من الدراسات على الجانحين والمجرمين والمنحرفين, وجود مثيرات معاصرة لجرائمهم , ساهمت في ارتكابها , وشجعت المجرمين على إتيانها أو يسرت لهم السبيل إليها وهي مثيرات لابد من الوقوف عليها من اجل فهم مشاكل المجتمع والوقوف على حقيقتها .

باعتبار أن الجريمة والانحراف ليس لها دوافع أو مؤثرات محددة بل هي نابعة من أكثر عن عامل ويجب البعد عن العلاقة السببية التي ترجع الظاهرة إلى علة واحدة والبحث عن السبب بمعنى العامل الذي يرجح ارتباطه بعلاقة ما مع السلوك الإجرامي .

ويشير( أبو الروس 1996  : 17 ) إلى فشل المحاولات التي ترجع الجريمة إلى عامل سببي واحد لعدم وجود سبب واحد ، للجريمة نتيجة للتفاعل بين العديد من العوامل الشخصية والخارجية في بلورة السلوك الإجرامي.

ولكي نفهم السلوك الانحرافي ” غير الاجتماعي ” يجب أن يتم  تفسير السلوك الإجرامي تفسيراً متكاملاً فنرجعه إلى مجموعة متظافرة متداخلة متشابكة من العوامل الذاتية ، والاجتماعية ، والنفسية ، والاقتصادية ، والتعليمية ، وغيرها

 وقد أشار “كابلان kablan” إلى أن الجريمة ظاهرة متنوعة العناصر والأهداف والظروف ، وليس من المنطقي الحديث عن أسبابها العمومية والشمولية إذ أن لكل جريمة أسبابها وظروفها الخاصة ، ولكل مجرم يرتكب ذات الجريمة دوافعه وأسبابه الاجتماعية المغايرة عن دوافع غيره. (البشري ، 1997 : 133)

ويشير(العيسوى،1997: 151 ) إلى أن البحوث العلمية والعملية تؤكد على انه لا يمكن تفسير السلوك غير الاجتماعي بإرجاعه إلى عامل واحد أساسي , بل يجب ان تجتمع فيه عدة عوامل متفاعلة تفاعلاً دينامياً معيناً شأنه في ذلك شأن أي ضرب من ضروب السلوك , وانه يجب التمييز بين أنواع الجرائم المختلفة ، وربط هذه الأنواع بملابساتها ، الاجتماعية ، والثقافية ، وغيرها .لأن الظواهر تتبع في سيرها نوعاً من الحتمية ، ومعنى هذا أنه لا يمكن تصور ظهور السلوك الجانح بفعل الصدفة المحضة ، أو أن نتصور أنه مرهون تماماً بظروف الموقف الحالي دون اعتبار للتاريخ السابق ، وخصائص ، وصفات الفرد القائم بالسلوك (أبو السعد ، 1971: 4)

إن اقتصارنا على دراسة العوامل المرتبطة بظاهرة العمالة فقط , لا يعنى إهمال الجوانب الأخرى من الظاهرة ، والذي يحكم هذا التحديد هو حساسية وسرية وخطورة هذه الظاهرة ، والافتقار إلى الدراسات السابقة بالإضافة إلى أن طبيعة هذه الدراسة لا تستوعب كل الجوانب المهمة للظاهرة .

 أما دراسة العوامل فيمكن الولوج إليها عبر الكتب والمراجع التي تناولت هذا الموضوع ، وسوف نتناول في هذه الدراسة أهم العوامل المرتبطة بهذه الظاهرة التي تؤثر في توجيه السلوك البشرى باعتبار أن مؤثرات السلوك نابعة من خلال البيئة المحيطة بالإنسان وممتزجة بكيانه الداخلي .

 فأي ظاهرة اجتماعية ، سواء كانت سلبية أو إيجابية ، لا بد حتماً أن تنشأ من خليط من المؤثرات ، ولا يمكن دراسة ظاهرة عبر النظرة الأحادية الضيقة كما كان في بعض الفلسفات قديماً.

 إن أسباب هذه الظاهرة كثيرة ومتداخلة مع بعضها ، منها ما يعود إلى البيئة كأسلوب التنشئة الاجتماعية الخاطئة ، والنقص في عملية تعلم القيم والمعايير الاجتماعية ، والبيئة الجانحة ، وتأثير الكبار، ونقص وسائل الترفيه ، وسوء التربية الجنسية ، والفقر ، والجهل ، والمرض ، وقد تعود إلى البيئة داخل المنزل وفى نطاق الأسرة ، كالإفراط في اللين ، والتساهل ، أو الرعاية والحماية ، وقلة الضبط والرقابة .

 وهناك أسباب تصنف على أنها نفسية كالصراع ، والإحباط ، والتوتر والقلق والانقباض ، والحرمان العاطفي ، بالإضافة إلى التجارب المؤلمة في مرحلة الطفولة.

 وهناك بعض الأسباب التي تعود إلى جهل الفرد وتدنى مستوى تعليمه وعمق مكوناته الثقافية ومدى تأثره بثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه.

 وهناك  أسباب تعود إلى المستوى الاقتصادي ، وتدنى مستوى الدخل والحرمان المادي الذي يعانى منه الفرد.

وكل هذه العوامل والأسباب آنفة الذكر أثبت كثير من الدراسات أن لها علاقة وتأثير على مستوى انحراف الفرد .

وسوف يناقش الباحث مدى تأثير هذه العوامل منفردة بسبب ما تقتضيه الدراسة , مع التأكيد بأن هذه العوامل لا يمكن تجريدها عن بعضها . باعتبار أن الإنسان كل متكامل تتظافر في تكوينه جميع هذه العوامل بشكل مشترك ومترابط .

المتغير الاجتماعي :

يقصد بالمتغير الاجتماعي ” مجموعة الظروف التي تتعلق بتكوين الجماعة وأنظمتها المختلفة وما يسودها من قيم ومعتقدات تؤثر في عاداتها وتقاليدها “.

وهذه العوامل الاجتماعية التي تؤثر على ظاهرة الإجرام قد تكون متعلقة بالأسرة أوالمدرسة أو العمل أو الأصدقاء ، فالبيئة الأسرية لها تأثيرها المباشر على تكوين شخصية الفرد وسلوكه في المستقبل. ( عقلان ،1991: 22)

وقد اهتم علماء الاجتماع بدراسة وتفسير الجريمة والانحراف داخل المجتمع باعتبارها تمثل تهديداً لأمن المجتمع واستقراره ، وتشكل خطراً على إيجابية الأدوار فيه ، ويركز علماء الاجتماع في تفسيرهم للانحرافات على أهمية العوامل الاجتماعية الكامنة وراء ارتكاب مثل هذه السلوكيات المضادة للمجتمع  . (الحوات ،30:1997 )

 وتكمن أهمية العامل الاجتماعي ، في امتداده على مساحة واسعة من حياة الإنسان تمر بمراحل عديدة  تبدأ بالأسرة وعلاقته  بالوالدين وأساليب التنشئة المعتمدة لديهما، ومحيط الأقران والصحبة ثم المدرسة والمدرسين وزملاء  الدراسة  وبعد ذلك زملاء المهنة ، والصحبة ، والمسجد ، والنادي ، والإعلام وغيرها .

  وتعد الأسرة أهم مكونات العامل الاجتماعي حيث يعدها بعضهم المسئولة عن تكوين نمط شخصية الفرد ، وهي الإطار الذي يغطي جميع الأدوار الاجتماعية المختلفة التي يلعبها الفرد على مسرح الحياة ، إذ هي الأساس الذي يحيط باستجابات الفرد المختلفة تجاه بيئته التي يعيش فيها  .فالأسرة هي الجماعة الأولى والبيئة التي يشبع الفرد حاجاته البيولوجية والاجتماعية والنفسية من خلالها ، فإذا اضطربت حياة الأسرة أصبحت عاجزة عن إمداد الأطفال بمثل هذه الاحتياجات (الشرقاوى،1986: 157)

ويشير(مرسى،1988: 274) إلى أن الطلاق العاطفي بين الوالدين أشد خطراً على النمو النفسي للأطفال من تصدع أسرهم بالطلاق ولذلك وجد أن عدم انسجام الوالدين في حياتهما الزوجية سمة شائعة في أسر الجانحين والمنحرفين، وتوصل “ولمان walman” إلى أن الكراهية المتبادلة بين الوالدين أمام الطفل تهيئ الطفل للانفصام لأنها تؤذي نموه الوجداني في سن مبكرة وفي دراسة مقارنة بين الجانحين وغير الجانحين في مصر والكويت والمملكة العربية السعودية قام بها مرسي حيث وجد أن الجانحين أدركوا عدم الانسجام بين الوالدين في الحياة الزوجية أكثر من غير الجانحين .

إن الأسر التي تتكون من زوجين غير سعيدين يكثر فيها الشقاق والخلافات وتنعدم المودة والرحمة بين أفرادها ، وتسوء العلاقات بينهم ، وتكثر بينهم العداوة والبغضاء والخصام ، ويهمل الزوج زوجته وأسرته ، وتهمل الزوجة بيتها وأولادها فيزداد النفور بينهما وتتفكك الروابط الأسرية، مما يؤدي بالطفل إلى الخوف من فقدان الوالدين ، والوقوع في صراع الإقدام لفشله في المفاضلة بينهما ، وتوقع الإهمال من الوالدين ، وعدم التقبل منهما مما يزيد لديه الشعور بالحرمان والإحباط وتقلب المزاج .

وفي دراسة أوردها ” بيجPage  ” عن أسر المجرمين والجانحين التي تتسم بالتفكك وعدم الاستقرار والخلافات الأسرية نتيجة للانفصال ، والهجر ، والطلاق أوموت أحد الوالدين أو كلاهما ، وجد أن الصراعات الأسرية الداخلية والتوترات تؤدي إلى تحطيم البيوت سيكلوجياً ، وأن الأحداث الجانحين نادراً ما ينحدرون من بيوت سعيدة يسودها جو انفعالي متماسك ، وأن الأحداث غالباً ما يشبون أطفالاً غير محبوبين ، وغير آمنين ويفتقرون إلى الإشراف ، وأنهم غالباً ما ينحدرون من آباء غير أخلاقيين ، وغير متزنين أو ثابتين . وأنهم قد يكونوا خاضعين لحماية زائدة من أحد الأبوين بينما يخضعون لنوع من التأديب الحاسم من  الآخر ، وقد أوضحت الدراسة أن هؤلاء الجانحين يعانون من نقص التعاطف والحب والتفاهم والمشاركة الوجدانية ، ويؤكد ذلك هجرهم لمنازلهم.

أما دراسة “إيفي بينت Ivy Bennet،1960″ فقد  أوضحت أن الطفل يحتاج إلى المنزل المستقر، المتعاون لكي يتوافق مع الجماعة ، وأنه من خلال هذا الإطار المستقر للأسرة يمكن تحقيق الرضا والعلاقات المستقرة ، وأن هذه العلاقات يجب أن يكتنفها الحب والأمان والاستقرار ، وكشفت هذه الدراسة أن أكثر الأولاد الجانحين يعانون من فقدان العلاقات العاطفية الآمنة مع أمهاتهم في سنوات التكوين الأولى ، وأن أغلب هذه العلاقات كانت مضطربة عاطفياً ، أو حتى مرفوضة من الأم في بعض الأحيان .

وفي دراسة “أندري Andry ، 1960 “كشفت النتائج من عدة اتجاهات لدى الجانحين منها أنهم ينظرون إلى آبائهم على أنهم ناقصو الكفاية ، وأن آبائهم لا يوازنون بين الشدة والعقاب الذي يوقعونه عليهم بدرجة غير مقبولة ، وكذلك أظهر الجانحون نقصاً واضحاً في تشجيع آبائهم لهم . وأن آبائهم أقل ضبطاً للانفعال في مواقف الشدة عكس غير الجانحين  .

وفي دراسة” وليام وجون ماكورد William & Joan Macord  1959 ” تبين الارتباط بين علاقات الابن بوالديه وبين الانحراف ، ومدى تأثير كل منهما في الآخر ومدى تأثير خصائص الشخصية لدى الآباء في تكوين المثل لدى الأبناء ووضح كذلك أن الحب الأبوي يعد عاملاً هاماً في التنشئة لا يقل أهميه عن دور الأم. (الشرقاوي،1986 :360 )

  ويحدث كذلك تفسخ الأسرة في حالة الخلافات الحادة والمشاكل المسيطرة على الأسرة ، وتزداد تعمقاً في حالات الانفصال بين الوالدين بالطلاق ، أو الهجران أو الزواج بأخرى ، أو السجن ، أو الغربة ، وهذه كلها تؤدي إلى ظهور عوامل مهيأة للانحراف لدى الأطفال ، وخاصة عندما يجد له مكاناً بين أقران فاسدين ينمون له هذا الجانب .

  ويؤثر الخلل في توزيع الأدوار على الانحراف وقد تبين من الدراسات أن كثير من المنحرفين  عاشوا في ظروف أسرية مضطربة نفسياً بسبب خلل في الأدوار التي يمارسها كل من الأب والأم، فمن دراسة “ماكورد makoured” على الجانحين الذين أصيبوا بالفصام ، وجد أن الأم مسيطرة ، وهي السلطة الضابطة في الأسرة ، والأب سلبي ضعيف الشخصية لا دور له ، وهذا يعني أنه عندما تكون القوامة في الأسرة لأم متسلطة تلغي شخصية الأب أو مستبد يلغي شخصية الأم تضطرب أدوار الأولاد والبنات.

وتعد التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة أخطر ما يؤثر على الطفل ، فإذا حَسُنَتْ حَسُنَ الطفل واستقام في حياته اللاحقة ، وأما إذا تعرضت إلى الاختلال فتظهر الانحرافات والجرائم فيما بعد ، وقد أجريت دراسات عديدة ، تعقب الباحثون فيها الخبرات المؤلمة في الطفولة التي تعرض لها الجانحون والمجرمون ومدمنو المخدرات ، ومتعاطو الكحوليات ، ، تبين منها أنهم كانوا تعساء في طفولتهم ، بسبب نشأتهم في مناخ أسري فاسد أو تربيتهم في كنف والدين غير صالحين أساءوا إليهم وأفسدوا نموهم النفسي .

ومن عوامل اضطراب علاقة الطفل بوالديه أخطاؤهما في تنشئته بالقسوة والضرب الشديد والتوبيخ الجارح الذي يهدف إلى التحقير والازدراء والسخرية،  مما يدفع بالطفل أحياناً إلى الانحراف ضد المجتمع الذي حيث يفقد أهم الروابط فيه وهم والده .(علوان،1976 :147)

  وقد يكون لاتجاهات الأم نحو الطفل ومعاملتها له أثر مميز  بسبب الدور الخطير الذي تلعبه في حياة الطفل ، ويلعب نظام التدريب الذي يستخدم مع الطفل في المنزل دوراً هاماً ، فإذا كان تسلطياً عقابياً فإنه يؤدي بالطفل إلى تنمية الشعور بالتمرد على السلطة والعدوان من ناحية أو إلى الاستجابات الانطوائية من ناحية أخرى. (أبو حطب، وصادق،1990: 310)

 ويذكر( مرسي ، 240 ، 1988 )أن الحرمان العاطفي يعد من أهم علامات الانحراف ،فالأسر المريضة تعرض أطفالها للحرمان من إشباع حاجاتهم الأساسية وتعرضهم للإحباط المتكرر ، مما يشعرهم بالظلم والعجز ويفسد نموهم النفسي ، ويجعلهم مهيئين للانحرافات النفسية ، و تبين من الدراسات أن الجانحين ومدمني المخدرات والكحوليات والمنحرفين عاشوا طفولتهم محرومين من عطف الأب وحنان الأم ، إما بسبب الطلاق والهجر والوفاة ، أو بسبب جهل الآباء والأمهات بأساليب رعاية الأبناء ومطالب نموهم الخاصة ، وقد تأيد دور الحرمان في تنمية الجناح والقلق عند المراهقين . ففي دراسة على المراهقين في السعودية وجد أن المراهقين المهيئين للقلق تعرضوا للحرمان في الطفولة أكثر من أقرانهم غير المهيئين للقلق ،وفي دراسة ثانية تبين أن الأحداث الجانحين في مصر والكويت والسعودية تعرضوا للحرمان في الأسرة أكثر من أقرانهم غير الجانحين . وهناك دراسات أوضحت أن هناك ارتباطاً بين السلوك المضاد للمجتمع مع عدم ثبات الآباء في تأديبهم وفي طرق تعليمهم تحمل المسئوليات تجاه الآخرين ، وخلصت الدراسات إلى أن الحب والتعاطف ونبذ الآباء للأبناء نبذاً قاسياً كانت من الأسباب الأولية للسلوك المضاد للمجتمع (الديب،1997: 27)

ويقيم “جون بولبي Jon Bolby ” تفسيره لانحراف الصغار على أساس أن الأم هي التي تقوم في سني المهد والطفولة المبكرة بتشكيل شخصية الطفل وضميره ، فمن خلال تعاملها معه يقتنع بأن عليه أن يتخلى عن بعض رغباته وأن يؤجل إشباع بعضها الآخر ، كما يقتنع أن عليه أن يحتفظ بعلاقة طيبة مع الآخرين حتى تتحقق له أهدافه . ومن اعتبار وجود الآخرين هذا تنشأ أولى بوادر الطفل في أن يتعلم كيف يقوم بدور الضمير لنفسه بنفسه  .وبينت دراسة “شلدون وألينور جلوكSheldon ,Jlok” أن أمهات الجانحين أقل اهتماماً وأكثر عدوانية ونبذاً لأطفالهن وكذلك كان الآباء

 أما ” إيكهورن  Iekhorn” فيستند إلى مفهوم الطرح ، حيث يقول إن كل صلة جديدة إنما هي إعادة علاقة سابقة مع تغيير طفيف ، لذلك يكرر الجانح في علاقته بمجتمعه علاقات حياته الوجدانية الأولى التي تتسم بالعقابية والقسوة والحرمان ، ويؤكد على ضرورة توافر نوع من التوازن أو الاعتدال في كمية الحب والعقاب التي تمنح للطفل.(أبو السعد،1997: 4)

وإذا تأملنا حياة الصغار المنحرفين في مصر ، وجدناها سلسلة متصلة من تجارب الحرمان التي يتعلق بعضها بحاجات الحدث الأولية كالغذاء الكافي والعناية الصحية وإشباع حاجات البدن ، ووجدناها من ناحية أخرى سلسلة من تجارب الحرمان متعلقة بمشاعر الأمن والحب والعطف والطمأنينة . حيث يستجيب الحدث المنحرف إلى تجربة الحرمان بتحطيم العائق وإزالته بغض النظر عن النتائج . وهنا يأخذ السلوك المنحرف أشكاله العدوانية المختلفة ، كالغضب ، والاعتداء على الأشخاص في الموقف المحيط كله ، ويظهر في أشكال الهروب من المدرسة أو المنزل ، والتشرد في الطرقات والمروق من سلطة الكبار . وحيث إن طاقة الجانح وقدرته على تحمل تجربة الحرمان قدرة محدودة  ، فإنه يفعل كذا ، فإذا كانت حاجاته ملحة ، لا تحتمل التأجيل في إشباعها ، وإذا كانت عوائق الإشباع كثيرة متلاحقة ، فإن تجربة الحرمان في هذه الحالة تؤدي بالضرورة إلى حالة من القلق والتوتر التي تؤدي بدورها إلى الاضطراب في سلوك الحدث ، اضطراباً يأخذ شكل السلوك المنحرف

وقد وجد ” روبرت إندريRobart Indry  ” في دراسته على مجموعة من الأحداث المودعين في المؤسسات أن هناك ظروفاً اجتماعية معينة تسهم في خلق مشكلة الجانحين وعد الحرمان النفسي من الأم ، وانعدام الحب المتبادل بين الطفل ووالديه ،في  أسلوب التنشئة الاجتماعية التي تقوم على النبذ والعقاب  والانفصال أو التفكك الأسري من أهمها .(الشرقاوى،1986: 158)

وتعد الصحبة المختارة للفرد من أهم عوامل الانحراف باعتباره ميالاً بطبعه إلى الانضمام إلى غيره ممن يقربونه في السن ويشابهونه في العادات بقصد قضاء أوقات الفراغ ، وهو ميل أكثر  وضوحاً في مرحلتي المراهقة والنضج .

وقد تكون الصحبة المختارة من العوامل المهيئة للانحراف، فيما إذا ارتبط الفرد بآخرين ممن يمارسون أنماطاً من السلوك غير المشروع .فالرفقة السيئة إذن تزود الفرد بعادات مستهجنة ومثل سيئة ونماذج للنشاط الضار غير المشروع كما قد تدفعه إلى نواح مختلفة من السلوك الإجرامي عن طريق الحث والإيحاء والتقليد في بعض الأحيان أو بواسطة التهديد والإرهاب في حالة أخرى، وبذلك تتحول الرفقة إلى عصابة إجرامية .

ويشير   (وليامز،وشانى، 1996William ,Shany: 357) أن أقران الطفل من الأصدقاء أو الجيران يلعبون دوراً هاماً وكبيراً بين التلاميذ ويمثلون مصدراً  للمعلومات عن الانحراف والجريمة.

      ويشير(أرنوف،ويوتينج Arnuf ,Weateng،61:1997) إلى أنه عندما تعرض علماء النفس لدراسة السلوك الإنساني اهتموا بمجالين رئيسيين بشكل ملحوظ أكثر من غيرهما هما ، تأثير الأسرة والأقران ، حيث تشير الدراسات العامة إلى أن كلا المصدرين له تأثير بالغ الأهمية في توجيه الشخص صوب نماذج معينة من السلوك. وفضلاً عن ذلك يبدو أن تأثيرات الأقران تزداد أهميتها النسبية كلما تقدم الطفل في عمره الزمني  .

كما يعد الدين والأخلاق والقيم من العوامل الهامة باعتبارها ركناً أساساً  في حياة البشرية ذلك أنه لم يوجد قط مجال إنساني بلا دين ،وتعد الجريمة فعل تستهجنه كافة القيم الدينية التي تحث على الخير والتعايش في أمن وسلام . وإذا كان قد لوحظ تفاوت في نسب الجريمة بين أعضاء المجتمع الواحد المنتمين إلى أديان مختلفة ، فإنما يرجع ذلك إلى العديد من العوامل البيئية ، والنظرية التي تؤثر في الظاهرة الإجرامية ، غير أنه مما لا شك فيه أن الدين يدعم مقاومة الفرد لبواعث الجريمة وكثيراً ما يعزى انتشار الجريمة إلى ضعف تأثير الدين .

 ويرتبط الإنحراف كذلك بنقص التوجيه الديني ، وإذا كانت البحوث والدراسات لم توضح لنا بشكل قاطع حقيقة الصلة بين نقص التدين والانحراف ، إلا أن ذلك لا يمنعنا من أن نقرر بأن الدين بما له من اثر قوي في نفس الطفل ، وبما يحتويه من قواعد الأخلاق والحث على السلوك القويم إنما يجعل الطفل بمنأى عن الانحراف . وذلك طالما كانت التعاليم الدينية قد بنيت في نفس الطفل بطرق صحيحة وفي ظروف هادئة ، بحيث يصبح التدين الصحيح مظهراً من مظاهر ” قوة الأنا الأعلى ” كما أن التقاليد الضارة والعادات غير السوية تلعب دوراً فعالاً في توجيه إرادة الأفراد نحو صور متنوعة من السلوك الإجرامي الذي قد لا تجدي في مكافحته إجراءات الأمن المألوفة ويمكن تعريف التقاليد على أنها صور مدروسة عن السلوك الاجتماعي محاطة  بالاحترام العام بغير بحث في ماهيتها ، أوفي آثارها .

والبديهية الهامة جداً التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الواقع الاجتماعي بكل افرازاته في ظل سني الاحتلال الطويلة يشكل الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والافرازات والاختراقات ، للفساد الاجتماعي من الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب حتى وإن لم تكن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة فهي تخدم الاحتلال وترشده وتساعده في احكام قبضته على جوانب هامة من جوانب الصمود . ( حركة فتح ، 1975 : 63 )

نحن نعلم علم اليقين أن الانحدار والسقوط في براثن العمالة لا بد له من مناخ مناسب ، وأفضل مناخ وتربة مناسبة هي أماكن اللهو والدعارة ، والقمار وما شابه ذلك ، حيث كان كثير من تعليمات رجال المخابرات الأجنبية تدعو للاهتمام بهذه البيوت والمواقع . ( مجدي ، 1995 : 88 )

ويؤكد(شيلدون،وشادانSheldon ,Shadan،1977 : 178) أن أي انحراف يهدد أمن وسلامة المجتمع فإن من حق المجتمع أن يتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً في التعامل مع هذا الانحراف حتى يمكنه أن يوفر لمواطنيه الإحساس بالأمن والأمان.

المتغير الاقتصادي  :

يؤكد بعض العلماء على وجود علاقة وثيقة بين الفقر والجريمة أي أن الفقر أو الحاجة هو العامل الأساسي في ارتكاب الجريمة ، فيلاحظ  أن أغلب التصرفات الإنسانية تهدف إلى إشباع حاجات الفرد المادية ولكن من الخطأ الإعتقاد  بأن الجرائم ترتبط بشكل مباشر بسوء الحالة الاقتصادية للمجرم . حقاً أنه في بعض الحالات ترجع الجريمة إلى حاجة المجرم للمأكل والملبس ، إلا أننا نجد إنه في حالات كثيرة ترتكب الجرائم  من أفراد يتمتعون بمستوى اقتصادي جيد فليست الحاجة هي الدافع دائما لارتكاب الجريمة ، ولكن قد تكون رغبة الشخص في تحقيق مستوى أعلى من مستواه الاقتصادي بالإضافة إلى أن تحسين الحالة الاقتصادية للشخص سبباً في انحرافه مما قد يدفعه إلى ارتكاب جرائم من نوع أخر.

          ويلاحظ أن الحالة الاقتصادية لها آثار اجتماعية من شأنها أن تساعد على زيادة نوع معين من الجرائم كالتشرد والتسول ، كما أنها تؤدي من ناحية أخرى إلى ازدحام المساكن بعدد أكثر من العدد المناسب فيكثر احتكاك الأفراد بعضهم ببعض وما يترتب على ذلك من زيادة في جرائم الاعتداء على الأشخاص ن كما أنها تعوق الشباب عن الزواج في سن مبكرة مما يضطرهم إلى العمل على تصريف غرائزهم متخطين جميع العقبات والصعوبات التي تعترض طريقهم ، فتكثر بذلك جرائم الانحراف الخلقي وجرائم هتك الأعراض والدعارة .

          وتعد البيوت التي تعاني فقراً شديداً أو ضغوطًا اقتصادية شديدة كحالة البطالة الدائمة وعدم كفاية دخل الأسرة ، أو اضطرار الأم للعمل الدائم أكثر عرضة للانحراف من غيرها، (الديب،1997: 362 )

ويؤكد ” ميللر Miller ،1968″ أن المستويات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية تعد وسطاً ملائماً لنمو السلوك الجانح ، بل ويمكن اعتبار هذا السلوك في كثير من الأحيان محصلة الثقافة السائدة بين أفراد هذه المستويات.

  وتؤكد الدراسات أن أعلى نسبة للجنوح لدى الأحداث توجد في الأحياء الفقيرة والمحرومة من المدن الكبيرة ، وهذا يعني أن الحرمان الاقتصادي مازال من أهم المتغيرات الرئيسية للجنوح ، حيث إن هناك فرصة لظهور الجنوح في المناطق والأحياء التي يكون معدل دخل أفرادها الاقتصادي بين سكانها متدنياً ، ونسبة البطالة فيها عالية وتتصف بالازدحام وشيوع التفكك الأسري .(صوالحة،1994: 105 )

ومن بين أهم العوامل مستوى الدخل الذي يمكن قياسه بوسائل متعددة من بينها تحديد كمية المال التي يحصل عليها الفرد خلال سنة من الزمن ، إلا أن الوصول إلى كمية الدخل مقاسه بالنقود صعب في كثير من الأحيان وفي كثير من المجتمعات . ( التتر 1997: 112)

وقد يشكل مكان وبيئة العمل في بعض الأحيان عاملاً وسيطاً للانحراف لما يحيط بهما  من وسائل مشجعة  لأهداف غير مشروعة ،بالإضافة إلى ذلك فان اختلاف الإجرام من مهنة إلى أخرى يمكن أن يبين لنا أن المهنة الواحدة تجتذب عادة أشخاص متقاربين في تكوينهم الطبيعي وفي ميولهم النفسية ولكن في واقعنا يعد لموقع العمل دوراً كبيراً في عمليات الانحراف ، لأن وضع العامل الفلسطيني يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيرة من المجتمعات حيث إن انحرافه باتجاه جريمة التعامل ليس رهيناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط في وقت ما من الأوقات بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره على الفرد وعلى نفسيته على مدار الوقت بشكل متواتر.

كما أن المناطق التي تعيش واقع الحروب تتزايد الصعوبات الاقتصادية فيها تبعاً لاستمرار الحرب ، و يحدث التأثير المهيء للإجرام فيها بشكل أكبر من غيرها من الدول ، على الأخص في البقاع المحتلة أو البقاع التي وفد إليها فيض من اللاجئين أو التي شحت فيها الموارد الغذائية . (بهنامر، 1990 : 160 )

وحيث إن الاقتصاد يتعرض إلى الخلل والاهتزاز في زمن الحرب ، فيتوقف الإنتاج ، وتزداد المصروفات ويتضاءل الدخل لدى الدولة وتنتشر البطالة لدى الأفراد.(هويدى،1995: 70 ).

        وهناك الكثير من الشواهد في هذا المجال نذكر منها الشواهد التي نشرت عن طريق إحدى وسائل الإعلام . وعلى سبيل المثال لا الحصر الشاب المصري ” محمد إبراهيم فهمي كامل” الذي تم تجنيده عبر استغلال وضعه الاقتصادي السيئ ، حيث ضاقت به الحياة بمصر ، فذهب إلى إيطاليا للعمل ، وهناك قابله يهودي كان يعرفه في مصر قبل هجرته ، وتعرف علية وفى الحال عرف ما يعانيه من وضع مادي سيئ ، فاستغل الفرصة . وقال له ” تستطيع أن تحقق آمالك وتربح مالاً كثيراً فأنت صديق قديم يمكن الوثوق به ، وأنا احتاج إليك في عمل “ومن هنا كانت البداية (مجدي ، 1995 : 92 )

كما تم استغلال حالة الفقر عند المواطن المصري ” سليمان سلمان سليمان ” الذي هاجر إلى القاهرة من سيناء بسبب حرب 67 م وعاش فيها عيشة فقر وحاجة نظراً لعدم إتقانه أية صنعة سوى النقل سابقاً على ظهور الجمال في سيناء ، وفي أحد الأيام زاره أحد معارفه السابقين من سكان سيناء ، ولما شاهد حالته دعاه إلى سهرة في أحد الملاهي ، وقدم له الخمر والمأكولات الشهية بالإضافة إلى صحبة إحدى الخاطئات مما جعله يعيش في جو طالما كان يشتهيه ، وفي أثناء الحديث عرض عليه أن ينتشله من حالة الفقر التي يعيشها وسيجعله يجاريه في الثراء وصرف الأموال على الملذات بدون حساب. (الجزائري،1991 : 50 )

وقد قامت المخابرات الإسرائيلية المتواجدة في مدن سيناء بتجنيدهم في أوقات متفاوتة للعمل لصالحها مستغلة معهم نفس أساليبها في إيقاع ذوي النفوس الضعيفة خاصة ، وأن ظروف الاحتلال كانت قاسية على الأهالي الذين حرم معظمهم من مصادر الرزق والعيش وأصبحوا بحاجة ماسة لأي عمل يسد به رمق عائلته ومن هؤلاء ” إبراهيم سعيد شاهين من” سكان مدينة العريش ويعمل موظفاً قبل الاحتلال في  مديرية العمل بسيناء ، وجد نفسه وزوجته  انشراح  بدون عمل وولداه في القاهرة يتابعان تعليمهم حتى وصل به الأمر إلى زيارة مكتب الحاكم العسكري حيث استقبله ضابط المخابرات وربطه معه مقابل أموال كثيرة .

المتغير التعليمي :

يقصد بالعوامل التعليمية ” مجموعة القيم المعنوية والخلقية والدينية والعملية والثقافية التي تحرص الجماعة عليها وينتج عنها عادات الجماعة وتقاليدها ” ويلاحظ أن مستوى التعليم أياً كانت درجته ما هو إلا نوع من التربية يؤثر في سلوك الفرد أمام الآخرين ، كما أن للتعليم تأثيراً آخر على الظاهرة الإجرامية ينصب على طبيعة ، ونوع العمل الإجرامي وقد أوضحت الدراسات البيئية أن إجرام الأميين يتصف بطابع القسوة كالقتل والسرقة والحريق .

أما أنصاف الأميين وهم من لا يجيدون القراءة والكتابة فيرتكبون جرائم ابتزاز الأموال بالتهديد ، واستلاب السندات ، وأتلاف الممتلكات ، والضرب ، والجرح . أما الذي يجيدون القراءة والكتابة فتغلب بينهم جرائم التزوير في المحررات والجرائم الأخلاقية والتهديد وأما الأشخاص الذين يتمتعون بثقافة عالية فهم ممن يرتكبوا الجرائم الاقتصادية ، وتزوير المحررات الرسمية والتجارية .

ووفقاً للإحصائيات المختلفة في بعض البلدان  تفوق نسبة المتعلمين من المجرمين غير المتعلمين مثل ، إيطاليا ، وفرنسا ، وألمانيا في حين أن بلداناً أخرى تجد فيها العكس كما هو الحال في بلجيكا والمجر وبلغاريا(الديب،1997: 30-34 )

ولا شك أن للتعليم تأثيراً على تكوين شخصية الفرد . والتعليم ليس مقصوراً فقط على مجرد القراءة والكتابة بل يتعدى أثره ذلك إلى فكرة تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها بأهداف المثل العليا وهنا يظهر أثر التعليم على ظاهرة الإجرام فهو يلعب دور التبصير لقيمة الأفعال التي يرتكبها الفرد وأثارها على ذاته وعلى مجتمعه .

ونلاحظ أن التعليم قد يؤثر على ظاهرة الإجرام وسلوك الفرد والجماعة عن طريق القراءة  والأفلام والصحف ، ويؤثر إما بنتيجة فعالة من حيث الحد من ظاهرة الإجرام بما تغرسه في نفس الشخص من مثل وقيم أخلاقية يتعين اتباعها في السلوك الفردي والجماعي .وإما أن تأتي بنتيجة عكسية ، وهي غرس الدوافع المختلفة على ارتكاب الجريمة وبيان الطرق والوسائل المختلفة لارتكاب الجريمة وكيفية التخلص من أثارها .

   أما أثر التعليم والمدرسة في تقويم السلوك الانحرافي فانه أصبح ضرورة ، حيث أصبح البيت والمجتمع غير كافيين لتدريس الأطفال ، وإعدادهم لمرحلة الرشد ، حيث أدى تغير طبيعة المعرفة وظروف العمل ، إلى دخول أطفال عاديين إلى المدرسة ، كما أصبح للمدارس دور هام في انتقال الثقافة واستمرارها. (الخطيب،1993: 53)

          ولما رأت سلطات الاحتلال أن المدرسة الفلسطينية لها دور أساس في تنمية المجتمع وتقوية روابطه الاجتماعية والوطنية عملت على تخريب التعليم واتخذت بعض الإجراءات التدميريه ومنها :

- ممارسة سياسة الإغلاق المستمر للمدارس والجامعات .

- استخدام المدارس ثكنات عسكرية .

- محاصرة المدارس واقتحامها أثناء تواجد الطلاب فيها .

- تشويه صورة المدارس ومؤسسات التعليم العالي في فلسطين .

- الاعتقال والأبعاد ومنع السفر وفرض الغرامات.

- القتل أو الإصابة الجسدية . ( العيلة – 1998 – 265 )

      ولهذا فإنه يجب أن يهتم التعليم في المدرسة  بالتربية الخُلقية والاجتماعية قبل أن يهتم بحشو الأذهان بمعلومات غير مفيدة ، ولا ريب أن الشكل الإجرامي العام يتوقف إلى حد ما على نوع التعليم ومستواه ، ولكن الخلاف قائم حول مدى أثر التعليم في الظاهرة الإجرامية بوجه عام ، فهل  يؤدي التعليم إلى تراجع الظاهرة الإجرامية في مجموعها أم لا (عبيد،1981: 143 )

واختلف رأي العلماء في شأن أثر التعليم في معالجة ظاهرة الجريمة ، فيميل “بونجر  Bonger  “إلى القول بأن انتشار الأمية ينبغي أن تعد من العوامل المحركة للجريمة Criminagen  ،في حين يقرر ” جارونا  garona” أن انتشار التعليم لا ينبغي أن يعد من عوامل الإجرام ، فمن المشكوك فيه أن يخلق التعليم خلال فترة الطفولة المبكرة غريزة خلقية .

وقد قام ” لومبروزو lumbruzu” منذ أواخر القرن الماضي بعمل دراسة مقارنة لجرائم القتل والسرقة في 11 دولة تتفاوت في مدى انتشار التعليم فيها . ووصل إلى أن التناسب عكسي بين الجريمتين فحيث ترتفع نسبة التعليم تقل معدلات جرائم القتل العمد وترتفع معدلات جرائم السرقة . أما عندما تنخفض نسبة التعليم فإنه يحدث العكس ، أي تزداد معدلات القتل وتقل معدلات السرقة.

ويلاحظ المؤلفان الفرنسيان”بوزا Bouzat ” و”بيناتل Binatel  “أنه يتضح تبعاً للإحصاءات الفرنسية أن جرائم القتل والحريق العمد والجنس تقع في المعتاد من جناة ذوي مستوى تعليمي أدبي من مقترفي جرائم السرقة العادية والمشددة  ويلاحظ “ايلينين دي جريف Elienne de Greeff ” أن الجاني بوجه عام أدنى تعلماً من غيره، وقصور تعليمه يرجع جزئياً إلى قصوره هو وقصور وسطه.

ويلاحظ” أدوين سادزلاند Edwin Sutherland ” و”دونالد كريسيس Donald Cressey  ”  أن المدرسة ليست مخصصة في جوهرها لمنع الجريمة ، ولكن لها نفس الصلة بالجريمة والإجرام ما للأسرة ، بمعنى أن أوجه النشاط المدرسي تواجه إلى حد ما مجتمعات الأطفال بنماذج للسلوك الإجرامي أو السلوك المضاد للمجتمع (الشرقاوي،1986: 365 )

ويرى ( عبيد ، 1981: 146 ) أن ثمة نقطة ليست محل نزاع وهي أن التعليم يصقل الشخصية ومعها الميول الإجرامية إن وجدت . وهو يؤدي إلى تخفيف حدة بعض الجرائم المرتبطة بالأمية .

وأن التعليم كذلك قد يفتح للمتعلم آفاقاً جديدة للتقليد والعدوى عن طريق الروايات والصحف والمطبوعات … لكنه يمثل درعاً في وجه الجريمة من بعض النواحي الأخرى بما يفتحه من سبل جديدة للارتزاق ويفتح أبواباً كانت مغلقة في وجه الفرد بما قد يبذله المتعلم من وقت وجهد في الدرس والتحصيل كانا سيضيعان في المفاسد والشرور . ولهذا فإن الهروب من المدرسة تعد من أكثر العلامات الخطرة التي تنذر بانحراف النمو الاجتماعي لدى التلميذ الهارب .

     وتبين من بحث جرى على الشباب الجانح الذي يتراوح عمره بين 15 – 25 عام في مصر ، أنه في خلال المدة من أول نوفمبر 1992 حتى آخر أكتوبر 1993 كانت نسبة الأميين الذين أودعوا السجن منهم (76.1 %) . ونسبة من يعرف القراءة منهم (22.7 %) بلغ نسبة حملة المؤهلات منهم (50 %)  وحملة الشهادات الابتدائية والإعدادية (30 %) وحملة المؤهلات المتوسطة(20 %) . ولم تتغير النسب كثيراً في العام التالي لهذا العام ، حيث تبين أن نسبة الأميين تبلغ( 78.5 %) ومن يعرفون القراءة ( 20.9 %)  بلغت نسبة حملة المؤهلات منهم (60%) وكان منهم (20 % ) يحملون مؤهلاً إعدادياً أو ابتدائياً و (17 % ) يحملون مؤهلاً متوسطاً و(3 % ) يحملون مؤهلاً عالياً

وقد لوحظ لدى الجانحين من المتعلمين أو أنصاف المتعلمين من الأحداث والبالغين على حد سواء ارتفاع نسبة الرسوب المدرسي أما بسبب التخلف الذهني ، وأما بسبب إهمال الدراسة للتفرغ للبطالة والتشرد إلى حد أن بعض الباحثين يقدر أن 62% من الشباب الجانح سبق له الرسوب أكثر من مرة في المدرسة .

ويرى “شلدون واليانور جلوك” أن هذا التخلف المدرسي يمثل ابتداء عدم التوافق بين الفرد وبيئته المدرسية وبينه وبين بيئته الاجتماعية وأن فشل المدرسة في تحقيق وظائفها قد يرجع إلى الجو  المدرسي أو عوامل ترجع إلى التلميذ نفسه

          وللمدرس أهميه خاصة فهو أول من يصادف الطفل في المدرسة و يرتبط دوره بتشكيل شخصية الطفل ، فالعلاقة الصحيحة القائمة على التفاهم والعناية بين المعلم والتلميذ دون ضعف والحسم دون قسوة مبالغ فيها تعين الطفل على التغلب على مشاكله والمضي في حياته الجديدة نحو تكوين شخصية تحترم السلطة والنظام وتبتعد عن الانحراف والجريمة .

المتغير النفسي :

هو “مجموعة المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته “.

وقد اهتم عدد كبير من الباحثين والعلماء والخبراء من رجال القانون وعلماء الإجرام بسبر أغوار العلاقة بين العامل النفسي للأفراد والسلوك الانحرافي أو الإجرامي .(عبيد،1986: 132)

وقد تبين أن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات ، وقد يكون العمل الذي يقوم به خيراً أو شريراً – من وجهة نظر الأخلاق والمجتمع – ولكنه مع ذلك يحاول قضاء حاجة جسدية أو شخصية أو اجتماعية له ، هذه الحاجات إذا لم تُرض الفرد فإنه يشعر بعدم الراحة والتوتر ، ويحاول القيام بأعمال تعيد إلى نفسه وجسده اتزانهما الذي أخلت به الحاجة غير المقضية . فالإنسان الجائع يبحث عن الطعام ، والإنسان العطش يبحث عن الشراب، والإنسان التعب يبحث عن الراحة ، والإنسان الخائف يبحث عن الأمان ، والإنسان النكرة يبحث عن التميز وجذب إنتباة من حوله ، والإنسان المكروه يبحث عن الحب . وحين تقضي الحاجة تحدث حالة  الاتزان وتستشعر النفس الرضى وتوقف فاعليتها بهذا الصدد . ولهذا فإن الإنسان دائم التطلع إلى الشعور بقيمته وتميزه وانتمائه إلى الجماعة التي يعيش فيها .

وإذا لم تقضِ هذه الحاجة وتم كبتها تحدث عمليات الإحباط وهي حالة من التثبيط الذي يصيب جهود الفرد لإرضاء حاجة أو حاجات بطريقة أو بأخرى بالرغم من الجهود المتكررة التي يبذلها هذا الفرد ، وما يرافق هذا التثبيط من مشاعر بعدم الرضى والضيق والعجز ، والحق أن الذي يسشعر بالإحباط يشعر بعدم الرضى ويكون في حالة من عدم التوازن ، ولذلك كان لا بد من شيء من التكيف لتخفيف التوتر وتمكينه من تقبل الوضع . وثمة أشكال للتكيف عديدة يقوم بها الأفراد الذين تحبط أعمالهم وهي إما أن تكون أشكال إيجابية أو سلبية .

ومن أهم أشكال حالات الإحباط اللجوء إلى مهاجمة مصدر الإحباط وهو رد فعل نموذجي للإحباط ، ويرى الكثيرون من علماء النفس أن الدافع للهجوم هو الإحباط . بيد أن الإنسان لا يظهر الهجوم السافر دوماًُ بل قد يكبته ، ومع ذلك فإن من الأمور السوية أن يهاجم الإنسان ما يحبط أعماله ويحول دون تحقيقها .

وتعتبر “ كارن هورني Karen Horney “ بأن كبت كل المشاعر المعادية والهجومية أمراً مضرأً من وجهة نظر الصحة النفسية ، وذلك بأن هذا الكبت قد يقود إلى القلق والعصاب .

والبعض يلجأ إلى عملية الكبت لهذا الإحباط وهو عملية يلجأ الإنسان بواسطتها إلى دفع ما يزعجه إلى عالم اللاشعور ، كما ترى هورني بأن كبت المشاعر المعادية هو السبب الرئيس للقلق والعصاب .

أو يلجأ إلى عملية الانسحاب من الواقع حين يواجهون صعوبة أو يصادفون إحباطا ينكمشوا وينسحبوا من المواجهة . وقد يبدو لأول وهلة أن الانسحاب لا يحتاج من الطاقة إلا قدراً ضئيلاً يقل عما تحتاجه الأشكال الأخرى من أشكال المواجهة ولكن الانسحاب في الواقع مؤلم ، قد يقود إلى أحلام اليقظة ، أو يقود إلى  الإدمان على الكحول والمخدرات .(عاقل ، 1973 : 155)

وقد يؤدي الإحباط إلى أشكال خطيرة تقوم بتزوير مصدر الإحباط فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي لهذا الإحباط يقوم بالتوحد معه ، وتحدث عملية   ” التوحد بالمعتدى ” والتي تعتبر حيلة لا شعورية تُصطنع للتغلب على الخوف من المعتدى ، وهي حيلة شائعة يكادون يعكسون فيها  سلوك من يتقمصونهم ، وأنه أمر لا مناص منه لإعادة التماسك في شخصية المتوحد بالمعتدى والتغلب على القلق والإحباط الذي هو الأصل في عملية التوحد أن يمارس الاعتداء على الأخرين . ( زيور، 1982 : 123 )

وقد تنتقل الاحباطات التي يمر بها الفرد الناتجة من عدم القدرة على مواجهة صراعات الحياة وما يفرزه ذلك من حالات قلق وتوتر وأمراض نفسية وشخصية ، إلى مجموع أفراد المجتمع ليشكل بالتالي ظاهرة نفسية معقدة يلفها الإحباط واليأس من جراء عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الاجتماعية الأساسية وبين الواقع المعاش وتنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الاحباطات ، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي بدلاً من المقاومة له .

ويرى بعض علماء السلوك الانحرافي والإجرامي أن لبعض الصفات والسمات الشخصية دور في الانحراف ، في حين يعتقد البعض الأخر أنه ليس هناك علاقة بينهما ، ويستعرض المؤيدون بعض هذه الصفات ومنها :

أنه إنسان يعيش في الحاضر وتعوزه الرغبة وعدم القدرة في الاهتمام أو التطلع للمستقبل .

نظرته للحياة ذات بعد مادي ضيق قوامها نزوات عارضة ما أن يشبعها حتى يبحث عن غيرها .

إنه عاجز عن حب الآخرين ، أو الارتباط العاطفي بهم ، ولا أهمية لديه بالآخرين أو صداقتهم إلا من خلال تحقيق منفعة ، يخون صديقه وقتما يحلو له ، ولا يضحي من أجل غيره .

لا يحس بمشاعر الآخرين وأحاسيسهم ولا يتألم لمعاناتهم .

العملية الجنسية لديه مجرد تفريغ بيولوجي كالحيوان  لا علاقة له بالحب والعاطفة والارتباط.

إنه مغامر ولا يكترث بما يسببه من متاعب للغير ، وربما يسرق وهو غير محتاج .

 يدعي الحب والوفاء والإخلاص ، ولكنه جامد العاطفة ، يتنقل بها كيفما شاء .

إنه ينزع للانحراف والخروج على قواعد الضبط الاجتماعي ، ولا يساير تصرفات المجتمع .

 يمتاز منذ طفولته بالعناد والمشاكسة وافتعال المشاكل والمواقف المؤذية للغير .

 لا يهتم بالنصح ولا ينقاد للإرشاد ، ولا يغير من اتجاهه العدواني أي مدح أو ثناء .

إنسان غير مكترث ، ولا مبال ، ولا مسئول ، وتمثل تصرفاته طيشاً صبيانياً

 إنه إنسان عديم الأخلاق ولا يحترم القيم ”  .

يتميز بالجاذبية الاجتماعية في حديثه ومظهره لدرجة تجعله لافتاً للنظر ومثيراً للإعجاب ، لكن بشيء من التركيز يمكن اكتشاف تناقضه .

شخص كثير الأخطاء ، و لا يأبه بالعقاب ، ولا يردعه ذلك.

 تتسم تصرفاته وأعماله بالتسرع .

 غير ناضج انفعالياً ، مما يجعله يدخل في علاقات غير متكافئة مع الصغار

 يميل للكذب والخداع ،والانتهازية .

يمتاز بعدم النضج الأخلاقي والانفعالي ، ولكنه ليس غبياً بل قد يكون متوسط الذكاء أو أكثر من متوسط .

