رحلة العذاب في اقبية السجون الصهيونية

المقدمة:
إن عمليات التعذيب التي يمارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان، هي ميزه يتفرد بها حتى عن أشرس الحيوانات المفترسة، لأن هذه الحيوانات حين تصارع أو تقتل بعضها البعض، لا تستخدم وسائل وأساليب تعذيب تتلذذ في ممارستها ضد ضحيتها، إنما هي غريزة حيوانية وحاجة بيولوجيه ضرورية، تحقق بها حب البقاء بالحفاظ على النوع، ثم تكف عن الصراع والقتل، بمجرد تحقيقها، والحصول على الاشباع لها.
وأما الانسان حين يستخدم التعذيب ضد خصومه وأعدائه مدفوعاً بالتلذذ وحب الإنتقام، فإنه يفوق بذلك حيوانية الحيوان وشراسته، لأنه يتفنن ويبدع في ابتكار الأدوات والوسائل والأساليب لتحقيق ما يصبو إليه في التخلص من هؤلاء الخصوم والأعداء. لهذا فإن التعذيب هو صناعة بشريه، تفرد بها الانسان وتميز عن باقي المخلوقات، وبالتالي حط من آدميته ومن رفعته وتكريمه، التي كرمه بها الله ” ولقد كرمنا بني آدم” لدرجة أدنى حتى من درجه الحيوانيه، “بل هم كالأنعام، بل هم أضل” يهبط بها إلى أعماق سحيقة من الدناءة والانحطاط، لا تعرفها أدنى المخلوقات على الإطلاق.
والمحقق الصهيوني هو المثال الأبرز في هذا الدنو والإنحطاط بما يمارسة من شتى صنوف وألوان العذاب التي يصب بها جام حقدة على المعتقل الفلسطيني، حيث تبدأ رحلة العذاب التي يمر بها هذا المعتقل، من اللحظه الأولى للاعتقال وتمتد عبر مساحة زمنية لا تنتهي بالخروج من التحقيق، بل تتواصل لتغطي جميع فترة وجوده فيه. حيث
كان الإعتقال أو الحبس (رغم أنه أحد الأساليب الكثيرة لممارسة التعذيب) الأسلوب الأكثر إستخداماً وقمعاً ضد مناضلي الشعب الفلسطيني. (عادل سالم، 2003: إنترنت)
لذلك نشط الاحتلال الإسرائيلي في اقامة سلسلة كبيرة من السجون والمعتقلات الجماعية في المناطق المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) وداخل الخط الأخضر (اسرائيل)، التي قلما شهدها العالم إلا أيام النازية والفاشية في أوروبا.
وقد رافق إنشاؤها ممارسة أساليب تعذيب متقنة ومدروسة بعيدة كل البعد عن الإنسانية، تستمد جذورها من عقلية تلمودية، أو قوانين وضعية للاحتلال البريطاني لفلسطين. حيث كان الفلسطيني عندما يعتقل، يحول للتحقيق في أحد مراكز التحقيق الصهيونية، مثل: (المسكوبية، عسقلان، بتاح تكفا، الجلمة، وغيرها) حيث يمدد اعتقالة مرة تلو أخرى، على يد قاضي لتمديد توقيفه مدة من الزمن، مع امكانية أن تصل الفترة ل(90) وأصبحت 101يوم، يستمر فيها ممارسة أساليب الضغط النفسية والمادية المختلفة على الأسير.(موقع الأسير، ب ت: أنترنت)
وزاد نهمها عندما قامت بغزو لبنان، حيث عكفت منذ اللحظة الأولى على إقامة المعتقلات الجماعية التي امتلأت بالآلاف من المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين، من بداية الاحتلال، وانتهاء باجتياح حزيران (يونيو) في سنة 1982. كمعتقل أنصار الذي افتتح في 14 تموز (يوليو) 1982، والغي بعد الانسحاب الإسرائيلي في سنة 1985، والذي يتطابق تقسيمه الهندسي مع المعتقل الألماني”اوشفتز”.(مروة كريم، 1985: 49)
وقد وصفته المحامية الاسرائيلية (فيلتسيا لانغر) حين التقت ب(صلاح التعمري) في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، وسمعت منه قصة المعسكر. بالقول: “ذكرتني بعض عناصر القصة، بقصة زوجي في معسكرات الاعتقال النازية”. (فليتسيا لانغر، 1993: 313 )
وهذا يدل على أن الفهم الإسرائيلي للسجن أو المعتقل، لم يكن وسيلة للعقاب فقط، ولا مكاناً للتأهيل كما تنادي بذلك القوانين الدولية، بل كان أداة للقتل والتصفية ونزع الروح المتمردة والثائرة في الإنسان الفلسطيني، ليتحول من مجرد إنسان إلى رقم لا قيمة له، محطماً ومدمراً بلا قناعات ثورية. (عيسى قراقع، ب ت: 15)
أي أن ممارسة التعذيب تتم بشكل منظم وبطريقة مستمرة ومتواصلة، بدون مراعاة لأبسط حقوق الإنسان، مما يؤدي لخلق بيئة جديدة لدى الفرد الذي يتعرض للتعذيب. ” بيئة قمعية ” Repression ecology ” كما يسميها (Barudy) تشكل حالة عامة من الافتقاد للإحساس بالأمان، والخوف الدائم، وفقدان الثقة بالذات والآخرين، وتفتيت للعلاقات والروابط الاجتماعية.
وقد أكد معظم المعتقلين الفلسطينيين الذين خضعوا للتحقيق، تعرضهم للتعذيب وإجبارهم على الإدلاء بإعترافات رغماً عنهم، وتعرضهم لصنوف شتى من التعذيب النفسي والجسدي في سبيل إدلائهم بإعترافات تدينهم أو شهادات ضد زملائهم. وتمارس السلطات الإسرائيلية عمليات التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين منذ عام 1967. (أجمد أبو شلال، 1999: 8)
ويؤكد ذلك أيضاً ضابطي المخابرات الصهيوني (يوسي ميلمان، ورفيف دان) اللذان ذكرا بإن “أقسى أنواع الضغط وأشده، الذي يتم في داخل السجون والمعتقلات، وخاصة في أجنحة التحقيق (وهي أجنحة يديرها (الشين بيت) في السجون الإسرائيلية) فعندما كان يلقي القبض على السجناء الفلسطينيين، كان يتم إحضارهم مباشرة إلى الأجنحة الخاصة أو مراكز الاعتقال، ولم تلق الشرطة أو هيئة السجون نظرة على ما كان يدور من عذاب في الزنزانات وراء تلك الجدران. وقد اعترفا كذلك بأنه “قد واجه العرب المتهمون بالإرهاب استجواباً وحشيا، وكانت الضربات الجسدية جزءاً منه، كما كانت هنالك أشكال أخرى من التعذيب لم تترك أية علامات، فما إن يدخل السجناء حتى تتم تغطية رؤوسهم بكيس أسود، ثم يستمر الاستجواب لمدة ساعات، عادة ما يحرموا فيها من النوم، وفي بعض الأحيان يتم صب الماء البارد عليهم، وعبر وسائل التعذيب الجسدية والنفسية وغيرها، تتم بعذ ذلك عملية الابتزاز والمساومة لهم. (يوسي ميلمان،ورافيف دان،1990: 147)
وقد تعرض هذا التعذيب لكثير من التقارير عبر الجهات والمنظمات والدول في العالم التي تنتقده وتدينه بشدة. ومن هذه التقارير (تقرير من منظمة العفو الدولية، الصادر بتاريخ ايار-مايو 1992، والذي لخص بشكل عام وسائل وأساليب التحقيق والتعذيب التي يستخدمها المحققون الإسرائيليون ضد المعتقلين الفلسطينيين) والذي جاء فيه بأن: “اسرائيل استخدمت الصدمات الكهربائية، والضرب بسلك كهربائي، والتعليق على عامود، والغمر بالمياه، والأوضاع المؤلمة، والحرمان من النوم والطعام والمرافق الصحية، وتغطية الرأس بالأغلال، والزنزانة الانفرادية، والقن (عش الدجاج) وغرف المتعاونين، والإهانات والتهديدات وغيرها”. (الأمم المتحدة،1982: 24)
وقد امتازت اساليب التعذيب في نظرية التحقيق الصهيونية، بكونها نظرية ديناميكية ومتحركة لعمليات نوعت من وسائلها وأساليبها بشكل دائم ومستمر، لذا نجد أن بعض الأساليب والوسائل التي كانت تستخدم في مرحلة معينة قد تغيرت وتبدلت، أو أُدخل عليها التعديلات الملموسة التي عملت على تطويرها وتحديثها بذاتها، أو باعتماد وسائل تقنية وفنية جديدة لم تعرف في العقود السابقة .
مما يتوجب على أي دراسة أمنية لعملية التحقيق أن تطور من ذاتها، وتستوعب كل ما هو جديد ومستحدث من اجل التوافق مع استخدام هذه الوسائل والأساليب. وخاصة في مجال العلوم النفسية، لما لهذه العلوم من علاقة هامة بعملية التحقيق، رغم أنها لم تخترع التعذيب ولكنها ساهمت في تحويله إلى علم وتقنية. حيث قدمت هذه العلوم –خاصة علم النفس- معلومات وأفكار علمية تستخدم لإجبار الأفراد على البوح بالمعلومات التي لديهم، أو لإكراههم على تغيير قناعاتهم. وقد كان البعض يقوم بإساءة استخدام هذه العلوم النفسية –خاصه المحققين الصهاينه- وهي إساءة تحدث بدرجات مختلفة، وذلك حسب اختلاف المعتقل وأهميته، وحسب الهدف من عملية التحقيق ذاتها.
وسوف يحاول المؤلف في هذا العمل استعراض أهم الوسائل والأساليب المعتمده في التحقيق في سجون الاحتلال الصهيوني بشيء من التفصيل، وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي في نقل الواقع كما هو، من خلال القراءة الواقعية والموضوعية للتجربة الإعتقاليه، وبإستعراض تجربته الشخصية في سجون الاحتلال، مستعيناً بما مرَّ به من محنه قاسية في التحقيق امتدت على مدار ثلاث حقب متتالية، تمثلت المرحلة الأولى في السبعينات والثانية في الثمانينات والأخيرة في التسعينات.
لذا فإن أهم المصادر الذي وثق من خلالها المؤلف هذا العمل تتمثل في الملاحظة والتجربة بشكل مباشر (عبر خبرته الشخصية)، ومن خلال المشاهدة الحية لما تعرض له إخوانه من تعذيب داخل أقبية التحقيق. وكذلك عبر الاستعانة ببعض المعتفلين الذين اخضعوا لعمليات التحقيق في سجون الاحتلال الصهيوني، (خاصة أكثر من مرة) عبر المقابلات المفتوحة المساشرة، التي شكلت نسيج العلاقة بين المعتقلين، (حيث ينقل كل معتقل تجربته الذاتية في التحقيق للآخرين من خلال أسلوب التنفيس بالقصة والحكاية) كما أن هذا الرصيد قد تمصدر كذلك من خلال ما كتبه المعتقلين داخل أو خارج السجون الصهيونية، عبر النشرات والاصدارات والتعميمات والكراسات والكتب الأمنية، التي تهدف لنشر الوعي الأمني لدى المعتقلين، والتي كانت بمثابة طوق نجاة، للكثير من حديثي التجربة الاعتقالية.
وقد عمد المؤلف لمناقشة هذا العمل -التعذيب في السجون الاسرائيلية- لما يمثلة من مشكلة واقعية، تمثل مشكلة خطيرة تمس أمن الشعب الفلسطيني بمجملة، باعتبار أن الفلسطيني عرضة للاعتقال والتعذيب في كل لحظة. مما يتطلب التعرف على أهم المفاهيم، المتعلقة بعملية التحقيق في السجون الاسرائيلية، وعلى أبرز وسائل وأساليب التعذيب المستخدمة فيها، والتعرف على طبيعة المحقق الصهيوني، وأهم الصفات التي يتصف بها، وعلى أصناف وأنواع المعتقلين الفلسطينيين، حسب مواجه عملية التحقيق، والتعرف على أفضل الطرق، للصمود في مواجهة التحقيق في السجون الاسرائيلية، وعلى أخطر الآثار الآنية والبعدية، التي تلحق بالمعتقل جراء عملية التعذيب.
وتنبع أهمية اصدار مثل هذا العمل في كتاب، لكونه يتناول موضوع خطير وهام بثوب علمي جديد، بعيد عن التقليدية والنمطية، حيث قدم نظرية التحقيق بأسلوب علمي، تصنعه‏ مجموعة‏ من‏ العناصر‏ والوسائل‏ التي‏ نتعلمها‏ كما‏ نتعلم‏ أي علم‏ آخر‏.
وقد يفيد هذا العمل كذلك على المستوى المعرفي، من توفير تحليلاً‏ أعمق‏ لجملة‏ المعطيات‏ والحيثيات‏ التي‏ تحكم‏ السلوك‏ البشري‏،‏ وفهم‏ نمط‏ العلاقة‏ التي‏ تربط‏ المعتقلين‏ فيما‏ بينهم‏ داخل التحقيق‏، وإدراك قدراتهم في الصمود،‏ مما قد يساعد‏ في‏ تشخيص‏ الأخطاء وإلقاء الضوء‏ على‏ طبيعة‏ وسائل وأساليب عمل‏ الأجهزة القمعية‏ الصهيونية في استخلاص المعلومات من أفواه المعتقلين الفلسطينيين‏..
وقد يفيد على المستوى التعليمي، من التحذير‏ من‏ هذه‏ الأساليب، وتقديم‏ النصائح لما‏ يجب‏ أن يقوم‏ به‏ المعتقل، والإرشاد للصفات‏ التي‏ يجب‏ أن ينميها‏ المعتقل لديه. من خلال الاطلاع على تجارب‏ الآخرين،‏ وأساليب الشعوب‏ المختلفة‏ التي‏ عاشت‏ وضعاً‏ يشبه‏ الوضع الذي نعيشه في ظل الاستعمار، بحيث نستطيع أن نرصد التجارب‏ التي‏ تم معايشتها عبر الخبرات‏ الشخصية المباشرة‏ لنا، أو عبر خبرات‏ الآخرين، في العقود‏ السابقة، التي نتعرف من خلالها على كيفية التعامل مع طرق‏ التحقيق‏ الصهيونية، وأهم الوسائل‏ الأساليب المتبعة فيها.
وقد يفيد هذا العمل على المستوى الوقائي، من تقديم شرح‏ لطرق وسبل‏ الوقاية‏ من الوقوع في الاعتراف عبر أقبية التحقيق الصهيونية، وخاصة فيما يتعلق بغرف العار والعملاء، واساليب الخداع المستخدمة فيها.
وسوف يتم استعراض الموضوع في خمس فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، وذلك على الوجة التالي :
الفصل الأول سوف يستعرض المقدمة، وأهم التعريفات للمصطلحات، ومحاربة التعذيب دولياً، وتشريع اسرائيل للتعذيب، وأهم صفات وسمات المحقق الصهيوني.
والفصل الثاني سوف يخصص لإستعراض، أهم وسائل وأساليب التعذيب الجسدية، والتعقيب عليها.
والفصل الثالث سوف يخصص لإستعراض، أهم وسائل وأساليب التعذيب النفسية، والتعقيب عليها.
والفصل الرابع سوف يخصص لإستعراض، أهم وسائل وأساليب التعذيب العقلية، والحيل الخداعية، والتعقيب عليها.
والفصل الخامس سوف يخصص لإستعراض، أصناف المعتقلين الفلسطينين في مواجهة التحقيق، وعوامل الإنهيار والصمود أثناء التحقيق، والتعقيب عليها. وأهم الآثار التي يتعرض لها المعتقل جراء عمليات التعذيب، والتعقيب عليها.

هدف التحقيق:
اعتمدت نظرية التحقيق التي تنتهجها المخابرات الإسرائيلية في أقبية الزنازين، على أكثر من نوع وأسلوب، يعمد فيها ضباط المخابرات الإسرائيلية، بالتعاون من إدارة السجون، إلى تحويل كل الوسائط والوسائل المتاحة، إلى أساليب ضاغطة، على نفس المعتقل، حتى يرضخ ويستسلم لإرادتهم، ويعترف بكل ما في جعبته، أو ينهار فيقدم المعلومات التي يعرفها، بكل سهولة، أو يصل لحالة من تفكك والشخصية، الذي قد يقود لتحوله من مناضل ومقاوم إلى معترف ومنهار أو حتى عميل”.
أي أن الهدف من وراء التحقيق لدى المحقق الصهيوني، يختلف عما هو متعارف عليه لدى جميع الدول، لأن التحقيق في أغلب الدول يهدف إلى الحصول من المعتقلين، على المعلومات المطلوبه. لكن الكيان الصهيوني، يعتبر الأنشطة ضد القوات الإسرائيلية المحتلة، أو ضد المتعاونين معها، أو ضد المؤسسات والمرافق التابعة لها هدف مطلوب التعرف عليه، أي تشترك مع هذه الدول في هدف الحصول على المعلومات، ولكن لكونها دولة محتلة تسعى لتفتيت وإلحاق الضرر بالهوية الشخصية للفرد الفلسطيني، وتدمير آلية عمل الأنا لديه، وتحطيم إيمانه بكل المعتقدات الإنسانية.
ويعتمد المحقق الصهيوني في تطبيق هذه الأساليب، على بعض العوامل ومنها:
عامل المفاجأة في الأدوات: حيث يدخل المحقق وسائل لا يتوقعها، ولا يعرفها المعتقل مما يجعله يصاب بقلق التوقع، حيث يتوقع دائماً أن يتعرض لما هو أسوأ من الأدوات التي قد تفوق سابقتها.
وعامل الاستباحة الجسديه: حيث يحاول المحقق أن يشعر المعتقل، أن جسمه مستباح كله، لا حرمه ولا أخلاق في ذلك، يعذبه، يغتصبه، ينهكه، فهو ملكه وله الحق في ايقاع أي صنف من العذاب عليه، ولو شعر المحقق أن شيئاً ما قد يؤلمه فسوف يحول مجرى التحقيق عليه، أو يزيد منه حتى يعترف.
وكذلك عامل الاستباحة النفسيه والعقلية: بحيث يوحي المحقق للمعتقل بأنه لا يوجد للنفس البشرية أي قيمه أو احترام في التحقيق، فلو علم أنه خجول فإنه سوف يسعى لتعريته أمام زملائه، ولو علم أن اخلاقه عاليه ويحافظ على زوجته وشرفه فإنه لا يتورع من استدعاء زوجته للضغط عليه.
تعريف المصطلحات والمفاهيم :
تعريف السجن:
في اللغة: يعرف السجن بكسر السين بأنه موضع الحبس، وبفتحتها يعني الحبس نفسه. وفي الاصطلاح:عرفه القليل من العلماء المسلمين ومنهم العالم ابن تيمية والكاساني، حيث قال ابن تيمية: في تعريفه هو ” تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، ولو بربطه بشجرة، أو جعلة في البيت أو المسجد “. وقال الكاساني في تعريفه هو: ” منع الشخص من الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والاجتماعية. ولم يشرع الحبس في الأصل لإهانة السجين أو تعذيبه أو الانتقام منه أو اهماله، وإنما شرع لاصلاحه وتعديل سلوكه وتأهليه للخروج إلى المجتمع بنفس جديدة ونظرة جديدة إلى الحياة، فيها معاني الاستقامة والصدق والجدية والعطاء”. (حسن أبو عبدة، ب ت: انترنت)
وقد أعتبر (جلوزمان سمون) مجتمع الاعتقال بأنه ” مجتمع ذاتي التكيف بمعنى أنه يمكن للفرد الحفاظ على اتجاهاته الأخلاقية السابقة، وهذا يدل على تأثير البيئة الخارجية على الأسير داخل المعتقل من حيث قدرته على التحمل وحفاظة على اتجاهاته وقيمه التي كان عليها”. (جليلة دحلان، 2001: 14)
تعريف التحقيق:
عرفه عالم النفس (سيلي) بأنه “حالة من عدم التوازن داخل الكائن الحي، والتي يثيرها التباين الواقعي، أو المدرك ما بين مطالب البيئة وطاقة الكائن الحي في التغلب على هذه المطالب، وتظهر من خلال استجابات فسيكولوجية وعاطفية ومسلكية متعددة “. (عبد الرؤوف الطلاع، ب ت: 14)
وعرف عالم النفس (ماكجراف) الموقف النفسي الضاغط بأنه ” إدراك الفرد ضعف قدرته على إحداث استجابة مناسبة لمطلب أو مهام، ويصاحب ذلك انفعالات سلبية كالقلق والاكتئاب”.
ويعرفه المؤلف بأنه: “عبارة عن مجموع المواقف الضاغطة التي يتعرض لها المعتقل، على المستوى الجسدي والنفسي والعقلي، بواسطة طرق ووسائل وأساليب إجرائية تنتهجها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، في استجواب واستنطاق المعتقلين، بهدف الوصول إلى المعلومة المطلوبه، وإلحاق ضرر جزئي أو كلي على كيان المعتقل”.
تعريف التعذيب:
عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة التعذيب، في المادة رقم (1) بأنه هو ” أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يُلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفة أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث أو عندما يلحق مثل هذا العذاب أو الألم لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية “.
تم هذا القرار في 9 كانون الأول عام 1975، وكذلك في الجلسة العامة لاتفاقية مناهضة التعذيب في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984. (الأمم المتحدة، 1993: 426)
ويعرفة (محمد الزير) بأنه ” هو التدمير الجسدي والنفسي والجنسي المعتمد والمنظم من قبل شخص أو أكثر، يعمل لوحده أو بناء على أوامر أي سلطة، ويهدف إلى انتزاع المعلومات، وتدمير شخصية المعتقل والتسبب بمعاناة جسمية ونفسية وجنسية للشخص بعد التعذيب، لإرهابه ومنعه من متابعة النضال بعد خروجه من السجن، ثم لإستخدام الانسان المحطم لنشر الرعب بين أفراد المجتمع.(محمد الزير، 2001: 13)
وتبنت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان تعريفاً للتعذيب النفسي، جاء في هذا القرار بأن: “التعذيب غير الجسدي هو التسبب في الألم الذهني، من خلال خلق حالة من الألم والضغط عبر وسائل غير الإعتداء الجسدي”. وتم ذلك القرار في قضية الدنمارك والنرويج والسويد وهولندا ضد اليونان عام 1969 م. (أمينة سلطان، 2000: 6)
تعريف الألم:
عرفت الجمعية العالمية لدراسة الألم بأنه: ” إحساس كريه وتجربه انفعاليه يشاركان في أبنيه نسيجيه حقيقية أو محتمله أو موصوفه، أو بعبارات من هذا القبيل “. أو هو عبارة عن خبره غير مقبوله من المشاعر والأحساسيس المرتبطه بضرر حاد أو كامن في النسيج الحي، أو الذي يمكن وصفه من خلال مفاهيم مثل هذا التصور “. (ISAP، 1979، أنترنت)
التصدي لممارسة التعذيب عالمياً:
اعتبرت المنظمات والمحافل الدولية، بأن التعذيب في أغلب الدول، لا يهدف الحصول على اعترافات من المتهمين فقط ، كما يخيل لنا للوهلة الأولى، بل أبعد من ذلك بكثير، بما قد يحمله من تفتيت والحاق الضرر بالهوية الشخصية، وتدمير آلية عمل الأنا وتحطيم إيمان الشخص بالمعتقدات الإنسانية جمعاء”.
والتعذيب يتم بشكل منظم وبطريقة مستترة في عالم تحكمه العشوائية، وتحدث دون مراعاة لابسط حقوق الانسان، مما يؤدي لخلق بيئة قمعية، Repression ecology كما يسميها (Barudy)، حيث هناك حالة عامة من الافتقاد للاحساس بالامان، وحالة من الخوف الدائم، وفقدان الثقة بالذات والآخرين، وتفتيت للعلاقات والروابط الاجتماعية. (715-727: Barudy, J. ,1989 )
أي أن ممارسة الدولة العنف المنظم بما يحويه من وسائل التعذيب المختلفة، يشكل في حد ذاته ظاهرة عالمية واسعة الانتشار، تحتاج لكثير من الاهتمام، لأجل التصدي لها.
)Amnesty International, 1992 : 19(
لهذا بدأت عملية التصدي لممارسة التعذيب عالمياً، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: (العمل على منع التعذيب، والتصدي للتمييز، والتغلب على الحصانة من العقاب). ويتوقف إقرار العدالة في ذلك، على مدى اهتمام الإعلام وتعبئة الرأي العام، إذ تنتعش ممارسة التعذيب في ظل لامبالاة الجمهور، لذلك لا بد من تحويل اللامبالاة لغضب، ولعمل جماهيري. ولا بد من العمل على وجود أدلة لا تُدحض كالأدلة الطبية لتأكيد مزاعم التعرض للتعذيب، وقدرة القضاء على متابعة التحقيقات بصورة مستقلة ووافية.
وكذلك العمل على زيادة الوعي بالتعذيب، وكيفية منعه، وحث الناس على العمل على منع التعذيب، عبر التعاون مع منظمات حقوق الإنسان، والنقابات، والمجتمع الأهلي، وكل المعنيين بذلك. والعمل على إنشاء محكمة جنائية دولية للنظر في قضايا التعذيب، وغيرها من الجرائم الدولية ضد الإنسانية. وأيضاً المطالبة بإدانة التعذيب عبر حث الزعماء السياسيين في شتى أنحاء العالم، أن يعلنوا معارضتهم للتعذيب.
وقد تمخض عن كثير من هذه النشاطات الدولية في جميع أنحاء العالم صدور عدة موائيق وقوانين دولية، من أهمها قوانين حقوق الانسان التي اقرتها كافة المواثيق والمبادئ الدولية التي تنص على حقة في الحياة والحرية والسلامة الشخصية والكرامة الانسانية. ولأن التعذيب ينتهك هذه الحقوق، فقد اعتبرته قوانين معظم الدول المتحضرة جريمة، واعتبره القانون الدولي، وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة، “مخالفة جسيمة”. (رزق شقير، 1991: 2)
لذلك ضمنت كل دولة أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة اممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤ ومشاركة في التعذيب. (ابراهيم أبو دقة، 1996: 5)
اسرائيل تشرع لممارسة التعذيب :
لقد ثبت بأن هناك منهجية في استخدام التعذيب في مراكز الاعتقال الاسرائيلية، إذ تظهر الدراسات باستخدام هذه الأساليب بشكل منظم، حيث تعطي الأوامر باستخدامها من قبل المسؤولين، و يظهر بوضوح وجود أدوات للتعذيب مدى تأصل هذه الممارسات في العقلية الصهيونية.
وقد أشارت الحقائق إلى مواصلة هذه السياسة التي يصر رجال الشاباك وصناع القرار في حكومة اسرائيل على التمسك بها، بل ووضع قانون داخلي يجيز للشاباك استمرار تعذيب المعتقلين تحت حجة الخطر الأمني. (عيسى قراقع،2000: 155)
وقد شهدت على هذه الممارسات المحامية الإسرائيلية (فيليسيا لانغر) التي وصفت عملية التحقيق بقولها: ” يسير التحقيق ضد المعتقل في عمليات عدة لا بأس من تعدادها واحدة تلو الأخرى. فهم يهددونه أولا بالضرب، وإذا لم يجد التهديد نفعا يباشر به فعليا، فيعرى ثم يتعاقب عليه أشخاص عديدون يتناوبون على ضربه مع مراعاة أن يكون الضرب على الرأس وفي مكان معين وعلى الأعضاء الجنسية، ثم تسكب المياه على المعتقل عند كل إغماء، وبعد ذلك يستكمل التحقيق بالمياه الشديدة البرودة، تعقبها مياه شديدة الحرارة، أو أن تطفأ السجائر في أيدي المعتقل وجسده، كما يعرض جسده وفي أماكن حساسة لتيارات كهربائية، أو أن تحرق الشفاه، وتدفع بين أصابع القدمين أوراق مشتعلة إلى جانب نزع الأظافر ونتف الشعر، ثم التهديد بمضاجعة الشخص أو مضاجعة زوجته أو أخته أو أمه أمامه، وان يعلق في يديه بطرق مختلفة من علو مرتفع أو أن تكبل قدماه ويداه فترات طويلة”. ( فليتسيا لانغر، 1993: 310 )
واعترفت كذلك اللجنة القضائية برئاسة (موشيه لنداو) التي شكلت في (31/5/1987) للتحقيق في أساليب وطرق ادارة التحقيق من قبل جهاز الأمن العام، في تقريرها بأن هذه الادارة تستخدم أساليب قاسية ضد الفلسطينيين، ولقد أعطت اللجنة الشرعية لاستخدام ضغوط جسدية ونفسية “معتدلة” أثناء التحقيق، وبأن التحقيق مع المشبوهين بالقيام بأعمال تخريبية لا يكون مفيداً أو ناجحاً دون استخدام وسائل ضغط من أجل التغلب على ارادة العناد عندهم ورفضهم الكشف عن المعلومات والتغلب على خوف المشبوه من أن يتعرض للخطر من قبل رجال التنظيم إذا كشف عن المعلومات، ويجب أن تتركز وسائل الضغط في الأساسي على الضغط النفسي، ولا مانع من استخدام درجة معتدلة من الضغط الجسدي”. وهكذا، فقد منح هذا التقرير الشرعية للتعذيب الاسرائيلي، مما أدى إلى تصاعد التعذيب. (رزق شقير،1991: 7)
ولقد كان من المتوقع أن تضع اتفاقيات أوسلو حداً نهائياً لسياسة التعذيب التي مارستها اسرائيل منذ بداية الاحتلال، إلا أن العكس قد حدث، حيث استمرت سياسة التعذيب، واصدرت محكمة العدل العليا الاسرائيلية قرارات علنية ابتداءاً من 1996م تدعو إلى السماح ل(الشين بيت) باستخدام الضغط الجسدي وأساليب التعذيب العنيف اتجاه المعتقلين الفلسطينيين، كما منحت اللجنة الوزارية التي تراقب الشاباك السلطة باستخدام ضغط جسدي زائد، وأساليب تحقيق محرمة دولياً. (عيسى قراقع،2000: 155)
أي أن التعذيب لم يتوقف بعد اتفاقية أوسلو، بل على العكس أخذ غطاءاً قانونياً وبأشكال مختلفة، منتهكة حكومة اسرائيل بذلك كل القواعد والأعراف الدولية التي تحرم التعذيب. ولعل الضجة التي أثيرت في السنوات التي تلت اتفاقيات أوسلو احتجاجاً على سياسة التعذيب، قد جاءت نتيجة لتصاعد هذه السياسة، وبروز مخاطرها على جميع المعتقلين. حيث أشار التقرير السنوي لجمعية حقوق المواطن الاسرائيلية “بيتسيلم” بتاريخ (2/7/1998) أن الشاباك الاسرائيلي يحقق مع (1000-1500) مواطن فلسطيني في السنة، وأن 85% من مجموع الأشخاص الذين تعروضوا للتحقيق خلال السنوات (1996-1997)، قد تعرضوا للتعذيب دون أن تحرك المحكمة العليا الإسرائيلية ساكناً لمنع ذلك، لأن التعذيب يستخدم بشكل منهجي ضد الأسرى”. (عيسى قراقع،2000: 155)
وقد شهد العام 1990 تطوراً في أساليب التحقيق المتبعة من قبل أجهزة الأمن الاسرائلية، حيث تم الانتقال من استخدام طرق التحقيق العنيفة إلى طرق أخرى لا تترك أثاراً ظاهرة، حيث حل التعذيب النفسي محل الضغط الجسدي الأكثر وضوحاً، وتم استبدال الضرب الذي يترك آثاراً وجروحاً على الجسم بالأوضاع الجسدية المؤلمة والحرمان من النوم والعزل، التي تسبب ضرراً جسدياً تظهر اثاره على مر الزمن.
ولكن سرعان ما عادت تلك الأساليب العنيفة، حيث تزايد ذلك في السنوات الأخيرة، تحت شعار عنوان “مكافحة الأرهاب”، وهو الغطاء الذي يمنح حكومة اسرائيل ممارسة ذلك وبشكل علني، حيث صادق الكنيست الاسرائيلي بالقراءة الأولى على اقتراح “قانون الشاباك” الذي يتيح للمحقق أن يستخدم أساليب تحقيق جسدية في حالات معينة، وفقاً لهذا الفهم الاسرائيلي فإن أساليب الضغط الجسدي، وعمليات الهز العنيف لأجسام المعتقلين، في التحقيق لا تعتبر بمثابة تعذيب”.
لهذا فإن رجال المخابرات الإسرائيليه يتصرفون بحماية تامّة ودون ملاحقة أو مراقبة على أعمالهم التعسفية مع المعتقلين بعد أن سمحت محكمة العدل العليا والمستشار القضائي الإسرائيلي بإعطاء تصاريح وأذونات لرجال المخابرات باستخدام وسائل التعذيب مع المعتقلين الفلسطينيين.
“وبعيداً عن كل ذلك الجدل الاسرائيلي الرسمي المتعطش لوضع تشريع للتعذيب، فإن التعذيب قائم ومستمر ومتواصل في أقبية التحقيق الاسرائيلية، وأن هذا الجدل ليس له أية علاقة بعملية السلام، ولا بأي شكل من أشكال احترام حقوق الانسان بقدر ما هو تمرد اسرائيلي رسمي على كل الشرائع الدولية التي تحرم التعذيب، وأن الهم الاسرائيلي، على ما يبدو هو ايجاد مدخل قانوني داخلي يجيز لها تعذيب المعتقل الفلسطيني ودون الحاجة أن إلغاء قرار محكمة العدل العليا، والضحية في النهاية هو المعتقل الفلسطيني. (عيسى قراقع،2000: 155)
أساليب التموية الاسرائيلية على التعذيب:
لم تبرع اسرائيل في ممارسة فنون كثيرة في وسائل وأساليب التحقيق والتعذيب، في سجونها فقط، بل برعت كذلك في إخفاء أدلة التحقيق والتعذيب، بطرق كثيرة منها: -إخفاء أدلة التعذيب حيث ترتكب عمليات التعذيب في سرية تامه، وفي أماكن تكون بمنأى عن أعين وكاميرا الآخرين، ووسائل الاعلام، وتُبذل جهود كبيرة في كثير من الأحيان لإخفاء الأدلة الضرورية، وكثيراً ما تتعثر التحقيقات، بسبب تقاعس جهات التحقيق أو عدم فعاليتها أو تواطؤها.
- تهديد وترهيب الضحايا الذين يستبد بهم الخوف من التعرض للانتقام فيلزمون الصمت. حيث من يتقدم منهم بشكاوى يتعرض للتهديد أو الاعتداء، وفي كثير من الأحيان لا يتيسر لهؤلاء طلب العون من المحامين أو المنظمات غير الحكومية.
- عدم فعالية التحقيقات التي تتولاها الهيئات التي مارس العاملون فيها التعذيب، بحيث قد يفضي التدخل السياسي في العملية القضائية إلى صدور قرار بعدم الملاحقة القانونية لشخص متهم بممارسة التعذيب.
-تواطؤ الضباط الآخرين من زملاء مرتكبي جريمة التعذيب بالتزام ميثاق صمت فيما بينهم.
- عدم كفاية الإطار القانوني لمعاقبة مرتكبي التعذيب، إذ لا يحرِّم القانون ممارسة التعذيب في العديد من النظم القضائية.
- الاستهانة بأحكام القضاء، حيث تتجاهل السلطات السياسية الأحكام الصادرة عن القضاء مما يقوض مبدأ سيادة القانون ويعزز الإفلات من العقاب.
- تقنين التعذيب والعقوبات البدنية عبر سن قوانين تسمح باستعمال التعذيب في العقوبات التي تفرضها المحاكم كعقوبة جزائية، أو النظام الإداري كإجراء تأديبي، وينفذها مسؤولون بالدولة، وتُحاط بالاحترام الذي تحظى به العقوبات القانونية.
- الإفلات من العقاب وفق القانون، حيث تمنح بعض القوانين الحصانة من المحاكمة للضالعين في ممارسة التعذيب. وكثيراً ما تُسن هذه القوانين خلال حالات الطوارئ أو عند إعلان الحكومات وجود تهديد خاص للنظام العام.
- عدم وجود آليات أخرى لضمان المحاسبة، كالعقوبات الإدارية والتأديبية، كأن ينظر على وجه السرعة وباستقلالية ونزاهة في مزاعم التعذيب، بحيث قد يوقف المعني بالحدث ريثما ينتهي التحقيق معه، أو تنحيته من مهامه، أو نقله، أو فصله إذا ثبتت مسؤوليته، مع توقيع العقوبات الأخرى المناسبة عليه، مثل التغريم أو الإلزام بدفع تعويضات للمعتدى عليه.
صفات المحقق الصهيوني (أداة القمع):
إن أغلب المحققين الصهاينة، خاصة في الآونة الأخيرة، قد كانوا من فئة الشباب الذين تخرجوا من جامعات أو معاهد، حيث كانوا يحصلون على تعليم عالي وجيد، بالإضافة إلى تطوير قدراتهم باستمرار، مع توفير الإمكانيات التقنية اللازمه لعملهم. وقد تبين للمؤلف من خلال ملاحظته المباشرة لرجال التحقيق الصهيوني، ظهور هذا التطور، حيث كانوا في مرحلة السبعينيات أقل وعيا وخبرة وثقافة بالوسط الفلسطيني، وأما في المرحلة الأخيرة فقد كان اغلبهم اعمق ثقافة واكثر دراية بالأساليب النفسية، واكثر خبرة بطرق الخداع وأساليب الاستدراج، مع قدرة اكبر على فهم الأساليب العقلية، والقدرة على الحوار والنقاش، من خلال اطلاعهم على الثقافة الفلسطينية العامة، والاطلاع على ثقافة الفصائل والتنظيمات على الساحة الفلسطينية. وذلك من خلال الدورات الثقافية والأمنية والنفسية المكثفة التي مروا بها.
وبرغم كل هذه المؤهلات، إلا أنهم يحملون صفات وسمات قاسية وعنيفة جداً. ومن هذه الصفات التي يمتاز بها المحققين الصهاينه، التي لمسناها خلال التحقيق: الساديه: وهي تعني استمتاع الشخص برؤية الآخرين وهم يتألمون، ويحصلون على نشوة نفسية من القيام بالتعذيب، وإذلال ألآخرين، وهذا قمة السعادة لدى المحقق.
السيوكوباتيه: والتي من بعض صفاتها ما ينطبق على المحقق الصهيوني، مثل: الاستهانة بالقوانين والقيم والأعراف الأخلاقيه والانسانية والدولية، وعدم الاحساس بالذنب والندم والشفقه والرحمه والعدل والكرامه، إضافة للخداع والتستر والانتهازيه.
العدوانية: من ابرز صفات المحقق الصهيوني العدوان، حيث يظهر ذلك بشكل جلي في عملية العدوان الاستباقي أو الوقائي، تحت شعار حماية النفس أو المواطنين من أذى متوقع من الغير (الفلسطيني).
إحتفار الآخر: المحقق الصهيوني يحتقر بشكل عام كل أخر، وعلى وجه الحصوص الآخر (الفلسطيني)، لأنه يعتبره أقل منه انسانيه، لذلك هو يسعى لسحقه وإذلاله عبر عمليات التعذيب.
التبرير: المحقق الصهيوني يكتنز من عمليات التبرير لكل ما يقوم به من عمليات تعذيب الرصيد الكبير، بأعتبار ذلك أحد الدفاعات النفسيه التي عاش بها آباءه وأجداده في الجيتو الأوروبي. فهم يعتبرون التعذيب وسيله مشروعه لتحقيق أمنهم. أي يربطون عمليات التعذيب التي يمارسونها ضد الفلسطينيين، بمجرد فهمهم العاطفي الذي يسعفهم في تبرير التعذيب، بل وإضفاء عليه قيمه دينيه أو قوميه أو وطنيه.
بذاءة اللسان: من أبرز صفات المحققين هي بذاءة ألسنتهم حيث لا يتورعون عن ذكر أدنى وأحط الكلمات البذيئة والسباب والشتائم التي لا تفارق شفاههم، سواء بقلة الأدب مع الله، بنكرانهم له، وعدم اعترافهم به، أو بالمقدسات والمحرمات، والتعاليم الدينية. وكذلك قلة الأدب مع المعتقل على المستوى الأخلاقي والعاطفي والعقلي وغير ذلك.
القسوة الزائدة: أحد المحققين في جهاز الشابك الصهيوني يتحدث عن كيفية التعامل مع المعتقل من لحظة دخوله، وعن قسوة الارشادات والتعليمات التي يلقن بها المحقق. فيقول: ” إن هدفك يتحدد في كسر الجليد، والا فلن تحطم جدار مقاومته.
وذلك يتم من خلال دراسة المواد المسبقة التي توجد حوله. يضاف الى ذلك انطباعك عن الشخص مع دخوله الى الغرفة، هل هو مجروح المشاعر، مضروب، مرهق، ذقنه غير محلوقة. أنت تقوم بتبادل عدة كلمات معه حتى تختبر نبرة صوته وكيفية اندفاعه للإجابة. في البداية يجري الحديث عن أمور عامة، العائلة، وتفضيله للعيش في ظل اليهود، رأيه حول قادة اسرائيل. ومن خلال هذه الإجابات أنت تحاول دراسة وضعه في البيت وحالته المزاجية. عليك ان تعرف كيف تسأل فهناك أمور يحظر طرحها على العربي بصورة مباشرة وإلا فانه سيوصد أبوابه أمامك. وخلال التحقيق يتوجب عليك ان تفكر بألف أمر وأمر، وعليك ان تصغي له جيدا وان تواجهه ببعض الأمور عندما تكتشف انه يكذب، فلا يتوجب أن تسأله عن اسمه الرباعي من دون ان تعرف ذلك سلفا، يجب ان تهز ثقته من خلال إبراز اطلاعك على تفاصيل حياته وحياة عائلته منذ سنوات بعيدة سابقة. يجب ان تنتبه للغة الجسد وان تفكر بلعبتك أنت ولغة جسدك.
وان تشخص اللحظة المناسبة للضغط ومتى يتوجب عليك ان تصمت وان تتركه يقول كل ما عنده. عليك ان تكون قادرا على التغير والتبدل خلال التحقيق دفعة واحدة حتى تزعزع ثقته مثل ان تنتقل من لعب دور الشخص اللطيف فجأة وان تضرب له على الطاولة وان تصرخ في وجهه.
وعليك أيضا ان تسيطر على مشاعرك ولا تظهر له أنك مضغوط أو خائف، وإلا فانك ستضيع. وعليك ان تعرف كيف تستخدم ما تشعر به نحوه، فأحيانا يكون أمامك شتى الأشخاص الجامدين الذين يضيع وقتك معهم هباء، نتنون لم يخلقهم الله. لذلك عليك أحيانا ان تخفض من مشاعر القرف، بل وأحيانا عليك ان تستخدمها ضده. (عميت نافون،2002: 2)
الاحباط الشديد: أكثر ما يميز المحقق الصهيوني هو عملية الاحباط الشديد التي تشكل حياته، ويقول محقق صهيوني في هذا الصدد: ” في كثير من الأحيان تنفس عن احباطاتك وتسقط حالتك النفسية على اقرب الناس لديك, انك لا تستطيع ان تشارك أفراد عائلتك تفاصيل الحياة, يصبح لديك عالم خاص وغريب. والبعض يقول ان عقول أبناء المحققين سطحية لان آباؤهم يكسرون الصحون على رؤوسهم, وكذلك يقولون ان زوجات المحققين لا يستطعن تلبية رغبات ازواجهن, لان المحقق تصبح لديه رغبة بأن يربطها على الكرسي لاربع او خمس ساعات وان يسمعها موسيقى ذات ضجيج صاخب, او يجعلها لا تنام لثلاث ليال, ويصبح لديه رغبة بأن يفرض عقوبات على ابنائه كأن يشبح أحدهم ويجعل رأسه للأسفل ويغطسه في دلو من الماء لمرات عديدة, ويصبح لديه رغبة او عادة ان يمارس مع الناس في الشارع، ما يمارسه مع المعتقلين الفلسطينيين, وهكذا يصبح المحقق شخصية عصبية معقدة مريضة، لا يستطيع مع الأيام الفصل بين عمله كمحقق، وبين طريقة حياته اليومية العاديه. (موقع المقاومة،2003: أنترنت)
الضغوط والإضطرابات: ان طريقة عمل المحققين تتسبب في قدر غير قليل من الضغوط والاحباطات لهم، حيث يقولون ان بيئة عملهم تؤثر على حياتهم الشخصية في أحيان كثيرة. ويدعي المحقق (ر) ان نسبة الطلاق عند أفراد “الشباك” عالية بدرجة غير عادية بالمقارنة مع المعدل السكاني. ويقول في احيان كثيرة تقوم بتفريغ احباطاتك على الأشخاص القريبين منك، تصرخ من دون سبب، تنرفز بسرعة أو تنغلق على نفسك “. ويقول كذلك المحقق (ر) “أن الجميع يشعرون بضغوط العمل ولكن عند الشباك لا يستطيع الإنسان ان يشرك عائلته بما يمر به، وإذا كانت الزوجة من النوع الذي يضغط لمعرفة ما يحدث يتسبب ذلك بإثارة عصبيتك بصورة اكبر. ومن المتطرف جدا أيضا ان تدخل كل يوم للسجن لتلتقي مع أشخاص قذرين!! ومن ثم تعود إلى بيتك”. “في مرات عديدة يحدث ان تعود بصورة متأخرة وفكرك ما زال في التحقيق بعد ان لم تنجح في انتزاع شيء منه، وليست لديك رغبة في ممارسة الجنس. هذه مسألة ليست سهلة. حيث تأثير العمل على شخصية الإنسان يظهر في مجالات عديدة في الحياة العادية مثل استخدامه لوسائل وحيل التحقيق مع الأشخاص الذين يتعامل معهم دون ان يتمكن من الفصل بين عمله وحياته في الواقع الإسرائيلي، وكذلك العلاقة الوثيقة المتداخلة بين المجتمع الإسرائيلي والسكان الفلسطينيين يتسبب أحيانا في أوضاع سريالية يجد فيها المحقق والمحقق معه أحيانا أنفسهم في عمل مشترك معا.ً (عميت نافون، 2002: 3)
الإجهاد الجسمي والنفسي والعقلي: يمر في كثير من الأحيان المحقق الصهيوني بحالات من الاجهاد الشديد، جراء عمليات التعذيب المتواصلة مع المعتقلين. ويقول (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق، في ذلك مبرراً ما يصاب به المحقق من عمليات اجهاد تؤدي لاحباط لديهم. “يجب فهم مدى الإجهاد الذي يلم بالمحقق، فكم من الزمن يمكن للمحقق الجلوس في غرف التحقيق الضيقة يجابه خلالها أولئك القتلة!!! الباغضين لدولة إسرائيل؟ كم من الزمن يستطيع المحقق أن يحافظ على رباطة جأشه بينما يجلس أمامه مخرب قاتل للجنود والمواطنين الإسرائيليين، مستهزأً به بلا حياء؟ في هذه الأحوال لا يزال المحقق ملزما يطلب إذن لكي يمسك بتلابيب ملابس المخرب ويهزه بعنف، عدا الكلام عن صفعة واحدة يوجهها إليه… يعمل الجهاز ويبذل الجهد الكثير لكي يقلل من الضرر النفسي الواقع على المحققين بسبب ما يتعرضون له من شد عصبي. وهناك عدة أسباب لذلك إجازات نهاية الأسبوع مع عائلاتهم، إجازات ترفيهية، الالتحاق بدورات تأهيلية. وكباقي موظفي الجهاز الذين يتعرضون لأزمات شخصية، يمكنهم التوجه لطلب المساعدة للذهاب للطبيب النفسي الخارجي، أما التفاصيل فتبقى طي الكتمان والسرية المطلقة، أما الطبيب النفسي فيقدم تقريره للجهاز فيما يتعلق بعدد الحالات التي وصلته، دون ذكر أسماء، ومن الجدير بالذكر أن من توجهوا بالطلب لهذه المساعدة ضئيل جدا. وأتذكر فقط حادثة واحدة التي طلبنا فيها المساعدة النفسية، حدث ذلك في أحد محافل التحقيق، في أعقاب شكاوي عديدة من أطراف مختلفة والتي كانت منظمة حقوق الإنسان امنستي منها، تبين أن أحد المحققين كان يقود سيارته بسرعة وعصبية ظاهرة، تحدثت مع قائده، وكذلك مع عدد من زملاءه في العمل، فتجلى لي ظرف مهم جدا كان قد أخفاه قبل قبوله في العمل في صفوف الشاباك، وهو انه كان ضحية للعنف الأسرى في صباه، أقنعته بان يتجه للعلاج النفسي، وأفرزنا له وظيفة واحدة، كل هذه الأمور جرت في أجواء من السرية والتكتم، لم يتسرب أية تفاصيل عن القضية، ولا زال الرجل يمارس عمله في الشاباك، ويقوم بواجباته على اكمل وجه.(يعقوب بري،1997: 34)
رجل مهنة وليس رجل مبدأ: إن حياة المحقق معلقة بعملة، حيث أن الشيء المهم أن يحصل على ما يدين المعتقل، ليثبت ذلك من أجل إدانته، فيتمسك بكل كلمة تخرج منه حتى لو كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكي يصل إلى مراده وهدفه الأساس، وهو الارتقاء والحصول على الرتبة والمنصب من خلال رضى المسؤولين عنه، والحصول على وسام البطولة والمهارة والقدرة على انتزاع الاعترافات من المتهمين.