لا يستفيد من تجاربه الذاتية .

عديم القدرة على التحمل .

 ميال إلى تهديد الآخرين .

لا يشعر بالذنب أو الخجل ولا يأنبه ضمير ، ولا يقمع دوافعه الشاذة .

 تمركز حول الذات ، وعدم تحمل المسئولية .

 إهمال وإغفال حقوق الآخرين .

 فقر في إصدار الأحكام .

 عدم العرفان بالجميل  .

 يسبب الإثارة والإزعاج للآخرين ، ويمثل عبئاً ثقيلاً على غيره .

 لا يفكر بشكل جدي في تعديل نفسه وتقويمها .

 ينقم على النظام والسلطة والقانون والمجتمع ويستغل كل فرصة لمخالفتها

 يشعر بالنبذ وبأنه مطرود من المجتمع ، ويضع اللوم على المجتمع لا على نفسه في تصرفاته .

لديه قدرة على التمايل والإفلات من العقاب والقانون .

32- إنه أناني محب لذاته .(عبيد،1990: 132)

ولذلك توصي المخابرات جواسيسها بدراسة مجمل حياة الشخص المعين السابقة بكل تفاصيلها ومكامن الضعف لديه، وباختصار ان معظمهم معرضون بطريقة ما للابتزاز لكونهم ضعفاء أمام الاغراءات المادية المشوقة. (كوبلاند Kubland،1990: 2 )

ولقد ثبت أن بعض الناس فطر على الفساد أولاً وأخرا ، وهو فاسد بالاستخبارات وبلا استخبارات ، النميمة من طبعه والخوض في المشاكل هوايته  تأتي الأفلام السينمائية والتلفزيونية والكتب البوليسية فتغذي خياله بالأحلام الإضافية والمعلومات العملية . هذا النوع الهادي  المحترف يحار في كيفية إيجاد متنفس لما ينتفخ به ، إلى أن يتوفق بعمل لجهاز استخبارات يجري بينهما التعامل والتعاون ولهذا يعمد رجال المخابرات إلى الاستعانة بكثير من الأعوان المحليين والمخبرين الذين يكونون غالباً من اللهاة الذين لا تقيدهم القوانين.(وود Woud،1990: 32)

ونذكر في هذا المقام بعض الشواهد التي كان العوامل النفسية دور في ارتباطهم،  فمنهم من ارتبط بسبب مركب النقص الذي تملكه واشتد به حيث كان  ميالاً إلى العزلة ولا يصادق إلا أقل عدد من الناس ، يجد لذة لا تعدلها لذة في التقوقع ، والعمل على الانفراد ، و الحرص على التخفي والتفكر ، وبذل كل ما في وسعه من جهد للسيطرة بطريقة ، تمسكن حتى تتمكن ، مع رؤسائه الذين كانوا يتصورون خطأ بطبيعة الحال  أنه خادمهم المخلص المطيع .

(الكاشف،1995:  101 ).

ومن العوامل النفسية التي أدت إلى الارتباط التجربة الصادمة أو المواقف الصادمة في حياة الطفل وبرز ذلك في حياة الجاسوسة ” كاتلين غرانت ” الإنجليزية، حيث كان لنشأتها أكبر الأثر في تكوين شخصيتها ، إنها قصة دامية مؤلمة فقد ولدت ” كاتلين ” من أب إنجليزي وأم فرنسية ، وكانت في السابعة من عمرها ، تقيم مع أسرتها في ذلك الجزء الصغير من شمال فرنسا الذي اجتاحه الألمان بعد أن اجتازوا أرض بلجيكا في الحرب الأولى ورأت الصبية اليافعة ، كيف كان الغزاة الغلاظ يمسكون بأهل قريتها  وبينهم أبوها وأمها  فيذبحونهم أمام عينيها وأعين الأطفال الآخرون ، أو يبقرون بطونهم بسنان بنادقهم ، ثم يلقون بجثثهم في الخنادق ويلقون بالأطفال أحياء فوقهم(برانس branes،1992: 15)

       ولضعف الشخصية دور كبير في الارتباط حيث يبحث رجال المخابرات عن أشخاص يكون لديهم ضعف في شخصيتهم مثل حب الشهرة ، أو المال ، أو الجنس، أو حتى الشذوذ الجنسي ، لتتمكن المخابرات من استغلال مكامن الضعف هذه ويوجد فعلا بعض الأشخاص الذين لديهم رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة ويبدي استعداده ليكون عميلاً للاستخبارات ضارباً بعرض الحائط مصلحة بلاده ، إن شخصاً من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه ، هو شخص بلا ضمير أو وجدان (وود woud،1990: 30)

ومن أمثال هؤلاء ” منصور الطوبي ” عميل إسرائيلي يسكن العريش كان مستواه التعليمي جيد وهو في المرحلة الجامعية ، ولديه نصيب وافر من الذكاء إلا أنه  كان شاباً طائشاً شرير النزعة يميل للمكر والشر تماماً تعامل مع العدو مقابل حصوله على المال الوفير نظير خيانته لوطنه (مجدى،1995: 34)

    وقد يكون حب الظهور دافعاً للتعامل . ففي مقابلة لبتسيلم مع أحد العملاء الهاربين ويدعى أبو الفهد 34 عام ، ويعيش حالياً في يافا يوضح الأسباب التي جعلته يصبح مخبراً لجهاز الأمن العام يقول” كنت شاباً ، وكنت مأخوذاً بفكرة أن أصبح ذو قوة ومركز وأجمع مالاً بشكل سهل وسريع ، وأحببت أن أتجول حاملاً سلاحاً مخيفاً ، والمرور عبر حواجز والطرق المقفلة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي بدون مشاكل ، وتقديم الخدمات ، وخصوصاً التصاريح

و تقوم المخابرات الإسرائيلية بتصيد من  يعرفون بمحبي المظاهر والعظمة من ضعاف النفوس ومحبي الليالي الحمراء  ومن أمثال هؤلاء الشاب اللبناني الأصل المصري المولد ” نبيل النحاس ”  الذي كان  يحتاج إلى ضعف دخله لينفقه على ملذاته وسهراته وأسفاره المتعددة ما بين القاهرة– بيروت- باريس سقط في أيدي المخابرات الإسرائيلية بعد أن وجدت فيه ما تريد من ضعاف النفوس ، وأخذ يمدهم بما يريدون من معلومات عن مصر نظير مبالغ مالية كان يأخذها منهم بالتوالي (الجزائرى،1991: 65 )

      أما عاطفة الكره للبلد فدفعت” داليا المصرية “للارتباط مع المخابرات الإسرائيلية وهى ذات العشرين ربيع سليلة أسرة ارستقراطية تم تأميم ممتلكاتها ، بعد ثورة يوليو ، ومات والدها ووالدتها حسرة على ضياع الثروة والمكانة تاركين لداليا طفلاً صغيراً هو عصام ووجدت داليا نفسها وحيدة بلا مال ولا سند فاستغلت المخابرات وضعها وعرضت عليها الارتباط فوافقت (مجدى،1995: 37)

وكذلك العميلة للمخابرات الإسرائيلية ” أمينة المغني “من الأردن  والحاصلة على دكتوراه في علم النفس ارتبطت من خلال عاطفة الحقد والكره أثر تصفية مستشفاها حقدت على وزير الصحة وعلى جميع العرب  وإثر ذلك سافرت إلى النمسا وتعرفت على طيار نمساوي يهودي سرعان ما تزوجت منه وأدى بها هذا الوضع إلى الوقوع فريسة في أيدي المخابرات الإسرائيلية .

 أما صفة الجشع وحب المال فكانت وراء ارتباط العميل المصري “محمد عمر حموده ” الذي عرض نفسه على أجهزة الأمن الإسرائيلية حيث اتصل بنفسه بالقنصلية الإسرائيلية عارضاً خدماته فاستقبله معاون الملحق العسكري في القنصلية وقبل عرضه بعد أن تأكد من صدق نواياه.(الجزائري،1991: 66)

          كما اكتشفت المخابرات الإسرائيلية بأن لدى المواطن المصري ” رجب عبد المعطي “الذي حضر بنفسه ليعرض الارتباط أن لديه دافعاً لذلك هو حب المال والغنى ، وأن لديه سمة حب الظهور والغرور وبناءاً على ذلك تم منحه رتبة رائد في المخابرات الإسرائيلية وبالتالي تمت موافقته في سرور ولم يكن ذلك إلا إرضاءا وتشجيعاً من أجل تنفيذ أوامرهم .

تعقيب عام على متغيرات الدراسة :

      من خلال العرض السابق لأهم المتغيرا ت والعوامل المؤثرة في الانحراف والجريمة يشير الباحث إلى الدور الهام الذي تلعبه متغيرات الدراسة في الانحراف والجريمة وهي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والنفسية  فعلى صعيد المتغير الاجتماعي تبين أن أساليب التنشئة والحرمان العاطفي والمادي الذي يعانيه الطفل في الأسرة وما له من أثر سلبي في حياة الطفل ، بالإضافة إلى سوء معاملة الوالدين سواء بالقسوة أو الضرب الشديد ، أو الدلال الزائد ، وكذلك كثرة النزاع والشقاق بين الأباء والأمهات الذي يحيل البيت إلى جحيم لا يطاق ويكثر من هروب الأبناء من البيت، وكذلك حالات الطلاق وما يصحبها من تشرد وضياع للأبناء الذين لا يجدون حنان الأم ورعاية الأب  ويسارع بهم ذلك إلى التردي في الانحراف ضد المجتمع  لشعورهم بالحقد  والكراهية

 أضف إلى ذلك دور رفقاء السوء حيث يتأثر الأولاد ببعضهم البعض ويتناقلوا أخلاقهم بسرعة، فإذا وقع بين أولاد سيئين فإنه يميل إلى الاندماج معهم وتفريغ الطاقة لديه وفق توجيههم فإذا لم يوجه التوجيه الحسن المستمر فإنه سوف يذوب في سلوكهم وممارساتهم .

      كما تبين الأهمية التي يحتلها المتغير الاقتصادي في الانحراف حيث تعتبر البيوت التي تعاني فقراً شديداً أو ضغوطًا اقتصادية هي أكثر عرضة للانحراف من غيرها، وأن المستويات الاقتصادية المتدنية تعد وسطاً ملائماً لنمو السلوك السيء ، وأن موقع العمل كذلك له دور هام في الانحراف ، ولقد وقعت كثير من عمليات الربط  للعمال من خلال موقع العمل بالابتزاز والمساومة على لقمة العيش ،حيث تمارس كل وسائل  الضغط  على المواطنين من قبل ضباط الأمن الإسرائيلي

    كما تبين كذلك دور المتغير التعليمي وعلاقته في الانحراف ، وقد اتضح أثر المستوى الدراسي والتحصيل العلمي وكذلك العلاقات بين التلميذ وكلاً من المدرسة والمنهج الدراسي والمدرسين والتلاميذ بالإضافة إلى عملية إنتمائة للعملية التعليمية واندماجه  فيها، حيث أن للتعليم تأثير على تكوين شخصية الفرد وهو ليس مقصوراً فقط على مجرد القراءة والكتابة بل يتعدى أثره إلى تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها  بالمثل العليا ، وهو يلعب دور التبصير لقيمة الأفعال التي يرتكبها الفرد وأثارها على ذاته وعلى المجتمع وبالتالي ينشيء لديه ميزاناً يقوم به الأفعال.

كما تبين كذلك دور العامل النفسي في عملية  الانحراف حيث إن الأزمات  النفسية التي يمر بها أفراد المجتمع تعتبر جزءاً لا يتجزأ من أزمات المجتمع ذاته، فالإحباط لدى الفرد وعدم قدرته على مواجهة المشاكل يولد لديه القلق والتوتر والانحرافات  الاجتماعية ، ويؤدي  بالتالي لليأس والقنوط وعدم القدرة على الموائمة بين متطلبات الحياة وبين الواقع المعاش وتنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الاحباطات ، الأمر الذي يسهل مهمة الاحتلال في كسر عوامل المقاومة لدى النفس ، ويدفع بعوامل الخنوع والتسليم لتحل محلها .

      ووفقاً للمعطيات السابقة فقد تبين أن هناك علاقة بين المتغيرات الإجتماعية والاقتصادية والتعليمية والنفسية وبين الانحرافات السلوكية والجريمة ، مما حدى بالباحث إلى جعل هذه المتغيرات هي نفسها متغيرات الدراسة الحالية

” بيئة الدراسة “

مدخل تمهيدي:

    إن دراسة أي ظاهرةٍ كانت، داخل أي مجتمعٍ كان، لا بد قبل الولوج إليها من التعرف على بيئتها الواقعية، وذلك من خلال الرجوع إلى السياق الاجتماعي الذي تعمل فيه. حيث تحصل ذات الفرد على أصولها، عبر إدراك العلاقات بالآخرين، وتصان ببلوغ أنواع معينة معهم. مما يستدعي القيام بإطلالة سريعة على هذا الواقع – الديمغرافي، والاجتماعي، والتعليمي، والاقتصادي، والنفسي، والسياسي- الذي كان سائداً في المناطق المحتلة. بأعتبار أن الوقوف على أرضية هذا الواقع، يؤدي إلى فهم العوامل والمتغيرات التي تؤثر فيه، وبالتالي فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية الموجودة فيه. خاصة وأن هذا الواقع المعاش في الأراضي المحتلة في جميع جوانبه، كان يشكل بمجملة، جملة عوامل قهر وضغط وإحباط، على جميع فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني. وذلك من خلال الاحتكاك اليومي والمباشر مع المحتل.

وكذلك فإن معرفة المناخ الاجتماعي والسكاني والاقتصادي والثقافي للمجتمع، يخدمنا في معرفة الشخصية الفلسطينية. فالسياق والمناخ الاجتماعي والسكاني تعبير عن المجتمع، من حيث هو بنيان اجتماعي اقتصادي، ومن حيث هو انعكاس لهذا البنيان على الحياة النفسية بأسرها، ومن حيث تشكيل هذا السياق الاجتماعي الاقتصادي، لـشخصـية الأفراد في هـذا المجتـمـع. (أبو نجيلة،1996 :13)

الوضع الديمغرافي:

 تعرض المجتمع الفلسطيني إلى أخطر عملية تدمير ديمغرافي شهدها العصر الحديث، من خلال عمليات التهجير القسري التي مارسها الاحتلال الصهيوني ضد هذا الشعب، وعمليات الإحلال التعسفية عبر استجلاب جماعات وافدة من اليهود، لتحل بدلاً منه على أرضة وفي وطنه. مما أدي لإحداث تغيير كبير وواسع على التركيبة السكانية في المنطقة برمتها.

وأكثر هذه التغيرات الديمغرافيه، حدث في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث نتج عن حرب عام 1948 تهجير آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، كما نتج بعد حرب عام 1967 نزوح آلاف الفلسطينيين أيضاً من قراهم ومدنهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث تمكنت في عام 1948 من طرد اكثر من ثلثي السكان الفلسطينيين عن أرضهم، وحولت بذلك الأغلبية العربية في فلسطين، إلى اقليه بالنسبة لليهود. ونفس السياسة تمت عام 1967، حيث وصل عدد الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم من عام 1967 حتى العام 1986 إلى ثمانية واربعين آلف فلسطيني من الضفة الغربية، وحوالي مائة وعشرين الف من قطاع غزة. (العيلة،1998 :57)

وأثر ذلك شهد التعداد السكاني في قطاع غزة على سبيل المثال، انخفاضاً حاداً بسبب عدد النازحين إلى الخارج في أعقاب هذه الحرب، وحتى نهاية عام 1985، وهذا يعني إن قطاع غزة قد خسر خلال تلك الفترة ما يقارب 18,5% من سكانه. ثم ما لبثت أن هبطت معدلات الهجرة بعد اتخاذ الحكومات العربية عدداً من الإجراءات للحد منها. (المركز الفلسطيني، 1999 :21)

ثم بدأ يتبلور ويستقر المظهر السكاني ” الديمغرافي” الرئيس لقطاع غزة – المعزول عملياً عن باقي الأراضي المحتلة – بطبيعة العدد الكبير من السكان الموجودين في مساحة صغيرة من الأرض – مساحة غزة اقل من 6% من مجموع مساحة الأرض المحتلة، ولكنها تحتوي على 37% من سكان هذه الأرض – ولكنه في نفس الوقت يمتاز بأنه مجتمع فتي، حيث تبلغ نسبة الذين تقل أعمارهم عن 15 سنه 45.5% ، ونسبة الإعالة تساوي 99.6% ، ويعيش 50% من السكان الفلسطينيين في أسر تتكون من 8 أعضاء، ويعيش ما نسبته 91% من الأسر في وحدات سكنية مزدحمة – أي اكثر من شخص واحد لكل غرفة صغيرة – ويعيش أكثر من نصف سكان غزة حول مدينة غزة الكبرى في الجزء الشمالي من القطاع، وهذه المنطقة تحتوي على اكثر من 5000 نسمة في الكيلو متر المربع الواحد، أي أعلى كثافة سكانية في الأراضي المحتلة كلها، وكذلك أعلى نسبة في العالم.

وبرغم ذلك لم تكتف إسرائيل بهذا الوضع المتردي الناجم عن الهجرة والاحتلال، وإنما تبنت سياسة الاستيطان، بزرع المستوطنين اليهود في المناطق، لتحقيق هدفها المنشود ألا وهو حدوث خلل ديمغرافي لصالح الإسرائيليين من خلال حرمان المناطق الفلسطينية من كفاءاتها التي من الممكن أن تساهم في تطويرها، ولهذا لم تقتصر الممارسات الإسرائيلية على طرد السكان، بل أخذت منحنى جديداً يتمثل في مصادرة الأراضي، حيث وصل حتى نهاية عام 1986 مجموع ما قد صادرته إسرائيل اكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية – وضعت 26% منها تحت تصرف المستعمرات الصهيونية – و40% من مساحة قطاع غزة. انخفضت هذه النسبة من مصادرة الأراضي، خلال فترة الانتفاضة المباركة عام1987م. (شحادة،1990 :29)

وبالإضافة إلى سياسة الاستيلاء هذه على الأراضي وتفريغها من سكانها، فقد اتخذت إسرائيل عدة تدابير أخرى على امتداد عام 1967 وحتى عام 1993، اتبعت فيها سياسات اقتصادية واجتماعية، كان الهدف منها تضييق الخناق على المواطنين ودفعهم إلى النزوح والهجرة خارج المناطق الفلسطينية. ومنها وضع قيود صارمة على حرية التنقل، وفرض مدة زمنية للإقامة في الخارج أقصاها ثلاث سنوات – من يتجاوزها يفقد حقه في المواطنة – كما قامت بتشويه المجتمع الفلسطيني وتدميره وعزله محيطة العربي – مصر والأردن – تمهيداً لدمجه ضمن المجتمع الإسرائيلي. كما قامت بتغيير البنية الأساسية للمجتمع السكاني، من خلال هدم المنازل وشق الطرق الواسعة داخل مخيمات اللاجئين، واقامة مشاريع الإسكان التي تهدف إلى إعادة توطين سكان المخيمات في المناطق التي أعدت خصيصاُ خارج مخيماتهم. وقدمت من اجل ذلك  قروضاً عينية لتمكين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة والقطاع من تغطية نفقات البناء هذه، وهدفت من وراء ذلك إلى إزالة كل المسببات الاجتماعية والاقتصادية للمقاومة، ولإحباط الفلسطينيين كي لا يوجد لهم متنفساً عبر مقاومة الاحتلال، وتامين مناخ أفضل لترويض الإدراك الوطني والسياسي للاجئين الفلسطينيين. (شحادة،1990 :48)

الوضع الاجتماعي:

تكمن أهمية الوضع الاجتماعي، في امتداده على مساحة واسعة من حياة الإنسان تبدأ بالأسرة وأساليب التنشئة المعتمدة عليهما، وتمتد عبر محيط الأقران، والمدرسة، وزملاء المهنة، والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه الفرد بشكل عام. وخلال عملية التنشئة هذه، يقوم الفرد بتحديد معالم ذاته، ورسم مكونات هويته.

ولما كانت مرحلة التنشئة الاجتماعية للطفل الفلسطيني في ظل الاحتلال لا تعتبر، بكل المقاييس مرحلة سوية بالنظر للظروف التي فرضت ليس على الطفل الفلسطيني فحسب، بل على المجتمع بأكمله. فان آثار هذه المرحلة تبقى منقولة مع الطفل في كل مرحلة من مراحل حياتة.

وقد أشار (تيسير أبو مراد) في دراسة حول حماية تنشئة الطفل الفلسطيني، إلى أن الأطفال قد عاشوا خلال مرحلة التنشئة في ظل حراب المحتل الإسرائيلي، ظروفاً قاسية وصعبة للغاية، وتجارب صدمية، أدت إلى وجود كثير من الظواهر النفسية السلبية، والتي رافقتهم خلال المراحل العمرية التي عاشوها، وخاصة مرحلة المراهقة. (Abu Mourad,2002:29)

حيث يتوقع أن تؤثر تلك المرحلة سلباُ في اكتساب المراهق هوية واضحة. وإذا لم تسفر محاولات المراهق بتحديد هوية له بشكل ناجح، واستمر عند هذه المرحلة من التشتت والانتشار، فانه لا يستطيع عندئذ أن يحتمل القلق والتوتر الناشئين عن مثل هذه الحالة. وقد يلجأ للتخفيف منها إلى أسلوب أو أخر من الأساليب اللاتوافقية. (اسماعيل،ب-ت: 165)

والتي قد تكون من أحد هذه العمليات اللاتوافقية التعامل مع الاحتلال. لأن الواقع الاجتماعي بكل إفرازاته في ظل سني الاحتلال الطويلة يشكل الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والإفرازات والاختراقات للفساد الاجتماعي، مثل الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب، حتى وإن لم تكن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة، فهي تخدم الاحتلال وترشده وتساعده، في أحكام قبضته على جوانب هامة من جوانب الصمود. (فتح، ب. ت :63)

وللتعرف على التركيبة السكانية للمجتمع الفلسطيني، فإنه كان قبل الهجرة ينقسم لثلاث أقسام:

1) المجتمع الحضري أو سكان المدن: ويتشكل من السكان القاطنين في مدن تمتاز بمراكز نشاط تجاري ومصرفي وأعمال مناسبة، وتهتم بالتعليم، الذي اعتبر من الدعائم الأساسية للعائلات، وكانت الغالبية العظمى من السكان الذين يمتازون بكثرة أملاكهم للأراضي، ومن كبار التجار.

2) المجتمع الريفي وسكان القرى: ويتسم بالنشاط الزراعي، ويشكل الفلاحون اكثر من 70% من إجمالي السكان. وبعد الهجرة أصبحوا لاجئين في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحولوا لفلاحين بالسخرة. وبعد هزيمة عام 1967، اتجهوا أغلبهم للعمل داخل اسرائيل.

3) المجتمع البدوي: ينقسم الى قبائل، تضم عدد من العشائر التي تعتبر وحدة سياسية مستقرة، والعشيرة تضم عدد من الحمائل، والحمولة تضم عدداً من العائلات. وعلى رأس كل قبيلة شيخ، يتمتع بسلطات واسعة على افرادها، ولكل قبيلة قطعة ارض تزرعها. (العيلة،1998 :45-54)

وومن نتائج حرب  1948 أنها قد ابرزت نوع جديد من التركيبة السكانية، ألا وهي اللاجئين، أولئك الذين تركوا مواطنهم الأصلية وهاجروا إما إلى قطاع غزة أوالضفة الغربية أو إحدى دول الجوار العربية، وسكنوا في معسكرات، وشكلوا بذلك الشريحة الأولى من التركيبة السكانية في المجتمع الفلسطيني. في حين شكل المواطنون الذين لم يهاجروا من الضفة والقطاع الشريحة الأخرى للمجتمع. وقد تأثرت كل شريحة بموقعها الجغرافي الذي وضع بصماته على تكوينها الاجتماعي. وقد تأثر تركيب الأسرة في القطاع بذلك أكثر من غيرة، حيث وصل حجم الأسرة إلى ما يقرب من 9 أفراد في الأسرة الواحدة. أي أن لأجيء المخيمات بالنسبة إلى الأراضي المحتلة، كان لديهم أعلىنسبه لعدد الأفراد في الأسرة الواحدة من بين جميع الفئات الأخرى.

ولذلك فقد أصبحت التركيبة الاجتماعية في الأراضي المحتلة بعد الهجرة، أربع طبقات هي: الطبقة الغنية: وتشكل 2.73%، وهم كبار الملاك الزراعيين، وكبار التجار، وأصحاب المصانع. الطبقة الوسطى: وتشكل ما نسبته 26.63 %، وتتكون من المهندسين والأطباء والأكاديميين ومعلمي المدارس والإداريين، ومالكي المصانع الصغيرة والحرفيين.

طبقة المزارعين: الذين إما يملكون مزارع صغيرة، أو يتأجرون أرض لزراعتها، أو يعملون في قطاع الزراعة. وهؤلاء المزارعين من فئة الدخل المنخفض.

طبقة العمال: وتشكل غالبية الشعب، ونشأت بسبب سياسة الاحتلال – المهاجرين – ومعظمها كانت أيد عاملة مأجورة. (أبو شكر،1992 :120)

إن الاحتلال الإسرائيلي قد ترك بصماته الواضحة على جميع الأوضاع الاجتماعية في قطاع غزة والضفة الغربية – بغض النظر عن الجوانب السلبية للاحتلال – حيث كان له الأثر الواضح في البنية الطبقية الاجتماعية، من حيث الإضعاف النسبي لجميع الطبقات التي كانت قائمة قبل الاحتلال، كما ساهم في تصعيد الصراع مع الاحتلال، حيث اتجه الجميع نحو التحرر واصبح مطلباً لجميع طبقات المجتمع، ووضعت هذه التحالفات الطبقات في خندق واحد، كما ساهم في تبلور وعي وطني سياسي لدى طبقات مختلفة من أفراد المجتمع.

الوضع السياسي: 

بعد حرب عام 1948، وقيام دولة إسرائيل، في فلسطين المحتلة، بعد طرد أهلها الأصليين، فرض واقع جديد على المنطقة العربية. حيث تطورت العلاقة بين هذا الكيان الغاصب من جهه، وبين الدول العربية المجاورة من جهه أخرى – دول الطوق – عبر ثلاث أطوار أو مراحل هي:

المرحلة الأول: مرحلة الهزيمة: وهي التي تلت حرب الأيام الستة، والتي خيم فيها التراجع العربي، وتمثلت بحالة الجمود العسكري والسياسي حيال إسرائيل، ومحاولة لعق الجراح.

والمرحلة الثانية: مرحلة إعادة التوازن: الذي بدأ بحرب أكتوبر، وأعاد بعض الثقة للنفسية العربية المنكسرة، والذي انتهى بخلق قاعدة تطليق العمل العسكري ضد إسرائيل.

وأما المرحلة الثالثة: مرحلة السلام: التي بدأت بعقد اتفاق كامب ديفيد الذي غير مدار الصراع، وأدخل الحل السلمي لحلبة الصراع العربي الإسرائيلي كخيار استراتيجي للعرب.

وعلى مستوى العلاقة بين الفلسطينيين، والكيان الإسرائيلي، فتمثلت العلاقة عبر أربع مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة الكفاح المسلح: والتي انطلقت بعيد الاحتلال مباشرة، والتي لم تدخر إسرائيل جهداً في تصفيتها، حيث استخدمت في ذلك وسائل انتهكت بها القانون الدولي. فدمرت منازل السياسيين البارزين، واعتقلتهم ونفت بعضاً منهم، وفرضت الإقامة الجبرية على آخرين، ومنعت التجوال عن أغلب مدنهم. ورغم ذلك تعاطف أغلب الناس مع المقاومة، ولكنهم لم ينخرطوا فيها بالفعل، ولذلك ظلت المقاومة للاحتلال انتقائية، مما سهل عملية تجنيد بعض العملاء في الكشف عن رجال المقاومة ومتابعتهم، والنجاح في انحسارها. ولكن بمرور الزمن أصبحت المجموعات العاملة بعد عام 1967 ضد الاحتلال، تفرض واقعاً جديداً، والتي كانت في الغالب تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. بالإضافة إلى إنشاء منظمات سياسية جديدة، وكذلك انضمام النقابات المهنية، واتحادات الطلاب، والمنظمات النسائية، والشخصيات المستقلة، والمثقفين، والتجار والملاك، والمزارعين، وقادة المؤسسات الدينية والإسلامية، التي أصبحت تزداد شيئاً فشيء.

أما المرحلة الثانية: الانتفاضة الأولى: حيث انخرط السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني في المقاومة، التي شكلت تحدياً حضاريا جديا للاحتلال، والتي تم إعادة بعض المقاومة المسلحة فيها، مع تكثيف العمل السياسي. وخلال الأيام الأولى من بدؤها شكلت قيادة مشتركة عرفت باسم القيادة الوطنية الموحدة للإنتفاضة، وكانت توزع التعليمات عبر مناشير يتم توزيعها سراً، وفي مضمونها كانت توجه الشعب متى يتظاهرون ومتى يخرقون منع التجوال ومتى يذهبون إلى المدارس …إلخ. وبذلك اصبح الفلسطينيون في الأراضي المحتلة يتبنون سياسة التوجيه الذاتي، وفقاً لتعليمات القيادة الموحدة، حيث تدير الجان الشعبية المدن والقرى ومخيمات اللاجئين، كما جرى إنشاء عيادات مؤقتة في المخيمات والأحياء والقرى، وحفرت الآبار للمياه. كما وأن المشاركة الجماهيرية في العمل السياسي بدت واضحة في صفوف الطلبة الذين كانوا في طليعة الانتفاضة وأصبحوا الهدف المفضل لإجراءات القمع الإسرائيلية. والتي في المقابل نشطت أذرعتها الأمنية بالمساومة والإسقاط على قطاع لا بأس به من أفراد المجتمع، مما أدى لمزيد من العنف من قبل المقاومة لكبح هذه الظاهرة ومحاولة تطويقها وإنهائها بالقوة.

ولا ننسى دور المرأة الفلسطينية في العمل السياسي والتي تشكل حجر الزاوية في المجتمع الفلسطيني، حيث انخرطت في الجمعيات الخيرية النسائية وبعضهن انخرطن في صفوف المقاومة، وأغلبهن فضلن تشكيل منظمات خيرية، والتي فيها الإغاثة الطبية، والتنمية الزراعية، والدفاع عن المعتقلين، في المدن والقرى ومخيمات اللاجئتين. وقمن كذلك بحملات توعية لدى النساء، وأظهرن دور النساء من خلال المظاهرات، وبذلك أصبح دورها مباشر وقيادي، وقد أظهرن كذلك شكلاً رائعاً في مسيرة الوحدة الوطنية والتنسيق والتعاون بين الشرائح السياسية.

كما أن الفلسطينيون قد أوجدوا من خلال الأحزاب السياسية وتنظيماتهم، سبلاً جديدة لمواجهة الاحتلال، إلى أن أصبح العالم كله يدرك بأن هناك شعباً فلسطينياً يعاني في ظل الاحتلال، يعرف ويقدر له طموحة وحقه في استقلاله الوطني، وتقرير المصير. (منصور، 149:1990)

ثم تطور الوضع السياسي والنضالي بشكل كبير، بعد أن تحولت بعض الجماعات الدينية إلى أحزاب دينية سياسية مقاومة مثل: حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، ذات الطابع الإسلامي. بالإضافة إلى الحركة الإسلامية الموجودة في أراضي 48. والتي أدت مجموعة من العوامل إلى بروز وامتداد نفوذها في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي أبرزها ازدياد نفوذ الاتجاهات الدينية خارج الأرض المحتلة كمصر، والأردن، ولبنان، وسوريا، وإيران، وكذلك بروز ظاهرة المد الإسلامي بشكل عام، الذي ساعد على تقوية نفوذها. (أبوعمرو،1989: 43)

المرحلة الثالثة: اتفاقية أوسلو: والتي استمرت لعدة سنوات ثم بدأت تخبو وتذبل شيئاً فشيأً. المرحلة الرابعة: انتفاضة الأقصى عام 2000: حيث انطلق الشعب في هذه الانتفاضة نحو الاستقلال والتحرير، وما تزال هذه الانتفاضة المباركة حتى الآن، أي لعام 2002م.

الوضع الثقافي والتعليمي:

نظراً لما للثقافة والعلم من أهمية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في المناطق المحتلة. فقد تعرض الفرد والمجتمع الفلسطيني في ظل الاحتلال لعملية تدمير على المستوى التعليمي والثقافي، حيث حاول الاحتلال جاهداً أن يعمل غسيل دماغ للذاكرة العربية والإسلامية لديه. مما جعله في بعض الأحيان تائها في خضم الأفكار والتصورات المتنوعة، الأمر الذي ترتب عليه تخلخل في مقومات تكوين وتشكيل نسيجه الاجتماعي. (عقل،1994: 148)

حيث أن المجتمع بوقوعه تحت تأثيرات متنوعة، ومثل غربية وإسرائيلية معادية تستهدف وحدة شخصيته وهويته، وتسعى لتغريبه ثقافيا ومجتمعيا وذاتياً، عبر زرع نسيج من الدونية والاحتقار للذات العربية. مما قد يدفع الفرد باتجاه نبذ ذاته الفلسطينية، محاولا اكتساب ذات بديله يقدمها له المرجع البديل والذي عادة ما يكون مثال من وسائل الثقافة الآخرى. والذي في حالة المجتمع – الفلسطيني مثلاً قد يكون هذا البديل إسرائيلياً – من خلال التطبيع القهري. وذلك نتيجة الاحتكاك المباشر، أو غير المباشر بحضارة أخرى أكثر قوة. حيث نأخذ من ذلك الآخر، مثل أعلى نقتدي به، نقلده. وتصبح علائقنا بهذا القاهر المتسلط ، هي التي تحدد علائقنا مع تراثنا ومع صورتنا على أنفسنا. (زيور،1982 :222)

ولذلك فمنذ اللحظة الأولى لوقوع الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال بعد عام 1967 عانى وما زال، القسط الأكبر من الاستبداد والقهر والجهل – خاصة على مجال العملية التعليمية – الأمر الذي سبب فجوة في العملية التعليمية التي كادت أن تخلو من أية أهداف قومية عربية أو دينية إسلامية. بالإضافة إلى أن مستوى التعليم، وكذلك حجم القوى العاملة في التعليم أصبح متدني جداً. لأن إسرائيل وضعت نصب عينيها في جعل لتعليم في الأراضي الفلسطينية يخلق جيلاً عربياً يقوم بخدمة إسرائيل بدون معارضة، عن طريق زرع مشاعر النقص والعداء وإضعاف الثقة بالذات، والإحباط، والخضوع، واليأس. (منصور،1990 :213)

ولهذا قامت عملياً باخضاع المؤسسات التعليمية لهيمنتها، شأنها شأن بقية المؤسسات الأخرى، وتم ربطها بسلطان الحكم العسكري من خلال إشراف ضابط ركن التعليم الإسرائيلي عليها، حيث تم إصدار بعد شهر من الاحتلال الأمر العسكري رقم 107، والذي استناداً عليه اصدر الحاكم العسكري أمراً عسكرياً في شهر ايلول 1967 تم بموجبه منع 132 كتاباً مدرسياً من اصل 150 كتاباً مقرراً من وزارة التربية والتعليم المصرية، بحجة أن هذه الكتب ممنوعة لأنها مشبعة بالكراهية لإسرائيل، وترسم صورة مشوهة للأحداث التي نتج عنها قيام دولة إسرائيل، وقامت سلطات الاحتلال بإحالة جميع الكتب المدرسية إلى لجنة إسرائيلية خاصة لدراستها وإجراء التغييرات عليها، ويمكن إجمال هذه الاتجاهات التي اتخذتها على النحو التالي:

- حذف كل ما يتعلق بالوجود الفلسطيني، واستبدال اسم فلسطين، بدولة إسرائيل.

- حذف العبارات المتعلقة بالسلام والتعاون الدوليين، على سبيل المثال تم حذف العبارات المتعلقة بضعف هيئة الأمم المتحدة وتقصيرها في حل قضية فلسطين.

- حذف كل ما ينمي لدى الإنسان الفلسطيني ارتباطه بالأرض والوطن سواء كان في كتب التاريخ والجغرافيا، أو كتب القراءة والنصوص العربية وغيرها.

- حذف العبارات المتعلقة بالمقاومة والتحرير، أو الإشادة بالنصر وعدم التفريط بالوطن.

- حف كل ما يتعلق بقرارات الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية حول حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. (العاجز،2000: 153)

ومن ضمن السياسات التي إتبعها السلطات الإسرائيلية إغلاق للمدارس، حيث الا توجد مدرسة في القطاع ولم تتعرض لعملية الإغلاق من قبل سلطات الإحتلال، ولمرات متكررة ولفترات طويلة، مما يؤدي إلى نقص في عدد أيام الدراسة، والتي تصل إلى شهر في بعض المدارس مما يؤدي إلى تأخر العام الدراسي، وتسرب كثير من الطلاب. ولم بذلك بل عملت على تخريب التعليم برمته، واتخذت سياسة الإغلاق المستمر للمدارس والجامعات. كما استخدمت المدارس ثكنات عسكرية لها. وقامت في كثير من الأحيان بمحاصرة المدارس واقتحامها أثناء تواجد الطلاب فيها. وذلك بهدف عرقلة عمل هذه المدارس. (العيلة،1998 :265)

وفي نفس الوقت لم تقدم أدني الحقوق حيال العملية التعليمية، حيث عانى قطاع التعليم من قصورات عدة من حيث الكم والنوع. مثل كثرة أعداد الطلاب في القاعة الدراسية الواحده، وكذلك عدم وجود مدربين متخصصين حاصلين على درجة علمية ” البكالوريوس” إلا بأعداد ضئيلة جداً. (منصور،1990: 129)

ولكن وبرغم كل هذه الممارسات سرعان ما استرد المجتمع الفلسطيني عافيته وأوجد من الوسائل والأساليب ما يمكنه من الصمود، بل والتحدي أيضاً لكل عمليات النزع من الجسد العربي والإسلامي. وحافظ على مسيرته التعليمية، التي أراد لها الاحتلال أن تنحصر وتتوقف. واتجه بكل عزيمة نحو تطوير الثقافة والتعليم لديه، وحقق نجاحاً باهراً بمساعده العوامل التالية:

- الرغبة المسبقة في التربية والتعليم التي ظلت بدون إشباع في نفوس الفلسطينيين.

- دخول التعليم في الوطن العربي في فترة ازدهار، مما سنح الفرصة للنهل من ذلك.

- حاجة الفلسطينيين لإعادة تجهيز أنفسهم ليتمكنوا من العيش بكرامة.

- اعتبار التعليم سلاح فعال، يساعدهم في الكفاح من اجل نيل حقوقهم الوطنية.

وعلى الجانب الآخر والأكثر خطورة، قد ساهم التعليم والثقافة بشكل كبير بمنع استقطاب صغار السن من الفلسطينيين للعمل بداخل إسرائيل، ومنع بذلك انتشار الجهل والتخلف، والحفاظ على الهوية الوطنية والتراث، وأعطي أملا للمجتمع للحياة بكرامة، والاستمرار في المضي قدماً من أجل الحصول على جميع الحقوق الوطنية والسياسية له. وأصبح الجسم الطلابي مؤطراً في الجامعات، حيث أعتبر الطلاب المناضلون أنفسهم العاملين الرئيسيين للتغيير الاجتماعي والسياسي، وأصبحت مهمتهم هي الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.

الوضع النفسي:

لقد تعرضت التجمعات الفلسطينية لخبرات قاسية، أثرت بالسلب على طبيعة السكان، وشخصياتهم. وخاصة فئة اللاجئين التي اقتلعت من أرضها، ومرت بصدمة الحرب واللجوء والعيش في المخيمات. حيث من المتوقع لهذا التحول إن يؤدي لدى هذه الفئة -كما تبين العديد من الدراسات في مجتمعات أخري- إلى معدلات أعلى في أعراض الاضطراب الوجداني والتوتر والانعزال والقلق والاكتئاب والمحاولات الانفعالية. (أبو نجيلة،1996: 16)

إن عامل الحرب والهجرة والتشرد قد أثرت على شخصية الشعب الفلسطيني الذي رزح تحت الاحتلال والتشرد والهجرة منذ عام 1948، ثم تواصل هذا الأمر باحتلال الجزء المتبقي من فلسطين عام 1948. حيث المواقف والظروف التي تعرض لها، بسبب هذا الاحتلال قد أثرت في جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها. والتي تنعكس بالتالي على العامل النفسي، الذي يمثل مجموعة المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته. باعتبار أن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات، سواء كان العمل الذي يقوم به خيراً أو شراً.

كما أن الاحتلال قد شكل معيقاً لقضاء الحاجات على المستوى المادي والنفسي، وخاصة حاجة الأمن وحاجة تحقيق الذات. والتي أدى عدم قضائها إلى بروز حالات من التوتر وعدم الاتزان والإحباط لديه، مما جعله يحاول القيام بأعمال تعيد إلى نفسه وجسده اتزانهما الذي أخلت به الحاجة غير المقضية. ويعتبر الإحباط الذي ينمو في ظل ظروف القهر والاحتلال، من أخطر أنواع الإحباط بحيث يفقد المواطن ثقته بالواقع، فيتمرد علية، أو يضطر للتعايش مع هذا الواقع الفاسد ويتوحد معه، أو يحمل في نفسه له التبرم والانزواء. (شحادة،1992: 78)

وقد كان أخطر أشكال الإحباط الذي أدي إلى تزوير مصدر الإحباط، فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي له، يقوم بالتوحد معه. حيث تحدث عملية ” التوحد بالمعتدى ” للتغلب على الخوف من المعتدى، ولإعادة التماسك للشخصية، والتغلب على القلق والإحباط الذي هو الأصل في عملية التوحد مع الاعتداء ضد الآخرين المقربين. (زيور،1982 :123)

وقد يزيد الأمر خطورة عندما تنتقل الإحباطات من حالة الفرد، إلى مجموع أفراد المجتمع ليشكل بالتالي ظاهرة اجتماعية نفسية معقدة يلفها الإحباط واليأس، من عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الأساسية وبين الواقع المعاش، حيث تنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الإحباطات، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي والإستسلام له بدلاً من المقاومة والتحدي له. وهذه الحالة من الإحباط الجماعي هي أخطر ما تصاب به المجتمعات المحتلة. ولكن الواقع المعاش يثبت أن الشعب الفلسطيني برمته أقوى من كل المحاولات التي تسعى لإحباطه وتركيعه واستسلامه أمام العدو الإسرائيلي.

وذلك برغم أن الصحة النفسية للإنسان تتحدد من خلال واقعة الاجتماعي الذي يعيش فيه ومن خلال نمط العلاقات والمواقف والأحداث التي يعايشها الإنسان في هذا الواقع، فطالما توافر الأمن والأمان وعناصر الإشباع للإنسان في هذا الواقع، فإن لذلك انعكاسه الإيجابي على صحته النفسية. لكن إذا كان واقع الشخص مليء بالمخاوف أو مصادر القلق والتوتر، فإن لهذا انعكاسه أيضاً على الصحة النفسية. وقد واجهت العديد من العائلات في الأراضي المحتلة مواقف صعبة ومتعددة من مداهمات ليلية بحجة الاعتقالات أو التفتيش وتعرض العديد من أعضاء الأسرة للإهانة وأحياناً للضرب على أيدي الجنود الإسرائيليين أثناء المداهمات. (أبوهين،1992: 2)

ومن خلال هذا الواقع الذي حولته إسرائيل، لواقع ضاغط على حياة الفلسطينيين في كل مناحي الحياة. يمكن للمرء أن يتصور الأسباب والعوامل التي يمكن أن يتحول فيها المواطن إلى عميل للاحتلال، خصوصاً إذا كان الاحتلال من النوع الإحلالي الاستيطاني كالاحتلال الصهيوني. حيث يمسك بجميع مناحي حياة الشعب الواقع تحت الاحتلال، ولا يتورع عن القيام بأي ممارسة لتحقيق أهدافه. لأن الصهاينة قد قدموا لأرض فلسطين لا ليطوعوا سياستها وفق سياستهم، أو ليسخِّروا اقتصادها في خدمة اقتصادهم، ولا ليسيطروا على منطقة جغرافية مهمة لمواجهة قوى استعمارية أخرى، كما حدث مع كل أنواع الاستعمار فحسب. إنما جاءوا ليقيموا دولتهم على أرض فلسطين، ويقتلعوا في سبيل ذلك شعب من أرضه، ويحلوا شعباً آخر محلة. لذلك كانت سيطرتهم كاملة على كل مناحي الحياة، وبالتالي أصبحت مقاليد حياة الناس بأيديهم. لذلك استخدموا كل ما في وسعهم من أجل خلق عوامل وأسباب تقود البعض من أبناء الوطن إلى التخلي والانسلاخ عن ذواتهم وعن مجتمعهم، والقيام بأعمال تؤدي إلى تثبيت هذا الكيان، بتقديم المعلومات التجسسية لمصلحته. مما أدى إلى خلق شرخ في البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني.

الوضع الاقتصادي والطبقات:

إن الصهاينة منذ اللحظة الأولى للاحتلال فرضوا سيطرتهم العسكرية والسياسية الاقتصادية، واستطاعوا بالمساعدات الغربية أن يبنوا اقتصاداً رأسماليًّا قويًّا، وربطوا به الاقتصاد الفلسطيني.

إن هذا الإلحاق التعسفي لاقتصاد المناطق المحتلة عام 1967 باقتصاد إسرائيل – في الوقت الذي قطعت فيه كل علاقة اقتصادية تقليدية بالدول العربية المجاورة – قد جر خلفه آلية مدمرة على الاقتصاد الفلسطيني،  حيث الواقع الذي كان سائداً في المناطق المحتلة يشهد بوضوح على التدمير المبرمج لجميع أوجه الحياة فيها، بأعتبار أن التنمية الاقتصادية الفعلية لم تكن مستحبة للاحتلال، لأن الاقتصاد المحلي القوي سيؤدي إلى منافسة الصناعات الإسرائيلية، أما تقوية البنية التحتية فسوف يؤدي إلى تهديد السيطرة الإسرائيلية. (أرنسون،1990: 324)

ولذلك فقد تبنى (موشي ديان) فكرة إنشاء وحدة اقتصادية إسرائيلية الوجهه بين الأراضي المحتلة وإسرائيل، عام 1968 عندما قال في الكنيست ” لدينا فرصة للدمج الاقتصادي ولربط شبكة الكهرباء والمياه، وإنشاء نظام موحد للنقل المشترك، ومعالجة الزراعة في المنطقة “. وتوقع أن يؤدي رفع المستوى المعيشي الظاهري للسكان، التعويض عن فقدان الحريات السياسية الذي كان الفلسطينيون يعانونه في ظل الحكم الإسرائيلي، وتمكين الاقتصاد الإسرائيلي من استغلال مزايا الخزان الضخم من اليد العاملة الرخيصة. والتوصل إلى إرساء الأساس الاقتصادي لمشاركة الفلسطينيين في إبقاء الوضع على حاله الراهن.(مقبول، 1987: 41)

وهذه السياسة التي نادى بها ديان قد أعتمدت على ميدانين اقتصاديين يخدم الثاني فيهما الأول بالضرورة، فالأول: اقتصاد إسرائيل المدعوم بقوة، والمحترس عليه بنطاق عريض. والثاني: الاقتصاد العربي ذو البنيان المتراص، من حيث القوة العاملة. (والتز، وشيشا، 1993: 224)

ولهذا ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران 1967، وهي تستعمل الموضوع الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية. حيث دأبت باستمرار على تحقيق هدفين أساسيين: الأول: خلق ظروف اقتصادية في الأراضي المحتلة، تساعد في إضعاف حوافز مقاومة الاحتلال. والآخر: توطيد أوضاع اقتصادية تجعل انسلاخ الضفة والقطاع عن الاقتصاد الإسرائيلي، وتكوين اقتصاد مستقل أمراً مستحيلاً. (النقيب،1997: 19)

ووفق هذه السياسة وجد الفلسطينيون أنفسهم بعد دخول الاحتلال بدون مصدر رزق، حيث اعتمدت الغالبية العظمى منهم على الزراعة، لكن بعد مصادرة أراضيهم لبناء المستوطنات الإسرائيلية عليها، اضطروا مكرهين إلى التحول إلى أيدي عاملة ذات أجرٍ زهيد تسهر لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي. وقد أصبح اكثر من (75%) من الأيدي العاملة يعملون في إسرائيل والغالبية العظمى منهم، يعملون في إسرائيل وبشكل مضطرد.