وهذا القول لا غرابة فيه، باعتبار أن المحقق هو موظف ينتظر راتبه في نهاية الشهر، غالبا ما يكون بلا عقيدة أو مبدأ، يستمد قوته من جدران قلعته، ومن أسلحة آلاف الجنود الذين يحيطون به، دون أن يكون لهم أي شأن معك، ومن صلاحيات محددة له لا يستطيع تجاوزها. (على الحتر، ب ت:3)
يقول أحد المعتقلين، انني اطررت للإقرار والإمضاء على أمر خلاف الواقع وحتى المحقق يعلم بأنها تخالف الحقيقة ولكن الواقع لا يصب في مصلحته ولا يمكنه الاستفادة منه. فأجبرت على تغييره بعد مراحل من التعذيب وبعد الإصرار الشديد على ذلك.(سعيد محمد، ب ت:1)
وقد سجل (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق رؤيته حول هذا الاعتراف بقولة: ” إن أحد الركائز الأساسية التي تحكم تصرفات محققي الشاباك هو أن تتضمن اعترافات المتهم ما يعرف بلغة المتخصصين “النتائج الضمنية”. اعني بذلك تلك النتائج التي لم ترد في التقارير الأخبارية والمتعلقة بحدث ما أو هجوم ما والذي ألقى القبض على المتهم في أعقابه. تلك التفاصيل الضمنية والمعروفة لنا فقط وللمتهم تؤدي إلى التأكد من شهادة المشبوه الخاضع للتحقيق، حيث يعترف الأشخاص الخاضعين للتحقيق في حوادث قليلة وكنتيجة للضغط الذي يمارس عليهم، بضلوعهم في حوادث لم يكن لهم بها أية صلة، وعندما ينكشف الأمر، يتم إطلاق سراحهم فورا.
ومن الجدير بالذكر أن الجهاز عمد في كل الأوقات إلى التنبيه على المحققين من مغبة اعتماد الاعترافات الخالية من الحقيقة، لان ذلك يعتبر فشل مهني خطير. لذلك طالت انتقادات أساليب التحقيق في الشاباك محققين غير متمرسين، والذين لم يستطيعوا استخلاص اعترافات المشبوهين رغم معرفتهم بأنهم على علاقة بالعمليات التخريبية.(يعقوب بري، 1999: 34)
وهذه الأعراض هي بشكل عام تلازم معظم المحققين المستعمرين لغيرهم من الشعوب، كالإحتلال الفرنسي للجزائر، حيث يبرز ذلك أحد الصحفيين الفرنسيين (فرانس فانون) الذي عمل طبيباً للأمراض العصبية، واستخدمته المخابرات الفرنسية أثناء الثورة الجزائرية, كأحد ابرز المحققين مع أفراد جبهة التحرير الجزائرية, الذي ألف كتابا بهذا الخصوص تحت عنوان “معذبو الأرض” بقولة “إن المحققين الفرنسيين قد تحولوا مع الأيام إلى مرضى نفسيين بكل معنى الكلمة, وتحول الفرد منهم إلى شخصية مريضة معقدة, لا يحب ان يرى إنسانا لا يصرخ او يتألم, وتستهويه عذابات وآلام البشر, وبعضهم كان يبكي عندما لا يرى إنسانا يتألم او يصرخ من الألم, وتحولت حياتهم الشخصية الى جحيم, يضربون زوجاتهم وبعضهم يعذبون أطفالهم, وبالتالي ينفصلون نهائيا عن مجتمعهم وعن حياة الإنسان العادي.
ويستطرد قائلاً: “بأن شكل وطريقة عمل المحققين تخلق الكثير من الضغوطات ومظاهر الإحباط لدى الكثيرين منهم, وكثيرون منهم أيضا يتحدثون اليوم بل يعيشون حياة متأزمة وتعيسة، حتى ان البعض منهم قد أصبحت تلازمهم حالات عصبية ونفسية لا يستطيعوا الفكاك عنها مثل سماع أصوات الصراخ والألم وحالات العصاب والذهان والهوس, كما ارتفعت بينهم حالات الطلاق، مقارنة بغيرهم من الناس .”
تعقيب:
إن الإعتقال والتحقيق في سجون الإحتلال الصهيوني، كان الأسلوب الأكثر قمعاً على مدار سني الإحتلال البغيض، حيث تفوق فيه المحقق الصهيوني بجدارة على كل محققي العالم بالمستوى اللانساني الذي بلغه، وتغلب فيه على كل دنائة المخلوقات. وذلك بما استخدم وما زال من شتى أنواع التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين، الذي سخر ضدهم كافة العلوم والتجارب والاختراعات (وخاصة علم النفس) في انتزاع الاعترافات منهم وتحويلهم إلى حقول تجارب، مستفيدا من كل تجارب التعذيب التي مارسها بنو البشر في جميع العصور والأزمان. ولم يكتف بذلك بل سعى لقتل الروح والعقل، وتحطيم الذات بكليتها. أي بمعنى آخر تصفيته جسدياً ونفسياً وعقلياً، لتدمير شخصيته، ونشر الذعر والرعب في المجتمع من حوله.
وقد لاحظ المؤلف من خلال تجربته الذاتيه في التحقيق في السجون الإسرائيلية، بانه قد حدث تطور ملحوظ في استخدام وسائل واساليب التحقيق من حقبة لأخرى، (تعرض المؤلف للتحقيق بشكل مباشر في السجون الإسرائيلية عبر ثلاث حقب) حيث إمتازت كل حقبة من حقب الاحتلال الإسرائيلي بالتركيز على بعض الأساليب أكثر من غيرها. وفي مرحلة السبعينيات كان الأسلوب الأكثر شيوعا لدي المحققين الصهاينه في انتزاع الاعتراف من المعتقلين، هو الأسلوب الجسدي بكل معنى الكلمة. أما في حقبة الثمانينيات فقد كان اكثر الأساليب شيوعا، هو الأسلوب النفسي. وأما في المراحل الأخيرة في التسعينيات وما بعدها، فإن اغلب الوسائل والأساليب التي يعتمدها المحققون، كانت أساليب الحيل الخداعية، المباشرة من قبل ضباط التحقيق، أو غير المباشرة عبر العملاء وغرف العار.
ويسعى المحقق الصهيوني عبر تنويع الوسائل والأساليب في ممارسة عمليات التعذيب إلى ايجاد قناعة لدى المعتقل بأنه لا يوجد سقف للوسائل في التعذيب، فكل الوسائل ممكن استخدامها ضده حتى ينهار ويعترف.
ولكن بشكل عام فإن هذه الوسائل والأساليب، ترتكز على ثلاث مجالات رئيسة، (الجسدية، النفسية، والعقلية) لا يمكن القفز عنها أو تجاوزها بأي حال من الأحوال. قد تستخدم منفردة مع المعتقل، أومندمجة، وذلك بحسب الحالة، أو قرار المحقق.

تمهيد:
إن عمليات التعذيب الجسدي التي تمارس ضد المعتقل الفلسطيني في أقبية التحقيق الصهيونية تعتمد على نظرية الألم، الذي يتعرض له الجسد أو (العضو) المعرض للتعذيب، لإن إحداث الألم في الجسم يعتبر المعول الأهم في هدم صمود المعتقل، من أجل إجبارة على الاعتراف أو الإنهيار.
لذلك لا بد من التعرف على مفهوم الألم، وعلى الآلية التي تتم فيها عمليات التعذيب لإحداث الألم. والذي عرفه بعض العلماب بأنه: ” إحساس كريه وتجربه انفعاليه يشاركان في أبنيه نسيجيه حقيقية أو محتمله أو موصوفه، أو بعبارات من هذا القبيل “.
أو هو عبارة عن ” خبره غير مقبوله من المشاعر والأحساسيس المرتبطه بضرر حاد أو كامن في النسيج الحي، أو الذي يمكن وصفه من خلال مفاهيم مثل هذا التصور “. (ISAP، 1977، أنترنت)
والتعرف على الألم المحسوس، يتم من خلال التعرف على طبيعة الألم ذاته، ونوعيته، فالآلام الحاده التي يتعرض لها الانسان، تجعل الجسد يستقبل هذا الألم ويبلغه للدماغ، وتتم الاستجابه له إما عن طريق الاستجابه الشرطيه أو عن طريق الاستجابة الارادية. حيث تقوم الناقلات العصبية، أي المستقبلات العصبية البيولوجية الخارجية والداخلية، (وهي مستقبلات عصبية متنوعة ومتعددة كالدوبامين، والأورينالين، والنورادينالين، والسيروتونين، وغيرها) بنقل ما يتأثر به الإنسان من العالم الخارجي عبر وصلات عصبيه إلى المستقبلات العصبية الداخلية داخل المخ.
أي أن الناقلات العصبية تتأثر بمستقبلات خارجية، فتستقبل المؤثرات القادمه من الخارج، عبر منافذ ووسائط الإنسان المتعددة (الحس-النظر-السمع-اللمس-الشم) سواء كانت هذه المؤثرات قادمة من البشر أو غيرهم، وسواء كانت المؤثرات ايجابيه أو سلبيه، ويحدث نتيجة هذا التأثر تفاعلات في الإنسان يجهل كنهها، ولكنه يجد صداها وآثارها في صورة تغيرات في نشاط الناقلات العصبية، ونشاط المستقبلات العصبيه.

وفي عملية التعذيب عندما يتعرض المعتقل للضرب من قبل المحقق يتم توصيل الألم عبر موصلات (خلايا عصبية) تربطها بسطح الجسم، تنقل هذه الموصلات العصبية الألم للجهاز العصبي، الذي يوصلها بدوره إلى خلايا المخ، التي تصدر تعليماتها للعضو المعرض للضرب بالاستجابات المناسبة.
فمثلاًعندما يمس جسد المعتقل (الذي يتعرض للتعذيب) مثيراً مؤلماً (كالضرب بالعصا) على العضو المستهدف، ينقل هذا الألم عبر ما يمسى (بمستقبلات الألم)، وهي عبارة عن نهايات عصبية (مستقبلات محيطية) تقع غالباً على الجلد الخارجي، وتكون هذه المستقبلات ذات قابلية عالية للاثارة (أي القابلية للاستجابة)، حيث يمكن لهذه المستقبلات عند اصابتها بألم ما، أن تنقل هذه الألم بصورة مباشرة، يتم فيها تحويل الدفقات الحسية للألم في الجهاز العصبي المحيطي من خلال ألياف عصبية خاصة، إلى القرون الخلفية للنخاع الشوكي، ومن ثم تنقلها إلى الدماغ. أي يُنقل الألم من الجهاز العصبي المحيطي، إلى الجهاز العصبي نفسه، للنخاع الشوكي، وخلال مسارات خاصه يتم التحويل إلى الدماغ، حيث تصل دفعة الألم في جزء من مئة جزء من الثانية بعد التأثير الخارجي إلى المهاد في الدماغ (التلاموس)، وهناك يتم تجميع كل مثيرات الألم إلى باقي الدماغ (محطة التوزيع) وتصدر الأوامر المناسبة للتعامل مع الألم، كالهروب من الألم، أو الصراخ …إلخ.
وقد أجمع كثير من خبراء علم النفس والأمن، بأن أغلب عمليات التعذيب في العالم تجعل من الألم الأسلوب المشترك فيما بينها، والتي تهدف في مجملها إلى التأثير على الجهاز العصبي الطرفي للمعتقل للحصول على أكبر قدر ممكن من الألم الواقع على المعتقل، من خلال وسائل التعذيب المستخدمه. لهذا يمارس (المحققون) الصهاينه أشد قدر ممكن من التعذيب لإحداث الألم لينهار المعتقل وتنهار دفاعاته أمام التعذيب الذي يفوق قدرته علي التحمل. كما يسعون لزيادة وتيرته الألم شيئاً فشيئاً بشكل تصاعدي للإيحاء للمعتقل بعدم وجود سقف زمني محدد للتعذيب، حتى يحدث له الانهيار .
والتعذيب الجسدي في التحقيق يتم بواسطة إما الضرب المباشر على الجسد، أو إحداث إرهاق لهذا الجسد، والقصد‏ من‏ استخدام‏ أسلوب التعذيب‏ الجسدي المباشر أو الإرهاق‏،‏ هو‏ التسبب‏ بالألم الشديد‏ لدى‏ المعتقل‏، وإرهاق جهازه‏ العضلي والعصبي إلى أقصى حد‏ بحيث‏ يضطر‏ للانهيار‏ والاعتراف‏. وعندما‏ يستخدم‏ المحقق هذه‏ الممارسات‏،‏ لا يستخدمها‏ مرة‏ واحدة‏،‏ ولا يستخدمها‏ بالترتيب‏، ولكن‏ يستخدم‏ بعضها‏ بشكل‏ تجريبي‏،‏ محاولاً‏ العثور‏ على‏ نقاط‏ الضعف‏ عند‏ المعتقل لمعرفة‏ أثرها عليه‏، وإذا لم‏ يعثر‏ على‏ نقاط‏ ضعف‏ يعمد‏ لممارسات‏ أخرى نفسية‏ أو عقلية لإكتشافها وجعلها مدخلاً للألم.
وقد تطور مفهوم الألم فلم يعد مقتصراً على الحالة الجسديه فقط، بل دخل فيه أبعاد أخرى كالناحيه العاطفيه والوجدانيه والحركيه والاجتماعيه والعقليه. أي أصبح مفهوم الألم يخضع لتفسير العوامل المتعدده، لأنه يرتبط بصوره وثيقه بالانفعالات، حيث يقوى الشعور بالألم بالانفعالات السلبيه، وقد ثبت وجود علاقه لذلك بكمية الاحساس بالألم، حيث بالانفعالات السلبيه يُصدر الدماغ أوامره بتحرير منشطه للألم أكثر.
والشعور بالألم بشكل عام يختلف‏ من‏ إنسان إلى آخر نسبياً‏،‏ حيث يزداد‏ الشعور‏ بالألم أو يقل‏ حسب‏ الوضعية‏ الجسدية والنفسية‏ والعقلية التي‏ يكون‏ فيها‏ المعتقل، ‏(تلعب‏ الحواس‏ والمخيلة‏ والتجارب‏ السابقة‏ دوراً‏ في‏ هذا‏ الصدد‏).
‏والإنسان بطبيعته يتحمل الألم لحد‏ معين‏،‏ ثم‏ بعدها يصل‏ إما لحالة من الإغماء، والتي‏ هي‏ نوع‏ من‏ أنواع الدفاع‏ الذاتي‏ اللااراديه التي يلجأ إليها الفرد ليحمي‏ بها نفسه‏ تلقائياً‏، أو تحدث حالة الانهيار بالاستجابة والتجاوب المتمثل في حالة التحقيق بالاعتراف. لذلك يجب أن يكون لدى المعتقل معرفة بمواطن الألم التي قد تؤدي إلى الخور والضعف، والتي يستغلها المحقق بقصد كسر إرادته، لذلك يجب رفض الخضوع لهذا المنطق، لكي لا تكون هذه الأمور أدوات ضغط على إرادة الصمود لديه.
وتنقسم أساليب ووسائل التعذيب الجسدية، التي تمارس ضد المعتقل إلى قسمين هما: القسم الأول: الأساليب والوسائل التي تعتمد على التعذيب بالألم الجسدي بشكل مباشر. القسم الثاني: الأساليب والوسائل التي تعتمد على التعذيب بالألم الجسدي بالحرمان.

القسم الأول: أساليب التعذيب الجسدي المباشر:-
يبدأ ضباط المخابرات الصهيوني (الشين-بيت) بعمليات التحقيق بواسطة الضرب بكثافة منذ البداية، وذلك لخلق حالة من الهلع والخوف والرعب في نفس السجين. وهذا الأسلوب كان وما زال من الأساليب المعمول به في التحقيق في كثير من الأحيان وهو الأسلوب الأكثر شيوعاً بين أساليب التعذيب، خاصة في بداية الاحتلال الصهيوني
وعمليةالضرب تكون إما بقبضات اليد، أو أدوات أخرى كالعصي، وأعقاب البنادق والسياط، والأنابيب الحديدة، وأسلاك الكهرباء. وفي الضرب يتم التركيز على المناطق الأكثر إحداثاً للألم لدى المعتقل. فالشخص الذي يتألم من ذراعه مثلاً يتم التركيز في الضرب على هذا العضو لكي يشكل للمعتقل أكبر كمية من الألم، باعتبار أن العضو المعطوب أو المريض أو المصاب أكثر استجابة للألم من العضو السليم، لذلك يبالغ في الضغط والتأثير عليه لإرهاقه من أجل انتزاع الاعتراف، و لهذا يعمد المحقق إلى التعرف على مناطق الضعف الجسدية.رغم إن عملية الضرب قد تقلصت بشكل ملحوظ من فترة بداية الاحتلال الصهيوني للمناطق المحتلة، في السبعينات إلى الوقت الحالي، وأدخل بدلاً منها عوامل نفسية أكثر خطورة وأشد وقعاً على النفس والجسد في آن واحد، كما أدخل عليها كذلك عوامل عقلية وحيل خداعية.
وأهم الأساليب والوسائل التي تستخدم أثناء التحقيق، من قبل المحقق الصهيوني، في عمليات التعذيب الجسدي المباشر كثيرة جدا،ً لذلك سوف نتعرض لأبرزها وهي:
1- الضرب المفضي إلى الموت:
يتجاوز في كثير من الأحيان المحقق الصهيوني حتى الأوامر القاسية والوحشية من أساليب التحقيق المتاحة له، فيمارس حقده الدفين حتى يلفظ المعتقل أنفاسه بين يديه، وقد تسببت أساليب التحقيق القاسية التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية إلى استشهاد العديد منهم وذلك إما نتيجة للتعذيب مباشرة أو من خلال المضاعفات المرضية التي نجمت عن التعذيب أو تحت الضغط النفسي .(أحمد أبو شلال، 1999: 13)
ومن أهم عمليات القتل داخل التحقيق التي أحدثت ضجة كبيرة داخل الكيان الصهيوني استشهاد المجاهد (خالد الشيخ) .في شهر كانون الأول 1989 بعد ساعات قلائل من اخراجة من غرفة التحقيق في قسم التحقيقات في سجن غزة، وتشريح الجثة أظهر أن الموت حدث بسبب تلقية لضربات شديدة، و خلال السنوات جرى حديث كثير حول حرية العمل التي يتوجب منحها للمحققين. (عميت نافون، 2002: معاريف)
ويذكر (يعقوب بري) رئيس جهازالشاباك السابق في كتابه (قادم لأقتلك) مبرراً لحادثة مقتل الشهيد (خالد الشيخ علي) بأن: خالد الشيخ علي، مخرب من قطاع غزة، تقول الأخبار الاستخبارية عنه أنه اشترك في نصب كمين لدورية راجلة في قطاع غزة، حيث أطلق النيران نحوها مستعملاً رشاش كلاشينكوف، قتل ضابطين في هذا الحادث، وتم إلقاء القبض عليه ومن ثم بوشر بالتحقيق معه في أحد محافل التحقيق في غزة، وتناوب على التحقيق معه عدة أطقم للتحقيق، والتي كانت تحاول استدراجه للكلام، كان خالد يجيب بكثير من قلة الأدب، وكان يتحدى المحققين مما جعلهم يخرجون عن طورهم، فما كان من أحد المحققين إلا أن لكمه لكمة قوية في بطنه، أخذ خالد يتأوه ألماً وقد انبطح على الأرض، فاستدعى المحققون ممرضاً الذي أصدر أوامره بنقله إلى المستشفى على الفور، ولكنه لفظ أنفاسه الأخيرة هناك”، ويضيف بري قائلا بالمناسبة لقد كانت حادثة الموت خرقاً واضحاً للقانون، وأن الشرطة لم تكشف النقاب عن المتهمين.) (يعقوب بري،1997: 25)
2- أسلوب التعذيب بالضرب:
أساليب التعذيب بالضرب كثيرة منها بقبضة اليد، ومنها بأدوات أخرى، ومن أساليب التعذيب بالضرب نورد الأساليب التاليه:
- الضرب المتقطع لفترة قصيرة: وفي هذا الأسلوب يقوم المحقق بضرب المعتقل، ولكن بشكل متقطع وذلك لأن الأداة التي يستخدم فيها الضرب لا يمكن أن يضرب بها بشكل متواصل لقوتها وشدتها، وخاصة استخدام الهراوات الغليظة والكرباج.
- الضرب المتواصل لفترات طويلة: غالبا ما يستخدم هذا الضرب على أعلى الرأس إما بحذاء أو مسطرة أو بعصا صغيرة أو ما شابه ذلك، وبرغم أن الضرب ليس بالقوي كثيراً، إلا أنه يستمر لفترة طويلة مما يؤثر على العينين، ويرهق المعتقل ويشعره بألم شديد في الرأس، لتكرار هذا الأسلوب. وأحياناً يستخدم الضرب على الرأس والمعتقل مغطى بخوذة أو علبة من الصفيح تحدث ألماً اشد من السابق.
- ضرب الرأس بالحائط: أحد أساليب التحقيق حيث يتم ضرب رأس الأسير بعنف بجدار غرفة التحقيق، أو جدار الزنزانة حتى ينزف أحياناً من جراء ذلك.
- الضرب على الرقبة: باستخدام سيف اليد من جميع الاتجاهات تقريباً خاصة الجهة الأمامية التي تؤثر على القصبة الهوائية وتخلق للسجين ضيقاً وألماً أثناء عملية التنفس والأكل والشرب.
- الضرب على المفاصل: سواء مفاصل اليد أو القدم أوالركبة، ويركز المحقق كثيرا على هذه المواضع باعتبارها أنها تؤثر بإحداث كثير من الألم، وتخلق تشوهات في هذه المفاصل خاصة إن كان مصابا بالروماتزم.
- الضرب على أسفل القدم (الفلكة): وذلك بربط القدمين ورفعهما على طاولة أو كرسي ومن ثم ضرب أسفل القدم حتى تتورم مما يحدث ألماً شديداً لاحقاً عبر عملية التعذيب المتواصلة، ولا يستطيع المعتقل السير على قدميه. واحياناً يقوم المحقق بضرب المعتقل بكابل كهرباء مجدول يسمى “كرباج” يضرب المعتقل به على قدميه ويديه وسائر أعضاء جسمه.
- الضرب على مؤخرة المعتقل: يتم الضرب بعصا أو بشريط من الجلد (كالبربيش) على مؤخرة المعتقل بشكل مستمر ومتواصل حتى يحدث ألماً شديداً ربما أدى إلى التورم أو نزيف أو إحتقان للدم، ولكنه لا يترك تشوهات.
- الضرب على أكثر من مكان في آن واحد: الضرب بسلك كهربائي (كيبل) أو بالعصي، أو الأنابيب المطاطية، على الرجلين واليدين وكل مكان من الجسم. أي توزيع الضرب على جميع أنحاء الجسم.
- الضرب على البطن والمعدة: يحاول المحقق دائما أن يحدث آلاماً للمعتقل لا تكون ظاهرة، ولا تسبب دليلاً في المحكمة، كمثل الضرب بقبضة اليد أو بمقدمة الأصابع على المعدة أو يتم القاء الاسير على ظهره وشد يديه اسفل الطاولة ويقوم المحقق بتوجيه ضربات متلاحقة لمنطقة الصدر والمعدة اسفل الرقبة مباشرة، التي يؤدي في كثير من الأحيان إلى التسبب في نزيف فيها، أو تترك آثاراً سرعان ما تظهر على شكل أمراض في المعدة كالقرحة وما شابه ذلك، وتظهر هذه الآثار بعد انتهاء التحقيق في الغالب.
- الضرب والضغط على الأذنين: يقوم المحقق في هذا الأسلوب بفتح يديه والضرب بهما بقوة على الأذنين مما يؤدي إلى خلخلة الهواء فيسبب ألماً في الأذن، أو حتى تمزق طبلة الأذن مما يسبب ضعفاً في السمع بالإضافة إلى الألم المتواصل.
- الضرب بشدة على رؤوس اصابع اليدين والقدمين: يستعمل المحقق ذلك لخلق حالة من الألم، والضيق المركب الجسدي والنفسي في آنٍ واحد.
-الضرب على الشفاه والأُذن والأنف: ويستعمل المحقق هذه الطريقة، من أجل اذلال المعتقل، مع الحاق أذى جسدي ونفسي في آن واحد للمعتقل، بطريقه قد تستفز مشاعرة. (موقع نداء القدس، كيف تواجه المحقق)
3- أسلوب التعذيب بالوثاق والقيد (الكلبشات):-
هناك نوعين من أدوات التقييد والربط للسجين، (القيد الحديدي) الكلبشات، والمعروفة في كثير من الدول، و(القيد البلاستيكي) وهو اشد إيلاماً من سابقه، حيث يدخل في لحم السجين، ويسبب له جروحاً وتقيحات، تزيد من نسبة الألم وشدته. وتأخذ عملية الربط أشكالا عدة منها:
- توثيق الرسغين من الأمام أو من الخلف: يتم ربط المعتقل وتوثيقه من الأمام، حيث تكون اليدان المكبلتان في وضعهما الطبيعي، وهذا الشكل أيسر أشكال الربط والقيد. كما يتم ربطه وتوثيقه من الخلف، مما يحدث ألما أكبر من سابقه، بحيث يرهق الرسغين والكتفين معاً. وأحياناً يتم الضغط على المعصم بواسطة التضييق التدريجي للكلبشات، أو بثني الرباط “الكلبشات”.
- التوثيق من الخلف والإستلقاء على الظهر أو البطن: ثم الضغط على صدره بالصعود فوق الصدر والبطن معاً. أو الإستلقاء على البطن وشد الرباط لأعلى بواسطة اليد أو آله. ويتم أحياناً ربط المعتقل في أماكن معينة كالحمامات لمزيد من الإهانه والتحقير.
- التوثيق من الرسغين والقدمين : يتم توثيق اليدين من الأمام أو الخلف غالباً، والقدمين مع بعضهما البعض، في حالة الوقوف، أو يتم ربطه في ماسورة مياه، أو عمود، أو سلسلة بالحائط أو السقف. وفي حالة الجلوس يتم ربطة بكرسي التحقيق من الخلف. وتستمر هذه العملية ما دام المعتقل في مردوان التحقيق.
- توثيق الرسغين مع القدمين: يتم توثيق السجين من يديه، وقدميه، مع بعضهما البعض، من الأمام أو الخلف، ولكن الأكثر صعوبة، هي عملية توثيق الرسغين، مع القدمين من الخلف، ويظل كذلك فترة طويلة مما يؤدي إلى حدوث تشنجات في عضلات الجسم.
- توثيق الرسغين مع القدمين بالرقبة: تدمج أحيانا عملية توثيق اليدين، والرجلين، مع الرقبة بسلسلة حديدية، بشكل يجعل الظهر في حالة انحناء وتقوس، مما يؤدي لزيادة الألم بشكل كبير جداً.
4- أسلوب التعليق والربط (الشبح):-
وهذا النوع من التعذيب له خطورته لأنه يرهق الجسم دون أن يترك أثارا ظاهرة على الجسد. وبمرور الزمن يتسبب في أمراض مزمنة مثل القرحة والروماتيزم والديسك والضغط وغير ذلك من الأمراض. ومن أشكال هذا الأسلوب:
- التعليق من الرقبة: يقوم المحقق برفع المعتقل من رقبته عن الأرض مع الضغط عليها (إذا كان المحقق ضخم الجثة، والمعتقل صغير الحجم) وأحياناً يتم التعليق بحبل أو ما شابه ذلك، ولكن فترة قصيرة باعتبار أنها تؤثر على الأحبال الصوتية ومجرى التنفس وتؤدي إلى الاختناق أو كسر العنق مما قد آلاماً شديدة أو قد يحدث الوفاة.
- التعليق من اليدين: يتم ربط المعتقل من يديه في سقف غرفة التحقيق بحيث تكاد أصابع قدميه تلامس الأرض مما يؤثر بشدة على اليدين والقدمين ومعظم أنحاء الجسم، وربما تطول هذه الفترة، وذلك بحسب حاجة المحقق وتقديره للموقف.
- التعليق من القدمين: يتم في هذا الأسلوب تعليق السجين منكساً من رجليه بعد شدهما في سقف الزنزانة، بحيث تلامس أصابع اليدين الأرض مما يرهق الجسم، وتستمر هذه العملية لفترة قصيرة، لأن ثقل الجسم يكون مركزاً بشكل معكوس وسير الدم يؤثر على الرأس باعتبار أن الجسم في وضع غير طبيعي، مما قد يؤدى لغيبوبة لدى المعتقل.
- التعليق من اليدين والرجلين: كالتعليق في سقف الغرفة بحيث يصبح وضع المعتقل كأنه جالس في أرجوحة مما يؤثر على العمود الفقري وجميع أنحاء الجسم بشكل عام، ويصحب أحياناً هذا التعليق ضرب الجسم في حائط الغرفة .
5- أسلوب التعذيب بالوقوف:
- الوقوف‏ المستمر لمدة طويلة‏: يعتبر‏ هذا‏ الأسلوب من‏ الأساليب التي‏ ترافق‏ السجين‏،‏ طوال‏ فترة‏ وجوده‏ في‏ أقبية التحقيق سوى‏ بعض‏ التسهيلات‏ التي‏ تُعطى‏ في‏ فترات‏ متقطعة‏ للذين‏ يقدمون‏ اعترافات‏ كاملة‏،‏ ويدلون‏ بمعلومات.
فالسجين من‏ لحظة‏ اعتقاله‏ ودخوله‏ أقبية التحقيق‏،‏وبدء‏ التحقيق‏ والتعذيب‏ له‏،‏ يتم‏ توقيفه‏ بأغلاله‏ ووجهه‏ مقابل‏ جدار.. ويبعد‏ عن‏ الجدار‏ بمقدار‏ 30 ‏سنتميتراً‏،‏ وطالما‏ هو‏ واقف‏ فهو‏ يقظ‏ ولا ينام.. وقد‏ يستمر‏ وقوفه‏ لأيام طويلة‏،‏ والنوم‏ مرتبط‏ بهذا‏ الوقوف. وكلما‏ طال‏ أمد الوقوف‏،‏ زادت‏ نسبة‏ الإرهاق وزاد‏ الألم وإذا صمد‏‏ في‏ الأيام الأولى رغم‏ قساوة‏ الألم.. فإنه‏ يحتاج‏ لشجاعة‏ أكبر‏ وصبر‏ أعمق‏ كلما‏ زادت‏ فترة‏ الوقوف.
والوقوف لمدة طويلة يستخدم لحرمان السجين من الراحة، ومن النوم، وكثير من السجناء ما كان يسقط على الأرض من عملية الوقوف الطويل والمستمر. وأحياناً يكون الشخص واقفاً رافعاً يديه المقيدتين لأعلى. أو واقفا على رؤوس أصابع قدميه، مما يسبب تشنجاً وألماً في الأعصاب. ويؤدي‏ الوقوف‏ المستمر‏ على‏ القدمين إلى إرهاق الأعصاب،‏ وعدم‏ تحمل‏ القدمين‏ ثقل‏ الجسم حيث‏ يُحبس‏ الدم‏ في‏ القدمين‏ نتيجة‏ لعدم‏ الحركة‏،‏ مما يؤدي‏ إلى انتفاخ‏ القدمين‏،‏ وتورمهما.
- الوقوف على رجل واحدة: وذلك لأطول وقت ممكن حتى يحدث حالة من التعب والإرهاق تؤدي إلى سقوط المعتقل أرضاً في كثير من الأحيان. وعلى المعتقل أن يحاول دائماً في هذه العملية تبديل إحدى الرجلين بأخرى.
- الوقوف مع حمل شيء باليدين: ومن أساليب الوقوف اجبار السجين على حمل شيء (كرسي أو طاولة صغيرة) بيديه أو فوق رأسة لمدة طويلة من الزمن، بحيث يبقى رافعها يدية لأعلى دون ان يتحرك، مما يعمل شد عضلي أو تمزق في يدية وكتفه.
- الوقوف على أطراف اصابع القدم: من أساليب الوقوف جعل المعتقل يقف على أطراف أصابع قدميه، وعدم السماح له بإنزال قدميه إلى الأرض، مما يرهق المعتقل ويؤثر بالتالي على أعصابه، وعلى العمود الفقري، وما إلى ذلك.
- الوقوف على الركبه: يجبر المعتقل أحيانا بالوقوف على ركبتيه لمدة طويلة، وذلك يسبب له ألم شديد في الركبتين، وقد يؤدي ذلك إلى تلف الركبة، بالاضافة إلى الروماتزم وغير ذلك من الآلام.
6- أسلوب التعذيب بالجلوس:
استخدم أسلوب الجلوس بجميع أنواعه وأشكالة في عمليات التعذيب داخل السجون الصهيونية، للتأثير على المعتقل من أجل كسر صمودة وانهيارة في التحقيق، حيث عانى السجناء أثناء هذا الأسلوب وبعده من الآلام الكثيرة الناجمة عن هذه العمليات.
- الجلوس على كرسي الصغير: وقد استخدم هذا الأسلوب حديثا، بدلاً من الجلوس على الأرض. وكرسي التحقيق عبارة عن كرسي صغير –مثل كرسي الأطفال- ارتفاعه‏ تقريباً 25 سم‏،‏ وقاعدته‏،20×20 سم وله‏ مسند‏ خلفي‏ قصير، وقاعدة‏ صغيرة مائلة‏ بانحراف‏ إلى الأمام، –الأرجل الأمامية أقصر من الخلفية- لذلك لا يستطيع جسم السجين أن يثبت‏ على هذا الكرسي إلا بصعوبة بالغة‏،‏ تحتاج‏ منه إلى قوة‏ وتيقظ لكي‏ يمنع‏ نفسه من السقوط‏ إلى الأرض، وبالتالي يصبح الجسد في حالة تكور‏ على‏ الكرسي‏ بشكل‏ مزعج، بحيث يتركز‏ ثقل‏ الجسد‏ على‏ نقطتين‏، هما‏ نهاية‏ العمود‏ الفقري‏،‏ ونهاية القدم‏، مما‏ يؤدي‏ لتخشب‏ الظهر‏ وتصلب‏ العمود‏ الفقري‏ وازدياد‏ الآلام وتخدر‏ الجسم‏ وظهور‏ الدمامل‏ في‏ عجز السجين وبين‏ الفخذين.
وهو كذلك‏ وسيلة‏ إنهاك وإضعاف لطاقة‏ تحمل‏ الجسم‏.. وهو‏ قاعدة‏ يعتمد‏ عليها‏ مناخ‏ التحقيق‏ لأجل تدمير‏ أسس المقاومة‏ الداخلية‏ للسجين‏ طوال‏ فترة‏ وجوده‏ في‏ جلسات‏ التحقيق،‏ وهو‏ منهك‏ الجسد‏ متعب‏ الأعصاب،‏ ضعيف‏ القوة. مما يدفع‏ أحيانا زيادة ضغط‏ الألم بالسجين‏ إلى القبول‏ بخيارات‏ صعبه هرباً‏ من‏ الألم.. حيث أن المحقق‏ يراهن‏ دوماً على‏ انهيار‏ السجين‏ أمام ضغط‏ الألم المتصاعد‏ من‏ الجلوس‏ المستمر‏.
- جلوس القرفصاء لفترات طويلة: خلال هذا الاسلوب يمنع الاسير من ملامسة رأسه الجدار او الارتكاز على ركبتيه على الارض، وذلك للتأثير على الظهر وعلى جميع أجزاء الجسم مما يحدث ألماً متزايداً في أسفل العمود الفقري.
- الجلوس على الركب مع الضغط: ويتم الجلوس لفترات طويله على الركب، يتخللها أحياناً ضغط أو وقوف المحقق عليها أثناء الجلوس، للتأثير بزيادة الألم على الركبتين.
- الجلوس مع ثني الرجلين تحت الجسم: وهذا الشكل من الجلوس يؤثر بشكل كبير على مفاصل الركب مما يحدث ألم شديد في الركب على المستوى الآني، ويحدث في المستقبل مرض الروماتزم.
- الجلوس على الآليتين لمده طويله: وهذا الأسلوب يحدث تورم ودمامل في الآليتين من كثرة الجلوس وخاصة إذا كانت الأرض رطبه، كما يحدث على المستوى البعيد مرض البواصير.
- الجلوس على شكل تكوير: ويتم ذلك بادخال الرأس بين الرجلين مع تقويس الظهر، وهذا الشكل من الجلوس مؤلم جداً، حيث ينهك العمود الفقري للمعتقل، كما ينهك أيضاً فقرات الرقبه، مما يحدث ألم شديد وإنهاك مضاعف.
7- أسلوب الاستلقاء على الأرض:
- أسلوب كسر الظهر أو (الموزه): وهو أسلوب النوم على الكرسي أو الطاوله وهو مكبل للخلف من اليدين والرجلين، ثم يجعل جسمه من أسفل العمود الفقري (العجز) معلق في الهواء، ثم يقوم بثني نصف جسم المعتقل لأسفل، مما يسبب آلاماً فظيعه جداً للمعتقل، قد تصل إلى حد الاغماء والغيبوبه.
- النوم على الظهر مكبل من الخلف: يعمد المحقق إلى القاء المعتقل وهو مكبل وظهرة الى الأرض ثم يجلس على صدره، أو يضع على صدره ثقل معين، أو يجلس مجموعه من ضباط التحقيق على صدره. وذل امعاناً في يقوم زياده في الألم
- النوم على البطن مكبل من الخلف: وكذلك يعمد المحقق إلى القاء المعتقل على الأرض مكبلاً ووجهه تجاة الأرض ثم يقوم بسحب الوثاق إلى أعلى بيده، أو بآله معينه لكي يحدث ألماً شديداً في الظهر وفي الأطراف الآخرى من الجسم.
8- أسلوب التعذيب في المناطق الحساسة:-
- اغتصاب المعتقل: من أخطر أساليب التعذيب غير الأخلاقي على المعتقل، أن يقوم المحقق أو يطلب من بعض العملاء أو الجنود، باغتصاب المعتقل جنسياً بالفعل، ويمارسوا به اللواط بالقوة. وقد حدث هذا بالفعل مع بعض المعتقلين والمعتقلات. كما حدث مع المعتقل اللبناني مصطفى الديراني.
- ضغط وفرك الخصيتين: يجبر المحقق المعتقل على فتح رجليه، وإذا رفض يقوم بالجلوس على رجليه مع ربط اليدين والرجلين مع بعضهما في كثير من الأحيان، ثم يبدأ في ممارسة الضغط أو النقر على الخصيتين تدريجيا، وكلما شعر بأن المعتقل يتألم أكثر، كلما شدد من عملية الضغط حتى يستجيب له المعتقل، أو يغمى عليه، وربما لم يكتف بذلك، بل يقوم برش الماء على وجهه ليواصل معه مرة أخرى.
- ضغط وفرك العضو التناسلي: يتم الضغط أحياناً بواسطة اليد أو بكماشة على العضو التناسلي لكي يخلق أكبر قدر ممكن من الألم وفي فترة السبعينيات كان يتم وضع العضو على طاولة ثم يقوم بالضرب عليه، وفي فترات أخرى كان يتم إدخال أنبوبة قلم جاف في فتحة العضو والضرب عليه بمسطرة أو خشبة، ثم يقوم بسحب الأنبوبة فيتدفق الدم خارج فتحة العضو التناسلي، مما يسبب ألما شديدا لحظة التعذيب، وكلما حاول المعتقل التبول زاد الألم بشكل كبير، حتى بعد انتهاء التحقيق بفترة كبيرة.
- التعذيب عبر فتحة الشرج: يقوم المحقق في هذا الأسلوب بإدخال عصا أو عنق زجاجة إلى فتحة الشرج للمعتقل ويجبره أحياناً للجلوس عليها كأسلوب الخازوق الذي كان يستخدم في العصور الوسطى، لكي يحدث تمزق في الأنسجة الداخلية لفتحة الشرج، وبالتالي يسبب ألما شديدا أثناء عملية التعذيب خاصة عند قضاء الحاجة. وقد ساد هذا الأسلوب بشكل كبير في مرحلة السبعينيات مع رجال العمل العسكري آنذاك .
- ادخال أنبوب أو عيدان ثقاب في الاعضاء التناسلية: وفي هذا الأسلوب يتم ادخال أنبوب قلم جاف في العضو التناسلي للذكر، مع الضرب عليه أحياناً بمسطرة، أو ادخال عود ثقاب ثم اشعاله في بعض الأحيان. وهذ الاسلوب قد كان يحدث في الحقب الأولى من عمر الاحتلال الصهيوني، وأعتقد بأنه قد توقف حالياً.
- فرك المناطق الحساسة من الجسم: يتم فرك وقرص الأماكن الحساسة من الجسم بقوة باليد أو بأدوات مثل كابل السيارات، وخاصة منطقة الأثداء وغيرها.
- جذب ونتف شعر الشارب، واللحية، والصدر: وفي هذا الأسلوب يحاول المحقق إحداث ألم جسدي ونفسي للمعتقل، من خلال نتف الشارب أو الذقن، وخاصة إن كان من التنظيمات الإسلامية.
- جذب ونتف شعر الأبط أو العانة: وفي هذا الأسلوب يحاول المحقق أحداث ألم جسدي مع ألم نفسي للمعتقل، بنتف الشعر الموجود تحت الذراع (الإبط) أو نتف شعر “العانة”، وخاصة عندما يمارس هذا الأسلوب بشكل متقطع.
- نزع أظافر اليدين أو الرجلين: ويتم في هذا الأسلوب استخدام الكماشة، وذلك لإحداث أكبر ألم ممكن للمعتقل. وقد كان هذا الأسلوب سائداً في معسكرات الاعتقال البدائية لدى اليهود عام 1948م، واستعمل كذلك مع فدائيي مصطفى حافظ، وبقليل جداً في بداية الاحتلال عام 1967م، ثم أستعيض عنه بوسائل أخرى، لكونه يترك آثراً للجريمه التي يسعى الصهاينه اخفائها دوماً.
9- أسلوب التعذيب‏ عبر الجروح‏ والإصابات أو الأمراض:-
تسعى‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ في‏ أقسام التحقيق‏ في‏ الحصول‏ على‏ اعترافات‏ من‏ المعتقلين‏،‏ عن‏ طريق‏ استخدام‏ أقذر‏ الأساليب لتحقيق‏ هذه‏ الغاية. فقد‏ يكون‏ السجين‏ في‏ فترات‏ حياته‏ قد‏ أجرى عملية‏ جراحية،‏ أو ربما‏ يحمل‏ مرضاً‏ كالقرحة‏ أو السكري‏ أو ارتفاع‏ ضغط‏ الدم‏،‏ أو‏ يكون‏ قد أصيب بحادث‏ طرق‏ أو عمل‏،‏ فأصبح‏ عنده‏ بعض‏ الكسور‏‏،‏ أو ربما‏ أصيب في‏ معركة‏ عسكرية‏ بطلقات‏ رصاص‏ أو شظايا‏ قنابل وجروحه‏ لم‏ تندمل‏ بعد. إن الموقف‏ الإنساني يقتضي‏ أن يسعف‏ الجريح‏ وأن‏ يعالج‏، ولكن‏ في‏ أقسام التحقيق‏،‏ يقتنص‏ المحققون‏ هذه‏ الجوانب‏،‏ ويعملون‏ على‏ استثمارها‏ في‏ التعذيب‏ لانتزاع‏ الاعتراف‏.‏ وأول ما‏ يبحث‏ عنه‏ ضابط‏ المخابرات‏‏ هو‏ نقاط‏ الضعف‏ في‏ البنية‏ النفسية‏،‏ أو في‏ البنية‏ الجسدية. فإذا وجد‏ جوانب‏ ضعف‏ في‏ البنية‏ النفسية‏،‏ يضغط‏ عليها‏ بشدة‏‏،‏ وإذا وجد‏ نقاط‏ ضعف‏ في‏ البنية‏ الجسدية‏‏ يضغط‏ عليها‏،‏ ثم يبدأ‏ على سبيل المثال بالضرب عليه بمسطرة‏ ،‏ أو قد يضع قلم‏ في‏ داخل‏ الجرح‏ الغائر‏ لكي‏ يحدث‏ ألماً‏ لا يطاق‏، ليساوم‏ المعتقل بين‏ الألم والاعتراف‏.
- رش الملح والمواد الكيماوية على الجروح : أحياناً‏ يقوم‏ المحقق برش‏ الملح‏ على‏ الجرح‏،‏ لكي‏ يشتعل‏ الجرح‏ ناراً‏،‏ فيضطر‏ تحت‏ وطأة‏ الألم الشديد‏ أن يدلي‏ بالأعتراف. إن الجروح‏ تشكل‏ نقاط‏ ضعف‏ في‏ جسد‏ السجين. ولكنها‏ لا تشكل‏ نقاط‏ انهيار‏ لروحه‏ وإرادته والآلام التي‏ تحدث‏ مع‏ نبش‏ الجرح‏ والضغط‏ عليه‏،‏ لن‏ تكون‏ أكبر‏ من‏ الخيانة. لقد‏ أسر‏ الشهيد‏ (عبد‏ القادر‏ أبو الفحم‏‏، القائد‏ العسكري‏ لتنظيم قوات التحرير الشعبية) في‏ معركة‏ عسكرية‏،‏ وكان‏ الرصاص‏ قد‏ اخترق‏ جميع‏ أنحاء جسمه‏، وقد أحضر‏ طاقم‏ متخصص‏ من‏ خيرة‏ المحققين‏ الصهاينة لكي‏ ينتزعوا‏ منه‏ الاعتراف، عذبوه‏ بجروحه‏،‏ وإصابته، ‏ضغطوا‏ عليها‏ نبشوها، رشوها‏ بالملح.. ولكنه‏ كان‏ الأقوى.
وللعلم فإن الطبيب‏ في‏ التحقيق‏،‏ هو محقق‏ في‏ الزي‏ الأبيض. يسأل‏ عن‏ موضع‏ الألم. وعندما‏ يعرفه‏،‏ يُستغل‏ في‏ التعذيب‏، كما قد‏ يقوم‏ هذا الطبيب‏ المحقق بحقن‏ المعتقل‏ بالأنسولين، (وهو‏ مادة‏ هرمونية‏ تخفض‏ من‏ نسبة‏ السكر‏ في‏ الدم‏، وتستعمل‏ في‏ علاج‏ بعض‏ المصابين‏ بالأمراض العصبية‏،) ويوهمه‏ بأن‏ هذه‏ الحقنة‏ ستؤدي‏ به‏ إلى الجنون، لذلك‏ عليه‏ أن يعترف لكي يحمي نفسه من هذا الجنون.
10- أسلوب الكي بالكهرباء أو أعقاب السجائر:-
- إطفاء أعقاب السجائر بالجسم: ساد هذا الأسلوب بشكل خاص في مرحلة التحقيق في السبعينيات، حيث كان يتم كي جسد المعتقل بأعقاب السجائر معظم الوقت، مما يتسبب بحروق وتقيحات في الجسم، وتسلخ في الجلد، وقد أقلع العدوعن هذا الأسلوب بسبب ما يترك من آثار على الجسم.
- تحمية الجسم بولاعة سجائر: كان يتم في هذا الأسلوب تحمية جميع أنحاء الجسم بولاعة السجائر، وخاصة أظافر أصابع اليد والقدم، وقد تقلص هذا الأسلوب في السجون الاسرائيلية في الوقت الراهن.