واستكمالاً لهذه السياسة فرضت إسرائيل قيود مشددة على التنمية الاقتصادية في المناطق وخاصة في مجالي الزراعة والصناعة، وحاولت تقليص الإنتاج المحلي الفلسطيني، وإلحاق اكبر قدر من الأضرار به، عن طريق فرض عوائق في وجه التنمية الزراعية والصناعية، الأمر الذي جعل الآلاف من العمال الذين يعملون في مجال الزراعة، الاتجاه نحو العمل في إسرائيل وتركهم لفلاحة أراضيهم. وذلك بسبب مضاعفت نفقات الإنتاج الزراعي للفلسطينيين لكي لا تتمكن منتوجاتهم من الصمود أمام المنتجات الإسرائيلية، بسبب ارتفاع الأجور العاملة في إسرائيل، وفرض قيود مشددة على المنتجات الفلسطينية. حيث أن السلع والمنتجات تحتاج إلى تصريح مسبق للدخول إلى إسرائيل خاصة إذا كانت تنافس المنتجات الإسرائيلية، في حين تدخل الأراضي الفلسطينية المحتلة المنتجات الإسرائيلية بكل حرية ومدعمة بامتيازات لا تنافس من قبل السلع الفلسطينيه. وكذلك أيضاً قد عانت الزراعة الفلسطينية من مشكلات في التمويل، لعدم وجود مؤسسات مالية تقدم القروض والمساعدات لشراء المعدات الزراعية والأسمدة والبذور، أو لأجل تسويقها. هذه القيود الإسرائيلية المفروضة في وجه النشاطات الفلسطينية. تفسر الرقابة المباشرة التي تمارسها، لخشيتها من تنامي أشكال التنظيم القادرة على حل مشاكل الزراعة.

أما العوائق في وجه تنمية القطاع الصناعي، فهذا لم يكن بأفضل حالاً من القطاع الزراعي، فكان كل مشروع صناعي قبل البدء به لا بد أن يخضع لترخيص مسبق، مع العلم بأنه من الصعب الحصول على ترخيص للمشاريع الكبرى أو متوسطة الحجم. وقد كانت الصناعة مرهونة بإسرائيل سواء أكانت تموينياً أو تجهيز الموارد الأولية، علماً بأن الأراضي الفلسطينية فقيرة بالموارد الطبيعية اللازمة للصناعة. وفي الوقت ذاته منعت استيراد بعض المنتوجات كالمواد الكيماوية أو الأسمدة، وأخضعت سلعاً أخري لإجراءات رقابية بالغة الدقة. كما كانت تشكل صعوبة تسويق المنتجات أحد أهم العقبات التي تقف في وجه التوسع الصناعي الفلسطيني، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة التي تشكلها المنتجات الإسرائيلية المنتشرة في السوق الفلسطينية بحرية تامة، ومما زاد الأمر صعوبة فإن الصناعة في الأراضي الفلسطينية غير محمية على صعيدي التعريفة والرسوم الجمركية والحوافز المالية، بالإضافة إلى ضآلة رؤوس الأموال الضرورية لتمويل مشاريع جديدة للتوسع في الصناعات القائمة. (منصور،1990،102-110)

ولم تكتف بذلك بل عمدت على اتخاذ إجراءات وقيود أخرى في وجه الاقتصاد الفلسطيني منها:

1) القيود على تنقلات الأهالي والأيدي العاملة: كفرض نظام منع التجوال، وتقييد حركة العمال ما بين الضفة وغزة، أو ما بينهما وبين إسرائيل، أو ما بين المناطق الفلسطينية والعالم الخارجي. بالإضافة لوضع عراقيل أمام حركة الأيدي العاملة في إسرائيل، بحجة التصاريح.

2) القيود المفروضة على التجارة الخارجية: وتمثل ذلك في وضع المعابر الدولية تحت السيطرة الإسرائيلية، مما جعلها تتحكم في عمليات الصادرات والواردات من وإلى المناطق.

3) فرض رسوم جمركية: على جميع الصادرات والواردات الفلسطينية. وعدم السماح باستصدار تصاريح للتجار الفلسطينيين إلا إذا اثبتوا انهم سددوا ضريبة الدخل والقيمة المضافة.

4) تقييد حركة رأس المال: بإخضاع جميع التحويلات المالية نحو الأراضي الفلسطينية لرقابة صارمة، ومراقبة التحويلات المالية عبر المصارف، وحددت التحويلات بألف ومائتي دولار.

5) القيود على نشاطات المؤسسات الفلسطينية: حيث قامت بإغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية، ووقف نشاطاتها، وتفكيك اللجان التابعة لها، إضافة إلى توقيف أعضاء اللجان فيها وطرد قادتهم.

6) القيود الأخرى: كتدمير المنازل، والاعتقالات والاغتيالات، وفرض غرامات على التجار، وأسلوب العقوبات الجماعية المتنوعه. (منصور،1990: 117،126)

وبهذا جعلت من الاقتصاد الفلسطيني مجرد اقتصادِ تابعِ، أدت هذه التبعية الاقتصادية إلى اعتماد الكثير من العائلات الفلسطينية في دخلها على التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الصهيونية أو العمل فيها، وأصبح من غير الممكن في ظل ما هو قائم أن تجد الأسر فرص دخل بديلة، وبالتالي أصبح من المستحيل أن يطلب من هذه العائلات التخلي عن مصدر الدخل والمساهمة في المجهود الوطني. (قاسم، 1993: 89 )

يمكن تقسيم المجتمع الفلسطيني اقتصادياً لثلاث طبقات:

1- الطبقة الغنية: أ) كبار الملاك: من السكان الأصليين، من العائلات التي تمتلك أراضي كبيرة

ب) كبار التجار: وهي الشريحة الأكثر نفوذاً، وتضم التجار البارزين من المواطنين واللاجئين، الذين قاموا باستيراد بضائع استهلاكية من وإلى فلسطين، عبر الأردن، أو مصر، أوإسرائيل.

2- الطبقة الوسطى: وتشمل الشريحة المتوسطة للملاك والتجار والأكاديميين والمهندسين والأطباء والإداريين والعاملين في الدوائر الصحية…الخ. ودورها بارز بتسيير شؤون المجتمع.

3- الطبقة الفقيرة: وتنقسم إلى:1) طبقة العمال: وقد انحدر أكثرهم من أصول فلاحيه، وغالبيتهم قد كانوا من أوساط اللاجئين الذين أتوا من المدن وتمتعوا بالخبرات الفنية والتقنية، ينقسموا إلى:

- عمال مهرة: وتوفرت فيهم خبرات فنية محدودة في مجال الصناعة والزراعة والخدمات.

- عمال غير مهرة: وهم الاغلبية من اللاجئين ومن السكان الأصليين الذين كانوا من الفلاحين.

- عمال زراعيين: وهي مجموعة صغيرة الحجم من ناحية وموسمية من ناحية اخرى.

2) طبقة الفلاحين: تمركز الأراضي في يد كبار الملاك، أدى لبروز مزارعين مأجورين، وهم اربعة شرائح. الفلاحين المتوسطين، والفلاحين الصغار، والمتأجرين او الضمان، والمحصلين. (منصور،1990 : 183)

وقد وصل حجم العمالة الفلسطينية في الكيان الصهيوني قبل قدوم السلطة إلى 40% من إجمالي قوة العمل الفلسطينية، ووصل عدد العمال الفلسطينيين في الكيان الصهيوني إلى مائة وعشرين ألف عامل، وذلك بسبب ارتفاع الأجور في الكيان الصهيوني مقارنة بالأجور في الضفة وغزة التي ارتفعت فيها تكاليف المعيشة بشكل خيالي، بعد أن أصبحت سوقاً للمنتجات الصهيونية في ظل العوائق والعقبات التي وضعها الصهاينة في وجه الصناعة والزراعة الفلسطينية. حيث كان للحالة الاقتصادية الصعبة، آثاراً اجتماعية ساعد على زيادة نوع معين من الجرائم، كما أنها كانت تعوق الشباب عن الزواج في سن مبكرة، مما يضطرهم إلى العمل على تصريف غرائزهم بطرق غير شرعية، فتكثر بذلك جرائم الانحراف الخلقي، وجرائم هتك الأعراض والدعارة وكذلك ربما يقود إلى الانخراط في جريمة التعامل مع الاحتلال. (الديب،1997: 362)

حيث تبين بأن لموقع العمل دور كبير في عمليات الانحراف، لأن وضع العمال  الفلسطينيين يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيرة من المجتمعات، حيث إن انحرافهم تجاه جريمة التعامل مثلا، ليس رهناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط، بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره عليهم وعلى نفسيتهم على مدار العام بشكل مستمر، حيث المساومة والابتزاز لهم إما بالتعامل أو بقطع أرزاقهم. حيث كانت تقوم، باستدعاء العمال أثناء توجههم لتجديد البطاقات الممغنطة أو تصريح العمل، أو أثناء توجههم للعمل أو عودتهم منه. وتتم المساومة إما التعامل، أو سحب التصاريح التي بحوزتهم وحرمانهم من العمل في إسرائيل.

كما كان يتم أحياناً إلقاء القبض على عدد من العمال واحتجازهم في زنازين خاصة، والتحقيق معهم للحصول على معلومات حول نشاط بعض القوى الفلسطينية في مناطق سكناهم وحول المنتمين إليها، ويحاول ضباط المخابرات ابتزازهم بهدف تجنيدهم كمتعاونين مع المخابرات الإسرائيلية. وتشكل هذه الممارسات أسلوب ابتزاز وقح واستغلال بشع لحاجة العامل الفلسطيني للعمل في سبيل تأمين لقمة العيش لأسرته وأطفاله. (المركز الفلسطيني،1999 : 32)

إن سياسة الاحتلال العسكري الإسرائيلي هذه قد أدت أحياناً إلى تزايد أعداد العمال الراغبين في الهجرة إلى خارج الأراضي المحتلة، وهو بحد ذاته أحد الأهداف الاستراتيجية الذي سعت دولة الاحتلال دوماً لتحقيقه، بتهجير السكان وإجلائهم عن اراضيهم. حيث هاجر من قطاع غزة في الفترة ما بين1967–1986 حوالي97ألف مواطن معظمهم من العاملين وأصحاب التأهيل الفني.

وفي الاتجاه الآخر ارتفع عدد العاملين في إسرائيل من أبناء الضفة الغربية وقطاع بشكل ملحوظ من 20600 عامل سنة 1970 إلى 90300 عامل سنة 1984 و 94700 عامل سنة 1986، ووصل الرقم ذروته سنة 1987 حيث قدر عدد العاملين ب 10.9000 شخص. وكانت هجرة الأيدي العاملة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، قد أدت إلى تغيير جذري في التكوين القطاعي لقوة العمل الفلسطينية، المستخدمة محلياً وعلى سبيل المثال انخفض عدد العاملين في قطاع الزراعة من 59100 عامل سنة 1970 إلى 37400عامل، وانخفضت القوة العاملة في الزراعة إلى 35% من القوة المستخدمة عام 1970م. (المركز الفلسطيني،1998: 15)

من خلال استقراء هذه الأرقام تبين أن سياسة الاحتلال قد قضت بشكل كبير على جوهر الاقتصاد الفلسطيني المتمثل في الجانب الزراعي، وحولت الأيدي العاملة في المجال الزراعي داخل الأراضي المحتلة، إلى أيدي عاملة أجيرة داخل الكيان الإسرائيلي، كما أدت إلى ضعف قطاع الصناعة في الاقتصاد الفلسطيني للأراضي المحتلة، وعملت على منع تطور اقتصاد فلسطيني مستقل . (المركز الفلسطيني، 1992: 117)

  ” مفهوم التعامل والتجسس “

تمهيد:

واجه التجمع البشري عبر تاريخه الطويل ظواهر هددت أمنه واستقراره، وكان من أهمها ظاهرة التعامل مع الأعداء، بإعتبارها تشكل تحدياً وخروجاً سافراً عن قيم، وعادات، وتقاليد  المجتمع، الأمر الذي يتطلب فهماً واعياً لها، وإدراكاً سليماً لأبعادها ومتغيراتها.

حيث أن التجسس والجاسوسية يعتبر من أقدم الأنشطة الاستخبارية التي مارسها الإنسان. فهو سلاح استخدمه المتحاربون وأفادوا منه في كشف العدو والتعرف على مكامن قوته ونقاط ضعفه، لذلك كان الجاسوس  دوماً من أهم معالم الحرب ومظاهرها.

ولكن مجال التجسس في عصرنا هذا قد تطور، فأصبح من الممارسات اليومية – في السلم والحرب- التي تعتمد عليها الدول في حماية أمنها، وتطوير صناعاتها، بل وفي التعامل مع اصدقائها. والدول اليوم تتجسس على منافسيها، كما تتجسس على أعدائها فتجمع المعلومات السرية والعلنية عن مصادر القوة ومواطن الضعف لديهم، في السياسة والاقتصاد، ودرجة الوعي، والروح المعنوية، وحركة الجند، والقوة العسكرية. وكذلك تجمعات الدول وتحالفاتها، ومدى تكامل مصالحها أو تناقضها. وقد ساعد في ذلك التقدم التقني، الذي وفر أجهزة ومعدات غاية في الدقة، وصغر الحجم، ودرجة الكفاءة في التنصت، والاستشعارعن بُعد.

ولكن في اللحظة الذي كان الجاسوس يستخدم وسائل علمية حديثة في نشاطه، فإن من جملة وسائله أيضاً أموراً نفسية يحسن بنا أن نتوقف عندها بعض الوقت لنتعرف عليها. (عاقل، 1973: 231)

ولذلك لا بد من عناية علم النفس بالجاسوس والعمل على دراسته ، ودراسة مهنته، وكل ما يحيط به. وكذلك تطوير وسائل الدراسة بحيث تتلائم وعصرنا الحديث وتقدمه العلمي.

إن ظاهرة التعامل مع الاحتلال تشكل تحدياً مغلفاً بالخوف ودواعي الأمن، لأنها مفعمه بالحساسية المفرطة التي تلف طبيعتها. هذا بالاضافة إلى كونها تعتبر من أخطر الظواهر في حياة الشعوب والأمم. لأنها تتناول ظاهرة لها من العمق التاريخي ما يساوي عمر التجمعات البشرية الأولى، والتي شكلت عبره أخطر أشكال التدمير الاجتماعي للأمم المحتلة. ولهذا فإن ظاهرة التعامل تنشأ عن واقع احتلالي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً به، وبذلك تفرض وجودها على المجتمع بما يخدم مصالحة ويحقق أهدافه. مما يتطلب تتبع هذه الظاهرة ودراستها، والتعرف على أهم الدوافع والعوامل المرتبطة بها. برغم ندرة المصادر والمراجع في موضوع الأمن بشكل عام، وفي ظاهرة التعامل بشكل خاص.

لكن على الرغم من أهميتها وخطورتها، فإن معظم المفكرين والكتاب أحجموا عن تناول هذه الظاهرة،

 متذرعين بكثير من الدوافع والعلل. ولكن مهما كانت هذه الدوافع التي تقف وراء تجنب الباحثين للتصدي لهذه الظاهرة الماثلة أمامهم والتي تهدد أمنهم وأمن أولادهم وأمن المجتمع برمته، فإنهم بلا شك مقصرون في ذلك. لإن فهم عالم التجسس والجاسوسية على المستوى العام والخاص، ومعرفة ودراسة ردود الفعل النفسية لدائرة العملاء المتعاونين أمر ضروري لكل طبقات الشعب برمتها. (عبده، 1989 : 38)

ومن أجل ذلك فقد آثر المؤلف تناول هذا الموضوع، رغم إدراكه بأنه قد يعد من الموضوعات التي ندر الخوض فيها، ليس بسبب قلة المصادر فحسب، بل للحساسية البالغة أيضاً في الموضوع نفسه، لما يختزنه في ذهن المواطن العادي من ذكريات أليمة قاسية حيال هذه الظاهرة التي تجاوزها كل المحرمات الوطنية – على يد شريحة معينة من الأشخاص الذين هانت عليهم أنفسهم، فهان عليهم كل شيء، فخانوا أمتهم ووطنهم- ولِما سببته من معاناة لمن حولها من المجموع البشري، سواءُ لأهل العملاء، أو لضحاياهم، أو للمجتمع برمته.(عباس،2000: 97)

تعريف مفهوم التجسس:

التعريف اللغوي: التجسس، والجاسوسية، وجاسوس، مسميات وجد لها مرادفات في اللغة العربية والأجنبية على حد سواء. فمثلاً في اللغات الأجنبية، مرادفها بالفرنسية (إيسبيون) وبالإنجليزية (سباي) وبالإيطالية (سيبوني) وبالإسبانية (ايسييون) وبالروسية (شبيون) وبالألمانية (سبيون).

أما في اللغة العربية فتستخدم بالإضافة إلى تسمية (تجسس)، (عميل) أو (خائن) أو (عين) أو

تعريف التعامل والتجسس:

التعريف اللغوي:

قال اللحياني: تجسست فلاناً ومن فلان، بحثت عنه وتحسست، ومن الشاذ قراءة:       ” فَتَحَسَّسُوا منْ يُوسُفَ وأَخِيه “. (يوسف:87)، وتجسست الخبر وتحسسته بمعنى واحد.

وفي الحديث: لا تجسسوا، التجسس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس: صاحب سر الخير.

وقيل: التجسس بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه. وقيل: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع. وقيل: معناها واحد في تطلب معرفة الأخبار.

والجاسوس: العين، يتجسس الأخبار ثم يأتي بها. وقيل الجاسوس: الذي يتجسس الأخبار.

قال أبو عبيد: تحسست الخبر وتجسسته. وقال: التجسس بالجيم البحث عن العورة، قاله: في تفسير قوله تعالى ” ولا تجسسوا ” وفي قوله تعالى ” فَتَحسسوا”.

وقال ابن الأعرابي: تجسست الخبر وتحسسته، بمعنى واحد، وتحسست الشيء أي تخبرت خبره. (ابن منظور، 1119 :624-876)

وعن الأخفش: لا تبعد التجسس بالجيم عن التحسس بالحاء، لأن التجسس البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الأخبار والبحث عنها. وهنا قول ثانٍ في الفرق إنه بالحاء يطلبه لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره.

وفي المصباح المنير: جسه بيده جسا من باب قتل، واجتسه ليتعرفه، وجس الأخبار وتجسسها تتبعها، ومنه الجاسوس لأنه يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور وظاهره أن التجسس لا يختص بالتفحص عن القبائح المستورة، قال في مقاييس اللغة في معنى جس بالجيم والسين: هو تعرف الشي‏ء بمس لطيف.

والجاسوس: فاعول من هذا لأنه يتخبر ما يريده بخفاء ولطف.

وقال الجوهري في الصحاح: جسست الأخبار وتجسستها، أي تفحصت عنها، ومنه الجاسوس.

وذكر مسلم: ” أن العين هو الجاسوس”، وذكر ابن حجر” أن الجاسوس يسمى عيناً لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع بدنه صار عيناً.

وذكر شهاب الدين ” العين هو جاسوس القوم، فيطّلع على عورات المسلمين، وينهي الخبر إلى دارهم” ،ولقد ذكرت معظم كتب الفقه “الجاسوس بمعنى العين، وأن العين هو الجاسوس”. (الدغمي، 1985 : 28-30)

وقال الإمام الشوكاني: (إن الجاسوس يسمى «عيناً» لأن عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع بدنه صار «عيناً»). وربما يعود ذلك إلى أن مهام الجاسوس تعتمد كثيراً على حاسة النظر، في ذلك الوقت طبعاً.

وقال (ابن كثير) ” ولا تجسسوا ” أي على بعضكم بعضاً، والتجسس غالباً ما يطلق في الشر ومنه الجاسوس، وأما التحسس فيكون غالباً في الخير، لقوله تعالى: ” يَا بَنَيّ اِذهَبُوا فَتَحسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رّوحِ اللهِ ” ( يوسف ، 87) وقد يستعمل كل منهما في الشر. (إبن كثير،780هـ: 213)

وفي المحصلة النهائية فإن التجسس هو التتبع والتفحص لبواطن الأمور، سواء كان لنفسه أو لغيره، وسواء كان لداعي الشر أو الخير، وسواء أكانت الأمور خيرا أو شراً.

التعريف الاصطلاحي: ورد التجسس في القرآن الكريم بقوله تعالى: “يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً “. (الحجرات:12)

وفي قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: “إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً “. (العسقلاني، ب ـ ت: 448)

وقد عرّف (الفقهاء والمفسرون وأهل الحديث) التجسس المنهي عنه في الآية والحديث هو ” تتبع عورات المسلمين وغيرهم، ومحاولة الوصول إلى معرفتها لإشباع دافع نفسي أو غرض معين “. وهو وإن كان خاصاً بآحاد الناس فإنه يتناول التجسس الذي تقوم به الجماعات والهيئات أو الدول بأي صورة من الصور، ولأي سبب من الأسباب غير المشروعة، التي تستهدف كشف أسرار الأفراد والجماعات.

أما تعريف (دائرة المعارف الإسلامية) فقد جمع بين الجاسوس الذي يتتبع الأخبار بالتنصت، والعين الذي يرقب بعينه الأحداث، فكلمة “جاسوس” ترد ملازمة مع كلمة عين بمعنى الرقيب “. ومن ثم فإنه لا يمكن في جميع الأحوال أن نميز بين المصطلحين، ولا يكاد المرء يستطيع مناقشة أحداهما دون الرجوع إلى الأخر.

وقيل في التجسس بأنه: هو” البحث والتنقيب عما يتعلق بالعدو، من معلومات سرية باستخدام الوسائل السرية والفنية، ونقل تلك المعلومات بذات الوسائل، أو بواسطة العملاء والجواسيس، والاستفادة منها في إعداد الخطط”. (الدغمي، 1985: 31)

وتعرف الجاسوسية قانونياً، بأنها: ” العمل سراً وبادعاء وهمي للاستيلاء – أو محاولة الاستيلاء – على معلومات سرية بقصد إبلاغها إلى جهة معادية “.

ويعرف (القانون الدولي) الجاسوس بأنه: ” الشخص الذي يعمل في خفية، أو تحت ستار مظهر كاذب، لجمع أو محاولة جمع معلومات عن منطقة الأعمال الحربية لإحدى الدول المتحاربة بقصد إيصال هذه المعلومات لدولة العدو”. كما نصت على ذلك  المادة «التاسعة عشرة» من لائحة اتفاقية «لاهاي» لعام 1907. (الجزائري، 1991:ج1، 11)

وعرّف (الخرشي) الجاسوس ” بالشخص الذي يطلع على عورات المسلمين، وينقل أخبارهم للعدو”. (الدغمي، 1985: 31)

وعرف (أمرنجر) التجسس بأنه “فن يعتمد على العامل البشرى “. لأنه بحاجة إلى من يكون دائماً في الداخل، ويرتكز على عميل على الأرض، أي وجود شخص له الحق بأن يتواجد حيث توجد الأسرار ومصرّح له امتلاكها، ويمكنه تمريرها دون مراقبة. (أمرنجر، 1992: 16)

وعرفه الجزائري (1991) بأنه ” السعي والتخابر، وهو صورة من الاتصال بدولة أجنبية بقصد إجرامي، يرمي الجاني فيه إلى الاتصال مع دولة أجنبية، أو مع الشخص الذي يعمل لمصلحتها، تكون نتيجة ذلك تمكن هذه الدولة من القيام بأعمال عدائية ضد الدولة الأخرى، وهو ما يسمى بالخيانة العظمى”. (الجزائري،1991: 10)

وعرف الجنرال الأسباني (كويبود يللانو) الجواسيس بالطابور الخامس. ويعتبر هو أول من أطلق  هذا التعبير على الجواسيس، وذلك أثناء زحفه على مدريد  بقوات تتألف من أربعة طوابير، حيث وصف العملاء له داخل البلد  بالطابور الخامس الذي يعمل مع الثوار، من داخل مدريد نفسها “. (وود،1990: 24)

أما العلوي (1993) فيعرف التجسس بأنه “بالبحث عن المعلومات، وتجميعها، ونقلها للآخرين بوسائل سرية، بغية استخدامها والاستفادة منها ضد أمن وسلامة الطرف الذي تتعلق به هذه المعلومات “. (العلوي، 1993 :8)

ويعرف المتيت (1980) التجسس بأنه ” التخابر مع الدول الأجنبية تحت تأثير الطيش وعدم المبالاة ضد مصلحة الدولة “. (المتيت، 1980 :30)

ويعرف شحادة (1992) التجسس بأنه ” بمجموعة الإجراءات السرية والعلنية، التي تؤدي إلى جمع المعلومات الحقيقية، عن أهداف محددة، من أجل استخدامها في مخططات العمليات السرية والعلنية للدولة”. (شحادة، 1992: 24)

وعرف (حنا عيسى) التجسس على انه ” جمع المعلومات لصالح العدو من الاراضي الواقعة تحت سلطة الاختصاص القضائي للخصم -الاراضي المعادية والمناطق المحتلة- من قبل مدنيين او عسكريين غير مرتدين لازيائهم الرسمية “

تعقيب:

من خلال العرض السابق لتعريف التجسس والجاسوس يرى الباحث أن تعريف جاسوس، هو تعريف واسع وشامل يتسع لمعنيين متضادين، أي الشيء ونقيضه، وإن كان يعني في اللغة نفس المعنى، باعتبار أنه ممارسة تقوم على السرية والتخفي في أداء دورها.

فالمعنى الأول للجاسوس: الذي يتعلق بالنشاط السيئ والشرير، أي الموجه ضد الدولة والمجتمع لحساب الغير. وهو الذي ورد به النهي بقوله تعالى ” ولا تجسسوا “. وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” ولا تجسسوا “.

والمعنى الآخر: هو التجسس لصالح البلد والوطن ضد الأعداء، فالجاسوس الذي يجمع المعلومات لصالح وطنه هو فدائي مخلص.

تعريف مفهوم التعامل:

يعتبر هذا المفهوم من أكثر المرادفات لمفهوم التجسس حداثة، بالإضافة إلى كونه لا يمثل إلا وجهاً واحداً من العمل الاستخباري والذي يهدف إلى خدمة أعداء الوطن والأمة، وبالتالي يضع صاحبه في خندق الخيانة، والتجسس لصالح الأعداء، وهما يعبران عن معنى مشترك.

وقد اعتبر ( جون وود Woud) بأن التعامل خيانه فقال: “عندما يكون ابن البلد جاسوساً ضد بلاده، فهو خائناً وعميلاً للغريب. (وود،1990 :30)

كما اعتبر (مناصره) العملاء المحليين بأنهم: “جواسيس للعدو يقوم باستخدامهم ضد مصلحة وطنهم وشعبهم”. (مناصرة، 1991: 301)

وعرف شحادة  العميل بأنه ” الشخص الذي يقوم بخدمة جهاز المخابرات عن وعي وإدراك كاملين يمارس عمله في هدف معين تحت غطاء معين وضمن السيطرة الكاملة للجهاز”.      (شحاده ، 1992 :32)

وعرف (اوستروفسكيAstrofeasky ) ” التعامل بأنه: “مصطلح أُسيء استعماله، فهو يعني المجند، وليس الموظف المحلي لجهاز المخابرات”. (اوستروفسكي،1990: 308)

أما تعريف التعامل طبقاً لقاموس (وبسترwebster) فإنه حسب المعنى المقصود هو: ” التعاون مع العدو أو المحتل برغبة المساعدة والمساندة “.

أما تعريف السلطات الإسرائيلية لهذا المصطلح، فيعبر عنه بالكلمة العبرية ” سيانيم ” بمعنى مساعدين، وهم ” الفلسطينيون المسجلون رسمياً بأنَّ لهم ارتباطاً استخبارياً مع إحدى أفرع الأمن العاملة بالمناطق (جهاز الأمن العام، والشرطة الإسرائيلية، وجيش الدفاع الإسرائيلي، أو الإدارة المدنية) ويشمل ذلك أشكالاً مختلفة من عملاء المخابرات، الذين يزودونهم بالمعلومات الأمنية من المؤسسات لقوى الأمن في تحديد واعتقال وإلحاق الضرر الجسدي بالأفراد المطلوبين “.

أما القاموس السياسي للمنظمات الفلسطينية فقد عرف العملاء بأنهم: ” هم المصرح لهم بحمل أسلحة من قبل السلطات، وتقع منازلهم تحت الحماية أو يذهبون إلى أماكن غير معروفه، وبأنهم الذين يتسببون بالضرر سواء أكان بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أعضاء المجتمع “.          ( بتسيلم، 1993 : 4- 34)

وعرف الشيخ” أحمد يأسين” العميل بأنه: “من باع نفسه لجهاز الأمن العام ونفذ ما يطلبه منه ضد مصلحة وطنه وشعبه ودينه، والعميل هو ذلك الشخص الذي تعرض لمحنة كبرى ولم يستطع التغلب عليها”. (أبو نجيلة، 1998: 18)

ويعرف (شاكيد Shakeed ) عملاء أجهزة الأمن بأنهم: “أولئك الأشخاص الذين يعملون لصالح أجهزة الأمن الإسرائيلية، ويزودونها بالمعلومات المختلفة.(أبو نجيلة،1998 : 18)

وعرف (فضل أبو هين) العميل بأنه: ” الشخص الذي يكون هدفه جمع المعلومات عن أشخاص محليين، وتوصيلها إلى سلطات الاحتلال، أو محاولة إسقاط عناصر أخرى والتأثير عليها من أجل الارتباط مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلية “. (أبو هين، 1993: 2)

التعقيب على التعريفات:

من خلال العرض السابق للتعريفات يظهر أن مفهوم الجاسوس يعتمد على الأذن والتنصت، وقد امتاز هذا المفهوم بسعة الانتشار الزماني والمكاني، ولم يقتصر على عصر معين، وهو أكثر شيوعاً واستعمالاً من مفهوم العميل. ويعتبر الباحث أنه من الأفضل تحديد كل مفهوم لممارسة معينة، بحيث يمكن أن نطلق لفظ الجاسوس على من يتجسس لصالح الوطن، وإن كنا لا نستطيع تجريده من معناه الأهم وهو التعامل لصالح الأعداء. وأما مفهوم العميل، فنطلقه على من يتجسس ضد وطنه وأبناء شعبه باعتباره متحيز بطبيعته في التجسس ضد الوطن.

ولهذا يجب التفريق بين التجسس لصالح الوطن، وبين التجسس ضد الوطن. ومن الأفضل أن نصف من يتجسس على وطنه بالعميل أو الخائن.

وهذا الميل ينبع من خلال ما لمسة الباحث من تناول بعض الكتّاب لمفهوم الجاسوس بمعنيين متضادين بدون التوضيح والتفريق بين صفات الجاسوس الذي يعمل لمصلحة بلده، والجاسوس الذي يعمل ضد مصلحة بلده مما يوقع القارئ في لبس كبير. ومن خلال مراجعة تلك التعاريف يمكن تسجيل بعض الملاحظات التالية:

- لا يوجد تعريف جامع مانع يتفق عليه جميع المفكرين والعلماء، فكثير من المراجع تتحدث عن الجواسيس وتخلط بين مدلولاتها، فتقصد من يعمل لصالح بلده وأحياناً أخرى تقصد من يعمل ضدها.

- يختلف هذا المفهوم أحياناً من مجتمع إلى آخر، فما يراه البعض حسناً ربما يراه الآخر سيئاً، ويرجع ذلك لعدم وجود معيار دولي يحكم هذا الأمر.

- يمتاز هذا المفهوم بالمطاطية مما يجعله يتسع للاجتهادات المحلية، حتى في البلد الواحد، وينبع ذلك من خلال المعتقد أو المبدأ، الذي يشكل خلفية المجتهد، مما كان يراه البعض جاسوساً أوعميلاً يراه الآخرون غير ذلك.

- يخضع هذا المفهوم أحيانا للمحدد المكاني حتى في نطاق البلد الواحد، ففي حين كان التعامل التجاري في الضفة الغربية أمرا عاديا إبان الانتفاضة، كان يعد في قطاع غزة جاسوساً وعميلاً.

- يتأثر هذا المفهوم بالوضع الثوري داخل البلد ، ففي ظل الانتفاضة الأولى مثلاً إتسع مفهوم التعامل، بحيث أعتبر من يستمر في العمل في الشرطة الإسرائيلية عميلٌ، في حين كان ينظر إلى هذا العمل في أوقات أخري كأي عمل آخر في المجتمع.

- أدخلت تحت هذا المفهوم مفاهيم فرعية، دخل فيها مفهوم العميل الاقتصادي، والعميل السياسي، والعميل الفكري، وما شابه ذلك.

ولهذا فإن تحديد المفاهيم والمصطلحات أمرُ لا بد منه وذلك خوفاً من استغلال بعض الجهات غير المسؤولة لهذه المفاهيم وتلاعبها بها، فيتسع المفهوم متى تشاء، وينحسر متى تشاء، وفق الرؤية الذاتية الضيقة لها.

وقد أثبت الواقع المعاش في الانتفاضة الأولى، أن أخطر ما أصاب العمل الوطني، هو العمل على اتساع المفهوم ليشمل فئات كثيرة من الشعب، وهو ما أرادته إسرائيل وسعت إليه لتمييع هذا المفهوم، وخلق بلبلة لدى الجماهير في تعريف ماهية العميل، لذا فتحديد مفهوم العميل مطلب وطني يجب أن يتفق عليه الجميع، خاصة في ظل هذه المرحلة الحرجة، بحيث يقتصر هذا المفهوم على العميل المعلوماتي فقط، للخروج من المفاهيم التي تتسع لتشمل اجتهادات كثيرة، تؤدي إلى خلق البلبلة والارتباك من جراء ذلك. (عباس،2000: 87)

ويعرف الباحث الجواسس والعملاء نظرياً: بأنهم ” أولئك الأفراد الذين تم ربطهم مع أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية العاملة، بهدف تقديم معلومات آمنية، قد تضر بمصلحة الأفراد والمجتمع “. ويعرف الباحث الجواسس والعملاء إجرائياَ: بأنهم ” أولئك الأفراد الذين تم إسقاطهم وربطهم مع أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية العاملة في المناطق المحتلة، وكانوا يحملون مفهوماً سلبياً عن ذاتهم وعن الآخرين من حولهم، وتوحدوا بآخر الآخر(هم) العدو. وقاموا بأنشطة أو خدمات تفيد هذا الاحتلال، قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بهم أو بالمجتمع الذي يعيشوا فيه.

أنواع العملاء:

إن الجاسوس أو العميل ليس مقتصراً على فئة دون أخرى، أو طبقة دون غيرها، إنما ينبع من كل أوساط المجتمع بمختلف طبقاته الاجتماعية ومستوياته التعليمية والمهنية والأخلاقية. فقد يكون الجاسوس طالباً، أو بروفيسوراً في جامعة، جنديا أو ضابطاً في الشرطة، مراسلا أو وزير في وزارة، ممرضا أو طبيبا في مستشفى، نادلاً أو مديرا لمطعم، مضيفا أو قبطاناً في طائرة، عاملاً أو مالكا لفندق، محررا أو مالكا لصحيفة، مذيعا أو رئيسا للتلفزيون، حارسا أو سفيرا في سفارة، أوقد يكون الجاسوس رئيسا لدولة وعميلا في الوقت نفسه لمخابرات أجنبية. كماأنه قد يأتي من أسرة مفككة مصدعة، وقد يأتي من أسرة متماسكة ومحافظة اجتماعيا. وقد يكون الجاسوس كلي أو جزئي، وقد يكون عميلا مزدوجا. وقد تكون الجاسوسة سكرتيرة حسناء فائقة الجمال، وقد تكون قبيحة لا تلفت الانتباه لأحد لقبحها. وقد يكون الجاسوس أقرب الناس إليك، أباك، أو أمك، أخاك أو أختك، زوجك أو زوجتك، خالك أو عمك، صديقك أو زميلك، جارك أو رئيسك. فالجاسوس سر ولغز لا تنفك أحجيتة إلا بعد كشفه.

والتجسس لم يقتصر على جنس الرجال فقط، ولكن تبرع أيضاً المرأة في ممارسته والقيام به، وقد أعتبر الألمان بأن المرأة الألمانية انفع بكثير من الرجل في عالم التجسس. حيث قال: (هتلر) ” إنني شديد الإعجاب بذكائهن وخططهن النسائية نظراً لتفوقهن بسلاح الإغراء وقدرتهن الهائلة على وضع الطعم القاتل لفريستهما في جو هادئ حقيقة أن النساء الأعظم قوة كامنة في حزبنا السياسي “. لذلك كلف هتلر رئيس مخابراته (زينهارد هيدرينبج) بإنشاء شبكة جاسوسية من الفاتنات الألمانيات، حيث استطاع مع بداية العام 1939 تشكيل هذه الشبكة ونشرها على عدد من بيوت الدعارة الألمانية. وتزعمت عمل هذه المجموعات امرأة ألمانية تدعى (كيمي شيديت) استطاعت بمساعدة رئيس المخابرات أن تزرع كل غرف المتعة في بيوت الدعارة التي تديرها بأحدث ميكروفونات التسجيل آنذاك بغرض التجسس. (عبد الهادي، 1991: 108)

وبرغم وجود قاسم مشترك لكل العملاء، بأعتبارهم نوعية من الناس، يكون لديها استعداد نفسي للعمل في كافة الاتجاهات لمصلحة العدو، دون أي اعتبار لمبدأ أو أفكار أو إخلاق، وانما تحركهم مصالحهم وأهواءهم. وبرغم أن هذه النوعية من الناس متكررة ومتجددة على مدار التاريخ، ولدى جميع الشعوب خاصة المحتله.

إلا أنها متغيره ومتنوعه ومتجدده نتيجة لاختلاف ظروف البلد والتجنيد وطبيعة الشخص الذي يتم تجنيده. فهناك من يتم تجنيدهم لمهمات جمع المعلومات عن محيط سكناه، والذي قد لا يؤدي إلى نتائج خطيرة، إلا أن هناك نوعاً آخر يتورط في جمع معلومات خطيرة قد تؤدي لاعتقال بعض المقاومين، ومنهم من يتم زرعه في السجون الصهيونية على أنه مقاوم تعرض لعقوبة السجن، فيقوم بالاختلاط بالسجناء وسحب معلومات واعترافات منهم تدينهم أمام المحقق الصهيوني فيما بعد، ومنهم من يقوم بالمشاركة في تقديم تسهيلات لعملاء “الشين بيت” أو الوحدات الخاصة لإغتيال المقاومين الفلسطينيين، كما جرى مع بعض العملاء الذين تم إكتشافهم وإعدامهم في انتفاضة الأقصي الحالية.

ويقسم بعض الكتاب والمفكرين العملاء إلى عدة أنواع، وذلك بحسب المهمه الموكله إليهم:

العميل المزروع (الاختراق): وهو نوع خطير من العملاء يمكن أن يكون تأثيره مدمراً على مستوى الجهة المقصودة برمتها. حيث يمكن لهذا العميل الوصول إلى أعلى المراتب، وبالتالي الوصول إلى اخطر المعلومات، التي قد يؤدي الوصول إليها إلى تدمير البلد برمته. وقد دلت الأحداث خلال فترة الاحتلال، على مدى تركيز العدو على هذه النوعية من العملاء باختراق التنظيمات الفلسطينيه والتسبب في اخطر الضربات للحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية من خلال الوصول إلى المعلومات القيمة التي نقلوها إلى العدو.

كما أن للعميل المزروع دور تخريبي ليس فقط في مجال نقل المعلومات إلى الطرف الآخر، ولكن أيضاً في إحداث المشاكل والبلبلة، وتكوين المحاور والشللية داخل إطار المجتمع، وداخل التنظيمات الفلسطينية نفسها بهدف احداث شرخ في داخلها ومن ثم القضاء عليها.

العميل المزدوج: وهو الذي يعمل مع طرفين دون أن يعلما بذلك. أو أن يعمل مع طرف منهما، ويضلل الطرف الآخر. وللعميل المزدوج مهمات كثيرة يمكن أن يقوم بها منها:

- إحداث اختراق في الطرف المضلل، ونقل المعلومات السرية منه للطرف الآخر.

- إحداث تحويل لاهتمامات العدو بعيداً عن العمل الحقيقي الذي يقوم به هذا  الطرف.

- كشف مخططات الطرف الآخر وطرق تفكيره وتصوره عن الجهة المقابلة.

والعميل المزدوج يكثر استعماله بين الدول التي في حالة حروب مستمرة، كما كان الحال خاصة في فترة الاستقطاب، التي كانت قائمة بي أمريكا والاتحاد السوفييتي سابقاً ابان الحرب الباردة. وعلى صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية فقد حدث ذلك الأمر، ولكن بندره كبيره جداً .

العميل الحزبي أو السياسي: وهذا النوع من العملاء هو الأكثر خطورة. لأن نشاطه غير مقتصر على إطار تنظيمي محدد، ولكن يتعدى ذلك إلى المجتمع برمته والذي من آثارة:

- توجيه الجماهير حسب رؤية العدو ومصالحه.

- التفريط في منجزات الشعب لصالح الأعداء.

- طرح رؤيا وقضايا هامشية للتضليل والبعد عن الأهداف العامة للشعب.

وعلى مدار التاريخ وجد العديد من هؤلاء الذين امتزجت مصالحهم وأهواءهم مع قضايا الوطن والشعب. فركبوا الموجة للوصول عبرها إلى تحقيق رغباتهم دون اعتبار لمصالح شعوبهم فضحوا بالكثير باسم الوطن والوطنية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، سيء الذكر مصطفى كمال اتاتورك. الذي ساعد الإستعمار في تحطيم دولة الخلافة، باسم المحافظة على تركيا وتحديثها. ولكن في الحقيقة كان ينفذ أفكار ومطامع الإستعمار بشكل عام، ومصالح يهود الدونمة في تركيا والحركة الصهيونية بشكل خاص، والتي كانت ترى في بقاء الخلافة الإسلامية العقبة الرئيسية في وجه تنفيذ خطتها في السيطرة على فلسطين.

العميل الفكري: وهو العميل الذي يحمل أفكار ومن خلالها يقتنع بضرورة سيادة هذه الأفكار في المجتمعات الأخرى ولديه الاستعداد لأن يخون وطنه في سبيل تحقيق انتشار هذه الأفكار. وقد لا يتقاضى أي اجر، بل يمكن أن يدفع الكثير من سبيل ذلك، وهو لا يعتقد بأنه يرتكب جريمة أو خيانة في ذلك. وقد ساد هذا النوع من العملاء زمن الصورة المثالية عن الأفكار الماركسية أو القومية العربية.

ولكن المفكر (صالح عبد الجواد) يقسّم التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي إلى أربعة أنواع هي: الأوّل: العميل التاجر، أو سمسار الأرض: يتدخّل هذا الشّخص بين الإسرائيليّين – إمّا مستوطنون أو الصندوق القوميّ اليهوديّ- والسكّان الفلسطينيّين من العامّة لكي يحصل على الأراضي الفلسطينيّة منهم ثم يسلمها لليهود. ولأنّ الفلسطينيّن بصفة عامّة يرفضوا أن يبيعوا أراضيهم لليهود. يقوم السمسار بشراء الأرض مدعياً أنها له، ثمّ ينقل ملكيتها إلى الإسرائيليّين.

وهذا النّوع من العملاء كان حاضرا منذ بداية القرن الماضي. ثم أخذت الحركة القوميّة الفلسطينيّة موقف المعارضة من ذلك عام 1935-1948، واجمعت على تحريم هذه الممارسة، ثم صدرت فتوى بقتلهم، وبتحريم دفنهم مع المسلمين. (عبد الجواد،2001: 33)

النّوع الثّاني: العميل هو الوسيط: يعمل هذا العميل كوسيط بين الاحتلال الإسرائيليّ،  وبين السكّان المحليين. وانتشر هذا النوع بعد الاحتلال الإسرائيلي لباقي فلسطين عام 1967، حيث أنشأت إسرائيل نوعاً من الإدارة المدنية لتمرير مطالب السكان عبرها، ومثل العملاء وبدعم من الاحتلال المفتاح لتنفيذ احتياجات هؤلاء السكان. وأحيانًا كان الأفراد يفضّلون أن يذهبوا خلال العملاء الوسطاء المعروفين ليحصلوا على عملهم، أو مصلحتهم بدلاً من التّعامل مع الإدارة بأنفسهم تخفيفاً على أنفسهم من المعاناة المقصودة. ولكن دور هؤلاء العملاء الوسطاء قلّت أهميته بعد أوسلو، وقدوم السّلطة الفلسطينيّة. (عبد الجواد،2001: 23)

النوع الثالث: العميل الخطير أو المسلح: هؤلاء هم العملاء الذين أصبحوا مكشوفين للناس، كسماسرة الأرض المعروفين أو الوسطاء الذين قاموا بتقديم خدمات مكشوفة للاحتلال، وغيرهم. وبذلك أصبحوا معزولين عن المجتمع، بل ومطلوبين له. وبناءً عليه قاموا بالهرب هم وعائلاتهم وسكنوا إما داخل اسرائيل أحياناً، أو في مناطق محددة ومعزولة. كقرية الدهنية في قطاع غزة، وقرية فحمة في الضفة الغربية. والذين قد استعملهم الإسرائيليّون لمصاحبة قوّاتهم الخاصّة في مداهمة بيوت الفدائيين، وقد سلّحوا ليشاركوا في مثل هذه الغارات. مثل العميل المشهور رئيس قرية العملاء فحمة في الضفة الغربية، (أحمد ناتر) من قرية يابيد في مقاطعة جينين. الذي اعتاد أن يمدّ الإسرائيليون بالمعلومات، ويصاحب القوّات الخاصّة في الغارات على منطقة جنين. (عبد الجواد،2001: 25)

النّوع الرّابع: العميل المرشد (الجاسوس): وهذا العميل أوالجاسوس يجمع المعلومات عن أنشطة الكوادر والأعضاء المعيّنين في التنظيمات. سواء معلومات عامّة عن النّشاط السّياسيّ، أو الأنشطه الخاصة، كالعمل العسكري. كأن يعد قائمة بالذين ربّما شاركوا في المظاهرات، أو يحدد من يعيش معهم ودائرة علاقاتهم، وما إلى ذلك من المعلومات العامة. أوقد يصل لحد الإطلاع على المعلومات الخاصة والخطيرة التي تتعلق بالجوانب العسكرية في العمل العسكري. (عبد الجواد،2001،27)

ولكن (مايلزكوبلاند) أحد رجال المخابرات الأمريكيه المشهورين، فيصنف العملاء والجواسيس حسب أدوارهم ، إلى أربعة أنواع ” المجند، والمسهل، والعامل في الظلام، وغير العالم “.

العميل المجند: هو الذي يعمل قرب الهدف الذي يحدد للتجسس ويطلب التجسس عليه. والعميل المسهل: فهو شخص يدخل مثلاً إلى البعثات الدبلوماسية الأجنبية، أو يتصل بالمسؤولين الأجانب مقدماً خدماته طواعية. وعادة ما يكون المسهل شخصاً يريد الفرار من بلاده، وقد تم إقناعه أو إقتناعة بالتجسس، خصوصاً إذا ما كان في موقع حساس. أما العامل في الظلام أو ” النائم “: فهو شخص مولود في البلد، كان قد تم تجنيده قبل سنوات استباقا لعمل التجسس. وهو يتفادى كل أمر يدعو إلى الريبة والشك، وقد يتولى المناصب الحساسة، وبعد سنوات من الولاء والعمل المخلص حتى لبلده الأم، يتم تحريكه في الظلام لاقتراف التجسس والخيانة.

وأما العميل الذي لا يعلم: وهو شخص يتجسس لصالح دولة أجنبية، دون أن يكون يعلم أنه يقوم بذلك. (أمرنجر ، 1992 : 19)

ولكن أحياناً أخرى يصنف بعض الكتاب الجواسيس لثلاث زمر، وذلك بحسب الهدف:

الزمرة الأولى: هي تلك التي تتجسس لوطنها، وهم محاربون أبطال اختاروا أن يخدموا وطنهم في هذا الميدان الخطر. بدل أن يخدموه في ميدان أسهل، وهو ميدان الحرب.

والزمرة الثانية: فهي التي تتجسس علي وطنها، وهم الخونة والجواسيس والعملاء للعدو.

والزمرة الثالثة: فهي الجاسوس التاجر ” المرتزق “، الذي يتجسس للتجسس. وهم الذين يحترفون التجسس حباً به وسعياً وراء المغانم والمطامح، أوحباً للمغامرة. وهذا إنسان يعتبر مغامر طماع خائب مصاب بالتثبيط، ومنحرف. وقد يكون جباناً أو محباً للانتقام.