- اشعال القدمين بعد دهنهما بمادة السبيرتو: في هذا الأسلوب يتم اشعال القدم للحظات فقط، وقد استخدم هذا الأسلوب في بداية الاحتلال، لكن مع قلة بسيطة من المعتقلين.
- الكي بواسطة بالكهرباء: التعذيب بالكهرباء تستخدمه بكثرة النظم السلطوية، وقد اختفى هذا الأسلوب أو قل استخدامه حديثاً، لأنه يترك آثاراً طويلة المدى على جسم المعتقل. ويتم الكي في مناطق معينة من الجسم بتوصيل التيار الكهربائي إلى جسم الأسير، عن طريق وضع مشابك صغيرة مرتبطة باسلاك دقيقة موصولة بجهاز كهربائي وفي العادة توضع المشابك في الاطراف السفلى من الاذن اليمنى واليسرى ويؤدي ذلك الى تقلصات عضلية مؤلمة، وارتجافات عنيفة بالجسد، واذا زاد فولت الكهرباء أو طالت مدته يؤدي ذلك إلى إيقاف عمل القلب أو حصول عطب في خلايا الدماغ أو إحداث حروق سطحية خفيفة في اماكن التوصيل الكهربائي أوفي مناطق خروج الموجات.
ويروي أحد السجناء وأسمه (لافي) أنه بعد ربع ساعة من الضرب العشوائي على كل أنحاء جسمي استعمل الكهرباء التي وضعها بأصابع يدي وبأصابع قدمي وبالعضو التناسلي، مما أتلف أعصابي وأثر على المسالك البولية وعلى الكلى والأمعاء، وأصبحت أنزف دماً مع البول..”. (جريدة النهار الالكترونية، 1998، أنترنت)
11- أسلوب التعذيب بالتمارين الرياضية المرهقة:-
يعتمد هذا الأسلوب على استغلال التمارين الرياضية العاديه، ولكن بنوع من التطرف، بشكل متواصل، ولمدة طويلة، مما يسبب ارهاقاً شديداً للجسم، خاصة أن السجين في مرحلة التحقيق لا يتناول الوجبات الغذائيه الكافية مما يضعف مقاومته.
- تمرين البطن المتواصلة: يستمر ذلك الأسلوب لعدة ساعات تقريباً، حتى يتقيأ المعتقل، ولا يتوقف المحققون عن التمرين حتى يشعروا أن المعتقل قد أنهكت قواه، ولا يفعلون ذلك نظراً لأن آلامه أصبحت لا تطاق، بل لأنه لم يعد قادر على الحراك.
- تمرين الضغط (رقم ستة): يفرض على السجين القيام بهذا التمرين لعدة ساعات تقريبا، حتى يصاب بالارهاق، أو يتقيأ من جراء ذلك، ثم بعدها ينتقلون إلى تمرين آخر، وهكذا، لا يتوقف المعتقل عن التمرين حتى يشعر المحققون بأنه قد أرهق تماماً، أو يكون على استعداد للكلام.
- تمرين الوقوف والجلوس: وهذا الأسلوب يستمر لعدة ساعات تقريباً، حتى يتقيأ المعتقل، ولا يتوقف المحققون عن التمرين حتى يشعروا أن المعتقل قد أنهكت قواه، وبعدها ينتقلون إلى تمرين آخر.
- تمرين القفز والركض في نفس المكان: يجبر المعتقل على القفز لفترة طويلة ولو حاول الوقوف يواجه بالضرب بشكل عنيف مما يضطره لمواصلة القفز حتى تخور قواه ويضعف ولا يستطيع الاستمرار. ويستمر ذلك الأسلوب لعدة ساعات تقريبا.
- تمرين الوثب المتواصل: ويستمر أيضاً هذا الأسلوب لعدة ساعات تقريباً، ولا يتوقف المحققون عن التمرين حتى يشعروا أن المعتقل قد أنهكت قواه، ولم يعد لديه القدرة على المواصلة.
- تمرين الوقوف على اليدين: يفرض على السجين القيام ببعض التمارين وهو منكس الرأس، ويقوم بالضغط لأعلى وأسفل، وفي الغالب لا يستطيع السجين القيام بهذا الأسلوب لمدة طويلة مما يجعل المحققين ينهالون عليه بالضرب.
12- أسلوب الكيس والخنق:-
- وضع كيس أو أكثر في الرأس: من اللحظة الأولى لدخول المعتقل للتحقيق يوضع الكيس في رأسه وتقيد‏ يداه‏ من الخلف‏ وتوثق أحياناً‏ قدماه‏ كذلك. وهذا الكيس‏ عبارة عن قطعة‏ من‏ الشادر الغليظ التي‏ لا يمر‏ من‏ خلالها‏ الهواء،‏ ولا تسمح‏ بالتنفس‏ إلا بصعوبة بالغة‏.
والهدف من ذلك مزدوج، يتمثل في منع السجين من الرؤيه، ثم التضييق عليه في التنفس، بالإضافة لرائحة الكيس غير المقبولة (النتنة). ولزيادة التضييق على السجين يوضع في رأسه عدة أكياس قد تصل في بعض الأحيان إلى عشر أكياس، مما يسبب له صعوبة بالغة جداً في التنفس. والكيس بحد ذاته لا يؤثر على السجين، وإنما يؤثر فقط على بعض المرضى خاصة المصابين بالأزمة (ضيق التنفس). وغالباً ما يحدث السجناء خرقاً أو أكثر في الكيس بواسطة أسنانهم ليخفف عنهم سوء الرؤية والتنفس.
- وضع الكيس مع ربطة من أسفل: قد يلجأ بعض المحققين لزيادة التضييق على المعتقل بربط أسفل الكيس، أو قد يلجأ‏ المحقق‏ بشد‏ أطراف الكيس‏ بيديه ويقوم بلفها‏ على‏ رقبته‏ لمنع مرور‏ الهواء‏ له، مما يضاعف من صعوبة التنفس. فإذا أبدى أي بادرة بالاعتراف‏ يفك‏ الكيس‏ عن‏ رقبته‏ ليدخل‏ الأكسجين له،‏ وإن‏ لم‏ تبدر‏ عنه‏ أي بادرة‏ للاعتراف يستمرون‏ بإغلاق الكيس‏ حتى‏ تفصل‏ بينه‏ وبين‏ الموت‏ لحظة‏،‏ يدركها‏ المحققون،‏ فيفكوا‏ الكيس‏‏ لكي‏ يلتقط‏ نفسه‏ بعد‏ أن شاهد‏ الموت‏ بعينيه. وإذا أصر المعتقل‏ على‏ عدم‏ الاعتراف‏‏ يعيدوا‏ الكرة‏ من‏ جديد‏ حتى‏ يصل‏ لمرحة الانهاك الشديد.
- اسلوب الكيس والخنق بالماء: لا تتورع‏ العقلية‏ الصهيونية‏‏، ‏عن‏ البحث‏ عن‏ أساليب‏‏ لاجبار‏ السجناء‏ على‏ الاعتراف‏،‏ ولا تكف‏ هذه‏ العقلية‏ عن‏ اختراع‏ واكتشاف‏ وتطوير‏ أساليب‏ جديدة ‏، ‏مثل‏ أسلوب الكيس‏ والماء.
وقد يلجأ أحياناً بعض المحققين إلى زيادة التضييق بالخنق من خلال سكب بعض الماء على هذه الأكياس، مما قد يؤدي إلى الاقتراب من درجة الاختناق،وهذه العملية تستمر لثوان فقط. يسكب المياه على الكيس مع إغلاقه من أسفل وهذه العملية لا تستمر أكثر من ثواني أو دقيقة أو اثنتين خوفاً من حدوث الإختناق الحقيقي.
-الخنق عن طريق اليد: ويتم ذلك بواسطة يد المحقق أو عدد من المحققين، لتحدث ضيقا وألماً وشعورا بفقدان الوعي، وأحياناً يفقد المعتقل الوعي بالفعل أثناء عملية الضغط هذه.
-الخنق عن طريق أداة: وقد يحدث الخنق بواسطة أداة، مثل البشكير(الفوطة)، حيث يتم إدخالها عبر مجرى التنفس للمعتقل لتمنع دخول الهواء. أو يوضع أحياناً شيء لاصق، أو يتم لف حبل حول الرقبة والضغط عليه بواسطة قوة المحقق ذاته، أو بالاستعانة بمحقق آخر حتى يصل المعتقل إلى الإغماء من جراء ذلك.
- الخنق بتغطيس الرأس في برميل ماء: وهذا الأسلوب خطير جداً، حيث يفقد في هذا الاسلوب المعتقل القدرة على التنفس، مما‏ يؤدي‏ إلى اضطرابات‏ في‏ المعدة‏،‏ والإصابة بالرشح‏ والزكام‏ والتقيؤ‏ والإسهال والسعال‏ الشديد‏ وتجمد‏ الأطراف وتصلب‏ الجسد. ولو زاد عن حده ربما يؤدي الى الوفاة.
13- أسلوب التعذيب بالماء والتيارات الهوائية المتضادة:-
يعمد المحقق في هذا الأسلوب إلى استخدام الماء البارد، وكذلك التيارات الهوائية الباردة أو الساخنة، ضد السجين لنزع الاعتراف منه. وخاصة في فصل الشتاء، حيث تخفف عنه الملابس، أو يتجرد منها.
- سكب الماء البارد على الرأس والظهر: يستخدم المحقق أو من ينوب عنه من الجنود في مردوان التحقيق هذا الأسلوب لحرمان المعتقل من الراحة أو النوم أو تجميع وترتيب أفكاره بشكل جيد، لكي لا يستطيع مواجهة المحقق بذهن متيقظ. لذلك يبادر رجال التحقيق اذا شعروا بأن أحد المعتقلين يحاول أن يسرق بضع لحظات أو دقائق من النوم أو الراحة بسكب المياه الباردة على العمود الفقري من أعلى الجسم إلى أسفله بشكل غزير أو متقطع، مما يولد‏ حالة‏ الألم‏ الآني،‏ ويترك‏ المعتقل‏ يجالد‏ البرودة‏ لساعات‏ طويلة، مما يؤدي في المستقبل إلى التهابات وآلام شديدة في كافة الجسم. يقول أحد المعتقلين ويدعى عادل: “أكثر ما عذبني هو رؤية زملائي يتعذبون، فزميلي تركوه ثلاثة أيام بالماء البارد بعدما قصوا اللحم عن معصميه ووصلوا الأسلاك الكهربائية مباشرة بالعروق. (جريدة النهار الالكترونية، 1998: أنترنت)
- دش الماء‏ البارد‏‏: يستعمل‏ المحقق الماء‏ البارد‏ كأداة‏ تعذيب‏،‏ عندما‏ يصر‏ المعتقل‏ على‏ الإنكار ولا يدلي‏ باعتراف، حيث يأمره‏ بخلع‏ ملابسه‏ أو يدخله‏ بملابسه تحت‏ دوش ماء‏ بارد‏ ويتركه‏ لعدة ساعات. ويلجأ المحقق لذلك خاصة في فصل الشتاء، أو في‏ ساعات‏ الليل‏،‏ عندما ينتزعه المحقق من النوم الذي خصص لهذا الهدف، لإزعاجه أكثر‏،‏ حيث ينقل‏ من‏ دفء‏ الفراش‏ في الزنزانة‏،‏ ويمارس‏ معه‏ أسلوب التعذيب‏ بالماء‏ البارد‏،‏ البالغ‏ أثره في‏ هذه‏ الحالة المفاجئه، بإعتبار أن اختلاف‏ درجة‏ حرارة‏ الجسم‏ الطبيعية‏ عن‏ حرارة‏ الماء‏ البارد‏ جداً‏،‏ يؤدي‏ لحظة‏ وضع‏ المعتقل‏ تحت‏ الماء‏ إلى سرعة‏ في‏ دقات‏ القلب‏،‏ وصعوبة‏ في‏ التنفس‏،‏ وتجمد‏ في‏ الأطراف وارتجاف‏ الجسد، ويستغل‏ المحقق‏ هذه‏ الحالة‏ لمساومة‏ المعتقل‏ على‏ الاعتراف‏.
- تعريض المعتقل للجو العاصف والماطر: يترك‏ المعتقل‏ أحياناً عارياً‏ أو في بعض الملابس القليلة في‏ مكان‏ مكشوف‏ في‏ ليالي‏ الشتاء‏‏ في‏ البرد‏ القارس وتحت‏ إعصار الرياح‏ اللاهبة‏‏،‏ وللعلم فإن شدة‏ إيقاع وتأثير‏ الماء‏ البارد‏ والريح‏ الصقيعة‏ على‏ الجسد‏ تكون‏ في‏ أقصاها لحظة‏ انهمار‏ زخات‏ الماء‏ الأولى أو لسع‏ الرياح‏ في‏ البداية‏،‏ ثم‏ ما‏ يلبث‏ الجسد‏ أن يتعود‏ إلى حد‏ ما‏ على‏ هذه الحال‏. وقد‏ تعرض‏ عدد‏ من‏ المعتقلين‏ لهذه‏ التجربة‏ القاسية‏ ولكنهم‏ خرجوا‏ منها‏ دون‏ أن يعترفوا‏،‏ لأنها مجرد‏ أسلوب عادي‏ ضمن‏ أساليب التعذيب، التي‏ يستطيع‏ الصمود‏ فيها‏ بقليل من العزم. وقد كثر استخدام هذا الأسلوب في العقد التاسع من القرن الماضي، حيث كان يترك المعتقل في الهواء الطلق (خارج غرف التحقيق) في الجو البارد والقارس، والماطر أحيانا بقليل من الملابس، أو حتى بدونها وذلك خاصة قرب (كرفانات) التحقيق في سجن المجدل.
- الزنزانة المليئة بالماء: يلقى أحياناً السجين في زنزانات صغيرة تكون أرضيتها مليئة بالماء البارد، أو يتم رشها بالماء وهو بداخلها بين الفينة والأخرى، خاصة في فصل الشتاء، وذلك لتحقيق هدفين في آن واحد حرمانه من الجلوس، ومكابدته للبرد .
- الزنزانة (الثلاجة) أو (الفرن): يوضع السجين في زنزانة مفتوحة من أعلى لكي يدخل الهواء البارد على شكل تيار هوائي بارد اليها، أو يكون في الغرفة مكيف بارد (كنديشن) ينفث الهواء البارد على شكل موجات على جسم السجين العاري، او المفتوح الصدر وذلك لفترة طويلة تتدفق عليه التيارات الهوائية الباردة التي تؤثر على جسمه، ويتراكم‏ الهواء البارد‏ وتنخفض‏ درجات‏ الحرارة‏ بشكل كبير ونتيجة‏ للانخفاض‏ الشديد‏ لدرجة‏ الحرارة‏ يبدأ‏ جسم‏ الأسير بالتأثر‏،‏ فيرتجف‏ الجسم‏،‏ وتهتز‏ الأطراف،‏ وتصطك‏ الأسنان،‏ وتعجز‏ الأقدام على‏ حمل‏ الجسد‏،‏ ويصعب‏ التحرك‏،‏ ويحس‏ الأسير بالتجمد‏،‏ وازدياد‏ نبضات‏ القلب‏‏.
أما في الصيف‏ فيستخدم‏ الهواء‏ الساخن،‏ حيث ترتفع‏ درجة‏ الحرارة‏ ‏،‏ ونتيجة‏ للارتفاع‏ الشديد‏ في‏ درجات‏ الحرارة‏،‏ يبدأ‏ الجسم‏ يتصبب بالعرق‏،‏ ويصعب‏ التنفس،‏ ويضيق‏ الصدر‏ ويحس‏ الأسير بالاختناق، ويولد حالة من الضيق الشديد، كما يؤثر ذلك على رأسه ويشعر وكأن دماغه يكاد ينفجر من شدة الحر.
ويستخدم‏ المحقق‏ هذا الأسلوب لإخضاع، وكسر‏ إرادة السجين، سواء‏ أكان‏ السجين‏ في‏ الثلاجة‏ أو في‏ الفرن‏.. لإن‏ المحقق‏ بعد‏ مرور‏ وقت‏ مدروس‏‏ سيساوم المعتقل‏ بأنه‏ أمام خيار‏ التجميد‏،‏ أو الاحتراق‏، أو أن يعترف‏ وينقذ‏ نفسه. فإذا وجد‏ المعتقل‏،‏ خائفاً‏ ضعيفاً يزداد‏ الضغط‏ عليه‏. أما إذا وجده‏ صلباً‏،‏ قوياً فإنه‏ لا بد أن يخرج‏ منتصراً. وعلى السجين عندما‏ يدخل‏ الثلاجة‏‏ أن يبتعد‏ عن‏ اتجاه‏ الهواء‏ البارد‏ قدر الامكان،‏ وأن يلعب‏ حركات‏ رياضية‏ كأن يمارس‏ الجري‏ الموضعي‏،‏ لكي‏ يكتسب‏ مزيداً‏ من‏ الطاقة‏. وفي‏ حالة‏ الفرن‏ عليه‏ أن يبتعد‏ عن‏ مصدر‏ تيار‏ الهواء الساخن،‏ ويقبع‏ في‏ زاوية‏ بعيدة‏ عنه‏،‏ يخفي وجهه عن مصدر هذا الهواء قدر الامكان.
- التيار البارد والساخن بشكل متزامن: يتم ذلك بشكل تناوب بين سكب الماء البارد والساخن على جسم السجين، أو بشكل متقطع عبر موجات متداخلة من الهواء الساخن والهواء البارد، لكي تشكل عدم استقرار على الجسد مما يسبب حالة من الضعف والانهيار للجسم مباشرة، أو يسبب في المستقبل بعض الالتهابات الداخلية والخارجية.
- تنقيط الماء على الرأس: استخدمت المخابرات الصهيونية اسلوب تنقيط الماء على الرأس وذلك من خلال وضع السجين في زنزانة صغيرة جدا لا تسمح له بالتحرك، ومن فوق رأسه صنبور ماء يتساقط منه الماء قطرة قطرة ومع تساقط القطرات يزداد وزن القطرات على الجسم، حتى يشعر المعتقل مع ايقاع القطرات المنتظم والمطرد أن وزن القطرة من الماء على رأسه اثقل من الجبل، وهذا الاسلوب يولد انقباضا حادا في صدر السجين، واحساسا بالارق، والارهاق والاعياء لذلك على السجين ان لا يترك قطرات الماء تتساقط في مكان واحد من رأسه، وعليه ان يحاول ان يوزعها قدر الامكان على مناطق متعددة لافشال هذا الاسلوب.
وحول أساليب التعذيب تبين دراسة أعدها الباحث الأمريكي “جون فايكنز” أن 92% من العينة الاستطلاعية التي أجراها على 500 معتقل فلسطيني قالوا أنهم وضعوا داخل ثلاجات ضمن درجة منخفضة للغاية فيما وضع 77% داخل أفران خاصة معرضة لدرجة حرارة مرتفعة. (موقع الخيمة، ب،ت: أنترنت).
14- أسلوب التعذيب بالهز والرجرجة:-
- الرجرجة اليدوية: من بين أساليب التعذيب المبتكرة، ثمة أسلوب يسمى بالعبرية “ويتلتوليم” أي الهز بعنف أو الخض كالقربة وقد وصفه الاختصاصي بعلم الأمراض الاسكتلندي (ديرك باوندر) بقوله: إن المعتقل يربط إما بملابسه أو حول كتفيه ويهز بعنف شديد “. (موقع الخيمة، ب،ت: أنترنت).
وعملية الهز من أصعب عمليات التحقيق وأخطرها، لأنها تترك مشاكل عضوية في الدماغ، كتحطيم الأوعية الدموية الصغيرة في الدماغ، وتكفي دقيقة واحدة لقتله دون اية علامات، ومن اثاره كذلك ضعف الذاكرة، والدوخة، وخلل في التوازن، ويعد الهز العنيف من اخطر اشكال التعذيب. وقد طوره خبراء ومهنيون اسرائيليون في التعذيب بشكل مدروس لتطبيقه على السجناء الفلسطينيين (عيسى سميرات، 18:2000)
وقد فقد الوعي الكثير من المعتقلين من جراء هذا الاسلوب. ويقوم أحياناً بعملية الهز محققان، حيث يقوم أحدهما بجذب المعتقل المكبل إلى الخلف، بينما يجذبه الآخر إلى الأمام، وهما يضغطان بأقدامهما على القيود الحديدية، مما يسبب للمعتقل آلاماً شديدة، (ويسمون هذه العملية بتمرين التجاذب) أو يتم أحياناً ربط الأقدام إلى الكرسي، ثم جذب الجسد إلى الخلف، وتستغرق العملية مدة قد تطول أو تقصر.
- الرجرجة التقنية (الآلية): وهي من احدث اساءات استخدام المعارف المتوافرة عن دراسات النوم وعلاقاتها بالتوازن النفسي للانسان. وتتلخص تقنية الرجرجة بوضع جهاز يحدث رجرجة بسيطة تحت الرأس بحيث تؤثر في مراحل النوم ويصبح بالتالي تعاقبها معوقا، الامر الذي يؤدي الى زيادة فترات النوم السطحي وانخفاض في فترات النوم التي تحدث فيها الاحلام، فتكون النتيجة اضطرابات في الذاكرة خصوصا لجهة انتقال الذكريات من الحيز الراهن (الحالي) الى حيز التخزين، كما تؤثر هذه الرجرجة على الانماط اليومية للشخص بحيث تضطرب ساعته البيولوجية فيما يتعلق بوقت النوم وبعدد ساعاته ومرات التبول وسائر العمليات المرتبطة بالجهاز العصبي اللإارادي. الأمر الذي يؤثر في القوى الادراكية للشخص فيصيبها باعطال مزمنة. كما قد يؤدي في حالات نادرة الى تطور العديد من الاعطال الدماغية لدرجة التسبب بالوفاة .
15- أسلوب الأصوات المزعجة (الضجه البيضاء):-
الأذن هي‏ الأداة التي‏ تنقل‏ الأصوات،‏ وللأصوات ترددات‏ طويلة‏، ‏وقصيرة.. والأذن البشرية‏ مصممة‏ لاستقبال‏ الأصوات العادية‏ عبر‏ السلم‏ الصوتي، وفي السلم‏ الصوتي‏ الذي تستطيع‏ الأذن التقاطه‏، هناك‏ ترددات‏ لأصوات خافتة‏ جداً، يحتاج‏ الإنسان العادي‏ إلى جهد‏ جهيد‏ من‏ التركيز‏ حتى‏ يستقبلها‏ ويفهمها، وهناك‏ ترددات‏ لأصوات صاخبة وعالية‏ جداً‏ لا تستطيع‏ أجهزة الأذن استقبالها بسهولة حيث تؤثر‏ على‏ الغشاء‏ الشفاف‏ لطبلة‏ الأذن، فإما أن تخرقها مسببة‏ أوجاعاً شديدة‏ وصديداً‏ ودماء، وإما أن تتعب‏ هذا‏ الغشاء وتجعله‏ غير‏ قادر‏ على‏ العمل‏ الطبيعي‏،‏ فيضطر‏ الإنسان لا شعورياً‏ إلى وضع‏ أصابعه في‏ أذنيه اتقاء‏ لأثر هذه الأصوات الصاخبة، مثل أصوات الانفجارات وأصوات أبواق السيارات، والأصوات الصاخبة‏ في التحقيق، حيث يضع‏ في‏ قسم‏ التحقيق‏ الصغير‏،‏ مكبرين‏ للصوت‏،‏ متصلين‏ بمسجل‏ مفتوح‏ لمدة‏ أربع وعشرين‏ ساعة‏،‏ باللغة‏ العبرية‏،‏ والأجنبية.. وما‏ بين‏ الوصلات‏ الغنائية‏ الصاخبة‏، تكون أصوات صراخ‏،‏ وتعذيب‏،‏ وبكاء‏. وهذه الأصوات كلما‏ ازدادت‏‏ حدتها تضرب‏ مباشرة‏ في‏ الدماغ محدثة‏ صداعاً‏ شديداً‏ يشل‏ تفكير‏ الإنسان، ويدفعه‏ إلى الإرهاق.. والتعب.. وبالتالي قد يدفعة للاعتراف.
ويقول الدكتور (هاليرن) ” بأن الصوت الهاديء يلعب دوراً في تفعيل مضادات الألم الطبيعية، فإذا تصافرت هذه التأثيرات معاً فإنها تصنع نوعاً من الاسترخاء الطبيعي يتبع لقوى الشفاء الذاتية، وبالعكس يستخدم الصوت المزعج والموسيقى الصاخبة، في تدمير العقل والتأثير عليه بالسلب، وفي نفس الوقت زيادة تأثير الألم “.
ويعتبر (د. محمد المخزيخي) “بأن الموجات الصوتية عندما تصل إلى أذاننا تتحول إلى نبضات تسري في الأعصاب إلى المخ، ليفسرها ويجعل الجسم يتفاعل معها، أما تلك الموجات التي تصل إلى الجسم فإنها تؤثر بنوع من التموج بين التخلخل والضغط، وهي ترتطم بالجسم مسببه ارتجاجات ميكروسوكبيه خافتة جداً، لكنها تكفي لتنشيط الخلايا والدوره الدموية الدقيقه في الجزء الذي توجه”.(موقع النبأ،ب ت:أنترنت)
وبناءاً على ذلك عمد المحققون إلى اعتماد الصوت والموسيقى للتأثير بواسطتها على الجسد والنفس، من أجل احداث اختلال مما يؤدي إلى اضطرابات نفسية تؤدي إلى اختلال في قدرة الفرد، وبالتالي اتخاذ قرارات سلبية تقود إلى الاعتراف في التحقيق. لأن عمليات استخدام الأصوات المرتفعة جداً، والموسيقى النشاز الصاخبة، تؤدي إلى إحداث ضوضاء عنيفه على مستقبلات الصوت، مما يؤدي لاحداث اهتزازات صوتية عالية، هذه الموجات تدخل أذاننا وتتحول إلى نبضات عنيفة تسري في الأعصاب، وتنقل إلى المخ الذي يتأثر بها بشكل سلبي عندما ترتطم بالجسد مسببه ارتجاجات على الأذن وبالتالي احداث أثار سلبية على مستوى العقل والنفس والجسد، وتعمل على التشتيت الذهني، وعدم التركيز العقلي، وعدم القدره على التفكير المنطقي والسليم، كما يؤدي إلى اضطراب وتوتر وقلق نفسي وإرهاق جسدي، جراء هذا الصوت العالي .
وأما الوسائل المستخدمة لذلك فهي: (الوسائل الإذاعية كالراديو والميكروفون وغيرها) وذلك لتكبير الأصوات، أو لإصدار أزيز قرب آذان السجين، أو أحداث أصوات أنين وتأوه وتألم، لكي يحدث حالة نفسية متردية لديه. وفي التحقيق في السجون الاسرائيلية كان المحقق يلجأ الى تعريض حاستي السمع والنظر لدي المعتقل، إلى مؤثرات مزعجة، مثل الأصوات الرتيبة المستمرة أو العالية المزعجة، والأضواء الباهرة، ومناظر تعذيب الآخرين للتأثير على حالته العصبية. (علي حتر، ب ت: انترنت)
وقد استخدم في البرازيل تقنية “الضجة البيضاء” أي بدلاً من الصمت المطبق (الهادف للحرمان الحسي- السمعي) كان السجين يتعرض إلى ضجة طاغية كفيلة بأن تطغى على ما عداها من الأصوات (بما فيها صوت السجين نفسه). وبهذه التقنية يصبح الشخص عاجزاً عن التمييز بين ما هو واقع وبين هلوساته الشخصية. مما يضعه في حالة اصطناعية من تفكك الشخصية.

القسم الثاني: اساليب التعذيب بالحرمان:-
وهي أساليب تعذيب تنصب على التأثير في الناحية الجسمية للمعتقل، وذلك من خلال، عملية حرمان مبرمجة ومقصودة وهادفه، بشكل مستمر ومتواصل، تعتمد في ذلك على النواحي الغريزية والبيولوجية لدى الفرد، وأهم هذه الأساليب هي:
1- أسلوب الحرمان من النوم:-
إن النوم‏ ضرورة‏ بيولوجية من‏ ضروريات‏ الحياة، التي لا يمكن للكائن الحي أن يستغني عنها، والجميع يعلم أن النوم أو النعاس هبة من الله لهذا الجسد وهو راحة بيولوجية ضرورية له لا يمكن الاستغناء عنه أو إنكاره كواقع أساسي لبقاء الكائن الحي في حالته الطبيعية، لذلك تركز المخابرات‏ الصهيونية‏ في‏ معركة‏ التحقيق‏ بكل‏ ما‏ تستطيع‏ من قوة على أسلوب‏ الحرمان‏ من‏ النوم.‏
ولضمان عدم النوم يلجأ المحقق إلى اعتماد عدد من الأساليب منها أسلوب الوقوف أغلب الوقت، حيث أن النوم مصحوباً بالوقوف‏ ‏يؤثر‏ تأثيراً‏ سلبياً‏ على‏ أعصاب المعتقل‏ ونفسيته، وعلى خلاياه‏ العصبية‏ التي أوشكت على‏ الذبول‏،‏ بحيث‏ تترنح قدماه، ولا تستطيعان حمل الجسد المتثاقل إلا بشق الأنفس،‏ وغالباً ما يجد نفسه قد غلبه النوم وسقط‏ على الأرض. لذلك أول ما يواجه به السجين هو حرمانه من النوم، فيوضع في مردوان التحقيق، ويطلب من الجنود مراقبته وعدم إعطائه فرصة ولو بسيطة للنوم أو النعاس، ويستمر الحال كذلك أغلب فترة مكوثه في مردوان التحقيق، وربما استمر الوضع عدة أسابيع، بحسب القضية التي يتم التحقيق فيها. حتى يصل المعتقل إلى درجة من الإرهاق لا يستطيع أن يسيطر فيها على قواه الجسدية والعقلية والنفسية، أو ربما تحدث عملية الإرهاق نوعاً من الهلوسة لديه.
إن الهدف الأساسي لعملية عدم إتاحة الفرصة للنوم هو إحداث حالة عدم التوازن والسيطرة على قوى المعتقل العقلية والنفسية وبالتالي يحدث الاضطراب والتشتيت الذهني والنفسي مما يخلق حالة من الإنهيار وعدم التحكم في الإرادة الأمر الذي يجبر المعتقل على الاعتراف.
ولكن المعتقل الذي تعود في حياته على الايمان والخشونة وعدم الترف، يعلم أنه في هذه المحنة ليس وحيداً ولا منفرداً، فإن الله لابد أن يمن عليه ولو بسنة من النوم، يسترد بعدها نشاطه وقواه. كم أن على المعتقل التدرب على أسلوب النوم السريع، أو النوم جالساً أو واقفاً، وأن لا يشغل نفسه باقي الوقت بالتفكير المرهق في التحقيق، ولا يستعجل الأمور ويواجه هذه الحالة بالصبر وتذكر من سبقه من الصامدين في التحقيق.
يقول (يعقوب بري) رئيس جهاز المخابرات الصهيوني الداخلي الشاباك السابق “إن المنع من النوم كان أحد الوسائل المتبعة في هذا المجال –التحقيق- الذي أفرزته لجنة لانداو. فعندما يمنع المتهم من النوم الكافي فإنه يتحول إلى إنسان عصبي المزاج، غير مرتاح ومنهك القوى، في هذه الحالة يصعب عليه التمترس خلف حائط الصمت الذي كان يتمسك به. وفي بعض الأحيان وفي حوادث متميزة قد يفشل هذا الأسلوب في تحقيق الغرض منه، حيث أن المتهم الذي يعاني من الإعياء والنعاس الشديد قد يلجأ للإدلاء بشهادات كاذبة، وذلك لكي يسمحوا له بالنوم. ومنذ أن توليت رئاسة الجهاز كان يوضع جهاز كمبيوتر في كل غرفة من غرف التحقيق، وفي هذه الحالة يجب على المحقق أن يحدد الساعة التي يبدأ عندها التحقيق مع المشبوه الممنوع عن النوم، وعندما تصل الفترة التي حددتها لجنة لانداو إلى نهايتها يقوم الكمبيوتر بإصدار صفير خاص، وعندها يضطر المحقق من تمكين الخاضع للتحقيق من النوم. وقد انسحب هذا النظام على أساليب أخرى للتحقيق، حيث يستخدم الكمبيوتر كوسيلة مراقبة مفيدة طيلة الوقت، ومن الجدير ذكره أن نظام التحذير المبكر على أساليب التحقيق، هو من أحد الأساليب المتقدمة المتبعة حديثاً في كل الأجهزة الأمنية المتطورة في العالم. (يعقوب بري،1996: 32)
2- أسلوب الحرمان من الطعام والشراب:-
إن حاجة‏ الإنسان للأكل والشرب حاجة‏ عضوية‏،‏ لأنه عندما‏ يحرم‏ من‏ الأكل أو الشرب‏ نتيجة لعملية التجويع‏،‏ فإنه‏ يحس‏ بأن‏ هناك‏ جفافاً‏ في‏ الحلق‏،‏ وتنبعث‏ رائحة‏ كريهة‏ في‏ الفم‏،‏ ويصاب‏ بالدوار‏ والدوخة‏،‏ ولا يستطيع النوم‏، ‏ولا يقدر‏ أن يقف‏ على‏ قدميه‏ بشكل‏ مستمر‏ ومتواصل‏،‏ وينتابه‏ حالة من ثقل‏ الرأس‏،‏ وهبوط‏ في‏ قواه‏،‏ واصفرار‏ في‏ وجهه‏،‏ وضمور‏ في‏ بطنه، وارتخاء‏ في‏ عضلاته‏،‏ وشعور‏ بالإرهاق الخ.
وأما عندما يتم تقديم الطعام فإنه يتم تقديمه بشكل قليل جداً، حتى لا يقاوم المعتقل حالات التعذيب التي يتعرض لها. كما قد يكلف‏ الجندي‏‏ عندما‏ يوزع‏ وجبات‏ الأكل بالعمل عن قصد على حرمان المعتقل من‏ تناول‏ الطعام‏ لعدة‏ وجبات‏،‏ لذلك كثيراً ما يذهب المعتقل في مردوان التحقيق إلى مكان الطعام فلا يجد له شيئاً يأكله إلا بعض اللقيمات من الخبز، ولو حاول المعتقل طلب الطعام والشرابب فإنه في الغالب لا يستجاب له، وأحياناً يقصد المحقق استدعاء المعتقل وقت الأكل والتحقيق معه لكي يحرمه من الطعام.
وعبر أسلوب حرمان السجين من الطعام، يقوم المحقق بالإيهام بأن زملائه لم يبقوا له شيئاً وذلك من أجل ضرب ثقته بهم، إن أسلوب التجويع‏ والتعطيش‏ أسلوب ضغط‏ وابتزاز‏،‏ ومساومة‏ يقوم‏ على‏ الإرهاق العصبي‏ لممعتقل لدفعه‏ للانهيار،‏ ويكون‏ عادة مصحوباً‏ بحملات‏ ضغط‏‏،‏ وإيحاء مستمر‏ بأن‏ التعذيب‏ أبدي‏،‏ وأن‏ الاعتراف‏ حتمي.
ورغم‏ ما‏ يسببه‏ الحرمان‏ من‏ الأكل من‏ تعب‏ وإرهاق للأعصاب،‏ وخاصة‏ عندما‏ توزع‏ وجبات‏ الطعام‏،‏ وتفوح‏ خلالها‏ رائحة‏ الأكل. إلا أنه يجب‏ ألا يغفل‏ عن حقيقة أن المعتقلين،‏ قد‏ خاضوا‏ الإضرابات عن‏ الطعام‏ لعدة‏ أسابيع داخل السجون،‏ بإرادتهم واختيارهم من أجل تحقيق بعض المطالب البسيطة، والتي لا تقارن بعملية الاعتراف.
إن الإنسان‏ لديه‏ قدرة‏ هائلة‏ وعظيمة‏ على‏ الصبر‏،‏ والتحمل‏،‏ خاصة‏ إذا كان‏ مؤمنا‏ بقضية وهدف‏، تزوده‏ في‏ ساعات‏ المحن‏ بشحنات‏ روحية‏ ونفسية،‏ يسمو بها‏ فوق‏ التحقيق. كما يجب ألا يغفل السجين عن‏ أن المحقق‏ عندما‏ يستخدم‏ أسلوب التجويع‏،‏ فإنه‏ لا يستخدمه،‏ من‏ أجل‏ قتله إنما يستخدمه‏ كأسلوب ضغط‏ لكي يعترف فقط‏.
لذلك على‏ السجين‏ أن يتذكر‏ دوماً‏ أن أسلوب التجويع‏ أو الحرمان‏ من‏ الطعام‏،‏ ليس‏ منفصلاً‏ في‏ معركة‏ التحقيق‏ عن‏ الأساليب الأخرى.. بل إنه‏ مرتبط‏ بها. فكلما‏ صمد‏‏ وأفشل‏ أساليب المخابرات‏،‏ كلما‏ ضغطوا‏ عليه‏ في‏ ذلك لكي‏ يصل‏‏ إلى حالة‏ من‏ الإنهاك والضعف‏ لا تؤهله‏ لمواجهة‏ أساليب المخابرات‏ بقوته‏ وطاقته‏ العادية‏ والطبيعية‏، كما أن‏ المحقق‏ يلجأ‏ لهذا‏ الأسلوب حتى‏ يضعف‏ المعتقل‏،‏ ويطلب‏ الطعام‏،‏ لكي‏ تبدأ‏ المساومة‏ شريطة أن يعترف. إنهم‏ على‏ استعداد‏ أن يقدموا‏ له‏ الأكل والماء‏ وكل‏ ما‏ يريد‏.
إن الواجب‏ يحتم على‏ السجين أن‏ يواجه‏ كل‏ الضغوط‏ التي‏ تمارس‏ عليه‏ من‏ قبل‏ المحقق‏، في معركة التحقيق،‏ بتحمل‏ وصلابة‏،‏ وقوة،‏ وثقة‏ بالله‏، لأن‏ ذلك هو وحده الذي يجعل المحقق يشعر بالفشل رغم‏ تظاهره‏ بعدم‏ الاهتمام‏ لسوء‏ الحالة‏ الصحية‏ له‏،‏ إلا أنه‏ في الحقيقة يراقب‏ الوضع‏ الصحي‏‏ من‏ بعيد‏ من‏ خلال‏ جلاد‏ آخر في‏ ملابس‏ بيضاء (الممرض) الذي‏ يحاول‏ أن يعرف‏ كل‏ يوم‏ حالة الجسم، وقدرته على التحمل.
فإن‏ وصلت‏ درجة‏ الحرارة‏ والضغط‏ إلى المرحلة‏ الخطرة. يضطر‏ المحقق‏ إلى تقديم‏ الحليب‏ والغذاء‏ للسجين. لأن المحقق‏ يريد‏ أن يصل‏ هذا السجين‏ عبر‏ صراع‏ الإرادات‏ إلى الخضوع‏ والاعتراف قبل‏ أن يصل‏ إلى‏ المستوى‏ الصحي‏ السيئ. وفي النهاية من‏ يكون‏‏ أكثر‏ قدرة‏ على‏ الصبر‏،‏ والصمود‏ والتحدي‏ هو‏ الذي‏ ينتصر‏ في‏ نهاية‏ المطاف.
إن على المعتقل أن يعي بأن المحقق‏ عندما‏ يقدم‏ الطعام‏‏،‏ لا يقدمه‏ حباً‏ به‏،‏ وحرصاً‏ عليه‏،‏ بل‏ يقدمه‏ لكي‏ لا يسقط‏ بين‏ يديه‏ شهيداً فيكون‏ فاشلاً‏ من‏ خلال‏ جريمة‏ القتل‏،‏ وفاشلاً‏ بعدم‏ حصوله‏ على‏ معلومات‏ منه‏،‏ لهذا يجب أن يقوم السجين بقهر إرادة المحقق من خلال عدم تناول الطعام، أو يقوم بنوع من المناورة بعدم الأكل وجبة أو وجبتين فقط. مما يجبر المحقق‏ على إطعامه بالقوة‏،‏ حتى‏ لو‏ اضطر‏ أن يوقف‏ التحقيق‏ معه لعدة أيام.
وأسلوب الحرمان من الطعام والشراب، يجب أن يواجهه المعتقل كما واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر وتحمل المشاق عندما حاصره كفار قريش في شعب أبي طالب ما يقارب من الثلاث سنوات حتى أكلوا جلد الإبل والدواب بل إن أراد أن يزيد المحقق إحباطاً أن يشعره بأنه صائم وكأنه يوجه رسالة صريحة له بان أسلوب التجويع لا يمكن أن يجدي نفعاً معه.
3- أسلوب الحرمان من قضاء الحاجة:-
الإنسان بطبعه وطبيعته له حاجات بيولوجية كباقي الكائنات حيث لابد له من قضاء حاجته وتصريف الفضلات من جسمه، وحتى هذه الحاجة يستغلها رجل المخابرات ويستثمرها ضد السجين، بحيث لا يسمح له بزيارة المرحاض ودورة المياه إلا مرتين يومياً أو ثلاث مرات كل أربع وعشرين ساعة فقط مهما كانت حاجة السجين لذلك، ويحاول المسئول عن مردوان التحقيق باتفاق مع رجل المخابرات أن يضغط على بعض السجناء في نيل حقهم الطبيعي هذا بتأجيلهم إلى وقت متأخر أو إجبارهم على طلب المرحاض لكي تبدأ المساومة معه عبر هذه الوسيلة، وحتى لو ذهب إلى المرحاض فإنه أحياناً ما يكون هناك توصية خاصة من قبل المحقق، لمسئول مردوان التحقيق ضد بعض السجناء بعدم توفير الوقت الكافي لهم لدخول المرحاض، أو فتح المرحاض عليهم وإجبارهم بقطع عملية التبول أو التبرز.
وعلى السجين أن يتحمل ويصمد وألا يشعر المحقق بأنه ضعيف أمام هذه الحاجة البيولوجية، وعليه أن يكيف نفسه مع عدد المرات المقررة للمعتقلين، وذلك بالتقليل من عملية الشرب، ويحاول بقدر الإمكان ألا يتناول السوائل بكثرة أثناء التحقيق أو يقوم بالامتناع عن شرب الشاي المقدم مع وجبات الطعام.
ولكن إذا شعر المعتقل أن المحقق يقصد منعه ولمدة طويلة من ذلك، فعليه أن يتصرف وبكل شجاعة بالقيام بالتبول في مردوان التحقيق لكي يغيظ المحقق ويقنعه بأن مثل هذه الوسيلة لا تجدي نفعاً معه.
4- أسلوب الحرمان من النظافة:-
يعتمد المحقق على اهانة المعتقل من خلال منعه من الاستحمام، أو استخدام فرشاة الأسنان، وذلك من أجل أن ينفر من نفسه، كما يقوم المحقق في كثير من الأحيان بعملية اثارة التقزز والاشمئزاز من رائحة المعتقل التي تصدر من جسمه ومن فمه. وقد يزيد من هذا الأسلوب بأن يجعله يدخل الحمام (المرحاض) ثم يخرج، ولا يوفر له الماء أو الصابون لكي ينظف نفسه من أوساخ المرحاض. كما قد يطلب منه في بعض الأحيان بتنظيف المرحاض، زيادة في القذاره، وفي المهانه في نفس الوقت.
5- أسلوب الحرمان من العلاج:-
كثيراً ما ينتاب المعتقلين الأمراض جراء وجودهم في التحقيق، وكم يسعد المحقق لذلك حيث يجعل من المرض طريقاً للاعتراف، ويشاركه في ذلك الطبيب المختص لعلاج المساجين، فإذا علم أن لدى المعتقل آلاماً في المعدة مثلاً، فإن يرفض اعطاءه الدواء لكي يجعله يعاني من عذابين وألمين، ألم التعذيب وألم المرض، مما يتطلب من المعتقل قوة مضاعفه من الصمود والصلابه لا يقوى عليها، إلا من وطن نفسه على ذلك.
6- أسلوب الحرمان الحسي والعزل (الغرفة الصامتة):-
الاحتجاز يتم في مكان صغير وسخ تفوح منه رائحة كريهة، يدعي الزنزانه التي هي عبارة‏ عن‏ غرفة صغيرة‏ الحجم‏ حوالي مترمربع‏،‏ وهي‏ مظلمة‏،‏ ولا يوجد‏ بها‏ نور‏،‏ بحيث‏ لا يستطيع السجين‏ فيها‏ الرؤية‏ إلا بصعوبة بالغة. ولا يوجد‏ فيها‏ أي نوع‏ من‏ النوافذ‏ ولها‏ باب‏ صغير‏ ومبطن‏‏،‏ ويتم إدخال المعتقل فيها، وإغلاقها عليه. والزنزانة تكمن خطورتها في الوحدة، لأن الوحدة تولد الفراغ، والفراغ يولد التفكير في الموقف، والتفكير يولد القلق، والقلق قد يقود إلى الانهيار النفسي، الذي يؤدي إلى القرار الاصعب في حياة الفرد، وهو الاعتراف أو الانهيار في التحقيق.
وفي هذه الزنزانة تتم عملية العزل البصري التي تتلازم مع العزل السمعي حيث أبسط الأصوات، كحفيف الثياب مثلاً، تصم الآذان. حيث يلغي إيقاع الأصوات اليومية التي يحتاجها كل إنسان للارتكاز إلى ذاته، وتلغى كل المثيرات الخارجية الحواسية (ضجيج تعاكس الأضواء والألوان) وهذه المثيرات لا يستغنى عنها في عملية حفظ وصيانة الوظائف الأكثر أهمية عند الكائن الإنساني. لذلك يجب على المعتقل أن يعزز وحدته بالتغلب على الوحدة، وذلك بشغل عقله بالتفكير الايجابي، باستحضار صور ذهنية عن الأبطال الذين صمدوا في التحقيق، مع التحليق في عالم الخيال الذي يرتبط فيه بالمرغبات التي تساعده على ذلك، أو قد يشغل نفسه بالتردد المتواصل والمستمر بذكر الله وتذكر قوته وعظمته، ويستمد منه كل مقومات القوة والعنفوان والصمود.
وفي مقابلة اجراها ( فرانسوا شاليه) يعترف جنرال فرنسي على القناة الثانية الفرنسية باستخدام الفرنسيين لتقنية “الاستجواب العميق” في الجزائر خلال فترة أواخر الخمسينيات، تتضمن أسلوب (تقنية الحرمان الحسي) للشخص لبضعة أيام (أي منعه من الأكل والنوم والسمع والنظر والاستلقاء… الخ).
ولقد طورت بلدان ما وراء الأطلسي ابتداءً من العام 1956 تقنيات متطورة لتفكيك الشخصية. وكلها متمحورة حول عزل السجناء بهدف تعطيل دماغهم وإلغاء أية مقاومة دفاعية عندهم. إضافة إلى التسبب بالقلق والإذلال المعنوي وصولاً إلى إحداث تناذر دماغي يحول الشخص إلى ودود، مطواع على استعداد لتقبل الإيحاءات وصولاً إلى العجز عن سيطرته على نشاطه الذهني.
وفي أيرلندا الشمالية سادت ولفترة الطريقة الآتية: يلبس المسجون قناعاً له فتحة فقط مكان العينين ويتضمن عازلاً سمعياً. ثم يحرم الشخص من النوم نهائيا خلال الأيام الأولى من احتجازه ويجبر أيضاً على البقاء في وضعية الوقوف (لا يسمح له بالاستلقاء) ويحرم من الطعام خلال هذه الأيام.
وقد أجرى البروفسور زيبيك (Zubec) دراسات على أشخاص تعرضوا لتجربة الحرمان الحسي. وخلص من دراسته إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون طويلاً لهذا الحرمان تلاحظ لديهم تغييرات على صعيد تخطيط الدماغ بحيث تصبح موجات هذا التخطيط بطيئة. وكذلك جرت بحوث تحت إشراف وزارة الدفاع الكندية. أظهرت تهيؤات هذيانية لدى المسجون، تتحول إلى الهلوسة مع ازدياد مدة الإقامة. وكان الباحثان سميث ولويتي (Smith and Leuty) قد أثبتا منذ العام 1959 بأن الاحتجاز في غرفة صامتة من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات نفسية تتفاوت حدتها وخطورتها بحسب الشخصية الأساسية للأفراد .