وهذا النوع الخاص من الجواسيس – المرتزقة – يجعلون من الجاسوسية مهنة لهم يبيعون الأسرار التي يحصلون عليها لهؤلاء وأولئك من الفريقين المتخاصمين، دون تمييز إلا ما  يخص قيمة السعر الذي يحصلون عليه، لا سيما وأن من هؤلاء فريقاً يكون عميلاً مزدوجاً – أي أنه يعمل مع فريق من المتحاربين وفى نفس الوقت يعمل ضده – إنهم محترفون باردو العاطفة جامدو الأحاسيس خطرون لا يهمهم إلا المال ولا يؤمنون بقيمة أو وطن أو خلق وهم أخطر أنواع الجواسيس وأحطها على الإطلاق. (عاقل، 1973: 232-234)

هدف التجسس والتعامل:

تسعى الدول بغية معرفة أسرار بعضها البعض في بث جواسيسها هنا وهناك، خاصة في الدول التي تتشابك بينها المصالح، أو تختلف العقائد للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تفيدها في مواجهة الخصم. (عبدة، 1992: 112)

ولا بد أن يكون للتجسس في بداية الأمر ” هدفاً “، هذا الهدف ربما يكون بلداً بأكمله، أو يكون وزارة في حكومة، أو منشأة عسكرية، أو مصنعاً، أو مختبراً للأبحاث، أو مركزاً للتسوق، أو للاتصالات، أو تنظيماً سياسياً، أو أفراد. ومع اختيار الهدف يتم اختيار طريقة الحصول على المعلومات المطلوبة. (أمرنجر، 1992 : 170)

إن كل المهام التجسسية تهدف إلى شيء واحد يخدم في النهاية مخططات الدولة وفق مصالحها وسياستها، وبالمقابل يعتبر هذا الهدف هو استهداف دولة معينة لإخضاعها بعد إضعاف معنوياتها واضطراب استقرارها. وهذا ما يُعرف في قاموس الجاسوسية بإنهاك العدو- وهذا لا يتم إلا بإخضاعه لمعرفة ما يخطط له ويفكر به – وكذلك القدرة على تقدير حجمه، فإذا كنت مثلاً تبغي التيقن مما يرمي إليه عدوك فعليك أولاً أن تقدر قدرة خصمك  مثلما تقدر مهارته، في لعبة البوكره ثم تضع نفسك مكانه، وتفكر بما يفكر به لفترة، وبعد ذلك تضع خطتك وتتصرف كما لو كنت مكانه في تلك الظروف.  (كوبلاند، 1990: 19)

إن أغلب المخابرات في الدول، تسعى إلى معرفة أوضاع كثيرة عن غيرها، ليس فقط الأوضاع العسكرية الصرفة لدى العدو المباشر. ولكن كذلك معرفة الأوضاع الصحية، مثل مقدار تفشى الأمراض الوبائية والجلدية، ومقدار توفر المياه، والزراعات التي يعيش عليها العدو، ومصانعه، والقدرة الإنتاجية عنده، وأوضاع العمال المعيشية، وكيفية تحريكهم لإعلان الإضراب في الوقت اللازم لدحرجة إنتاج البلاد إلى الهوة، والوضع النفسي في البلاد، والمواطنون ودرجة إطمئنانهم إلى سلامتهم ومستقبلهم، وتأيدهم لحكومتهم، ونسبة هذا التأييد، يفضلون أي حكم ولو احتلالي على حكمهم، ومدى إستعداد الأفراد للخيانة بسبب نقمتهم على الحكم القائم، والحد الذي يتقبلون به هجوم جيش أجنبي وتمركزه عندهم كمحتل، وطبيعة مشاكلهم المعيشية التي يمكن أن يحلها لهم الجيش المحتل، أو الذي سيحتل بلدهم حتى يتعايشوا ويتعاونوا معه،  والتعرف على ” راتب ” الجندي، وترتيبات حكومته لتجعله يطمئن إلى مستقبل عائلته إذا اعتقل، أو أسر، والتعرف على صحة هذا الجندي وأعصابه، وكيف يمكن إثارته وتثبيط عزيمته نفسياً حتى لا يقاتل. ونوع سلاحه وكمية ذخيرته، ودرجة إطمئنانه إلى الشعب الذي يقاتل من أجله، ومدى التجاوب بينه وبين سائر الشعب، ومعرفة هل يقاتل مندفعاً من أجل شعب بلاده، أو هل دخل الجيش من أجل لقمة العيش، أم لأجل الحفاظ على الوطن، والتعرف على عقيدته السياسية والوطنية ومدى ثقته بالضابط الذي يقوده، وكل هذه الأمور قد تفيد في تحديد السياسة تجاة هذا البلد. ومن هذا يتبين مدى أهمية وخطر التجسس والتعامل ليس في زمن الحرب وحده، بل يمتد في أيام السلم أيضاً إلى جميع الميادين الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية والمعنوية وغيرها، كما تشكل الدعايات الخبيثة والإشاعات التي يطلقها الجواسيس والعملاء، من أمضى الأسلحة التي تعمل على تفكيك وحدة الشعب بشتى الوسائل. والتسريع في تفويض اللحمة الداخلية له.

هذا على مستوى الهدف البعيد والعام، أما على مستوى العمل الميداني، فإنه يبقى الحصول على المعلومة هو الهدف الأهم، وتجميع البيانات التي تخدمه هو المغيار الحساس في هذه العملية. وبعبارة أخرى فإن الأمر المطلوب فهمه هو الإمساك بالمعلومات بكل ما في العبارة من معانٍ، ومهما كانت الوسيلة أخلاقية أم غير أخلاقية، ثمنها القتل أو التضحية بالنفس، ترفع شأن الوطن أو تقوض أركانه. مثل هذه السعة في الفهم هي بالطبع أوسع من قابلية أي كائن بشري فرد، ولكنها جميعا ضرورية للظفر الصحيح في نطاق الأعمال الاستخبارية. (عبدة ، 1992: 37)

ومن أجل تحقيق هذا الهدف التكتيكي على الأرض للتجسس، ومن أجل الظفر بالمعلومة، تعمل جميع أجهزة المخابرات في العالم على اصطياد العملاء لتسخيرهم للعمل لصالحها بالإغراء تارة، وبالتهديد بمختلف الوسائل، حتى اللاأخلاقية في بعض الأحيان. (الجزائري،1992 :121)

وأحياناً يأخذ البحث عن هؤلاء العملاء شكل بناء العلاقات الخاصه مع العميل، بأعتبار أن عمل المخابرات هو السعي دوماً لإيجاد حلفاء ” عملاء ” محليين يبدون استعداداً للتعاون معهم، لأن أسلوب العمل السري في أساسه هو التغلغل الذي لا يأخذ أحياناً شكل الاستخبار، وإنما يأخذ إنشاء صلات وثيقة وحميمة يمكن دعمها بالمال عند الضرورة أو الاستغناء عنها حسب الظروف. ( الجزائري،1992،22)

خطورة التجسس والتعامل:

   إن الجاسوسية سلاح قديم جديد، كان له دور هام في زمن الحرب والسلم، وهي من أنجع الأسلحة، حيث تحاك في الخفاء وتؤتي ثماراً أهم وأخطر من غيرها. وتعد معركة الجاسوسية من أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة من معارك، ذلك لأنها معركة خفية وتعتمد على الخيانة والتسلل تحت ظروف عادية داخل الدولة، وجمع المعلومات لتمكين العدو من الاستفادة منها.   وتكمن خطورة التجسس في كونه من أهم وأنجع الأسلحة لصالح البلد، وفي نفس الوقت يعد من أخطرها وأشدها فتكاً على الأمة لأنها تنكشف من داخلها، فهو الوسيلة الأهم في الحصول على المعلومات عن العدو، سواء تمّ ذلك  بواسطة الجواسيس والعملاء أو بالأرصاد واستخدام الأجهزة المتقدمة سرية كانت أم علنية. (الدغمي ،1985 : 32 )

ومن خطورة كذلك، أنه لا يقتصر على تهديد الأمن العام للبلد وإنما يعتبر بمثابة استهداف ” للأمن الشخصي ” لكل مواطن عربي، ولذا فالمعرفة بهذه الأجهزة وعملها، بدءاً من تاريخها، إلى تركيبها، إلى مجالات نشاطها، إلى أساليب عملها، تشكل جزءاً من حصانة المواطن العربي الفلسطيني في مواجهتها. (الجزائرى، 1992: 16)

وتبرز خطورة التجسس البشري، أي التعامل من قبل العميل على الأرض، من خلال أنه ما زال الوسيلة الأهم برغم تطور أجهزة الاستطلاع والتجسس الإلكترونية الحديثة، سواء بالأقمار الصناعية، أو الطائرات أو غيرها، فإن أجهزة المخابرات ما زالت تعتمد في جمع المعلومات وتفسيرها، على العميل نفسه الذي تتمكن من تجنيده باعتباره يستطيع كشف ما لا تستطيع الأجهزة الأخرى كشفه مهما بلغت من التطور والتعقيد. (الجزائري، 1994: 143)

ومن أشد العملاء والجواسيس خطورة، هك أصحاب البلد، وذلك لإن مراقبة الخونة من أهل البلاد تعتبر أشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب، وذلك لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يبديه نتيجة جهله بالعادات المحلية، أما الخائن لوطنه الذي يتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية فهو مواطن كغيره من المواطنين، لا يحتاج إلى أن يتخفى وراء مظهر خادع، فضلاً عن أنه يعرف بلاده، وله حق قانوني في أن يتنقل في أرجائها، ولهذا فان مراقبة الخونة المحليين أصعب بكثير من مراقبة الجواسيس الغرباء. (عبده، 1992 : 61)

أهمية التجسس لدولة إسرائيل:

أما بالنسبة لإسرائيل فقد كان التجسس برنامجًا استراتيجيًّا لها منذ نشأتها عام 1948، وقد استفادت الدولة العبرية من ذراع المخابرات لمنظمة “الهاغاناه” السرية العسكرية التي قادت الإرهاب اليهودي ضد الشعب الفلسطيني أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث قرر بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني – بعد الإعلان عن الدولة العبرية بأسابيع قليلة – الاستفادة فوراً من ذراع ” الهاغاناه” السري المسمى “شاي”، لتشكيل نواة أجهزة الاستخبارات، وهي: (الاستخبارات الخارجية “الموساد”، الاستخبارات العسكرية “أمان”، الأمن العام “الشين بيت”).

ومن خلال هذه الأجهزه دخلت إسرائيل معركة الجاسوسية مع العرب بقصد العدوان عليها، وفي سبيل هذا الغرض أطلقت جواسيسها داخل البلاد يجمعون لها الأسرار العسكرية والمعلومات التي تتعلق بالنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والاجتماعي للدولة العبرية، وحتى أرقام الهواتف الهامة، وهذا ليس عبثاً من جانب العدو، وإنما هو عمل مخابراتي أصيل، وهو عمل تخريبي يؤدي لنتائج خطيرة فيما لو أتيح للعدو الإسرائيلي استعمال هذه المعلومات. (الجزائري،1991 :482)

 وبعد حرب 1967 واحتلال اسرائيل لما تبقى من الأراضي الفلسطينية، أصبحت مهمة هذه الأجهزه الأهم هو مراقبة فلسطيني المناطق المحتلة في الضفة الغربية وغزة، والحيلولة دون نجاحهم في تنظيم ثورات ضد الاحتلال. وبناءً على ذلك نشط “الشين بيت” في تجنيد المخبرين من الفلسطينيين لجمع المعلومات عن الفصائل الفلسطينية في مختلف المدن والقرى الفلسطينية.

إن طبيعة أهداف التجسس الصهيوني، تتحدد من خلال طبيعة الاحتلال الصهيوني نفسه، القائم على الاستيطان وإحلال شعب مكان شعب آخر، والتي جعلت من المستحيل على العدو الصهيوني أن يحقق أهدافه التوسعية من دون الاستناد إلى قدرات استخبارية عالية، وجيشٍ من العملاء يمكنهم من تحقيق أهدافهم، فضلاً عن استخدام هؤلاء لضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية، وردع أي فلسطيني يظهر مقاومة لمحاولات الإخضاع والتخويف تمهيداً لتفريغ الأرض منهم لصالح المستوطنين وغيرهم.

وحتى اليوم لا تزال سياسة زرع العملاء، وتجنيد أعداد بشرية كبيرة. سياسة ثابتة للكيان الصهيوني – لم تتغير- حتى مع توقيعه لاتفاق أوسلو مع السلطة الوطنيه الفلسطينية، ورغم امتلاك العدو الصهيوني للعديد من الوسائل التكنولوجية المتقدمة للتجسس،  بالإضافه إلى أساليب الحرب النفسيه، وذلك بالترويج في الأوساط الفلسطينية، بأن العملاء موجودون في كل مكان، في محاولة منه لردع الشعب الفلسطيني وتخويفه من الانضمام إلى التنظيمات الوطنيه أو الإسلاميه الفلسطينية، المشاركة في مقاومة الاحتلال. (نوفل، 2000: الانترنت)

أبرز مهام العملاء:

للجواسيس والعملاء مهام كثيرة يقدمون بها بحسب الهدف وطبيعة المهمه، ولذلك فإن لكل عميل مهام خاصة منوطه به. فيذكر العميل المتعاون مع الإحتلال ( ع. ح ) في شهادته 1993لمنظمة ” بتسيلم”  ” أن كل متعاون يوكل إليه وظيفة، وهناك عملاء سريون موزعون في المؤسسات مثل الجامعات، والمستشفيات، والنقابات العمالية، والتنظيمات السياسية .. الخ لجلب المعلومات.

1- جمع المعلومات: هي المهمة الأساس للعملاء والجواسيس. وقد اعتبر (دان رافيف، ويوسي ميلمان) وهم من جهاز الشين بيت الاسرائيلي، أن التركيز لدى الشين بيت كان يتمثل في نقل المعلومات، وقد كان المخبرون يتلقون مبالغ جيدة وسخية ثمن تلك المعلومات عن هذه الجماعات، حيث كانت تحبط بسرعة كبيرة، كثيراً من العمليات بفضل تلك المعلومات التي يقدمها العملاء المدسوسون داخل خلايا الثوار. أو تلك المعلومات التي يتم شراؤها من المخبرين في الشارع، أوعن طريق الإكراه النفسي أو الجسدي لعشرات المشبوهين الذين كانوا يعتقلون في عمليات تنظيف المنطقة المحيطة بمسرح الهجوم. (رافيف، ميلمان، 1991: 337)

2- إختراق التنظيمات: تدعي المخابرات الإسرائيلية ” الشين بيت” بأنها قد اخترقت العناصر العربية المخربة، بما في ذلك خلايا الشيوعيين ومجموعات القوميين العرب، باستخدام المخربين، الذين قد يكون هؤلاء المخبرون من العرب الذين يسكنون نفس المناطق، أو من اليهود الشرقيين الذين يتظاهرون بأنهم عرب، وقد التقطوا أيضاً بعض الجواسيس من السكان العرب المحليين واستخدموهم كعملاء مزدوجين بالتعاون مع المخابرات العسكرية. (الوثائق، 1979: 82)

ويدعي (يعقوب بري) أحد قادة جهاز الشين بيت السابقين، أن الشاباك قد نجح في الكشف عن كثير من الخلايا التنظيمية عبر عملاء مدسوسين من قبل جهاز المخابرات في هذه التنظيمات. وعلى سبيل المثال فقد تم التعرف على خلية عسكرية كبيرة تابعة للجبهة الشعبية في صيف 1991. حيث كان الخيط الوحيد للنجاح بالوصول اليها هو عميل لنا نجح في الانضمام للتنظيم، تم تنشيطه بحذر كبير، بحيث لم يتلقَ تعليماته ولقاءاته مباشرة بل بواسطة نقطة ميته، حيث كانوا يدفنون التعليمات له في موقع محدد، وبعد ذلك يحضر هذا الشخص ويأخذ الكتاب الموجود، ولمعرفتنا بموقع النقطة الميتة فقد قمنا بوضع نقاط مراقبة لمعرفة من الذي يضع هذه الرسائل، ورغم معرفتنا بالشخص الذي وضع الرسالة إلا أننا لم نعتقله، لرغبتنا في جعله طعم في اعتقال الأشخاص المسؤولين عنه. وفي هذه المرحلة زودنا العميل بتعليمات (أن يبلغ التنظيم بأنه وجد قنبلة يدوية وأخذها لبيته، ويريد أن يعرف ماذا يفعل بها) ثم قام بوضع الرسالة في المكان المحدد، وبعد ثلاث أيام تلقى الرد وبه تعليمات مفصلة حددوا له التاريخ والساعة، وحضر إليه في مكان معين بالقرب من حي سكني في مدينة عربية، (وهناك قام بوضع القنبلة في الحفرة التي أعطيناه اياها والتي قمنا بتعطيلها، وقام بدفنها في المكان المحدد حسب التعليمات) ثم قامت وحدة تنفيذية تابعة للشاباك بالاختباء في المنطقة ومتابعة ما يجري، وبعد ثلاث ساعات من الموعد المحدد حضر شخص للمكان نظر حوله للتأكد من عدم وجود أحد، وقام بحفر الموقع. وحمل القنبلة اليدوية داخل سيارته وسافر إلى رام الله، قمنا بمتابعته حتى مبنى سكني بالقرب من المنطقة الصناعية، ورغم صعوبة إيجاد نقاط استطلاع في مناطق عربية، قمنا بأعمال مختلفة من أجل التأكد من متابعة البيت وقمنا بتصوير كل من دخل المبنى، وتابعنا أغلب من خرج من المبنى. ثم عملنا على اقتحام المبنى وتفتيشه، وكان موجود في الشقة شاب يحاول إحراق وثائق، قمنا بالهجوم عليه وللأسف لم نجد شيء مهم. ولكن أثناء التفتيش الدقيق للشقة والحيطان اتضح أن إحدى حيطان المطبخ مبلط بالكرميكا على لوح خشب عبارة عن باب مخفي بداخلها وجدنا شاباً عربياً يختبئ بداخلها وهو من شفا عمرو ومعه بطاقة هوية مزورة، وواصلنا تفتيش الجدران فوجدنا مخبأ في إحداها، اقتحمنا للداخل فوجدنا شخصا آخر، وخلال وقت قصير اتضح أنه فدائي مطلوب منذ خمس سنوات. وفي المخبأ وجدنا وثائق مختلفة وأختام لوزارة الداخلية والإدارة المدنية، بطاقات هوية اسرائيلية. (بري، 1999: 220 – 221)

3-تجنيد العملاء: وقد كانت إحدى أهم المهمات للعملاء الفلسطينيين داخل المناطق، هو ترشيح عدد من الشبان لتجنيدهم من أجل العمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. (عيسى، 1990: 40)

وكان يقوم بذلك خاصة العملاء والمتعاونون المكشوفون والمعروفون، وأما الآخرون غير المكشوفين، فيوجد منهم وكلاء تجنيد، أي وظيفتهم تجنيد العملاء الجدد. وهناك متعاونون للمهمات حيث يرسلون لمهمات في قطاعات وأماكن أخرى، حيث هناك لا يمكن أن يعرفهم أحد. ويقول أحد العملاء في شهادة له لمنظمة بتسيلم (ن) ” أنا كنت وكيل مهمات وأجند عملاء، كما اشتركت في مهمات كثيرة للإمساك برجال المنظمات وخلاياهم أو قتلهم “. ( بتسيلم، 1993: 8)

ويذكر العاملين في الحقل الأمني بأن عملية تجنيد العملاء للمخابرات تمر بأربعة مراحل هي:

- مرحلة الفرز والاختبار: والغرض من هذه العملية الاحتكاك بالأماكن العامة كالنوادي والمطاعم والملاهي، لمراقبة الموجودين من الرجال والنساء. للبحث عن عملاء المستقبل.

- مرحلة الاقتراب وتنمية العلاقات وبناء الدوافع: إذا أثبتت المراقبة الدقيقة أن الهدف صالح للعمل التجسسي، يتم الاقتراب وتنمية العلاقات معه، لإجراء مزيد من التعارف، والوقوف على نقاط الضعف لديه، التي يمكن استغلالها، وتنمية الدافع حسب التعامل. فقد يكون الدافع مثلاً الانخراط في عقيدة معيّنة، كالادعاء بمكافحة الشيوعية، أو العمل من أجل حقوق الإنسان، أو الميل للخمر والنساء، أو لعب الميسر «القمار»، أو الحاجة إلى المال.

- مرحلة تدريب العميل: بعد السيطرة الكاملة على العميل ينال قسطاً من التدريب الجاسوسي على كيفية الاتصال مع الآخرين، واستخدام اللاسلكي، و لشيفرة والكتابة بالحبر السري… الخ.

- مرحلة التشغيل والعمالة: وهي المرحلة التي يبدأ فيها العميل بالعمل بتوجيه من المركز الذي يتبع له، في البلد أو المكان المراد التجسس عليه. (الحسيني،2002: الأنترنت)

4- المشاركة في أعمال إجرامية كالقتل: ووقد وصل بعض العملاء إلى مرحلة اللعودة، وذلك بتوريطهم بعمليات تصفية وقتل للمجاهدين مثل: العميل عياد من جنين الذي كان مخبراً وواحدا من كثيرين يبيعون عيونهم وآذانهم (للشين بيت) في المجتمع، حيث استطاع الإسرائيليون أن يجعلوا منه قاتلاً ضد أبناء شعبه. ولكن عندما تعرض هذا العميل لغضب الشعب وعقابه، وإحتاج إلى مساعدة من الشين بيت، فإنه لم يستطع أن يحميه. (رافيف، ميلمان،1991: 335)

5- منع ثورة الشعبية والانتفاضة: ومن مهام هؤلاء العملاء أيضاً، الحيلولة دون نهوض الشعب وقيامة بثورة ضد الاحتلال، وذلك بزرع بذور اليأس والإحباط، في نفسة وكيانة من جهه، ومن جهه أخرى أن يخبروا الإسرائيليين بأية محاولات كبيرة لتنظيم هذا السخط، وأن يعلموهم بالنشطاء الذين يحاولون تحويل المنظمات المهنية والاجتماعية إلى مراكز قوة سياسية.

6- تصفية وقتل العلماء والمفكرين: ومن المهمات الخطيرة لجهاز المخابرات الإسرائيلي الخارجي “الموساد”، قتل وتصفية العلماء مثل علم الذرة الكبير (المشد)، وكذلك العالم في مجال الإتصال بالأقمار الصناعية (سعيد بدير)، الذي وجد مقتولاً في شقتة بالأسكندرية. والذي تروى زوجته قصة ملاحقته وتقول: ” أنه خلال وجودنا بألمانيا، تعرضنا لعمليات ترهيب شديدة، خاصة بعد رفض زوجي تخصيص أبحاثه لصالح بعض الجهات الأجنبية، التي استخدمت معه كافة السبل لاغرائه.. لكنه أبى وخص مصر بأبحاثه جميعاً. وبسبب ذلك تعرضنا لألغاز عديدة في حياتنا، وكنا عندما نعود للشقة التي نقطنها.. فنلحظ بعثرة أوراقه.. وعبثا بمحتويات الشقة.. وكنا نجد الكتب وقد انتقلت من مكانها لمكان آخر.. وآثار أصابع فوق إحدى الخزائن المرتبة.. حالة من القلق اعترتنا أثناء النوم.. كنا نستيقظ على أصوات غريبة.. نضيء الأنوار فنجد المقاعد وقد انتقلت من موضعها، والصور المعلقة على الحائط نفاجأ بها معلقة في مكان آخر غير مكانها، كأن أشباح خفية كانت تطاردنا، وصرنا نمزح لنتغلب على مخاوفنا. ولكن في أحد الأيام، بينما كان (سعيد) يعبر أحد الشوارع.. كادت سيارة مسرعة إن تدهسه. وتوالت المكالمات الهاتفية على المنزل، ومضمونها واحد، الرضوخ أو التصفية “. (هيرش،1992 :130)

7- التجسس على الدول العربية: ومن أهم أهداف التجسس كذلك لدى الاسرائيليين التجسس عل الدول العربية وخاصة الشقيقة مصر، ومن أبرز عملاء الموساد لهذه المهمة كان بعض اليهود المصريون، أمثال (بول فرانك) والذي جند من أجل القيام بعمليات تجنيد واسقاط وتخريب داخل مصر، وهو الاسم الذي عُرف به هذا الجاسوس الإسرائيلي المحترف في مصر، وفي سجلات المباحث العامة. والذي من المؤكد أنه مجرد اسم مستعار فقط  دخل به هذا الجاسوس إلى مصر، واستخدمه في جواز سفره الألماني. واغلب الظن أن اسمه (افري العاد) الإسرائيلي. (حمودة، 1988:  101)

8- انتزاع الاعتراف من المساجين: أما دور العملاء في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، فقد كان يعتمد بشكل عام على القيام بدسهم في صفوف الشرفاء، أو إظهارهم بمظهر الحريصين على مصلحة الوطن، حتى يقع غيرهم في حبالهم، فهم قد كانوا كمثل العنكبوت ينصب حباله للفريسة ثم يقوم بامتصاصها. (مهنا، ب. ت: 142)

ومن أدوارهم الهامة أيضاً الإنزراع في أقبية الزنازين، أعبر غرف العار، ومن ثم القيام هناك بالتحقيق مع المساجين، أو استدراجهم للاعتراف والتعامل. وتقول منظمة بتسيلم في ذلك ” إن  المعلومات المتوفرة لدينا تطلعنا على أنَّ المتعاون الفلسطيني في السجون يزود بوسائل قتالية عنيفة – وهم يقومون بالتعذيب ليحصلوا على اعترافات من السجناء “. ( بتسيلم، 1993: 10)

ويستعمل العملاء للمواجهة مع المناضلين المعتقلين، حيث يمثلون خلال المواجهة، الأدوار المطلوبة منهم مثل التساقط، والاعتراف بما لديهم من معلومات، والقيام بتثبيط عزم المناضلين.

ويندس بعض العملاء في زنزانات المعتقلين، فيمثلوا عليهم دور المناضلين لكسب ثقته من أجل جمع المعلومات منهم، وإما يمثلوا دور المتساقط لإضعاف وخلخلة الوضع النفسي لهم، أو تمثيل دور الذي صمد وسيخرج إلى الحرية لعدم وجود أدلة عليه، ويعرض خدماته عليه، ويريد أن يحمل له رسالة إلى رفاقه خارج السجن، في محاولة لمعرفة علاقاته التنظيمية، واتصالاته.

ويمكن إجمال المهام التي يقوم بها العملاء داخل السجون الاسرائيلية في عدة نقاط هي:

- تجميع المعلومات عن المعتقلين للاستفادة منها في التحقيق.

- دسهم مع المعتقلين إما للتجسس عليهم، وإما لإحباطهم وتيئيسهم.

- الإلتزام مع المنظمات، ليحصلوا على معلومات عن الأشخاص الذين يتعامل معهم المعتقلين.

- الوصول إلى مواقع القيادة لاستغلالها في جمع المعلومات، وإحداث الفتن، وتشوية المناضلين الموثوقين والتشكيك بأخلاقياتهم، وطلب المعلومات عن المعتقلين الجدد لتقديمها للإدارة المعتقل.

- الدس بين المنظمات المختلفة في السجون، لدفعهم للخلافات والإقتتال فيم بينهم.

- تأجيج الخلافات العقائدية والدينية بين المساجين لشغلهم عن الصراع مع العدو، ولتبرير تصرفات إدارة السجون القمعية معهم، ثم القيام بحملات الطعن والتشكيك بالعمل الوطني.

-الوصول إلى المواقع الحساسة لكشف كل الاتصالات والأعمال ذات الطابع السري والعسكري.

- المشاركه في الزنزانة أو مع أي شخص، في أقبية التحقيق، لأن من يجند في أقبية التحقيق، يكون أكثر خطرا ممن يجند خارجها، لوعدهم بتخفيف الحكم إذا قدموا خدمات تستحق ذلك.

- يقوم بعض العملاء بأعمال من شأنها التشكيك بأخلاقيات المناضلين الصلبين أمام رفاقهم، مثل النوم بقرب أحد المناضلين بوضع معين، واتهام المناضل أنه حاول الإعتداء الجنسي عليه.

- استخدام “غرف العار” لنزع الاعتراف من المساجين. وهي التي يسكنها العملاء الذين تم كشفهم من قبل المساجين، فعزلتهم سلطات العدو لحمايتهم من المناضلين، في أقسام خاصة يسميها المناضلون «أقسام العار»، أو يسمونهم أحياناً بالعصافير. (الجبهة الشعبية، ب.ت: 40)

ظاهرة التعامل والتجسس عبر التاريخ:

للوقوف على حقيقة أي ظاهرة، لا بد من تتبعها عبر التاريخ البشري، وذلك لمعرفة جذورها وامتدادها فيه، ولا يمكن تناول هذه الظاهرة، مجردة من البعد الزماني، لأن له من الأهمية ما للبعد المكاني، بأعتبار أنه من خلال التفاعل الزماني والمكاني لأي ظاهرة يمكن فهمها والوقوف على حقيقتها. كما أنه من خلال التتبع لهذه ظاهرة تاريخياً أيضاً، نستطيع الوقوف على أثر العوامل المنتجة لها باعتبار أن لها جذوراً عميقة في عمر التاريخ البشري، تمتد منذ أقدم المجتمعات الغابرة حتى وقتنا الحاضر، وهى أقدم بكثير من المجتمع المتمدين.

وقد فطن الإنسان منذ فجر التاريخ البشري  إلى أهمية التجسس والاستفادة منه، مما جعله يستغل هذا الأسلوب في صراعه مع القوى المضادة له، بدءاً باستخدام أبسط الأساليب، ووصولاً إلى أعقد الطرق والوسائل والأساليب. (عاقل، 1973 : 232 )

فقد ورد في كتب، قدماء المصريين (الفراعنة) أنهم استخدموا هذا الأسلوب في صراعهم مع أعدائهم، وتؤكد المستندات القديمة أن فن المخابرات ” أي التجسس ” فن قديم جداً. فالمصريون كان لهم نظام تجسس منذ حوالي خمسة آلاف عام، وكانوا يعدون التجسس على أعدائهم فناً ولوناً من ألوان العلم الحربي، وهم أول من استخدم العمليات السرية وإن لم تكن على أساس علمي أو تنظيمي كما عرفت فيما بعد. (الجزائري، 1991:ج1، 9)

ويقول المؤرخ (لاديسلاس فاراجو) المصريون القدماء كان لهم إدارات مخابرات منظمة قبل السيد المسيح بعدة قرون. (الدغمي، 1985 :47 )

أما المؤرخ (هيرودتس) فيذكر من أشكال فن التجسس الذي عرفه قدماء المصريين، أن الرسائل السرية كانت تكتب في صورة وشم فوق رؤوس العبيد، ثم يرسل هؤلاء إلى الأهداف المقصودة، ويذكر أيضاً أن هذا الفن عرف أيضاً لدى الكلدانيين والأشوريين والبابليين. (الجادر،1987: 3)

كما كان أيضاً فن التجسس والجاسوسية وجمع المعلومات شائعاً بين الإغريق والفينيقيين والرومان والحضارات القديمة الأخرى، وعلى الرغم من عسر التكهن بما كان يحدث قبيل ظهور” العهد القديم ” إلا أنه يمكن التخمين بأن معرفة ما بحوزة العدو كان أمر هام لضمان أمن المرء وسلامته. (اللجنة، 1993 : 16)

وفي الإلياذة يتغنى الشاعر (هومر) بقصة رائعة من قصص الجاسوسية ” حين نقل الطرواديون بعض جنودهم ضمن جواد كبير صنعوه من الخشب إلى قلب مدينة العدو ، وسمي ” بحصان طرواده “. (عبده، 1989 ، 12 )

وقد عرف الصينيون أيضاً فن التجسس فقد أكد الوزير الصيني ورجل الاستراتيجية العسكرية   ( صن تسو ) في كتابه ” فن الحرب ” بأن أهمية المخابرات الجيدة تسبق الحرب نفسها.   (اللجنة، 1993 : 16 )

كما برع اليهود منذ القدم، في استخدام أسلوب التجسس ضد خصومهم وأعدائهم. وقد ورد ذلك بوضوح في التوراة، حيث كان التجسس المنظم، في العهد القديم، مهنة معترفاً بها بين الإسرائيليين القدامى، وهم يعتبرون موسى عليه السلام أول من قام  باعتماد التجسس على الأعداء قبل ملاقاتهم. (ديكون، 1991 : 45-46 )

كما أن كل من يقرأ التوراة، يجد بأن نشاط الجواسيس أبان غزو فلسطين، كان له دور بارز.  حيث كان قديماً كثير من اليهود يعتبروا أنه حتى عندما كانت الأسلحة وفنون الحرب بدائية، كان فوز القائد يتوقف دائماً على معرفته بأوضاع العدو وموارده الاستراتيجية. (هاتون، 1980: 5 )

وقد حافظ اليهود عبرتاريخهم على أهمية التجسس لديهم، وذلك إما بدافع الإجلال واما بدافع التشريد والاضطهاد الذي تعرضوا لها عبر العصور. ولهذا فقد احتل اليهود معظم المناصب الهامة للجاسوسية والعمل السري في شتى أنحاء العالم، ففي بريطانيا معقل الجاسوسية شجع البيورتاينون، برئاسة (كروميل) الهجرة اليهودية، وكان (جون ثورلو) رئيس جهاز المخابرات آنذاك أول من قدر اليهود كعملاء ممتازين للعمل معه لصالح بريطانيا. (ديتل، 1993: 6)

كما استخدم ” الاسكندر المقدوني” هذا الفن من خلال الطلائع وفرق الاستكشاف وأكثر ما استعمل الفرسان للكشف البعيد، وهو أول من استعمل الحصن في الجبال للكمائن، وأول من اتخذ الجواسيس والعيون على العدو.

وقد كان التجسس أيضاً مهماً لدى المغول، فمثلاً كان (جنكيز خان) رجل الحرب القوي، يرسل الجواسيس بذكاء قبله، كما حصل في التقدم المغولي عبر آسيا في القرن الثالث عشر.

وخلال العصور الوسطى بدأت تتبلور فكرة التجسس حتى في أوقات السلم. حيث لاحظت الحكومات أن معرفة جاهزية الدول الأخرى قبل اندلاع الحرب تحدد نتائجها. ومع تقدم الزمن خلال القرن العشرين، اعتمدت معظم القوى الأوروبية على خدمة الجواسيس في المستعمرات. (بوست، 1994: 3)

وقبل الإسلام نشطت الإمبراطوريات العظيمة في استخدام التجسس على بعضها البعض كدولة الفرس ودولة الروم، حيث كانت الحرب بينهما محتدمة في كثير من الأحيان، واستعمل سلاح التجسس بينهما كوسيلة عسكرية هامة، وكان التجسس يتم في بيوت تجارية يستخدمها الرومان للشئون التجارية في الظاهر وللتجسس على أحوال العرب في السر، ولما ظهر الإسلام اعتمدوا أيضاً على التجسس ضد المسلمين بشكل موسع.

أما العرب في الجاهلية فقد عمدوا إلى استخدام العيون للتجسس على الأعداء في صورة تجار أو مسافرين أو على هيئة سرايا صغيره تتقصى آثار العدو وتسأل من تلتقي بهم من الركبان عن أحوالهم. (الدغمي ،1985 :48-52 )

التجسس والتعامل من منظور الإسلام:

ورد التجسس في القرآن الكريم في قوله تعالى ” يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً”. (الحجرات:12)

وفي قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَ كُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً “. (العسقلاني،ب.ت:448)

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله فى قعر بيته “. وقوله صلى الله عليه وسلم ” من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صب فى أذنيه الإنك يوم القيامة “.

وقد استخدم في التاريخ الإسلامي مفاهيم أخرى للتجسس والجاسوس، تحمل نفس المعنى والمضمون، مثل: مفهوم (العين)، حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً يوم فتح مكة، ” اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها”.

كما استخدم مفهوم (الخائن) بنفس المعنى، وذلك في قوله تعالى” يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرّسولَ وتَخُونْوا أَمْاناتِكِمْ “. (الأنفال: 27)

وقد فسر(عمر بن الخطاب) رضي الله عنه عمل (حاطب بن أبي بلتعه) بالخيانة -عندما أرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم فيها بتحرك الجيش الإسلامي لغزوهم – فقال: يا رسول الله  ” إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني أضرب عنقه “. ولم يشفع له إلا أنه من المقاتلين الأوائل، مع الرسول في غزوة بدرالكبرى.

ولكن في موضع آخر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل أحد العملاء الذين قاموا بالتجسس لحساب العدو، فعن سلمه بن الأكوع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر فجلس مع أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: “اطلبوه فاقتلوه، فقتلته، فنقلني سلبه” رواه البخاري وأبو داود. (ناصف،1932: 401)

وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الاتصال بالعدو وإعطائه معلومات عن المسلمين، لأن في ذلك خيانة لله وللرسول وللمؤمنين، وقالوا: إذا لم يكن لتجسس المسلم تأويل معقول، أو عذر مقبول، وأنه قام بعمله خدمة للأعداء وموالاة للكفار، وكراهية للمسلمين وحقداً عليهم، ومحبة للأعداء وإخلاصاً لهم، واستهتاراً بحق المسلمين ومصيرهم، فإنه يجوز للأمام أن يأمر بقتله تعزيراً ليكون عبرة لغيره “.(الدغمي،1985 :156-161)

وأما إزاء العناصر المعادية والاجنبية يجوز للدولة التجسس على الاعداء، وهو عمل مشروع – مطلقاً – وهو ضرورة من ضرورات الحرب، وقد ندب رسول الله (ص) من يؤديه من صحابته الاجلاء، كحذيفة بن اليمان، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن أنيس، وخوات بن جبير، وعمرو بن امية، وسالم بن عمير، وغيرهم. وبذا، فان المسلمين مكلفون باستطلاع اخبار العدو ومواطن ضعفه، ومواقع آلياته، وحركة جنده، ويعتبر ذلك كله جهاداً في سبيل الله، يجزى فاعله خيراً: لقوله تعالى “ولا ينالونَ مِن عدو نيلاً إلاَّ كتبَ لهُم بهِ عملٌ صالح”. (التوبة:120)

وقد استعمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم الجواسيس والعيون ضد الأعداء منذ فجر الدعوة، ففي طريق هجرته من مكة إلى المدينة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه استخدم عبد الله بن أبي بكر جاسوساً له في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله وأبي بكر نهاراً، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر”. (هارون ،130:1373)

وبعد الهجرة إلى المدينة، وتكوين الدولة الإسلامية بدأت المخاطر تزداد على المسلمين ، مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستخدم التجسس  لحرصه الشديد على أن يعرف عن خصمه كل ما يستطيع أن يعرفه، حيث كان يبث العيون في مكة ليأتوه بأخبارها، ومنهم عمه العباس بن عبد المطلب، وبشر بن سفيان الفنكي. (مناصره،1991 : 124)

وقد أرسل له العباس بوقت خروج قريش لقتاله في أُحُد، كما أعلمه بعدد قواتها، وأسرع حامل رسالة العباس وقطع المسافة في ثلاثة أيام ليبلغه الخبر، وقد كان العباس يرغب في الهجرة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب إليه:إبق مقامك في مكة. (الدغمي،1985 : 59)

كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يهتم باقتفاء أخبار العدو واستطلاع خباياهم، فكان يبعث العيون ليأتوه بخبرهم، وقد أرسل عبد الله بن جحش سنة اثنتين للهجرة في اثني عشر مهاجراً بعد أن دفع إليه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما مضى اليومان نظر عبد الله فإذا فيه ” إذا نظرت إلى كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد لنا قريشاً، وتعلم لنا من أخبارها “. (نوفل، 1983 :110)

كما بعث صلى الله عليه وسلم بسبس بن الجهني وعدي بن الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره. (هارون،1374: 156)

وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ هوازن وثقيف أرسل  “عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ” ليأتيه بالمعلومات اللازمة عنهم، فدخل فيهم، وعرف ما أجمعوا عليه، وسمع من مالك بن عوف قائد هوازن، ثم جاء إلى رسول الله يخبره بالخبر. وفي غزوة الأحزاب، جاء ” نعيم بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يكلفه بأي عمل يقوم به ضد المشركين، حيث إن قومه لا يعلمون بإسلامه، وقال يا رسول الله ” مرني بما شئت ” فقال صلى الله عليه وسلم ” إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا. (الدغمي، 1985 :59-70)

وعندما أشتد الكرب في هذه الغزوة، أرسل صلى الله عليه وسلم “حذيفه بن اليمان” للتجسس في صفوف العدو. وقال له: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم ، وفعلاً ذهب “حذيفة” ودخل صفوفهم واسترق السمع عليهم ، وجاء بخبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.      (أيوب، 1977 :264 )

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير: ( أنا ) قالها ثلاثاً، ويجيبه الزبير، ثم  قال صلى الله عليه وسلم: إنّ لكل نبي حواريين وأن حواري الزبير. رواه الشيخان. (ناصف،1932: 402)

ومن بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ظل الصحابة والتابعين يهتمون في حروبهم بالعمل التجسسي، وليس أبلغ في ذلك من وصية (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه لقائد جيشه في مصر التي يقول فيها: “ابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم قوة لهم على استعمالهم الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان فإن أحداً منهم بسط يده إلى خيانة، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه”. (مناصره، 1991 : 186)

التجسس والتعامل إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين:

ارتبطت ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني في فلسطين بمجرد دخوله للبلاد، عام (1916)، حيث حدد دوره بداية في إتجاهين الأول: تثبيت سياسة فرق تسد وتمزيق بنية الشعب الفلسطيني وقواه، وتكريس تناقضاته، والاتجاه الثاني: تثبيت المشروع الاستعماري الصهيوني على الأرض الفلسطينية. ووفق هذا المنطق بدأ الاستعمار البريطاني يبحث عن دعم ومساندة له من بعض الشرائح والطبقات الاجتماعية وبعض الأحزاب والمؤسسات، وشكلت الطبقة البرجوازية الإقطاعية، الشريحة المتعاونة مع الاحتلال آنذاك، ومن هذه اللحظة نبتت أول شجرة للعملاء والمتعاونين، الذي شكل السماسرة، والوجهاء وباعة الأراضي، أهم ملامحها، وإلى جانب مساعدة هذه الطبقة  للاحتلال البريطاني، فقد أفلح كذلك في خلق أحزاب وقيادات لصيقة به إرتبط مصيرها بمصيره، فبدأت تأخذ دورها في تشويه سمعة الثورة الفلسطينية. وهكذا شكلت ظاهرة المتعاونين تاريخيا خنجراً مسموماً في ظهر الشعب والثورة. (البيومي، 1994 : 13 )

وعلى أثر تفاقم وتنامي هذه الظاهرة قام القسام ورجاله بملاحقة هؤلاء العملاء والجواسيس، الذين يتعاملون مع الإنجليز واليهود، جنباً إلى جنب في حربهم العسكرية ضد القوات العسكرية البريطانية والصهيونية، وعُرف آنذاك من العملاء الخطرين الذين تم تصفيتهم (حليم سبطه، وأحمد نايف، ومحمد العصفوري) من حيفا، و(يوسف جليله) من عرابة و (سليم فرج) من يافا، وآخرون. (حموده، 1985 : 118)

وبفعل هؤلاء وأمثالهم أفلح المحتل البريطاني في تمزيق الشعب الفلسطيني وتحطيم وحدته، حيث إنه في الوقت الذي كان فيه القسام ورجاله  يوجهون الرصاص للإنجليز والصهاينة على حد سواء، كان خط الوجهاء والمتعاونين مفتوحاً على المحتل البريطاني يشكل معه أداة قمع للشعب والجماهير.

 

إسرائيل دولة التجسس والجواسيس:

اتصف اليهود بالبراعة في فن التجسس والتعامل عبر تاريخهم الطويل، كما امتاز الجواسيس والعملاء منهم بروح الغدر والخيانة وعدم الأخلاق، من أجل إصابة أي هدف يريدوا أن يحققوة.

حيث كان لهم دور نشط في أغلب عمليات التجسس في أوروبا في القرن الحالي، وقد  عمل بعضهم جواسيس مزدوجين، وأحياناً عملاء لثلاث جهات، مستخدمين التجسس مهنة، وليس دعوة وطنية. ( ديكون، 1991: 53)

كما سخرهم الإنجليز لأعمال الجاسوسية في فلسطين لخدمة مخططاتهم الإستعمارية، وكانت كبرى هذه الأعمال قيام عائلة (أرون أرنسون) اليهودية بإنشاء شبكه تجسسية في محطة تجريبية في عتليت على الساحل الفلسطينيي، وعبر ذلك كانوا يكتسبون تدريباً متواصلاً ويحرزون خبرة عالية في التجسس الذي أصبح ذا قيمة هائلة لهم حين أقيمت إسرائيل، وجعلهم بذلك يحرزون تقدماً سريعاً في هذا المجال. حيث يقول ديكون ” لولا الفيلق الصلب من رجال المخابرات الإسرائيلية العاملين من أجل الصهيونية لما ظهرت إسرائيل في الوجود. (ديكون، 1991: 26)

ولذلك بدأ الاهتمام أولاً بالعمل التجسسي، بإنشاء نواة الأجهزة الأمنية باعتبارها أحد ركائز المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة الدولة اليهودية، ويمكن القول إن الاهتمام الصهيوني بذلك النشاط قد فاق بكثير النشاطات الموازية على هذا الصعيد في الدول الأخرى المجاورة، باعتبار أن الحصول على المعلومات السياسية والاقتصادية والعسكرية، واختراق الأجهزة الموازية في الدوائر المحيطة بفلسطين، أمراً حيوياً وضرورياً لإنجاح المشروع الصهيوني، وخاصة على صعيد استجلاب المهاجرين اليهود عبر الدول العربية إلى فلسطين، كما كانت الأجهزة الأمنية حيوية وضرورية للحفاظ على الأمن الداخلي للمشروع ومؤسساته. (الجزائرى، 1992: 17)

ومن هذا المنطلق بدأت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لولادتها تشحذ هممها وترسل الجواسيس والعملاء ليتجسسوا على الدول العربية، مما جعل أتون الحرب السرية بين المخابرات العربية والإسرائيلية تستعر وتشتد. وقد أفلحت مخابرات الدول العربية في اكتشاف وتفكيك بعض أو أكثر شبكات التجسس التي أقامها اليهود في البلاد العربية.

ومن أهم الشبكات التي تم اكتشافها تلك الوحدة التي شكلتها الموساد للقيام باغتيال العلماء الألمان الذين قدموا لمساعدة مصر فنياً وعلمياً، والتي ترأسها جاسوس ألماني إسرائيلي، يدعي (فولفجانج لوتز) الذي كانت أمه ممثلة يهودية تزوجت من ألماني يعمل مديرا لأحد المسارح، ثم هربت إلي فلسطين عام 1933. والتحق (لوتز) هناك بعصابات الهاجاناه، ووصل لرتبة ميجور في مخابرات وزارة الدفاع الاسرائيلية. وبسبب ملامحه الالمانية الأرية، أرسل للعمل كجاسوس بين العلماء الألمان في مصر. وقد إستغل الموساد أساليب الإبتزاز والإرهاب لإجبار المسئولين الألمان علي التعاون معهم. وتم تدريب (لوتز) في مؤسسة تابعة للمخابرات الألمانية. ثم سافر إلي مصر متنكرا في شخصية ألماني يتحدث اللغة العربية، واستأجر فيلا في ضاحية مصر الجديدة وتظاهر بأنه من هواة تربية الخيول العربية، وإنضم لعضوية نادي الفروسية في الجيزة. وعبر هذا الموقع، استطاع الدخول في صداقات عديدة مع هواة الخيول. ودخل في مجتمع الألمان الذين يقيمون في مصر، حيث كان ينفق عليهم بسخاء، ويقيم لهم الحفلات من أموال المخابرات الإسرائيلية. ونظرا لخبراته الهائلة في المجال العسكري، استطاع أن يزود الموساد بمعلومات خطيرة عن برامج الصواريخ المصرية. وعلى أثر ذلك، وفي مواجهة هذا الوضع، قررت أجهزة المخابرات الاسرائيلية عام 1962 تنفيذ عملية في مصر أطلق عليها اسم ” دامو كليس” تتمثل في تدبير اغتيالات وتفجيرات ضد العلماء الألمان في مصر. وتم ارسال خمسين خطاب تهديد لهؤلاء العلماء وبعد ذلك، بدأت شحنات الطرود الناسفة تنفجر في العلماء الألمان. وواصل لوتز عمله السري في مصر وهو يشعر بأنه في أمان تام لدرجة جعلته يتجاوز كل حدود الحيطة والحذر. ولكن عندما حصلت مصر علي بعض الأجهزة الإلكترونية المتقدمة من الاتحاد السوفييتي، تمكنت المخابرات المصرية من رصد رسائل الراديو التي كان (لوتز) يبعث بها لاسرائيل، وتم القاء القبض عليه في عام 1965 وقدم للمحاكمة. (شهيب،2002: الأنترنت)

كما سعت كذلك للتعرف على السلاح العربي، حيث أغرت العميل الطيار (عباس حلمي) في بداية عام 1964 بالهرب بطائرته السوفيتية التي كان يعتقد بأنها طائرة الميج السوفيتية الحربية، ولكن لخيبة الموساد الإسرائيلي لم تكن الطائرة ميج بل كانت طائرة تدريب من نوع ياك سوفييتية الصنع، ومع ذلك استقبلت إسرائيل عباس حلمي بالترحاب الشديد وقام الموساد باستجواب عباس حلمي عن كل شيء عن الطيران المصري، وذلك لمدة أسابيع كاملة، بعدها طلب الخائن الثمن. وبعد أن عرض عليه رئيس الموساد العمل في إسرائيل وجد عباس حلمي انه لم يتأقلم مع الجو العام، وطلب إعطائه هوية جديدة وغطاءً مدنياً جديداً، ومساعده الموساد للسفر إلى الأرجنتين. (مجدي، 1993: 82)

ولم يقتصر النشاط التجسسي الإسرائيلي على مصر بل طال هذا النشاط التجسسي معظم الدول العربية خاصة سوريا ولبنان والأردن، ولا ننسى عملية التجسس التي قام بها الموساد الإسرائيلي عبر الجاسوس المشهور (إيلي كوهين) عام 1965 التي ما أن تفجرت هذه القضية حتى كادت تطيح برؤوس الكثيرين من الشخصيات في سوريا، التي كانت تربطها علاقات حميمة بهذا الجاسوس. الذي قدم لدمشق بشخصية جديدة عربية إسلامية من اصل سوري يعيش خارج وطنه، مدعياً أنه رجل أعمال ومستثمر مما جعله ينجح في بناء علاقات وصداقات رفيعة المستوى، ولتحقيق غرضه استأجر شقة في حي أم رمانة في دمشق، القريب من وزارة الدفاع السورية. ومن هناك كان يرسل عبر اللاسلكي بالمعلومات التي كان يحصل عليها لإسرائيل أولاً بأول. ولم يتوقف حتى تم اكتشافه وإعدامه عام 1996. (بن فورات، دان،2002:الأنترنت)

ومعركة التجسس بين اسرائيل والدول العربية ما زالت  محتدمة حتى بعد توقيع معاهدات السلام من قبل بعض الدول العربية، دليل ذلك اكتشاف شبكة التجسس التي نفذت محاولة  الاغتيال التي تعرض لها (خالد مشعل) أحد قيادات حركة حماس في الأردن، رغم حالة السلام الموقعه بينهما.