وتبين كذلك في بعض الدراسات التي أجريت، بأن المساجين الذين تعرضوا للحجز الإنفرادي، بالمقارنة مع المساجين الذين تعرضوا للحجز الانفرادي يعانون من ارتفاع نسبة المصابين بينهم، من حدة الآلام في الرأس، والرقبة، والأكتاف والمعدة، مع صعوبة علاج كل هذه الأمراض. (1995: 115 ,Gamman .T)
تعقيب:
ان المحققين في سجون الاحتلال الصهيوني يضغطون‏ عبر الألم بكل‏ قواهم، وبشكل‏ متواصل‏‏ على‏ الجسد‏ لكي‏ يُنهك‏،‏ ولا‏ يقوى على‏ التحمل‏،‏ ويضغطون‏ على‏ الأعصاب لكي‏ تنهار‏ ولا‏ يبقى‏ لديها قدرة‏ على‏ الدفاع عن الذات،‏ ويضغطون‏ على‏ النفسية‏ لكي‏ تستسلم‏ للأمر‏ الواقع، ويضغطون‏ على‏ العقل‏ لكي‏ يُشل‏ ويتوقف‏ عن‏ التفكير، ويضغطون‏ على‏ الغرائز‏ كي‏ تثور‏‏ وتبحث‏ عن الخلاص، ليتجرد بذلك المعتقل من كل أدوات الصمود، فيعجز‏ عن‏ المواجه‏ ويؤثر السلامه وتنهار دفاعاته، ‏فيستسلم‏ ويعترف.‏
وقد بات من المعلوم أنه بواسطة عملية صناعية يقوم بها الانسان، عبر بعض الأدوية المعينة يتم تخفيف الألم، وبالتالي يمكن السيطرة على الألم عبر هذه المواد الكيميائية المعينة التي تكون بمثابة مسكن للألم كمادة (الاندروفين)، حيث تنشط مسارات عصبية هابطة تصل إشارتها إلى النخاع الشوكي (تعمل على كف هابط في النخاع الشوكي). أو عبر (السيروتونين) الذي تكف من جهتها تحرير مواد ناقلة للألم.
ومن خلال ذلك يتم كبح نشاط عصبونات القرينات الخلفية المسئولة عن توصيل الألم في النخاع الشوكي التي تنطلق أغلبها من الجانب العضوي للانسان، والجانب العصبي. أي عبر الخلايا العصبية على الجلد، أو من خلال عصبونات القرينات الخلفية المسئولة عن توصيل الألم للنخاع الشوكي.
والعلم الحديث يتحدث كذلك عن قدرات أخرى لرفع الألم أو تخفيفه، (لا أقول عدم الشعور بالألم، أو إزالته كليه) تتم بطريقة تنطلق من الدماغ عبر وسائل نفسعقلية إلى الجهاز العصبي. لأنه حسب رأي بعض العلماء يمكن أن يفرز الدماغ مواد يمكن أن تحسن من صحة الفرد، وتقوي من قدرته على مواجهة الألم، لأن للدماغ يستطيع انتاج مادة (الاندروفين) وهي مادة طبيعية تفرز لتسكين الألم، ويفرز مادة (جاماجلوبولين) لتقوية جهاز المناعه، ويفرز مادة (انتيرفيرون) لمكافحة الفيروسات. والدماغ (المخ) كما هو معلوم هو بيت العقل، والعقل هو سيد هذا البيت، (العقل هو قوة غيبية ميز الله بها الانسان عن غيره من الحيوانات) وبه يستطيع أن يسيطر على الدماغ، والجسد، والسلوك، وكل شىء في حياة الانسان.
ولكن هذا يتطلب عقلاً بمواصفات معينة، (ليس كل عقل) فمثلما أنه في كثير من الاحيان ما يفقد الرجل قوامته في البيت، يفقد العقل قوامته على الدماغ، وعلى الجسد، وعلى السلوك.
ولكي يتم السيطرة على الألم لابد من أن يكون العقل هو سيد الموقف، ليس في الغرفة الخاصة بإقامته فقط (الدماغ) بل بالسيطرة على البيت كله (الجسد بمجمله) على مستوى انتاج الأفكار، والانفعالات، والسلوك.. وهذا أمر طبيعي قد يحدث عند سيادة العقل بالشكل العادي والطبيعي.
وقد يصل العقل إلى درجة من القدرة في بعض الأحيان من السيطرة، على جميع المخرجات بجميع مكنوناتها، وكذلك على طريقة التعامل مع المدخلات. إي على كل ما يصل إلى الدماغ عبر سلسلة طويله من الموصلات، والمنافذ الحسية (أدوات الاحساس الخمس). حيث قد لا يشعر الفرد بالألم في بعض الأحيان، أو قد يشعر بألم خفيف نتيجة هذه السيطرة، أو قد يتحول الألم في بعض الأحيان إلى لذة ومتعة، أي لأننا من خلال العقل نستطيع أن نصدر تعليمات للجسم قد تصل في بعض الاحيان إلى تخفيف الألم، وفي أحيان أخرى لتحويله إلى غاية نبيلة، لأن العقل يستطيع أن يزود الخلايا العصبية، بمادة مخدرة، ليست مادية، وإنما (طاقة عقلية) تخفف من الألم، وذلك من خلال مضادات حيوية من الطاقة العقلية التي يصدرها (العقل يعمل كموتور صالح يضخ بشكل مستمر من خزان الوعي والارادة عمليات تنطلق من العقل اللاواعي (الباطن) إلى العقل الواعي، بشكل ارشادات وتعليمات تخفف من حدة الألم). أي أن عملية السيطرة على الألم تتم من خلال آليات دفاعية عقلية (وهي بخلاف الآليات الدفاعية النفسية، التي تحدث عنها (فرويد)، ولكن قد تتشابه معها)، وهذه الآليات الدفاعية العقلية تتمثل في قيام الفرد بالعمل وفق مبدأ ملأ الفراغ، هذا المبدأ الذي يعتبر بأن لكل شىء حيز (لابد لكل شىء أن يملأ فراغ ما) فإذا أردت أن تحرم أي شىء من وجوده، فإهدم حيزه أو فراغه.
فالعقل مثلاً (الذي حار العلماء والفلاسفة في تعريفه، والذي يمثل طاقة غير مرئية، لم نعرف كنهها، بإعتباره خاضع لنظام الروح) ندركه من خلال قوته -طاقته- التي يعمل بها ويؤثر بها في الأشياء، رغم أننا لم ندرك كنه هذه الطاقة أيضاً ، إلا أن أثارها شاهدة أمامنا، وبالتالي فهي خاضعة لإداركنا، ولو أنها غير خاضعة لحواسنا. ولكن بيت هذه الطاقة (الدماغ) مشاهد لنا وخاضع تحت مجهر حواسنا، فإذا أزلنا بعض أدواته ومعاوله في الحياه، أي لو تعطل جزء أو حجره من هذا البيت، لا يزال بذلك ولا يفنى. ولكن إذا هدمنا حيزه، وموطنه بشكل نهائي، يؤثر ذلك على نشاطه وقوته، وتتعطل فاعليته وتأثيره بشكل نهائي، وهذا ما نشاهده عند تلف بعض أجزاء الدماغ، أو ما نراه عندما نحقن جزء من الدماغ بمادة مخدره، مما يعطل نشاطه ومفعوله بشكل مؤقت.
وكذلك يمكن أن نخفف من الألم، بملأ الدماغ بشيء آخر، فلا يكون متسع فيه لغير ما وضعنا فيه مسبقاً، (فمثلاً لا يمكن أن تكون الكاسة فارغة بالمطلق، كما تخدعنا بذلك الحواس، لأن الجزء غير الممتلىء بالماء، يملأه حيز من الهواء، الذي قد يكون هواء نقي، أو فاسد). أي أنه لا يوجد في الكون برمته حيز فراغ مطلق، لأن االفراغ عبث، (والله لا يخلق العبث في هذا الكون) وإن شعرنا عبر حواسنا البسيطه والمحكومة بواقع المادة أنه قد يوجد هذا الفراغ.
ووفق هذا الفهم فإن العقل يعمل بقدرته، وطبيعته، وخبرته، وقوته على ملأ جزء من غرف الدماغ، أو جميعها بطاقته، أي يقوم بملأ حيز فراغ هذه الغرف (بالطاقة العقلية) التي قد تكون سلبية أو ايجابية، وهذا ما ينطبق على عملية السيطرة على الألم، والتخفيف منه بشكل عام، وفي التحقيق بشكل خاص، حيث لا يمكن ملأ (الدماغ) بطاقة السعادة، بدرجة لا يجد الألم له متسع في هذا الدماغ. ففي حال وصول دفعات الألم للدماغ يقوم العقل ببث طاقة عقليه للدماغ، لتغطية هذا الألم، بملأ الفراغ فيه، فلا يجد الألم مكاناً ليقطن فيه. (مثل قيام أحد الصحابة ببتر ساقه المعطوبة وهو في الصلاة، باعتبارها صلة مع الله، التي من أحوالها الاستغراق الكلي مع الخالق، بحيث يملأ كيانة بطاقة لا يجد متسع لغيرها فيه، بحيث لا يشعر بعملية البتر وما يصاحب ذلك من ألم). أي يمكن أن يبث العقل من طاقته في الدماغ أفكار ومشاعر وتصورات وخواطر ايجابيه تملأه، وتكون بمثابة دوافع داخليه تحول بينه وبين أي وساوس وأفكار سلبيه، لأن هذه الأفكار الإيجابية تحتل المقاعد فلا تجد الأفكار السلبيه موضع قدم لها لتقف فيه، وبالتالي تنحدر وتنحصر ولا تجروء على الإقتراب أو الدخول فيه.
وقد ثبت بأن الانسان لو كان يحمل موقفاً سلبياً وفكره سلبيه ومشاعر سلبيه وتوقعات سلبيه بعدم شفاؤه مثلاً من مرض ما، فإن الدماغ لا يفرز كميه مناسبه وكافيه من هذه المواد التي يحتاجها لكي تتحسن حالته، ولكنه إذا كان يحمل أفكاراً ومشاعراً وتوقعات ايجابيه نحو شفاءة من المرض، فإن الدماغ سوف يفرز كميات أكبر من هذه المواد تساعده في التغلب على آلامه والشفاء من أمراضه.
وهكذا فإن المشاعر التي تسيطر على المعتقل في التحقيق إذا كانت ايجابيه نحو الحياة، (كأن يكون متفائل) يكون أكثر استجابه للسعاده، وبالتالي يحصل أولئك المتفائلون من الدماغ على طاقة أكبر تساعدهم في التغلب على الألم وعلى الصعاب التي تواجههم. فالجسد يستجيب للأفكار والمشاعر الجيدة، لذا يجب على المرء أن يبني توقعات ايجابيه وأفكار ايجابيه بشأن قدرته على مواجهة الصعاب والمحن، وكذلك الأمراض، التي تواجهه.
وعبر عملية الاستخواذ العقلي كذلك يستطيع الفرد السيطرة الألم، وذلك من خلال السيطرة على مدخلات العقل (الطاقة الداخليه) ومخرجات العقل (الطاقة الخارجية). أي عندما يستحوذ العقل (بطاقته) على كيان الفرد، لا يجعل لأي مدخلات جديدة مكاناً لها، ولكن عندما تنقص هذه الطاقة، تدخل طاقة جديدة. (فمثلاً الشعور بالألم، وإن تم على أكمل وجه ودخل إلى بيت الدماغ (العقل)، يجد هذا البيت كله مخدراً، لا يمكن إثارته، لأن الألم يجد أمامه الأبواب موصده).
إن من المعلوم أن لدى الإنسان ثلاث طاقات، الطاقة العقلية وتصدر عن العقل، والطاقة النفسية وتصدر عن الذات، والطاقة الحركية (الميكانيكية) وتصدر عن الجسد. وكل طاقه تفرز باستمرار ما دام لا يوجد معيق لها، فالطاقة الحركية تلك الطاقة المولده من الكيان المادي، تستنفذ إذا لم تزود بالوقود اللازم لذلك (كالطعام والشراب والهواء). وبالتالي فالعقل يفرز طاقة قويه هائلة، ما دام يتغذى بالأفكار والتصورات والخواطر، هذه الطاقه هي التي قد تحول دون إصدار أوامر الألم من الدماغ إلى مركز الألم (النخاع الشوكي) والعصبي الموصل للألم، أو قد ينشغل بعمليات عقلية آخرى، تستخوذ عليه الطاقة، وتستغرق كل الطاقة لديه، فلا يلتفت للألم، لكونه منشغل بشيء أهم حتى من الألم نفسه، أو قد يجد تكون أن استجاباته بطيئة أو حتى قليلة جداً، بسب انشغاله بأشياء أخرى، (كالتفكير في الاستشهاد، أو التفكير في الموت، أو التفكير بالايديولوجيا والمبدأ والمصلحة العامة للتنظيم)، أو الانشغال بنشاطات عقلية أخرى تستحوذ على العقل كله طاقته أو الجزء الأعظم منها، (كأن يستغرق في السباحة في ملكوت الله، أو يشغل القلب والعقل بالتسبيح وذكر الله بشكل متواصل). مما يحدث في الجسد شبه تخدير بهذا الانشغال، فلا يشعر بالألم إلا القليل، وعملية الاستحواذ هذه تجعل الألم المتدفق إلى غرف الدماغ، في حالة تخدير عقلي يمارسه الفرد بشكل إرادي منظم ومرتب.
إن عملية الاستحواذ هذه هي عملية عقلية إرادية شعورية، قد تتحول مع الوقت إلى عملية شرطية، يلهج بها العقل والقلب، والجوارح بدون وعي وإدراك من العقل الواعي، حيث تمتد \إلى العقل الباطن، الذي زوده العقل الواعي، بمجموعة من الأفكار والرؤى والأحاديث التي زرعت في العقل اللاواعي، وبالتالي عندما يريد العقل الواعي استرداد هذه الأفكار أو جزء منها يجد أن العقل الباطن يمد العقل الواعي بمجموعة من الارشادات والأوامر التي تحدد مسار الممارسة والتطبيق.

تمهيد:
إن النفس البشرية هي الحياة، وهي تفاعل مركب من عالم الغيب (الروح) وعالم الشهادة (الطين)، وهي اللغز الذي ما فتيء الإنسان البحث والتعرف عليه. ولكل إنسان شخصية ونفسيه معينه خاصة به تتشكل من عوامل داخليه وخارجية تؤثر وتتأثر فيه.
وعندما يتعرض الإنسان لأزمة شديدة أو موقف ضاغط صدمي، يصاب بنوع من الاضطراب في نفسيته جراء مثل هذه الضغوط والصدمات والأزمات. وخاصة تلك الضغوط والصدمات التي تحدث أثناء عمليات التعذيب في أقبية الزنازين الصهيونية، التي قد تفوق في كثير من الأحيان، الأزمات والضغوط والصدمات التي تحدثها كحوارث الطبيعة (كالفيضانات والزلازل وغيرها) حيث دلت بعض الدراسات بأن 25% من الناس يتأثرون بهذه الكوارث في المناطق التي تقع فيها فقط، في حين أكد أن الأزمات والضغوط والصدمات التي تكون بفعل الإنسان أشد وقعاً على النفس من مثيلاتها من الكوارث الطبيعيه.
مما يدل على أن الضغوط النفسية الناجمة عن المواقف الصدميه والضغوط الشديدة، خاصة التي تتم في التحقيق أقسى منها بكثير، لأن عملية التعذيب التي يتعرض لها المعتقل، تمثل موقف نفسي ضاغط، يعجز المعتقل عن إحداث استجابة مناسبة له. قد يصحبه أحياناً انفعالات سلبية، تؤدي لحالة من عدم التوازن داخل الكائن الحي، يثيرها التباين الواقعي، أو المدرك ما بين مطالب البيئة وطاقة الكائن الحي في التغلب على هذه المطالب، وتظهر من خلال استجابات فسيكولوجية وعاطفية ومسلكية متعددة. أي أن الضغط النفسي في التحقيق هو حالة من عدم التوازن في العلاقة بين الفرد ومحيطه، وعدم التوفيق بين هذه المطالب والمقدرة على معالجتها، وهو ما قد ينتج عنه الإثارة الزائدة، التي يطلق عليها الضغط الزائد، لأن طاقة التحمل لديه قد اقتربت من النقطة الحرجة (القدرة على الاحتمال) الناجم عن الضغط المستمر في التحقيق.
وتمثل هذه الضغوط مجموعة الحوادث التي تغير حالة الجسم الحيادية (الاعتياديه)، لحالة أخرى تتطلب القيام بمجموعة من الاستجابات المتغيرة المتنوعه، لأن الضغط النفسي بهذا المعنى يكون عملية تفاعلية تشتمل على مجمل العوامل التي تتدخل لإظهاره (كالمثير والاستجابة). وإدراك الوضعية التي هو عليها، وتقييمها. أي تقييم المعتقل للتهديد المعرض له من أجل تنظيم الدفاعات لمواجهته. باعتبار أن العامل المثير للاضطراب، هو تهديد ما يقلب توازن النفس، بحيث لا يعود الترميم ممكناً لها، (العودة الى السواء أو التكيف) إلا بواسطة استجابة خاصة تتعدى الروتين. فالمثير في الحالات العادية تكون استجابة الجسم له آلية، وتحصل بدون صعوبة وبدون مشكلة. ولكنه يمكن أن يفقد عاديته ويصبح عامل ضغط، من خلال ما يميزه عن المثير البسيط. كأن يمتد المثير لفترة أطول من العادي (كعملية الجلوس على كرسي التحقيق فترة طويله)، أو من خلال المعنى الذي يعطيه الفرد لهذا المثير في ظروفه الراهنة، باضفاء عليه قيمه معنويه كبيرة، قد تستحوذ على مقدار كبير من مساحة الذات (كتصور نفسة مشلولاً)، وبمقدار القوة التي يملكها للمواجهه (كقوة الشخصية). أي أن هناك عوامل ذاتية تساعد على حدوث الضغط، اضافة للعوامل الموضوعية، لأن العوامل المسببة للضغط موجودة دائما، لكن نتائجها تتعلق بكيفية التفاعل معها.
إن الفلسفة التي يقوم عليها استخدام الضغط النفسي كوسيلة من وسائل التحقيق ترمي إلى كسر صمود وكبرياء المعتقل الفلسطيني وإذلاله وإجباره على الاعتراف على غيره وتحويله إلى إنسان ضعيف ومهزوز، وسبباً في إحداث الضرر بالآخرين وبالتالي تجريده من عقائديته النضالية وقناعاته الوطنية، ليتحول من إنسانٍ مناضل ذي عزيمة إلى إنسان محطم، فاقد الثقة بذاته وبقضيته، مزعزع الشخصية.
ومن خلال قراءة عملية لتجربة الأسرى الفلسطينيين، فإن المحققين قد استخدموا وسيلة الضغط النفسي مع الأسرى دون تمييزٍ بين كبيرٍ أو صغير، أو رجل وامرأة، فالهدف الحصول على المعلومات دون مراعاة أي اعتبار آخر.(عيسى قراقع،2002:انترنت)
لذلك اعتمدوا وسيلة الضغط النفسي بحق المعتقلين الفلسطينيين منذ بداية الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 كوسيلة من وسائل الحرب على المقاومة الفلسطينية ورجالها بهدف الحصول أولاً على أكبر قدر ممكن من المعلومات، وثانيا لتحطيم الأسير الفلسطيني معنوياً وجسدياًً. وقد شهدت أقبية التحقيق الإسرائيلية صراعاً قاسياً ومريراً بين الأسير والمحقق استخدم خلالها المحقق شتى الأساليب النفسية الضاغطة في محاولة لكسر الأسير نفسياً وتطويعه للإستجابة لإرادته والكشف عن معلومات تؤدي إلى مزيد من الاعتقالات وضرب البنى الثورية للمقاتلين.
لأن المحقق والمعتقل في حالة صراع، يحاول كل منهما أن يوهم الآخر بأن المبادرة قد أصبحت بيده، فإذا نجح أحدهما في إقناع الآخر بأن وسائله قد استنفذت، فإنه بذلك حتماً سيكسب المعركة. لكونها معركة تحتاج لأراده وعزيمة، ولأصحاب نفوس تملأها العزة والإباء، وتحتاج لنفسية لا تعرف الهزيمة أو اليأس لأنها تثق بالنصر.
إن المحقق يسعى لتعطيل قدرة المعتقل في التعامل مع الموقف الآني المفروض عليه، بتحطيم نفسيته، وتعطيل قدرته الجسمية والعقلية، لأن القوة الحقيقية للمعتقل تكمن في مرونة وعمق التفكير في ذلك الموقف، الذي ينتج سلوكاً يمتاز أيضاً بالمرونة، التي تكفل للمعتقل التوافق السليم بين متطلباته الشخصية، وبين متطلبات الموقف.
وهناك نماذج في التحقيق، قد مورس معها كل أصناف وألوان العذاب، ولكن لم يفض ذلك الضغط إلى الاضطراب أو الانهيار النفسي، ولا إلى الاعتراف المطلوب منه. وهذا يؤكد على أن السقوط في يد المحقق الصهيوني، لا تنتجه فقط عمليات التعذيب، وإنما هو عملية تراكمية لها علاقة بشخصية الفرد، من حيث بناءه الفكري، والنفسي، والجسدي، بالإضافة إلى الخبرات الحياتية التي مر بها سابقاً، وكذلك لأسلوب الضغط الذي يعتمده المحقق أثناء استجوابه للمعتقل.
ومن أبرز الأساليب النفسية التي يستخدمها المحقق في الضغط النفسي على المعتقل، إثارة الخوف والقلق لديه، لأن الخوف كما عرفة علماء النفس يعني: ” تعرض الشخص لكارثة أو خطر مباغت، يحدث لديه انفعالاً شديداً يقود إلي حالة من الخوف الشديد -كرؤية حيواناً مفترساً بشكل مباشر، أو التعرض لمصيبة، أو لعمليات تعذيب مبرمجة- ينتج عنها انفعال حاد، يحدث اضطرابات في جسمه يشعر بها الفرد، وتغيرات في سلوكه، قد تؤدي إلى شكلين من السلوك، إما التجمد والبقاء في المكان، أو الفزع والصياح والهروب عن مصدر الخطر “.
والخوافين يصبحوا في الغالب أكثر استجابة للانهيار والاعتراف في التحقيق، لأن الخوف والقلق يشلا الحركة والتفكير في كثير من الأحيان، وإن كانا في بعض الأحيان قد ينشطا الدماغ ويجعلاه أكثر استنفاراً، ويكونا دافعاً لقوة التفكير وسرعته وحدته، ويؤديان لمجابهة التهديد الواقع على الشخص، ويساعداه على أن يكون أكثر حزماًً في المواقف الصعبة.(إيزاك ماركس، ب ت:37)
ولتحقيق نسبه عالية من القلق والخوف لدى المعتقلين، يسعى المحقق لعزل المعتقلين عن بعضهم البعض، لأن الخوف والقلق يقل لدى المعتقلين مع أشخاص آخرين مثلهم في التحقيق، حتى لو كانوا غير معروفين لهم، لكونهم يعيشون نفس تجربتهم العملية في التعذيب، من خلال وجود عامل مشترك فيما بينهم، هو التهديد بالعذيب أو التعرض للتعذيب، مما يدل على أن من يعيش مع آخرين نفس المعاناة يتعاطف معهم، ويزيد ويقوي لديهم عملية الانتماء والصموده. وذلك بخلاف أن يواجه المعتقل الموقف بمفرده، لأن يشكل الموقف الجمعي، عملية دعم وتقوية للمواجهة.
لذلك يسعى المحقق إلى عزل المعتقل ليواجه مصيره بمفرده، وليحرمه من المفردات العاطفية والاجتماعية والنفسية التي يستمد منها قوته. لأن الخوف والقلق يزيد عندما يترك المعتقل مع نفسه في فراغ عميق يؤثر عليه في الغالب بالسلب. لذلك يجب أن يخلق الفرد لنفسه تقديراً ذاتياً بنفسه، سوا كان في التحقيق بمفردة أو مع آخرين.
وبنفس المقدار الذي يستخدمة بالنسبه للضغوط السلبية، يستخدمه أيضاً في الضغوط الإغرائيه حيث يستعمل في بعض الأحيان وسائل (غير عنيفة) تعتمد على قيام المحقق بعملية التخدير بالأماني، أو السيطرة على النفس، بواسطة توجيهه إلى مجموعه من الأمنيات، التي يرغب بها ويتمناها في المستقبل. (عبد الله بن بخيت، ب ت:أنترنت) ومن هذه الضغوط القائمة على الأماني، عرض المحقق على المعتقل أن يعترف في التحقيق، مقابل أن يقوم بتغطية هذا الاعتراف، حيث يشيع لدى المعتقلين روايات تمجد صمودة في التحقيق. وكذلك وعدة بتحقيق كل أمنياته التي يرغب فيها في المستقبل، فإذا كان تاجراً على سبيل المثال يعمل معه صفقه تجاريه، تفتح له من خلالها الأبواب في مجال تجارته، فيجعلة المستورد أو الوكيل الوحيد لها في البلد دون منافس. وإذا كان لديه طموحاً سياسياً، ينفخ فيه بأنه الرجل المناسب لمثل هذا الموقع، أكثر من فلان وفلان، لذلك سوف يسعى لجعلة يفوز بذلك الموقع. وهذا يخدروه بمجموعه من الأماني الجميلة التي تلاقي قبولاً واستحسانا في بعض قلوب وعقول الضعفاء.
وتنقسم الأساليب والوسائل النفسية، التي يستخدمها المحقق، في التحقيق لقسمين هما:
القسم الأول: الأساليب والوسائل النفسية التي تعتمد على التهديد والضغط النفسي.
والقسم الثاني: الأساليب والوسائل النفسية، التي تعتمد على الترغيب والإغراء النفسي.
القسم الأول: أساليب التهديد والضغط النفسي :-
يعتبر أسلوب الضغط النفسي من أكثر الأساليب استخداماً في التحقيق، ويعتمد على عدم ترك أثراً مباشراً على جسد الأسير، وبالتالي فالأسير الذي يعترف تحت الضغط النفسي يدلي بمعلومات كاملة وتفصيلية، مفيدة أكثر لجهاز المخابرات وأكثر نجاعة، من الحصول عليها بالعنف او الضرب الجسدي منه. (عيسى قراقع،2002: إنترنت) ويسعى المحقق الصهيوني في معركة التحقيق أن يشعر المعتقل بتخلي الأسباب وانقطاعها عنه، وأنه وحيداً في المعركة، كما يسعى إلى التعرف على نفسية المعتقل الفلسطيني، وخاصة نقاط الضعف لديه، من أجل الضغط عليها بهدف تولد الضعف النفسي لديه، وبالتالي إلحاق الهزيمة بهذه النفس.
وقد جنّد في التحقيق لهذا الغرض رجالاً متخصصين، يتقنون اللغة العربية بطلاقه، وكذلك على دراية تامّة بطبيعة وتقاليد ومفاهيم المجتمع الفلسطيني وخصوصياته، وعلاقاته الانسانية والسلوكية، وذلك لتسهيل عليه عمله في محاربة المعتقلين، وتحقيق أهدافه في جني المعلومات منهم.
ومن الأهمية أن نؤكّد هنا أنه لا يمكن أن ينجح أسلوب الضغط النفسي دون إرهاق جسد المعتقل عضوياً وعصبياً ونفسياً، وبالتالي لا يمكن الفصل بين مدى نجاعة الضغط النفسي في تحقيق نتائج معينة وبين ما يتعرّض له جسد الأسير من ضغوطات وإجراءات قد تكون أشدّ من الضرب المباشر. بالإضافة إلى القابليه الذاتيه، والإستعداد النفسي من قبل المعتقل للإستجابه لهذه الضغوط.
وتتمثل أبرز أساليب التهديد والضغط النفسي المباشر على المعتقل أثناء التحقيق التالي:
1- اسلوب اعتقال أو التهديد باعتقال الأهل:-
إن العدو‏ يسعى‏ لمحاربة‏ ضعفنا‏ بجوانب‏ قوته‏،‏ فعلينا‏ أن‏ نحارب‏ ضعفه‏ بجوانب‏ قوتنا. فهو يسعى في التحقيق إلى اعتقال بالفعل أو التهديد باعتقال أعز من نود ونحب (كالأم والأب، الزوجه والأبناء‏،‏ الأخوة والأخوات، الخ) لأنه يدرك‏ بأن‏ ذلك يشكل أداة ضغط نفسي ومعنوي كبير. ويقوم أحياناً باحضار الأهل بالفعل إلى التحقيق، وتعذيبهم، وكيل الاتهامات والشتائم لهم، كورقة ضغط ومساومة لانتزاع الاعتراف منه، أو يسجل في بعض الأحيان أصواتهم على أشرطة كاسيت لكي يعتقد بأنهم مازالوا قيد الاعتقال.
2- اسلوب الاعتداء أو التهديد بالاعتداء الجنسي على الأهل:-
إن رجل التحقيق الصهيوني قمة في الفساد حيث لا يتورع عن استخدام أي أسلوب حتى لو كان غير أخلاقي من أجل نيل الاعتراف من المعتقل، بل في كثيرٍ من الأحيان ما يتعمد المحقق ذلك، كأحد وسائل الضغط النفسي للتأثير عليه.
لذلك يلجأ المحقق أمام صمود للمعتقل إلى التهديد بإحضار من يحبه المعتقل من الأهل، كأحد وسائل الضغط النفسي عليه. وفي بعض الأحيان ينفذ تهديده بإحضارهم، وخاصة النساء منهن، حيث يقوم مثلاً باستدعاء إحدى قريباته إلى التحقيق ثم يقوم بتعريتها أمام رجال المخابرات، وربما أمام بعض الشباب من نفس القضية، مما يحدث عند البعض حالة من الانهيار. وربما يحاول إيهام المعتقل أحيانا بأن زوجته أو ابنته أو والدته أو شقيقته تتعرض لعملية اغتصاب بواسطة المحققين في الغرفة المجاورة.
لأن المحقق الصهيوني يدرك أن شرف العائلة يعتبر أهم معالم العرف والعادة في العالم العربي، وأن شرف البنت في عين والدها والأخت لدى أخيها يعتبر أهم من الوطن ومن الثورة، ويدرك أن ذلك‏ يمثل‏ أكبر‏ نقطة‏ ضعف‏ عند‏ الإنسان الفلسطيني،‏ لذلك فهو‏ يستغل‏ هذه المشاعر‏ الحساسة‏ (الشرف‏ والعرض‏ والسمعة‏)‏ كورقة‏ ضغط‏ يلوح‏ بها‏ في‏ وجه‏ المعتقل‏، فيضعه‏ أمام‏ خيار‏ الاعتراف‏ مقابل‏ إنقاذ‏ شرفه‏ وعرضه‏.
إن‏ المحقق‏ عندما‏ يهدد‏ بإحضار‏ الأخت أو‏ الزوجة‏،‏ أو‏ الأم إنما‏ يختبر‏ المعتقل‏ ليكتشف‏ في‏ داخله‏ نقطة‏ ضعف يستطيع‏ أن‏ يتسلل‏ منها‏ لتوجيه‏ ضربة‏ له فإذا وجده‏ خائفاً‏، ‏ضعيفاً‏،‏ متردداً‏، يحضر‏ أهله لكي‏ يستنزفه‏ أكثر، ويحوله‏ لذليل‏.‏ أما‏ إذا‏ وجد‏ المعتقل‏ قوياً‏،‏ غير‏ مبالٍ ولا‏ متأثرٍ فإنه‏ يستمر‏ بالتلويح‏ بهذه‏ الورقة‏،‏ حتى‏ تسقط‏ من‏ يده‏ ولا‏ يحضر‏ الأهل، وحتى لو أحضر‏ الأهل وهدد‏ بالنيل‏ منهن فإنه في الغالب لا ينفذ تهديده، ولكنه يحاول أن يمارس‏ أقسى‏ أشكال التهديد‏‏ والضغط‏ على المعتقل.
3-أسلوب التهديد الجنسي للمعتقل:
- التهديد بالاغتصاب: ومن أبرز أساليب الضغط غير الأخلاقي على المعتقل، أن يقوم المحقق أو بعض العملاء أو الجنود، بأن يوهموه بأنهم سوف يعتدوا عليه جنسياً. ويستخدم هذا التهديد مع المعتقلات الفلسطينيات المقاومات للاحتلال أكثر من الشباب. تقول إحدى الأسيرات الفلسطينيات (التهديد بالاغتصاب هو السيف الذي سلطوه على عنقي. بقولهم اعترفي وإلا هذا الجندي سيقوم باغتصابك أمامنا .. كنت استعد لهذه اللحظة .. وسرت في بدني تيارات هزت كياني هزاً .. ولم تمض إلا لحظات حتى استجمعت أطراف شجاعتي وقلت -افعلوا بي ما تريدون فلا شيء عندي لأقوله لكم) وتقول أسيرة أخرى أن المحققين قد هددوها بإحضار مومسات ليمارسن السُحاق معها وسيقمن باغتصابها بالقوة. وأن حالة من الخوف والقهر والهزيمة قد سيطرت عليها إلا أنها سرعان ما استجمعت قوتها وتغلبت على هذه الرهبة). وقد أكدت أسيرة ثالثة على هذه الأساليب بقولها: (أنهم قد هددوها بإحضار رجل درزي ليمارس معها الجنس إذا لم تعطهم اعترافاً كاملاً بما يريدونه .. وإنها على الفور وبمنتهى الثبات قد تحدتهم).
- تعرية المعتقل: إن المحقق الصهيوني يعلم جيداً أن المعتقل الفلسطيني في الغالب شخص عربي مسلم يرى في العري امتهان لكرامته، لذلك يلجأ لهذا الأسلوب، بحيث يجبره على التعري أمام المحققين أو زملائه، أو يجبر زملائه على ذلك، ليسبب له حرجاً وألماً نفسياً كبيراً. ولكن السجين الذي يصر على الصمود يعلم بأنه لو تعرى أمام زملائه في مردوان التحقيق ألف مرة، أشرف له من أن يفضح ستر إخوانه.
4- أسلوب التهديد بالقتل:
وهذا الأسلوب يعتمده المحقق، بشكل دائم ومستمر، حيث يوهم المعتقل بأن التعذيب سوف يقوده إلى الموت المحقق إن هو ظل ملتزماً بالصمت ولم يعترف. وقد يلجأ أحياناً إلى محاولة اقناع المعتقل بذلك، من خلال عرض نماذج عليه من الصور والأسماء لبعض المعتقلين في حالة النزع الآخير، أو الذين وافتهم المنية وهم في أقبية التحقيق صامدون.
5- أسلوب التهديد بهدم البيت:
وأسلوب التهديد بهدم البيت الذي يمتلكه المعتقل أو يعود لأسرته، يجعل من هذا الموضوع عمليه ضاغطه على نفسية المعتقل ويحاول أن يزيد من هول هذه الصوره، بنماذج من الأسرى والمعتقلين الذين تم تدمير منازلهم، ويصور له حالة الأهل والأسره وهم بلا مأوى أو سكن، مما قد يؤثر على نفسية بعض المعتقلين، الذين يتفاعلون مع ذلك الحدث بشكل كبير.
6- أسلوب التهديد‏ بالإبعاد:-
يستخدم‏ أسلوب التهديد‏ بالإبعاد عند‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ مع‏ نفر‏ قليل‏ من‏ المناضلين‏ والمجاهدين‏ الذين‏ يشكلون‏،‏ بوعيهم‏،‏ وإيمانهم،‏ وإخلاصهم،‏ وجهادهم‏ خطراً‏ شديداً‏ على‏ الاحتلال ولا يرجى‏ منهم‏ أمل بالاعتراف‏،‏ أو المساومة‏،‏‏ فتلجأ‏ أجهزة الأمن لاتخاذ‏ قرار‏ الإبعاد القسري‏ بحقهم‏،‏ ويتم استخدام‏ هذا‏ الأسلوب،‏ كأداة ابتزاز‏،‏ قبل‏ أن يصبح‏ قرار‏ الإبعاد قراراً‏ علنياً‏ عسى أن‏ تجد‏ ضالتها‏ بطرف‏ خيط بالإعتراف.
و‏يستغلون‏ عاطفة‏ الأبوة لديهم نحو‏ الأبناء، فيقولوا للمعتقل سوف نحرمك‏ من‏ أبنائك، لكي‏ يموتوا‏ جوعاً‏ ويتسولوا‏ في‏ الطرقات‏، إننا سنرحلَّك‏ ولن‏ ترى‏ أمك،‏ ولا‏ أباك ولا‏ إخوتك.. سنضع‏ أسماء أهلك‏ جميعهم‏ على‏ الجسر‏ والمعبر ونمنعهم‏ من‏ السفر‏،‏ حتى‏ لا تراهم طوال‏ عمرك‏،‏ وتقتلك‏ الغربة. ولكن على‏ السجين‏‏ أن يدرك‏ أن هذا‏ الأسلوب،‏ هو‏ للتهديد‏،‏ والضغط‏ والابتزاز‏،‏ وحتى لو نفذ ذلك التهديد، فلا يجعل ذلك يغير من صموده شيء، فيثما وجد هو وطنه وشعبه.
7- أسلوب التهديد بالسجن الحربي:-
الأخطر في هذه العملية هو إشراك عوامل تأثير عقلية ونفسية ضد المعتقل، تعمل على فتح طاقة من التفكير الهدام، والوساوس المرعبة لديه، عن هول التحقيق في ذلك المكان (مثل ما كان يشاع عن التعذيب في السبعينات بالسجن الحربي في المجدل) وهو بذلك يحاول أن يخلق وهما يبدو معقولا. كما يبث المروجون والمنهزمون والعملاء في نفسية المعتقل الصامد، بأنه سوف ينقل إلى السجن الحربي، الذي يوجد من الأمور والأهوال التي تقشعر لها الأبدان، مما يولد تحضيراً نفسياً وقناعة مسبقه لدى المعتقل باستحالة الصمود في التحقيق هناك، وفعلاً يسقط وينهار، لأنه عقله الواعي قد سلم بهذه المعادلة، وبالتالي يسارع عقله الباطن بإمداده بكل مسوغات الاعتراف، بل ويدخل له من باب المصلحة والحرص أحيانا.
وتذكر كل لحظة، أن التحقيق سينتهي والتعذيب سينتهي، وأنك ستبقى بعد ذلك، إما حقيرا منهارا معترفا خائنا محكوما بالسجن لأنك مدان، أو بطلا صامدا مشرفا يفتخر الجميع بك. اجعل التجربة تنتهي، بصلابتك، دون تقديم معلومات ودون استسلام. (على الحتر،ب ت : 6)
8- أسلوب تعذيب الآخرين أمام المعقتل:
من أخطر الأساليب النفسية التي تؤثر على المعتقل، قيام المحقق بممارسة أساليب التحقيق الفعلية ضد المعتقلين الآخرين أمامه، بحيث يشعر المعتقل وكأن التحقيق الذي يتعرض له زميله، سوف يتعرض له هو أجلاً أو عاجلاً، مما يخلق في نفسه الوهن والخوف والضعف، حيث أن انتظار العذاب، هو أخطر من ممارسة العذاب نفسه.
9- أسلوب الشتائم :
إن هذا الأسلوب يعتبر من السمات الشخصية التي تميز المحقق الصهيوني، حيث يكيل منذ اللحظه الأولى للمعتقل سيلاً جارفاً من العبارات البذيئة التي تمس الذات الإلهية والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد، وتمس بشرف الأهل والزوجه والبنات وغير ذلك، هذا السيل من الألفاظ البذيئة يقصد به استفزاز المعتقل وتحقيره في نفس الوقت، وتجعله مقتنعاً بأنه صفر لا يساوي شىء.
وهذا الأسلوب النفسي يستخدمه المحقق، خاصه مع المعتقل الذي يشعر بأنه ينتمي لمبدأ أو عقيدة، أو يهتم بالدين والأخلاق. فيلجأ‏ إلى شتم‏ المعتقدات‏ المقدسة‏ لدى‏ المعتقل،‏ ويكثر‏ من‏ استعمال‏ العبارات‏ النابيه ضد‏ الذات‏ الإلهية، ويقوم بإطلاق وابل من الشتائم والسباب على الإسلام والمسلمين وعلى الرسول واتهامه بصفات سيئة لا تليق بمقداره، مما يستفز المعتقل ويجعله في ضيق وحنق، لأنه لا يستطيع أن يرد عليه وبالتالي يتأثر نفسياً من هذا الأسلوب القذر. أو قد يشن حملة على شخص يحبه كزعيم أو رئيس أو شخص يقتدي به، ويحاول مسه بألفاظ وعبارة نابية تحط من قيمته وقدرة.
كما قد يلجأ إلى استخدام عبارات غير أخلاقيه بحق زوجته ووالديه وأولاده وأخواته، فيصفهم بألفاظ غير أخلاقيه، من خلال الطعن في شرفهم، واتهامهم بأشياء من خيالة من أجل اغاظة المعتقل، والتأثير عليه نفسياً.
10- أسلوب احتقار الذات:-
- إلقاء الأوساخ على المعتقل: يعمد بعض المحققين إلى إهانة المعتقل بجعل أحد زملائه المنهارين، أو أحد العملاء في الزنازبن، بالتبول عليه، أو إلقاء بعض القاذورات والأوساخ عليه، من أجل كسر معنوياته وإضعاف نفسيته .
- الجمع بين تناول الطعام وقضاء الحاجة: يلجأ المحقق في كثير من الاحيان إلى دفع المعتقل إلى الامتناع عن بعض الوجبات، أو الأكل بسرعة متناهية، في توفير جو من المسخ لأدمية الانسان، حيث يجبر المعتقل إلى تناول الطعام في المرحاض، ويفرض عليه السجان أن يقضي حاجته الجسمية، وفي نفس الوقت يمارس تناول الطعام. إن هذا الامتهان لأدمية الإنسان المقصود به كسر كبرياء المعتقل وزرع الدونيه والاحتكار للذات، ومن هنا تبدأ مرحله خطره في نفسية المعتقل لو هو استجاب لهذا المنطلق.
11- أسلوب الاستهزاء :-
يحاول‏ المحقق‏ في هذا الأسلوب أن يسقط به نفسيته على المعتقل، ليهز بذلك نفسية المعتقل من داخله، بإشعاره بتفاهة شخصيته ومواقفه، ليكوّن في أعماقه الهزيمة، ويسلب منه الروح المعنوية والقدرة على المواجهة، بتوجيه الخطاب إليه كطرف هزيل، وموضع للاستهزاء والسخرية.
كما يقوم المحقق بالبصق‏ في‏ وجه‏ المعتقل بشكل‏ مستمر‏،‏ أو يقوم بحلق‏ لحيته‏ وشاربه،‏ أو حلق‏ جزء‏ منهما‏ وإبقاء جزء‏ بشكل‏ مشوه‏ ومضحك‏،‏وقد‏ يطلب‏ منه‏ أن يمشي‏ مقلداً‏ الكلب‏ أو يمشي‏ على‏ أربع ويردد‏ عبارات‏ مهينة‏، ‏ليخلق لديه إما ردة فعل سلبية بالتأثير على نفسيته داخلياً، أو الرد بالمقابل بالشتائم وهذا ما يريده المحقق وهو الوصول بالمعتقل إلى الاستفزاز. ويقصد‏ من‏ وراء‏ ذلك‏ قتل‏ معاني‏ الصمود‏ والبطولة‏ في‏ النفس، والذي‏ يقبل‏ الخضوع‏ مرة‏ سيخضع‏ في‏ كل‏ المرات‏،‏ والذي‏ يتجاوب‏ مع‏ المحقق‏ في‏ الأمور الصغيرة‏ سيتجاوب‏ في‏ أمور أكبر‏ وأخطر، لأن عملية‏ التحقيق‏ عبارة‏ عن‏ جملة‏ من‏ التأثيرات‏ والإيحاءات النفسية، وليست‏ مجرد عملية‏ تعذيب‏ مادي‏ لمجرد‏ الإيلام الجسدي‏ فقط.
12-اسلوب الإهمال :-
إن المحقق الصهيوني كثيراً ما يلجأ إلى اعتماد أسلوب انتظار التحقيق قبل الدخول فيه، وهذا الأسلوب سيكولوجياً هو أسلوب خطير جداً، لأنه يعتمد على إثارة الخوف والتهديد، وإثارة الخوف والتهديد لدى الذات قد يستنفذ طاقة نفسية وعقلية، تفوق أضعاف الطاقة العقلية والنفسية التي ينفقها الشخص في دخوله حلبة التحقيق ذاتها.
وهذا الأسلوب لا يلجأ إليه المحقق إلا بعد اليأس من الاعتراف، بحيث يترك السجين عن عمد ملقي في مردوان التحقيق أياماً وربما أسابيع ولا يطلبه ولا يتعامل معه، ولا يقوم بإنزاله إلى الزنازين لكي يجبره أن يعترف ولو في آخر لحظة. وأسلوب إهمال المعتقل هذا مدروس ومبرمج وليس عفوياً، وخطأ الاعتقاد بأن رجل المخابرات قد ينسى زيداً أو عبيداً، إنما العملية مرهونة بمجريات أمور التحقيق فقط. لذلك يخطيء بعض المعتقلين عندما يحاول الطلب من رجل التحقيق إنزاله إلى الزنازين، أو تذكيره بأن التحقيق انتهى معه أو أن له مدة طويلة دون استدعاء من أحد، ظاناً أن المحقق غفل عنه، ولا يدرك بأن هذا الأسلوب من الأساليب الهامة في مجريات التحقيق.
13- أسلوب التنقل‏ بين‏ السجون‏ :-
يستخدم‏ جهاز‏ المخابرات‏ الصهيوني‏ أسلوب التنقل‏ بين‏ السجون‏ مع‏ الأسرى‏ الذين‏ يستعصون‏ على‏ ضباط‏ المخابرات‏،‏ فالمحققون‏ وهم‏ في‏ العادة‏ طاقم‏ كامل‏، ‏عندما‏ يعجزون‏ عن‏ انتزاع‏ الاعتراف‏ بالقوة‏ من المعتقلين‏،‏ يلجئون إلى النقل لسجون‏ أخرى الحربي‏،‏ وذلك‏ لتغيير‏ المكان‏ والأجواء،‏ والمناخ‏ والمحققين‏،‏ ووضع‏ السجين‏ في‏ جو‏ من‏ الرعب والهلع‏ من‏ السجن‏ الجديد‏.
إن سجون‏ العدو‏ الصهيوني‏ جميعها‏ بدون‏ استثناء‏ سجون‏ حربية‏ عسكرية، وأساليب التعذيب‏ التي‏ تمارس‏ فيها‏ نسخة‏ مكررة‏ لمدرسة‏ عنصرية‏،‏ إرهابية،‏‏ واحدة‏ هي‏ مدرسة‏ المخابرات‏ الصهيونية، إن السجن‏ الحربي‏ لا يختلف عن‏ باقي‏ سجون‏ العدو‏.
لذلك على المعتقل أن يدرك‏ وهو‏ يواجه‏ هذا‏ الأسلوب بأن المحققين‏ قد فشلوا‏ معه،‏ وأنه‏ قد قطع‏ ثلاثة‏ أرباع طريق‏ الخلاص‏‏، وأن الفرق‏ بين‏ النصر‏ والهزيمة‏ هو صبر‏ ساعة‏.
14- أسلوب ارباك المعتقل:
يقف الشخص الخاضع للتحقيق في هذا الاسلوب امام مجموعة من المحققين، كل واحد منهم يسأله سؤالا في موضوع ما، وذلك من اجل ارباك المعتقل، الوقوع في التناقض في الاجابة، أو الوقوع ببعض الكلمات التي قد تشكل هفوات وزلات قد يعتمد عليها المحقق -بنفس الطريقة التي يعمل بها عالم التحليل النفسي- في التأثير على الحالة النفسية للمعتقل.
15- أسلوب فقد الأمل بالنجاه:
في أغلب الأحيان ما يتوقع المعتقل أن هناك أملاً لإنهاء عملية التحقيق، ولكن المحقق البارع يحاول دوماً اقناع المعتقل أن فرص النجاه أمامه ضعيفه، ويعمل بكل الطرق على سد منافذ سجل هذه النجاه، ويصور له أن لا نجاه له من عذاب التحقيق إلا عبر المحقق نفسه عندما يحقق له ما يريد.
16- أسلوب ضغط الشهود:-
إن القضية التي يعتقل فيها أكثر من شخص يحاول المحقق الاستفادة فيها، من خلال كبر حجم هذه القضية وكثرة الأشخاص، بحيث يستخدم كل واحد منهم في الضغط على الآخر، فعندما يعترف أحد المساجين يبدأ المحقق باستغلال هذا الشخص الذي اعتقد باعترافه أن الأمور سوف تسير باتجاه بعيد عنه بإجباره على الاعتراف على زملائه، حيث أنه بمجرد أن يعترف شخص يبدأ رجل المخابرات في استخدامه في مواجهة زملائه بهذا الاعتراف، ويطلب منه أن يعترف ويشهد عليهم. وهكذا يحاول ضابط التحقيق أن يحطم نفسية السجين وينال منه الاعتراف عن طريق ممارسة الضغط النفسي عليه من خلال شهادة زملائه عليه الذين اعترفوا على أنفسهم ثم أصبحوا أداة طيعة يسخرها المحقق ضد الآخرين، لكن على السجين أن يقف موقف المتحدي المكذب لهذا الشاهد خاصة إن كان الموضوع يتعلق بأمور تمس أمن التنظيم ولا تقف على نطاق الفرد ذاته. كما أنه يتوجب عليه أن يوقف انهيار زميله في التحقيق بصموده وصلابته.
17- أسلوب دراسة الوجه والحركات:
في بعض الأحيان يلجأ المحقق الصهيوني بالتأثير على المعتقل من الناحية النفسية، فيقوم هو نفسه، أو يستعين بمحقق آخر يدعي أنه عالم نفس، بالنظر إلى عيني المعتقل، أو يمسك يده، أو يحدق في وجهه، ثم يصدار ايمائه واشارة بأن المعتقل كاذب ولا يقول الحقيقه، ويحاول من خلال ذلك التأثير النفسي على المعتقل بأنه قد قام بدراسة حركات الوجه والأطراف، وهذه الدراسة قادته للايمان بكذبه وعدم صدقه. وبالتالي فكيف يمكن أن يصدقه والدلائل العلمية تشير غير ذلك.
18- أسلوب المحقق ضخم الجثه:
يحاول أحياناً المحقق صدم المعتقل باحضار له محقق ضخم الجثه يشبه المصارعين أو الملاكمين، يقوم أمامه بحركات نفسيه توهمه أنه بضربه سوف يقضى عليه، أو يجعله مشلولاً مدى الحياه. وقد يقوم هذا المحقق أو المعاون له بضرب قبضته على الطاوله فيكسرها أو على كرسي فيحطمه، وكل ذلك من أجل زرع الخوف في نفسية المعتقل، واجباره على الاعتراف.
19- أسلوب تثبيط العزيمة:
ومن أبرز الأدوار التي يمارسها المحقق داخل الزنازين، الأسلوب المتمثل بتثبيط عزيمة السجين التي تجعله يقر بأن ضابط المخابرات أقوى منه مثال إيهام السجين بصدق ما يسمى كرسي الكذب أو آلة كشف الكذب، وأن نتيجة الفحص على كرسي الكذب دليل إدانة ضدهم في المحكمة، وأنه لا فائدة من الكذب، أو أن لا أحد يهتم به أو يشعر به، والكل تركة وحيداً ليجابة قوة اسرائيل الاستخبارية التي لا تهزم بتاتاً.
20- أسلوب تضخيم التهمة:-
التضخيم‏ للتهمة كأسلوب للتعذيب‏ يعتمد‏ على‏ استفزاز‏ الجانب‏ الشعوري‏ للمعتقل‏ لتحريك‏ الآليات الدفاعية‏ اللا‏شعورية‏ داخله‏، وجعله‏ يعيش‏ حاله‏ هروب‏ من‏ تهمة‏ مضخمة‏ كاذبة‏، ‏إلى‏ تهمة‏ صغيرة.. وذلك‏ للحصول‏ على‏ طرف‏ خيط‏ من‏ الاعتراف.‏
والتضخيم‏ هو عملية تعتمد على وضع‏ المعتقل‏ في‏ حالة‏ قلق‏ نفسي‏،‏ وتوتر‏ عصبي‏، ‏وعدم‏ التوازن‏ على‏ مستوى‏ التفكير‏.‏ ومن‏ خلال‏ تضخيم‏ قضيته.. تبدو‏ أعماله الحقيقية‏ شيئاً تافهاً‏‏ صغيراً أمامها وتصبح‏ مسألة‏ الاعتراف‏‏ شيئاً‏ ممكناً‏ على‏ المستوى‏ المنطقي والواقعي‏ كعامل‏ هروب‏ من‏ حالة‏ التضخيم‏ التي‏ يواجه‏ بها‏ من‏ قبل‏ المحققين‏.
21- اسلوب تحطيم المثل الأعلى :
تشكل القيادة والرموز الهدف الأول للمحقق، لان الرمز والقيادة، هي القوّة المركزية، والموجّه الحركي للجماعة، وكلما كان للجماعة ثقة برموزها، وتقديس لقيادتها، وارتباط وثيق بها، صعب اختراق تحصيناتها الفكرية والدعائية، لذا فانّ الموقف يتطلب من المحقق تحطيم الرمز، وعزل تأثيره، وتدمير الثقة به لدى أفراد الجماعة. لأن أغلب المعتقلين يكون لديهم مثلاً أعلى في حياتهم، وخاصة أولئك المؤطرين في تنظيمات أيديولوجيه، حيث يسعى المحقق على تحطيم صورة هذا المثل الأعلى في مخيلة المعتقل، وذلك من خلال الطعن فيه، والطلب من المعتقل أن يبصق على صورته أو يدورس بأقدامه عليها، أو حتى يطلب منه أن يمسح بها المرحاض أو ما شابه ذلك. وإذا كان هذا الشخص معه في التحقيق يحاول أن يجعل المعتقل يراه وهو في صورة الدليل المهان الذي لا حول له ولا قوة، لكي يهز صورته لديه ويحطم ما فيها من مثل أعلى له.
22- أسلوب التشكيك بالتنظيم والثورة:
إن المخابرات‏ الإسرائيلية تسعى‏ عبر‏ هذا الأسلوب النفسي الخطير، إلى بذر بذور الشك والريبه لدى المعتقل بالإدعاء بأنهم‏ يراقبونه‏ منذ‏ مدة، ‏وبأنهم‏ اخترقوا‏ تنظيمه‏ منذ‏ فترة‏ طويلة‏، وبأن‏ اجتماعاتهم‏ كانت‏ مرصودة، وبأن‏ التقارير‏ تصل‏ عنهم بشكل يومي‏،‏ ‏وبأنهم‏ يعرفون‏ كل‏ أعضاء الخلية‏، وهم‏ جميعاً‏ معتقلون‏ الآن في‏ السجن، وأنه‏ من‏ الأفضل له‏ أن يعترف‏ كباقي‏ زملائه‏،‏ الذين‏ اعترفوا‏ على‏ كل‏ شيء‏.
إن المحقق يسعى لزعزعة علاقتك مع تنظيمك، بكل وسائل التشكيك الممكنة، فلا تسمح له ولا تصدقه، وإذا قال أن رفاقك هم الذين وشوا بك. لتكن اجابتك الصمت، أو الإصرار على عدم وجود علاقة لك بهذا التنظيم، أو امدح مناضلي التنظيم دون الاعتراف بوجود أي علاقة لك معهم. (علي حتر، ب ت: انترنت)
23-أسلوب التحقيق المتواصل:
يستخدم‏ أسلوب تعدد‏ المحققين‏ في‏ القضايا‏ الخطيرة‏،‏ ففي‏ الحالات‏ البسيطة‏،‏ يكفي‏ المخابرات‏ أن تستخدم‏ محققاً واحداً. وفي‏ القضايا‏ المتوسطة‏ الخطورة‏ تستخدم‏ محققين‏ أو ثلاثة،‏ أما القضايا‏ الخطيرة‏،‏ والأشخاص المهمين‏ الذين‏ يشكلون‏ أعمدة العمل‏ الأساسية،‏ فيستخدم‏ عدة‏ محققين في‏ فترة‏ واحدة‏ ومتواصلة‏ بحيث‏ يشارك‏ فيها‏ على‏ مدار‏ 24 ساعة‏ طاقم محققين يتناوب‏ هؤلاء‏ مع‏ آخرين على السجين لعدم‏ إتاحة فرصة‏ له ليلتقط‏ أنفاسه،‏ أو ليأخذ‏ قسطاً‏ من‏ الراحة. ويشكل‏ هذا الأسلوب أداة ضغط‏‏ وإنهاك لقدرة‏ تحمل‏ المعتقل‏ الداخلية‏،‏ ويصبح‏ إيقاع المعاناة‏ أكبر‏ من‏ حجم‏ مقومات‏ الثبات‏ الداخلية‏ لديه،‏ بحيث‏ يعجز‏عن‏ مواجهة‏ هذه الأخطار القادمة‏ من‏ المحققين‏ فيستسلم‏ لهم.
24- أسلوب صدمة المعلومة:
وهذا الأسلوب يعتبر كذلك من أهم الأساليب النفسية في التحقيق، لإعتماده على احداث حالة من الصدمه السريعه للمعتقل، حيث يدخل المحقق لنفسية المعتقل عبر الإدعاء بأنه على اطلاع تام على نشاطه ونشاط مجموعته، حيث يلقي المحقق كل ما في جعبته دفعه واحده، وهذه المعلومات يكون في الغالب قد استقاها من مصادره التي تخترق التنظيم الذي ينتمي اليه، وهي معلومات هامه وحقيقيه، كي لا يشك المعتقل في نية المحقق أو يعتقد كذبه، وصدمة المعلومات بمثل هذا الكم الهائل مره واحده يشبه بمن يلقي على رأس الشخص صخره لا يقوى على تحملها فيخر صريعاً، في يد المحقق، فيعترف له ما بكل ما عنده، لأنه قد أصبح لديه قناعه بتفاهة ما لديه من معلومات، مقابل ما يمتلك المحقق من معلومات خطيره.
وهذا الأسلوب من الأساليب التي تقوم‏ على‏ الإيحاء القوي‏ والتأثير‏ النفسي‏ على المعتقل،‏ لأنه يحاول‏ به السيطرة‏ عليه‏ عقلياً، من خلال‏ مجموعة‏ ثوابت‏‏ تشكل‏ آليات العمل‏ ومصطلحاته‏ النظرية، ‏ووضعها‏ في‏ إطار تطبيقي‏‏ يتألف‏ من‏ مقدمات‏ ونتائج‏،‏ للوصول‏ إلى الاعتراف.
وعادة‏ ما‏ يكون‏ المحقق‏ الذي‏ يطبق‏ هذا‏ الأسلوب مُلماً بقواعد‏ علم‏ النفس‏،‏ لذلك يقوم بدراسة ملف‏‏ المعتقل‏ بشكل‏ كامل‏ من‏ الناحية‏ الاجتماعية‏ والثقافية‏ والاقتصادية‏ مستنداً‏ إلى المعلومات‏ التي‏ جمعها‏ جهاز‏ الاستخبارات، ويبدأ‏ في‏ دراسة‏ نقاط‏ القوة‏ والضعف‏ لدى‏ المعتقل‏،‏ ليوظفها‏ في‏ آلية‏ التحقيق فلو‏ كانت‏ المعلومات‏ ‏-مثلاً‏-‏ تدل‏ على‏ أن المعتقل‏ لم‏ ينه‏ دراسته‏ بينما‏ هو‏ شخص‏ ذكي‏ ولديه‏ أرضية تعليمية‏ وثقافية‏،‏ فهذا‏ مؤشر‏ على‏ أن سبب‏ ترك‏ الدراسة‏ لا يرجع‏ إلى عامل‏ شخصي‏، إنما لأسباب خارجية‏ كالعوامل‏ المادية‏ مثلاً‏ أو لانشغال‏ المعتقل‏ بأمر‏ آخر غير‏ الدراسة، فإذا تبين‏ أن الوضع‏ المادي‏ له‏ جيد‏،‏ فهذا‏ يعني‏ أن هناك أشغالا أكبر‏ أهمية لديه‏ من‏ الدراسة‏. وهكذا‏ يسعى دوماً لربط‏ المعلومات‏ وتحليلها.
لذا يجب على الأسير التزام الصمت وان يحافظ على رباطة جأشه. لأن مثل هذه التحقيقات لا تستمر الى الأبد، وتنتهي غالبا بان يقتنع المحققون اما ببراءة السجين، او لقناعة بعدم القدرة على انتزاع اعتراف منه.

القسم الثاني: أساليب الترغيب والإغراء النفسي:
وذلك عن طريق الوعود والاغراءات، التي تعرض على المعتقل أو تمنح له، من قبل ضباط التحقيق، كالتودد له والاهتمام به، وبذل المساعي للمساعدة عند الضرورة، وتحقيق بعض الفرص المادية أو المعنوية له، كمنحة فرصة عمل، أو تأمين بعثة دراسية، أو مصلحة معنويه كجعلة في منصب مهم في التنظم وما إلى ذلك.
1- أسلوب اغراء تحققيق المكاسب:
وهناك البعض من يتم اعترافه عبر اتفاق ينشأ عادة بين أشخاص أصحاب مصلحة ما، وبين من يحقق لهم هذه المصلحة، أو مصالح معينة مشتركة بين الطرفين. ويعتبر استغلال الوضع المادي والاقتصادي والمالي، والحاجة الشخصية لدى الأفراد، من أهم الوسائل وأشهرها بالنسبة لعملية الترغيب والاغراء. حيث يركز المحقق بهذا الأسلوب، على الأفراد المحتاجين، أو الغارقين في الديون، أو المعروف عنهم أنهم مستعدون لعمل إي شئ لقاء مبلغ من المال. لأن الشخص الذي يبحث عن مصلحة ذاتية، ويريد أن يحققها بغض النظر إن كانت تتصادم مع مصالح الغير أو تتوافق معهم – كأن تكون رغبة تعذر عليه تحقيقها، كالمخدرات أو الاتصالات الجنسية، أو حتى راغباً في مغادرة البلاد، أو الانفصال عن أسرته، أو راغباً في الحصول على مركز جديد – لا يضيره أحد مهما كان.(عاقل،1973 :232)
وقد تستغل المخابرات السفر للخارج كوسيلة إغراء الشخص ووعده بتسهيل أموره لكي يسافر للخارج للتعليم أو التجارة أو ما شابه ذلك. وكمثل الحاجة للتوظيف، أو الحصول عل مركز.
ويقول العميل (ي.س) “ارتبطت عام 1982 عندما كان عمري 18 سنة ولم اكن متزوجا بل كنت ادرس في الثانوية العامة واعتقلت على خلفية مظاهرات في المدرسة وأخذوني الى التحقيق وأثناء التحقيق قالوا بأنني سآخذ حكم كبير، ولكن وعدوني إذا اعترفت وارتبط فسوف يتم توفير فلوس لي، وخوفاً من السجن والحرمان من التعليم ولسوء الوضع المادي وافقت على الإرتباط”. (عباس، 2002، 27)
2- أسلوب الصفقة :
إن أغلب المعتقلين الفلسطينيين الذين اعتقلوا أو سجنوا، قد وقعوا تحت الضغط ليعترفوا ثم ليصبحوا مخبرين وعملاء للاحتلال، بعضهم طلب أن يبقوا كامنين لحين الطلب، والبعض الآخر بدأ يمد الاحتلال بالمعلومات تحت طائلة التهديد المباشر.(ريجبي،2001: 17)
يعرض المحقق على المعتقل الاعتراف، وأحياناً الارتباط مقابل اطلاق سراحه أو تخفيف الحكم عنه. فيقول له نحن على‏ استعداد‏ أن نطلق‏ سراحك‏ غداً‏ مقابل‏ موقف‏ بسيط منك.. أن تعترف وتتعامل‏ معنا نحن‏ نضحي‏ معك‏ بكل‏ شيء.. وأنت عليك‏ أن تضحي‏ معنا‏ بشيء‏ صغير.. فكر‏ في‏ هذا‏ الموضوع.. ولا‏ أريد منك‏ رداً‏ الآن.. مع‏ السلامة‏،‏ ويصرخ‏ المحقق‏ على‏ الجندي‏ لكي‏ ينزل‏ المعتقل‏ للزنزانة‏ حتى‏ يستريح.
ينزل‏ المعتقل‏ إلى الزنزانة‏،‏ وهناك‏ تتزاحم‏ في‏ رأسه‏ الأفكار.. لقد‏ صمدت،‏ ولم‏ اعترف هل‏ يمكن‏ أن أوقف إدارياً‏ عشرات‏ السنين‏،‏ وهل‏ ممكن‏ أن يلفقوا‏ لي‏ قضية‏ خطيرة‏،‏ وأحكم‏ مدى‏ الحياة هل‏ أعيش هذه‏ الفترة‏ الطويلة‏ من‏ دون‏ أن اعترف مستحيل.. ولو‏ عشتها‏ بماذا‏ سأخدم الوطن‏ في‏ السجن سأكون‏ مشلولاً‏ ولن‏ أخدم‏ وطني‏،‏هل‏ أقبل‏ فكرة‏ التعامل، أو أبقى مدى‏ الحياة.‏ وتتوارد‏ الأفكار وتتزاحم في رأسه في‏ هذا‏ الجو‏ القاتل، وتبرز‏ فكرة‏ الخلاص‏، أوافق على‏ التعامل‏ كحيلة‏ مرحلية‏،‏ وعندما‏ أخرج‏ انقلب‏ عليهم‏.. وأعيش مطارداً.. أقتل‏ منهم‏ كل‏ يوم‏‏ وأجعلهم‏ يدفعون‏ الثمن‏ غالياً‏. وهذا هو بداية الانهيار الخطير، الذي يقود أحياناً للتعامل مع العدو.
وقد تحدث كذلك العميل (د.د) وهو عميل نشيط في شهادة لبتسيلم (1993) بأنه قد ارتبط من خلال مساومته لإلغاء التهمة عنه، وقال: اعتقلت في عام (1976) بسبب إخبارية عني بأني أشعل إطارات سيارات على طريق قرب طولكرم، وكان العقاب على مثل هذه الأعمال غرامة حوالي 600 جنيه لقد كنت ابن سبعة عشر عاماً لا أملك مالاً، عرض جهاز الأمن العام الشاباك عليَ إلغاء التهمة إذا وافقت على العمل معهم، فوافقت على الارتباط. (بتسيلم،1993 213)
3- أسلوب الإغراء الجنسي:
أهتمت جميع أجهزة المخابرات في العالم بطرق الترغيب بالجنس، وخاصة في مرحلة التحقيق، حيث يسعى المحقق الصهيوني إلى إستغلال الغرائز والحاجات البيولوجية، كأحد طرق الضغط على المعتقل، (الغريزه كما يعرفها بعض العلماء هي” غرز (دخول) شيء في شيء آخر بصوره قويه وكاملة وراسخة، أي هي القوى الراسخة المودعة في طبيعة الإنسان، رسوخاً لا يمكن انفصالها عنه بتاتاً)، حيث يعمد من خلال هذه الغرائز والحاجات البيولوجية عبر اللذة والألم، على سبيل المثال إلى اثارة غريزة الجنس لنيل لذة، أو حرمان المعتقل من الطعام والنوم باعتبارها حاجات بيولوجية غريزية يتألم بفقدها الانسان باعتبارها جزء من الغريزة التي فُطر عليها. وكلا الغريزتين لهما مقياس إرادي في العقل، لأن ضغط الغريزة في النهاية متوجه إلى الإرادة، وحيث أن الإرادة هي مصدر القرار، فالقرار إذاً ملك للشخص ولعقله، لا أحد له سيطرة وسلطان عليه. (موقع المدرسي،ب ت:أنترنت)
لذلك يجب أن يكون لدى المعتقل المعرفة بالغرائز التي تؤدي إلى الخور والضعف، والتي قد يستغلها المحقق، لكي يعمل على تهذيبها وتوجيهها الوجه الصحيحة، وتوظيفها بالشكل المناسب واللائق، ويوجه هذه الغر يزه التي قصد منها كسر إرادته إلى قوة لها، لأن قوة الغريزة تضعف الارادة والعكس، لذلك يجب رفض الخضوع لسلطان الغر يزه بشكل مطلق، لكي لا تكون الغرائز أدوات ضغط على الإرادة.
وفي هذا الأسلوب يتم مثلاً إغراء شخص للممارسة الجنسية مع فتاة، أو فتى، حيث يحضر المحقق فتاة عميلة أو مجندة إسرائيلية عارية، وتحاول القيام بحركات جنسية، ثم تقوم بتوريطة بممارسة الجنس معها مما يشكل عامل اعتراف وانهيار للمعتقل، أو قد يلجأون لإحضار صور جنس لإثارة الشهوة لديه لكي يخضع لأساليبهم النذلة. ويعتبر أكثر عرضة للسقوط عن طريق الجنس المنحرفون والشواذ جنسياً، لأنهم ذوي حياة غريبة وتصرفات تنافي المنطق السليم المتعارف عليه اجتماعياً ومعنوياً وأدبياً، لأن المنحرف الجنسي يعتبر دائماً هدفاً سهلاً لرجال المخابرات، وهم أفضل الضحايا الذين يبحثون عنهم للتجنيد والاستثمار، وخاصة إذا ما كان هذا المنحرف ذا مركز اجتماعي أو مالي أو أدبي مرموق. (وود،1990: 61)
4- أسلوب الاغراء بالمكيفات:-
إن البعض من المعتقلين يكون مدمناً على المشروبات كالقهوة و الشاي والتدخين، وهذه العادات قد يحولها المحقق إلى وسائل اغراء لابتزاز المعتقل لدرجة أن بعض الشباب قد أجبرته السيجارة على الاعتراف.
لذلك فان المحقق يهتم بمعرفة شخصية المعتقل ونقاط الضعف فيها، ويحاول بذلك أن يتسلل إلى نفسه من خلالها، وعندما يوقن أن هذا المعتقل مدمن على التدخين مثلاً فإنه يدخن أمامه بكثرة ويحاول نفث دخان السجائر في وجهه، وعندما يتأكد من أن رأسه بدا يلوح يمنة ويسرة ولعابه يسيل يعرض عليه سيجارة، وعندما يوافق على ذلك، يطلب منه المقابل وهو الاعتراف.
5- أسلوب تبسيط التهمة:-
أسلوب تبسيط التهمة يعتمد‏ على‏ رفع حالة الاستنفار لدى‏ المعتقل،‏ ويعمل المحقق بحسب هذا الأسلوب على التقليل من أهمية الاعتراف بالتهمة، بحجة أن الأمر لن يغير شيئاً سواء اعترف أم لم يعترف، لأن المحققين يعلمون بداهةً بكل شيء، وأن كل ما يريدونه هو معرفة الدوافع التي حركت الشخص الخاضع للتحقيق فقط، وإذا تحكم الشخص بنفسه، يتخلى المحقق عن هذا الأسلوب. فيقول المحقق على سبيل المثال للمعتقل هذه ‏تهمة‏ صغيرة، لا تستحق كل هذا العناء، ولا تؤثر على حياتك فإنما هي أيام قلائل حتى تخرج من المعتقل، وذلك‏ للحصول‏ على‏ طرف‏ خيط‏ من‏ الاعتراف‏ يؤدي‏ من‏ خلال‏ مبدأ‏ التدرج‏ إلى‏ انهيار‏ المعتقل‏ واعترافه‏ بالكامل.
وهذا الأسلوب هو‏ أحد الأساليب التي‏ تستخدمها‏‏ المخابرات‏ الصهيونية‏، وينحصر‏ استخدامه‏ بنوعية‏ من‏ المعتقلين وخاصة‏ البسطاء‏ الذين‏ يسهل‏ التأثير‏ والسيطرة‏ عليهم‏،‏ وهم‏ حالات‏ قليلة.
6- أسلوب التعاطف الإنساني:-
يظهر المحقق‏ أحياناً للمعتقل‏ بثوب انساني، ويبدأ‏ بعملية‏ إيحاء فيقول له ” أنت طيب‏ وابن‏ ناس.. لماذا‏ تحمل‏ نفسك‏ كل‏ هذا‏ العذاب‏ والعناء‏ في موضوع تافهة‏ وبسيط‏،‏ والذين‏ معك‏ قضاياهم‏ أكبر‏ من‏ قضيتك اعترفوا‏، وأطلق سراحهم‏ وهم‏ الآن عند‏ أهلهم.. اعترف‏ حتى‏ تعود‏ لأهلك وهذه‏ غلطة أنصحك أن تتعلم‏ منها وحافظ‏ على‏ نفسك.. وأنا سأكتب عنك تقريراً‏ بأنك‏ بريء،‏ وأنك‏ لن‏ تعود‏ لهذا‏ العمل.. ولكن عدني‏ ألا تعود‏ لهذا‏ الطريق‏”.‏ فإذا تجاوب‏ معه المعتقل يبدأ في استدراجه، وتبدأ عملية شد الحبل بينهما، إلى أن ينتهي الحبل كله بيد المحقق.
7-أسلوب الاهتمام بالمعتقل:
وهذا الأسلوب يلجأ إليه المحقق، بقصد خلق انطباع لدى المعتقل بأنه رجل مهم، وذو مكانه محترمة، وبالتالي يتوجب على المحقق احترامه. ومن خلال هذا المنطق يحاول المحقق أن يدخل إلى قلب المعتقل ونفسه، لكي يلقى القبول والتجاوب من قبل المعتقل.
يقول: المحقق (ف) وهو محقق قديم بأن تقديم المشروب هام جداً فبعضهم لا يقبل بالمرة الشرب معك حتى وإن كان ميتا ًمن العطش”، والبعض الآخر ينتقل على مراحل، في البداية شرب ماء بارد، ولكنه لا يشرب القهوة لأن شربها يعتبر عند العرب شيئاً بين الأصدقاء والأقارب. وعندما يصل إلى مرحلة شرب القهوة فإن الحديث يصبح في العادة أكثر انطلاقاً، وتبدأ هنا ديناميكية جيدة. وطريقة تقديمها هامة أيضاً ويجب أن تتلائم مع حركاته وردود فعلة. (عميت نافون،2002: أنترنت)
8- أسلوب المدح للمعتقل:‏‏
إذا وجد‏ المحقق‏ أن أساليبه العنيفة في التحقيق قد‏ فشلت‏،‏ يبحث‏ عن‏ بدائل‏،‏ وكمائن‏ جديدة‏،‏ ينصبها‏ للمعتقل‏ لكي‏ يصل لطرف‏ خيط قد يؤدي‏ إلى الاعتراف،‏ والمحقق‏ يدرك‏ أن ظروف‏ التحقيق‏ قد تدفع‏ السجين للبحث‏ عن‏ حبل‏ نجاة، لذلك‏ يحاول‏ أن يقدم‏ فخاً‏ جديداً‏ في طُعم‏ ‏جديد. ويستخدم المحقق لذلك اسلوباً نفسياً ووجدانياً مؤثراً في الطرف المتلقّي (المعتقل)، بتوجيه الخطاب اللين، والكلمة الجذابة، والاستهواء المؤثر إليه. كي يشعر المتلقّي باحترام المحقق الموجه إلى شخصيته، وحسن النيّة تجاهة، والحرص على حفظ مصالحه وكرامته، لتكوين علاقة حسنة بينه وبين الطرف الذي يوجّه إليه الخطاب فيكسب وده وثقته، ويتقبل أفكاره وخطابه. حيث يجلس‏ مع‏ السجين ويكيل له المدائح، وعبارات الإعجاب، بصموده وبطولته، ويقول‏ له‏ (نريد‏ أن نتحدث‏ بصراحة‏ أنا معجب‏ بصمودك‏،‏ورجولتك). وأحياناً يتوسل إليه كرجل بأن لا يتسبب في طرده من العمل وقطع رزقه، وما عليه إلا أن يعترف بالقليل لكي يسجل قضية ويعده بأن يأخذ حكم بسيط، لأن الهدف ليس الاعتراف بل مساعدة المحقق على إنهاء الملف.
9- أسلوب المعامله عكس المتوقع (الأسلوب الناعم):
وهذا الأسلوب يعتمد على فلسفة الاستمالة والترغيب، حيث يقوم المحقق بقلب نظرية التحقيق المعروفه في مخيلة المعتقل، فيعمد هو وعدد من ضباط المخابرات الكبار، إلى أن يستقبلوه باحترام شديد، وكأن شخصية هامه في زياده لمقرهم، حيث يتعاملون معه بأن مركزه ومقداره يحتم عليهم ذلك، وخاصة إن كان ذو مرتبه عسكرية عليا، أو منصب حكومي أو مدني مهم، أو مسئول بارز في تنظيمه، مما يؤثر على نفسية المعتقل ويدخل في نفق الاعتراف، ارضاءاً لغرورة.

تعقيب:.
إن الناس تحركهم في الحياة وفي المواقف الحاجات، وتحقيق الحاجات يجلب لهم اللذة والمتعة، وفقدانهم لها يحيل حياتهم إلى ألم ومعاناة، وهذه اللذة قد تكون لذة حسية (جسديه) وقد تكون لذة عاطفية، وقد تكون لذة عقليه، وهي أعلاها وأفضلها.
واللذة والنعمة تحصل من صحة الحس والحركة الإرادية والطبيعية للفرد، والله خلق الناس على الفطرة السليمة (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله). وقيل إن سبب اللذة هو الإحساس الملائم بالشيء، أي الإحساس بالشيء كما هو في طبيعته العادية. وسبب الألم إحساس المنافي له، أي إحساس الفرد بفقدان الشيء بطبيعته، أو جزءاً من طبيعته العادية، ولا تحدث اللذة والألم بنفس الإحساس والإدراك، وإنما هو بنتيجته وثمرته، الذي يجلب اللذة والمتعة، وهو منَّه من الله تعالى، فمن صحة الحس والحركة الإرادية والطبيعية تحصل اللذة والنعمة، وبفسادها وفقدها يحصل الألم والعذاب. فمثلاً المرض ألم محقق، وزول هذا الألم هو لذه، أي لذة الصحة. والتكدر النفسي هو ألم قلبي، وزواله هو لذة للقلب، والجهل هو ألم عقلي، وزوالة هو لذه للعقل، وهكذا. وأصعب ألم هو الألم العقلي، وأمتع لذه هي لذة العقل. أي أن اللذة تتحقق بنفي الألم، وعودة الشيء لحالته الطبيعية، وليس بالضرورة أن تكون اللذة فقط، بحصول الشخص على منفعة أو متعه معينه، بل تتحقق كذلك ببقاء الشيء كما هو عليه. فإذا اندفع مثلاً عن العقل والنفس والجسم، السقم والمرض، استوفى الفرد حقه ورجع لطبيعته، وتمتع بنعمة الصحة. أي أن الألم في الغالب ناجم عن فقد ما يوجب أن نكون أصحاء به (فزوال الطعام يولد الوهن والضعف)، وإذا حدث لفرد مرض أحدث له ألماً، فإنه يحتاج لمن يشفيه (والشافي هو الله) “وإذا مرضت فهو يشفين”. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم “ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصبٍ ولا همٍ ولا غمٍ ولا أذىٍ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه”. فلا لذة بدون ألم، ولا ألم بدون لذة، لذلك تعتمد معظم الأفكار البشرية وغيرها، على هاتان الفكرتان، كأحد أهم مداخل الإيمان والاقتناع بالفكرة، باعتبار أن السلوك (كل نشاط يصدر عن الكائن الحي – عقلي، وانفعالي، وحركي) لابد أن يعزز ويدعم ويقوى، إما بلذة، أو يدفع ويضعف ويذبل بأذى، أي أن سلوك الإنسان ينطلق من اللذة والألم، وبهما يتحرك لبلوغ غاياته وأهدافه. والإنسان بكليته هو الذي إما أن يجني لذة أو يجني ألم. وباللذة والألم كذلك يتعامل معه الآخرون.
وتحقيق اللذة والمتعة الحسيه لا ضير فيها ولا غبار عليها، في إطارها الصحيح والسليم فإذا وضع الإنسان المتعة واللذة الجنسية مثلاً عبر عمليه الزواج كان ذلك الفعل محموداً عليه، وإذا وضعها كالحيوان بلا ضوابط ولا قيود تحول بها مجرد حيواناً وإن كان يلبس جسداً آدمياً. وقد أقر المولى عز وجل هذه المتعة الحسية وهذه اللذة البدنية بقوله تعالى “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”.
والبعد عن الألم والمعاناة الحسيه كذلك مطلب يجب أن يصرف الإنسان نفسه عنه، والنفس البشريه بطبيعتها تحاول جاهدة تجنب ما يسبب لها الألم والمعاناة، وتهرب بكل قواها من هذا الألم وتلك المعاناة، سواء ألماً ناجماً عن مرض معين، أو عن موقف، أو صدمه أو عذاب في التحقيق، وقد قدر الله للإنسان أن يتجنب الألم عبر نافذتين أو جانبين الجانب الإرادي والجانب اللاإرادي. ففي الجانب اللاإرادي عندما يوخز الإنسان بدبوس تنتفض يداه مبتعدة عن مصدر الألم، وفي الجانب الإرادي لا يقوم الإنسان بلمس جمره من نار أمامه وإن كان في حاجه لها.
وإن من حكمة الله أن جعل للألم موظفان يذودان عنك الجانب الإرادي واللاإرادي، أما في جلب اللذة والمتعة، فقد جعل لك موظفاً واحداً، وهو الجانب الإرادي، لذلك جعل المولى عز وجل العقوبة تنصب على هذا الموظف الذي يجلب لك المتعه واللذة بشكل إرادي، وبالتالي أسقط عن الإنسان ما أجبر عليه من لذة ومتعه بشكل قهري لا إرادي.
والملاحظ أن أغلب عمليات التعذيب النفسي التي تستخدم في أقبية التحقيق الصهيونية، تقوم على هذين المفهومين اللذة والألم (الترغيب والترهيب)، ووفقهما يتعامل المحقق الصهيوني مع المعتقل الفلسطيني، في معظم عمليات التحقيق، لأن الناس في أغلبهم يتفاوتون بالنسبة لهذين الأمرين، فمنهم من تنجح معه عملية اللذة (الترغيب)، ومنهم من تنجح معه عملية الألم والتعذيب (الترهيب)، لذلك يسعى المحقق الحذق بالتعرف على طبيعة هذه الشخصية التي أمامه لكي يتعامل معها وفق ذلك في التحقيق. فعلى المعتقل أن يدرك بأن معركة التحقيق بمجملها، يمكن اختزالها في مفهومين (اللذة والألم). فبالألم يحاربك المحقق، وباللذة أيضاً يحاربك المحقق.
لذلك على المعتقل أن يوطن نفسه على التحكم بهذين المفهومين وفق أسس عقلية وعاطفية، بشكل يستطيع من خلاله أن يحقن نفسه بمصل مضاد من الفهم والمعرفة لهذين المفهومين، بل ويجعل منهما مضاداً حيوياً لعمليات التغرير باللذة أو التخدير بالألم. وعليك أن ترد عليه بنفس سلاحه وبنفس أدواته، وهذا الأمر في غاية البساطة، فما عليك إلا أن تقلب المعادلة، فتجعل من الألم لذة، ومن اللذة ألم بعكس ما يريد ويصبو، وهذا يتطلب لعزيمة وإرادة قويه.
والمحقق الصهيوني يرتكز أغلب عمله في استخدام عملية اللذة والألم عبر أساليب الثواب والعقاب (الترهيب والترغيب) سواء على المستوى الجسدي أو النفسي أو العقلي. ويحاول أن يحقق لك لذة آنية قد تكون جسديه، أو حسية، أو حاجه أو مطلب مادي معين، وقد يعدك ويمنيك بتحقيق لذة معنويه فيما بعد، وفي نفس الوقت يضغط عليك بالألم والعذاب، أو يتوعدك بذلك، وفي كلا الحالتين يستخدم جسدك معبراً لتحقيق عوامل اللذة والمتعة الحسيه لك.
وأما اللذة العاطفية والألم العاطفي، فهما من طبيعة هذا الكائن البشري، فكثيراً من الناس، تحركهم هذه اللذة وتتحكم في كيانهم وحياتهم، وكم من عاشق ولهان ومحب متيم وجد في الغرام العاطفي والمعنوي لذة لا تضاهيها لذة ومتعه لا تساويها متعه، وكم من محبوب يضحي بقيم مادية ولذة حسية في سبيل تلك اللذة والمتعة العاطفية.
والعاطفة من صفات النفس البشرية تلك النفس التي هي عبارة عن مركب من الجسد والروح، والعواطف توجد من خلال هذا الاندماج، فهي ليست صفات وخصائص للجسد، وفي نفس الوقت ليس من خصائص وصفات الروح، بل هي نتاج لهما معاً، وبالتالي فإن اللذة والمتعة بشريه، وإن كان لبعض الحيوانات نصيب منها مثل عاطفة الأمومة، وما يحققه جلب هذه العاطفة لها من لذة ومتعه، وما يؤثر فقدانها من ألم.
والمحقق يستغل أيضاً العاطفة البشرية، التي لا يتجرد منها أي إنسان بطبيعته وكينونته البشرية، حيث يعمل على توظيفها بما يخدم مصالحه ورغباته، فيجعل مثلاً من عاطفة الأبوة والأمومة وسائل ترغيب وترهيب، وعوامل لذة وألم، حيث يثير في المعتقل الشجون العاطفية تجاه زوجته وأولاده، أو اتجاه والديه وأصدقائه، أو تجاه خطيبته ومجبوبته… الخ ويستمر يضرب على هذا الوتر، ليدغدغ عواطفه ويفجر انفعالاته، ويوقظ وجدانه، لكي يجعله يبحث عن طريق مهما كان، لكي يصل إلى ما انقطع عنه من لذة ومتعه عاطفية، فيستجيب للمحقق الذي يقوده إلى البوار والخسران.
ولكن على المعتقل أن يعكس ما فجره المحقق من عاطفة، بأن يوظف ذلك في الاتجاه المعاكس لرغبته، حيث يجعل من عاطفته لزوجته، وأولاده، وأبيه، وأمه، وإخوانه، وأصدقاءه، وقوداً لصموده من أجلهم ومن أجل رفعة رأسهم عالياً ومن أجل الوصول إليهم بأقرب وقت ممكن وهذا لا يكون إلا عبر صموده. وكذلك على المعتقل أن يعمل بكل ما في وسعه على فتح قلبه على مصراعيه لمشاعر الحب الزائد للمعاني التي قاتل من أجلها، ويجعل سعادته في تحقيق النصر.
وأما اللذة العقلية، والألم العقلي فهما أيضاً محط استغلال من المحقق في عملية التعذيب، وإن كان ذلك بنسبه أقل من غيرها، حيث عبر اللذة والألم العقلي يحاول أن يوهمه ببعض الأشياء العقلية التي يحاول من خلالها أن يبث في عقله مفاهيم وآراء جديده خلال عمليات الخداع وغسيل الدماغ والإيحاء الكاذب، كما يحاول أن يبث فيه ألماً عقلياً كأن ينفث فيه تأنيب الضمير مما قام به.
ولكن على الفرد أن يجعل من اللذة العقلية، والألم العقلي أكبر رصيد له في مواجهة المحقق، حيث أن اللذة العقلية أسمى وأرفع من اللذة الجسدية والعاطفية، لأن اللذة العقلية أطول وأدوم أثراً منهما، وأكثر نفعاً وقيمه منهما، فمثلاً قيمة العلم والفكر، أفضل عند الناس، وعند الله من القيمة الحسيه كالمال، ومن القيمة المعنوية العاطفية، باعتبار أن عالم العقول أرقى وأنبل لأنه ينتمي إلى عالم الروح التي هي من أمر الله سبحانه وتعالى. وبالتالي يجب أن يوطن الفرد نفسه في حياته قبل وبعد الاعتقال والتحقيق على البحث على اللذة العقلية، بالدرجة الأولى، قبل البحث عن اللذة العاطفية، أو اللذة الحسيه، وبالتالي تجنب الألم العقلي قبل تجنب الألم العاطفي والجسدي.
ويجب على المعتقل أن يعمل على مصل ذاته بكميه من المشاعر الإيجابية كالتفاؤل، والعمل على زيادة التخيل بالصور الإيجابية التي تقوي من عزيمته في مواجهة المحن والشدائد، -خاصة محنة التعذيب داخل السجن- وأن يعمد إلى تغيير توقعاته من الأسوأ إلى الأحسن، مما يعزز من الصحة النفسية لديه، ويتوقف عن حقن نفسه بأحاديث النفس الداخلية السلبية، ويحقنها بكميه كبيره من الحديث الداخلي المشجع. وعليه أن يطرد خاصة فكرة الشعور بالذنب، وأن يقنع نفسه بأن هذا الموقف أو البلوى أو المحنه أو الألم الذي هو فيه، ليس بسبب قصور أو عله فيه، بل هو جزء من طبيعة العمل الذي يقوم به، ويشخص محنته بأن جميع الأنبياء والمصلحين والثائرين في العالم يواجهون ما يواجه، فالأمر لا يتعلق بخطأ ما أو موقف جزئي، إنما هذه حقيقة الصراع بين الحق والباطل والخير والشر، والمقاوم والمحتل.
إن استحضار المعتقل أنه في معركة التحقيق، وأن عليه أن يحقق النصر، يجعله يحلم بذلك، ويجعل شعارة حاضراً أمامه على الدوام، (إما النصر وإما الشهادة). وكلا الهدفين يحققان له السعادة لكونها جماع الأمر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، (فأجمل فكره في الحياة هي نشوة النصر ، وأفضل جائزة في الآخرة هي نيل الشهادة)، إن هذه المعاني وحدها هي التي تقهر المحقق، وهي التي تمد المعتقل بالقوة الجبارة التي تجعله يتحدى كل آلامه ومعاناته في التحقيق.
لذلك كن على يقين أخي المعتقل بأنه إذا أصابك ألم، فإن لهذا الألم مهما طال نهاية، ولكن الألم الحقيقي هو الألم الذي يصاحبك ويلاحقك في كل يوم وأنت بين جدران المعتقل تقضي سنوات عمرك، أو خارج المعتقل بين أهلك وذويك. وتذكر أن الألم هو أن تنظر في عين زميلك الذي اعترفت عليه، وأن الألم هو ما سببته للآخرين من عذاب ومن معاناة، وأن الألم هو إغضاب الرب عليك لأنك خنت الأمانة التي حملتها.
وفي المقابل تذكر أن اللذة والمتعه هي في احتفالك مع ذاتك بالنصر على المحقق، وباحتفاء إخوانك بك وتقديرهم لك واعتزازهم بك، وأن اللذة والمتعة ليست هي اللذة والمتعة الحسيه والجسدية، إنما هي المتعة واللذة العقلية، فاللذة الجسدية والحسيه تشترك فيها مع أرذل الحيوانات، أما اللذة العقلية فلا يشاركك فيها أحد من مخلوقات الله، منحها الله لك، فاستغلها واحرص عليها.
وكذلك اقترب من الله – لا تجعل بينك وبينه حجاب- أعلم أنه معك ولن يتركك أبداً، عش في معيته، ومن يعش في معيته لن يخذله أبدا،ً وكلما قرب الوهن والضعف منك تذكر قوه الله وعظمته وجبروته، وأعلم أنه لابد لمن ينتسب لهذا الدين وهذا الوطن من أن يكون قوياً شامخاً عظيماً في مثل هذه المواقف الصعبة.

تمهيد:
إن فكرة الاعتراف لدى المحقق الإسرائيلي، تشبه دحرجة صخرة عن تله إلى الهاوية، هذه هي الطريقة التي يتم بها الخداع الاستدراج والتوريط ، حيث يتم أخذ الشخص المستهدف، وجعله يتدحرج في السقوط تدريجيا.
إن من المعلوم أن الحرب خدعة، والتحقيق لكونه نوعاً من أقسى واشد أنواع الحروب بين المحقق والمعتقل (رغم عدم التكافؤ في هذه المعركة)، يعتبر كذلك خدعة، وبالتالي فإن المحقق الصهيوني قد أكثر في الآونة الأخيرة (خاصة في مرحلة التسعينيات) من استخدام أساليب الحيل الخداعية. رغم أنها ليست وليدة الواقع، أو ابتكار الحاجة، بل هو أسلوب تلجأ إليه الحيوانات للتخلص من عدوها، ويلجأ إليه الإنسان لتحقيق أهدافة.
وقد عرف بعض العلماء الحيل الخداعية بأنها: ” فن تخطيط مجموعة من الإجراءات المنسقة وتنفيذها بإخفاء الحقائق، لإقناع الجهة المستهدفة بهذه الحيل الخداعية “.
كما قال عنها آخرون بأنها تعني ” قيام شخص ما بالتظاهر بحالة تختلف عن الحالة الحقيقية له، مما يؤدي إلى إحداث شعور كاذب لدى المعتقل بالتصديق لهذه الحالة والتفاعل معها، والعمل على تنمية هذا الشعور حتى يتمكن استغلاله لتحقيق ما يريد “.
ويمكن أعتبار أن المخادع بشكل عام بأنه: ” كل من يقوم بالاستيلاء والسيطرة على ما يمتلك الآخر من أشياء (مادية أو معنوية)، ويمارس مع ضحيته أساليب ووسائل ضاغطة (حادة أحياناً) بحيث توصل الضحية إلى التسليم عبر ذلك الضغط إلى القبول بالحيلة الخداعية، ودفع الثمن المطلوب جراء ذلك”.
ويرى (لونيل فنكلشتين) ” أن المحتال أو المخادع شخص ينتحل اسماً أو هوية، بغرض خداع الآخرين. وهو نوع من الكذب الممنهج الذي يأمل صاحبه أن يخدع به ضحيته”.
والمخادع ينجح ولو لفترة على الأقل في إبهار ضحيته وحملها على تصديق خداعه، أي إن لعب الدور لديه مهنة، وهي أشكال من البراعة الذي يتضمن سلوكاً تكرارياً يؤدي لخداع الخصم. كما يشكل الجهل وانعدام الوعي وغياب الحس الأمني لدى الكثير من العناصر ركيزة أساسية يعتمد عليها ضابط المخابرات بانتهاج هذا الأسلوب.
وقد عمدت المخابرات الإسرائيلية لاستخدام الأساليب والوسائل الخفية والملتوية من الخداع، للحصول على المعلومات المطلوبة. (بليدوسكا، ويلوتش،1991: 63)
هدف الخداع والحيل الخداعية في التحقيق:-
إن الخداع في حد ذاته، ليس غاية أو هدف، إنما هو وسيلة لإحداث واقع مناسب وملائم للاعتراف، إذ أن الهدف من كل العمليات الخداعية هو الوصول بالمعتقل إلى مرحلة الاعتراف، أو الانهيار، أو حتى التعامل مع العدو.
كما يهدف الخداع إلى جذب المعتقل إلى هدف المحقق ومبتغاة بطريقة قد يشارك نفس المعتقل فيها أحياناً، وذلك من خلال نظرية الحشد، التي تعتمد على حشد جميع الظروف من حوله لتسويغ هذه الفكرة والقبول بها، سواء كان ذلك أفراد أو أدوات.
وكذلك يهدف الخداع إلى تشتيت التركيز للمعتقل على أسلوب معين، حين يكون المعتقل في حالة شحذ ذاتي وتحفيز كبير على تلقي الضربات المؤلمة والموجعة في التحقيق، لكن أسلوب الحيل الدفاعية، يفرغ هذا التحفز، بل وأحياناً يجعل حالة من الاسترخاء الذهني والعضلي والنفسي، مما قد يجعله أكثر تقبلاً للعملية الخداعية. كما أن الحيل الخداعية تهدف كذلك إلى تضليل وعي المعتقل، وإدخال تفكيره في مزاريب من المتاهات التي لا تستقر إلا عبر نفق الاعتراف المظلم. إن الخداع سيظل العامل الحاسم في تحقيق النجاح ضد المعتقل، حيث يخلق الظروف المناسبة لإنجاح هذه العملية باعتباره في حد ذاته لا يعد هدفاً، بل وسيلة تقود إلى تحقيق الهدف المنشود.
أهمية الخداع والحيل الخداعية:
تبرز أهمية العمليات الخداعية كأحد أهم طرق وأساليب التحقيق في العصر الحديث، لذا تم تعميم هذا الأسلوب في جميع أجهزة المخابرات، بما فيها المخابرات الصهيونية.
وقد ازداد أهميتها في النتائج الباهرة التي حققتها بالنظر للأساليب الأخرى، حيث يمكن عن طريقها تحقيق هدف التحقيق بأسرع وقت ممكن، وأقل مجهود يبذل، وقد تطورت في الآونة الأخيرة وسائل الخداع بشكل كبير، لأنها عملية ناجحة في أغلب الأحيان.