والأمر الأغرب حتى أن الحليف الإستراتيجي الأكبر لإسرائيل -الولايات المتحدة- لم تسلم من عمليات التجسس عليها من قبل الموساد الإسرائيلي، حيث بادر رجال الموساد ومنذ بداية العلاقة مع وكالة المخابرات المركزية إلى التنصت على مسئولين في الإدارة الأمريكية، وتسجيل أحاديثهم لابتزازهم من أجل الحصول على معلومات فنية حساسة منهم. وهذا ما كشفت عنه وثائق السفارة الأمريكية في طهران التي استولى عليها رجال الحرس الثوري الإسلامي بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. والتي من ضمنها وثيقة  تبين أن المخابرات الأمريكية اكتشفت ميكروفونات سرية عام 1954 في مكتب السفير الأمريكي بتل أبيب، وكذلك أجهزة تنصت في مكتب الملحق العسكري عام 1956، وذلك على الرغم من توصل جهازا المخابرات الإسرائيلي والأمريكي خلال عهد (عيزرا هاريل – ودالاس) لاتفاق يقضي بحظر الأنشطة السرية لأحدهما ضد الآخر. إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع عملاء الموساد في أمريكا -العاملين في وحدة التجسس الإسرائيلية في أمريكا والتي تسمى ميغا- من القيام بجمع المعلومات عن شخصيات ومؤسسات أمريكية والعديد من الأنشطة من وراء ظهر وكالة المخابرات المركزية، مثل سرقة وثائق شركات ومؤسسات أمريكية، كان أبرزها سرقة وثائق مكنتها من الحصول على عطاء طائرات استطلاع أمريكية تطير بدون طيار، وذلك بعد تخفيض عطائها بقيمة ما كانت ستنفقه على هذه الأبحاث المسروقة. (شهيب،2002 : الأنترنت)

إن الإسرائيليين مولعون، بل ويتباهى بممارسة الأعمال التجسسية. حيث يصف (شامير) رئيس حكومة اسرائيل، أيام عمله التجسسي بقولة: ” لقد كانت أيامي في الموساد هي من أسعد أوقات حياتي “. وعملياً بعد أن ترك هذا العالم الذي يعمل في الخفاء والذي قضى فيه معظم شبابه، بقى على علاقة طيبة بزملائه القدامى في الموساد رغم تركه إياهم.(كوكريدج، 1993، 193)

ولذلك نستطيع أن نجزم بأن دولة إسرائيل التي أقيمت على الأرض المحتلة من فلسطين منذ اغتصابها عام 1948 وحتى تاريخه، هي دولة تجسس، حيث لم تقم بعمل من أعمالها العدوانية إلا وكانت المخابرات الإسرائيلية من ورائها، ويُظهر هذا الواقع التجسسي لهذه الدولة أن هذا الاهتمام ليس بالأمر الجديد، لأنه نما وترعرع مع هذا الكيان جنباً إلى جنب مع صراع الحروب العسكرية. (الجزائري،1991 :425 )

بداية التجسس والتعامل في المناطق المحتلة عام 1967 من فلسطين:

أن ظاهرة التجسس، تشكل حلقة من حلقات الصراع الممتد بين المتخاصمين والأعداء عبر التاريخ، وتزداد هذه الظاهرة في حجمها عندما يتمكن أحد هؤلاء الأعداء من السيطرة والتمكن

من احتلال بلد الطرف الآخر، حيث يتحول هذا التعامل من عمل فردي شاذ وقليل جداً لا يشكل بمجموعة ظاهرة اجتماعيه مؤرقة للمجتمع. إلى ظاهرة اجتماعية تمثل مشكلة اجتماعيه تقلق المجتمع الذي أُحتل، لأن التعامل والاحتلال صنوان لا ينفصلان، فأينما وجد احتلال أجنبي لبلد ما، لا بد من وجود جيش من العملاء له من أهل المناطق المحتلة، يشكلون بمجموعهم ظاهرة مرضية وغير سويه.

ولذلك منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 وبسط سيطرته على الأرض الفلسطينية، أراد التمكن كذلك من بسط سيطرته على السكان أيضاً، وذلك لمحاولة منع أي أعمال تمس أمن إسرائيل. وكرد طبيعي وشرعي للاحتلال الإسرائيلي للمناطق وُجِدَت المقاومة السياسية وغير السياسية من جماعات وأفراد فلسطينيين. مما دفع اليهود لتشكيل شبكة من العملاء بين السكان الفلسطينيين من أجل مجابهة هذه المقاومة واجتثاثها. وذلك عبر تدعيم الارتباط الاستخباري بين العناصر المحلية وبين جهاز “الشين بيت ” بوسائل الإغراء المادي، أو باستخدام القوة والتهديد، أو بأي شكل من الأِشكال الأخرى، التي ينتج عنها نوع من الارتباط بين المواطن، وجهاز الاستخبارات العامة. (أبو هين، 1993 : 2)

لقد كانت أبرز سياسات التخريب التي مارسها الاحتلال منذ البداية وحتى الأن في أرض الوطن، هي سياسة تجنيد بعض الأشخاص لخدمة مصالحه، بسحبهم من الصف الوطني، وزرعهم في جسم الشعب الفلسطيني كخلايا سرطانية، على جميع المستويات، وفي كل الجبهات، وداخل كل الشرائح والفئات الاجتماعيه، التي أصبحت شعورياً وعقلياً ومصيرياً مرتبطة بالعدوالإسرائيلي.

ومن أجل ذلك استغلت إسرائيل جميع الخدمات المدنية وغير المدنية، كمثل: الموافقة على طلبات التصاريح المختلفة – المرتبطة ارتباطاً مباشراً ومشروطا بموافقة جهاز الأمن العام – مقابل الموافقه على التعامل. كما استخدمت أيضاً الإدارة المدنية، بجعل الخدمات المدنية سلاح لابتزاز المواطنين من أجل الارتباط، مما قد أدى إلى سقوط بعض الأفراد في العمالة نزولاً تحت تحقيق هذه الرغبة أو الحاجة. كما لم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بالضغط على الناس باستغلال حاجاتهم مباشرة، بل فتحت المجال لعملائها أيضاً بابتزاز الناس للاستفادة المادية منهم. ومن خلال هذا النشاط أقام الكثيرون من العملاء علاقات مكشوفة مع موظفي الحكومة العسكرية، وجهاز الأمن العام. وقد كانت هذه الروابط مصدراً للقوة والتأثير، وفي بعض الحالات مصدراً مهماً للدخل. (بتسيلم،1993: 3)

ولكن الملفت للنظر أنه برغم هذه السنين من عمر الإحتلال، فإن جهاز المخابرات الإسرائيلي لم يفلح في خلق تجمعاً خاصاً بالعملاء – رغم محاولة إنشاء روابط القرى الفاشله – كما أفلح من قبل الاحتلال النازي في أوروبا من خلق بعض الحكام المحليين المتعاونين معه، وكما أفلح الاحتلال البريطاني في فلسطين بإنشاء بعض القادة والأحزاب التابعة له، حيث كان الفشل قريناً لكل هذه المحاولات، وذلك بسبب العمق الحضاري الذي يفصل اليهود عن المسلمين، ولم يسجل  في تاريخ فلسطين أن تعامل أحدُ، على أساس ديني أو أيدلوجي أو مذهبي، وهذا يعني أن هذه الظاهرة، وإن شكلت كماً لا بأس به على المستوى الفردي إلا أنها لم تتجذر روحياً ووجدانياً وعقلياً لدى الجماهير.

البعد التاريخي وعلاقتة بظاهرة التعامل:

إن التجسس والتعامل، لم ينقطع تاريخياً، وذلك لإرتباطه بالمصالح العليا بين الدول، وخاصة الدول المستعمرة والمحتلة للشعوب الأخرى. حيث يتعلق وجوده دوماً بوجود الاحتلال، الذي لم ينقطع خلال الحقب التاريخية السالفة من حياة البشرية. فمتى وجد الاحتلال زمانياً، فإنه يوجد مكانياً، وإن إختلف هذا الوجود شكلاً ومضموناً من مجتمع إلى آخر، أومن بلد إلى آخر. والواقع المقروء والمشهود يؤكد بأن ظاهرة التعاون مع الأعداء لا يمكن أن توجد إلا في ظل احتلال، فحيثما وجد الاحتلال  تنشط عمليات التجسس والتعاون مع المحتل. أي أن البعد التاريخي لظاهرة التعامل، مرتبط بشكل وثيق بوجود الاحتلال في أي بلد. لذا فإن مفهوم التعامل مفهوماً مقترناً بالاحتلال، أكثر من  مفهوم التجسس الأكثر شمولاً. (عباس،2000: 120)

ويزداد التجسس والتعامل عمقاً وتأثيراً إذا إستطاع المحتل أن يحوله إلى ظاهرة، أو مشكلة اجتماعية يخلقها المحتل، وينشط عواملها الكامنة، ويوفر لها المناخ المناسب الذي يكفل نماءها وبقاءها باعتبار أن أي ظاهرة سلبية، أو أي موقف سلبي حتى على صعيد الفرد لا يوجد إلا بتفاعل المكونات الداخلية التي تشكل شخصيته، بما تشمل عليه من صفات وسمات شخصية، وعوامل كامنة أنشأتها عوامل أخرى سيئة كالتنشئة الاجتماعية الخاطئة، وغيرها من العوامل السلبيه، بالإضافة إلى الموقف الضاغط. فإذا تناغمت المواقف الضاغطة ولاقت قبولاً واستجابة مع المواقف الكامنة حدثت المشكلة، وحدث السلوك الخاطىء، وهو ما يخطط له العقل الاستخباري الإسرائيلي جيداً. حيث برع في خلق المناخ والأرضية اللازمة للتعامل بما يمتلكه من السيطرة على بعض العوامل الكامنة، التي يوظفها للانحدار في الانحراف نحو العمالة والجريمة، وأبرزها المواقف الضاغطة التي  يستغلها لابتزاز الأفراد وربطهم به والتعامل معه.

وهذا يؤكد أن هناك عوامل مهمة أخرى تقف خلف ظاهرة التعاون، وربما تكون أكثر التصاقاً وأهمية من العوامل التقليدية العادية التي تؤثر في الظواهر الأخرى، وذلك باعتبار الظاهرة الاجتماعية انعكاساً للواقع الاجتماعي الذي يحياه المجموع، وتتطور بشكل طبيعي، وفق تطور العلاقات الداخلية للمجتمع. ولكن إذا لم يستطع المجتمع أن يحل إشكاليات هذه الظاهرة، فإنها تتحول إلى مشكلة اجتماعية، ربما تتطور هذه المشكلة سلباً فتتحول إلي أزمة يستعصي حلها والتعامل معها.

مناقشة حجم  ظاهرة التعامل بفلسطين:

من الضروري قبل مناقشة أي ظاهرة أو مشكلة اجتماعية وإخضاعها للبحث والدراسة، من الوقوف على حجمها. ومن أجل ذلك لا بد من مناقشة حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي وفق ما توفر من معلومات وبيانات وذلك رغم الضبابية في تحديد حجمها الحقيقي.

فعلى صعيد الإحصائيات الرسمية لحجم هذه الظاهرة فإنها تكاد تكون معدومة. حيث لم تصدر حتى الآن إحصائيات رسمية معتمده، من أي جانب رسمي، سواء أكان فلسطينياً أو إسرائيلياً. (عباس، 2000: 73)

كما لم يذكر أي مرجع إسرائيلي معتمد عدداً محدداً للعملاء، وإنما هناك تقديرات غير رسمية صدرت في بعض الكتب والمراجع. فعلى سبيل المثال يقدر (روني شاكد ) في جريدة يدعوت أحرنوت، عدد المتعاونين ما بين أربعة آلاف ـ عشرة آلاف متعاون. (أبو نجيله،1998: 40)

أما (دان رافيف، ويوسي ميلمان) من جهاز الشين بيت، فيعتبرا بشكل عام أن مخبري جهاز “الشين بيت” المعروفين يبلغون آلافاً من فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث قالا: ” بأن الجهد الذي بذل في التجنيد من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، قد أدى إلى نشر آلاف المخبرين في المجتمع الفلسطيني، من عمال المصانع حتى المثقفين. (رافيف، وميلمان،1991: 336)

أما منظمة “بتسيلم” فإنها في تقريرها الصادر عام 1993 ، فقد أوردت بأنه قد عملت عدة أجهزة لإجبار الفلسطينيين على التعامل معها، ومن أهم هذه الأجهزة الشاباك والإدارة المدنية والشرطة، والعاملون معها يعملون بصورة سرية أو علنية. وإنه حسب تقديرات مختلفة، يعمل في هذه المناطق آلاف العملاء وغالبيتهم عملاء سريين. ولم يذكر في التقرير عدد المتعاونين مع الاحتلال، ولكنه حصر الذين قتلتهم المنظمات الفلسطينية بتهمة التعاون مع المخابرات الإسرائيلية في الإنتفاضة الأولى بـتسعمائة واثنين وأربعين شخصاً، وذلك حسب إفادة المتحدث الرسمي باسم جيش الدفاع الإسرائيلي. (بتسيلم، 1993 : 4)

كما أكد (فضل أبو هين) أنه لا توجد لدينا دراسات أو أرقام حقيقية عن حجم انتشار هذه المشكلة في الأراضي المحتلة، ولكن المتوفر حاليا هو عدد القتلى من الفلسطينيين بحجة التعاون مع السلطات الإسرائيلية منذ بداية الانتفاضة، حتى عام 1993م.(أبو هين،1993: 2)

كما أنه قد ورد في تقرير عن دراسة للجنة القضائية في الضفه الغربيه يقول فيه ” بأنة حسب المعلومات التقريبية لدينا فإن جهاز الأمن الوقائي وحده في منطقة الضفة الغربية قام باستدعاء ما يقرب من 2000 متهم بالتعامل مع السلطات الإسرائيلية. والموقوف منهم حتى منتصف شهر تموز1996 حوالي 20 فقط لا يزالون تحت التحقيق إلى حين الانتهاء منه، ويتم اتخاذ القرار المقتضي بحقهم.  (اللجنة القانونية، 1997: 14)

ولكن (عطا الله منصور) في مقال له  نُشر في يناير 1994 بعنوان ” ظاهرة القتل للمتعاونين ” يقول: بوجود آلاف من المتعاونين المعروفين للشعب، الذين يعيشون داخل الأراضي المحتلة قبل عام 1948، حيث يواجه المحتلون مشكلة إستيعاب هؤلاء العملاء وعائلاتهم، والبالغ عددهم خمسين ألف متعاون. (أبونجيله،1998: 40)

إن هذا التناقض في طرح الأرقام يدل على أنه ليس هناك اتفاق على تقدير عدد العملاء الذين تم ربطهم بالأجهزة الأمنيه الإسرائيلية، حيث أن جميع المصادر الإسرائيلية والفلسطينية لا تؤكد رقماً معيناً لحجم هذه الظاهرة. وجميع هذه المصادر يكتنفها التناقض والغموض، مع العلم بأن بعض المصادر التي نستقي منها التقديرات لا تتبنى الأسلوب العلمي المناسب في تقدير حجمها.

وبسبب هذا التناقض في الإحصاءات المتوفرة عن هذه الظاهرة، فإن الباحث سوف يكتفي بالتأكيد على وجودها بشكل واقع ومفروض، مع عدم القطع أو الجزم في تقدير حجم هذه المشكلة، والتعامل مع كل الأرقام والإحصائيات بشكل تقريبي فقط. (عباس، 2000: 73)

ويعزي الباحث هذا التناقض والاختلاف في تحديد حجم هذه الظاهرة في عدة نقاط هي:

- خصوصية الموضوع وسريته، واحتكار الأرقام الحقيقية لحجم هذه الظاهرة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها.

- إن تحديد العدد الدقيق هو من مهمة الجانب الإسرائيلي، حيث  إنه الطرف الوحيد الذي يستطيع إعطاء رقماً حقيقياً لهذه الظاهرة باعتباره المسبب الأساسي لها.

- إن السلطة الوطنية الفلسطينية ليس بمقدورها تحديد حجم هذه الظاهرة بشكل قطعي ولكن يمكنها وضع  إطار كمي تقريبي فقط، من خلال ما تم كشفه من العملاء.

- كما يرجع ذلك إلى اختلاف الإسرائيليين والفلسطينيين في تعريف العميل، وحتى خضوع هذا المفهوم في الجانب الفلسطيني إلى الاتساع والضيق من فترة إلى أخرى.

- إن عامل الزمن له تأثير على عدم دقة إحصاء حجم هذه الظاهرة، حيث تمتد زمانياً منذ دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى الضفة وقطاع غزة.

- إن الاتساع الأفقي الجغرافي يلعب دوراً في عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق، باعتبارها ممتدة إلى جميع أرجاء الضفة وقطاع غزة.

- صعوبة تحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال، لتأثر هذا العدد بأهالي العملاء، إذ يعد أهالي العملاء الذين هربوا للسكن في إسرائيل ضمن الحجم المحسوب على هذه الظاهرة.

- إن الحرب النفسية لها دور مهم في عدم التحديد الدقيق لحجمها، حيث ليس كل ما ينشر عن ظاهرة معينة، خاصة إذا كانت هذه الظاهرة في مجال الأمن والسرية يجب الاخذ عليه.

- إن تحديد حجم الظاهرة يتأثر في كثير من الأحيان بالتداخل عند الناس بين الجانب الأخلاقي والجانب الأمني، وقد أثبت الواقع خطأ هذه الموقف.

” العوامل والدوافع المؤثرة في جريمة التعامل “

تمهيد:

لنتوقف قليلاً عند الجاسوس أو العميل نفسه ولنتساءل عنه: من هو؟ ما شخصيته ؟ كيف يصبح جاسوساً ؟ ما الشروط التي يجب أن تتوفر فيه؟ إلى غير ذلك من أسئلة هامة تلقى ضوءاً على شخصية الجاسوس وتوضحها. (عاقل،1973 :232)

هذه التساؤلات وغيرها تؤكد على ضرورة فهم هذه الشخصية قبل الإجابة عليها، وذلك من خلال علم النفس، وعبر منهج علمي دقيق. ولهذا فليس بمستغرب أن تثير شخصية الجاسوس الاهتمام على نحو خاص لدى عالم النفس الذي يستخدم المنهج التحليلي للتعرف عليها. إذ لابد أن تكون حياة الجاسوس حافلة بالصراعات، لأن في داخله قوتين تتصارعان: فهو من ناحية إنسان عادي يسعى إلى تحقيق السعادة والراحة والأمان في الحياة، وهو من ناحية ثانية مسكون بهوى طالح إلى معرفة الأسرار وفك الأحجية الذي قد يذهب به إلى حد القضاء على كل شهوة شخصية. (عبدة، 1989، 33)

كما تبين أن العوامل والأسباب التي تؤثر في تنمية التكوين المهيىء للانحراف بشكل عام، هي خليط من تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل البيئية، حيث أن الانحراف في الموقف الآني، ما هو إلا نتاج الخليط المتراكم من هذه العوامل، عبر حياة الفرد، الممتدة منذ الميلاد، وحتى الممات.

وقد أوضحت بعض الدراسات على المجرمين والمنحرفين، أن دوافع الجريمة والانحراف ليست محددة، بل تنبع من تفاعل أكثر من عامل، ولهذا يجب البعد عن العلاقة السببية في تفسير ظاهرة الجريمة والانحراف -التي ترجع تفسير الظاهرة بعلة أو بسبب واحد- والبحث عن السبب بمعنى العامل الذي يرجح ارتباطه بعلاقة ما مع العوامل الأخرى في تفسير هذا السلوك. حيث أشار كثير من العلماء إلى فشل المحاولات التي ترجع الجريمة إلى عامل سببي واحد، لعدم وجود سبب واحد لها وذلك نتيجة للتفاعل المعقد بين العديد من العوامل الشخصية والخارجية في بلورة السلوك الإجرامي. وقد ذهب العالم المشهور في علم الجريمة (كابلان) إلى أبعد من ذلك، حينما قرر إن لكل جريمة أسبابها، وأن لكل مجرم دوافعه عندما قال ” أن الجريمة ظاهرة متنوعة العناصر والأهداف والظروف، وليس من المنطقي الحديث عن أسبابها العمومية والشمولية، إذ أن لكل جريمة أسبابها وظروفها الخاصة، ولكل مجرم يرتكب ذات الجريمة دوافعه وأسبابه المغايرة عن دوافع غيره”.(البشري،1997: 133)

 وبناءً عليه يجب التعرف على عوامل ودوافع السلوك الانحرافي والإجرامي، المتمثل في ظاهرة التعامل مع العدو، من خلال عدة عوامل متفاعلة تفاعلاً دينامياً معيناً مع بعضها البعض.

وقد أكد العالم (كرموس) بأن العوامل التي تقف خلف الانحرافات النفسية والاجتماعية من الصعب حصرها. ومن الصعب تقدير أسباب هذه الانحرافات النفسية الظاهرة، فهي كثيرة ومتداخلة، ويختلف تأثيرها من شخص لأخر، ومن مجتمع لأخر، ومن زمان إلى زمان. (قرني،ب.ت:220)

ولكن الباحث يرى أن يتم تقسيم هذه العوامل إلى ثلاث أنواع:

- عوامل استعدادية كامنة: (جسمية، وراثية، أمراض نفسية). أي العوامل الذاتية، الموجودة لدى الكيان الشخصي للفرد.

- عوامل مهيأة ومعززة: (اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، نفسية، سياسية… الخ). أي العوامل، الموجودة في البيئة والوسط الذي يعيش فيه الفرد. وهي مستقله عن كيانه الذاتي.

- عوامل ضاغطة ومحركة: (ضغط الموقف نفسه). وهي تفاعل الموقف الآني الذي يتعرض له الفرد من خلال الواقع، مع كينونته الذاتيه، وما تحمل من صفات وسمات وخصائص.

أولاً: العوامل الإستعدادية الكامنة:

وهي استعدادات معينة كامنة لدى ذات الفرد، تجعله مهيأ للاضطراب النفسي أو العقلي أو الانحرافات السلوكية، ثم تأتي ظروف التنشئة الخاطئة، وتتفاعل مع هذه الاستعدادات وتنميتها لتجعل الشخص اكثر تهيأً للاضطراب وسوء التوافق. (قرني،ب.ت:222)

وهذه العوامل الاستعدادية هي تلك العوامل المتصلة بخلفية الفرد التي تتضمن العوامل الوراثية وخبرات الطفولة مع الوالدين والأقران وغيرهم. (ويتيج، 1977: 283)

* العوامل الوراثية: والعوامل الوراثية هي خصائص فسيولوجية معينة غير قابلة للتغيير تحمل الخصائص والصفات الأساسية لجنس الشخص. (ويتيج، 1977: 255)

* الذكاء: يعتبر الذكاء من العوامل التي لها استعدادات وراثية. وقد عرفه العلماء بأنه عبارة عن مجموعة من القدرات التي يتمتع بها الإنسان لتكييف وتوجيه سلوكه في الحياة بما يلائم ما يثور من احتياجات ومتطلبات جديدة وذلك بالاستعانة بأنسب وأصلح الوسائل التي يستنبطها الفكر. * الصفات والسمات الشخصية: تتشكل لدى الفرد عبر عوامل متعددة ومتشابكة صفات وسمات، تسمى سمات الشخصية، تشكل له أنمطه وأساليب سلوكية شبه ثابتة، وتميزة عن غيرة بعدة صفات وسمات لاحظها بعض المتخصصين في هذا المجال، منها على سبيل المثال: ” الشك، العدوانية، الحقد، الأنانية، القسوة، المغامرة، الدوينة “. (الجزائري،1991:ج1، 71)

وتعتبر هذه الصفات بمثابة المؤهلات الشخصية الطبيعية للمرشح للتعامل، والتي تنعكس على مدى قابليته للمحافظة على الأسرار أو الوقوع في دائرة الخطر الأمني من خلال معرفة سلوكه الشخصي والإطلاع على أهم السمات الشخصية لديه، ” كالغرور وحب الظهور والشهرة والشعور بالنقص و الكذب، وإثبات الوجود، والنفاق”. ومن ناحية أخرى معرفة مدى الاستقرار العاطفي والعائلي والمادي عنده، وهل يمكن التأثير عليها بسهولة، ومعرفة مدى قوته الشخصية.

ومن خلال التنقيب في بعض المراجع، واجراء المقابلات مع العملاء بروز بعض الصفات هي:

الرغبة في القوة والجاه: يقول: أحد العملاء في فلسطين في مقابلة مع بتسيلم ” لقد كان دافعي لأن أصبح عميلاً، هو أن أصبح أقوى من ” فلان”. وقمت بذلك لأنني لست ابن عائلة قوية، وليس لدي سند، وأن ذلك سوف يجعلني قوياً أمامه، وقد شعرت أن السلطات الإسرائيلية والعملاء سوف يكونون بمثابة عائلتي، لأنه ليس لي عائلة أخرى، لقد أردت المركز والقوة، وحصلت عليها جميعاً. (بتسيلم،1993: 10)

الرغبة في التملك: وقد برز هذا الدافع مع أحد عملاء المخابرات الأمريكية من إحدى دول أوروبا الشرقية، عندما طلب مبلغاً كبيراً من المال، واشترى بواسطته يخت. رغم أن هذا قد يعرضه للكشف لعدم تناسبه مع دخله، لذلك استدعاه ضابطه المجند ونبه إلى ذلك. ولكن اعترف له العميل بأنه لم يستطع مقاومة ما كان دائماً يتمنى، فهو منذ طفولته كان شديد الرغبة بامتلاك يخت بمحرك، أما الآن وقد أرضى رغبته، فإنه مستعد للتخلص منه. (عبده، 1989: 77)

تدني الذات: إن تعامل رجل الاستخبارات مع العملاء أو الجواسيس يبين أن شخصية المتعامل معهم تكون ضعيفة ومهزوزة وغير مستقرة. وعليه فإن شخصيتهم تنتابها بعض الاضطرابات وقد تبين من خلال المقابلات للعديد من العملاء أن أغلبهم يعاني من ضعف الشخصية. وكان لذلك دوراً كبيراً في الارتباط، حيث يبحث رجال المخابرات عن الأشخاص الذين يكون لديهم ضعف في شخصيتهم، لسهولة انقيادهم والسيطرة عليهم. (وود، 1990: 66)

حب السيطرة: إن سلوك العنصر البشري – للعميل أو الجاسوس – يمشي بهم إلى غاية السيطرة، والقوة والتحكم في الآخرين، وهذه الغاية تؤثر على خطة وشكل الحياة لديهم، وهي التي تدير مزاجهم وحركاتهم السلوكية.(عبده، 1992: 75)

حب المغامرة: وقد ظهرت هذه الصفة والسمة جليه في الجاسوس الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة الأمريكية (جوناثان بولارد) الذي كان طالباً جم الذكاء ومنظماً للغاية، وينزع ليكون مغامراً إلى حد بعيد، وأحيانا لمقاومة أو تنفير الطلاب في أبحاث الندوات. وأنه يميل إلى المبالغة في الأشياء، فإذا عهدت إليه بمهمة لكتابة بحث يؤديها بشكل أروع ولكن بوقت أطول. (Blitzer,1992:42)

واستطاعت الفتاة الإنجليزية (فوليت) التي عملت جاسوسة ضد الألمان أن تحقق أفضل النتائج في ممارستا للتجسس، لأنها أحبت المغامرة طوال حياتها، ولأنها كانت لماحة سريعة البديهة، وقد جعلت منها هاتان الخصلتان جاسوسة من الطراز الأول. حيث كانت تمتاز في طفولتها بتحدي الأولاد الذين تعرفهم في أن يتسلقوا أنابيب المياه إلى الأدوار العليا من المنازل، مثلما تفعل ولم تجد من يباريها في تلك العملية البهلوانية الشاقة. (الكاشف،1990: 30)

العدوانية ونزعة الشر: توصي المخابرات ضباطها المجندين، بدراسة مجمل حياة الشخص المرشح للتعامل، بكل تفاصيلها، وخاصة مكامن الضعف والشر فيها، وقد تبين أن بعض الناس، جبل على الفساد أولاً وآخراً، وهو يحمل من بذور الفساد ما يخفف عن كاهل عدوه البحث والتنقيب عن مداخل لنفسيته، لأن المداخل موجودة ومتوفرة لدية بشكل قاطع. (وود، 1990: 32)

ومن العملاء الذين امتازوا بذلك (منصور الطوبي) وهو عميل إسرائيلي يسكن العريش كان مستواه التعليمي جيداً وهو في المرحلة الجامعية، ولديه نصيب وافر من الذكاء، إلا أنه  كان شاباً طائشاً شرير النزعة يميل للمكر والشر تماماً، تعامل مع العدو من خلال هذه النزعة الإجرامية، مقابل الحصول على المال لخيانته وطنه. (مجدى، 1995: 34)

حب البروز والمظاهر والعظمة: تقوم المخابرات الإسرائيلية بتصيد من يعرفون بحب المظاهر والعظمة من ضعاف النفوس، ومحبي الظهور في الليالي الحمراء والإنفاق بشكل ملفت للنظر. وهو دافع مهم للتعامل. ففي مقابلة لبتسيلم مع أحد العملاء الهاربين ويدعى (أبو الفهد) 34 عام – يعيش حالياً في يافا – أوضح فيها الأسباب التي جعلته مخبراً وعميلاً لجهاز الأمن العام الإسرائيلي ” الشين بيت ” يقول. . كنت شاباً، وكنت مأخوذاً بفكرة أن أصبح ذا قوة ومركز، وأجمع مالاً بشكل سهل وسريع، وأحببت أن أتجول حاملاً سلاحاً مخيفاً، والمرور عبر الحواجز والطرق المقفلة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي بدون مشاكل، وكذلك الظهور وتقديم الخدمات، وخصوصاً التصاريح، وهذا هو الذي دفعني للتعامل. (بتسيلم،1993: 19)

حب البذخ والمجون: ومن أمثال ذلك العميل الشاب اللبناني الأصل، المصري المولد (نبيل النحاس) الذي كان  يحتاج إلى ضعف دخله لينفقه على ملذاته وسهراته وأسفاره المتعددة ما بين القاهرة– بيروت- باريس، والذي أسقط في أيدي المخابرات الإسرائيلية من خلال هذه الثغرة، بعد أن وجدت فيه ما تريد من ضعاف النفوس، فأخذوا يمدونه بما يريد، وهو يمدهم بالمعلومات عن مصر نظير ذلك. (الجزائري، 1991: 65 )

سمة الغرور: اكتشفت المخابرات الإسرائيلية هذه السمة لدى المواطن المصري (رجب عبد المعطي) الذي حضر بنفسه ليعرض الارتباط، لأن لديه دافعاً لذلك هو سمة حب الغرور، إضافة لحبه للمال والغنى، وبناءً على تلك السمة تم تجنيده وكذلك منحه رتبة رائد في المخابرات الإسرائيلية، ووافق بكل سرور ليكون عميلاً لإشباع تلك الرغبة.

سمة الجشع والطمع: وهذه السمة كانت وراء ارتباط العميل المصري (محمد عمر حموده) الذي عرض نفسه على أجهزة الأمن الإسرائيلية حيث اتصل بنفسه بالقنصلية الإسرائيلية عارضاً خدماته فاستقبله معاون الملحق العسكري في القنصلية وقبل عرضه بعد أن تأكد من صدق نواياه، وأن الجشع والطمع وحب المال، يسيطران على مجرى حياته كلها. (الجزائري، 1991: 66)

* الأمراض والاضطرابات الجسمية: كبعض الأمراض المزمنة، أو العجز والعاهات، أواضطراب الغدد، أو اضطراب النمو. أو الأمراض العقلية. حيث أن العوامل التي ترجع لأمراض عقلية عضوية لها تأثير كبير على الانحراف، مثل الانحراف الذي يحدث تحت تأثير المواد المخدرة والمشروبات الكحولية التي تجعل الشخص في حالة لا يستطيع معها التحكم في تصرفاته وأعماله. (الديب، 1997 :346)

وما ينطبق على الجرائم العادية ينطبق على جريمة التعامل في المجال حيث وصف أحد الجواسيس الاجانب عن نفسه في الصغر قائلا: أمضيت شبابي وأنا أعيش في هذا الجو المشحون بالإثارة. حيث كنت أعاني من وضع صحي سيئ. فقد أصبت بالكساح الذي أجبرني على استخدام أرجل حديدية حتى سن المراهقة.(رايت، 1998: 51)

و ” رينهارد جيهلين ” العميل الألماني الذي خدم المخابرات الأمريكية بإخلاص وذكاء يقدم الدليل والبرهان على تأثير الإضطراب النفسي في التجسس. فقد كان يعاني مركب نقص أثر في نفسيته بعمق وذلك من جراء قصر نظره وأذنيه الكبيرتين، ووجهه الذي يخلو من سمات الرقة والسماحة وشعره الأشعث الذي يصعب تصفيفه، وكذلك بسبب مركب النقص الذي تملكه واستبد به شديد الخجل، ميالاً إلى العزلة، ولا يصادق إلا القليل من الناس، وكان أقرانه في المدرسة يعاملونه بسخرية من جراء عيوبه الخلقية، ومن ثم كان يرفض أن يرافقهم في الرحلات أو يشترك معهم في لهوهم، أو مباراتهم الرياضية، أو مغامراتهم الصبيانية، وتلك هي الأسباب والعوامل النفسية التي جعلت من هذا الرجل ومركب نقصه داهية، يجد لذة لا تعد لها لذة في التقوقع، والعمل على إنفراد، والحرص على التخفي والتنكر، وبذل كل ما في وسعه من جهد للسيطرة بطريقة ” تمسكن لما تمكن ” على رؤسائه الذين كانوا يتصورون خطاً بطبيعة الحال أنه خادمهم المخلص المطيع (الكاشف،1990 :101)

كما كان لدى العميلين (روجر هيس) و (أنطوني بلانت) مركب نقص أيضاً،حيث يقول روجر بأنه في صغره كان ضعيف البنية، فأحس لذلك بشيء من مركب النقص نحو أشقائه الثلاثة. (لجزائري، 1991:ج3، 343 )

ثانياً: العوامل المهيأة والمعززة:

وهي العوامل البيئية الخارجية التي ترعرع في أحضانها الفرد خاصة في مرحلة الطفولة والمراهقة، حيث فيها يتشكل التكوين النفسي والجسمي وتتحدد مساراته واتجاهاته. (قرني،ب.ت:221)

أ) العوامل الذاتية والنفسية:

وهي العوامل التي تطرأ على حياة الفرد، ويكون لها من الأثر ما يبرر من أهمية وخطورة العوامل الاستعدادية. وهي الجو المحيط بالفرد، والتي تنمى الانحراف. وهي العوامل التي تتواتر في مجال الفرد. وفي المؤسسات الاجتماعية المختلفة التي ينتمي إليها في المجتمع الذي يعيش فيه بوجه عام، ويكون لها من الأثر ما يدعم النتائج السيئة المترتبة على العوامل السابقة. ومن ثم تزيد من حساسية الفرد وتضعف مقاومته، وتجعل قدرته على تحمل المواقف التي يمر بها ضعيفة.

1- الخبرات الصدمية: وهي خبرات الفرد التي تتكون لدية من خلال علاقتة مع البيئة المحيطة به. وخاصة في مرحلة الطفولة لدية. (ويتيج، 1977: 255)

وتعد مرحلة الطفولة أهم مرحلة في حياة الكائن البشري إذ خلالها تتشكل شخصيته بأبعادها المختلفة، المعرفية، الانفعالية والسلوكية. وقد أثبتت كثير من الدراسات النفسية أن 80% من شخصية الطفل إنما تتكون في السنوات الثماني الأولى من عمره، وهذا التشكل يخضع لاعتبارات تتصل بذات الطفل من جهة من حيث استعداداته وقدراته وفاعليته واستجابته للمؤثرات، كما تخضع لنوعية هذه المؤثرات التي تحيط بالطفل ودرجتها وهي التي تشكل شخصيته ولذا يختلف الأطفال باختلاف المؤثرات والبيئات الثقافية التي يعشون فيها والتي يسعون إلى أن يتكيفوا معها ويجدون التقبل والاستحسان من أفرادها بما يحقق لهم التوافق الاجتماعي الذي يشكل القاعدة الأساسية للصحة النفسية. (رمضان، 1987: 92)

وقد تبين من خلال الدراسات والمقابلات للعملاء، ان لدى العملاء هشاشة وضعف نفسي داخلي، ويعود ذلك لنمط الخبرات الماضية والظروف الحياتية القاسية، وتسيطر عليهم رغبات جامحة تدفعهم تجاة الانحرافات النفيسة والشخصية. خاصة العصبية منها، “كحالات الضغط، والصراع، والتوتر، والقلق، والإحباط، والانقباض، واليأس، والحرمان العاطفي، والانطوائية”، وغيرها من الأمراض التي قد يكون لها علاقة بالانحراف، أو قد تتطور في بعض الأحيان إلى السلوك الانحرافي.

2- الإحباط الشديد: وهو سلاح فعال لمنع التفكير، وعدم التعرف على الأسباب والمسببات، أو البحث في النتائج والتجارب الإنسانية، وكذلك عدم معرفة الخطأ من الصواب، وتكون المحصلة النهائية الانصياع الكامل للسلوك الانحرافي. والإحباط وينمو في بيئة الفساد الإداري أو الاجتماعي أوشيوع الرشوة والسرقة والمحسوبية، حيث يفقد المواطن ثقته بالسلطة والشعب. ويضطر للتعايش مع الواقع الفاسد، ولمنه يحمل في نفسه التبرم والسخط. وينمو الإحباط أيضاً بعد نشر الفضائح السياسية والاجتماعية والمالية، سواء في رأس النظام نفسه أو مروراً حاشيته.

وفي حالة الإحباط يجد الفرد نفسه أمام ثلاث أشكال من ردود الأفعال لمواجهته في الواقع هي:

- مواجهة مصدر الإحباط ومهاجمته: وهو رد فعل نموذجي للإحباط، حيث يرى الكثيرون من علماء النفس أن الدافع للهجوم على مصدر الإحباط هو والعدوان. أي أن من الأمور السوية أن يهاجم الإنسان ما يحبط أعماله ويحول دون تحقيقها. ولهذا تعتبر (كارن هورني) بأن كبت كل المشاعر المعادية والهجومية أمراً مضرا من وجهة نظر الصحة النفسية، وذلك لأن هذا الكبت قد يقود إلى القلق والعصاب.

- كبت عملية الإحباط: وهو عملية يلجأ الإنسان بواسطتها إلى دفع ما يزعجه إلى عالم اللاشعور. لذلك ترى (هورني) بأن كبت المشاعر المعادية هو السبب الرئيس للقلق والعصاب. أي يلجأ إلى عملية الانسحاب من الواقع، حين يواجه صعوبة أو يصادف إحباطا ينكمش وينسحب من المواجهة التي يعتقد خطأً أنها الأسهل هذا الانسحاب في الواقع مؤلم، وقد يقود إلى أحلام اليقظة، أو يقود أحيانا إلى الإدمان على الكحول، أوالمخدرات. (عاقل، 1973 : 155)

- التوحد مع مصدر الإحباط: حيث يقوم الفرد بتزوير مصدر الإحباط، فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي لهذا الإحباط، يقوم بالتوحد معه. ومن ذلك تكون عملية التوحد بالمعتدى، والتي تعتبر حيلة لا شعورية تُصطنع للتغلب على الخوف من المعتدى، وهي حيلة شائعة يعكس فيها  الفرد سلوك من يتقمصهم، حيث أمر لا مناص منه لإعادة التماسك في شخصية المتوحد بالمعتدى للتغلب على القلق والإحباط الذي هو الأصل في عملية التوحد يجعله أن يمارس الاعتداء على الآخرين. ( زيور،1982: 123)

ويلعب الطابور الخامس، والدعاية المغرضة، والحرب النفسية، أهم الأساليب الفاعلة في عمليات التخريب الفكري للأمة، التي ترمى بالنتيجة إلى أن يصبح الإنسان مقتنعاً بعجزه وتفاهته، وعدم أهليته لمباشرة شؤون نفسه. ويتحول بالتالي إلى حيوان يأكل ويشرب ويتناسل في ظل الإحباط الكبير الذي يجلل حياته وبالتالي يسهل انقياده للمحتل ومصالحه، هذا عل صعيد الفرد نفسه. ولكن قد تنتقل هذه الاحباطات التي يمر بها الفرد الناتجة عن عدم القدرة على مواجهة صراعات الحياة وما يفرزه ذلك من حالات قلق وتوتر وأمراض نفسية وشخصية، إلى مجموع أفراد المجتمع، ليشكل بالتالي ظاهرة نفسية اجتماعيه معقدة يلفها الإحباط واليأس من جراء عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الاجتماعية الأساسية وبين الواقع المعاش وتنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الاحباطات، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي والاستسلام له بدلاً من مقاومته. وتعتبر حالة الإحباط الجماعي من أخطر ما تصاب به المجتمعات المحتلة.

3- الأمراض والإضطرابات النفسية أو الصدمات الإنفعالية:

وهي التي تؤدي إلى إظهار الاضطراب النفسي أو الانحراف السلوكي – بطريقة سافرة – فالتعرض للمواقف الصدمية التي يتعرض لها الفرد في موقف معين، ولا يستطيع الصمود أمامها فينهار وتنهار معه جميع دفاعاته الذاتية. مهما كان نوع الصدمة عاطفية – تجارية –أخلاقية الخ…(فهمي، 1966 :75)

والبعض يرى أن الانحراف إنما هو لون من اضطراب السلوك يرجع إلى اضطراب في النمو النفسي نتيجة عوامل متعددة تكون قد عاقت هذا النمو وتؤدي إلى نقص في بعض نواحي الشخصية. ومن هذه العوامل عدم التوافق الذي ينشأ من العوامل الداخلية والخارجية التي تحول دون النمو العاطفي للشخص. كما أنهم يعتبروا أن السلوك المنحرف إنما هو عرض من أعراض عدم التكيف نتيجة قيام عقبات مادية أو نفسية، تحول بين الشخص وبين إشباع حاجاته على الوجه الصحيح. (الديب، 1997 :280)

ب) العوامل الموضوعية ” البيئية ” :

1- العوامل الطبيعية: ويقصد بالعوامل الطبيعية والظواهر الطبيعية والجغرافية التي تحيط بالإنسان والتي تتعلق بالمناخ والتربة ودرجة الحرارة وطبيعة الأرض وتعاقب الفصول الأربعة الليل والنهار ولاشك أن العوامل الطبيعية تؤثر على ظاهرة الإجرام عن طريق التغيرات التي تحدثه في نفسية الإنسان وتؤثر على تكوين الشخصية بصورة عامة وكذلك تؤثر تلك العوامل على المجتمع ليس فقط على السلوك الجماعي للمجتمع بل وعلى ثقافته وحضارته واقتصاده وعاداته وتقاليده وقد اعتبر العالم الإيطالي (لامبروزو) ” أن هذه العوامل تشكل الاساس في انحراف الفرد نحو الجريمة، وأن تأثير هذه العوامل الطبيعية يتم في كثير من الأحيان بطريقة غير مباشرة خاصة بالنسبة لأثر التربة والمكان “. (عقلان،1989 :20)

2- العوامل البيئية: وهي العوامل المحيطة التي تتوقف على البيئة التي يعيش فيها الفرد.   وهي عبارة عن العوامل (الاجتماعية، والنفسية، والإقتصاديه، والثقافيه، والسياسيه، وغيرها).

العوامل الاجتماعيه: وهي ” مجموعة الظروف التي تتعلق بتكوين الجماعة وأنظمتها المختلفة وما يسودها من قيم ومعتقدات تؤثر في عاداتها وتقاليدها “. (عقلان،1989: 22)

وتكمن أهمية هذا العامل في كونه يمتد على مساحة واسعة من حياة الإنسان تمر بمراحل عديدة  تبدأ بالأسرة وعلاقته  بالوالدين وأساليب التنشئة المعتمدة لديهما، ومحيط الأقران والصحبة، ثم المدرسة والمدرسين وزملاء  الدراسة  والمهنة، والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه، كالمسجد، والنادي، والواقع الاجتماعي بشكل عام وما ينتابه من مظاهر…الخ. ونميز هنا بين مجموعتين من العوامل، تنتمى للعامل الإجتماعي وهي:

أ) الظروف الإجتماعية الأسرية: وهي طبيعة التنشئة وظروفها، والعلاقات الأسرية، حيث تعتبر الأسرة أهم مكونات العامل الاجتماعي، حيث تعتبر المسئولة عن تكوين نمط شخصية الفرد، لما لها من التأثير المباشر على تكوين شخصية الفرد وسلوكه في المستقبل. (عقلان،1989: 22)

وتعتبر الأسرة هي الأساس الذي يحيط باستجابات الفرد المختلفة تجاه بيئته التي يعيش فيها، وهي الجماعة الأولى والبيئة التي يشبع الفرد حاجاته البيولوجية والاجتماعية والنفسية من خلالها، فإذا اضطربت حياة الأسرة أصبحت عاجزة عن إمداد الأطفال بمثل هذه الاحتياجات. (الشرقاوى، 1986: 157)

ولذلك فإن الأسرة هي البيئة الأولى التي يرجع إليها العمل الحاسم في عملية الميلاد الثاني للطفل كجماعة أولية، حيث تهيأ استعداداته البيولوجية والنفسية ليغدو لبنة صالحة متهيئة لعملية التنشئة الاجتماعية التي تكسبه ثقافة الجماعة ونظمها وحكمها … وليست الأم فقط ذات دلالة في عملية التطبيع الاجتماعي للطفل ولكن الأب أيضاً له دوره العام والمؤثر في مجرى تكوينه ونموه، لإن االطفل مسئولية الوالدين في سنوات عمره الأولى، ومما لا شك فيه أن العلماء في اكثر من ميدان (جسمياً وبيولوجياً واجتماعياً) يتعاملون مع الطفولة باعتبارها مرحلة هامة من مراحل العمر الإنساني. ولذلك لا بد من أن تدرس هذه المرحله بمناهج العلم المختلفة، للبحث في ثناياها عن كافة الظواهر السلوكية محاولين الكشف عن قوانينها التي تحكم تطورها علناً نصل إلى افضل الوسائل التي يمكننا من تدعيم أساس الشخصية في تلك المراحل المبكرة بهدف تحقيق افضل مستوى ممكن من الصحة النفسية للطفل تؤهله لأن يكون فرداً نافعاً لمجتمعه في المستقبل. (احمد، 1987: 69)

ويمكن أن نعتبر بأن هناك أربع حالات تميز وضع الأسرة وهي:

ـ الحالة المادية للاسرة: وتعتبر الحالة طبيعية إذا كان مستوى الأسرة الاقتصادي فوق خط العوز. بحيث تكون مواردها كافية لسد حاجاتها الأساسية من غذاء وكساء ومأوى…الخ.

ـ الظرف المنزلي الطبيعي للأسرة: أي أن تكون الأسرة مكونة من أب وأم وأولادهما، الذين يعيشون في بيت واحد. واختلال هذا الوضع تعتبر ظروف الأسرة التي غير طبيعية.

ـ المعاملة العائلية للأسرة: وهي الطريقة التي يسلكها الوالدان في المنزل في معاملة أبنائهما، قد يكون أسلوباً يتسم بالتسامح، أو قد يتميز بالعنف، أو يكون جامعاً بين الاثنين معاً.