ويلعب الخداع والحيل الخداعية دوراً مهماً وأساسياً في نجاح كثير من عمليات التحقيق في أقبية الزنازين الصهيونية، حتى غدا الخداع هو الأداة والأسلوب الأهم لدى المحققين الصهاينة، لما أحرز من نجاحات للمحقق الصهيوني، وقد اتضح ذلك من خلال الإكثار من استخدام هذا الأسلوب، حيث أن الكثير منهم قد فضلوا استخدامه من خلال التخطيط الجيد، والتطبيق الحاذق والماهر لأسسه وقواعده.
أركان العملية الخداعية:
وللعمليات الخداعية في التحقيق، أركان ثلاثة لا تتم إلا في ظ ل وجودها وهي:
- المخادع (المحقق): ضابط التحقيق، أو طاقم التحقيق، الذي يقوم بالتخطط للعملية. والذي ينفذ هذه العملية الخداعية في التحقيق، ضد المعتقل الفلسطيني هم في الغالب: (ضباط التحقيق، أو طاقم التحقيق. وخبراء أخصائيين (خاصة نفسيين) من خارج طاقم التحقيق. والجيش والشرطة الإسرائيلية) عند الحاجة. والعملاء والخونة والجواسيس. والمنهارين، أو المعترفين من المساجين (خاصة أبناء القضية) عبر الضغط، أو الإغراء لهم. والسذج والبسطاء وخاصة من السجناء أوالأهل والأقارب وغيرهم ).
- المخدوع (المعتقل): وهو الشخص المعتقل الخاضع لعملية الاستجواب والتحقيق، من قبل محققين مختصين.
- العملية الخداعية (أدوات ووسائل): وهي مجموع الوسائل والأدوات البشرية وغير البشرية، التي تستخدم في تنفيذ عملية الخداع.
مراحل عملية الحيلة الخداعية:
كما هو معلوم فإن عملية الحيل الخداعية أثناء التحقيق مع المعتقل، تتم على شكل مراحل تخدم بعضها البعض، بحيث تسلم كل مرحلة إلى التي تليها، لكي تنتج عملية متكاملة الأطراف والمرامي. ومن أهم هذه المراحل: (دراسة حالة المعتقل- انتقاء الأسلوب المناسب للخدعة- انتقاء أدوات الخدعة (البشرية والمادية)- خلق الظروف المناسبة (الزمان والمكان)- الإيحاء بعكس الخدعة- التحضير الذهني للمعتقل- مسرح العملية الخداعية). ولا بد من استعراضها للتعرف عليها أكثر:
مرحلة دراسة حالة المعتقل: وذلك عبر فريق العمل الجماعي من قبل المحققين المكلفين بالتحقيق في قضية المعتقل، حيث يتم دراسة جميع حيثيات الملف والتقارير الواردة فيه، بما فيها الجوانب النفسية والجسمية للمعتقل، ثم لا يُكتفى بذلك بل يقوم أحيانا عدد من المحققين بأنفسهم أو بالاستعانة ببعض الأخصائيين النفسيين بمقابلة المعتقل والتحدث إليه والتعرف على شخصيته، حيث أن لكل معتقل ما يناسبه من الحيل الخداعية.
- مرحاة انتقاء الطريقة والاسلوب: وتتم هذه العملية عبر فريق التحقيق الذي يعمل على التعرف جيداً على شخصية المعتقل بجميع مكوناتها، ثم يقرر بعد ذلك الأسلوب الأمثل والأفضل للتعامل معه، وذلك بدراسة عدة خيارات من الحيل الخداعية التي يمكن ممارستها معه، كأن تكون الحيله مباشرة أو غير مباشرة، أو كلا الأمرين معاً .
- مرحلة تحضير المعتقل (ذهنياً ونفسياً): وهي المرحلة التي يعمل المحقق فيها على جعل المعتقل متقبل لعملية الخداع (كأن يوهمه بأن التحقيق قد إنتهى معه، ثم يقوم بإنزاله إلى الزنازين، مما يجعله في حالة استرخاء وعدم استنفار، ويجعل الحيلة أكثر فاعلية وأكثر قوة وتأثير عليه.
- مرحلة انتقاء الأدوات (البشرية والمادية): يقوم بعد ذلك فريق التحقيق باختيار أدواته لتمرير الحيلة الخداعية على المعتقل. سواء الأدوات البشرية (كاختيار المحقق الأنسب لذلك، أو الاستعانة بخبراء في علم النفس، أو قد يستخدم عملاء أو أشخاص منهارين ومعترفين، أو سجناء سذج ومغرر بهم، أو قد يستخدم أطقم كاملة من الجيش أو الشرطة بحسب الحالة). أو الأدوات المادية (كأن يستخدم للحيلة الخداعية غرف بها أجهزة تنصت أو تصوير، أو يستخدم جهاز التسجيل، أو الصور المدبلجة، أو التواقيع المزورة، إلى غير ذلك من الأدوات المادية).
- مرحلة خلق الظروف المناسبة (الزمان والمكان): على صعيد الوقت (الزمان) فإن الحيلة الخداعية قد تكون أحياناً في الفترة الأولى من الاعتقال، حيث تعتبرالوقت الأنسب لتمرير الخداع، وأحياناً أخرى قد يكون الوقت الأنسب في أخر مرحلة من التحقيق، كما أنه في بعض الأحيان ما يتم استخدام الأسلوب الخداعي قبل استخدام أي أسلوب آخر من أساليب التحقيق، وأحيانا أخرى قد يستخدم الأسلوب الخداعي بالتزامن مع الأساليب الأخرى، وفي بعض الأحيان قد يستخدم كأخِر أسلوب بعد استنفاذ جميع وسائل وأساليب التحقيق مع المعتقل.
وأما على صعيد المكان، فقد يكون مردوان التحقيق، أو غرف التحقيق، أو الزنازين، أو غرف الزيارة للصليب الأحمر أو المحامي أو غرف التوقيف، أو غرف العار (العملاء)، أو أماكن مقصودة خارج المعتقل، كالترحيل من معتقل لآخر، أو الإبعاد للخارج، وما إلى ذلك من الأماكن التي ينتقيها طاقم التحقيق بكل دقة وعناية.
العملية الخداعية (الاجراءات):
وتنفيذ الاجراءات العملية للخطة الخداعية تحتاج لنجاحها لبعض الأمور الهامة مثل:
1- أمور تتعلق بالمحقق لنجاح الخداع:
أ) صفات ومؤهلات المحقق:
– ذكاء ضابط التحقيق، واختيار الضابط المناسب لذلك، من أجل القدرة والإمكانية الجيدة في السيطرة على العملية الخداعية، (بشكل مباشر أو غير مباشر).
- الخبرات السابقة الجيدة لضابط التحقيق، وممارسته لهذا الأسلوب في السابق بنجاح.
- القدرة على التحكم في الوقت والجهد أثناء التنفيذ.
- الإلمام الوافي والواعي بحالة المعتقل بجميع جوانبها قبل البدء في التنفيذ.
- القدرة على التحضير الملائم للمعتقل لتقبل الخداع ببث الطمأنينة والراحة الأمنية له.
- العمل على توفير وتحضير المواد والأدوات المناسبة واللازمة للعملية.
- القدرة على الاستعانة بالعملاء والمساجين الآخرين، في تنفيذ العملية الخداعية.
ب) قواعد يلتزم بها المحقق في الممارسة:
- يعمد المحقق إلى اعتماد مركزية السيطرة في العمل الخداعي، حيث يلزم للخداع السيطرة الحازمة والمركزية على كل إجراءات الخداع بواسطة طاقم التحقيق، وعدم اعتماد أساليب خداعية عفوية أو عشوائية، يمكن أن تحفز المعتقل وتثير فيه الشكوك.
- وينتهج في ذلك السرية التامة عند تنفيذ إجراءات الخداع، بحيث يفرض عدم التحدث في هذا الأسلوب بين ضباط التحقيق إلا عبر غرف مبطنة الأبواب.
- كما يسعى إلى الإعداد الجيد والمنسق لكل إجراءات الحيل الخداعية بما يتناسب وحالة المعتقل وإمكاناته وقدراته وطبيعة ومعتقداته، ومستواه الإدراكي، وما إلى ذلك.
- ويحرص كذلك على الدقة في التخطيط، بحيث يستخدم حيل خداعية، بمستويات عالية جداً من التخطيط الجيد والمناسب من خلال الخبرة والوعي الأمني.
- ويهتم المحقق بأن تكون الحيلة الخداعية ذات قابلية لعملية التجديد والابتكار، بحيث يطور ويجدد دائما أساليبه من وقت لآخر، خوفاً من انكشاف هذا الأسلوب أو ذاك .
- وكذلك يهتم بأن تكون الحيل الخداعية، ذات اتجاهات متعددة، وتشعبات متنوعة، حيث يستعمل أكثر من نوع من الخداع، ويستخدمه بثوب جديد بين الفينة والأخرى.
- كما يهتم بأن تكون الحيل الخداعية ذات شمولية، أي تغطي جميع أوجه مراحل التحقيق، وتمتد على مساحة واسعة منه، قد تستمر منذ بداية التحقيق وحتى نهايته، وقد تمتد إلى ما بعد ذلك، ضمن أدوات ووسائل وأساليب يحددها المحقق ويقتنع بجدواها.
- ويهتم بأن تكون الحيل الخداعية مرنه وغير متقولبة في قوالب جامدة، لدرجة القدرة على التغيير فيها بما يناسب وحالة المعتقل ونفسيته، وتغيير أنواع الخداع بأكثر من طريقة وأسلوب وبأدوات ووسائل متغيرة ومتنوعة حسب القصد والهدف المطلوب.
- ويهتم بأن تكون الحيل الخداعية ذات فعالية، ولا تستخدم حيل قليلة القيمة والتأثير والفاعلية على المعتقل.
- ويعتمد في إيصال المعلومة للمعتقل، على تعدد قنوات الاتصال، بحيث يتم بتصدير المعلومة للمعتقل عبر نشاطات خداعية متكررة ومتنوعة، عبر المحقق أو العميل.
- ويعمد إلى تسريب المعلومات المقصودة واللا زمه للعملية الخداعية للمعتقل، بطريقة ذكية عبر المحقق أو العميل، أو عبر بعض المعتقلين السذج.
- ويحرص المحقق كذلك إلى إيصال الحيلة الخداعية للمعتقل، بأسلوب مقبول، وطريقة مريحة له، بحيث لا يشك فيها أو يرتاب منها.
- ويعمل كذلك على إسباغ الصدق الخادع (خداع الصدق) على أقواله وحيله الخداعية وذلك برصيد من المعلومات الصادقه غير المبالغ فيها كي تنطلي الحيلة على المعتقل.
- ويلتزم المحقق التنسيق المتواصل في الحيلة الخداعية بينه وبين طاقم التحقيق، بحيث يؤدي كل ضابط ما يطلب منه، وقد يستعان بعملاء لتمرير هذه الحيلة الخداعية.
2- أمور تتعلق بتحديد الطريقة:
وللعمليات الخداعية في التحقيق، طرق كلها تقريباً متداخلة ومتشابهة ومتشابكة مع بعضها البعض، ويمكن التعرف عليها بشكل أفضل خلال الممارسة العملية لها وهي:
-طريقة الإيهام: للحصول على تأثير فعال وفق هذه النظرية، فإن أجزاءها يجب أن تكون مقبولة (للمعتقل) ظاهرياً، أي معقولة، وتلقى اهتماما بقدر كاف من قبله بحيث لا يمكن تجاهلها والشك فيها، مما قد يؤدي إلى تأخره في اتخاذ قراره بالتفاعل معها (كأن يوهمه بأن زميله قد اعترف عليه ويزور له اعترافه).
- طريقة التضليل: يعمل المحقق على تقليل عملية الغموض لدى المعتقل، والعمل على جذب انتباه المعتقل نحو الحيلة الخداعية والقيام بالتركيز عليها، ومن ثم التفاعل معها (كعملية تضليلية) كأن يقوم بترحيله إلى خارج الوطن،.حيث يتم تضليله بوسائل وأدوات بشرية وغير بشرية لذلك الغرض.
- طريقة التمويه: كأن يذهب به إلى غرف العملاء، ويموه عليه بأنه داخل غرف مناضلين.
- طريقة الخداع: كأن يسمعه صوت والده أو والدته وهم في الغرفة المجاورة يحقق معهم بشدة.
- طريقة الحيلة: كأن يقوم أحد ضباط المخابرات بدور الرجل الطيب الذي يقف معه ويدافع عنه في وجه المحقق الشرير الذي يحاول أن يفتك به.
3-أمور تتعلق بخصائص الخطة الجيدة:
- حبك الخطة والتمثيلية بشكل جيد، بحيث يمارس المحقق دوره فيها بالشكل المعد له، وذلك بالتقييد الدقيق بالخطة المعدة وعدم الخروج على النص والسيناريو المرسوم لها.
- الترابط المنطقي لمراحل الخطة الخداعية وجزئياتها وفروعها، وعدم تناقض تفاصيل الخطة، أو تضاربها، بل على العكس لا بد لكل جزء من أجزائها أن يكمل الآخر إلى أن تكتمل الصورة بإكتمال كل حلقاتها وأجزاءها بشكل مناسب.
- البعد عن الغموض والضبابية، خوفاً من إثارة المعتقل وجعله يشك في العملية، لأن الغموض يولد التساؤل، والتساؤل غير مرغوب فيه، لأنه التفكير الذي قد يؤدي للشك.
- عدم المغالاة والتطرف في التمويه، لأن ذلك قد يثير انتباه المعتقل خاصة إذا كان صاحب تجربة سابقة، باعتبار أن الانتباه والتركيز من قبل المعتقل عدو كبير لذلك.
4- أمور تتعلق بممارسة الأساليب المستخدمة:
- إخفاء هدف الحيلة الخداعية: يحاول المحقق أن يكون بارعاً في إخفاء هدفه من العملية الخداعية، ويحاول التظاهر بشكل طبيعي، بحيث لا يلفت النظر بحركة أو سكنه أو يتخذ موقف غير عادي يثير شكوك المعتقل. يروي أحد المعتقلين مثالاً يوضح ذلك فيقول: ” قام المحقق بإبلاغة بأن له زيارة للمحامي أثناء التحقيق وبالغ في أن ذلك، حيث ادعي بأنها جاءت بسبب ضغط الصليب الأحمر، وفي غرفة زيارة المحامي، أرسل المحقق معه جندياً من أغبى الجنود في مردوان التحقيق – يعرف المساجين كل سجان من خلال الخبرة المتراكمة من بعضهم البعض- وعندما نزل المعتقل إلى غرفة المحامي، لفت نظره بأن هذا الجندي (بعد رفع الكيس عن وجهه) هو جندي معروف عنه عدم الذكاء، ثم زاد الشك لديه بأن هذا الجندي يقف بعيداً عن الطاولة بالقرب من باب الغرفة التي يجلس عليها المعتقل والمحامي -من المعلوم أن الجندي يقف بجوار طاولة المحامي- والذي أثار استغرابه أكثر، أن هذا الجندي كان يدير ظهره له وللمحامي. ويقول هذا المعتقل كل هذه الملاحظات جعلتني من خلال الخبرة، أجمع صورة الموقف بشكل كلي وأعرضها على العقل، الذي أصدر أوامره بأخذ الحيطة والحذر، تحسباً أن تكون هذه العملية إحدى الحيل الخداعية. وقد تبين فيما بعد بأن هذا الجندي كان يحمل مسجلاً ليسجل بواسطته كل ما يدور في الجلسة.
- التلقائية والعفوية (التقليد): يعمل المحقق على الظهور بمظهر التلقائية والعفوية في السلوك الخداعي، ولو حدث شيء معين يثير المعتقل، يفسره بشكل طبيعي وتلقائي. وذلك كمثل أن يتظاهر المحقق بأنه قد أرهق مع عملية التحقيق لكي يدع المعتقل يطلع على وثيقة يريده أن يطلع عليها.
- التمثيل البارع: المحقق يكون في هذا الأسلوب ممثلاً بارعاً لدية القدرة على تقمص الأدوار، ونسج الموقف الخداعي بكفاءه، أي يكون ممثلاً بارعاً يندمج في دوره جيداً. (كمثل إدعاء أحد ضباط التحقيق، أنه يريد كأساً من القهوة، فيصيح بشكل عصبي على المستخدم اليهودي في مردوان التحقيق بأنه يريد قهوة، ولكن لا يرد عليه أحد، فيخرج من الغرفة وهو يهدد ويتوعد ذلك المستخدم، ثم يغادر الغرفة للبحث عن المستخدم طبعاً كان في الغرفة اثنان من أبناء القضية الواحدة كان قد استدعاهم للتحقيق، وهو يخفي في خزانة الغرفة ضابط مخابرات آخر وبمجرد أن ترك الغرفة انتهز أحد المعتقلين الموقف (وقع في الشرك) وتحدث لزميله قائلاً: (العملية الفلانية لم أعترف عليها وإذا سألوك عنها فلا تعترف).. وبمجرد أن أنهى كلامه خرج الضابط المحقق من الخزانة وهو يصفق ويضحك ويصرخ فرحاً مما سمع، ثم دخل الضابط الذي تظاهر بالخروج من الغرفة هو وطاقم التحقيق كله مهللين وفرحين بهذا الإنجاز الذي تم تحقيقه من خلال هذه الحيلة الخداعية).
- قوة التضليل: وهذه العملية تمثل مجموعة من الإجراءات المقصودة التي يتم تغذية المعتقل بها عبر معلومات مزيفة، تتخللها في الغالب معلومات صحيحة وحقيقية، بحيث يصعب معها التفريق بين هذه المعلومات، ولا يستطيع أن يعرف الزائف من الحقيقي منها، وبالتالي يصبح من السهل تصديقها والإيمان بها، مما يؤدي بالمعتقل إلى جعله يقع في تقدير خاطيء للموقف الخداعي الذي هو فيه. (وسوف نستعرض لاحقاً مثالا على هذا الأسلوب الخطير جداً، حول قصة المعتقل الذي حاول خداعهم فذهبوا به لنهر الأردن للتهجير….. ولكن هناك تم خداعة)
- خداع الإغراء: وتعتمد على تقديم للمعتقل فرصة أو حاجة تعزز لديه تقبل العملية الخداعية، بحيث يفكر باستغلال الفرصة التي تعرض عليه، وذلك خوفاً من ضياعها. ومن ذلك عملية الإغراء الإيجابي، (كقيام المحقق بإقناعه بأنه سوف يطلق سراحه إذا اعترف، وذلك مكفول له بكبار الضباط، فيصدق المعتقل الساذج هذه الخديعة المقرونة بإغراء كبير، وقد يتنكر له ضابط المخابرات، ولا يفي بوعده). أو عمليات الإغراء السلبي (كوعد المعتقل مثلاً بأن لا ينفذ ضده، إذا اعترف هدم البيت الذي يمتلكه، أو عدم مصادرة ممتلكاته، فيوافق المعتقل على العرض ويدلي بالاعتراف المطلوب).
- تعميق اللامبالاة: إن اللامبالاة من أهم المنافذ التي يعتمد عليها المحقق في تمرير عملية الخداع، لأن اللامبالاة تقتل عملية الحرص والحيطة والحذر، بخلاف اليقظه. لذلك يسعى المحقق لتعميق اللامبالاة وعدم الاهتمام من قبل المعتقل لما يدور حوله.
- تكرار الموقف: بأن يواصل المحقق تكرار موضوع معين أو قصة معينة ترسخ مع عملية التكرار في ذهن المعتقل، مما يوجد لها واقعاً في كيانه، وبالتالي حين يتم طرحها عليه من قبل المحقق تلقى قبولاً في نفسه.
- الشك والريبة: إن نجاح عملية الحيل الخداعية يتوقف على زرع بذور الشك والريبة لتهيئة الظروف لنجاح العملية الخداعية.(كمثل أن يقنعه بأن قيادته في الخارج هي التي تخون، وأن المعلومات التي حصل عليها من أعلى المستويات في التنظيم).
- الخطأ المتعمد: يوهم ضابط التحقيق المعتقل بأن الموضوع قد وقع فيه خطأ ما، (هذا الخطأ مزيف)، وأثناء ذلك يمرر المحقق خطته، (كقيام ضابط المخابرات بجعل المعتقل يطلع على ملف أمامه بقصد منه، وكأن ذلك قد حدث خطأ منه).
وعمليات الخداع في التحقيق، تعتبر من الأساليب العقلية، وهي تنقسم لقسمين هما: القسم الأول: أساليب الخداع المباشرة، وتتم بواسطة محقق واحد أو مجموعة محققين. والقسم الثاني: أساليب الخداع غير المباشرة، وتتم بأدوات تقنية، أو ببعض العملاء.

القسم الأول: أساليب الخداع المباشرة (عبر المحقق):
وهذه الأساليب يتم تنفيذها بطريقتين، إما بالحيل الخداعية المباشرة، أو بالخداع العقلي.
أولاً: أساليب الحيل الخداعية المباشرة:-
وتعتمد أساليب الحيل الخداعية في التحقيق على الخداع البشري المباشر من قبل المحقق بالدرجة الأولى. و الخداع البشري المباشر هو تلك الإجراءات التي يستخدمها المخادع أو المخادعين في إخفاء حقيقة أنفسهم طبقاً لظروف وواقع العملية الخداعية. وتتم هذه العمليات في التحقيق في السجون الصهيونية بشكل مباشر من محقق صهيوني واحد، إذا كانت فردية، أو عبر مجموعة من المحققين بشكل مباشر اذا كانت جمعية، أي تحتاج لأكثر من محقق لممارستها. وقد يساعدهم أحياناً طاقم من الخبراء النفسيين أو الفنيين أو الشرطة، أو الجيش، بحسب حاجة التحقيق.
1- أسلوب خداع فكرة التعامل:-
يظن بعض المعتقلين أن باستطاعته أن يناور في التحقيق، لدرجة أنه قد يحاول أن يعرض التعامل، أو يوافق عليه اذا عرض من قبل المحقق، بقصد الخداع والحيله، وكلا الأمرين سواء طرح من ذاته أو من قبل المخابرات، هو بداية الهاوية، لأن هذا الأمر خط أحمر لا يجوز حتى المناورة به بتاتاً، ياعتبار أن جميع أوراقة في يد المحقق الصهيوني، مما قد يؤدي في النهاية لكارثة على المعتقل لا تحمد عقباها بتاتاً. إن المعتقل الذي يعتقد أنه يستطيع التمثيل عبرهذه الفكرة خاطيء جداً، لأن الخطورة في هذه الفكرة هي القبول بها في التحقيق، حتى ولو بقصد الخداع للمحقق، لأن القبول بفكرة التعامل للتخلص من التحقيق، حتى عن قصد وحيلة، تعني في حد ذاتها لدى المحقق نصراً لأنها تعني الانتقال من بداية الرفض المطلق، إلى بدء التجاوب الذي يعتبر بداية لتغيير مسار التحقيق، كما تعطي المحقق بصيصاً من الأمل في خضوع السجين واعترافه. لذلك سوف يسارع المحقق إلى القبول بالفكرة، ويقول للمعتقل بكل خبث ودهاء ” لقد‏ أحسنت الاختيار‏،‏ وأنقذت نفسك أنا موافق على طلبك، ولكن لا‏ أملك‏ قراراً الآن وسوف‏ أعرض‏ ذلك‏ على‏ لجنة‏ التحقيق،‏ وأنا سأؤيد‏ الفكرة وخلال‏ يوم‏ أو يومين‏، سأبلغك القرار ويترك‏ السجين‏ طوال‏ هذين‏ اليومين‏ في‏ دوامة‏ الحلم‏،‏ وبعد‏ يومين‏،‏ يقول‏ له المحقق‏ مبروك‏ لقد‏ وافقوا.. جهز نفسك‏ للإفراج لكن‏ طلبوا‏ شرطاً‏ صغيراً‏ جداً‏ أن تُبدي‏ حسن‏ نية‏،‏ حتى‏ يثقوا‏ بك. (هنا‏ يظهر‏ التردد‏ والقلق‏،‏ والتراجع‏ على‏ السجين) ولكن‏ قبل‏ أن يتفوه‏ بكلمة‏ يعاجله‏ المحقق ما‏ بك‏ هم‏ لا يطلبون شيئاً‏ كبيراً.. أي شيء‏ تافه‏، أي شيء‏ هامشي.. لا يؤثر عليك.. وأنا سوف‏ أباشر بعمل‏ إجراءات الإفراج،‏ وغداً‏ صباحاً‏،‏ ستشاهد‏ الشمس‏،‏ وتستنشق‏ نسيم‏ الحرية‏.. عليك‏ فقط‏ أن تقدم‏ أي شيء‏ صغير‏،‏ ولا تفكر‏ فيه.. انزل‏ الآن للراحة، وبعد‏ ساعتين‏ سأغادر وأريد أن أقدم‏ لهم‏ أي شيء‏ صغير‏ قبل‏ أن أغادر. وسألقاك‏ بعد‏ يوم. ثم يبدأ الانزلاق.
يقول العميل‏ (م.ع).. اعتقلت‏ في‏ بداية‏ السبعينات.. وكنت‏ مناضلاً‏ متميزاً‏ بشهادة‏ العدو‏،‏ والصديق وساومني‏ ضابط‏ المخابرات على‏ التعامل‏ والخروج بعد‏ تردد‏ كبير‏ وافقت‏،‏ وقلت‏ اخدعهم.. طلبوا‏ مني‏ إبداء حسن‏ نية‏،‏ اعترفت‏ على‏ مناضل‏ كنت‏ قد‏ جندته‏،‏ولم‏ اعترف‏ عليه‏ خلال‏ فترة‏ التحقيق‏،‏ وفي‏ ساعة‏ متأخرة‏ من‏ الليل‏ أخذوني بسيارة‏ عسكرية‏ إلى منزل‏ المعتقل‏ ولم‏ يعصبوا‏ عينيه‏،‏ حاولت‏ أن أخفي‏ وجهي‏ حتى‏ لا‏ يعرفني‏،‏ولكنهم‏ أجبروني على‏ الوقوف‏ المباشر.. وما‏ إن خرج‏ المعتقل‏ مع‏ الجنود‏ من‏ الباب.. حتى‏ شاهدني‏ أمامه.. ولا يوجد‏ أحد يعرف‏ انه‏ مناضل‏ سواي هنا‏ صرخ‏،‏ وقال‏ عملتها‏!!؟‏ولم‏ أدري‏ بعدها‏ ماذا‏ حدث.. كل‏ ما‏ اذكره‏ أن مجموعة‏ رشاشات‏ فُتحت‏،‏ ومزق‏ الرصاص‏ جسد‏ المعتقل‏،‏ وتُرك‏ مضرجاً‏ بدمائه‏ على‏ الأرض،‏ وعادت‏ بنا‏ السيارات‏ إلى المعتقل وضميري‏ يصرخ قتلته.. قتلته.. أنت خائن.. أنت خائن.. وبالفعل‏ بعدها‏ أصبحت خائناً وعميلاً… وأصبحت مربوطاً‏ بهم.. لقد‏ ورطوني.. وتحولت‏ تحت‏ ضغط‏ تهديدهم‏ إلى أداة طيعة‏ في‏ يدهم.. ثم كلفوني‏ أن اخترق‏ الجهاز‏ العسكري‏ في‏ التنظيم‏،‏ وأن‏ أقدم‏ معلومات‏ عن‏ المطاردين‏،‏ والقيادة‏ ومركز‏ القيادة‏،‏ وملاجئ المطاردين.. وتحت‏ ستار‏ سمعتي‏ الجيدة‏،‏ والماضي‏ الجيد‏ الذي‏ أحمله خرجت‏ من‏ المعتقل،‏ وحملت‏ السلاح‏ مع‏ المطاردين‏ منذ‏ أول يوم.. وخشيت‏ أن أروي‏ قصتي‏ لأحد.. قدمت‏ معلومات‏ عن‏ ملاجئ المطاردين.. وبعد‏ أيام سمعت‏ عن‏ استشهاد‏ قائد‏ المنطقة‏،‏ وبعدها استشهدت‏ مجموعة‏ من‏ المقاومين. إلى أن تم اكتشافي.
إن هذه الشهادة الحيه من شخص وقع في التعامل، هي تأكيد على أن اللجوءَ إلى هذا الأمر خطأ فادح وقاتل، لأن أسلوب التعامل‏،‏ أسلوب قذر‏،‏ والتفكير‏ به‏ كحيلة‏ لخداع‏ المحققين‏ هو‏ نزغ‏ من‏ الشيطان‏، وموقف يحمل‏ في‏ داخله‏ قابلية‏ للانهيار‏والسقوط‏،‏ لكن المعتقل الذي‏ يحمل‏ في‏ داخله‏ مقومات‏ فكرية صادقه عميقة فإنه‏ مؤهل‏ للصمود.
2- أسلوب خداع فكرة الاعتراف :-
يعضد هذا الأسلوب تلك قصة التي رواها رئيس الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق (يعقوب بري) في كتابة (قادم لأقتلك) حيث يقول: ” إحدى الحيل الأكثر تعقيداً أو دهاءاً والتي ظهرت إلى النور في يوليو 1993 هي (قصة سعيد) وهو مخرب قديم، وهو حبة جوز قوية جداً لا يمكن كسرها، وقد كانت المعلومات الاستخبارية الموجودة لدينا تنسب له وضع عبوة ناسفة في مبنى الحاكم العسكري في مدينة بيت لحم، الأمر الذي أدى إلى موت جندي وجرح اثنين آخرين، وكان لدينا اشتباه مسند أنه يمتلك معلومات كثيرة حول تنظيمات تخريبية، لتنفيذ بعض الهجمات التخريبية في إسرائيل، لذلك يجب إجباره على الكلام قبل أن يصبح الوقت متأخرا جدا، ولكنه مصر على السكوت. لقد فشلت معه كل أساليب الضغط المسموح بها، تحدثنا إليه بود، ووعدناه ومنيناه بكل العطايا والهبات فلم نحصل منه على شيء، وفي النهاية وبعد أيام من التحقيق المكثف عدل عن موقفه ووافق أن يسرد لنا كل ما عرفه بشرط أن نساعده في الخروج إلى الأردن، وقال عندما نقوم بتوصيله إلى مياه النهر إنه سيدلى باعتراف مفصل، مثل هذا الاعتراف هو كل ما كنا نريده. ولكننا خشينا أنه قد يهرب إذا قمنا بتوصيله إلى مياه الأردن، أو أنه قد يروي لنا قصة لا أساس لها من الصحة، وأننا قد لا نتمكن من التأكد من صحتها. لقد درسنا جيدا كل الاحتمالات وقررنا القيام بلعبة تضليلية كبيرة، تجبره على قول الحقيقة، أشركنا العشرات من العناصر في هذه التمثيلية وقمنا باختيار موقعاً يشرف على عدة نوادي، (يقع هذا الموقع بعيدا عن نهر الأردن) ولتضليله ثبتنا على طول الطريق المؤدية إليه إشارات سير مكتوبة بالعبرية والإنجليزية والعربية، تقول بعضها “يرجى الانتباه، الحدود أمامك”. وفي ساعة متأخرة من الليل أخرجناه من المعتقل، وأدخلناه في سيارة تابعة لجهاز الشاباك، ثم أخذت السيارة طريقها نحو الهدف المرسوم لها، كنا بين الفينة والأخرى نصطدم بأحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية المفبركة، حيث كان أحدهم يوقف السيارة مدخلا رأسه إلى الداخل، وقد أمسك بيده مصباحا، ثم بعد ذلك يومئ لنا بالاستمرار في الطريق، ثم قام أحد الجنود بأخبارنا بان الجنود الذين سيساعدون سعيداً في تخطي الحدود، باتوا منتظرين وصولنا إلى مكان اللقاء -جدير بالذكر أن المخرب يفهم اللغة العبرية، لذلك يتابع ما يجري عن كثب- وهكذا مضينا في رحلتنا، وفي مرحلة ما من السفر قمنا بتزويده بكيس من النقود كنفقات له. انتهت رحلتنا بالقرب من موقع تابع لجيش الدفاع الإسرائيلي، كان هذا موقعا حقيقيا، كان قائده على علم بالعملية التي نقوم بها، قام القائد بلفت انتباهنا إلى وجود مسطح مائي ليس بعيدا من هناك ويعتبر جزءا من النهر، مشيرا بيده نحو نقطة معينة من المستحسن العبور من خلالها. “حسنا” قال سعيد، الآن أقول لكم كل شيء: وكما خشينا بدأ بسرد اعترافات عارية عن الصحة، إذ اخترع هو كافة البنود الواردة فيها، إلا أننا لم نبد أي ملاحظات على ذلك، متظاهرين كأننا نصدق كل ما يقول، وفي النهاية قلنا له نظرا للاتفاق، فإننا سنوفي بتعهداتنا، حيث سيقوم جنود جيش الدفاع بحمايته إلى أن يصل إلى ضفة النهر الواقعة على الجانب الإسرائيلي.
وهكذا أطلقنا سبيله، وفي هذه اللحظة فتحت نحوه النيران من الجانب الآخر للوادي، والمفروض أن يكون الجانب الأردني من النهر، حيث أضاءت القنابل المضيئة السماء وباقي أرجاء المنطقة، فوجئ سعيد وقال بارتجاف: “ما هذا ؟ ” لم يخطر بباله ولو للحظة أن مطلقي النار هم جنودنا اللذين نفذوا الأوامر التي ألقيت عليهم. قلنا له أنه يبدو أن الأردنيين لاحظوا تحركات قريبة فأطلقوا نيرانهم، تجمد في مكانه، وقال: ” إنني خائف، لسوف يقتلونني” وقال إنه يرغب في العودة إلى الزنزانة، وبالسرعة القصوى، إلا أننا لم نوافق، قلنا له: ” لقد طلبت مساعدتنا لكي تعبر النهر، وقد استنفرنا قوات جيش الدفاع لكي نمكنك من ذلك، والآن أصبح الوقت متأخرا للنكوص إلى الخلف، سلام، وليس إلى اللقاء، ثم استمر إطلاق النار طيلة الوقت، بينما هو يستعطفنا بكل آيات الرحمة أن نعيده إلى المعتقل، في هذه المرحلة قلنا له: ” إنك لا تستطيع دفعنا إلى حافة الجنون. إنك أدليت باعتراف كاذب. نحن نود رؤيتك اكثر من هذا، قم وانصرف”. وفي هذه الحالة يرفض سعيد، طالبا عدم إرساله إلى الموت، ويبدأ في إعطاء اعترافات كاملة ومفصلة كما كنا نتوق ونرغب.(يعقوب بري،1999: 56)
3- أسلوب خداع فكرة الإفراج:
يعتمد هذا الأسلوب الخداعي، على حيله خداعية يمارسها‏ المحقق‏ مع‏ المعتقل،‏ في حالة انتهاء‏ فترة‏ من معه التحقيق، حيث يقوم المحقق بإيهامه بأنهم سوف يطلقون‏ سراحه‏ من المعتقل بدون‏ مقابل،‏ سوى‏ وعد‏ منه‏ بأن يترك‏ هذا العمل،‏ وأن‏ لا يمس أمن الدولة بضرر‏ بعد‏ أن يخرج‏ من‏ المعتقل‏،‏ وأن‏ يعيش‏ حياته‏ الطبيعية‏ مع‏ أهلة. وذلك لتفجير‏ مشاعر‏ الشوق‏ وأحاسيس الحنين‏ في‏ داخله‏ لأهله،‏ ولذويه‏ وللدنيا‏،‏ وللحرية‏ وللسعادة‏ والخروج‏ من‏ ظلمات‏ السجن‏،‏ وذلك مقدمة‏ لإحياء ذاته‏،‏ وعواطفه‏ الشخصية، وإحياء الأنا‏ بداخله‏،‏ وتضخيمها‏ لتصبح‏ مركز‏ استقطاب‏،‏ وكذلك لإحياء إنسان الغريزة‏ بداخله الذي‏ يفكر‏ بنفسه‏،‏ وبمصالحه‏،‏ كمقدمة لبث منطق المساومة لديه.
ومن الأمثلة على هذا الأسلوب إدعاء المحقق بأن معه شخصاً خبيراً جاء لكي يساعده،‏ بشرط أن يكون‏ صادقاً‏ معه.. ويبدأ‏ هذا الخبير‏ بسؤاله عن‏ صحته‏،‏ وعن‏ حياته‏ الشخصية‏،‏ وعن‏ أخوته‏، وزوجته‏ وأبنائه،‏ ووظيفته‏ ودخله‏ المادي‏،‏ ووضع‏ أهله وعائلته‏‏، ‏ومن‏ يصرف‏ عليهم ومن‏ يساعدهم‏. وبعد‏ الدردشة‏ المقصودة‏،‏ يقول‏ الخبير‏ ‏ “نحن‏ قررنا‏ إطلاق سراحك‏..!” ويمد‏ يده‏ إلى جيبه‏،‏ ويخرج‏ بعض‏ الأوراق النقدية، لكي يستقل سيارته للذهاب لبيته تأكيداً‏ على‏ جديته‏،‏ ثم يسأل‏ المعتقل.. هل‏ أنت نادم‏ على‏ هذه‏ الغلطة فإن‏ أجاب نعم.. يضيف‏ الخبير.. وهو‏ ينظر‏ إلى الساعة‏،‏ الآن لا يوجد وقت‏ لإطلاق سراحك.. ولكن‏ غداً‏ صباحاً‏ سيفرجون‏ عنك.. ولكن‏ هل‏ تعدني‏ أنك‏ لن‏ تعيد‏ هذا‏ الخطأ؟ فإذا قال نعم.. يقول له ” ماذا‏ ستعمل‏ عندما‏ تخرج، فإذا اندمج معه وقال له مثلاً‏؟ سأكمل‏ دراستي وسأعيل عائلتي.. يقول: إذن اهتم‏ بدراستك‏ ومستقبلك‏،‏ اهتم‏ بعائلتك ولا تلتفت‏ لمن‏ يريد‏ توريطك‏ ويخرج‏ تاركاً‏ المعتقل‏ في‏ دوامه‏ من‏ الأفكار. واكمالاً لهذا الدور يقوم المحقق بالإفراج عن المعتقل، وقبل أن يغادر البوابة الأخيرة، يقوم بإرجاعة إلى التحقيق من باب أن اعترافات جديدة قد وردت عليه، لذلك يجب اعادة التحقيق معه، لأنه لم يكن صادقاً معهم.(ابراهيم شحادة، 1980: انترنت)
4- أسلوب خداع انتهاء التحقيق:
ومن أساليب الخداع التي يتبعها المحقق ايهام المعتقل بأن التحقيق قد انتهى معه، وعليه كأجراء نهائي أن يقوم بالتبصيم لدى الشرطه، لأنه إذا قام “بالتبصيم عند الشرطة” أي أخذ بصماته فمعنى ذلك أن التحقيق قد انتهى معه. كما يوهموه بأن أخذ ورقة التوقيف للمحكمه من قاضي التمديد، يعتبر انهاء للتحقيق ولا أحد يعيده للتحقيق. ولتأكيد الخداع يقوم بالتبصيم أمام الشرطه، ثم يتم إنزاله للمحكمة إما لوحده أو بصحبة أحد العملاء المسجونين، ويتم إدخاله للمحكمة بشكل سريع دون وجود محامين أو دون الالتقاء بأحد، بشكل يظن من خلاله أنه قد حصل على تمديد اعتقال لحين المحكمة. وهذه العملية برمتها تمهيد لخداع أكبر داخل الزنازين، أو في غرف العملاء، في حين يتولد لديه انطباع بأنه سوف يذهب إلى غرف السجن، غرف المناضلين والمجاهدين.
5- أسلوب خداع التوقيف الإداري:
ومن أساليب الخداع التي يتبعها المحقق ايهام المعتقل بأن التحقيق قد انتهى معه، وأنه سوف يذهب للاعتقال الإداري، ويعطى ورقة التوقيف الاداري، ثم ينزل لغرفة الملابس والأمانات ويأخذ حاجياته، ثم يوهمه المحقق بأنه في طريقة للمعتقل الاداري.
وبعد أن يدرك المحقق بأن الحيلة قد انطلت عليه، يتم نقله لغرف العصافير (العملاء). وهذه العملية أيضاً هي تمهيد لخداع أكبر داخل غرف العملاء، حيث تولد لديه انطباع بأنه سوف يذهب إلى غرف المعتقلين الشرفاء.
6- أسلوب القصة الخادعة:
كثيراً ما يلجأ المحقق إلى اختلاف قصه خادعه، من بنات أفكاره يحبك خيوطها جيداً، مما يجعل المعتقل يقع في أحابيله التي نصبها له. كأن يقوم بإنزاله إلى الزنزانة بشكل طبيعي، وهناك قد يجعله يقرأ على أحد الجدران اسم أحد زملائه (غير المعتقلين) وتاريخ اعتقاله، كما جرت عادة المساجين بذلك، حيث يسجل كثيراً منهم أسماءهم وتاريخ دخولهم السجن على جدران الزنازين، فيقرأ المعتقل هذا الاسم ويدرك أن فلان الذي يعتقد أنه خارج البلاد قد أعتقل. وهذا الموقف يجعل منه المحقق نقطة البدء في نسج قصة اعتقال هذا الشخص عبر قدومه للبلاد، أو قيام جيش الدفاع باستدراجه واعتقاله كما حدث مع بعض الأشخاص الذين قام باختطافهم من الخارج وهكذا حتى يقتنع المعتقل بأن هذا قد تم بالفعل، وأن المعلومات التي لدى المحقق كلها من اعترافه.
7- أسلوب خداع القتل:
يعمد المحقق أحياناً كأسلوب من أساليب الحيل الخداعيه إلى احضار معقتل آخر، قد يكون متواطئاً بالتعامل معهم فيقوم بإطلاق النار عليه أو خنقه حتى الموت، وهذا الأسلوب يعتمد لخداع المعتقل، وتحطيم معنوياته، واقناعه بأن لا محاله من الاعتراف، لأن الموت هو المصير. ويعتمد هذا الأسلوب على إثارة التعلق بالحياه، والتذكير بما فيها من متاع وملذات، ثم وضع المعتقل في معادلة قاسيه هي الصمود، أو فقد الحياة التي تعني حرمانه من كل شيء.
8- أسلوب خداع الجنون:
يعتمد هذا الأسلوب على عدم ترك فرصه للمعتقل لكي يرتب أفكاره ولو لدقيقه واحده، بحيث يستمر المحقق تلو المحقق في استجوابه بشكل متواصل مستمر، ويجعل ذهنه في حالة توتر دائم ومستمر، وهذه الحاله تجعله في ارهاق شديد يعجز هو نفسه حتى عن السيطره على ذهنه وأفكاره، فتراه يدخل في دوامة المتنافضات في التفكير، الذي قد يساعد المحقق باستغلاله بالضغط على المعتقل بايهامه بأنه في طريقه إلى الجنون، وعليه أن يسارع إلى الاعتراف لكي لا يخسر ذاته وعقلة.
9- أسلوب خداع الخبر:
يعتمد هذا الاسلوب على بث الأخبار التي يريدونها وتخدم مصلحة التحقيق، وهي أخبار في ظاهرها صادقة، لكن في حقيقتها خادعة، تهدف لتمرير خدعة وحيلة معينة. وفي هذا الأسلوب قد يدخلون عليك صحيفة أعدت خصيصاً من أجلك، لا تستغرب ذلك، لأن العدو سوف يدفع الكثير من أجل اعترافك، خاصة لو كان لديهم انطباع بأن لديك معلومات هامه قد تفيدهم في التحقيق، أو قد يعدون لك نشرة أخبارية.
لهذا إياك أن تثق بهم، وأن تصدقهم، وعليك أن تتذكر دائماً أنهم أعداؤك، كل شيء في التحقيق مهما بدى لك طبيعياً، انما هو يقصد تحطيم معنوياتك وصمودك واصرارك. وعليك الصبر والصمود مهما كانت الأدلة ضدك.
“حتى لو قالوا لك كجزء من الحرب النفسية، أن المسؤولين عنك انهاروا، أو شاهدت بعضهم فعلا ينهار، فعليك بالصمود، فسقوط مسؤول مهما كان موقعه لا يعني سقوط الثورة “. (علي حتر، ب ت: انترنت)
10- أسلوب خداع المعلومة الخاصة:
يعتمد هذا الأسلوب على مدى المعلومات الاستخبارية المسبقة، التي قد يجازف المحقق بكشفها من أجل خديعة المعتقل، وإقناعه بأن أحداً ما قريب منه جداً قد أبلغها للتحقيق. وفي هذا الأسلوب يسرد المحقق أمام المعتقل قضية خاصة معينة، قد حصلت للمعتقل أو لأهل بيته في اليوم الفلاني والساعة الفلانية، ويقول له المحقق “هذا دليل كافي لتعلم أننا على علم بخصوصياتك”، مما قد يوقع المعتقل ويوهمه بصدق ما يقول ويدعي، باعتبار أن هذه المعلومه تدل على مدى معرفة المحقق واطلاعه على خصوصياته.
ولكن على المعتقل أن لا يقلق من ذلك كثيراً، فكم من الأمور الخاصه تقع للشخص في أخص الخصوصيات تثرثر فيها النساء بكل طلاقه، لذلك قد تكون هذه المعلومه قد استقاها رجل المخابرات عبر احدى العميلات اللاتي يجبن البيوت ويثرثرن مع الأهل والأزواج بلا تحفظ حتى عن أشد الأشياء خصوصية في بيوتهن.
11- أسلوب خداع التوقيع المزور :
يعتمد ضابط التحقيق في هذا الأسلوب على إحضار ورقة فارغة، ويطلب من أحد المعتقلين في القضية الواحدة التوقيع بالاسم الشخصي الكامل على هذه الورقة، ويوهمه بأنه يريد أن يقارن الخط بورقه أخرى وقعت تحت يديه. ثم يأخذ هذه الورقة ويكتب فيها ما يريد، ويقدمها للمعتقل الآخر على أنها اعتراف من قبل زميله ضده، وما عليه بعد ذلك إلا الاعتراف. وبهذا تنطلي الحيلة على المعتقل، فيبدأ بإكمال المعلومات الموجودة أو تفصيلها، وهكذا يقع في براثن الخداع الصهيوني. لذلك على المعتقل ألا يتعامل بثقة مع أي ورقة يقوم بإحضارها له رجل التحقيق، حتى لو كانت المعلومات والتواقيع فيها صحيحة، كما أن عليه ألا يوقع على أي ورقه يطلب منه التوقيع عليها.
12- أسلوب خداع الحوار:
يخاطب المحقق الجانب العقلي لدى المعتقل، ويستعمله كمدخل إلى شخصيته من أجل التأثير على مساحات واسعة من صورة الموقف لديه، مستخدماً في ذلك الاقناع المنطقي، والاسلوب العقلي، والموضوعية العلمية، عبر النقاش والحوار. بهدف تعرية قناعات المعتقل لإسقاط فاعليتها وتوجيه رد الفعل ضدها وليس ضد المحقق وأطروحاته، مما يشكل حوا جز بينه وبين قناعاته السابقه ويفقد الثقه بها.
13- أسلوب خداع الشاهد المخفي:
يلجأ المحقق‏ لهذا الأسلوب لأنه يعلم‏ أن المعتقل‏ حتى لو‏ اعترف،‏ إلا أن عوامل‏ كثيرة قد تدفعه‏ للتراجع‏، خاصة عندما يقابل‏ زميلة، أو يقف ليشهد عليه مباشرة، وبالتالي يتراجع عن اعترافه السابق.
لذلك يعمد‏ المحقق إلى أسلوب الشاهد‏ المخفي لكي‏ يدلي‏ المعتقل المعترف باعترافه‏ بدون‏ المواجهة‏ المباشرة مع زميلة الذي ما زال مصراً على الإنكار وعدم الإعتراف. فيتم في بعض الحالات إخفاء المعتقل‏ تحت‏ الطاولة‏، أو في خزانه، أو وراء ستارة، ‏ويطلب‏ منه‏ ألا يتحرك، ‏ولا يتكلم‏، ثم يحضر زميله الذي اعترف تحت الضغط والتعذيب، إلى الغرفة ثم يرفع‏ الكيس‏ عن‏ رأسه‏، ‏فلا يجد في‏ الغرفه‏ أحداً‏ سوى‏ ضباط‏ التحقيق‏، الذي يسأله‏ ما اسمك ؟ وما انتماؤك‏؟ وهل‏ تعرف‏ فلان‏؟ وما‏ علاقتك‏ به ؟ وما يريد من الأسئلة، ثم‏ يقوم باخراجة من يجعلة الغرفه. ويخرج زميلة المخفي‏ من‏ المكان الذي أخفي فيه، ليجبره‏ على‏ الاعتراف‏‏ بما سمع.