وقد أشارت كثير من الدراسات حول هذا الموضوع، إلى أن الأطفال الذين تعرضوا قسوه وحرمان كبير في طفولتهم، أظهروا آثاراً سلبية مستديمة فيما بعد. (توق، وعدس،1990: 77)

4 ـ صلاحية المنزل للتربية: إن العائلة غير الصالحة، والمصابة بنوع من الانحراف الأخلاقي أو الشذوذ السلوكي، لا تصلح لأن لتربية الأطفال، لأنها تسبب للأطفال انحرفاً مماثلاً غالباً.   كما قد بينت الدراسات بأن اضطرابات الشخصية والمشاكل الاجتماعية وانحرافات المراهقين، والتي كانت بسبب الطلاق، أومشاكل الزنا، والانانية، وقلة الشرف، وفساد الضمير. وكذلك الحروب أيضاً تبذر بذورها في السنين الثلاث أو الأربع الأولى من العمر. (احمد، 1987: 68)

الظروف الاجتماعية الخارجية: أي العوامل الخارجية التي تؤثر على الفرد، والتي من أهمها:

1-الرفقاء والأقران: قد يقع الانحراف احيانا إذا ارتبط الفرد بآخرين ممن يمارسون أنماطاً من السلوك غير المشروع. لأن الرفقة السيئة تزود الفرد بعادات ومثل سيئة، وتقدم نماذج للنشاط الضار، كما تدفعه أحيانا إلى نواح مختلفة من السلوك الإجرامي عن طريق الحث والإيحاء والتقليد، أو بواسطة التهديد والإرهاب أحيان أخرى، عندما تتحول الرفقة إلى عصابة إجرامية.

2-أحوال العمل، وملاءمته لميول الفرد: إذ أن العمل غير المناسب الذي لا يلائم ومواهب الفرد وميوله، قد يجره إلى الانحراف أو إلى التمرد، وينعكس على شخصيته بعدم التوافق الاجتماعي.

4-الدين والقيم الاجتماعية:  تعتبر ركناً أساسياً في حياة البشرية، ذلك لأنه لا يوجد قط مجال إنساني بلا دين، وتعد الجريمة فعل تستهجنه كافة القيم الدينية التي تحث على الخير مما لا شك فيه فإن الدين يدعم مقاومة الفرد لبواعث الجريمة وكثيراً ما يعزى انتشار الجريمة إلى ضعف تأثير الدين. ونقص التدين والتوجيه الديني، لما للدين من أثر قوي في نفس الطفل، وبما يحتويه من قواعد الأخلاق والحث على السلوك القويم. وبالمقابل فان الانحدار والسقوط في براثن العمالة لا بد له من مناخ مناسب، وأفضل مناخ وتربة مناسبة، هو البعد عن أماكن العبادة، والتوجه إلى أماكن اللهو والدعارة والقمار، وما شابه ذلك. وقد كانت كثير من تعليمات رجال المخابرات الاسرائيلية تدعو للاهتمام بهذه البيوت والمواقع، وتنشيطها. (مجدي، 1995 : 88)

وقد شكل الاحتلال في الواقع الاجتماعي الفلسطيني عبر سنين الاحتلال الطويلة، الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والإفرازات والاختراقات، مثل مظاهر الفساد الاجتماعي ومنها الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب، حتى وإن لم تظهر للبعض بأن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة، الا ان الاحتلال قام بترشدها، وذلك عبر احكام قبضته على الجوانب الهامة من جوانب الصمود لدى الناس. (فتح، 1975 : 63 )

العامل الاقتصادي: إن الحالة الاقتصادية الصعبة، لها آثار اجتماعية من شأنها أن تساعد على زيادة نوع معين من الجرائم. كما تعد البيوت التي تعاني فقراً شديداً، أو ضغوطًا اقتصادية شديدة، كحالة البطالة الدائمة، وعدم كفاية دخل الأسرة، أكثر عرضة للانحراف من غيرها. (الديب، 1997: 362 )

وبرغم أن اغلب العلماء يؤكد على وجود علاقة وثيقة بين الفقر والجريمة، أي أن الفقر أو الحاجة هو العامل الأساس في ارتكاب الجريمة، حيث أن أغلب التصرفات الإنسانية تهدف إلى إشباع حاجات الفرد المادية، إلا أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الجرائم كلها ترتبط بشكل مباشر بسوء الحالة الاقتصادية للمجرم. (عقلان، 1989 :25)

هذا بالنسبه للانحراف نحو الجريمه بشكل عام، أما على صعيد الانحراف باتجاة جريمة التجسس، فقد كان للوضع المادي والاقتصادي دور هام في تجسس كثير من العملاء سواء على مستوى العالم أم على مستوى فلسطين. وقد ظهر على مستوى العالم كثير من العملاء الذين ارتبطوا مع اعدائهم عبر هذا العامل منهم العميل (جيفري ارثر بريم) الذي نشأ وترعرع في بيئة فقيرة متواضعة، لأب فقير كان يعمل في صناعة أسلاك النحاس. وفي ظل مناخ افتقر فيه إلى الكثير من اوجه الرعاية أو توفير قدر معقول من التربية السليمة، كان ارتباطه وتعامله. (المراصيفي، 1995:  109)

أما على صعيد الواقع الفلسطيني، فقد أظهرت دراسة الماجستير التي قام بها الباحث لشريحة من العملاء في فلسطين، أن أغلبهم تم تجنيده وربطه بالمخابرات الاسرائيلية، عبر هذا العامل.   كما أن مكان وبيئة العمل قد شكل أيضاً في كثير من الأحيان عاملاً وسيطاً للانحراف لما يحيط بهما من وسائل مشجعة لأهداف غير مشروعة، وفي واقعنا الفلسطيني نجد أن لموقع العمل دور كبير في عمليات الانحراف، لأن وضع العامل الفلسطيني يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيرة من المجتمعات، حيث أن انحرافه باتجاه جريمة التعامل ليس رهناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط في وقت ما من الأوقات، بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره على الفرد وعلى نفسيته على مدار العام، مما يشكل ضغطاً كبيراً علية تجاه التعامل.   وقد ثبت في الواقع الفلسطيني بأن كثيراً من عمليات الربط  للعمال وقعت من خلال موقع العمل، اما بالابتزاز والمساومة على لقمة العيش، أو بممارسة وسائل الضغط والترهيب عليهم. العامل الثقافي والتعليمي: ويقصد بها مجموعة القيم المعنوية والخلقية والدينية التي تسود الجماعة ومستوى التعليم فيها والتي ينتج عنها عادات الجماعة وتقاليدها. (عقلان،1989 :23)

إن التعليم لدى الفرد أياً كانت درجته، ما هو إلا نوع من التربية يؤثر في سلوك الفرد أمام الآخرين، كما أن للتعليم تأثيراً على الظاهرة الإجرامية لما للتعليم من تأثير بالغ على تكوين شخصية الفرد. ويمتد أثره إلى فكرة تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها بأهداف ومثل عليا.

ولمواجهة المحتل في حربة تجاه التعليم والمدرسة، وتفريغه من مضامينه الأخلاقية، يجب أن يهتم التعليم بالتربية الخُلقية والاجتماعية قبل أن يهتم بحشو الأذهان بمعلومات غير مفيدة، ولا ريب أن الشكل الإجرامي العام يتوقف إلى حد ما على نوع التعليم ومستواه، ولكن الخلاف قائم حول مدى أثر التعليم في الظاهرة الإجرامية بوجه عام، فهل يؤدي التعليم مثلاً إلى تراجع الظاهرة الإجرامية في مجموعها أم لا؟. (عبيد،1981: 143)

إن هذا بالطبع يتوقف على طبيعة ونوعية التعليم، حيث أن التعليم يؤثر إما بنتيجة فعالة من حيث الحد من ظاهرة الإجرام بما يغرسه في نفس الشخص من مثل وقيم أخلاقية يتعين اتباعها وإما أن يأتي بنتيجة عكسية، بخلق وغرس الدوافع المساعدة والمساندةعلى ارتكاب الجريمة.

د) العامل النفسي: لقد عايش الشعب الفلسطيني العديد من المواقف الصعبة والضاغطة، وتعرض لمواقف الإحباط المتعددة في شتى مجالات حياته، ولقد كان من النتائج المباشرة لتعرضه لهذه الوضعية الضاغطة التي حاول الاحتلال غرسها بشكل قوي في سيكولوجية الإنسان الفلسطيني، بروز نمط سلوكي حاد وعنيف ظهرت آثاره في التعاملات اليومية بين أفراد المجتمع وكان الجميع ضحايا لهذه الأنماط الحادة من السلوك، وتحديداً النساء والأطفال، لأنهم الحلقة الأضعف في المجتمع الفلسطيني، فبقدر حجم التوتر والعنف الذي كان الإنسان الفلسطيني يتعرض له، وبقدر مساهمة الاحتلال في إيقاع العنف والعدوان على الرجل الفلسطيني، بقدر ما كان يتم إفراغ هذا العدوان على الأطفال والنساء، وهو ضمان قوي لبقاء المساوئ النفسية والأسرية من خلال بقاء بيئة العنف بين أفراد الأسرة، لان الأسرة هي أول مناخ وأول بيئة يعبر العنف عن نفسه فيها. (96:Punmaky, 1986)

ولذلك فقد سادت وانتشرت المسالك العنيفة في المجتمع، ليس معنى ذلك أن مجتمعنا الفلسطيني عنيف بطبعه، وليس الإنسان الفلسطيني من النمط المتسلط على النساء والأطفال، ولكن هذا العنف والعدوان لا يمكننا عزله عن بيئة القهر التي حاول ويحاول الاحتلال غرسها في المجتمع الفلسطيني إمعانا بمحاولة الاحتلال تدمير البنية النفسية للإنسان قبل تدميره للبنية الاجتماعية والمادية للسكان، ولذلك مورست الضغوطات المتعددة ومورس العنف والإهانات وأشكال متعددة من وسائل الإذلال النفسي والمادي، بالإضافة للمضايقات المستمرة ومحاربة واستغلال الناس في مصادر رزقهم، وذلك تلويثاً للبيئة التي يعيش فيها الشخص الفلسطيني لأجل تلويث العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الفلسطيني. وأمام هذه الوضعية الصعبة والقاسية التي عايشها الإنسان الفلسطيني، أدى ذلك إلى انتشار العديد من الأمراض النفسية والعقلية والانحرافات السلوكية. (أبوهين،1998: 2)

وقد برز من ضمن هذه الانحرافات السلوكية ظاهرة غريبة عن طبع وطباع المجتمع الفلسطيني الأسطوري في التضحية والمقاومة والفداء، ألا وهي ظاهرة التعامل مع العدو والمحتل الإسرائيلي، وذلك من شدة هذه الضغوطات التي تعرض لها هذا المجتمع في الأراضي المحتلة.

وقد شكلت هذه الضغوطات مجموعة من المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته. لأن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات، وقد يكون العمل الذي يقوم به خيراً أو شراً، ولكنه مع ذلك يحاول قضاء حاجة جسدية أو شخصية أو اجتماعية له، هذه الحاجات إذا لم تُرض الفرد وتريحه فإنه يشعر بالتوتر وتنتابه حالة من الإكتئاب. ويذكر (وليام ستايرون) أن هناك اوجه حية للاكتئاب منها كراهية الذات، الشعور بعدم القيمة، الكآبة الدائمة، الشعور بالاغتراب إلى جانب القلق الخانق. (كفافي، والأعسر،2000: 172)

كما قد تصيب الأفراد أو المجتمع حالة من الإحباط، من جراء الأساليب الفاعلة لعمليات التخريب الفكري للأمة. ومن أخطر أنواع الإحباط الذي ينمو في ظل ظروف القهر والاحتلال. بحيث يفقد المواطن ثقته بالواقع، فأما يثور ويتمرد عليه، أو يضطر للتعايش مع هذا الواقع الفاسد والاستسلام له، أو يحمل في نفسه له التبرم والانزواء. (شحادة،1992: 66)

الأمر الذي يؤدي إلى العديد من الأمراض والانحرافات النفسية، وخاصة على صعيد الذات إما باتجاه ضمور وضعف الذات لدى الفرد، وأما باتجاه وانتفاخ وتضخم هذه الذات لدى الفرد. والسبب الرئيسي لذلك هو قصور قدرات الفرد عن تلبية طموحاته مع غياب التعويض المناسب أو التفهم الكامل، ومنها الشعور بالنقص، والتعويض عن الوصول إلى هدف يعتقد أنه كان بالإمكان تحقيقه ولم يتحقق. (الأغا، 2001: 102)

هـ) العامل السياسي: وهي الحالة والوضع السياسي العام الذي يعيشة قطر معين. وقد تبين   خلال الدراسات، أن المناطق التي تعيش واقع الحروب، تتزايد الصعوبات فيها تبعاً لاستمرار الحرب، ويحدث التأثير المتهيء للإجرام فيها بشكل أكبر من غيرها من الدول، وعلى الأخص في البقاع المحتلة، أو في البقاع التي وفد إليها فيض من اللاجئين. (بهنامر، 1990 : 160 )

وقد ظهر أن المجتمعات غير المستقرة، سواءً التي في حال استمرار الحرب، أو بعد توقفها، يكون للحالة التي تعيشها أثر كبير في بروز بعض الجرائم واختفاء بعضها الآخر. فمثلا تكثر جريمة التعامل والتجسس مع العدو، وكذلك السوق السوداء للسلاح، والمهربين للسلاح. في حين تختفي مثل هذه الجرائم في الظروف السياسية العادية باعتبار أن الناس في أثناء الحرب أو بعد الحرب مباشرة لا يطيق الالتزام بالأنظمة الخلقية والاجتماعية للمجتمع. و تسود حالة من الإرهاق والتوتر الشديد على جميع مناحي الحياة في المجتمع ويرجع ذلك إلى عنائهم الطويل وضغط الواقع والصدمات النفسية عليهم.

ثانياً: العوامل الضاغطة:

وهي العوامل الضاغطه الداخليه والخارجية لدى الفرد، والتي تبرز بشكل عملي بسبب المواقف الآنيه التي يتعرض لها الفرد، وهي تكون من القوة والحده، بحيث لا يستطيع معها الشخص التحمل والصمود، مما يؤدي إلى إنهيار جميع تحصيناتة ودفاعاته المقاومه، أمام هذا الضغط.

وهي كذلك ضغوط بيئية طارئة، يتعرض لها الشخص عند ظهور الانحراف، أو ضغوط بيئية مزمنة، تحملها مدة طويلة ثم اشتدت حدتها وضعفت مقاومتها عند ظهور الانحراف. (قرني،ب.ت:222)

والعوامل الضاغطة، وهي العوامل التي تعجل ظهور الانحراف، تحدث لدى الفرد في جانبين، الجانب الأول، لابد من توفر وجود الدافع، الذي يشكل القابلية الذاتية للانحراف، والعامل الثاني: هو وجود الموقف الضاغط بحد ذاته. الذي يشكل الظرف الموضوعي لعملية الانحراف.

أ) ضغط الدافع:

إن الدوافع كما يراها بعض العلماء هي ” حالات فسيوكولوجية تكمن في الفرد، فتجعله يتجه بالسلوك اتجاه معين. أي أنها طاقة داخلية محركة ومحرضة للسلوك، وتكون إما شعورية، أو لا شعورية “. أي انه حاجة تعبر عن وجود نقص يميل الفرد لإشباعه، انه حركي أو ديناميكي، وانه غرضي أي موجود من اجل تحقيق غرض خاص معين “.

والدوافع غالباً ما ترتبط بالاحتياجات باعتبارها حجر الأساس في بناء نظرية الدوافع السلوكية. وقد ثبت أن البواعث خاصة العضوية تنبع من محاولة الكائن الحي المحافظة على وجوده ونظراً لارتباط الاحتياجات العضوية بالوجود أو العدم فإنها تمثل بطبيعة الحال أقوى الاحتياجات جميعاً … ثم تأتي الاحتياجات الاجتماعية، التي تتكون من سلسلة من الاحتياجات لتحتل مكانها تنازليا في نظام تسلسل الاحتياجات التي تشكل دوافع السلوك لدى الفرد. (التهامي، 1982: 97)

ولذلك تعتبر نقطة البداية بالنسبة لأي مظهر من مظاهر السلوك هي وجود دافع هو الذي يحث هذا السلوك ويوجهه نحو هدف معين. ومعنى هذا أن الدافع هو المحرك الرئيس وراء اوجه النشاط المختلفة التي يكتسب الفرد عن طريقها أشياء جديدة أو يعدل وفقها سلوكه. والدافع كذلك هو الذي يوجه سلوك الكائن الحي في هذه المواقف نحو عمل هذه الاستجابة أو تلك حتى يصل إلى الاستجابة التي ترضيه وتنهي في الوقت نفسه المشكلة القائمة، أما إذا لم يوفق الكائن الحي إلى مثل هذه الاستجابة، فانه يظل يواجه مشكلة إرضاء الدافع الموجود، أو بمعنى آخر تظل المشكلة قائمة. (محمود،1980: 37 )

ولهذا فإن توفر الدافع يشكل القابلية لعملية القبول للتجنيد للتعامل، حيث الأمر الأول في عملية الارتباط والتعامل مع المحتل هو القابلية الشخصية للفرد نفسه لكي يكون عميلاً. وهذا الأمر يخضع إلى تقدير الضابط المجند للعميل لتقرير مدى قابلية المرشح للتجاوب مع إجراءات التجنيد، وذلك من خلال علاقته المباشرة به والتي تتيح له التعرف عن كثب على دوافعه وحياته بشكل عام، وخصوصاً الضغوط التي تكمن في أوضاعه المادية، وحياته الخاصة والمشاكل التي يعانى منها. والتي تدفعه باتجاه قبول العمل السري “التجسس”، والاستعداد الشخصي لتقبل الوضع الجديد له. (شحادة، 1992: 83)

وبعد التأكد من قابلية الشخص للتعامل، يسعى ضابط مخابرات العدو إلى التعرف على الدوافع التي تحرك قرار المرشح بالموافقة على التجنيد. باعتبارها هي التي تؤثر في قراراته الشخصية، وهي التي تحكم سلوكه وممارساته، وذلك بالتعرف على تصرفاته الاجتماعية وآرائه السياسية والدينية وغيرها، وكذلك المشاكل التي يعانى منها وتطلعاته المستقبلية، والضغوط التي يمكن أن تتحكم بتوجيه سلوكه. (شحادة، 1992 :109)

ثم يقوم بوضع المعلومات المتوفرة عنه في تقرير، خاص يشمل كل ما يستطيع الضابط أن يعرفه عنه – ماضيه وحاضرة ومستقبله – ثم استثمار ذلك كله في عملية عرض التجنيد عليه.

ولهذا يشكل البحث عن الدافع المناسب لعملية التجنيد قبل القيام بالتجنيد ضرورة مهمة من ضرورات العمل الأمني. وفي مقابلة مع الصحافة تحدث ” أ ” عميل للأمن العام الإسرائيلي عن طرق التجنيد. فقال نحن نختار أشخاصاً من الشارع، أول شيء نفعله نبحث عن منخرطين في نشاط معادي، ثم نبحث عن شخص منهم له دافع جيد لنجنده. (بتسيلم، 1993: المقدمة)

وقد يتساءل البعض ما هي الدوافع التي تدفع العملاء نحو جريمة التعامل مع العدو أو المحتل؟ إن معظم الأبحاث والدراسات توضح أن الدوافع للجرائم في الغالب تكون شخصية. بحيث تشمل دافع المال بشكل رئيس، ثم دافع الجنس، ثم دافع العاطفة كالأيديولوجية، أو الانتقام، … وهكذا.

ولكن يعتبر (مايلز كوبلاند) بإن ” الجاسوس مجرم واستغلالي، فبعض الناس يتجسس من أجل المال، وغالبيتهم من الضحايا التي دمرت حياتهم، حيث يغزو التجسس مواطن الضعف أو الخصومة لديهم، فقد يكون الشخص معرضاً للتعامل بسبب إدمانه على الكحول أو المخدرات أو القمار، أو بسبب عاداته أو ميوله الجنسية أو أسلوب حياته أو بسبب الدين وعاطفته، وربما تكون حاجة للشخص أن تكون زوجته مريضة أو طفل أو أقارب يحتاجون إلى العلاج والرعاية وقد يكون هناك غير ذلك من أسباب مثل اختلاف الأوضاع الفيزيولوجية والخلفية الأيديولوجية التي يمكن أن تستغل وإن الابتزاز أو التهديد بالفضيحة قد تجدي نفعاً في بعض الحالات للتجنيد. (امرنجر، 1992: 55)

ومن ابرز الدوافع الذاتيه لدى الفرد نحو الانحراف باتجاة جريمة التعامل مع الأعداء هي:

1- الدوافع المادية والمالية: وهي الدوافع الأكثر شيوعاً وانتشاراً، والأكثر بريقاً في عالم العمل السري، فالعميل يرتبط بالمنفعة – تكمن خطورة هذا الدافع في التحول إلى من يدفع أكثر، أو العمل مع أكثر من جهة في آنٍ واحد – لذلك فإن الأجهزة الاستخبارية أكثر ما تلوح بهذا الدافع للمصيدة قبل التجنيد. بإعتبارأن هذه الدوافع عن تطلعات الإنسان للعيش في بحبوحة وكفاية بغض النظر عن أي شئ آخر، وتشمل تحقيق أي نوع من المنفعة أو المصلحة بالإضافة للمال. (شحادة، 1992: 44)

ولهذا يعتبر العميل المادي هو الذي لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة، ويبدى استعداده ليكون عميلاً للاستخبارات، ضارباً عرض الحائط بمصلحة بلاده، وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه، فهو في جميع الظروف بلا ضمير أو وجدان. (وود، 1990: 19)

ومن خلال هذا الدافع نجح العدو الاسرائيلي في تجنيد بعض الشباب، حيث أنه بالجشع وحب المال قد استطاع ضابط المخابرات الاسرائيلي (مايكل) أن يرى صلاحية (منصور) للتجنيد، فقد اكتشف فيه نزعة الشر والغدر، وبشيء من الوعود المادية ظهر الجشع على عيني منصور، وانطلقت منها أشعة استطاع (مايكل) تحليلها فوجدها صالحة فالشر والحقد فيها يتغلب على الخير فدون اسمه وعنوانه في ورقة أمامه وسمح له بالمرور لجمع الشمل على والده أهله، على أن يكون لهما لقاء بعد ذلك. (مسعود، ب ت: 6)

2-الدوافع العقائدية: وهو أقوى الدوافع، وأكثرها عملاً وإنتاجاً، ويتسم العملاء العقائديين بالصلابة والثبات، بالتالي فإن العميل الذي يعمل تحت وطأة هذا الدافع يكون أكثر إخلاصاً وجدية وإنتاجاً، ولهذا تجهد الأجهزة الاستخبارية في ربط عملائها – قدر الإمكان- بهذا الدافع، وتأتى هذه الدوافع تعبيراً لإيمان بفكر معين وأسلوب حياة معين، أو الارتباط بمذاهب اقتصادية معينة، أو حزبية، أو الانتماء إلى منطقة جغرافية أو تاريخية، أو الشعور الطائفي أو المذهبي، وقد نشط استغلال هذا العامل في عمليات التجسس بين الكتلتين الشرقية والغربية سابقاً. ويكاد ينعدم هذا الدافع بتاتاً لدي العملاء والمتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. بإعتبار أن العميل عن عقيدة أو أيدلوجية، هو ذلك الشخص الذي يؤمن بهدف يجهد لبلوغه، وهو غالبا لا يتأثر بإغراءات الجهة المعادية، بالإضافة إلى انه لا يشعر بعقدة الذنب وبتبكيت الضمير، لأنه مؤمن بما يفعل خلافا لحالة الجواسيس الذين يغريهم المال والذين يقل نفعهم يوما بعد يوم. وبالتالي فهو مقتنع اقتناعاً كلياً بأن يعمل لمصلحة الاستخبارات الأجنبية، لا عن إقناع بواسطة المال، ولا طريق الضغط والإكراه، بل بسبب عقيدته المترسخة فيه، والتي هي عقيدة الجهة التي يعمل هو لصالحها. ولكن في بعض الحالات يصبح هذا العميل عبئاً على مجندية. حيث يقدم على تصرفات فردية لا تلائم النظام الهيكلي الشامل الذي وضعه مجنديه لعملية شاملة. بإعتبارة لا يأخذ مالاً -أو قلما يأخذ مالاً- ولا يعيش تحت ضغط من مجندية، ولا يسرى عليه النظام العام لجهاز المخابرات الذي يعمل لمصلحتة، ولا يتقيد كثيراً بالأنظمة والأوامر. مما يجعله أحياناً بعد استنفاذ طاقاته إلى الحد الأقصى، شخصاً غير مرغوب فيه. (وود، 1990: 31)

  وتاريخ الجاسوسية مليء بالعملاء عن فكر وأيدولوجية، وخاصه الذين برزوا منهم في هذا العصر إبان إحتدام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي الشيوعي، وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وحليفاتها. والذين كان من ابرزهم (هارولد فيلبي، وغاي بورجيس، ودونالد ماكلين، وأنتوني بلنت، وليونارد لونغ)، الذين تجندوا لصالح الاتحاد السوفيتي، وذلك قبل الحرب العالمية الثانية، في جامعة كامبريدج، حيث تأثروا بالأفكار الشيوعية التي كانت ذات بريق خاص في ذلك الوقت، والذين استطاعوا بذكائهم أن يصلوا إلى أعلى المراكز الحساسة في المخابرات البريطانية، (اللجنة، 1993: 282)

حيث تمكن (انتوني بلانت) من الوصول إلى مراكز رفيعة في بريطانيا على الصعيدين الدبلوماسي والجاسوسي، إذ كان في ألM15  وكالة الأمن القومي. وزميله (هارولد فيلبي) وصل لقلب أل M16  المخابرات البريطانية، والآخران في أجهزة خاصة تدور في فلك أل M15  وال M16  من جهته. وقد اعتزل (بلانت) العمل الجاسوسي عام 1945 بعد أن سرب معلومات عسكرية قيمة للسوفيت خلال الحرب العالمية الثانية. (بلوخ، 1991: 72)

وعبر دافع العقيدة قرر ضابط برتبة عسكرية متوسطة يدعى (بيتاني) أن يعمل متطوعاً لحساب المخابرات السوفيتية، ولذلك إتصل بنفسه ثلاث مرات بعدد من المسؤولين السوفيت، كى يعرض عليهم خدماته، رغم أن عروضه هذه، لم تحظ بالقبول من جانب المخابرات السوفيتية في البداية فقد قام لتأكيد صدق نواياه بتسليم السوفيت” وثيقتين سريتين ” تحتويان على تقييم أعده جهاز     ” إم – 15 ” لنشاط المخابرات السوفياتية فى بريطانيا. (الجزائري، 1992: 115)

وقد كانت (ارمجارد شميدت) عميلة محترفة في جهاز مخابرات كانت له صولاته وجولاته، واحدة من هذا النوع من العملاء الذي يتقن اللعبة ويديرها ببراعة الساحر الذي ينام فوق المسامير مستشعراً في نومه هذا لذة غامضة تبدو للمراقب مثيرة وغريبة في نفس الوقت، ذلك أن أحداً لم يعرف عن (ارمجارد) إيمانها بالشيوعية، أو ولاءها لها. (مرسي، 1996: 22)

وأما أشهر العملاء اليهود الذين عملوا لصالح الشيوعية عن مبدأ، ضد دولتهم اسرائيل منهم:

(أهارون كوهين) وعمره 52عام وهو عضو الكيبوتس، ويعتبر احدى الشخصيات المركزية في حزب ( مبام )، وفي حركة (الحارس الصغير) هو ذو شهرة واسعة.

و(شبتاي كلمنوفيتش) هاجر إلى إسرائيل وعمره 23 عام من الاتحاد السوفيتي، ودخل المعهد في إسرائيل لتعلم العبرية، وقد خدم في الجيش الإسرائيلي، وشارك في نشاطات إسرائيلية لصالح يهود روسيا.

والعقيد (يسرائيل بار) كان رجل المابام البارز الثاني الذي اعتقل بتهمة التجسس قريباً من رئيس الوزراء وكسب ثقة بن غوريون. وقد ولد في فينا في عام 1912 وكان اشتراكيا من صغره، درس في كلية عسكرية في النمسا وتطوع ” للواء الدولي ” الذي كان يحارب في ألبانيا، وهاجر بير إلى فلسطين في عام 1938، وتم الترحيب به في الهاغاناه نتيجة خبرته القتالية.

وكذلك (ليفي ليفي) وهو أحد العملاء الأوائل للمخابرات الشرقية في إسرائيل، وهو من مواليد بولندا لأبوين يهوديين، وقد كان نشيط في حركة الشبيبة الصهيونية في 1947.

وكذلك (افريم سمويل) مهاجر من رومانيا في مارس 1965 اقتحم رجال الوحدة التنفيذية التابعة للشاباك شقته واعتقل هو وزوجته حيث كانا عميلين للمخابرات الرومانية.

وكذلك البرفسور كورت سيطا) الذي اكتشف في عام 1960 بعد أن تغلغل داخل مجتمع إسرائيل العلمي. وقد ولد عام 1910 في تشيكوسلوفاكيا لأسرة المانية غير يهودية، ودرس في براغ، واعتبر عبقرياً في الرياضيات والفيزياء، واعتقلته الغستابو وسجن في معسكر الاعتقال لأن زوجته كانت يهودية، وكان معه في المعتقل بعض الشيوعيين البارزين، الذين عمل بعضهم للمخابرات التشيكية، بعد الحرب، ثم جندوه ليصبح جاسوساً معهم. (الجزائري، 1992: 115)

3- الدوافع العاطفية: وهي مجموع العوامل المتقلبة التي تغشى شعور الإنسان في ظروف معينة وأوقات معينة، حيث تتأجج في النفس مشاعر الحب والكره أو الغضب أو الخوف، وهذه عوامل غير ثابتة، ويمكن إيقاظها أو إخمادها، أو توجيهها وتسعيرها تبعاً لشخصية الإنسان.   وإذا تحدثنا عن دوافع التعامل والتجسس، فإن ظاهر هذه الدوافع غير بواطنها، فبالرغم من أهمية الدافع المالي مثلاً، فإن الدوافع العاطفية للعملاء والجواسيس تكون أحياناً أكثر من الدوافع المالية. بل أن الدوافع المالية الدافعة للتجسس، ربما تكون ذاتها قد تولدت نتيجة ضغط الدوافع والحاجات العاطفية. (2: Richards, and Heuer ,1999)

ويمكن أن نحيز الدوافع العواطفيه في ظاهرة التعامل والتجسس، مع الأعداء، إلى عاطفتين هما:

أ- عاطفة الحقد على المجتمع أو الدولة: إن من أبرز هذه العوامل دوافع الحقد والكره للنحن، والإعجاب أو الانبهار بالآخر (الهم). ولأن هذه الدوافع عامة غير ثابتة، فإنه يمكن استغلالها لخدمة أغراض التجنيد، وتوجيهها إلى دوافع أكثر ثباتاً واستقراراً في شخصية العميل.

ولإن المال ليس كل شيء في اكتساب العملاء، فإن هناك دوافع أخرى اكثر أهمية مثل: دافع عاطفة الحقد والكره للمجتمع أو النظام، أي أن العميل الذي يجري الاتصال معه للمساعدة على معرفة أمور في بلده، لابد وأنه يحقد على الحكم الموجود في البلد، وبالتالي يقوم بالمساعدة، حيث أن الشخص الذي قد سبق أن أبدى شعور المعارضة لحكومته أو كرهه للنظام القائم فيها. تبدأ عملية التجنيد بإقناعه بأولوية الاختيار العقيدي على واجباته نحو بلاده، وأن ثمة وسائل تمكنه من تأدية خدمة حقيقية لبلاده وشعبه بالتخلص من هذا النظام عبر التعاون مع دولة أجنبية تشاركه هذه العاطفة وتملك القدرة على مساندته. ولكن قد يختلف سبب الكره والحقد، من شخص لاخر فربما البعض يحقدون على مجتمعهم أو على نظام الحكم فى بلادهم، بسبب الحرمان من الحقوق العامة أو على استثنائهم من وظائف معينة لمصلحة آخرين، أو بسبب الظلم والجور الذي يتعرضون له فى حياتهم اليومية، وأياً كان السبب فإنه ومن خلال هذه العاطفة يمكن تجنيدهم للتعامل والتجسس.

وقد يعتبر العميل أو الجاسوس الذي يعمل ضد بلاده بسبب حقده على أوضاعه، من أخطر الجواسيس وأكثرهم عمقاً. لإنه يريد خراب بلاده على يديه ولا يتحقق حلمه إلا بتخريب البلاد وما فيها من مؤسسات، ولذلك قد يعمل لمصلحة المخابرات الأجنبية بالمجان أو لقاء أجر زهيد، ولكنه على كل حال قليل المطالب، ولذلك لربما يكون من أفضل المنتظمين في العمل التجسسي.

ولكن ليس كل حاقد على بلاده عنده الرغبه أو الكفاءة للعمل على تخريبها، ولكن يعتبر الحاقد صيد ثمين لكل إستخبارات أجنبية تبحث عن أعشاش لها في أي بلاد تهتم بها.

ومن أمثلة على هذا الصنف من العملاء والجواسيس الذين دفعهم حقدهم على التعامل والتجسس:

العميلة (داليا المصرية) التي دفعتها عاطفة الكره والحقد عل النظام للارتباط مع المخابرات الإسرائيلية وهى سليلة أسرة ارستقراطية تم تأميم ممتلكاتها، بعد ثورة يوليو، ومات والدها ووالدتها حسرة على ضياع تلك الثروة والمكانة فدخلت لها المخابرات الإسرائيلية من هذا الباب، واستغلت وضعها وحقدها على النظام، وعرضت عليها الارتباط، فوافقت لإشباع هذه الرغبة الجامحة في الانتقام من النظام. (عقلان، 1986: 45)

والعميلة (أمينة المغني) من الأردن – الحاصلة على دكتوراه في علم النفس – قد دفعتها هذه العاطفة لأن ترتبط مع المخابرات الإسرائيلية. وذلك أثر تصفية مستشفاها من قبل وزير الصحة الأردني، مما جعلها تغادر وطنها وهي تحمل له مشاعر الحقد والكره، بل وضد جميع العرب، حيث سافرت إلى النمسا وتعرفت هناك على طيار نمساوي يهودي سرعان ما تزوجت منه، وأدى بها هذا الوضع إلى الوقوع فريسة في أيدي المخابرات الإسرائيلية التي جندتها ضد بلدها.

وبنفس هذه العاطفة ارتبطت إمرأة تدعى ( أ. م ) المولودة عام 1935، من أسرة شركسية مسلمة في الأردن، قد جندتها الموساد في فينا عام 1972، بعد أن وقعت في غرام طيار إسرائيلي كان يزور النمسا. وقد كانت مهمتها التي قبلتها بسبب كراهيتها لمنظمة التحرير الفلسطينية تتمثل في الانتقال إلى بيروت في أوائل عام 1973 والالتقاء والتعرف بأكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في الثورة، وقد ساعدها الإسرائيليون على إنشاء عيادة لها شهدت نجاحاً كبيراً عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حيث كانت تعالج الفلسطينيين الذين جرحوا أثناء الدفاع عن أحيائهم ومخمياتهم مما ساعدها على مصادقة ضباطاً كبار في منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت في الليل تكتب كل شيء رأته وسمعته وترسل تقاريرها في صناديق الرسائل المهجورة في بيروت، ليأخذها فيما بعد جاسوس غير مرئي. وقد نقلت معلومات لإسرائيل ذكرت بأن (حبش) زعيم الجبهة الشعبية سيكون في الطائرة التي اعترضها الطيران الحربي الإسرائيلي وأرغمها على الهبوط في إسرائيل.

وأما العميل (جان بيير) الأستاذ في معهد التقنية الإسرائيلي في تخنيون بحيفا، فإنه أصبح عميلاً للمخابرات المصرية، كونه يكره النظام العنصري للمجتمع الذي يعيش فيه. حيث لم يتبلور لديه بعد الانتماء لهذا الوطن الذي هاجر إليه وهو في سن الخمسين من دول أوروبا، رغم انه حصل على وظيفة وعاش في بحبوحة خصوصاً وأنه غير متزوج ولا يتحمل سوى أعباء نفسه فقط.

أما العميل (توماس) وهو من أصل أرمني مصري، فقد ارتبط بالموساد الاسرائيلي، ثم ذهب الى القاهرة في 1958، وبدأ بتجنيد العملاء والمخبرين لشبكته، وكان بين الحين والآخر يسافر إلى ألمانيا الغربية للاجتماع مع رؤسائه، لابلاغهم بالمعلومات العسكرية التي كان يحملها معه، ثم يعطونه أموالاً وأوامر جديدة. وفي إحدى هذه الرحلات، التقى بإمرأة المانية غربية تسمى       (كيتي بندهوف) وبعد علاقة غرامية عاصفة تزوجا، وذهبت معه إلى القاهرة. ثم قام بتجنيد زوجته إلى شبكته، وجعلها بعد ذلك رسوله المفضل للموساد.

اما العميل (سمير وليم باسيلي) المصري الجنسيه، فقد سافر من مصر لألمانيا للعمل، وأثناء جلوسه في مقهى تقدم منه شخص وجلس بجواره، وأخذ يتبادل معه الحديث وسأله عن مصر والأحوال فيها. وعندها انطلق سمير يهاجم بلده، ويعلق على الأمور بطريقة سرَّ منها ضابط الموساد (هانز) قرر أن يجنده بعد أن وجد فيه استعداداً للتعاون، مما شجعه أن يقدم نفسه إليه  باسم الرائد (موسى) من المخابرات الإسرائيلية، ثم عرض عليه الارتباط، فوافق على الفور.

أما العميله (هبة سليم) فتكاد تقترب في ارتباطها من المستوى العقائدي، لولا أنه من الصعب جداً والنادر أن تجد عملاء أيدلوجيين يعملون لصالح اسرائيل من العرب أو الفلسطينيين. ولكن قد نجد من يتعامل كرهاً للنظام الحاكم، لدرجة قد يدفع باتجاه أن يقتنع بإسرائيل كدولة لها حق الوجود وينحاز إلى موقفها ولو على حساب أصحاب الأرض الشرعيين. وهكذا كانت هذه العميلة المصرية فائقة الذكاء والجمال، التي كانت بموقفها هذا مفاجأة للضابط الإسرائيلي في باريس الذي جندها للمخابرات الإسرائيلية، عندما اكتشف انحيازها التام للوجود الإسرائيلي في فلسطين، وحقهم في إقامة وطن خاص بهم، وأوضحت اعجابها بقدرة اسرائيل على دخول أي معركة والانتصار فيها. كما أكتشف من خلال حديثه معها بأنها تعشق الحياة المرفهة والمترفة، ورغبتها قوية في اقتناء المال والمجوهرات بأية طريقة، فكان لها ما أرادت وكان له ما اراد.

ب- عاطفة الحقد الشخصي: يعتبر الحقد الشخصي دافعاً مهماً للتعامل مع العدو والمحتل. وهذا الحقد هو بمثابة حقد شخص على غيره من الناس لسبب من الأسباب قد يكون  سبب مادي أو سبب معنوي اعتبر (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق، أن أحد العملاء الذين تجندوا معة كان الدافع له للتعامل هو الحقد الشخصي على أثر منافسة وخلاف تجاري مع أحد السكان العرب. قال: ” في أحد ايام الصيف تم إبلاغي بوجود قروي يسكن في منطقة مليئة بالفدائيين يطالب بتصريح للتجارة في مناطق إسرائيل، دعوته لمقابلتي وطلبت منه التعاون معي، فقام على الفور بالرد بالإيجاب، وأعطيته موعد للقاء في مكان محدد ليس بعيداً عن القرية، وكان من المفروض أن يجلب المعلومة الأولى له في خدمتنا، وقبل الوقت المحدد بقليل، وكنت أستعد للذهاب للقائه برفقة الحراس، وفي اللحظة الأخيرة تم إبلاغي أن شخصاً مجهولاً يريد مقابلتي بسرعة، فعدت فوراً لمكتبي، فوجدت قروياً متوتراً. وقال : كابتن يعقوب قل لي أنا أعرف أن لك لقاء هذا المساء مع (…) وذكر اسمه، وذكر مكان اللقاء. وحذرني وقال ” لا تذهب لأنه يوجد هناك فدائيين نصبوا لك كمين من أجل القضاء عليك. فسألته: ما الذي دفعك لتحذيري، فكان رده بالنسبة لي صادقاً. عندما قال : منذ زمن بعيد يوجد بيني وبين هذا الشخص علاقات سيئة على خلفية خلاف تجاري معه، ولذلك عندما سمع بالصدفة حول الكمين المخطط لقتلي، أسرع لإبلاغي ليس من أجل إنقاذ حياتي، بل من أجل إدخال خصم له للسجن طوال سنوات عديدة. ولذلك خرجت قوة عسكرية إلى المنطقة، وقامت بمحاصرتها واعتقال الخلية والشخص الذي كان من المفروض أن يكون عميلاً. (بري، 1999: 49)

4- دوافع المتعة الحسية: تشكل المتعة الحسية أحد الدوافع الهامة التي تدفع بعض الناس، عبيد شهوتهم للتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي. ولكن يحب أن نلاحظ أن بعض الناس يجرون جراً لهذا العمل الخسيس، إما باستغلال حاجتهم وهو الأغلب، أو باستغلال ضعفهم النفسي، وجبنهم وانحرافهم الأخلاقي، وعقدهم النفسية. (عاقل، 1973: 234)

ومن أحد هذه الدوافع الجنس والمخدرات والمشروبات، أوالمخالفات الاجتماعية الأخرى التي عبرها يسهل ابتزازهم وتهديدهم وربطهم. ولقد كان من ضمن سياسة السلطات إدخال أكبر كمية من المخدرات للمناطق، أو غض الطرف عن إدخالها والمتاجرة بها، بهدف هدم الشباب الفلسطيني وإبعاده عن العمل الوطني. (بتسيلم، 1993: 1 )

ب) ضغط الواقع:

وهو يتمثل في عمليات الضغط التي يتعرض لها الفرد من واقع الحياة نفسها، ومن خلال الموقف الآني الذي يجد نفسة فيه وبالتالي لا يستطيع التصدى لهذا الموقف، سواء كان هذا الموقف الضاغط، يمثل ضغوضاً جسدية كعمليات التحقيق، أو ضغوضاُ نفسية كالمقابلات المفروضه مع ضباط المخابرات، أو ضغوطاً اقتصاديه عبر المساومه على مصدر الرزق، أو أخلاقية بتشوية السمعه الاجتماعية للفرد، أو غير ذلك من المواقف الذي يتعرض له الشخص ولا يستطيع تحملها، أوالصمود حيالها. وبالتالي تضعف وتخور عزيمته، وينهار ويركع أمامها.   وهذا ما سوف يتناوله الباحث من خلال قسم الأساليب والوسائل التي يستخدمها العدو  الاسرائيلي في تجنيد العملاء والجواسيس.

” أساليب ووسائل المخابرات الإسرائيلية في تجنيد العملاء “

تمهيد:

إن الاحتلال يعتبر الدافع والعامل الرئيس وراء ظاهرة  التعامل. ولقد لجأت سلطات الاحتلال لشتي الوسائل لتجنيد العملاء مثل: الاجبار، والإكراه، والإغراء، وهذه أمور محظورة حسب القوانين والمعايير الدولية. لذا فإن تلك السلطات تخرق تلك القوانين عند لجوئها لمثل تلك الوسائل. ويجب أن يكون لدينا القدرة علي التمييز، ما دامت سلطات الاحتلال هي الدافع الرئيس لظاهرة التعامل، وما دامت تلك السلطات هي تخرق القوانين الدولية. (زيداني،2001: 53)

والإحتلال هو الإحتلال، حبث معظم الأساليب والوسائل التي يستخدمها متشابهة، بالرغم من وجود فرق بين الوسائل من بلد إلى آخر، فإن هناك بلا شك شبه إجماع على أن أهم الوسائل التي يتم من خلالها ربط وإسقاط العملاء هي ” المال والجنس والعاطفة والمصلحة والابتزاز” ، إلا أن هناك فوارق في إعطاء الوسيلة الدرجة الأولى في سلم الأولويات من بلد إلى آخر. فمثلاً في بلد مفتوح كأمريكا شكل المال، والعقيدة الوسيلتين الأهم في ربط العملاء. في حين شكل الجنس والمال الوسيلتين الأهم في الربط للتعامل بالنسبة للعرب. (الجزائري،1991، 342)

وقد ركز (يهودا جيل) أحد الضباط البارزين في جهاز المخابرات الإسرائيلي، في محاضرة له عن وسائل وأساليب،على ثلاث وسائل. فقال: بأنه توجد ثلاث صنابير رئيسية للتجنيد ” المال أو الحاجة المادية، العاطفة سواء كانت الأيديولوجية أو الانتقام، الجنس والملذات الشخصية” (استروفسكي،1990: 83)

ولكن يمر المرشح بمراحل عدة من الاختبارات قبل تجنيده، كما أن الاستقصاءات حوله تتناول كل الأمور حتى ما يتعلق منها بعلاقاته الجنسية، ومدى تأثير هذا النوع من العلاقات على سبيل الاختبار. وإذا مضى بنجاح هذه الفترة، عين بشكل نهائي. لكن هذا لا يمنع من وضعه في الاختبار أو تطبيق جهاز كشف الكذب عليه. (كان، 1987: 67)

أما في فلسطين فقد كانت الوسيلتان الأهم في تجنيد العملاء هما الحاجة المادية، والجنس. وأهم طرق التجنيد للعملاء تتم بطريقتين: بطريقة مباشرة، أوغير مباشرة.

الطريقة المباشرة: وهي التي كانت تتم عبر ضباط المخابرات الإسرائيليين للعميل مباشرة بدون واسطة أو تدخل من قبل وسطاء آخرين.

الطريقة غير المباشرة: وهي التي كانت تتم عبر أحد العملاء الذين تم ربطهم وإسقاطهم سابقاً، عبر المقابلات لضابط المخابرات أو الاعتقال أو التحقيق، أو الابتزاز وتتم هذه الطريقة في الغالب عبر عمليات الإسقاط الجنسية، أو الملذات الحسية الأخرى والضغط، بتسهيل بعض المعاملات الشخصية، أو الإغراء بالمال، أو تحقيق الوجاهة والمركز الاجتماعي، أو استغلال الخلافات العشائرية، أو ما شابة ذلك. (الناطور،1993 :143)

وكانت تعتبر الطريقة غير المباشرة، من أهم طرق الإسقاط في حظيرة الشاباك– قبل قدوم السلطة الفلسطينية عن طريق عدة أساليب ووسائل، أهمها الإسقاط الجنسي. حيث توقع المخابرات المنحرف بورطات متعددة لها علاقة بوضعه الشاذ، وتصويره في أوضاع شاذة، ثم تهديده بنشر بهذه الصور. وكانت المخابرات الإسرائيلية تحاول وضع يدها على الخلايا الفدائية، وبالتالي تحاول اختراق الشباب الوطني عبر تجنيد عدد من العملاء يستعملون الترغيب والترهيب لذلك. (عيسى، 1990: 7)

أ) أسلوب الترغيب: عن طريق الاغراءات، التي تعرض للعملاء المكلفين من قبل أجهزة الشاباك الإسرائيلية، أو ضابط المخابرات. كالتودد للمرشح بكرم الضيافة والاهتمام والهدايا، في المناسبات، وبذل المساعي الحميدة للمساعدة، عند الضرورة، وتحقيق بعض الفرص المادية أو المعنوية للمرشح، كمنحة فرصة عمل “وهمية ” لزيادة دخله أو تأمين بعثة دراسية لولده أو قريبه. إلى غير ذلك من الوسائل التي تجعل مصلحة المرشح في إبقاء العلاقة مع الضابط ومحاولة التودد إليه والتصرف معه من هذا المنطلق. بعبارة أخرى لا بد للضابط المجند أن يخلق جسوراً مادية ومصلحة تربط العميل به حتى يصبح وضعه العام معتمداً إلى درجة كبيرة عليه.

ب) أسلوب الترهيب: هناك نوعية من المرشحين للتجنيد لا تسمح دوافعهم وشخصياتهم ومراكزهم الاجتماعية والسياسية بالتجاوب مع أهداف أجهزة استخبارية بعينها، أو قد يكونون على النقيض تماماً معها، وهنا لا بد من استغلال الأسلوب القهري لإجبار المرشح للقبول بالعمل تحت طائلة التهديد والفضائح والابتزاز، كرؤساء بعض الدول، وكبار الموظفين السياسيين في الدولة والقياديين، ومسؤولي التنظيمات السياسية والثورية، والعلماء والمفكرين.

كما وتأخذ الأجهزة الاستخبارية في حساباتها، الأشخاص الذي يمكن أن يصلوا إلى السلطة مستقبلاً فتعمل على تجنيدهم سلفاً وتكبلهم بكثير من وسائل التهديد والابتزاز بحيث لا يستطيع أحدهم مجرد التفكير بالسير على غير خطي مجنديه. (شحادة، 1992: 18)

وقد تبين أن أغلب العملاء والجواسيس يتم تجنيدهم عبر الوسائل والأساليب الآتية:

 من خلال استغلال الوضع المادي والحاجة لدى الفرد.

 من خلال استغلال الجوانب العاطفية للفرد، كالحقد والكره للمجتمع أو للآخرين أو للنظام أو الإيمان بمبدأ أو عقيدة معينة.

3-من خلال استغلال الملذات كالجنس، والخمر، والمخدرات، والميسر، وما إلى ذلك.

4-من خلال وضعهم تحت الأمر الواقع وتهديدهم بكشف أعمال سبق أن ارتكبوها.

5- عبر عمليات الخداع والابتزاز والاستدراج والتوريط، ثم استغلال ذلك.