لكن إذا أصر هذا المعتقل على‏ الإنكار، فإنه يمارس‏ معه‏ جولة‏ من‏ التعذيب‏ الوحشي‏ بمشاركة‏ مجموعة‏ من‏ المحققين لإجباره على الاعتراف تحت‏ ضغط‏ اعتراف‏ الشاهد‏، فإذا استمر‏ على‏ صموده‏،‏ فقد يحضرون‏ له الشاهد‏ ليدلي‏ بشهادته‏ ضده بشكل‏ مباشر‏ وجهاً‏ لوجه‏، لقطع طريق الإنكار عليه.
وعلى‏ المعتقل‏ إلا ينهار بذلك فإذا ما‏ وجد‏ ثغرة‏ في‏ التحقيق من أخيه‏، فعليه ‏أن يغلقها،‏ ويوقف‏ توسعها‏، وألا يفكر‏ بذاته‏ ولا برد‏ الفعل‏ ضد زميله، وألاَّ‏ يبني‏ موقفاً‏ عاطفياً‏ من‏ اعتراف‏ زميله، بل‏ عليه‏ أن يتحمل‏ ضعف‏ زميله، وأن‏ يضع‏ نفسه‏ في‏ المعركة‏ في‏ خندقين‏ ‏خندق‏ لنفسه‏ وخندق‏ لزميلة، ويدير‏ معركة‏ الصمود‏ من‏ خلال‏ الخندقين معاً. (ابراهيم شحادة،1980: انترنت)
14- أسلوب خداع المحقق الصديق والعدو :
عندما‏ تحاصر‏ شخصاً‏،‏ وتضيق‏ عليه‏ الخناق‏،‏ وتغلق‏ في‏ وجهه‏ كل‏ منافذ‏ الخلاص‏،‏ ويفقد‏ الأمل تماماً‏،‏ سيكون‏ من‏ غير‏ الممكن‏ أن يبدي‏ تجاوباً‏ معك‏،‏ وسيكون‏ أكثر‏ عناداً‏، ولكن إذا‏ فتحت‏ له‏ بعدها‏ باباً‏ صغيراً‏ أو منفذاً‏ للنجاة،‏ فسيفر‏ بجميع‏ حواسه‏ وعقله‏ إلى هذا‏ المنفذ‏ لأنه يرى‏ فيه‏ باب‏ الأمل المتاح للنجاة.
على‏ هذا‏ الأساس يقوم‏ أسلوب العدو‏ والصديق‏،‏ وهو‏ من‏ أشد‏ أساليب التحقيق‏ خداعاً‏،‏ لأن‏ الأمل هنا‏ ليس‏ سوى‏ مصيدة‏،‏ ومحاولة‏ استدراج‏ المعتقل‏ ليعترف. وتوزع الأدوار على‏ اثنين‏ من‏ رجال‏ التحقيق‏ يمثل‏ الأول دور‏ السفاح‏ القاسي‏ الذي‏ يتلذذ‏ بضرب‏ المعتقل‏ وتعذيبه‏ والثاني‏ دور‏ الشخص‏ الطيب‏ الرقيق‏ الذي‏ فيه‏ نزعة‏ إنسانية بالغة‏.
وهذه الطريقة منتشرة في أوساط المخابرات الاسرائيلية، حيث انه في اغلب مراحل التحقيق يقوم اثنان من المحققين، يظهر الأول بصورة مجرم مجرد من الرحمة أما الثاني فيبدو في صورة إنسان لين، طيب، ومتسامح، يحاول دائما إيقاف التعذيب، فكلما بدأ الأول في الضرب والتنكيل بالأسير، يبادر المحقق طيب القلب بالتدخل لوقف هذا الاسلوب البربري، والتعامل مع الأسير كانسان، وحينها يتقدم من الخاضع للتحقيق هامسا ان عليه الاعتراف لكي يدرأ عن نفسه مصائب هو في غنى عنها، وهكذا كلما دخل عليه المحقق الفظ شعر الأسير بالخوف.إن كل أسير بإمكانه رفض هذا الاسلوب، لان كلمة واحدة يتفوه بها يمكن ان تقلب المحقق الطيب إلى إنسان فظ غليظ، وهكذا فانهم يفشلون في ممارستهم لهذا الأسلوب عليه. (بري،1999: 122)
تبدأ‏ المسرحية‏ بعد‏ جولة‏ من‏ الإقناع والإغراء والتهديد‏،‏ يمارسها‏ رجال‏ التحقيق‏ مع‏ المعتقل‏،‏ فإذا فشل‏ التحقيق‏ في‏ انتزاع‏ أي معلومات‏،‏ يدخل‏ المحقق‏ (الشرير) ‏فجأة‏،‏ متظاهراً‏‏ أنه‏ دخل‏ إلى غرفة‏ التحقيق‏ خصيصاً‏ من‏ أجل‏ انتزاع‏ اعتراف‏ بأي‏ شكل‏ ويسأل‏ أحد المحققين‏ الذي‏ يمثل‏ دور‏ (الطيب) ‏بقسوة‏ ‏هل‏ اعترف؟‏ وهنا‏ يجيب‏ المحقق‏ متظاهراً‏ بالخوف‏ والضعف‏ أمام (الشرير) لا فيرد‏ الشرير‏ بغضب‏ ‏هذا‏ بسببكم‏ انتم‏ تشفقون‏ عليهم‏ أنتم‏ تضيعون‏ وقتنا‏ اخرج‏ من‏ هنا‏ وأمام صراخ‏ الشرير ‏يخرج‏ المحقق‏ (الطيب) ‏متظاهراً‏ بالانكسار‏ والضعف‏، وهنا‏ يخلو‏ الجو‏ للشرير‏ وتغلق‏ أمام المعتقل‏ أبواب النجاة‏ من‏ التعذيب‏ فينهال‏ عليه‏ ضرباً‏ وحشياً‏ متعمداً‏ ويصرخ‏ المعتقل‏ من‏ شدة‏ الألم وفي‏ هذه‏ اللحظة‏،‏ يفتح‏ الباب‏ بقوة‏،‏ ويدخل‏ المحقق‏ الطيب ‏متظاهراً‏ بالانفعال‏ ومحاولاً‏ تهدئة‏ الشرير ‏وتخليص‏ المعتقل‏ من‏ بين‏ يديه‏ ثم‏ يخرج‏ (الشرير) ‏ويبقى‏ (الطيب) ‏الذي‏ يقدم‏ المساعدة‏ للمعتقل‏ فيرفعه‏ عن‏ الأرض،‏ ويجلسه‏ على‏ كرسي‏،‏ ويقدم‏ له‏ كأس‏ ماء‏،‏ ويحضر‏ منشفة‏ مبللة‏ يمسح‏ بها‏ وجهه‏ من‏ الدماء‏،‏ ويعرض‏ عليه‏ فنجاناً‏ من‏ القهوة‏ أو الشاي‏ ويتظاهر‏ بالإشفاق عليه‏ ثم‏ يبدأ‏ بالحديث‏ الودي‏ معه‏،‏ ناصحاً‏ إياه،‏ في‏ تمثيل‏ مسرحي‏ بارع‏ فيقول‏ (ارحم‏ نفسك‏. يكفيك‏ هذا‏ العذاب‏. لو‏ لم‏ أخلصك من‏ يدي‏ هذا‏ المجرم‏ لقتلك‏ أو تركك‏ مشوهاً‏. والأفضل لك‏ أن تعترف‏ قل‏ لي‏ في‏ أي‏ تنظيم‏ أنت؟‏ ومتى‏ تم‏ تجنيدك اعطني‏ المعلومات‏ المطلوبة‏،‏ ولن‏ يحصل‏ لك‏ عذاب‏ بعد‏ ذلك). فإذا أصر المعتقل‏ على‏ الإنكار،‏ حاول‏ المحقق‏ (الطيب) أن يستثير‏ في‏ نفسه‏ الشعور‏ بالعرفان‏ ورد‏ الجميل‏ قائلاً‏ (هل‏ هذا‏ جزاء‏ المعروف‏؟‏ أنت تعرضني‏ لموقف‏ محرج‏ أمام ذلك‏ الوحش‏ وأنا أنقذتك) ‏ويستمر‏ في‏ هذه‏ اللعبة‏،‏ مستخدماً‏ الضغط‏ النفسي‏ والتخويف‏ من‏ عودة‏ (الشرير)،‏ وأمام إصرار المعتقل‏ على‏ الإنكار ينفتح‏ الباب‏ بعنف‏،‏ يطل‏ الشرير‏ برأسه‏ صارخاً‏ (ألم يعترف‏ بعد‏،‏ ماذا‏ تنتظر؟)هنا‏ يدخل‏ المحقق‏ الطيب‏ ‏ (إنه‏ يعترف‏. إنه‏ يعترف‏ فقط‏ اعطنا‏ مهلة‏ خمس‏ دقائق) وينغلق‏ الباب‏ بقوة‏ ويبدأ‏ (الطيب) ‏جولة‏ جديدة‏ من‏ الضغوطات‏،‏ وإظهار الحرص‏ والشفقة.. ‏ فإذا انطلت‏ الحيلة‏ على‏ المعتقل‏،‏ واعترف‏ يظهر‏ الطيب ‏على‏ حقيقته‏،‏ وينزع‏ عن‏ وجهه‏ قناع‏ الوداعة‏،‏ وينتهي‏ دوره‏ في‏ التمثيل‏ فإذا هو‏ أحد المحققين‏ ولا‏ فرق‏ بينه‏ وبين‏ (الشرير).
إن أسلوب العدو‏ الصديق‏، هو‏ فخ‏ ماكر‏، وعلى‏ المعتقل‏ أن يعي‏ هذا‏ الأسلوب جيداً‏، وان‏ يدرك‏ أنه‏ لا فرق بين‏ المحقق‏ الشرير‏ والطيب،‏ بل‏ وأن‏ الذي‏ يمثل‏ دور‏ الطيب‏ هو في الحقيقه‏ أشد‏ خطورة من الآخر‏.
15- أسلوب خداع تبادل الأدوار:-
ينفذ المحققون أحياناً أدوار مسرحية، فيحاول‏ أحدهم‏ تمثيل أن أحد أقاربه قد قتل على يد مجموعته أو تنظيمه فيصرخ‏ في وجهه ” أنت قاتل‏…سأقتلك”،‏ ويحاول‏ أن يهجم‏ عليه‏،‏ بينما‏ جميع‏ المحققين‏ يمسكونه‏، ‏ويسحبونه‏ بقوة‏ إلى الخارج‏، ‏بعد‏ أن يكون‏ قد‏ أصابه بعدة‏ ضربات‏ غاضبة‏،‏ وبعد‏ هذه‏ الجولة‏ من‏ التضخيم‏،‏ التي‏ يرى‏ المحقق‏ أثرها على‏ ملامح‏ المعتقل‏ يتنقل‏ إلى دور‏ المساومة والابتزاز والمعتقل في‏ هذه الحالة‏ يشعر‏ بأنه‏ مظلوم … وسيدافع‏ عن‏ نفسه.. وعندها يصل‏ التوتر‏ إلى أقصاه.. يسمح‏ له‏ المحقق‏ بالحديث.. وعندها يقع المعتقل في الفخ عندما يقول‏ “أنا مظلوم.. هذا‏ كلام‏ كذب.. أنا لم‏ أقتل.. صحيح‏ أنا شاركت‏ بكذا وكذا، ولكن‏ لم‏ أشارك في‏ القتل.. أنا بريء.. فقط‏ طلبوا‏ مني‏ مساعدة‏،‏ وأنا ساعدتهم، ويفضل المعتقل الاعتراف كمخرج‏ من‏ هذا‏ التضخيم‏ الذي يعتقد‏ أنه‏ بهذا‏ الاعتراف‏ الصغير.. سيخرج‏ من‏ الأزمة،‏ وسينهى‏ التحقيق… وعندما يواصل‏ المحقق‏ الابتزاز وتهميش‏ هذا‏ الاعتراف.. يبدأ‏ بالصراخ‏ في‏ وجه‏ المعتقل.. “أنت تريد‏ أن تضحك‏ علينا.. نحن‏ نعرف‏ هذه‏ المسألة”.
وعلى‏ المعتقل‏ أن يواجه‏ التحدي‏ الصهيوني‏ بالصبر‏ والصمود والتحد‏ي،‏ ‏فعندما‏ يقدم‏ المحقق‏ افتراءاته‏ يجب‏ عدم‏ الاستماع‏ إليه والاهتمام‏ بحديثه.. بل‏ عليه‏ أن يواجهه‏ بصوت‏ حاد وقوي “هذا كذب‏، ‏افتراء”. ولا يجعل‏ المحقق‏ يكمل‏ فكرة‏ من‏ أفكاره، بل عليه‏ أن يواجهه‏‏ بالسخرية‏ من هذه المسرحيات الفارغة والتافهه.
16- أسلوب خداع التقمص:-
وفي هذا الأسلوب يقوم المحقق نفسة بتقمص دور السجين، حيث يقوم المحقق بتمثيل دور أحد السجناء الذين يتعرضون لعمليات التعذيب (وهذا قليل الحدوث حرصاً على حياته، ولا يتم إلا إذا اقتنع بأنه لا يوجد أحد من العملاء يمكنه أن يقوم بذلك الدور) وقد أكد أحد المعتقلين بأن هذا الأسلوب قد حدث معه فقال: (نزلت إلى الزنزانة وانا في التحقيق، وبعد دقائق دخل عندي شخص آثار الكدمات ظاهرة على وجهه، ويبدو عليه الإعياء الشديد، بدأت أتعاطف معه، عندما بدأ يحدثني عن التعذيب الذي تعرض له، وحيث قال ” أن له في التحقيق شهرين متكاملين، بدون أن يرى النور، أو يستحم وما إلى ذلك”. ويستطرد المعتقل قائلاً: لقد انطلى علي الموقف، ولكن لفت نظري شيء بسيط لو لم أكن صاحب تجربة لما لحظته مطلقاً، اقتربت من جسد هذا المعتقل وشممت رائحة جسده، فلم أجد له رائحة كريهه كباقي السجناء، ثم طلبت منه أن ينفخ في أذني لأنني أشعر بألم ففعل ذلك، وعندها لم أشم رائحة كريهة من فمه كباقي السجناء الذين يمضون فترة في التحقيق، مما جعلني أتوجس منه خيفة، وأشك بأن كلامه كذب، وبدأت أتحدث معه بطريقة تخدمني في التحقيق، بعد أن كدت أبث له همومي وأشجاني.. وقد تبين لي بعد ذلك أنه أحد ضباط المخابرات (المحققين) المتمرسين في الخداع، حيث قابلته في غرفة التحقيق مع المحقق المتخصص لقضيتي.

ثانياً: أساليب الخداع بالتأثير العقلي:
إن أساليب الخداع بالتأثير العقلي، تعتبر من أخطر عمليات التحقيق على الإطلاق، لأن خطورتها تنبع من كونها تهدف إلى المس بطبيعة ومحتوى دماغ المعتقل الفلسطيني. مما قد يؤدي لنتائج خطيرة كفقدان المعتقل لثقته بنفسه، وبالآخرين من حوله، وكذلك الإحساس بالاجتهاد والوهن، والشعور بالضعف والعجز، والذل والقهر، وعدم القدرة علي المجابهة، وبالتالي تحطيم القوي التي يتحصن بها كالروح المعنويه، والإرادة، والأهداف المستقبلية، والقدرة علي المقاومة والثبات، وفقدان الثقة بالصمود والنصر على المحقق، وانهيار الدفاعات النفسية، بتفشي الشعور بالخوف والذعر، ورفع القابلية للإيحاء بسبب اضطراب العمليات العقلية، وازدياد التوتر العصبي، والوقوع في براثن الشك والقلق، وعملية الاستهجان والاستنكار لبعض المفاهيم التي تعود عليها، كأن يوهمه بأن المقاومة تعني الإرهاب.
وتعتمد سيكولوجية التأثير العقلي في التحقيق، على مهارة المحقق في الأمور التالية:
- إثارة الانفعال: يمكن استغلال الانفعالات، وتحويلها لعواطف، ولكن لابد من تنظيم هذه الانفعالات في تركيبات وتكوينات وعلاقات جديدة، لتصبح عواطف، ويواصل عملية الحشد العاطفي للذات من خلال تذكر الأهل والولد …إلخ.
ومن أجل ذلك لابد من العمل على:
- التكرار: وذلك بتكرار الانفعالات أكثر من مرة لدى الفرد أثناء عملية التحقيق.
- الإيحاء والتقليد: وخاصة في عملية تكوين العاطفة الوطنية أو الدينية.
- الاقتران: (وتعني نظرية الاقتران) كمثل (صياح الديك يقترن بطلوع الفجر).
- تداعي الأفكار: أي (ارتباط الأفكار، وترافق الأفكار).
كما أن قنوات الاتصال بين المحقق (الذي يمارس الحيل الخداعية) وبين المعتقل (الذي تقع عليه هذه العملية) لها أهمية بالغة في تنفيذ الخداع، باعتبارها هي قنوات الإقناع بين المحقق والمعتقل، والتي يتم من خلالها تمرير هذه العملية.
ومن أبرز أساليب الخداع بالتأثير العقلي على المعتقل، الأساليب التالية:
1- أسلوب تشكيل الدماغ :-
يعتمد هذا السلوب على استخدام أدوات خطيرة وسرية، قد تؤدي إلى هلاك الشخص، أو التسبب بشلل دماغي له، أو الوصولة به إلى حافة الجنون. أي أن نتائج هذا الأسلوب قد تكون في الغالب شاهداً عليه، لذلك لا يميل المحقق الصهيوني إلى استخدامه لأنه يحبذ دائماً اخفاء وسائله. لذلك حسب علمي ومعرفتي، لم أشاهد أو أسمع أحد من السجناء في فلسطين يتحدث بأنه قد تعرض لهذا الأسلوب في التحقيق. لكن هذا لا يمنع أنه يكون قد استخدم مع بعض الأخوة الذين استشهدوا في التحقيق.
لهذا لا ضير في التعرف عليه وعلى ونتائجة الخطيرة، التي أكدها تقرير نشرته جريدة (النيويورك تايمز) في 16 يوليو 1977 وهو أول تقرير عن التجارب السرية التي تقوم بها المخابرات الأمريكية للتحكم بالعقل والإرادة. أورد شواهد عديدة على استحداث عقاقير وأساليب نفسية لبرمجة عقول الناس لتحقيق غرض مشبوه أو عملية قذرة. وكان ضمن الفريق -الذي اعد التقرير- صحفي يدعى (ولتر بوارت ألف) صاحب كتاب “السيطرة على العقل البشري” الذي قال فيه: ” إن التجارب على عقاقير معينة من قبل الـ C. I. A هي جزء مما يسمى: مشروع السيطرة على العقل البشري الذي يجري بمنتهى السرية والتمويه، ترصد له الحكومة الأمريكية كل عام ميزانية كبيرة. ومن خلال هذا المشروع أخضع آلاف البشر للتجارب واختبرت عليهم شتى أنواع الأساليب النفسية والتقنية؛ كاستعمال عقاقير(الامينازين والسلفازين وصوديوم البنتوثال) للتأثير على مراكز الدماغ بالصدمات الكهربائية والصوتية وتدمير أو تنشيط خلايا معينة، وكذلك تجربة المخدرات والكيميائيات الخاصة؛ كأمصال الحقيقة ومركب LSD لتشكيل الدماغ. ومع بداية التسعينيات لم يعد سراً إن المخابرات الأمريكية تبنت مشاريع علمية جبارة، هدفها السيطرة على العقل وسلب الإرادة مثل: ام. كي. اترا، وام. كي. دلتا، ومشروع ارتيشوك، واختبارات التفوق النفسي بالتعاون مع جامعات كاليفورنيا. وفي الواقع أن الـ C. I. A تبنت – هي وغيرها من أجهزة المخابرات – المبدأ القائل:” إن انجح المهمات هي تلك التي يقوم بها الأشخاص المبرمجون، فالمبرمج شخص قد يستعمل يديه -ويسير على قدميه- ولكن إرادته وعقله ليسا ملكه. وشخص من هذا النوع قد يكون مبرمجاً برغبته وعلمه أو انه مجرد شخص بريء استدرج بالغش والخداع. وأياً كان الوضع فإن المبرمج – وبالذات المكلف بمهمة سريعة ومحددة – يفضل على غيره، لأنه شخص مبرمج لا يدرك حقيقة ما يقوم به فيصبح بالتالي في منأى عن تأثير العواطف؛ كالخوف والشفقة والتردد. حيث غالباً ما تمسح ذاكرته قبل أي عملية كي لا يبوح بأي شيء.. فهو ببساطة لن يتذكر أي شيء.
لأن المبرمج لا يفكر بعقله، بل بعقول الخبراء والمتخصصين وعلماء الجريمة والقانون، ومن النادر ان تتوفر المواصفات العقلية والجسدية المطلوبة في شخص واحد. ولكن باسلوب برمجة المخ يمكن لدوائرالمخابرات التخطيط للعملية جيداً ثم اختيار العميل او الشخص المناسب. (فهد الأحمدي،ب ت: أنترنت)
2) أسلوب غسيل الدماغ:
غسيل الدماغ اصطلاح قد تردد استعماله كثيرا في السنوات الأخيرة، بالرغم من أنه يحدث منذ أقدم المجتمعات البشرية، وله مرادفات علمية أخرى مثل: (غسيل المخ، والمذهبة، وغرس العقائد، والتحويل الفكري، والإقناع الخفي).
وعملية غسيل المخ وإن كانت قديمة , إلا أن أسسها العلمية لم تتضح إلا في الثلاثينات من القرن العشرين، حيث بدأت الخطوة الأولى من التجارب على مخ الحيوانات في معمل العالم الروسي الشهير (بافلوف).
غسيل الدماغ يعتبر “اصطلاح تشبيهي يقصد به العملية التي يمكن بها تحويل الفرد عن اتجاهاته وقيمه وأنماطه السياسية وإقتناعاته وتبنيه لقيم أخرى جديدة تفرض عليه من قبل آخرين”. (الدباغ،1997: 43)
أي أن غسيل الدماغ موجة بالدرجة الأولى إلى تغيير الاتجاهات لدى الشخص، حيث أنه من المعلوم أن الاتجاهات تتكون لدى الفرد أو المجموع، من الخبرة المباشرة، وغير المباشرة، بأعتبار أن الفرد أو المجموع يكتسب اتجاهاته أو يتعلمها، نتيجة المواقف والخبرات التي يمر بها أثناء عملية حياته.
وعملية التعرف على كيفية تكوين الاتجاه وأهم المؤثرات عليه، يؤدي إلى تسهيل عملية غسيل الدماغ، من حيث كونها عملية تسعى للتأثير على هذه الاتجاهات، وفق مفهوم التخلية والتحلية، أو ما يعرف بميكانزمات الهدم والبناء.
وقد استندت عملية غسيل المخ على أن الإنسان عندما يتعرض لظروف قاهرة وصعبة تصبح خلايا مخة شبه مشلولة عن العمل والمقاومة. بل قد تصبح عاجزة عن الاحتفاظ بما اختزنه من عادات .. لدرجة أن مقاومتها للأذى والتهديد الواقع عليها قد ينقلب إلى تقبل أشد واستسلام أسرع للإيحاء بعادات جديدة أخرى، وانعكاسات غريبة عن كيانه.
وفي الحياة أمثلة كثيرة لغسيل المخ منها ما يتم بطريقة منظمة ومقصودة ومنها ما يتم بشكل عفوي، ففي الأزمنة القديمة .. كان الرجل البدائي يدخل حلبة الرقص ويصرخ ويرقص على دقات الطبول ويصل إلى قمة التهيج العصبي الذي يوصله الى حافة الغسيل، حيث يصبح أكثر تقبلا واستسلاما لتعاليم رئيس قبيلته أو الكاهن .. وهو نفس ما نجده في أيامنا هذه في حلقات الذكر (الزار) في بعض المجتمعات العربية. وكذلك مع بعض المتهمين، وبالذات إذا كان من البسطاء أو محدودي الذكاء، حيث يصل إلى مرحلة شديدة من الإجهاد النفسي أثناء التحقيقات والاستجوابات تؤدي إلى غسل مخة وتقبله للاتهام واعترافه بالجريمة بالرغم من أنه بريء ويتم تنفيذ الحكم فيه، ويذهب ضحية ذلك الغسيل. (موقع الحصن النفسي، ب ت:أنترنت)
وتعتمد عمليات غسيل الدماغ (المخ) على عدة طرق من أهمها:
-غسيل الدماغ الآلي (التثبيط الحدي): أي تهيئة الظروف دون تدخل شخص بالإقناع، وذلك أثر الضغوط علي الإنسان، فإذا أخضع فرد لضغوط خارجية، فإنه يتكيف مع هذه الضغوط، عن طريق إبداء نشاط معاكس لهذه الضغوط بهدف تحقيق التوازن، ويتزايد هذا النشاط بتزايد الضغوط الخارجية، طالما أن هذه الضغوط غير كبيرة جدا، وبعد مستوي معين من الضغط، لا يعود النشاط مناسبا مع قوة الضغط، أي أنه يتابع التزايد، لكن بسرعة أقل من سرعة تزايد الضغط الخارجي، وعند الوصول إلي حد أقصي معين يتدخل التعب والنفور وتقل محاولة بذل الجهد حتى يبلغ الضغط مستوي أي جهد بعده عديم الجدوى، وهنا تزول الفاعلية ليحل محلها جمود تام، ثم قابلية للغسيل. (مصطفي الدباغ، 1997 :132)
-غسيل الدماغ الاصطناعي (إعياء المعركة أو الموقف): وهو أسلوب إجرائي محدد، تتبع فيه تقنية محدده بقصد تغيير اتجاهات الأفراد بالإقناع القسري المقنن. أي وضع الفرد في ظروف ضاغطة مقصودة من اجل إقناعه. ويحدث تعب دائم ينتاب الفرد بسبب الإرهاق والحرمان وقلة النوم، ثم بعد ذلك تختلط عليه الأصوات وتظهر عليه أعراض الخوف والتشويش والارتياب والاستجابة الحادة التهيجية، إلي حالة الخمود والتثبيط الوقائي، فيصبح خاملاً بطئ التفكير بليد العاطفة جامد التعبير.
فالدماغ الذي هو في حالة توازن طبيعي بين التحفز والتثبيط الشديدين قد يمر بحالة مستمرة من التحفز الحاد أو التثبيط الحاد. – أي في أحد طرفي النقيضين وهي الحالات المرضية التي تحدث في المعركة- فالإنسان عندما يصل نتيجة لما يمر به من الشدائد النفسية والعاطفية إلي تلك الأدوار، فإنه ينهار في آخرها، ويصبح ذا استعداد لتقبل الإيحاءات والأفكار الجديدة بسهولة قصوي ويصبح مستعدا للتخلي عن الاتجاهات السابقة والعادات القديمة المكتسبة والتجارب الأخرى، أي يحصل له غسيل الدماغ. (مصطفي الدباغ،1997: 135)
وأما طريقة وآلية غسيل الدماغ، أي تغيير الاتجاهات بمفهوم العلامة أبو حامد الغزالي، فهي ككل عملية تربوية، تتم عبر مرحلتين: (مرحلة التخلية ومرحلة التحلية). أي يجب التخلي عن الأفكار القديمة، ثم التحلي بالأفكار الجديدة. حيث لا بد لكي يتحقق شرط أسلوب غسيل الدماغ لفرد معين، أن تسبق عملية التخلي، عملية التحلي.
ومرحلة التخلي: تتم باستخدام عوامل الضغط (العزل+ الحرمان من المؤثرات الحسية+ المعنوية المحبطة…الخ) وتؤدي قسراً للتخلي، لما تسببه من انهيار نفسي وجسدي تقريبا. ثم بعد ذلك فلك العزلة، والحرمان، وهكذا، حتى يتم بلوغ حالة الإجهاد العقلي الشديد، المؤدي لارتفاع قابلية الإيحاء الشديدة، ويحدث تشويه الأفكار القديمة والتخلي عنها، وتحدث الاستجابة الشرطية المطلوبة وهي الربط الشرطي ما بين التخلي عن تلك الأفكار وبين رفع الضغوط.
أي أن معادلة التخلي هي: (عزل وحرمان، الإجهاد والانهيار، فك العزل والحرمان، عزل وحرمان، الإجهاد والانهيار الشديد، قابلية شديدة للايحاء، تشويه الأفكار القديمة، والتخلي عنها وهي (الاستجابة الشرطية المطلوبة).
وأما مرحلة التحلي (الإحلال): فتتم باستخدام أيضا عوامل العزل والحرمان، فك العزلة والحرمان، ثم تقديم الأفكار الجديدة لتبنيها، ثم استجابة شرطية، أي الربط بين التبني ورفع الضغوط المختلفة، فإذا ما أبدي الفرد تصلبا أعيد للعزل والحرمان والعقاب مجددا ليخفف من التصلب ثم فك العزل والحرمان، ثم استجابة شرطية وتثبيتها. لكي تجعل الفرد يتحلى بما يريد الخصم قسراً أيضاً.
أي أن معادلة التحلي هي: (العزل والحرمان- الإجهاد والانهيار- القابلية العالية للإيحاء- فك العزل والحرمان – تقديم الأفكار الجديدة- التقبل وتبني الأفكار الجديدة (وهي الاستجابة المطلوبة) تكرار وتعزيز الثواب.
والمحقق الصهيوني يستخدم أحياناً بعض أساليب غسيل الدماغ وإن لم يفصح عن ذلك، من خلال قيامة بعمليات منظمة وموجهة للتأثير على قيم وميول واتجاهات المعتقل، بقصد تغييرها أو تدجينها وفق مصالحه وأهدافه الخاصة، لأنه يدرك بأن الاتجاه نحو موضوع معين يكون له تأثير قوي علي السلوك الظاهر بالنسبة لهذا الموضوع، وفي نفس الوقت يعتبر هذا السلوك الظاهر ممثلاً لهذا الاتجاه. أي كلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر، مما يعني أن القدرة على تغيير الاتجاه يؤدي حتماً لتغيير السلوك.
وعملية غسيل المخ تدل على تطهير وطرد عادات وأفكار وميول اكتسبها عقل الإنسان في وقت مضى، وإدخال أو غرس عادات وأفكار أخرى جديدة في ذلك العقل. أي هي عملية تسلط على العقل الذي أصبح نظيفا لحشوه بأية أفكار أو عقائد أو آراء أخرى.
لهذا يعمد المحقق الصهيوني إلى التوجه لضرب العقل الجمعي للمعتقل، بما يحتوي من قيم وميول واتجاهات، لما لهذه القيم والميول والاتجاهات من أهمية بالغة في عملية غسيل الدماغ الفردي والجمعي.
ومن العوامل التي تساعد المحقق على ممارسة غسيل الدماغ ضد المعتقل استخدام (الصدمات النفسية المفاجئة، التهديد المستمر، المواقف الشديدة المرعبة، الإرهاق العصبي المستمر كالسهر المتواصل أو النوم المتقطع، الجوع والعطش الشديدين، الآلام الجسمية والنفسية الشديدة، أو من خلال بعض الأدوية المعينة). لأن هذه العوامل تحفز أو تخدر أو ترهق خلايا المخ، وتوصلها إلى الحافة الحرجة، بحيث يصعب عليها إن تحتفظ بما تعلمته، وبالتالي تتم عملية غسل الدماغ للمعتقل.
ومن أساليب غسيل الدماغ التي يستخدمها المحقق الصهيوني ضد المعتقل، التالي:
- قيام المحقق بالاستقبال الجيد للمعتقلين الجدد، بهدف الاستمالة وتغيير القناعة لديهم.
- يمارس المحقق مع المعتقلين أسلوب الثواب والعقاب بتقسيمهم لمجموعات صغيرة.
- الخضوع لمحاضرات تثقيفية تنويرية تبين عيوب معتقداتهم وصواب عقيدة العدو.
- التعرض للاستجواب المتكرر تتخلله الوسائل النفسية للإرباك.
- التعرض للعزل عن حياته السابقة، بقطع زيارات الأهل، والرسائل، والإتصال. – الانقطاع عن العالم، بالوقت والتاريخ والليل والنهار، والناس، والجرائد والمذياع. بهدف التفكير في تخلي العالم عنه.
- بذر عملية تأنيب الضمير التي يتم فيها تصعيد تعاظم الشعور بالذنب والنقد الذاتي.
- الاقتناع الطوعي أو القسري بالتخلي والتراجع عن أفكاره القديمة، وتبني غيرها.
- نشر الشك والريبة لدى المعتقل، مما يؤدي إلي حالة من التشكيك لديه فيمن حوله.
وتتم عملية غسيل الدماغ بالتأثير على قيم وميول واتجاهات المعتقل عبر أساليب منها:
- إقناع المعتقل بمسايرة الآخرين الذين سبقوه بالاعتراف في التحقيق، خاصة أبناء قضيته، لعلمه بأن لدى الشخص ميل للتأثر بآراء وسلوك الأغلبية والانقياد لها.
- الدخول للمعتقل عبر المعلومة والموقف الواضح، والبعد عن الغموض في هذا الأسلوب، وذلك من خلال طرح قضايا ومسلمات يمكن للمعتقل التجاوب معها.
- استغلال عملية إشباع الدوافع والحاجات التي تدفع الفرد للبحث عن أشكال معينة من الإشباع، لأن الأشياء التي تشبع حاجاتنا نحبها ونتوجه نحوها، والعكس.
- اعتماد المحقق لما يريد هدف قريب المنال سهل الوصول إليه للارتباط به، ولا يعتمد على هدف بعيد المنال، أو يطلب من البداية التخلي عن أفكار وقيم كبيرة .
- اعتماد مفهوم الدعم والتعزيز العاطفي في عملية غسيل الدماغ، حيث يوهمه بأن المخابرات الاسرائيلية لن تتخلى عنه، ولم يتركوا أحد يمسه، لو تجاوب معهم.
- التعرف على مركز الضبط لدى الفرد، وهو حالات داخلية تفسر السبب وراء كون بعض الأشخاص يتعاملوا بمرونة مع ما يعترضهم من ظروف صعبة، في حين يستسلم الآخر لما قد يعتريه من ضغوطات.
- الخبرة السيئة والسارة، إذا ارتبط الشيء بمواقف سارة يبدأ تكوين الاتجاه القوي نحوه، وإذا ارتبط بمواقف سيئة يضعف الاتجاه نحوه، وهكذا.
- الاعتماد على تأثير الاتجاه العملي، لأنه أقوي من تأثر الاتجاه النظري، في تكوين الإتجاة. حيث يتكون الاتجاه الحسن عنده لمن يحنو عليه، وينفر من غيره. وخاصة لدى الكبار، لأن الشخص كلما كبر يتجه نحو المعنوية، وبالتالي يقل الارتباط لديه في تكوين الاتجاهات بالماديات. كما أن الذي تقل ثقافته، والجوانب والعاطفية لديه يكون مرتبط بالجوانب المادية أكثر.(مصطفى الدباغ،1980: 63)
وأهم شيء في عملية غسيل الدماغ للمعتقل، تعتمد على قوة الاقناع، لأن الإقناع هي النقطة المحورية الأساسية في عملية غسيل الدماغ، وبالتالي لا يمكن أن تنجح بدونها.
وتأخذ عمليات الإقناع في غسيل الدماغ للمعتقلين، أساليب عدة نذكر منها التالي:
الإقناع المباشر: حيث يتم مخاطبة المعتقل بشكل مباشر وتلقائي من المحقق، بدون مواربة أو مداراة. وهذا النوع من الإقناع قد يكون إما:
- إقناع طوعي: وهو تقديم وجهة نظر كما هي من قبل المحقق عبر نقاش عادي، فيقوم المعتقل بدور المتلقي بالاستجابة بها بدون تدخل أو ضغط أو إكراه منه.
- إقناع قسري: وهو قيام المحقق بإجبار المعتقل على تبني وجهة نظر معينه، عبر وسائل الضغط والإكراه، وحشو وجهة النظر حشواً في دماغ المعتقل. والإقناع الطوعي هو الأنجع غالباً.
الإقناع غير المباشر: وهو الذي يتم الخطاب فيه للمعتقل بواسطة آخرين غير المحقق المباشر، وهم غالباً العملاء، ويكون الخطاب غالباً متوارياً، ولكنه يدفع المعتقل للاستنتاج لما يريد المتحدث، لكونه يتوافق ويتناغم مع ما يصبو ويأمل من الداخل.
والاقناع في عملية غسيل الدماغ، لا بد لها من أسس نفسية تعتمد عليها من أهمها أن:
- تعتمد عملية غسيل الدماغ بشكل كبير على عمليات الإيحاء للمعتقل، حيث تتحرك الإيحاءات في اتجاه واحد، يصب في الضغط الجسدي والعاطفي والعقلي على المعتقل.
- العمل على هبوط الفكرة الجمعية لدى المعتقل، حيث يعمل المحقق على أن يصل المعتقل لحالة من الإنهاك الشديد، نتيجة لتعبه وضعفه من خلال الاستنزاف الموجه ضده، وبالتالي يصبح لا يفكر إلا في مصالحة الخاصة فقط.
- عدم القدرة على التلاؤم والتكيف مع الموقف، لأن قليل من الناس من يستطيع تحمل الضغط الطويل والمتواصل والمعاناة عليه، حيث تؤدي طول المعاناة لنتائج فكرية وعاطفية وسلوكية سيئة.
- العمل على جعل المعتقل يقوم بالتقمص والتوحد مع المحقق، لأنه عادة ما يتقمص الشخص المهزوم شخصية من يهزمه، لشعوره بأنه المسيطر والمنتصر، وذلك كحل هروبي منه باتجاهه.
- السعي للسيطرة الكاملة على المعتقل، وهي عملية متقدمه يقصد بها التحكم الكامل في ذات الفرد وكيانه، والتحكم في تصرفاته، من خلال التضييق عليه، وجعل كل أمور حياته بيده، حتى بالنسبة لإبسط الأشياء، كقضاء الحاجه الخاصة.
ومن أهم مبطلات عمليات الإقناع، التي ترتكز عليها عمليات غسيل الدماغ الآتي:
- قوة الإيمان والعقيدة، وقوة الإنتماء والولاء للوطن والتنظيم والفكرة والهدف.
- التسلح بالمناعة الذاتية والمقاومة والصمود، عبر التوعية والتربية الأمنية المستمرة
- البرود العاطفي واكتساب الراحة الجسمية وتجنب الانفعال، وقت التحقيق.
- اختطاف لحظات الراحة العقليه والنفسية، أثناء عمليات التعذيب في داخل التحقيق.
- عزل الممتقل نفسه، بنفسه، عن المؤثرات الخارجية المحبطة والمثبطة من حوله.
- قوة الحب للقيادة التي يقتنع بشكل مطلق بأنها الأكثر كفاءه واخلاص وعطاء وحزم.
- محاربة عمليات التضليل والخداع التي يمارسها المحقق، بعدم الثقه في كل شيء .
3- أ‌سلوب النكوص الطفولي الإجباري:
هو عملية الرجوع إلى مرحلة عمرية سابقة، وتكرارة للسلوك وتثبته عندها، وهو أسلوب قد يستخدمه البعض للتأثير على المساجين، فقد ذكر أنه بأمريكا وفي ولاية واشنطن استخدم مدير الإصلاحية وسائل فريدة من نوعها. فقد كان يجبر المساجين على العودة إلى طفولتهم (نكوص إجباري) عن طريق إجبارهم على ارتداء القماط (اللفافة) وعلى تناول الحليب بالرضاعة وعلى الزحف أرضاً، وذلك على امتداد اثني عشر عاماً، مما جعل الكثير منهم يستمر بهذه الطريقة ويتعود عليها.
وقد استخدم المحقق الصهيوني هذا الأسلوب مع بعض المساجين، ولكن بشكل آخر، يقصد منه في الغالب الاستهزاء بهذا المعتقل، حيث كان يطلب في بعض الأحيان من بعض من المعتقلين أن يسبح مثل الطفل، ولكن ذلك لا يستمر طويلاً، لكونه لا يتلائم مع طبيعة واحتياج عملية التحقيق في السجون الصهيونية، التي تمتاز بالجدة والسرعة.
يعتبر أسلوب تفكك وتشوة الشخصية، عملية يتم فيها دمج عوامل داخلية وخارجية مؤثرة على المعتقل، من أجل الوصول به لحالة من عدم السيطرة على أفكاره وانفعالاته وحركاته، أي هي عملية تشمل العبث بأهم مكونات الإنسان (العقل والنفس والسلوك)، لذلك تتم من خلال الحرمان الحسي والسمعي والبصري في وقت واحد. أي أن العزل محيطي كامل، الأمر الذي لا بد إلا أن يؤدي لتشويه الشخصية، إذ أن العلاقة التواصلية مع البيئة الاجتماعية المحيطة، تشكل أحد أهم العناصر الأساسية في التركيبية للشخصية.
ويقول في ذلك الطبيب النفسي الهولندي (ستيف تونز) بأن السمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحس الجاذبية وهذا الأخير هو حس في غاية الأهمية بالنسبة إلى حس التوجيه، وبأن حس التوجيه فيما يتعلق بمركز الجاذبية تشكل أحد العوارض الأساسية للوصول إلى أحداث الصرع وتأثير الصدمات الكهربائية، والبنية الإنسانية تعجز عن مقاومة الحرمان الحواسي المصطنع الذي يحدثه البشر.
ويعتبر أن من تأثيراتها الأساسية (فقدان خاصية التركيز والتفكير بشكل متماسك والعجز عن التوجيه زمانياً ومكانياً وهلوسات و(هذيانات) إحساس بالازدواجية وبفقدان الأعضاء واضطرابات قلبية ونفسية وفقدان التوازنات الحركية وارتجاف وتقلّصات كما يحدث أثناء الصدمة الكهربائية. كما يشعر المرء بأن رأسه يكاد ينفجر، وبأن قفص جمجمته سوف ينكسر وبأن النخاع الشوكي يدخل إلى الدماغ. وينتابه إحساس بأن الدماغ يتقلص باستمرار تحت وطأة توتر يجهل مصدره وكأنه مسيّر إليكترونياً. ثم إن الإنسان يحس بأنه في دوار وتتقارب الأفكار في رأسه ولا يستطيع التخلص من هذا الإحساس إلاّ إذا تحرك. والمرء لا يدري لماذا يرتجف ولماذا تتجلد أطرافه برداً ولكي يتكلم بصوت طبيعي عليه أن يبذل جهوداً مضنية وعليه تقريباً أن يصرخ، كما يشعر المرء كما لو أنه أصبح أخرس لا يستطيع تحديد معنى الكلمات.
5- التنويم الإيحائي (المغناطيسي):
ينقسم العقل البشري على حد قول علماء النفس لقسمين: العقل الواعي، (الحاضر) الذي نحلل به الأمور والأشياء التي نراهـا ونسمعها ونحسها ونلمسها ونتذوقها. يشمل ذلك التفكير المنطقي والتفكير التحليلي، والذاكرة المؤقتة، وقوة الرغبة وغيرها. والعقل اللاواعي (الباطن) الذي نخزن فيه تحليل ما ندرك, فإذا تمكنا من تنويم العقل الحاضر والتخاطب مع العقل الباطني نتمكن من تغيير أو مسح أو تقوية ما يوجد بداخل العقل الباطني من معلومات، وذلك عن طريق التنويم الإيحائي المغناطيسي.
وهذا الأسلوب يهدف إلى تبديد ردود الأفعال الجدية لدى الأسير، حيث من المعروف أن الخاضع للتحقيق –حسب هذه الطريقة- تكون ردة الفعل لديه طبقا لما يطلبه منه خبير التنويم. أي أنه من المستحيل ممارسة التنويم بدون تنسيق ومساندة بين المنوم والخاضع للتنويم، وعليه فإن هذا الأسلوب لن يكون مجديا إذا رأى الشخص الخاضع للتحقيق بالمنوم عدوا له كالمحقق، من الممكن إفشال هذا التعاون عن طريق عدم الرد على ما يطلبه المنوم المغناطيسي من الشخص الخاضع للتنويم، فإذا طلب منه أن ينظر نحو اتجاه معين فعليه أن ينظر إلى اتجاه آخر، وإذا طلب منه الجلوس بلا حراك فعليه البدء في الحركة دون توقف، ثم التفكير في أشياء أخرى تصرف انتباهه عن المنوم .
وليس هناك حالة وحيدة كشفت فيها الأسرار تحت الغيبوبة أو تحت التخدير، أو التنويم، فلا تصدقهم اذا قالوا انك اعترفت خلال الغيبوبة، أو خلال التنويم المغناطيسي. (علي حتر، ب ت: انترنت)
6- خداع جهاز كشف الكذب:
من أكثر الوسائل العقليه التي يلجأ إليها المحقق الصهيوني، استعمال جهاز كشف الكذب. وهو مجرد خدعة عقلية، تعتمد على تسجيل بعض الانفعالات عندما يقدم المعتقل معلومة غير صحيحة، فتستغل ذلك‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ بالإيحاء للمعتقلين‏ بأنها تملك‏ القدرة‏ على‏ معرفة‏ تفكير‏ الإنسان،‏ ومعرفة‏ الصدق‏ من‏ الكذب‏ في‏ حديثه. حيث‏ يملكون‏ جهاز‏ حديث‏ ومتطور‏، يميز‏ الكذب‏ من الصدق في‏ حديث‏ أي شخص‏، لذلك‏ يهددون‏ بعض المعتقلين الصامدين ‏ بأنهم سوف يعرضونه‏ على‏ الجهاز‏ ليكشفهم. وجهاز‏ كشف‏ الكذب‏ هو‏ جهاز‏ “البوليغراف” ويستخدم‏ كأي‏ جهاز‏ طبي‏ في‏ قياس‏ الخصائص‏ الفيزيائية‏ مثل‏ (ضغط‏ الدم‏،‏ الحرارة‏،‏ دقات‏ القلب‏،‏ نبرات‏ الصوت‏،‏ ارتفاعها‏ وانخفاضها‏،‏ سرعتها‏،‏ وبطئها.. وقياس‏ التنفس الخ..). وآلية‏ عمله‏ تقوم‏ على‏ تسجيل‏ التغيرات‏ التي‏ تحدث‏ للمعتقل‏ على‏ مستوى‏ النبض‏،‏ والحرارة‏ ونبرات‏ الصوت‏ والتنفس‏ خلال‏ أسئلة الفاحص‏ أو الخبير‏.. حيث‏ أن التغييرات‏ التي‏ تزيد‏ عن‏ المعدل‏ الطبيعي‏،‏ تعطي‏ مؤشراً‏ بأن‏ ردود‏ فعل‏ المعتقل‏ الداخلية‏ قد‏ تغيرت‏ تحت‏ تأثير‏ الأسئلة الخارجية‏ التي‏ تتعلق‏ بمسائل‏ حساسة يقصدها المحقق.
وبعد‏ تهيئة‏ المعتقل‏ نفسياً‏ للجهاز‏،‏ يوجه‏ الخبير‏ توجيهاته‏ له، لكي‏ يجلس‏ هادئاً‏،‏ مستقراً‏،‏ وأن يجيب‏ بنعم‏ أو لا‏ على‏ الأسئلة‏،‏ ومن‏ ثم‏ يقوم‏ بتوصيل‏ خيوط‏ وأسلاك الجهاز‏ في‏ أيدي وجسم‏ المعتقل، ويبدأ‏ بطرح‏ أسئلة بسيطة‏ مثل‏ كم‏ كرسي‏ بالغرفة… إلخ‏. وأسئلة عن‏ النشاطات‏ الفكرية‏ والسياسية‏ والحركية‏ والعسكرية. وإن طبيعة‏ هذه‏ الأسئلة البسيطة‏، ‏والمتداخلة‏،‏ وطبيعة‏ الردود تحدد عمل‏ هذا‏ الجهاز‏ البسيط‏ً.. والنتيجة‏ عند‏ الخبير‏ دائماً‏ هي‏ أن المعتقل كاذب‏ سواء‏ صدق‏ أم كذبه.
إن إفشال عمل‏ هذا‏ الجهاز‏ يرتبط‏ بترديد‏،‏ عبارات يركز عليها المعتقل أثناء جلوسه أمام الجهاز، كإنشغاله مثلاً بالتسبيح، أو بترنيمة رتيبه تعطي‏ تردداً‏ ثابتاً‏ ومنتظماً‏،‏ ومستقراً‏،‏ تمتص‏ جميع‏ ردود‏ الفعل‏ اللاشعورية‏،‏ وتضبطها‏ في‏ إيقاع منتظم‏،‏ يظهر‏ على‏ شاشة‏ الجهاز‏ بحركة‏ منتظمة‏ لا يوجد‏ فيها‏ انعطافات‏ حادة. فعندما‏ يسأل‏ المعتقل‏ هل‏ أنت منظم‏ لا يخرج‏ الجواب‏ بصورة‏ انفعالية‏ حادة‏،‏ أو كرد‏ فعل‏. بل‏ يجيب‏ المعتقل‏ بصورة‏ طبيعية‏ وهادئة‏ وإيقاع واحد، وترنيمة‏ منسجمة‏،‏ وجرس‏ متوازن مع الذكر أو التسبيح الداخلي، حتى تنسجم نغمة ووتيرة الصوت الداخلي مع الصوت الخارجي. كما قد يقوم على مستوى الأطراف بتحريك أُصبع يده أو رجله عند كل إجابة، ليبطل مفعوله لأن الاهتزاز يؤثر على استجابات هذا الجهاز.(ابراهيم شحادة،1980: أنترنت)
إن أسلوب جهاز‏ كشف‏ الكذب‏،‏ تمارسه‏ المخابرات‏ الصهيونية‏ على‏ كثير من المعتقلين‏ في‏ الأرض المحتلة‏،‏ وهو‏ أشبه بالروتين‏ العادي‏ الذي‏ لا يؤثر على‏ صمود‏ المعتقل‏. وهذا الجهاز‏ نفسه‏ غير‏ مؤثر‏،‏ وأن‏ الاستقرار‏ النفسي‏ وقوة‏ شخصية‏ المعتقل‏ هما‏ عدته‏ لإفشال أي أسلوب سواء‏ كان‏ بسيطاً أو معقداً، لأن أي أسلوب من‏ أساليب المخابرات‏ مرتبط‏ نجاحه‏ بمدى تقبل المعتقل لعملية الإيحاء التأثير‏ العقلي‏.
7- أسلوب إيحاء الخواطر والأفكار :
عملية الإيحاء بالخواطر تحدث من خلال التحكم في المشاعر الداخلية (سواء السلبية أم الإيجابية) التي ترسخ بداخلنا بالبرمجة لها، تلك البرمجة الناجمة عن الحديث الداخلي الذي نمارسه أحياناً مع ذاتنا. إن المرء كثيراً ما يتعرض إلى ضغوطات ناجمة عن إفرازات التعامل والتفاعل بين البيئة المحيطة وذاته، وعندما تحدث البرمجة السلبية ينشغل الفرد بذاته ويتمحور تركيزه على لوم العالم الخارجي، أو اللوم الداخلي بالشعور بالذنب الزائد للذات فتتولد لديه الأفكار الانهزامية الهدامة، وتتعدد لديه المشاعر المحبطة التي تحول بين الفرد وبين التعامل الإيجابي مع الواقع ومشاكله.
إن أهم خطوه يقوم بها المحقق مع المعتقل في هذا الجانب، هو عملية التحكم في المشاعر السلبية التي يفجرها لديه، وهي إحداث قناعه عن طريق الإيحاء بالحوار المعمق مع المعتقل، حول كثير من القضايا الوطنية والفكرية من أجل أن تغير قناعات قديمه لديه مبرمجه في داخل كيانه عبر خبراته الحياتية السابقة. وإن وصول المحقق إلى لب وجوهر هذه القناعات، وهزها من أعماقها، قد تخلق تشويش داخلي خطير في توجيه العقل، وقد تحرف العقل عن اتخاذ القرار الصائب في التحقيق.
إن المحقق يستخدم نظرية الإيحاء بشكل معكوس، ففي حين تستخدم هذه النظرية في العلاج ضمن مواصفات معينه، تتمثل في ركيزتين أساسيتين هما (الاسترخاء الجسدي، والتركيز الذهني على الايحاءات الإيجابية)، نرى أن المحقق يعكس ذلك فيركز على الإرهاق الجسدي، والتشتيت الذهني للفرد وعدم التركيز على الايحاءات الداخلية التي تثير فيه الجوانب الإيجابية من عملية التحقيق. وإن المحقق إذا أفلح في هذه الجوانب يكون قد خط أول خطواته على بناء قناعات جديده لدى المعتقل.
ومن الأمثلة على عملية التأثير على خداع الايحاء بالخواطر الدماغ، خدعة الشعور بالألم بدون أن يتعرض الجسم لإجراءات عملية بممارسة الألم عليه، فمثلاً قد يلجأ المحقق إلى كي أحد المساجين بالسجائر أو الكهرباء، أمام أحد زملائه، ثم يوهُمه بأنه سوف يقوم بكيه بهذه السجائر، أو الكهرباء) فبدأ السجين يصرخ ألماً قبل أن يقوم بتقريب أسلاك الكهرباء منه، ويرتجف جسمه وكأن لسع الكهرباء واقع عليه فعلاً. إن وهذه النظرية في علم النفس تقوم على قوه الإيحاء والإقناع، من خلال خداع الحواس، وخداع المستقبلات العصبية للألم، مما يجعل الدماغ يفرز أنزيمات الألم، وكان الألم واقع عليه بالفعل.
كما يعتبر علماء النفس أنه بواسطة الإيحاء بالخواطر أو الأفكار، يمكن أن يتم فيه التأثير على تغيير السلوك كذلك، ولو بشكل آني مؤقت. والإيحاء بالخواطر ينجح عندما يصل الشخص إلى مرحلة البرمجة اللغوية العصيبة، حيث أن بعض العلماء يعتبر أن البرمجة تعني برمجة أفكارنا وطباعنا وسلوكنا التي اكتسبناها منذ الولادة وحتى الآن، وأصبحت جزءاً أساسياً من كياننا، وتعني اللغوية هي استخدامنا اللغة الملفوظة وغير الملفوظة التي تعكس أفكارنا ومشاعرنا، وتعني كذلك العصبية هي ردود فعل الجهاز العصبي الناجمة عن هذه البرمجة اللغوية.
إن هذه العملية، تجعل المحقق يدخل بسهوله إلى نفس وعقل المعتقل، ليدخل عليه أفكار جديده بكل خبث وقصد، وذلك عبر عمليات وميكانزمات ومشاعر وأحاسيس يغرس خلالها أفكار ومشاعر وأحاسيس جديدة بدلاً منها للتأثير على قناعات المعتقل. وغالباً‏ ما‏ يلجأ‏ المحقق‏ في هذا الأسلوب إلى إحداث شعور‏ بتفوقه‏ وعلمه‏ الغزير‏‏،‏ فيعمد‏ لحديث‏ فكري‏ وتاريخي‏، ‏أو طرح‏ أسئلة تتدرج‏ من‏ سهلة‏ معروفة،‏ إلى أخرى تتطلب‏ إجابات من‏ له‏ إلمام أو معرفة‏ عميقة‏ بالموضوع‏. والقصد‏ من‏ هذا‏ الحوار‏‏ أن يكون‏ أعلى من‏ المستوى‏ الفكري‏ للمعتقل، ويركز‏ خلال‏ الحوار بصره‏ -بقوة‏ وبثبات‏- في‏ عيني‏ المعتقل‏ ليصنع‏ حالة‏ من‏ التأثير‏ المباشر‏ والسيطرة‏،‏ ليوحي‏ أنه‏ شخص‏ قوي،‏ ويغرس‏ في‏ المقابل لدى المعتقل إحساساً‏ بالضعف‏ وقلة‏ المعرفة، كما يحاول‏ المحقق‏ أيضاً‏ أن يغرس‏ في‏ نفس‏ المعتقل‏ قناعات‏ تتناقض‏ مع‏ رسالته‏ النضالية‏ التي‏ اعتقل‏ من‏ أجلها‏،‏ ويزيل بعض‏ القناعات‏ الموجودة‏ لديه. إما بشكل‏ مباشر‏ أو بواسطة‏ الإيحاء بالقوة‏ والمعرفة‏ والتفوق‏ مثل إظهار (أن الكيان‏ الصهيوني‏ قوي‏ جداً‏،‏ وأن‏ العرب‏ ضعفاء‏،‏ ولا مجال لكسب‏ المعركة‏،‏ ومن‏ الأفضل تقبل‏ واقع‏ الهزيمة‏،‏ والركون‏ إلى المصالحة)‏. كما يحاول‏ التأكيد‏ على‏ (أن اليهودي‏ بطبعه‏ أفضل‏ من‏ العربي‏ وأنه‏ يفكر‏ بعقله‏،‏بينما‏ العربي‏ أو المسلم‏ شخص‏ عاطفي‏ يفكر‏ بطريقة‏ غير‏ سليمة‏، ‏وأن‏ جهاز‏ الموساد‏ أقوى جهاز‏ استخبارات‏ في‏ العالم.. وأنهم‏ يعرفون‏ كل‏ التفاصيل‏ وأدق الأمور عن‏ القيادات‏ وطبيعة‏ العمل. بل‏ وكثير‏ من‏ القيادات‏ تتعامل‏ معهم). وقد‏ يتكرر‏ هذا‏ الأسلوب في‏ عدة‏ جلسات‏ متوالية‏،‏ وعندما‏ يظن‏ المحقق‏ أنه‏ حقق‏ قسطاً‏ من‏ السيطرة‏ على‏ المعتقل‏ يدخل‏ في‏ صلب‏ الموضوع‏، ‏أي‏ يدخل‏ في‏ التحقيق‏ الذي‏ يهدف‏ لانتزاع‏ معلومات‏ أو اعترافات
ولكي يتقي المعتقل ذلك عليه أن يبقى متحكماً ومسيطراً على أفكاره الداخلية، ومشاعره وإحساسه، ويمدها باستمرار بطاقة حيوية عقليه، تسمى الاراده، التي تبعث إشعاعها في النفس البشرية، فتقضى على كل عوامل الضعف والوهن. لذلك عليه أن يتخلص من أخطر فكره يحاول أن يزرعها لديه المحقق ألا وهي “الانشغال بذكريات الماضي، وإثارة الشجون لديه، والاستغراق في هذه الذكريات، التي تشتت ذهنه، وتجعله يستغرق على استدعاء الماضي، وعدم التركيز في الواقع”.
ويظهر‏ مما‏ تقدم‏ أن الأساس في‏ نجاح‏ عمل‏ المحقق‏ هو‏ استجابة‏ المعتقل‏ للخدعة‏ التي‏ يحاول‏ تمريرها‏ بهذا‏ الأسلوب فإذا‏ تغلبت‏ إرادة المعتقل‏ ويقظته‏ انهزم‏ المحقق‏ وباء‏ أسلوبه بالفشل.

القسم الثاني: أساليب الخداع غير المباشرة :
وهذه الأساليب تتم بطريقتين، بالتنصت بأدوات تقنية وبشرية أو بالخداع عبر العملاء.
أولاً: أساليب الخداع غير المباشرة (التنصت):
وهذا الأسلوب يقوم على استدراج وخداع المعتقل، بواسطة التنصت إما بوسائل بشرية أو بوسائل تقنية، وذلك لإلتقاط حديثه مع آخرين، من خلال وضعة في أماكن أو مواقف يتم ايهامه فيها بعدم وجود أحد يمكن أن يسترق السمع عليه أو على أحاديثة. والأدوات التي تستخدم في عملية الخداع هذه، تكون إما جهاز تسجيل صغير، أو تكون شخص عميل.
لذلك على‏ المعتقل‏ وهو‏ يواصل‏ معركته في‏ أقبية التحقيق‏،‏ ألا يغفل‏ عن‏ جوهر‏ صراعه‏،‏ وعن‏ طبيعة‏ عدوه‏ وعن‏ الكثير‏ من‏ أشكال الشراك‏ التي‏ يمكن‏ أن تنصب‏ له‏. وعليه أن‏ يضيع‏ الفرصة‏ على‏ المحقق‏ ويفشل‏ أسلوبه، ويُحذر‏ زملائه‏ من‏ الحديث‏ والثرثرة كذلك‏،‏ ويتذكر‏ أن غياب‏ المحقق‏ كشخص‏ لا يعني‏ غياب‏ أجهزته،‏ أو عملائه. وليكن على قناعة بأن‏ هذه‏ اللقاءات‏ التي‏ يمكن‏ أن تحدث‏ مع زملائه ليست وليدة‏ الصدفة‏،‏ بل‏ هي‏ عملية مقصودة‏ لأجل الحصول‏ على‏ مزيد‏ من‏ المعلومات. وعليه عندما‏ يلتقي‏ مع‏ زميله في‏ أي ظرف‏ من‏‏ الظروف‏‏ أن يضبط‏ نفسه‏ ويتعامل‏ معه بشكل‏ طبيعي‏ كأنه يجلس‏ مع‏ غريب‏،‏ أو يعتمد في ذلك أسلوب الحوار الذاتي مع نفسه، أو الحوار مع السماء أو مع المجهول، أي يعتمد الأسلوب غير المباشر لنقل أفكاره لأخيه لصياغة تفكيره، وتوجيهه إلى عدم الاعتراف. (ابراهيم شحادة، 1980: انترنت)
وأسلوب التنصت يتم تنفيذه في أقبية التحقيق الصهيونية، في عدة أشكال من أهمها:
- التنصت أثناء انتظار التحقيق (مردوان التحقيق): ويعتمد تطبيق هذا‏ ا‏لأسلوب إما على المحقق‏ نفسه،‏ بأن يضع جهاز التسجيل المعين للمعتقل، أو يقوم هو بنفسه بتمثيل دور‏ معتقل (فيرتدي‏ زي‏ السجن‏ ويضع‏ الكيس‏ على‏ رأسه‏،‏ والقيد‏‏ في‏ يديه‏‏،‏ ويقف‏ بجوار‏ أحد المعتقلين‏)،‏ أو يعتمد على تنصت أحد العملاء. ثم يحضر المعتقل الهدف وبعد‏ دقائق‏ يحضر‏ المعتقل الثاني‏ ويتم‏ إيقافه بجانبه، وكأنه أحضر بالخطأ‏ بجوار‏ زميله‏،‏ وعندما‏ يوقفه‏ يسأله‏ بصوت‏ منخفض‏ ما اسمك؟ فيجيب ‏به. ثم لإتمام المسرحيه يذهب‏ الحارس بعيدا عن المعتقل، مما يجعل أحدهم ينطلق منتهزاً هذه الفرصه فيبدأ‏ الحديث‏ مع‏ زميله في أمور هامه وخطيرة‏،‏ ويكون‏ المحقق‏ قد‏ سمع‏ الحديث‏،‏ أو التقطتة أذن العميل، أو جهاز التسجيل، وبالتالي يحصل‏ على‏ المعلومات‏ التي‏ يحتاجها بسهوله.
- التنصت في مكتب التحقيق: المخابرات‏ تدرك‏ أنه‏ إذا ما‏ تم‏ ترتيب‏ خلوة‏ مصطنعة‏ لاثنين‏ من‏ المعتقلين‏ في‏ جو‏ غير‏ مشبوه‏ فإنهما سيتناجيان‏ بأشياء مهمة. ومن أشكال هذا الأسلوب أن يتم‏ استدعاء‏ اثنين من نفس القضية إلى مكتب التحقيق‏،‏ ويتظاهر‏ المحقق‏ بأنه‏ يحتاج‏ لقهوة‏ أو شاي،‏ فيبدأ‏ بالصراخ‏ على‏ الجندي‏ لإحضار ذلك،‏ يتظاهر بالغضب لأنهم لا يسمعون، ويخرج‏ من‏ المكتب‏‏‏ لإحضار حاجته، فيخلو الجو‏ للمعتقلان، ويبدأ كل واحد منها يحدث الآخر عن أشياء معينة، وهكذا يقع كلاهما في شرك التسجيل.
- التنصت في الزنزانه أو الغرفه: ويتم في هذا الأسلوب وضع جهاز للتنصت في مكان ما من الزنزانة أو الغرفة، يعتقد ضابط التحقيق أنه مناسب لالتقاط المعلومات، ويستبعد المعتقل وجود مثل هذا الجهاز فيه. ثم يتم إدخال اثنين من أبناء القضية الواحدة أو أكثر فيها، وكأن الأمر حدث بطريقة الخطأ، فيتحدثان عن القضية وعن أعمالهم في الخارج، مما يشكل مصدرا سهلا للمعلومات التي تستثمر في توجيه دفة التحقيق فيما بعد.
- التنصت بين الزنازين أو الغرف: كما أن من أشكال هذا الأسلوب أنه قد‏ يتم وضع جهاز التنصت، بين حجرات‏ الزنازين‏،‏ حيث‏ يوضع‏ المعتقلين‏ في‏ حجرتين‏ متجاورتين‏ وبينهما‏ كوة‏ صغيرة أو يتظاهر الجندي بأنه قد ترك الكوة في الباب مفتوحة‏،‏ بحيث‏ يسمح‏ لهم‏ الظرف‏ (عند‏ ابتعاد‏ السجان)‏ من‏ الحديث‏ الطويل‏،‏ وقد‏ يستمر‏ وجودهم‏ في‏ تلك‏ الحجرات‏ يوماً‏ أو يومين‏،‏ وذلك‏ يرجع‏ لمدى‏ استفادة‏ المحقق‏ منهم‏ من‏ خلال‏ جهاز‏ التسجيل، أو العميل الذي يسجل كل ما يصدر عنهم.
- التنصت في غرفة المحامي أو الصليب الأحمر: وفي هذا الأسلوب يتم‏ استدعاء‏ كل‏ معتقل على‏ حده‏،‏ للقاء‏ الصليب الأحمر‏،‏ أو المحامي، أو القاضي‏،‏ وهناك‏ قد يعتقد البعض عندما يرى زميلة أن الفرصة‏ سانحة للحديث، لأنهم بعيديين عن‏ موقع التحقيق، ولا أحد بجوار‏هم يسمعهم.
- التنصت في غرفة الترحيل (المعبار): وهذا الأسلوب يعتمد على‏ خلق‏ جو‏ متعمد‏ من‏ الخلوة والانفراد‏ لبعض الوقت،‏ لاثنين‏‏ (أو أكثر) من‏ المعتقلين في‏ مكان‏ الانتظار المخصص لعملية التنقل والترحيل من سجن لآخر (المعبار)، خاصة عندما‏ تتأكد‏ المخابرات‏‏ أنهم من‏ أعضاء التنظيم الواحد،‏ وهناك‏ شك‏ بأنهما‏ على‏ علاقة‏ تنظيمية‏ ما‏، وأن‏ الحصول‏ على‏ معلومات‏ منهم بصورة‏ مباشرة‏ من خلال‏ التعذيب‏ ‏صعبه.
فيخبأ‏ بالقرب‏ منهم‏ جهاز‏ تسجيل للحصول‏ على‏ معلومات‏ بصورة‏ غير‏ مباشرة.
لذلك على المعتقلين في‏ أقبية التحقيق‏ أن يعلموا بأن‏ جهاز‏ المخابرات‏ الصهيوني‏ يعمد إلى عزل‏ أعضاء القضية‏ الواحدة.. عزلاً‏ كاملاً.. بحيث‏ لا تتوفر‏ لهم‏ فرصة‏ اللقاء‏،‏ أو الاقتراب‏ من‏ بعضهم‏،‏ لأن هذا الالتقاء ما هو إلا شرك ومصيدة لهم.
- التنصت في سيارة الترحيل: عمد المحققون حديثاً إلى استخدام طريقة جديدة في التنصت حيث يتم استدعاء مجموعة من المعتقلين الذين انهوا فترة التحقيق، ولم يدلوا بأي اعتراف، ثم يتم وضعهم في سيارة للترحيل إلى سجن آخر. وفي الطريق يَدعى الجنود أن السيارة تعطلت وأنهم سوف يقومون بنقلهم بسيارات عسكرية اخرى، وفعلاً يتم وضع الهدفين المحددين من قبل جهاز المخابرات، في سيارة عسكرية واحدة، ثم يوهموا المعتقلين بأنهم مشغولون في أشياء أخرى، مما يدفع أحدهم لاستغلال الفرصة بانشغال الجنود عنهم، ويبدأ بالتحدث مع زميله عن مواضيع مهمه بينهم خارج المعتقل، ويتم يسجل حديثهم، ثم يقوم المحقق بمواجهتهم بذلك مما يؤدي الى اعترافهم.
لذلك على المعتقلين أن يتصرفوا حيال أي شخص يعرفونه باللامبالاة وعدم الاكتراث، وعدم التحدث معهم في أي شيء لأنهم ما زالوا في قلب التحقيق.
- التنصت أثناء الترحيل: ويرتب‏ هذا‏ الشرك‏ أثناء نقلهم إلى سجن آخر،‏ وهم‏ معصوبو‏ الأعين، وأثناء الترحيل تحت شجرة أو صخرة‏. وتذهب‏ بهم‏ السيارة‏ ‏ إلى مناطق‏ بعيدة تحت‏ ساتر‏ ترحيلهم‏ إلى سجن‏ آخر وفي‏ الطريق‏ يتم‏ تعطيل‏ السيارة‏ بصورة‏ متعمدة.. وينزل‏ الجنود‏،‏ ويربطون‏ المعتقلين‏ بشكل‏ قوي‏ إما بشجرة أو مع بعضهم البعض،‏ ويحذرونهم‏ من‏ الهرب‏، بينما‏ يذهب‏ جنود‏ لإحضار سيارة‏ جديدة‏،‏ ويقف‏ جندي‏ من‏ بعيد‏ حارساً‏ عليهم‏،‏ يأمرهم‏ بعدم‏ الكلام.. وكأنه‏ يستفزهم‏ للحديث‏،‏‏ أو حتى قد يتركهم‏ لمعاينة‏ السيارة‏،‏ أو إحضار شيء‏ ما.. ليقتنص‏ المعتقل‏ في غياب‏ المحقق‏، ‏وابتعاد‏ الجندي‏ للحديث‏ مع زميله عن‏ العمل‏ والقضية‏.
ثانياً: أساليب الخداع غير المباشرة (العملاء ):
العملاء هم ” أولئك الأفراد الذين تعرضوا لعوامل ضاغطة على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو التعليمي أو عوامل ضاغطة أخرى مما جعلهم عرضة للسقوط والارتباط مع أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية بنية تقديم خدمات متنوعة لصالح الاحتلال تساعد على كشف أو اعتقال أو تصفية أو تخريب مصالح الآخرين على مستوى الأفراد أو المجتمع”.(خضر عباس،2000: 9)
وإن دور العملاء في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، يعتمد بشكل عام على القيام بدسهم في صفوف الشرفاء، أو إظهارهم بمظهر الحريصين على مصلحة الوطن، حتى يقع غيرهم في حبالهم، فهم قد كانوا كمثل العنكبوت ينصب حباله للفريسة ثم يقوم بامتصاصها. (أحمد مهنا، ب. ت: 142)
وتقول بتسيلم في تقريرها ” في داخل السجون والمعتقلات يعمل عملاء فلسطينيين وأهمية عملهم تكمن في مساعدة المحققين في السجن لأخذ أقوال واعترافات الأسرى الذين بحوزتهم أقوال. وجزء من هؤلاء المتعاونين قد جرى تجنيدهم أثناء السجن (أثناء التحقيق معهم أو بصفقة للتخفيف من أحكامهم)، وقليل منهم على خلفية جنائية، وآخرين عملوا في خدمات رجال الأمن قبل أن يدخلوا إلى السجون -حسب أقوال التنظيمات الفلسطينية-. وقليلاً منهم أدخلوا متعاونين إلى السجون حتى يظهروا أنهم من مناضلي الانتفاضة، حيث كان يتم اعتقالهم عندما يتم اعتقال الخلية التابعين لها حتى لا يدور الشك حولهم. وقد كان الفلسطينيين يلقبون المتعاونين الذين يعملون داخل أسوار السجون بالعصافير، الذي بدأ عملهم في عام 1979 –حسب رؤية بتسيلم في أعقاب أوامر أعطاها رئيس الحكومة آنذاك (مناحيم بيقن) بإبطال استعمال التعذيب الجسدي ضد الفلسطينيين المحقق معهم- حيث يرسل المعتقلون إلى غرف العصافير، عندما لا ينجح المحققون في أخذ معلومات واعترافات كافيه منهم، أو أن اعترافاتهم التي أدلوا بها كانت جزئية فقط. (بتسيلم،1993: 19)
وفي هذه العمليةيتم زرع عميل أو مجموعة من العملاء والخونه والجواسيس، والساقطين، والمنهارين، في مردوان التحقيق، أو الزنازين، أو غرف العار، أو سجون العار، أو أثناء تنقل المعتقل من سجن لآخر، أو في عمليات الترحيل الوهمية،….إلخ.
وقد جاء هذا الأسلوب بعد أن جربت أجهزة التحقيق الإسرائيلية على مدار عملها الطويل على السجناء الفلسطينيين وسائل عديدة للتعذيب والضغط لانتزاع المعلومات من أفواههم، ولكن مع تطور العمل النضالي الفلسطيني ووعي المناضلين المتزايد بقضيتهم وارتباطهم الوثيق بها، صار من الصعب على المخابرات الإسرائيلية انتزاع الاعترافات منهم بمجرد الإرهاب والتخويف. لذلك لجأوا لاستخدام أساليب ملتوية غير مباشرة معهم، من أجل انتزاع الاعتراف منهم، بدلاً من المواجهة معهم بشكل مباشر.
وفي هذا الأسلوب لا تتم المواجهة بين المحقق والمعتقل مباشرة، إنما يلجأ المحقق إلى وسائل وأساليب ينفذها غيره بتوجيه مباشر منه، (العميل) مما يدفع المعتقل في بعض الأحيان إلى رفع حالة التوتر والاستنفار لديه، ويبدأ بالاطمئنان لما حوله ولمن حوله، ولا يدري أن هذه الحالة ما هي إلا جزء هام من عملية التحقيق.
وأسلوب العملاء للإيقاع بالمعتقلين داخل السجون عبر المصائد تعتمد على فرد أو مجموعة من العملاء الذين كانوا يعيشون بين المعتقلين قبل اكتشافهم، لذلك فهم يعرفون حياة المعتقلين جيدا ويعرفون أسلوبهم في العمل، ويستطيعون لعب الدور المطلوب منهم. ولكن في الحقيقة العصفور هو شخص عميل ‏يتقمص‏ شخصية‏ ابن‏ الحركة‏ أو التنظيم‏ على‏ المستوى‏ الفكري‏ والسلوكي، فقد‏ يظهر‏ التدين‏ ويؤدي‏ العبادات‏ ويحفظ‏ من القرآن‏ الكريم ويجيد‏ سرد‏ القصص‏ في‏ مجالات‏ متعددة‏. وتزوده‏ المخابرات‏ بالمعلومات‏ المتوفرة‏ عن‏ الأسير في‏ ملفه‏،‏عن‏ حياته‏ وأصدقائه ونشاطاته‏،‏ وهي‏ معلومات‏ يستخدمها‏ (العصفور) للإيقاع به، لكي‏ يتقرب‏ منه بحسب وضعة، فإن كان‏ متديناً فإنه يؤدي‏ الصلاة‏ بخشوع‏ شديد‏، ويقوم‏ الليل، ويدرس‏ أفكار التنظيم المعني،‏ ويناقش‏ فيها بحرارة،‏ أو يلقي‏ دروساً‏ وتوجيهات‏ فكرية‏ على‏ الآخرين.
وتكمن أهمية العملاء داخل الزنازين في نواحي كثيرة، كتحصيل معلومات أولية حول نفسية المعتقل، ونقل هذه المعلومات لرجل المخابرات، حيث أن نظرية التحقيق تفترض أن لكل شخص نقطة ضعف على المحقق أن يسعى لاكتشافها من خلال ممارسة جدول من أعمال التعذيب، لكي يحدد من خلالها نقاط الضعف لديه، وبالتالي يرسم سير عملية التحقيق، واتباع خطة ذات سقف زمني محدد لمجريات التحقيق، وبلورة الطريقة والخطة المناسبة لذلك. والعميل يسهل الأمر على المحقق، في اكتشاف نقاط الضعف هذه. لذلك على السجين ألا يكشف عن أي نقطة ضعف لديه أمام أحد.
كما أن من مهمة العملاء في المصائد معرفة ردود أفعال السجين ما بين جولات التحقيق التي تتم معه لعمل تعديل إذا لزم الأمر على خطة التحقيق، وكذلك معرفة الحالة النفسية للمعتقل حال طرح قضية معينة عليه أثناء التحقيق ومدى تأثره بذلك. بالإضافة إلى أهم عمل لديه، وهو عملية الخداع والتوريط التي يمارسها ضد المعتقل.
لهذا يتوجب على المعتقل ألا يرفع حالة الاستنفار المعنوي والجسدي لديه إلا بعد زيارة الأهل بشكل عادي وطبيعي، ومن الأفضل أن يتم ذلك بعد الزيارة أكثر من مرة، ومن الأفضل أن يلازمه منطق الشك والريبة والحذر خلال فترة الاعتقال، ولا يقتصر على مدة التحقيق فقط.
يقول رئيس (الشاباك) السابق (يعقوب بري) ” من البديهي أن أمتنع عن تفصيل الحيل التي خدمتنا، وعليه اكتفي بالتحدث عن البعض منها. حيث حدث أكثر من مرة بأنه عندما يصر الشخص الخاضع للتحقيق على عدم الإدلاء بأية معلومات، كنا نقوم بإدخاله إلى زنزانة يوجد بها بعض العملاء المزروعين، وكانوا يظهرون كقادة للتنظيمات الفلسطينية، وفي أغلب الأحيان كانوا يقومون بعملهم هذا بصورة متقنة، حيث كانوا يشتمون المحققين، وكانوا يطلعون السجين على أسرار كانت تبدو حقيقية حول التنظيمات التي ينتمون إليها، ويحذرونه من زملائه في الزنزانة بذريعة أنهم قد يكونوا عملاء. في بعض الأحيان يستغرق الوقت أسابيع إلى أن يتمكنوا من كسب ثقة السجين الرافض للكلام، ولكن بعد النجاح في إقناعه تصبح أحيانا ثقته كبيرة بهم للدرجة التي يصبح فيها مستعدا أن يسجل كتابيا كل ما يعرفه، لكي قوموا بتهريب هذه المعلومات من السجن لقيادة التنظيم في الخارج. (يعقوب بري،1999: )
1- أهم طرق خداع العملاء :
أهم فكرة يعتمد عليها العملاء داخل الزنازين جعل المعتقل يتكلم ويتحدث ليخفف عن نفسة وليحقق ذاته. لهذا فجل عملهم يأخذ في الاعتبار النواحي النفسية التي تدفع الإنسان للحديث، فالحديث أهم وسائل التعبير عن الذات، واهم من ذلك أن الغالبية العظمى لا تحتمل الاحتفاظ بالأسرار، فيبحثون عن الشخص المناسب أو الجو المناسب ليبدأو بالحديث عما لديهم من أسرار، وفي نفس الوقت للتعبير عن قدرتهم ووصولهم. (محمد شحادة،1992: 132)
- الخداع عبر عميل: يدس المحقق في بعض الأحيان أحد العملاء على المعتقلين في زنزاناتهم، ويوهمهم بأنه مناضل، ويمثل دور البطل لكسب الثقة ولجمع المعلومات، أو لممارسة دور المتساقط لإضعاف وخلخلة الوضع النفسي للمناضلين، أو لعب دور البريء الذي سيخرج إلى الحرية بعد مدة قصيرة لعدم وجود أدلة عليه، ثم يعرض خدماته للمعتقل، ويسأله إن كان يريد أن يحمل له رسالة لزملائة خارج السجن، في محاولة لمعرفة علاقات المناضل التنظيمية واتصالاته. (علي حتر، ب ت: انترنت)
وأحياناً يتم استدراج المعتقل عن طريق فتح علاقة وصداقة معه حتى يطمئن ويتفوه ببعض المعلومات التي أخفاها عن ضابط التحقيق، فيقوم العميل بتوصيل هذه المعلومات إلى المخابرات بنفسه أو عن طريق رجل أمن السجن الصهيوني.
- الخداع عبر عميلين: وهذا الأسلوب يتم برسم تمثيلية من قبل عميلين يحاولان خداع السجين، كأن يظهر أحدهما أنه مناضل صامد، ويقوم الآخر بدور المنهار المتساقط الذي أعترف علية، وربما أظهر كل واحد منهما العداء للآخر، فيتدخل لفض النزاع بينهما، وتستمر اللعبة إلى أن يثق بالعميل الذي يوهمه أنه بطل، مما يجعلة يثق به ويستفيض في الحديث معه عن نشاطة في الخارج.
- الخداع عبر مجموعة من العملاء (العصافير): ويتم في هذه الطريقة زرع أكثر من عميل داخل الزنزانة الكبيرة التي يوجد فيها السجين، ويحاولون جميعا أن يستدرجوه، فأحدهم يوهمه بأنه بطل، وآخر ينفث في نفسه الانهيار والاعتراف، وثالث ينصحه بألا يتعامل مع غيره وهكذا. ويبدأ الجميع في رسم سيناريو محكم في التأثير على عقل المعتقل، وقد يميل قلب السجين أحياناً لأحدهم الذي يقدم له النصائح، وينفتح صدره له، وبالتالي يغدق عليه المعلومات التي تحمل من أجلها المشاق والعذاب.
- الخداع عبر غرفة العار (العصافير): غالباً ما تكون هذه الغرفة في السجون الداخلية (داخل الخط الأخضر) أو في الضفة الغربية، وهذه الغرفة تقطنها مجموعة ساقطة من المعتقلين الذين سئموا العيش مع المعتقلين الأمنيين. ويقوم هؤلاء المتساقطون بالدور الإجرامي الذي لم يوفق به رجل المخابرات، حيث يدخل السجين الغرفة، فيوهمه هؤلاء الساقطون بأنهم قمة الوطنية والإسلام بإيهامه بالبروتوكول الذي يطبقوه في استقباله، ومن ثم يندس إليه كبير العملاء ليوهمه أنه مسئول الغرفة أو حتى مسئول المردوان، ويجلس معه بهذه الصفة، ثم يطلب منه أن يقدم تقريراً حول قضيته لكي يرسله للقيادة داخل المعتقل لكي تتعرف عليه، وهنا يبدأ المعتقل بسرد كل صغيرة وكبيرة لينال أكبر احترام ومكانة لدى تنظيمه، ويعترف بما لم يعترف في التحقيق. وغالباً يدخل السجين إلى غرفة العصافير (العملاء) عندما يكون في وضع نفسي وجسدي ضعيف نتيجة التحقيق معه، والعصافير يكونون على علم باعترافاته وانتمائه التنظيمي وخصوصيات أخرى على اعترافاته، فيستقبلونه بالترحاب ويوفرون له مكان للجلوس والراحة ويجهزون له الأكل والشرب والملابس النظيفة أيضا،ً ليشعر بالراحة والأمان، بعد عناء الأيام الصعبة عليه في التحقيق، وهذا الأمان التراكمي بين السجين وبين سكان الغرفة، قد يثير السجين للحديث عن أفعاله. (خضر عباس،2004: 138)
- الخداع عبر سجون العملاء (العصافير): وهذا الأسلوب يقوم على إسقاط المناضلين والحصول على اعترافات منهم، عبر (غرف العار)، وهي أقسام خاصة يسميها المناضلون (أقسام العار)، أو يسمونها غرف العصافير. (الجبهة الشعبية، ب.ت: 40)
وقد اعتمد هذا الأسلوب من قبل أجهزة الشين بيت بالتنسيق مع شرطة السجون، بإنشاء شبه سجن كامل للعملاء – كسجن الخليل مثلاً بجميع غرفه- بحيث يكون كل من في الغرف متعاونين مع العدو، وفي هذه الحالة تنطلي اللعبة على الشاب الجديد الذي لا يدرك شيئاً حوله، حيث يمثل العملاء عدة فصائل، ويمثل داخل الغرفة كل فصيل بلجنة تجلس مع القادمين الجدد طبعاً لمعرفة الفصيل التابع له، وتتم عملية الاختيار وفق الانتماء. وقد وقع الكثير عبر هذه الحيلة، فمن أين للسجين أن يدرك أن كل هذا الكم هم عملاء، وعندما يطلب منه تعريف نفسة، وكتابة تقرير عن نشاطه، يسارع لذلك ليظهر لهم مدى بطولته.
وهذا الأمر يعتمد على الخطأ السائدة لدى التنظيمات، التي تفرض على المعتقل عندما يخرج إلى السجن، أن تجلس معه لجنة ليحدد انتماؤه على ضوئها، ثم الطلب منه تقديم تقرير حول قضيته، وتحدث هنا الطامة الكبرى لو أفلح أحد العملاء في الوصول إلى مسئول لبعض التنظيمات، حيث يستقبل هذه التقارير التي يحصل عليها ويرسلها إلى مسئول الأمن الصهيوني في المعتقل.
لذلك يجب عدم مطالبة أي معتقل بتقديم تقرير أثناء فترة الاعتقال من قبل أي شخص مهما كان مركزه، وبالتالي لا يحق لأحد أن يفرض عليه أن يقول أو يكتب أشياء لم يدل بها أمام المحقق. كما يتوجب على الإخوة داخل السجون أن يوقفوا هذا الأسلوب الذي أسقط كثيراً من الإخوة الممتازين الذين كانوا مثلاً في الصمود والتحدي.
- الخداع عبر عملية الترحيل: يتم هذا الأسلوب بعملية ترحيل بشكل تمثيلي إلى خارج الوطن، ويحشد ضابط المخابرات كل امكانياته، ويوظف كل طاقاته، باعتبار أن هذا الأسلوب يعبر عن قدرة عالية في التمويه والخداع، حيث يتم إيهام المعتقل بأن السلطات سوف تقوم بترحيله للخارج، بتهيئة جميع وقائع الترحيل العادية، ويسلم إلى الصليب الأحمر المزيف، ويجد نفسه وجهاً لوجه أمام مسئوليه في القياده، وبعد الترحاب يتم إيهامه بأن القيادة قد اتصلت تطلب منه أن يقدم تقريرا مستعجلا عن كل تحركاته داخل الأرض المحتلة، وعن منجزاته البطولية التي قدمها للحركة، وهكذا يتم خداع المعتقل ويقدم اعترافه. وفي التحقيق الذي يقوم بكل هذه العملية الخداعية، أو أغلبها هم عملاء محترفون ذلك.
يروى أحد المعتقلين وهو الأخ (أبو حسين) ‏الذي سجل أروع التحدي والصمود في التحقيق، فيقول عن هذا الأسلوب: ” لقد ‏هددوني‏ بالإبعاد إلى لبنان، وفعلاً‏ سلموني‏ أماناتي،‏ وملابسي‏،‏ وأخذتنا سيارة‏ عسكرية‏ من سجن المجدل‏،‏ الى ميليشيات جنوب لبنان العميل، وهناك‏ في‏ مناطق‏ جبلية‏،‏ سُلمت‏ إلى وفد‏ من‏ الصليب‏ الأحمر الذي‏ أخذني إلى مناطق‏ سعد‏ حداد‏.. وعند‏ آخر نقطة‏‏.. قالوا‏ لي‏ من‏ هنا‏ بإمكانك أن تسير‏ لوحدك‏ فأنت الآن في‏ منطقة‏ جماعتك‏.. سرت‏ ما‏ يقرب‏ من‏ ‏2 كيلومتر‏ فإذا بمقاتلين‏ يخرجون‏ من‏ الكمائن‏ ويتكلمون‏ بلهجة‏ فلسطينية‏ لبنانية‏ قلت‏ لهم‏ أني فدائي‏ مُرحل‏.. أخذوني إلى موقع‏ عسكري‏،‏ وشاهدت‏ صور‏ أبو عمار‏ وأبو جهاد‏،‏ وشعارات‏ (ثورة‏ حتى‏ النصر‏،‏ فتح‏ ديمومة‏ الثورة)‏‏ وتجمع حولي‏ المقاتلون‏،‏ وتسامرنا‏ طويلاً‏.. شعرت‏ أنني حر‏.. قال‏ لي‏ قائد‏ المعسكر‏ القيادة‏ في‏ بيروت‏ تنتظرك.. وبسبب‏ اشتباكات‏ في‏ الطريق‏ سيتأخر‏ وصولك‏ فاكتب‏ تقرير‏اً عاجلاً لاطلاع‏ القيادة‏ كتبت‏ تقريراً‏ مفصلاً‏ وأخذه قائد‏ المعسكر‏.. وفي‏ الليل‏ تحركت‏ بنا‏ السيارات‏ باتجاه‏ بيروت‏، ‏حيث‏ في‏ الطريق‏ وقعنا‏ في‏ كمين‏ إسرائيلي وبعد‏ ساعة‏ وجدت‏ نفسي‏ أمام المحققين‏،‏ ومعهم‏ التقرير‏.. قال‏ لي‏ المحقق‏ ‏ (وقعت‏ يا بطل خطفت‏ منه‏ التقرير‏ ومزقته‏ بهستريا‏.. هجموا‏ عليِّ‏ جميعاً‏.. وجمعوا‏ التقرير‏ الممزق‏،‏ وأعادوا تركيبه‏ ووضعوه‏ تحت‏ لوح‏ زجاج‏..) واجتمع‏ جميع‏ ضباط‏ المخابرات‏ حولي‏ بعد‏ انتهاء‏ كل‏ شيء‏ تذكرت‏ شريط‏ الرحلة‏ الطويل‏،‏ وتيقنت‏ بأن‏ الرحلة‏ كانت‏ رحلة‏ مصيدة‏ فاحذروا‏ المصائد‏ من كل نوع.
لذلك على المعتقل ألا يتفاعل مع الحقائق التي أمامه بشكل عادي، بل يدخل كل شيء حوله إلى دائرة الشك والريبة، ولو طلب منه أحد تقريراً، فعليه أن يقدم الأشياء المكشوفة التي يعلم أن المخابرات تعلمها، أو يقدم أشياء تضليلية لا تمت إلى الحقيقة بصلة، حتى لو كان أولئك هم فعلا أبناء فصيلة، وتنظيمة.
2- أساليب خداع العملاء في التحقيق:
- تضليل المعتقل: من أساليب العملاء لخداع السجناء أن يعرف العميل نفسه بأنه صاحب تجربة سابقة بالاعتقال وقد ينتحل اسم أحد المعتقلين المعروفين، ثم يستدرج المعتقل الجديد لسؤاله عن الكثير من الأمور بناءً على خبرته، خاصة السؤال عن الأمور التي تحدث أثناء التحقيق، وبالتالي تكون أجوبة العميل بالشكل الذي يخدم المحققين، وبناءً على تعليماتهم. حيث يهدف العميل بذلك إلى إعداد المعتقل لجولات التحقيق، فيصور المخابرات مثلاً على انهم يعرفون كل شيء، ولا يعتقلون أحد إلا عندما يكونوا متأكدين منه، وهم لا يتركون أحدا دون أن يعترف بكل شيء وما شابه. وغالباً ما يقوم العملاء بشرح أشياء مضللة للمعتقل، والمعتقل الجديد الذي يجهل ما يدور حوله، يعتبر أن وجود أحد إلى جانبه من أصحاب الخبرة والتجربة الاعتقالية هدية من السماء.
- الناصح الأمين للمعتقل: في هذ الأسلوب يقوم العميل بدور الناصح المخلص والأمين للمعتقل، ويتطرف في النصائح له، لدرجة القيام بتنبيهه وتحذيره من العملاء في غرف العصافير. وقد تنسق هذهالنصيحة بمسرحية متفق عليها مع ضابط التحقيق وعملاء أخرين، حيث يتم إنزاله إلى غرف العصافير لفترة قصيرة لا تتجاوز اليوم او اليومين يتم خلالها إشعاره (بشكل ذكي) بأنه فعلا في غرف العصافير، أو يتم وضعه في زنزانة تتسع لثلاثة أو أربعة أشخاص، يكون كلهم من العملاء، فتتطابق بذلك نصائح العميل الأول مع سلوكهم، ثم يتم إعادته إلى زنزانته الأولى، حيث الناصح الأمين (العميل)، الذي أرشده وعلمه، فيثني المعتقل عليه ويشكره على توعيته له، ويبدأ يفتخر أمامه بأنه قد نجح في معرفة العصافير، وبالتالي يتحول العميل لمحل ثقة كبيرة لديه، وينفتح قلبه له، وينطلق لسانه معه ليكافئه بتقديم المعلومات المهمه له.
- كسب‏ ثقة المعتقل‏: في هذا الأسلوب يعمل العميل المدسوس على كسب عطف وود وثقة المعتقل، ويظهر نفسه بأنه بطل ومناضل ويبدأ يحدثه عن قضيته وبطولاته، وأنه لم يعترف مما يجعل المعتقل يثق بالعميل المدسوس ويقص عليه قضيته ويعترف له بما لم يعترف به عند رجل المخابرات، وهكذا يقع في الشرك الذي رسمه له ضابط المخابرات مع العميل المدسوس. لهذا يتوجب على جميع الذين يمكثون في الزنازين ألا يثقوا ولا يتحدثوا مع أحد حول قضيتهم وأن يعتبروا أن أي شخص يحاول أن يبتزهم بالحديث عن قضيتهم هو مشبوه لا يجوز الاستمرار في إقامة علاقة معه.
- بث المحاكاة للمعتقل‏: ‏ يوضع‏ في هذا الأسلوب عميل ‏مع‏ الأسير فترة‏ أسبوع أو أكثر‏ في‏ الزنزانة‏ أثناء فترة‏ التحقيق‏،‏ حتى‏ يثق‏ به‏،‏ وبعدها‏ يتم‏ إخراجهما للأقسام وهناك‏ أمام العملاء (العصافير) الآخرين يسارع‏ هذا‏ العميل‏ إلى كتابة‏ تقرير‏ إلى (العصافير‏) الذين‏ يمثلون‏ أدوار مسؤولي‏ التنظيمات،‏ وعندها يبادر المعتقل لتقليد هذا الشخص ويقدم‏ تقريراً‏ بدوره‏ إلى العملاء (العصافير).
- تقمص الدور الوطني‏: يقوم أحد العملاء (العصفور) بتمثيل ‏دور‏ الغيور‏ الحريص‏ على‏ العمل‏‏ النضالي، فيشكو‏ من‏ نقص‏ الأفراد المخلصين‏ في تنظيمه‏،‏ ثم يبدأ‏‏ في‏ مدح‏ الاتجاه‏ التنظيمي‏ الذي‏ يكون‏ المعتقل قريباً إليه أو منتمياً‏ له‏،‏ ويطنب‏ في‏ الحديث‏ عن‏ صفات‏ هذا‏ التنظيم‏ الجيدة‏،‏ وكيف‏ أن أفراده أفضل‏ الناس‏،‏ وأن‏ عملياتهم‏ نوعية،‏ وأن‏ الجماهير‏ تحبهم‏،‏ وتثق‏ بهم‏،‏ وأنه‏ كان‏ يتمنى‏ أن يكون‏ عضواً‏ في‏ ذلك‏ التنظيم‏،‏ ولكن‏ الاستعجال‏ للنضال‏ واندفاع‏ الشباب‏ جعله‏ ينتمي‏ لتنظيم‏ آخر، وعندما‏ يخرج‏ من‏ السجن‏ سينضم‏ لو‏ سنحت‏ له‏ الفرصة‏ إلى ذلك‏ التنظيم.‏ وهكذا حتي يقتنع به المعتقل ويصدقه.
- تثبيط‏ عزيمة المعتقل: ومن الأدوار الهامة المطلوبة من العملاء في السجون، ليس فقط الحصول من المعتقلين على المعلومات، ولكن أيضاً تثبيط عزم المناضلين. حيث يندس بعض العملاء في زنزانات المعتقلين، ويمثلوا عليهم دور المناضلين لكسب ثقتهم من أجل جمع المعلومات منهم، أو القيام دور المتساقط لإضعاف وخلخلة وضعهم النفسي. (خضر عباس،2002: 92)
وفي‏ هذه‏ الأسلوب يلجأ‏ العملاء (العصفور‏) إلى إلقاء المواعظ‏ المحبطة‏،‏ والقصص‏ المثبطة‏ فيتحدثوا‏ عن‏ عدم جدوى الصمود‏،‏