6- من خلال الضغط على الفرد عبر عمليات الاعتقال أو التحقيق.

أولاً: الوسائل والأساليب المادية:

وهي أهم الوسائل وأشهرها على الإطلاق، حيث تعتبر لدي جميع أجهزة المخابرات في العالم، بمثابة العامل الأكثر شيوعاً واستخداماً، وتفوقاً ونجاعه في مجال التجسس.

أ) العميل المادي: هو الذي لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة، ويبدى استعداده ليكون عميلاً للاستخبارات، ضارباً عرض الحائط بمصلحة بلاده، وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه.

إن المخابرات تؤمن إيماناً شديداً بما يسمى الأسلوب المادي أو الاقتصادي، حيث يركز ضباط التجنيد على إتباع هذا الأسلوب، على الأفراد الذين يضطرون له من أجل المعيشة ولقمة العيش، أو الغارقين في الديون، أو على أولئك المعروف عنهم أنهم مستعدون لعمل إي شئ لقاء مبلغ من المال. فالشخص الذي يبحث عن مصلحة ذاتية يريد أن يحققها بغض النظر إن كانت تتصادم مع مصالح الغير أو تتوافق معهم. – كأن تكون رغبة تعذر عليه تحقيقها، كالمخدرات أو الاتصالات الجنسية، أو حتى راغباً في مغادرة البلاد، أو الانفصال عن أسرته، أو راغباً في الحصول على مركز جديد – لا يضيره أحد مهما كان. (عاقل، 1973 :232)

ولعل نشاطات المخابرات الإسرائيلية في العالم العربي عامة، وداخل الكوادر الفلسطينية خاصة، تعطي المثال الحي على كون المال، هو الوسيلة المتفوقة في مجال التجسس لديها.

وهذه بعض الشواهد التي تبين دور المال وأهميته في عملية الربط والتجنيد.

1- حب المال: العميل (ضرار قاسم)، الفلسطيني الجنسية الذي كان عميلاً للموساد، حيث كان يعتبر اللاعب الأهم من بين عدد من العملاء، باعتباره السائق الشخصي لياسر عرفات وأحد عناصر القوة 17، وقد جند عميل للموساد عام 1977 عندما كان يدرس الفلسفة فى بريطانيا. من خلال جشعه الكبير في حب المال، حيث كان يرسل التقارير يومياً تقريباً، من خلال نظام اتصال لاسلكي، و أحياناً يرسل المعلومات بواسطة الهاتف، أو يرسلها بشكل دوري بالبريد. وفى حصار بيروت، كان قاسم يقدم التقارير للموساد من داخل قيادة منظمة التحرير.

أما الكابتن طيار (عباس حلمي) المصري الجنسية، والذي كان عميلاً مع – جهاز أمان الإسرائيلي فقد هرب إلى إسرائيل عام 1964 بطائرته التدريب السوفيتية الصنع، وقد استقبل استقبالاً حاراً، لأنه كان يعتقد أنها طائرة مقاتلة. ولكن المعلومات التي قدمها لأمان كانت هامة عن أسلحة الجو العربية. كما استخدم حلمي لأغراض أخرى، حيث أدان علانية تدخل مصر في اليمن آنذاك. ولذلك أعطى مساعدة مالية ووظيفة جيدة في إسرائيل، لكنه لم يستطع أن يتكيف مع الحياة فيها، فقرر الذهاب إلى أمريكا الجنوبية، حيث وفرت له الموساد وثائق ثبوتية جديدة وأعطته مبلغاً كبيراً من المال لمساعدته لبدء حياة جديدة في الأرجنتين.

أما العميل (بهجت يوسف حمدان)، العميل المصري للموساد، الفاشل في حياته ودراسته، المنغمس في الترف والرذيلة، والباحث عن المال بأي ثمن. فقد إستطاع ضابط المخابرات الإسرائيلي ” جورج ” – نتيجة لما لمسه من أخلاقه وطباعه وعاداته وآماله، وبحثه عن المادة والمال بأي ثمن، ولو كان عن طريق الشيطان – أن يجنده بعدما اطمأن إليه، وصرح له بأنه ضابط في المخابرات الإسرائيلية، فما كان من بهجت إلا أن وافق فوراً على التعامل على هذا الأساس المادي.

كما كانت العميلة للنازي (ميلاني كينان) مثال المرأة الشحيحة الجشعة التي تستميت في سبيل المال ولا تتورع عن اقتراف الكبائر والصغائر للحصول عليه. حيث عرف عنها هذا الحرص أبناء قومها البلجيكيون، الذين كانوا على يقين بأن هذه المرأة التي تملك مقهى ” السنفوني” على الطريق الممتدة من ” تربلون” الى ” شيماي” لا تحجم عن ارتكاب أسوأ الأعمال من أجل قرش واحد. .(كان، 1987: 67)

2- المصلحة المتبادلة: وهى تنشأ عادة بين أشخاص أصحاب مصلحة ما وبين من يحقق لهم هذه المصلحة. أو لوجود مصالح معينة مشتركة بين الطرفين وهكذا فقد تنشأ مصلحة معينة – بغض النظر عن التوجه الفكري – لتربط جهتين متنافرتين للسير معاً لتحقيق تلك المصلحة، وهذا النوع من الدوافع يصلح لتحقيق هدف معين فى فترة معينة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: عميل الموساد الإسرائيلي السعودي الجنسية الملياردير (عدنان الخاشقجي) الذي جرى تجنيده قبل عام 1984، والواقع أن صورته الاستعراضية التي كتب عنها الكثير قد فصلت في إسرائيل، ولم يكن الخاشقجي يتقاضى راتباً منتظماً من الموساد كما يفعل العملاء النظاميون لكنه كان يستخدم نفوذ الموساد في العديد من استثماراته. وكان يحصل على القروض كلما واجه أزمة أو ضائقة مالية كما أن مبالغ كبيرة من أموال الموساد كانت تمر من خلال شركات الخاشقجي التي أنشئ العديد منها بالتعاون مع اليهودي (عافاديا غاون) وهو ثري كبير من أصل مغربي مقيم في فرنسا، والذي كان يلجأ إليه عند الحاجة إلى مبالغ كبيرة.

وقد كان يستخدم الخاشقجي من أجل الأمراء والأغنياء من العرب لحساب الموساد الإسرائيلي، حيث يقدم عارضات الأزياء المضيفة لضيوفه من الأثرياء العرب وغيرهم.

وقد عرضت محكمة جنايات ” نيس” في فرنسا قضية دعارة راقية كان مسرحها منطقة   ” الكوت دازور” وامتدت أحداثها حقبة من الزمن وبلغ عدد المتهمين فيها عشرة من النساء والرجال كانت تقودهم امرأة في الحادية والأربعين من عمرها تدعى ” ميراي جريفون” كانت تمارس نشاطاها غير المشروع تحت غطاء وكالة لعارضات الأزياء الجميلات إقامتها في فيلا قريبة من موناكو وكانت هذه السيدة تقوم بتقديم الفتيات الجميلات الشقراوات على وجه الخصوص إلى طلاب اللذة من الأثرياء والأمراء العرب ورجال الأعمال والمليونيرات الأجانب. وقد كان العميل الأول لهذه الشبكة هو الخاشقجي نفسه الذي يذكره المتهمون تحت اسم الكابتن، وتبين من اعترافات المتهمين واقوال الشهود أن هذه الوكالة كانت تتميز بكثرة اتصالاتها وبقدرتها على تلبية طلبات الزبائن في أية ساعة من ساعات النهار أو الليل. وكانت ” مدام ميراي” ارضاءً لزبائنها من الأمراء العرب تدقق كل الدقة في اختيار فتياتها الشقراوات على أن يكن رائعات الجمال جذابات للرجال. (مجدي، 1996: 51)

ومن هذا النوع ما يتم التخلي عنه بعد انقضاء المصلحة مثل (مانويل نورييغا) الرئيس السابق لباناما، والذي ترجع علاقته مع المخابرات المركزية الأمريكية إلى فترة الخمسينات حين قدم نفسه مطاعاً لخدمتهما، فبدأ يوافيها بمعلومات عن زملائه الطلبة في كلية ديست العسكرية الأمريكية، وبعد التخرج التحق بخدمة المخابرات الأمريكية “رسمياً ” حتى بلغ إيراده منها في السنوات الأولى لتعامله معها كمخبر أو مرشد الشيء الكثير. (الجزائري، 1992: 229)

3- بيع المعلومات (العميل التاجر): وهو رجل يبيع ما لديه من بضائع مقابل ثمن معين من المال، وهذا النوع من العملاء لا يقيم وزناً لأي شيء إلا المال، حتى الوطن والأهل يمكن أن يكونا سلعة تباع وتشتري.

فالعميل (شاكر فاخوري) اللبناني الجنسية، الذي ذهب سعياً وراء المال للعمل في الكويت لأنه عاش حياة الرفاهية. وعندما نزول في قبرص عقد عزمه على الاتصال بالمخابرات الإسرائيلية وعرض خدماته عليها، وفعلاً ذهب إلى السفارة الإسرائيلية وطلب مقابلة الملحق العسكري فيها، وعرض عليه رغبته الصريحة بالتعاون معهم بتقديم ما عنده من معلومات عامة حالياً وما يطلبه منه فيما بعد.

وأما العميل (علي أكبر)، فهو طالب فلسطيني، اعتاد بيع المعلومات للموساد، وكان قد ارتبط مع الموساد عام 1972. حيث اتصل بنفسه بمركز الموساد في لندن وعرض عليهم التعامل، مقابل كمية كبيرة من المال.

4- العميل الهاوي (المرتزق): طائفة الهواة:  اذ أن أفرادها خونة لبلادهم، ووسيلة اختيارهم تختلف اختلافاً بيناً عن الوسيلة التي أتينا على ذكرها وقد هيئت في براعة لتناسب كل حالة على حدة، ولا تسعى الإدارة السرية السوفياتية في هذه الحالة إلى عملاء بارعين بقدر سعيها إلى رجال ونساء يكون في استطاعتهم بفضل مراكزهم او أعمالهم أن يزودوا تلك الإدارة بالمعلومات السرية مما شاهدوه ووعوه، او يكون في استطاعتهم سرقة هذه المعلومات، فالإدارة لا تبحث عن جواسيس مهرة بل ولا تسعى إلى رجال ونساء يستطيعون تقدير قيمة المعلومات التي يحصلون عليها، إنما هي تريد رجالاً مخلصين. (كوكريدج، 1993: 86)

والعميل من هذا النوع ينقل بارود ته من اليمين إلى الشمال وبالعكس حسبما تتغير معه الظروف، وهو قابل أكثر من غيره لأن يكون عميلاً مزدوجاً يعمل لمصلحة أكثر من جهاز في آنٍ واحد، وهؤلاء عملاء محترفون يعملون لمن يدفع أكثر، فيمكن أن يقوموا بالعمل لطرفين أو أكثر بدون وازع ضمير. وهذه النوعية خطرة ومريضة في ذاتها تسعى لتحقيق مصالحها الضيقة ولو على حساب المجتمع بأكمله ولا غرابه في ذلك فبعض الناس فطر على الفساد فالنميمة من طبعه والخوض في المشاكل هوايته، والتلصص على الناس من سجيته. هذا النوع الهاوي – المحترف يحار في كيفية إيجاد متنفس لأمراضه الذاتية (الداخلية)، إلي أن يتوفق بعميل لجهاز استخبارات يجرى بينهما التعامل.

ب) استغلال الوضع المادي الصعب أو الحاجات الملحة:

عبر استغلال هذا الأسلوب ارتبط أغلب العملاء مع العدو، وخاصة مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين:

1- من خلال تصريح العمل لداخل إسرائيل: إن بعض الأشخاص يكون في حاجة إلى المال فتضطره ظروفه الحياتية الصعبة إلى القبول بالمال الذي يعرض عليه مقابل الخدمات للاستخبارات الأجنبية، وان بعضهم يعلم تماماً أنه يقوم بدور العميل، وبعضهم الآخر لا يعتبر أن ما يقوم به هو العمالة بعينها.

ومن الأمثلة على ذلك: ( أ.هـ ) مواطن من رفح  جُند للأمن العام – الشاباك – أخبر بتسليم في ديسمبر 1993 أنه أُجبر للعمل كعميل من أجل رفع مستوى العائلة والحالة الاجتماعية لها. (بتسيلم، 1993:ج)

وقد استطاعت المخابرات الإسرائيلية عن طريق الوضع الاقتصادي، والحاجة المادية الملحة للعميلة (داليا المصرية)، أن تصطادها عندما ضاقت بها الحياة في روما، الذي ظهر إليها عميل للموساد وهو (ميل) العجوز الإيطالي، الذي كانت داليا تقترض منه الفلوس وجعلها توقع له شيك بلا رصيد، الذي كانت بداية التوريط والوقوع في فخ التعامل والتجسس مع العدو بسببه. (مجدي،1995: 38)

وكذلك الشاب المصري ( محمد إبراهيم كامل ) تم تجنيده أيضاً عبر استغلال وضعه الاقتصادي السيء، حيث ضاقت به الحياة بمصر، فذهب لإيطاليا للعمل، وهناك قابله يهودي كان يعرفه في مصر قبل هجرته. وقال محمد إن الحال زي الزفت في مصر وأحس اليهودي الماكر الذي لا يعرف إلا استغلال الفرص إن الفرصة سانحة. ومن ثم أغراه بالتعامل. وقال له تستطيع أن تحقق آمالك وتربح مالاً كثيراً فأنت صديق قديم يمكن الوثوق به، وأنا احتاج إليك في عمل. (مجدي،1995: 92)

وبنفس الأسلوب قامت المخابرات الإسرائيلية المتواجدة في مدن سيناء بتجنيد (إبراهيم سعيد شاهين) في العمل لصالحها مستغلة نفس أساليبها في إيقاع ذوي النفوس الضعيفة، وذلك لأن ظروف الاحتلال كانت قاسية على الأهالي الذين حرم معظمهم من مصادر رزقهم وعيشهم وأصبح بحاجة ماسة لأي عمل يسد به رمق عائلته. (الجزائري،1992: ج2،100)

2- من خلال الحصول على رخصة بناء: إذا أراد فلسطيني الحصول على رخصة بناء، كانت الحكومة العسكرية في الأراضي المحتلة تراجع الأمر أولاً مع ضابط المنطقة للشين بيت قبل الموافقة على منحه ذلك. كما لم يكن بمقدور أي تاجر عربي يرغب في تصدير محصوله من الحمضيات من غزة أو زيت الزيتون من الضفة الغربية الحصول على التراخيص الضرورية إلا بموافقة الشين بيت. لقد كان كل نشاط يومي تقريباً وكل دقيقة من الحياة الفلسطينية خاضعة لإشراف الشين بيت فيما يشبه صفقة عمل. إذا كان العرب يوفرون المعلومات، يحصلون بالمقابل على الأمن وفوائد ثانوية. (رافيف، وميلمان،1991: 145)

3- عبر تصاريح جمع شمل العائلات: لا يوجد شخص في المناطق تقدم بطلب خدمة أو تصريح من نوع ما من الحكومة الإسرائيلية العسكرية. ولم يتلق عرض من جهاز الأمن العام للعمل كعميل مقابل الاستجابة لطلبه. هذه هي طبيعة الاحتلال، أي شخص يحتاج أن يتقدم قليلاً في الحياة، أي شخص له طموح يواجه المأزق بمستوى معين. العميل (أ. ت ): قال في شهادة بتسيلم في أغسطس 1993، بأنه منذ عام 1967 يجب على المقيم في المناطق الذي يرغب في ضم زوجته من الأردن أو غيرها عليه أن يختار بين الدفع السنوي ثمناً لتصريح الزيارة الشخصي، أو البحث عن زوجة أخرى، أو التعامل مقابل الحصول على موافقة بلم الشمل للعائلة، الأمر الذي دفعة للتعامل مع الاحتلال. (بتسيلم، 1993: 9)

4- عبر تصريح السفر للدراسة: أحد وسائل الضغط القذرة، كانت منع الطالب من السفر للجامعة لاتمام تعليمه في المراحل النهائية من سني الدراسة، إلا إذا وافق على تقديم الخدمات الخيانية. أو أن يعتقل قبل الامتحان بفترة وجيزة، ثم يخضع للمساومة إما الشهادة عبر الموافقة على التعامل، أو ضياع المستقبل الذي كان يحلم به.(فتح، ب.ت: 18)

واما الطالب (عبد الله أبو ندى ) من مواليد القدس كان يدرس في القاهرة قبل حرب 1967، وبعد احتلال القدس، كان لا بد أن يحصل على إذن بالسفر من قبل المخابرات الإسرائيلية لإتمام دراسته وبدأت المضايقة له، ونقله من مكتب إلى مكتب ومن ضابط إلى ضابط حتى كاد أن ييأس من السفر، ثم أخيراً قابل ضابط أمن إسرائيلي الذي قدم له إذن بالسفر بشرط أن يتعاون معهم في جمع المعلومات في القاهرة. ويوفر له مقابل ذلك جميع النفقات الخاصة بالدراسة فوافق الطالب على ذلك خوفاً على مستقبلة الدراسي. (الجزائري،1991: ج2، 57)

واما المواطن (هـ. أ ) من قرية دورا الخليل قدم شهادة لبتسيلم في سبتمبر (1992) يوضح فيها الابتزاز الواضح بالتعامل مقابل السفره قال: لقد وصلت للجسر ومعي تصريح مغادرة للدراسة في مصر إلا أنه أعيد لي التصريح بدون توضيح الأسباب، وتوجهت للإدارة المدنية للاستفسار، وبدأ مسلسل المماطلة والتسويف لكي أوافق على التعامل مقابل السفر، ثم انتهى بي المطاف بعد رحلة طويلة من المعاناة إلى ضابط المخابرات الذي قال إنني أعرف عنك الكثير وأستطيع أن أرسلك إلى المعتقل، وقال أيضاً، ليس هناك غيري يستطيع أن يصرح بسفرك، ومستقبلك كله في يدي، إذا تريد مساعدتي فانا في المقابل أريد مساعدتك وقدم لي مالاً، وقال تستطيع أخذ ما تريد وسوف يكون لك سيارة جديدة وسوف أمنحك بطاقة هوية إسرائيلية تمكنك من السفر بحرية في إسرائيل، ولكنني رفضت ذلك العرض. (بتسيلم، 1993: 10)

ويعترف (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق بقوله: لقد استطعنا أن نجبر ونضغط بالمساومة والابتزاز في كسب عميل في حماس رغم الصعوبات الكثيرة التي وضعت أمامنا في عملية إدخال عملاء لحماس. ولكن في بداية التسعينات نجحنا وبجهود كبيرة بتجنيد عميل كان مقرب جدا لأوساط حماس، لم يكن إنسانا متدينا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه كثير التحرك بزيارة المساجد والاستماع للخطب والمحاضرات، والأهم من ذلك فقد حصل على ثقة نشطاء حماس، وكان يبلغ من العمر ثلاثين عاماً، ورغب في إكمال دراسته العليا في الأردن، فقام ضابط الشاباك باستدعائه من أجل أخذ انطباع عنه وبين الاثنين حصل اندماج وتفاعل، ففي البداية كان يزودنا بمعلومات عن نشاطات اجتماعية ودينية لحماس، وبعد ذلك ساعدنا في أمور جديه أكثر. (بري، 169:1999)

5- عبر تصريح تجارة داخل إسرائيل: المواطن ( أ. أ ) من قرية يعبد، قدم شهادة خطية مشفوعة بالقسم لمنظمة الحق في يوليو (1992) قال فيها: طلبت من العميل ( أ. ن ) أن يستخرج لي تصريح دخول لإسرائيل بسيارتي، وفعلاً استلمت التصريح مقابل تنكة زيت له، ولكن بشرط مقابلة المخابرات. وبهذه الطريقة بدأ مسلسل ابتزازي وتوريطي في تقديم معلومات لهم عن النشيطين في المنطقة. وبرغم تهربي من ذلك إلا أنهم كانوا يتفننوا في ابتكار طرق وأساليب للاتصال بي، حتى أنهم صدموا سيارتي، وكتبوا لي تعويض لكي أذهب لآخذه، ولكنني قررت عدم الاستمرار في المقابلات وقطعتها فعلاً. (بتسيلم، 1993: 11)

6- عبر تصريح السفر للعلاج في الخارج: في محادثة مع بتسيلم في أغسطس (1993) صرح محامي إسرائيلي بقوله: قبل أربع سنين طلب مني مواطن من المناطق المساعدة، حيث إن زوجته تعاني من مشاكل صحية تسبب لها انهياراً، وإنها تحتاج لعلاج طبي في الأردن” وقد وُعد الشخص باستجابة أكيدة على طلبه للتصريح  بشرط أن يتعاون مع الأمن العام الإسرائيلي. وبسبب الضغوط وافق على التعاون، إلا أنه في الممارسة لم يقدم معلومات إلى الأمن العام، والنتيجة كانت مسئولية نقض الوعد بمنح زوجته تصريح خروج إلى الأردن. (فتح، ب.ت: 18)

ثانياً: وسائل وأساليب المتعة الحسية:

أ) استغلال الجنس: إن العلاقة بين العمل المخابراتي والجنس قديمة قدم الجاسوسية نفسها، ففي كتاب يشوع في التوراة ورد أن الزانية رحاب قد أنقذت حياة أثنين من جواسيس يشوع، من بطش رجال ملك أريحا. وهذا أول إرتباط أزلي مسجل بين أقدم مهنتين عرفتهما البشرية. ومنذ البداية أعترف الموساد بقيمة الجنس في العمل الإستخباري. ويقول (مائير أميت) ” إنه سلاح آخر، فالمرأة تمتلك ملكات يفتقر إليها الرجال، بكل بساطة، إنها تعرف كيف تنصت للكلام، ويحفل تاريخ المخابرات الحديث بالكثير من قصص النساء اللاتي وظفن الجنس لمصلحة بلدانهن. ومن الحماقة القول أن إسرائيل لم تلجأ لهذا الأسلوب. (توماس، 1999: 199)

وكذلك تهتم بالجنس المخابرات الامريكية، حيث يعتبر الكاتب (برونزى) أن المخابرات الامريكية ” سى. أى. إيه ” تكاد تكون ذات مهمة وحيدة في العالم هى تخريب البشرية “. وهى لذلك مستعدة للتعاون مع الجميع لتحقيق هذا الهدف، وبوسائل قد لا تخطر على بال، والذي يرفض يتم تشويهه بطريقة بشعة. ومن النماذج على ذلك: أن رئيساً كاثوليكياً فى أحدى بلدان أميركا اللاتينية حول سياسته باتجاه لصالحه واشنطن. بسبب ” صورة ألتقطت له سراً وهو ينام فى سرير الممثلة الأميريكية المعروفة جماهيرياً (إليزابيث تايلور). وبالطبع فإن هذه الصورة الجنسية التذكارية أخذت من قسم المختصين فى المخابرات الأميريكية، وبالاتفاق الكامل مع الفنانة إليزابيث تايلور. هذا النموذج ينسحب أيضاً على العديد من الدبلوماسيين الذين يعملون فى واشنطن أو نيويورك ” مقر الأمم المتحدة ” إذ أن العيون المزودة بالأشعة ما تحت الحمراء ” تلاحق البعض منهم ” إلى داخل شققهم أو إلى داخل شقق أخرى مثل شقق بعض القوادين الذين يستدرجونهم لقضاء الليالى الحمراء، أو إلى شقق صديقاتهم اللواتى لا يعرفون أن معظمهن مرتبطات ” رسمياً ” بالمخابرات الأميريكية. حيث غالباً ما ينتهى الأمر بصفقة باهضة جداً لأن الارتباط بالمخابرات الأميريكية قد يكون ” أقل وطأة ” من فضيحة شخصية ترتدى الطابع العلنى الذى قد يصل ” إلى حد تدمير مستقبل أى مسؤول يقع فى هذا الفخ المخيف.

 ويشير (مايلز كوبلاند) في كتابة الشهير ” اللاعب واللعبة ” إلى أن ” الأسرار الهامة المتصلة بالأزمات الدولية إنما هي في أذهان الدبلوماسيين الأفريقيين والأسيويين والامريكين الجنوبيين، وبأن إستخلاصها منهم ممكن بواسطة نساء جميلات مدربات تدريباً خاصاً لذلك. ولهذا فإن وكالة الاستخبارات المركزية قد جمعت معظم موظفاتها من كليات شهيرة للبنات، مثل ” سميث دورا، اوكليف، وفاسار، وبراين مور ” حيث لديها معين من النساء اللواتي يمتلكن المؤهلات ويستطعن بالتالي خدمة بلادهن.

كما أنشىء لهذا الغرض في الاتحاد السوفيتي خمس مدارس لتخرج الجاسوسات الفاتنات فيها هى: ” جاكزيتا، براخوفكا، سويوزنابا، فوستكنايا ونوفايا” وهذ المدارس تخرج سنوياً أكثر من ألفى جاسوس من طراز ” جوردن لنسديل، وليام آرثر مورتيمور” ودكتور جيفرى نويل”.

وقد اعتبر (هاجن) أحد أبرز الجواسيس السوفيت الذي تخصص في عمليات تجنيد المخبرين، طوال السنوات السبع التي قضاها في مزاولة نشاطه التجسسي، أن الابتزاز خاصه عبر الإسقاط الجنسي من أحسن الأسلحة الفعالة لإجبار الضحايا على العمل لحساب المخابرات. ولذلك كان من أساليبه المألوفة، اقتياد ضحاياه إلى مساكن السيدات العميلات والتقاط صور لهن بآلات تصوير مخفية. (عبدة،1991: ج2،367)

وقد قام رجال جهاز مكافحة التجسس البريطاني ” إم – 15 ” بالقبض على سيدة لبنانية الجنسية، هي وزوجها رجل الأعمال اللبناني (غازي جعفر) بتهمة إدارة شبكة للتجسس، تعمل لحساب جهاز المخابرات السوفيتية “ك. ج. ب”. وكانت من أصل مجري (إيفا مارى إيروكساى) أو(إيفا مارى غازي جعفر) ، نسبة لاسم زوجها السابق، تعمل لحساب المخابرات السوفيتية في بيروت مع زوجها، ثم نقلا نشاطهما “لميناء ليماسول القبرصي، بعد أميال من قاعدتي ” أبيسكوبى وأكروتيرى ” وقد كانت حياة (إيفا مارى) مزدوجة. فهي أثناء النهار تلعب دور ” ربة بيت ثرية ” تقوم برعاية طفليها التوأمين، وزوجها رجل الأعمال اللبناني. وفي الليل تغير شخصيتها وتلبس ثياب امرأة عابثة، كل ما تفكر به التنقل بين ملاهي وحانات المنطقة، والبحث عن فريسة لاصطيادها. حيث لم تكن تجد صعوبة في اصطياد من تريد من الجنود، عندما تستخدم أنوثتها الطاغية لذلك. وكان الجنود لا يصدقون آذانهم وعيونهم عندما يسمعون من هذه الجاسوسة الحسناء حديث الإغراء، من بعد المعاناة بالوحدة. وخاصة عندما لا تمانع في اصطحاب الجندي الصيد إلى منزلها الآمن. وكانت السعادة تغمر الصيد الذي لم يكن يعلم ما ينتظره. والتي لا تطول كثيراً، ففي اللحظة التي يحاول التقرب منها أو لمسها، يظهر زوجها فجأة مقتحماً عش الغرام الوهمي، في الوقت المناسب. ويقوم هذا الزوج الوهمي وبشكل تمثيلي إتماماً  للمصيدة، بصفع الزوجة والهجوم عليها، مما يستدعى الصيد أن يحاول الدفاع عنها، عندئذ يبدأ الزوج الغيور في ممارسة التهديدات المختلفة، كإبلاغ البوليس الحربي البريطاني عنه، أو إبلاغ رؤسائه أو الاتصال بصحيفة لنشر هذه الفضيحة، وكل ذلك بغرض الضغط على الشاب الضحية كي يذعن لما يطلبه منه الزوج الذي يتظاهر بأنه مخدوع  بزوجته التي تخونه مع جندي أجنبي، وتستمر هذه التمثيلية تتخللها عملية المساومة والابتزاز إلى أن تستسلم الضحية وتذعن لإرادة الزوج وتوسلات الزوجة، وبذلك يقع الصيد أخيراً في شباك التجسس والعمالة.(الجزائري، 81:1992)

أما (أرفين سكاربيك) الذى كان من كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن. ثم نقل إلى السفارة الأميريكية فى ” وارسو ” بدرجة سكرتير ثان. فقد تم إسقاطه وربطه مع مخابرات الخدمة السرية الشيوعية. التي تستخدم السيدات الجميلات للابتزاز وتجنيد العملاء. ويروي (سكاربيك) قصته قائلاً: لقد قابلت فتاة بولندية تدعى (أورسزولا ديشر) في مقهى “بوارسو” واحترت في كيفية الاتصال بها، وشعرت أنه ينبغي أن أتعرف عليها، وأتحدث معها لأعرف من تكون واتجهت إلى مائدتها، وسألتها ما إذا كانت لا تمانع في أن أشاركها مائدتها، ولم تمانع في ذلك. وتجاذبنا أطراف الحديث، فصرت أكثر اقتناعاً من أمرها، بأنها غير تابعة لشبكات التجسس. وتقابلنا مراراً، ووقعت في حبها وتوطدت علاقتنا، وكانت علاقتنا مجرد قصة غرامية. وفي ليلة عيد الميلاد حيث كنت معها في مسكنها، اندفع ضباط البوليس السري البولندي ليفاجئونا نحن الاثنين في الفراش، والتقطوا لنا عدة صور فتوغرافية وبدأت المساومة للارتباط مما جعلني أوافق على ذلك. (هاتون،1980: 122)

وبأسلوب الإسقاط كذلك، استطاعت المخابرات الروسية ” الكي جي بي” التعرف على وظيفة (ايلياف) في السفارة الإسرائيلية، أن تعمل على إغوائه. فبينما كان ذات يوم متوجهاً من موسكو إلى جامعة لينغراد لاحظ أيلياف شابه جذابة في محطة القطارات في العاصمة، ذات مسحة أوروبية تندر في موسكو، وكان من الصعب مقاومة النظر اليها. والتقى بها ذات مساء في الفندق في لينغراد، ومع أنه كان شاكاً من أن الشابة قد ارسلت لإغرائه وايقاعه في حبائل “الكي جي بي” إلا أنه قرر أنه لن يتضرر إذا غازلها وكان يثق بأنه يستطيع الصمود أمام الإغراء فوقع، ولكن بسرعة نقلت الموساد. (ميلمان رفيف،1990 :87)

والعميلة (براجا) التي عملت لصالح ألمانيا أبان الحرب العالمية الثانية تقول في هذا المجال ” نحن جميعاً أنا ووالدي وأمي وأختاي جواسيس نعمل لخدمة المحور، ولقد طفنا ببلدان الشرقيين الأدنى والأوسط، وكنا نتعرف إلى الضباط البريطانيين ونغريهم بجمالنا وفتنتنا، ونجلس معهم على موائد الخمر والميسر، كي ننتزع منهم الأسرار العسكرية فننقلها إلى أبينا الذي كان بدوره يوصلها إلى سلطات المحور، عن طريق جهاز إرسال اللاسلكي دقيق كان يمتلكه. (التكريتي، 1986: 79)

أما إسرائيل فتعتبر الدولة الرائدة في استخدام الجنس والنساء لأعمال المخابرات والجاسوسية حتى أن للموساد مدرسة خاصة في تل أبيب لتخريج الجاسوسات بشكل أرتيستات وغانيات وبائعات هوى ثم إرسالهن إلى الأماكن الهامة في دول العالم. (الجزائري،1994 :83)

وقد ركز جهاز المخابرات الإسرائيلي على عامل الاسقاط الجنسي بشكل كبير جداً، حتى أن غالبية الذين تم ربطهم مارسوا الجنس أو مورس معهم –في زمن الاحتلال- وقد استخدمت النساء على نطاق واسع من أجل هذه العملية، حيث كُن يرسلن بواسطة الأمن الإسرائيلي لتجنيد عملاء ومتعاونين، بالطرق المشهورة تحت اسم ” الإسقاط “

وعرف مصطلح الإسقاط في فلسطين: بأنه يعني الابتزاز أو الضغط من خلال وسائل جنسية من أجل تجنيد العملاء. وقد مورس الإسقاط بطرق وأساليب مختلفة في المناطق المحتلة بفلسطين. ومن الأمثلة على ذلك : تصوير الفتيات أو النساء وهن عاريات، أو عند ممارستهن للجنس وتهديدهن بنشر الصور إذا لم يتعاون، مع المخابرات الإسرائيلية. أو قد يلجأ ضابط المخابرات بجعل امرأة عميلة تجبر فتيات على مصاحبة شبان عملاء، وبعد ذلك يتم الضغط على الفتاة لأن تصبح عميلة. أو قد يرسل عملاء ذكور أو إناث إلى زنازين الاعتقال لممارسة الجنس مع المعتقل في محاولة لكسر صموده في التحقيق. (الجزائري،1992: ج3،18)

وحسب العادة كانت تجند المخابرات النساء بواسطة تصويرهن عندما يكن عاريات أو يعملن عمل غير أخلاقي عبر عميل أو عميلة، ويقومون بتهديدهن إذا لم يتعاونّ معهم، بإرسال هذه الصور إلى أقاربهن. وقد استخدمت وسيلة الإسقاط والابتزاز عن طريق الصور الجنسية بنطاق واسع لدى الشاباك والموساد لأنه حسب طريقة تفكير الموساد، فإن مثل هذه الصور قد يكون وسيلة إقناع قوية لتجنيد العملاء. (بتسيلم،1993: 4)

ولكن أكثر الناس عرضة لهذا الأسلوب المنحرفون والشواذ جنسياً، لأنهم ذوي حياة غريبة وتصرفات تنافي المنطق السليم المتعارف عليه اجتماعياً ومعنوياً وأدبياً. لذا فالمنحرف الجنسي يعتبر دائماً هدفاً سهلاً لرجال المخابرات. وهم أفضل الضحايا الذين يبحثون عنهم للتجنيد والاستثمار. وخاصة إذا ما كان هذا المنحرف ذا مركز اجتماعي أو مالي أو أدبي مرموق. (وود،1990: 61 )

أهم أماكن الإسقاط:

1- المعابر والموانئ البرية والتجارية: هي الأماكن الأكثر استخداماً للمساومة والإسقاط، بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن جزء من الأراضي الفلسطينية. حيث بدأت أجهزة الأمن الإسرائيلية باستبدال مواقع المساومة التي أصبحت خارج سيطرتها، بالتركيز على مواقع أخرى لجعلها مراكز وبؤر للمساومة وللإسقاط. وذلك مثل: معبر بيت حانون –إيرز-، ومعبر الشجاعية–كارني-، والمعبر التجاري–صوفا-، وكذلك الموانئ البرية، ميناء رفح البري، ميناء الكرامة البري”.

2- مواقع العمل: وهي الأماكن الأخطر وذلك عن طريق أرباب العمل والذي قد يكون ضابط أمن، أو قد يكون صديقا له. وذلك داخل الخط الأخضر في إسرائيل.

3- صالونات الحلاقة والتجميل: العميل الفحماوي اعترف بأنه وبعض العميلات معه كانوا يستغلون صالون الحلاقة لاسقاط البنات حيث كانت تقوم صاحبة صالون الشروق في جنين مثلا بتصفيف شعر الفتيات ثم تخديرهن ويتم ممارسة الجنس معهن ثم يتم استدعاؤهن للمخابرات، وتحت التهديد والخوف من الفضيحة ترتبط الفتاة مقابل السكوت عن الفضيحه. (فتح، ب.ت: 10)

4- مراكز التدليك: وهذه إنتشرت من خلال عمليات التجسس بين روسيا وأمريكيا سابقاً. حيث كانت العميلة المشهورة للاتحاد السوفيتي (ليديا كوزازوفا) تحصل على معلوماتها من خلال استدراج زبائنها في مركز التدليك الخاص بها في ” فرانكفورت “.وكان مركزاً في ظاهره للتدليك، وفي حقيقته لتجنيد العملاء الجدد لـ K.G.B. حيث بات مقصد كل رجال الدولة الدبلوماسيين وضباط الجيش والأمن. وقد سخرت عشرات الفاتنات اللواتي يقمن بمهمة التدليك هذه مع الاستعداد لتقديم خدمات أخرى خلف الكواليس. وقد وقع في مصيدة فاتناتها العديد من الشخصيات الهامة التي كانت تسجل وتصور همساتهم وأوضاعهم المختلفة وتسلمها للمخابرات الروسية حيث أصبح لدى المخابرات الروسية أرشيفاً ضخماً لابتزاز كل هؤلاء الزبائن. (هاتون،1980: 108)

5- حركات التطبيع الشبابي ودورها في الاسقاط والتعامل:

بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل وفلسطين، ظهرت منظمات شبابية كثيرة تدعو للسلام والتعايش بين الشعبين، وقد استغلت إسرائيل هذه المنظمات بأن بدأت تنفذ مخابراتها إلى قلبها، وبالتالي عملت غسيل دماغ لهؤلاء الشباب صغار السن، مما سهل عليها بعد ذلك ربط عدد منهم باسم التعايش والسلام، من خلال إيقاعهم في ممارسات جنسية، أو الأغراء بالمال، ثم ابتزازهم للتعامل.

6-بيوت الدعارة: استطاعت ألمانيا في عهد هتلر إنشاء شبكة من الجاسوسات والعميلات وتوزيعهن على بيوت الدعارة والقيام بإسقاط العديد من الرجال. وقد قال هتلر في هذا الصدد بأن المرأة الألمانية أنفع بكثير من الرجل في عالم التجسس وأنه شديد الإعجاب بذكائهن وخططهن النسائية نظراً لتفوقهن بسلاح الإغراء وقدرتهن الهائلة على وضع الطعم القاتل لفريستها في جو هادئ. (عبد الهادي،1991: 91)

7-السياحة والوفود السياحية: قامت السلطات الإسرائيلية بإرسال بعض الساقطات “المومسات ” المحترفات والمصابات بمرض الإيدز ضمن وفود سياحية منظمة تأتي لزيارة مصر لعدة أسابيع ويقوم بعض أفراد هذه الشبكة النسائية الموجهة بالتعرف على الشبان المصريين المتهورين المائعين الذين يلاحقون ” السائحات الإسرائيليات حاملات الإيدز، ويقوم هؤلاء الشبان بممارسة الجنس معهن، وفي اليوم التالي سرعان ما يكتشف الشاب المصري أنه قد وقع ضحية للإصابة بفيروس الإيدز، وذلك عن طريق رسائل تتركها المومسات مكتوب فيها ” أهلاً بك في نادي الإيدز العالمي. (الجزائري، 1991: ج4، 214)

 8- الملاهي الليلية: تأتى شهرة المرابع عادة من الفرق الفنية التي تكون نجماتها من أجمل النساء وأشدهن جاذبية. ومن أشهرهن كانت (أدريين) التي لقبت فيما بعد باسم لؤلؤة البوسفور لأنها راقصة حسناء. والتي لم تجد صعوبة في جني الأرباح الكبيرة من ارتياد الملاهي ومصادقة كبار الرواد، حيث احترفت الرقص في ذلك المربع الليلي الكبير، فسحرت الألباب واسرت العقول وتحول ملهى (بابا جاللو) الى مركز للجاسوسية يرتاده الساسة والقادة بشكل خاص. (عبدة،1989: 74)

ومن خلال هذه الراقصة الحسناء استطاع الجاسوس (احمد ديللو) الألباني الجنسية والذي يعمل لصالح ألمانيا أن يستغلها و بمثل عليها الحب حيث كان مكلفا بتعقب آثارها لصلتها (بايرل) مفتاح الجاسوسية الأمريكية في تركيا وما حولها، ولم تكن تعرف دوره هذا في اول الأمر، وكان يخيل اليها انه رسول الهوى إليها ولذلك تعمقت الصلة الغرامية بينهما ولكن بعد أن عرفت الهدف من هذه العلاقة لم تمانع في تلقط الأخبار من رواد الملهى لصالحه. حيث كانت إن (ادريين) “لؤلؤة البوسفور” نموذج للمرأة اللامبالية، وكانت كائناً منعزلا ليس له من سلاح سوى سحره الجنسي، وقد جعلت من نفسها متاعا وفريسة تفيد الرجل بالرغبة التي تثيرها في نفسه وتقتنص منه الاسراروالمعلومات. لأن هذا الصنف من النساء اناني، لا تهمه نوعية العمل الذي يقوم به، إنما يهمه فقط جني الأرباح. (عبده، 1992 :74-82)

ولكن هذا الأسلوب برغم أنه يحيط بالفرد بشكل يكاد يحشره في زاوية التعامل، من السهل التمرد عليه ومجابهته و هناك بعض الأمثلة التى فشل معها هذا الأسلوب، حيث ان الموساد حاولت ربط مسئول كبير في إحدى الدول العربية، عبر تصويره في الفراش مع غانية تم تجنيدها لهذا الغرض. وطلب منها أن تتخذ أوضاعاً معينة بحيث تظهر الصور وجه المسئول، وأكثر ما يمكن من التفاصيل. ثم قامت الموساد بعد ذلك بعرض دليل مغامراته الماجنة عليه، ووضعوا الصور أمامه على منضدة، ولسان حالهم يقول ” قد ترغب في أن تتفاوض معنا “. لكن بدلاً من أن يكون رد فعله الصدمة والخوف. أظهر أنه أعجب بالصور. وقال ” هذا رائع سآخذ صورتين من هذا الوضع، وثلاث من ذاك ” وأضاف ” بأنه يرغب في عرضها على جميع أصدقائه “. وبالتالي أحبط هذه الوسيلة. مما يثبت للذين إنزلقوا في جريمة الزنا ألا يتورطوا في جريمة التعامل مع الأعداء. مع التأكيد على البعد عن كليهما. (أستروفسكي، وهوي،1990: 129)

وعبر أسلوب الإسقاط أيضاً بدأ وكيل الخدمة السرية السوفيتية (إيب) بالشروع فى مسألة غرامية مع الآنسة (كى) التى تعمل سكرتيرة خاصة فى إحدى وزارات ألمانيا الغربية، والتي تستطيع تناول الوثائق السرية جداً ذات القيمة لرئاسة موسكو. حيث أفلح (أيب) في إستخدام عشيقته، لالتقاط صور فوتوغرافية لها في أوضاع مشينة مع الضحايا تصلح للابتزاز فيما بعد. وعندما طلب منها تصوير الوثائق السرية للغاية في الوزارة، وتزويده بما تستطيع جمعه من المعلومات السرية، ورفضت ذلك، عرض عليها صوراً فوتوغرافية تصورها في أوضاع مشينة، وهددها بأن طبعات من هذه الصور سوف يلقى بها من طائرة فوق مدينة “بون” إذا لم توافق، ولكنها لم تستسلم أسرت إلى رئيسها بما حصل معها وكانت النتيجة أن انكشف أمره هو وبعض رفاقه. (أستروفسكي، وهوي، 1990: 120)

ب) استغلال أصحاب الإدمان (الخمر والمخدرات):

إن أحد الطرق المشهورة في تجنيد العملاء يتم كذلك بواسطة المخدرات أو مخالفات اجتماعية تمس عادات المجتمع وبهذه الطرق يكون من السهل على السلطات ابتزازهم وتهديدهم، وكان من سياسة السلطات هي إدخال أكبر كمية من المخدرات للمناطق أوغض الطرف عن إدخالها والمتاجرة بها بهدف هدم الشباب الفلسطيني وابعاده عن العمل الوطني. (بتسيلم،1993 :1)

ولذلك نجد أن أولئك الذين يرغبون في الحصول على مكاسب كبيرة من تجارة المخدرات، في العادة ما يكونون مخبرين للسلطات، وبالمقابل فإنها تغمض عينيها عنهم في تلك التجارة.

) Jaylor,1990:201(

ولذلك وخاصة خلال الانتفاضة الأولى بدأت التنظيمات ترى بالذين يعملون في مجالات الزنا والاتجار بالمخدرات والمشروبات المسكرة والصور الإباحية والأشخاص الذين لهم أفعال شاذة عن مجتمعهم والمتهمين باللواط بأنهم متعاونون. (بتسيلم،1993 :1)

ويتحدث أحد رجال الموساد عن كيفية تجنيد أحد العرب في الخارج عن طريق الخداع، وادعاء التعاطف مع القضية الفلسطينية، فيقول: شاهدت رجلاً كان يجلس في الردهة ينظر إلى مجلة عربية، استطعت أن أرى مجلة بلاى بوي مخبأة فيها، فاقتربت منه وعرفت أنه عربي، وأدركت أنه هام، لذلك قمت بالاتصال به. وأعربت له عن تعاطفي الشديد مع القضية الفلسطينية، وبأنني فقدت مبلغ كبير في شحنة لبيروت بسبب الحرب. وقلت : أولئك الإسرائيليون الدمويون هم السبب في ذلك. وظل الرجل يتحدث عن الصفقات التجارية التي كان يعقدها في ليبيا وفى آخر المطاف، ونتيجة للإسراف في الشراب، قال: ” إننا سنجعل الإسرائيليين يأكلون البراز غداء !! فقلت : عظيم ! عظيم كيف ستفعلون ذلك ؟

قال: لقد سمعنا من أحد المصادر أن إسرائيل تتابع هذا الاجتماع لمنظمة التحرير الفلسطينية مع القذافي، ولذلك سوف نقوم بخدعة في المطار، فالإسرائيليون يعتقدون أن كبار رجال المنظمة سيركبون معاً في طائرة لكنهم لن يفعلوا ذلك. (استوفسكي، وهوي،1990: 147)

وقد كان ضابط البحرية السويدى (أرنست أندرسون) قد تم تجنيده لصالح الاتحاد السوفيتي بمعرفة شيوعي سويدي من العملاء الرئيسيين في “أستوكهولم”. وذلك عبر وسيلة تناول الكحول، مع مقدار من المال، وشيء من الضغط والابتزاز، كل ذلك عمل على تحقيق الغرض المنشود. حيث استمر ولمدة خمس سنوات، بنسخ الوثائق عن معدات التسليح، عن حالة البحرية السويدية متضمنة معلومات تامة عن المنشآت الدفاعية والتكتيكات في القواعد البحرية، والدفاع ضد النقط المحتمل النزول منها إلى البر، على السواحل الشرقية والغربية للسويد، والطبعات الفوتوغرافية للتصميمات الهندسية لقلعة ” بودن ” السويدية المضادة للغزو. (هاتون،1980 :84)

ج-استغلال الجهل وصغر السن وقلة التجربة:

كان يهتم رجل المخابرات الإسرائيلي، خاصة في جهاز الشاباك، كثيراً بالتركيز على صغار السن، لكي ينشئ منهم جيشاً من العملاء له. (الناطور،1993: 133)

لذلك نرى ضابط المخابرات الإسرائيلي (جان) الذي لم يمض على تعيينه في جنين سوى عدة شهور، قد قرر ترشيح (مروان) ليكون واحد من شبكة عملائه مستغلاً صغر سنه وسذاجته مستدرجاً إياه إلى المصيدة وكانت خطة الضابط إفساد الفتى من خلال مدة بالمبالغ المالية التي شكلت تحولاً خطيراً في حياته، من خلال هذا الأسلوب ساءت أخلاق “مروان” وبات يتردد على السينما ويهمل دروسه، وكانت هذه بداية مرحلة الانحراف والانسلاخ عن بيئته، ومحيط المحافظ ولاحظ والده هذا التحول وبدأت مرحلة القلق، وكانت الصعوبة التي واجهت الضابط إيجاد المفتاح الذي يدخل به إلى عالم الشباب الوطني في جنين، فوجده في سذاجة هذا الفتى، الذي كان المدخل لتجنيد شبكة كبيرة من الشباب تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. (عيسى، 1990: 9)

ثالثاً: التعامل من خلال ضغط الموقف:

أن هناك نوعية من المرشحين لا تسمح دوافعهم، وشخصياتهم، ومراكزهم الاجتماعية والسياسية، للتجاوب مع أهداف الأجهزة الإستخبارية، أوقد يكونون على النقيض تماماً معها. وهنا لا بد من استغلال أسلوب الضغط والترهيب لإجبار الشخص للتجنيد للقبول بالعمل تحت طائلة التهديد والترهيب والفضائح والابتزاز والضغط والابتزاز. وفي حال ما إذا وجد ضابط المخابرات أن الشخص، لا تنفع معه الوسائل العادية، ولا يخضع لعملية الابتزاز، فإنه يستدعيه لمقابلته، أو يقوم باعتقاله، ومن خلال ذلك الواقع الضاغط يبدأ في مساومته. (عبدة،1992:ا26)

والمواقف الضاغطة التي ينتهجها ضابط المخابرات، تشكل الاختبار والامتحان للعوامل الكامنة. حيث يقف الفرد فيها في صراع بين مكونات هذه الأشياء، وبين ضغط اللحظة والموقف. فينشأ صراع الإقدام – الإحجام. الذي يقف الفرد مستجمعاً فيه كل قواه الذاتية، ومستنهضاً جهاز المناعة الشخصي لمجابهة مصدر الضغط. ليخرج من عملية الموازنة والمفاضلة في الخيارات التي أمامه بسلام ونجاة. وفي لحظة الصراع يتوقف النجاح على نظرة الفرد إلى اعتبار أن الصراع ذاتي أو جمعي، فإذا حصر الموقف في المنفعة الذاتية المجردة عن العقل الجمعي، فقد يستجيب للموقف الضاغط. وإذا نظر إلى لحظة الصراع على أنه صراع جمعي، ولا يمكن تجريد ذاته عنه، انتصر وتغلب على الموقف الضاغط، بشيءٍ قليل من الإرادة.

إن هذه الضغوط تشكل وضعاً متشعباً وشائكاً للفرد، لأن جانبه الأكبر هو لا إرادي يصعب التحكم به حتى لدى أغلب الأشخاص. كما أنها تمثل خطراً على صحة الفرد وتوازنه، وتهدد كيانه النفسي. وبالتالي ينشأ عنها آثار سلبية، كعدم القدرة على التكيف مع المجتمع من حوله، وكذلك ضعف في الثقة بالنفس، وفي عجز عن ممارسة مهام الحياة اليومية، وانخفاض الدافعية للعمل. وذلك عندما يتعامل الإنسان مع الموقف الضاغط بشيء من الاستسلام، ويقبل بما يمليه عليه هذا الموقف حتى لو كان الخيانة لمجتمعه ووطنه.

وتتمثل عمليات ضغط الموقف في استخدام الوسائل والأساليب القهرية، وهى من أخطر الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الاستخبارية للوصول إلى أهدافها بأي ثمن، دون إرادة الإنسان ورغبته. بحيث يجد نفسه مجبراً في بعض الأحيان تحت وطأة الدافع القهري، من خلال التهديد أو الابتزاز بأن يستسلم لهذا الضغط. وقد يساعد رجل المخابرات في نجاح عملية الضغط الظروف والأحداث التي يتورط فيها المرشح للتجنيد والتي تستخدم سلاحاً للتهديد المستمر ضده، مثل: التورط في عمليات الجنس والتهريب والرشوة والاختلاس، والمخدرات، والخمر، وغيرها. وفى حال عدم توفر هذه الأمور التي يمكن استغلالها عندئذ يعمد الضابط المجند إلى خلق الظروف التي تضع المرشح في زاوية معينة يسهل مهاجمته فيها. ولكن عندما تفشل في خلق هذه الظروف، فلا بد من عملية إيجاد الدافع القهري لعملية التجنيد، ولا بد أن تكون فاعلة بحيث تتناسب مع أوضاع المرشح المختلفة وتضعه في جو مرعب وضاغط. وفي هذا الجو العنيف والمرعب يتم الضغط والمساومة بالتعامل، فيوافق من ضعفت إرادته وخارت معنوياته. (شحادة، 1992 :114)

ومما يساعد عملية الضغط أن يقوم الشخص المكلف بمهمة اصطياد الخبراء بالبحث عن الرجال والنساء الأكثر إمكانية وفائدة وبخاصة من بين الذين لديهم نقاط ضعف معينة قابلة للاستغلال والابتزاز، قد يكون أحد هؤلاء رجل أعمال يتركز كل اهتمامه على زيادة مكاسبه وقد يكون شخصاً يسعى إلى تطوير وتوسيع دائرة طموحاته الشخصية كما أن هناك من يبحث عن مجرد الصيت والشهرة وآخرين يبحثون عن السلطة والنفوذ.(تيلور، 1990: 90)

أهم وسائل وأساليب الضغط على الفلسطيني للتعامل مع الاحتلال:

لقد تبين من خلال الواقع الفلسطيني بان العديد من العملاء تم تجنيدهم، من خلال الضغط والتهديد أما عبر المقابلات لضباط المخابرات في الشاباك، أو عند اعتقالهم، أو أثناء التحقيق معهم. حيث يتم التجنيد بالضغط عليهم ومساومتهم بعدم الاعتقال أثناء المقابلات. أو التخفيف عنهم أثناء التحقيق، أو الوعود بإلغاء التهم الموجهة إليهم، أو تقليل مدة الاعتقال، أو تحسين شروط السجن، أوما شابه ذلك.  وذلك بخلاف عمليات التجسس التي وقعت في الغرب. فعلى سبيل المثال، فقد ألقي القبض خلال العشرين السنة الماضية، على 98 أمريكي بتهمة التجسس للعدو، تقريبا جميعهم كانوا محل ثقة ومخلصين لأمريكا، وفي نفس الوقت تمكنوا من الحصول علي الترخيص الأمني، لكنهم تغيروا بمرور الوقت. والشيئ المدهش أن عدد كبير من هؤلاء الذين أصبحوا جواسيس تطوعوا بإرادتهم لتقديم خدماتهم للحكومات الاجنبية. والأعجب من ذلك أنهم لم يترضوا للضغط، أو الإغراء، أو حتى الاقناع، بل تجسسوا عن طواعية وإختيار منهم. (قيلز،1999:الأنترنت)

1- من خلال التحقيق: أقسى أنواع الضغط واشده، الذي يتم في داخل السجون والمعتقلات، وخاصة في أجنحة التحقيق وهي أجنحة يديرها الشين بيت في السجون الإسرائيلية، فعندما كان يلقي القبض على السجناء الفلسطينيين، كان يتم إحضارهم مباشرة إلى الأجنحة الخاصة أو مراكز الاعتقال. ولم تلق الشرطة أو هيئة السجون  نظرة على ما كان يدور في الزنزانات وراء تلك الجدران وقد اعترف كلا من (مليمان، ورافيف) من رجال المخابرات الإسرائيلي بأنه قد واجه العرب المتهمون بالإرهاب استجواباً وحشيا. وكانت الضربات الجسدية جزءاً منه. كما كانت هنالك أشكال أخرى من التعذيب لم تترك أية علامات. وما إن يدخل السجناء حتى تتم تغطية رؤوسهم  بكيس أسود، ثم يستمر الاستجواب لمدة  ساعات، عادة ما يحرم فيها المشبوهين من النوم، أوفي بعض الأحيان يتم صب الماء البارد عليهم وعبر وسائل التعذيب الجسدية والنفسية هذه تتم عملية الابتزاز والمساومة. (ميلمان، رافيف،1990: 147)

ومن الشواهد على الضغط للتعامل من خلال التحقيق: المواطن ( م. ف ) من الضفة الغربية، اتصل في عام (1993) بمنظمة حقوق الإنسان في إسرائيل بتسيلم وقال: “بأنه اعتقل على تهمة بالانتماء لتنظيم، ومورس عليه التعذيب الشديد، ثم عرض عليه الارتباط أثناء التحقيق، حتى وصل لدرجة أن وافق على الارتباط من شدة التعذيب، وقامت المخابرات بتوقيعه على وثيقة بالتعامل مقابل تخفيف الحكم عنه، وحكم فعلاً ستة شهور، وفي الخارج تم التلويح له بالوثيقة التي وقعها داخل السجن بأن يتعامل مع الشاباك، وقال إن كابتن المخابرات ( س ) أخبرني بأن عليّ أن أوفي بتعهدي، فقلت لم أكن راغباً على الإطلاق في التعاون وإنني وقعت الوثيقة بسبب التعذيب فقط، فقال (س) إذا غيرت رأيي فسوف تُعرض الوثيقة بتوقيعي على عائلتي وفضحي أمام القرية، فقلت له لا يوجد قانون في العالم يجبر السجين على التعاون مع السلطات وتحررت بالإصرار منهم. ( بتسيلم، 1993: 15 )

2- من خلال الاعتقال: يشكل الاعتقال بحد ذاته أداة هامة في يد المخابرات الإسرائيلية لاستغلالها والضغط من خلالها على المعتقلين ومساومتهم بالإفراج عنهم مقابل التعامل، وخاصة المعتقلين على قضايا جنائية كالسرقة وتجارة المخدرات والقتل وما شابه ذلك.

ومعظم المعتقلين الفلسطينيّين الذين اعتقلوا أو سجنوا، قد وقعوا تحت الضغط ليصبحوا مخبرين وعملاء للاحتلال. بعضهم طلب أن يبقوا كامنين لحين الطلب، والبعض الآخر بدأ يمد الاحتلال بالمعلومات تحت طائلة التهديد المباشر. (ريجبي،2001: 17)

ومن الشواهد على الضغط للتعامل من خلال الاعتقال: تحدث (د) وهو عميل نشيط في شهادة لبتسيلم (1993) بأنه ارتبط من خلال مساومته لإلغاء التهمة عنه في عام (1976) وقال: ” اعتقلت بسبب إخبارية عني عندما كنت أشعل إطارات سيارات على طريق قرب طولكرم. وكان العقاب على مثل هذه الأعمال غرامة حوالي 600 جنيه لقد كنت ابن سبعة عشر عاماً لا أملك مالاً. عرض جهاز الأمن العام الشاباك عليَ إلغاء التهمة إذا وافقت على العمل معهم، ولهذا وافقت على الارتباط كعميل للأمن العام الشاباك. (بتسيلم، 1993 213)

وكذلك العميل ( م. ا ) من منطقة نابلس بدأ العمل أيضاً مع الأمن العام بسبب تهمة جنائية تم استغلالها لربطه بالمخابرات الإسرائيلية فوافق على ذلك ويقول في شهادته لمنظمة بيتسيلم (1993) في نهاية السبعينات، عملت في مصنع في نتانيا بإسرائيل، واتهمت بتخريب ماكينات في المصنع والتسبب في خراب كبير فيه، والشرطة أخبرتني أنه من الممكن الحكم عليَّ بثماني سنوات، وبينما كنت في الاعتقال ” الحجز “، جاء شخص من الأمن العام لمقابلتي وقال لي إن هناك العديد من الشهود العيان لإدانتي وإنني في مشكلة وأنه الوحيد الذي يستطيع مساعدتي، وعرض علي إلغاء التهم إذا وافقت على العمالة، فوافقت على ذلك. ( بتسيلم، 1993: 14)

أما العميل الخطير ( ب ) فقال: في مقابلة مع مجلة ” كول هعير ” الأسبوعية المقدسية. “لقد كنت مطلعاً بشكل شخصي على أكثر من ثلاثمائة فلسطيني، تم حذف التهم ضدهم مقابل التعاون. وصرح بأن أحد هؤلاء السجناء وكان عمره ستة عشر سنة قبل عشرين عام عندما طعن فتى في المدينة القديمة من القدس، وتم تجنيده عندما كان محتجزاً للمحاكمة، حيث وعده ضابط جهاز الأمن العام بأن يطلق سراحه مقابل التعاون. (بتسيلم، 1993: 16)

أما العميل محمد عياد: الذي تحول لقاتل على أيدي الشين بيت فقد تم ربطه كما قال جيرانه في قباطية بعدما تعرض للإكراه، عندما اعتقلته الشين بيت في الشهور الأولى من الاحتلال، وكان في العشرين من عمره فقط، حيث اتهم بإثارة بعض المتاعب، وعندما تم مساومته على الارتباط و يستعيد حريته. (ميلمان، رافيف،1990: 333)

ويقول (يعقوب بري) أن في ظل هذه الظروف أوجدنا عملاء، كان التعامل خارج عن ارادتهم، ويستعرض قصة لأحد المعتقلين الذين تعاملوا مع الجهاز. ويقول ” سمير ” فدائي له وشمه منذ الولادة كان من أفضل عملائنا، بعد أن تم اعتقاله عرض عليه الارتباط فوافق على العمل لصالحنا، فقمنا بتزييف عملية معقدة لهروبه من السجن وبفضله تم إلقاء القبض على عدد كبير من الخلايا، وتم إحباط عمليات خطيرة، وتم اعتقال مطلوبين عديدين وحسب إرشاداتنا فقد تصرف كشخص مطلوب، وعلى هذا الأساس قام ولمدة ثلاث سنوات بتغطية جميع احتياجاتنا. (بري، 1999 : 49 – 50)

3- من خلال الاستدعاء للمقابلات: كان يستخدم هذا الأسلوب بشكل كبير قبل خروج القوات الإسرائيلية من بعض المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، حيث كان يرسل ضابط المخابرات للشخص الذي يرغب في مقابلته طلباً –استدعاء- للحضور إلى مقر الحاكم العسكري أو الإدراة المدنية أو أي مكان يختاره، وهناك تبدأ عملية الضغط والمساومة من أجل التعامل، والشخصيات الضعيفة قد تستجيب لهذا الضغط والمساومة.

وفي السنوات الأخيرة تركزت عمليات المقابلات أما عبر المعابر أو داخل اسرائيل.

رابعاً: أساليب الخداع والاستدراج والتوريط:

إن فكرة التجنيد لدى الموساد أو الشاباك الإسرائيلي تشبه دحرجة صخرة عن تله. وتستعمل كلمة ” ليداردو ” التي تعني الوقوف على رأس تله ودحرجة جلمود – صخرة – من هناك إلى الهاوية. هذه هي الطريقة التي يتم بها تجنيد العملاء. حيث يتم أخذ شخص وجعله تدريجيا يقوم بشيء مخالف للقانون أو للأخلاق، ويتم دفعة منحدرا عن التله بطريق الخداع والإستدراج إلى هاوية التعامل والارتباط. لكن إن كان هذا الشخص على قاعدة راسخة فإنه لن يقدم المساعدة، ولا يمكن استخدامه. لأن القصد كله هو أن يتم استخدام الناس، ولكن لكي يتم استخدامهم يجب قولبتهم، – أي تجهيزهم وتحضيرهم لذلك- فإذا كان هناك شخص سعيد في حياته ولا يحب الشرب أو الجنس ولا حاجة له بالمال، وليست لديه مشكلات، لا يمكن تجنيده. لذلك تسعى المخابرات الإسرائيلية وبشتى الوسائل لخلق الظروف المناسبه من أجل اصطياده. (عمر خليفه، الأنترنت)

فمن أجل التجنيد تستخدم كل الأساليب والوسائل والطرق الخفية والملتوية من الخداع للحصول على تلك المعلومات. وإن طرق ووسائل الخداع والسرية هذه لا تستخدم فقط للحصول على معلومات، وإنما تستخدم أيضاً للقيام بعمليات الإغتيال وغيرها. (بليدوسكا، ويلوتش، 1990: 63)

1- الخداع من خلال التظاهر بالعمل الإنساني: يقول رئيس الشاباك السابق إن أحد العملاء البارزين الذي جندته في بداية فترة عملي كان شيخا محترما من أحد مخيمات اللاجئين وقد قدم هذا الشيخ طلب للحكم العسكري بالسماح لزوجته لتلقي علاج في مستشفى هداسا في القدس حيث أن هذا العلاج لم يكن موجودا في نابلس وحتى في الأردن. وقد دعوته لمكتبي على أساس أنني أريد أن أبحث معه الموضوع وأثناء حديثي معه حاولت أن استوضح ما إذا كان مستعداً للعمل معنا، ولكن أجابني سلباً ومن خلال آيات قرآنيه بان المساعدة للكفار هي ضد مبادئ الإسلام ولذلك لا يوجد لديه نية للاستجابة، وبدون أن ينتظر إجابتي قام وترك الغرفة.

ورغم ذلك أصدرت تعليماتي لإعطاء تصريح لزوجته للذهاب للمستشفى هداسا. ولم أره زمنا طويلا، وفي أحد الأيام حضر بشكل مفاجئ لمكتبي وطلب أن يحادثني “فأستقبلته فوراً وطلب مني أن أقدم شكره وشكر زوجته للأطباء في المستشفى لما لاقته من عناية. وعندها سألته هل فكرت مرة أخرى باقتراحي.

فرد لقد فكرت بذلك كثيرا وأنا أوافق أن أساعدكم بشرط أن تعدني بأن تستخدم المعلومات التي سأجلبها لك فقط لمنع عمليات تستهدف حياة الأطفال والنساء، فوعدته بأن استخدم المعلومات لمنع عمليات تستهدف المدنيين. (بري،1999: 55)

وعبر الخداع أيضا تم تجنيد عميل بارز وناجح آخر، حيث كان تجنيده في أعقاب إعلان في صحيفة قيل فيها إن سائق تكسي من قرية في شمال الضفة، كان شاهد عيان لحادث طرق بين سيارتين إسرائيليتين، وقام هذا السائق بنقل الجرحى بسيارته إلى المستشفى. لذلك قدم له الحكم العسكري شهادة تقدير، ومن جانبنا وضعنا أعيننا عليه، وقد كان السائق عضواَ في الحزب الشيوعي وتم استدعاؤه ومناقشته للعمل معنا حيث أبرزنا له أن الهدف هو جانب إنساني لإنقاذ حياة المدنيين في كلا الطرفين، فوافق على العمل لصالحنا.

ومن بين العملاء ممن صنفوا كعملاء بالرغبة معتقدين أنهم يقدمون خدمة ومساهمة لمجتمعهم وللقضية الفلسطينية بشكل عام. العميل الفلسطيني (أ. هـ) البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً الذي ارتبط مع الشاباك الإسرائيلي عام (1971). ويتحدث عن عملية تجنيده بأنها كانت توريطه، حيث قال: ” وجدت مخزنين وخوذة في الطريق أخذتها للشرطة وهناك قد شكروني ووعدوني بأنني إذا احتجت لمساعدة فسوف يقدموها لي وما عليّ إلا أن أتوجه إليهم، وبدأت بالفعل من هذا الباب بدون ارتباط وشيئاً فشيئاً وجدت نفسي أقدم لهم خدمات، مقابل ما أحصل على خدمات، ثم حُولت للمخابرات لأبدأ التعامل وبشكل رسمي. (بتسيلم،1993: 8)

ومن وسائل الخداع أيضا في التعامل، أنهم يدخلون للبعض عن طريق تقديم المعونات العامة للشعب الفلسطيني، ويدعون بأن لدينهم ميزانية يريدوا من يساعد في توزيع هذه الأموال، وفي هذه الحالة يوافق البعض على مساعدتهم، ومن هنا تبدأ الخيانة.

2- الخداع من خلال التظاهر بالعمل ضد عدو مشترك: وذلك كأن يعملوا على إيهام الشخص بأنهم يحاربوا الشيوعية، أو الأصولية، أو الإرهاب، أو أي مسمى يعتقدوا أنة يمثل قاعدة تفاهم مشتركة.

فهذا العميل المصري( محمد إبراهيم فهمي كامل) قد تم تجنيده أيضا بطريقة المخادعة وهو يظن أنه يحسن صنعاً، وهذا في طبيعته جهل بالوعي الأمني وأخذ الأمور بشكل من البراءة، وإن كانت حاجته المادية الصعبة التي خرج لروما من أجل تحسينها لم تشفع له تلك العلاقة الخطيرة. وقد فاتحه ضابط المخابرات الإسرائيلي قائلاً: لقد حدثنا عنك صديقك، الذي يعرفك منذ زمن طويل، ونحن نعمل في مكافحة الشيوعية في المنطقة، ولا نريد أن تخون وطنك، وكل ما هو مطلوب منك لقاء راتبك الذي سيكون للثلاثمائة دولار أميركي شهرياً هو بعض المعلومات عن خطر الشيوعية في المنطقة فقط. (مجدي،1995: 809)

وفي ألمانيا الشرقية قامت مخابراتها باستدراج مربية اسمها (كالزهورست) تعتبرها رئاسة فرع “برلين” للخدمة السرية السوفييتية مخبراً مفيداً وقد تسلمت هذه المربية على غير انتظار برقية من والدتها التي تعيش في مدينة “جلاوخاو” فى ألمانيا الشرقية أنها مريضة وأنها فى حالة خطرة وطلبت منها أن تحضر حالاً”. وكانت هذه البرقية عبارة عن خدعة لحملها على المجيء إلى ألمانيا الشرقية.

وعندما وصلت إلى هناك أخذت إلى رئاسة الخدمة السرية السوفيتية، وطلب منها أن تعمل جاسوسة في ألمانيا الغربية. وقد حذرت بأنها سوف ترسل هي وأمها إلى معسكر السخرة إذا ما رفضت أن تقدم المساعدة الوطنية للخدمة السرية السوفيتية، وفي المقابل سوف تحصل على راتب سخي نظير خدماتها. (هاتون،1980: 160)

2- الخداع التظاهر بالحب والعلاقات الغرامية: عن طريق التظاهر بالحب تم ربط العميلة (هاجن) مع المخابرات السورية، وهي صحيفة أمريكية تعمل في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث كانت معجبة بكثير من المندوبين العرب. ولذلك ووافقت على التجسس على إسرائيل من أجل خطيبها الدبلوماسي السوري (غالب الخيلي)، وفي عام (1956) وذهبت إلى إسرائيل كمراسلة أجنبية وبدأت في إرسال التقارير للمخابرات السورية، ولأنها بدت مهتمة بشكل غير مألوف بحدود إسرائيل، بدأت الشين بيت تراقبها على مدار الساعة، وقام أخيرا رجال المخابرات الإسرائيلية بالقبض عليها، و أدينت بالتجسس، وقضت ثمانية شهور في سجن إسرائيلي. (عبدة،1992: ج2،367)

وبنفس الطريقة والأسلوب تم ربط العميل (منير ردفه) وهو أحد أفراد أسرة مسيحية مارونية ثرية في العراق كان قد تدرب عند السوفيت، وكان طياراً في سرب من طائرات ميغ 21، أحدث ما أنتجه السوفييت في ذلك الحين. ومن أجل إسقاطه وتوريطه في التعامل تم إرسال فتاه جاسوسة من الموساد إلى العراق تقمصت  دور سائحة غنية، حضرت بعض الحفلات العالية المستوى في بغداد. استطاعت أن تسحر الطيار العراقي، مع أَنه كان متزوجاً وجعلته يقع في غرامها ورفضت ممارسة الجنس معه في العراق، وعرضت عليه أن يذهب معها إلى أوروبا، وعندها يمكن أن ينال ما يريد، ووافق الطيار على مرافقتها إلى باريس، حيث يمكن أن يعيشا قصة غرام مفعمة بالسعادة. وبعد يومين قضاهما في فرنسا تم توريطه ولذلك، وافق على الطيران مع المرأة الفاتنة إلى إسرائيل. بجواز سفر مزورا وفرته له الموساد في باريس. وبعد بضعة أيام عاد والعميلة الإسرائيلية، التي كان يظن أنها صديقته الأمريكية إلى بغداد، وكان قد اتفق في إسرائيل بوضع دفعه له تحت الحساب  في حساب مصرف سويسري، ثم تهريب عائلته من العراق، بمساعدة بعض العملاء الإسرائيليين، ومن ثم نقلهم لإسرائيل.  وذلك مقابل هروبه بطائرة الميج إلى إسرائيل. استقبله رئيس الموساد آنذاك وعند وصوله إلى إسرائيل (مائير أميت). وتم إعطاؤه  وأسرته هويات جديدة وباقي المبلغ الذي وعدوا به. وكل احتاجوا إليه لبدء حياة جديدة في إسرائيل. (رافيف،وميلمان،1991: 117)

وكذلك الجاسوسة (باميلا) الأمريكية الجنسية، والتي أجبرت على التعاون مع المخابرات السوفيتية بفعل تعلقها بعشيقها عازف الجاز والمطرب الراقص (وليام) بعد أن هددها إذا لم توافق على التعامل بفضيحة الإجهاض، وبنشر صور جنسية لها معه.(عبد الهادي، 143:1991)

كما استطاع الجاسوس الألماني الشرقي تجنيد (ايلكه فالك) الألمانية الغربية كعميلة له عن طرق الخداع عبر الحب والتي سرعان ما شغفت به حباً وهي التي أمضت شبابها تبحث عن الرجل الكامل، … أما هو فقد كانت هذه هي وظيفته التقرب ما أمكن إلى قلبها وإيقاعها في شباكه ومن ثم السيطرة عليها جسدياً ونفسياً وعلاقة العشق التي قامت بينهما كانت لمصلحة الحبيب الذي أوقع العشيقة في حبائله، واستثمر ذلك إلى أقصى حدود الاستثمار. حيث كان عملها في المستشارية الألمانية كسكرتيرة. وهذا العمل يعطي الكثير من المعلومات التي تمس أمن ألمانيا. وتجسست على المستشار السابق لحكومة ألمانيا (هيلموت شميت)، واستمرت كذلك تتجسس على المستشار التالي( هيلموت كول) إلى أن نقلت بناء على طلبها، للعمل سكرتيرة بوزارة التعاون الاقتصادي لتزويد حبيبها بمعلومات عن أسرار وزارة التعاون الاقتصادي وكان يأمر وهي تنفذ وكأنها واقعة تحت تأثير سحره، وكلما أراد حبيب القلب معلومة من إدارة ما طلب منها الانتقال إلى هذه الإدارة، وهي تطيع لأنها تعودت أن تقول دائما نعم، حتى لو أدى بها ذلك إلى السجن. (عبدة،1989: 174)

ومن أشهر قصص الاستدراج والخداع والتورط في عملية التعامل والتجسس، تلك التي تعرض لها عالم الذرة العراقي (بطرس بن حليم). حيث بدأت القصة معه حين وقفت عن قصد له في موقف الباصات الذي تعود الركوب منه في باريس، امرأة شقراء عميلة للموساد مثيرة بلباس يكشف من جسمها ما فيه الكفاية لإثارة رغبة أي رجل، وذلك من أجل لفت نظره إليها لتمرير مخطط محكم ومرسوم جيداً من قبل الموساد لإسقاطه وتوريطه في التعامل والتي فعلاً استطاعت بعد رحلة طويلة من الاستدراج أن تسقطه في براثن المخابرات الإسرائيلية. (استوفسكي، وهوي،1990: 28)

خامساً: أساليب المخابرات في انتقاء الأشخاص لجعلهم أهداف التجنيد للتعامل:

هناك العديد من الاعتبارات التي تهتم بها أجهزة المخابرات الإسرائيلية، والتي على أساسها يتم انتقاء الأشخاص لجعلهم أهدافاً للمساومة والتجنيد للتعامل ومن أهمها:

1- طبيعة انتماء الهدف: إذا كان المقصود هو اختراق تنظيمات يتم التركيز على تجنيد أناس منتمين لهذا التنظيم للوصول إلى أفكاره ونشاطه، وبؤر تواجده. لإن أجهزة الأمن الإسرائيلية تفضل أن يكون الهدف المحدد لتجنيده للعمل معهم هو عضو حالي أو سابق في الحركة أو التنظيم المستهدف، وذلك ليكون قريباً من أفراد هذه التيارات لإمكانية حصوله على اكبر قدر من المعلومات الاستخبارية.

2- طبيعة سكن الهدف، والجيران: واذا كان الهدف المنوي مراقبته وجمع معلومات عنه من الأماكن التي يغلب عليها طابع المقاومة للاحتلال والتحريض عليه، مثل الأحياء السكنية التي تعتبر معاقل للتنظيمات الإسلامية والوطنية، أو من الأشخاص الذين هم محط أنظار واهتمام رجال المخابرات الإسرائيلية بسبب نشاطهم المعادي للاحتلال. يعتبر الهدف الذي له أولوية وأهمية في التجنيد للتعامل من الجيران، او من اهل المنطقة.

3- صلة القرابة للهدف: واذا كان الهدف المنوي مراقبته من قيادات وكوادر التنظيمات الإسلامية والوطنية، فإن إحدى العوامل التي تقوم أجهزة الأمن الإسرائيلية بوضعها في الإعتبار، حين تقوم بعملية الربط للتعامل صلة القرابة مع هذا الهدف. وهناك شواهد كثيرة على عملاء كانوا أقارب لأناس مستهدفين، ساعدوا على قتلهم من قبل السلطات الإسرائيلية. منهم على سبيل المثال المثال العميل الذي ساعد في اغتيال الشهيد القسامي من رام الله إبراهيم بني عودة. حيث أعترف هذا العميل بأنه قد أخذ سيارة ابن عمة وأرسلها للمخابرات الإسرائيلية التي قامت بدورها في تلغيم السيارة، التي انفجرت بعد دخول إبراهيم إليها بعدة دقائق. والذي اعترف هذا الشخص أنة تم تجنيده من قبل القوات الإسرائيلية، ثم طلبت منة التقرب للشهيد. (وليامز،2001: 39)

4- محيط الأصدقاء: إن دائرة العلاقات الشخصية، والصداقات التي تحيط بالشخص الذي يمثل الهدف. تكون هي الآخرى بمثابة مجال هام تعمد المخابرات الإسرائيلية على اختراقه والوصول إليه. كما حدث في حالة الشهيد يحي عياش.

5- محيط العمل والمهنة: إذا كان الهدف هو أحد مواقع العمل سواء الأمنية، أو العسكرية، أو المدنية، أو شخصاً يعمل في هذه الأماكن. يتم اختيار العملاء الذين لا يثيرون الشبهة في تواجدهم في مكان العمل المقصود. من نفس دائرة محيط العمل والمهنة، وخاصة في ظل الظروف المعيشية التي يحياها شعبنا من ارتباط وثيق بين الفرد ومجال عمله.

وسائل الاتصال والإلتقاء بين العميل وضابط المخابرات الإسرائيلي:

أ) وسائل الإتصال: إن وسيلة الاتصال تعتبر عاملا مهما جداً في طبيعة العمل التجسسي مع الأعداء. ومن ضمن وسائل الاتصال المستخدمة بين المتعاون بعد إسقاطه وضابط الاتصال الإسرائيلي لنقل المعلومات التي يحصل عليها المجند، أو لإرشاد الأخير وتوجيهه من قبل ضابط الاتصال الإسرائيلي، أو لتكليفه بإحدى المهام هي:

- عبر اللقاء بين الطرفين وهو الأكثر استخداماً.

- عبر تليفون عمومي بعد إعطاء المجند بطاقة هاتف من قبل الضابط الإسرائيلي.

- عبر جهاز بلفون من نوع “سلكوم” في الغالب، – باعتبار ان المدير العام لهذه الشركة هو (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق – والذي يتم شراؤه من قبل المجند وعلى نفقة جهاز المخابرات الإسرائيلي. واختيار هذا النوع من البلفونات “سلكوم” أو التليفون العمومي جاء لعدم القدرة على التنصت على المحادثة.

وإن طبيعة الحديث الذي يدور عبر جهازي البليفون أو التليفون العمومي بين ضابط المخابرات والعميل لا يتعدى التنسيق للتأكيد على موعد ومكان اللقاء بينهما.

ب) أماكن الإلتقاء بين العميل وضابط المخابرات الإسرائيلي: أماكن اللقاء تعد من الجوانب الأكثر أهمية وخطورة في العمل التجسسي، لذلك تحرص عليها أجهزة الأمن الإسرائيلية وتراعي عدم كشفها حتى للمجندين أنفسهم، كما يحرص على عدم كشف اسمه الضابط المجند للمتعاون، والتعامل معه بأسماء وهمية. مما يتم تحديد موعد ومكان اللقاء مسبقاً إما تلفونياً، أو من خلال اللقاء الذي تم بينهما مسبقأً.

 وعن اللقاء يتم إلتقاط العميل عبر الحواجز العسكرية، أو مداخل المستوطنات. بكلمة سر يكون متعارف عليها. ويتم نقله بوسيلة نقل خاصة، إلى مكان الالتقاط داخل المستوطنة، أو داخل الخط الأخضر، وذلك بالإيعاز له بالخروج في اليوم المحدد للقاء مع حركة العمال حتى لا يثير دخوله الشبهه.

وهناك يتم تفتيشه بشكل أولي، ثم يعاد تفتيشه بعد ذلك بشكل دقيق قبل دخوله إلى مواقع اللقاء. ويتم تغطية العميل بقطعة قماش سوداء، من قبل الجنود الإسرائيليين المتواجدين في نفس المكان، حتى لا يتعرف العميل نفسه على المكان الذي سوف ينقل إليه داخل الخط الأخضر لمقابلة ضابط المخابرات. ومن أهم مواقع الالتقاط أو اللقاء:

1) المستوطنات: حيث يتم تحديد مناطق معينة داخل المستوطنة لهذا الغرض.

2) داخل الخط الأخضر:  وقد يكون ذلك في الغالب في أجنحة داخل فنادق مستأجرة لذلك الغرض من قبل أجهزة الأمن الاسرائيلية، او داخل شقق سكنية خاصة تتبع لأجهزة الأمن الإسرائيلية.

3) المعابر الحدودية بين فلسطين والكيان الصهيوني، وخاصة معبر بيت حانون.

الوقاية والعلاج لظاهرة التعامل مع الإحتلال:

لقد تعرض الشعب الفلسطيني  تحت الاحتلال ” لاقتلاع  مستمر من هذا الوطن، والتغريب في إستراتيجية صهيونية متكاملة قوامها سياسة احتواء اقتصادي واستيطان استعماري، الذي هو في حقيقته عنف بنائي. كل هذا فضلا عن سياسة التذويب والتخريب والتمزيق الاجتماعي، والغزو السياسي والفكري والإعلامي، ومحاولات غسل الدماغ المستمرة على جميع الصعد، وبمختلف الوسائل”.

ولذلك فإن هناك صعوبة بالغة في مكافحة التعامل والتجسس. والموكلون بمكافحة الجاسوسية، هم أكثر الناس عناء وتعرضا للارهاق. لأن مراقبة الخونة من أهل البلاد تعتبر اشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب، ذلك لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يبديه نتيجة جهله بالعادات المحلية. أما الخائن لوطنه، المتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية، فمواطن كغيره من المواطنين، لا يختلف عنهم في شيء إلا بعملة التجسسي. ولذا لا يمكن أن نتصور أن يقف المجتمع مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة الخطيرة التي تأخذ في الانتشار والتفشي بين ربوعه. ولا بد من العمل على الوقاية منها، ثم تقديم العلاج الناجح لها بعد ذلك.

سابعاً: تعقيب، وتنبية:

 أ) تعقيب: من خلال حالة الاستعراض السابق، نستطيع ان نرسم بوضوح ملامح شخصية العميل قياساً على شخصية الأفراد المنحرفين والمجرمين في المجتمع.

حيث يمكن للمرء أن يلمس بشكل لا يدع مجالاً للشك، مالك للآخرين اللصيق، حيث يجمع معظم علماء النفس إن السنوات الخمس الأولى من حياة الشخص هي المشكلة الأولى والاهم في حياته، حيث تحفر هذه الفكرة وتسبح الخيوط الأولى من كينونة الطفل.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال (يولد المولود على الفطرة، وانما أهله يهودانه، أو يمسجانه، أو ينصرانه). وهذا بيان واضح كما يقول المثل الشائع ” العلم في الصغر كالنقش في الحجر”.

إن الميول العدوانية، تجاه الآخرين، وتجاه المجتمع، لها علاقة، بطبيعة العلاقة مع الآخر الأول. فإذا كانت هذه العلاقة مع الآخر (الأنت) الحميمة، أو اللصيقة، تسودها معايير صحيحة، وصحيحة في جميع مجالاتها، تنشأ الآخر الأخرى “النحن” على نفس شاكلتها، فالحب والحنان والرعاية وروح التعاون والمحبة، التي تسود الذات (الأنا) مع الآخر (الأنت)، اللصيقة تؤدي في الأغلب إلى أن تسود أيضاً روح العلاقة مع الآخر (النحن) وإذا كانت هذه العلاقة تشوبها معايير الأنانية والحقد والكراهية، والانحلال، واللاأخلاقية، فإنه بالتالي تسود علاقة الفرد هذه المعاني بالآخر بالمجتمع (النحن) من حوله فمثلاً عندما يتعود من والديه إن الحياة فرص مادية، وانتهازية، ولا أخلاق مكان في العلاقات فيها، فإن الطفل يمارس هذا السلوك مع الاخرين، في البداية بشكل من التلقائية العضوية التي يغلب عليها طابع التقليد، وإذا حقق في حياته بعضاً من النجاح عبر هذا المنطق، فإنه يعتمد لديه، ومن الصعب التراجع عنه إلا لموقف صدمي يعيد له التوازن والاعتدال.

وأيضاً من خلال العلاقة الأولى عبر التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها التنشئة الأسرية، يبدأ الإنسان في تكوين مفهومه عن ذاته.

إن الطفل يولد صفحة بيضاء يمكن أن يرسم عليها من يشاء، ما يشاء، فذات الطفل ما زالت في طور التشكل والبلورة، وبرغم أن الذات “النفس” تولد وتوجد مع وجود الفرد إلا أنها تتبلور، وتتحدد معالمها وأركانها عبر الواقع المعاش، ومن خلال هذا الواقع، ومن خلال الآخرين “الوالدين في البداية، ويبدأ الفرد في نسج صورة عن ذاته، أي يبدأ في بناء مفهومه عن ذاته، وهذا يتم في البداية عبر المرآة العاكسة لسلوك الآخرين تجاهه.

إن الآخر اللصيق “الوالدين” هم في البداية مرآة الطفل الذي يرى نفسه من خلالها وهذه المرآة هي عاكسة لذاته، من قبل الآخرين له وخاصة الوالدين، بالثقة بالنفس، التي تمتد معه بعد ذلك طوال سنين عمره وحياته، ثم تنعكس على ذاته كمرآة عاكسة لترتد على الآخرين من حوله أن تنتقل بعد ذلك هذه الثقة للآخرين، حيث يسود علاقته بالغير أو الآخرين بدءاً من “الآخر” الفرد (الأنت) اللصيقة، الحميمة، حتى الآخر المجموع (النحن).

وعبر هذا (النحن) يستمد انتماءه وولائه، وتتبلور وفق ذلك هويته الوطنية والقومية، وإذا تمتع بعلاقة وثيقة وحب للآخر القريب (النحن) فإنه يقبل بكل ما يطرحه هذا الآخر من مفاهيم وأعراف وتقاليد، ولكن إذا حدث شرخ في علاقته بهذا الآخر فإنه يبحث عن آخر يستمد منه الدعم والعون والقوة، ولا يجد أمامه إلا الآخر “الغريب” الذي قد ينبهر به وبسلوكه وأفكاره، مما يؤدي به إلى التقليد والاتباع لكل ما يصدر عن هذا الآخر (الهم) وقد يتطور الأمر مع هذا الآخر (الهم) أن يتوحد ويندمج معه، فيصبح يرى بعينه وينظر برؤيته للأشياء.

وتزداد الأمور خطورة وصعوبة إذا كان هذا الآخر “القريب” أو آخر الآخر (الهم) أن يكون عدداً أو محتملاً، وهنا ينقلب الأمر إلى الانقياد وللعمل ضد ذاته، وضد هويته التي تمثلها (النحن).

وهكذا ينحرف الفرد عبر سلسلة من التفاعلات، تمتد منذ لحظة ولادته، ومنذ تشكيل نواته الأولى لشخصيته ومنذ لحظة بناء الذات، إلى الانسلاخ عن ذاته، والتنكر للآخر الفرد (الأنت) اللصيق والحميم، والتمرد على الآخر “القريب” الجمعي “النحن” ويبدأ في الانهيار، والاعتدال والحب والولاء وربما التوحد مع آخر الآخر أو الآخر الجمعي البعيد للنحن، (الهم) والذي قد يكون غير عدو، أو عدو، وهنا تكون الكارثة، حيث ينتقل الفرد إلى نقيض ذاته، ومجتمعه إلى نقيض (للأنا)، و(الأنت)، و(النحن) ويعود خادماً مطيعاً للآخر (الهم).

والشخص المنحرف أو المجرم يتشكل لديه عبر تاريخه الطويل، وعبر رحلة من الانحراف الكامن والمستتر، عداءة للآخر، في أحضان والديه، ومن خلال التنشئة الأولى له، والتي تكمن خطورتها في حفرها مسار الطفل فيما بعد، نحو ذاته والآخرين من حوله.

ثم تأتي العوامل الأخرى المساندة والمساعدة والضاغطة في نماء هذا الانحراف وهذا الإجرام حيال المجتمع (النحن).

ولكن هذا الانحراف والإجرام حيال المجتمع ليس بالضرورة أن يقود إلى الانتقال من أخر لآخر، أي ليس بالضرورة أن يندفع الفرد ليمارس سلوكاً مضاداً للمجتمع أن يتحول للنقيض، فيوظف حقده وكرهه للمجتمع (النحن) إلى خدمة الآخر (الهم) خاصة الآخر إلى يناصب مجتمعه العداء.

ولقد ثبت أن كثير من المنحرفين والمجرمين داخل المجتمع، يمكن أن يمارسوا أنواع كثيرة من الجرائم والانحراف بحق مجتمعهم، ولكن عندما يصل الأمر إلى ممارسة هذا الإجرام لحساب الآخر (الهم) يرفضون وبشدة ذلك، وربما ينقلبوا بغريزة الكره للآخر، لمقاومة هذا الأخر (الهم) بكل ضراوة وعنف، اكثر من غيرهم الطبيعيين، لأنهم يجدون في ذلك متنفساً لتصريف طاقة الكره للآخر (النحن) في الآخر (الهم).

وهذا ما يجب ان يتبعه المجتمعون المصلحون الاجتماعيون النفسيون في التعامل مع المنحرفين والمجرمين في المجتمع، وتصريف طاقتهم، باتجاه الآخر (الهم) العدو، بدلاً من الآخر (النحن) القريب.

ب) تنوية:

إن من حق كل مجتمع يتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً في التعامل مع الانحراف حتى يمكنه ان يوفر لمواطنيه الإحساس بالأمن والنظام. ومجتمعنا من هذه الناحية لا يختلف عن سائر المجتمعات. من ذلك مثلاً أن مجتمعنا يستخدم العقاب مع المجرمين، ويعتمد على العلاج في حالة مرضى العقول، على أن الهدف الظاهري في كلتا الحالتين هو إعادة التأهيل. (كاشدان، 1977: 178)

ويمكن الوقاية من هذه الظاهرة بإتباع بعض الخطوات الآتية:

1) التوعية العقديه، والوطنية: تبتدئ مسألة التعامل من الفراغ العقدي والايماني، وعدم التوعية الوطنية والسياسية، والامنية. فأما عقيديا وايمانياً فان الولاء لليهود واسرائيل يجب أن يعمم بأنه كفر يخرج صاحبه من دائرة المؤمنين ويحشره في زمرة اليهود. “ومن يتولهم منكم فانه منهم”.(نوفل، 2000: الأنترنت)

أما التوعية الوطنية فيجب أن يعمم بان الامر اخطر مما يظن ويتصور البعض، فهو خيانة للوطن، تضع العميل في دائرة العدو، لان هؤلاء هم الخطر الداهم، والسرطان المستشري القاتل، وهم العدو بنص القرآن “هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله..”.

2) التوعية الأمنية الشاملة: أي تعميم نظرية الأمن الشعبي: إننا نرى في واقع الدولة اليهوديه أن  كل السكان اليهود هم بمثابة عين ساهرة على أمنهم، خاصة أن من طبيعة كيانهم أنه لا يوجد حد فاصل بين المدنى والعسكرى، فالسكان اليهود جميعاً هم مدربون وموضوعون تحت طلب الخدمة العسكرية الاحتياطية، والمخابراتية، ويعتبرون جميعاً جنوداً في الجيش الإسرائيلي عند الحاجة، أو في لحظة الخطر. مما يجعل الحضور الأمني موجوداً في كل مرافق الحياة بدءاً من عمال المخازن والدكاكين والمواصلات والاتصالات والخدمات حتى سائقي التاكسي إلى أعلى أجهزة الدولة. وفوق هذا فإن الفرد اليهودي العادي في إسرائيل مدفوع دوماً إلى خدمة أجهزة المخابرات بضغط عملية ” غسل الدماغ ” اليومية والمستمرة، تحت شعار المحافظة على بقاء ” إسرائيل”. وليس السكان اليهود في إسرائيل فقط، بل كذلك اليهود في جميع أنحاء العالم ايضاً، مطلوب منهم التعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية بدعوى المحافظة على بقاء الدولة اليهودية. وكذلك تقوم المنظمات اليهودية في جميع أنحاء العالم، حتى الخيرية منها، بإمداد أجهزة المخابرات الإسرائيلية ” بالمعلومات “وفق تعليمات هذه المخابرات الدائمة، وتقدم التغطية المطلوبة للعاملين في هذه الأجهزة، وتتعاون معهم في جميع العمليات الخارجية. (الجزائري، 16:1992)

2) تماسك الجبهة الداخلية: بترسيخ الإيمان، وتعميق الولاء للدين. وتقوية الانتماء للوطن، وغرس الوطنية الصادقة. ان مقاومة التجسس تقضي بتوعية المجتمع ليكون كلُّ فرد فيه حذراً ويقظاً بمخططات الأعداء، والمحافظة على الأسرار وربط عملية افشاء السر للعدو بخيانة لله ورسوله والمؤمنين، وهي أماناتٌ، يقول الله تعالى عنها: (يَآيهَا الذينَ آمنُوا لا تخونُوا اللهَ والرسولَ وتخونُوا أماناتكُم وأنتُم تعلمونَ)(125). وذلك يستدعي أن تكون الجبهة الداخلية متماسكة، «بعضهم أولياء بعض»، لا يوالون عدواً، ولا يُسلمون نصيراً، قال تعالى: (يَأيهَا الذينَ آمنُوا لا تتخذُوا عدوي وعدوكُم أولياءَ تلقُونَ اليهِم بالمودةِ وقَد كفرُوا بمَا جاءكُم مِن الحقِ)(126) وتماسك الجبهة الداخلية أمر رباني حيث يقول الله عز وجل: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضهُم أولياءُ بعض يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ ويقيمونَ الصلاةَ ويؤتونَ الزكاةَ ويطيعونَ اللهَ ورسولهُ أولئكَ سيرحمهمُ اللهُ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ)(127).

ومن الايمان تماسك الجبهة الداخلية وذلك بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرقه لقوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”. كما لا ترقهم الشائعات، ولا يُضعف عزمهم التخذيل والاراجيف: (الذينَ قالَ لهمُ الناسُ إنَّ الناسَ قَد جمعُوا لكُم فاخشوهُم فزادهُم إيماناً وقالُوا حسبنَا اللهُ ونعمَ الوكيلُ)(128). وقال تعالى: (ولمَّا رأَى المؤمنونَ الاحزابَ قالُوا هذَا مَا وعدنَا اللهُ ورسولهُ وصدقَ اللهُ ورسولهُ ومَا زادهُم إلاَّ إيماناً وتسليماً)(129).

3) وقاية المواقع والأفراد: وهو ما يختص بأمن الأفراد وأمن المنشآت وامن المعلومات ووسائل الاتصال وكافة الإجراءات الأمنية التي تحقق الوقاية من تجسس الأعداء. وقد قال العرب قديماً «درهم وقاية خير من قنطار علاج ». وقد امر الله سبحانه وتعالى بالوقاية والحيطة والحذر: (يَأيهَا الذذينَ آمنُوا خذُوا حذركُم فانفرُوا ثُباتاً أو انفرُوا جميعاً) (130). وقد حرص الرسول الكريم (ص) على تحقيق الوقاية ووضع الجند في مواقعهم، وهو ما أشار اليه الكتاب المبين: (وإذ غدوتَ مِن أهلكَ تبوئ المؤمنينَ مقاعدَ للقتالِ) (131).( كتاب التجسس، الأنترنت)

4) التآزر والإسناد من الآخر-التكاتف الاجتماعي: إن أسلوب التعامل مع النكبات التي تمر بالإنسان يختلف عن أسلوب التعامل مع الضغط الداخلي. فالضغط الداخلي يحتاج إلى أسلوب الإسناد الانفعالي، وهو الأسلوب الأكثر استخداماً. وأساليب التعامل مع الضغوط الناجمة عن فقدان شخص عزيز أو الحرائق التي تحصل لممتلكات الإنسان وأمواله، أو النكبات الطبيعية، أو مع الأزمة النفسية الشديدة، أو الصدمات الانفعالية العنيفة، أو اضطراب في علاقة الفرد مع غيره من الأفراد على مستوى البيت أو العمل أو المجتمع الصغير، وغير ذلك من المشكلات أو الصعوبات التي يجابهها الفرد في حياته، والتي تدفع به إلى حالة من الضيق والتوتر والقلق، فأنها تحتاج منه لاستيعاب الموقف والتفاعل معه بنجاح، فيتخذ أسلوباً لحل تلك الأزمة، أو ذلك الضغط وفق استراتيجية نفسية خاصة تتناسب وشخصيته.

أو يلجأ لحل توفيقي وسطي، أو تسوية مؤقته بينه وبين القوى الضاغطه. أشبه ببديل تعويضي عن فشل الكبت وما يترتب عليه من قلق. أو يلجأ لأسلوب الإسناد الاجتماعي، أو بعبارة أخرى الإسناد من الآخر الذي يجد في الأغلب لديه القدره على تقديم الدعم والمسانده له. حيث تعارف الناس، أنه إذا أصيب شخص بعزيزٍ له أو بمال أو بآفة، أمروه بالبكاء أو الشكاية بث أشجانهم. ويسعى البعض للحصول على مساعدة الآخر اجتماعياً أو نفسياً، فيلجأ البعض إلى الأهل أو الأقرباء أو حتى العشيرة في بعض المجتمعات للحصول على الدعم الأمني عند الشعور بالتهديد لسبب معين. ,وقد يتجه البعض إلى أصدقائهم لغرض الحصول منهم على الاطمئنان لمستقبلهم.

 (دراسة الماجستير بعنوان “دراسة لبعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي”)

(دراسة الدكتوراه بعنوان “مفهوم الذات، ومفهوم الآخر، لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي” )

 

About these ads
  1. أضف تعليقاً

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: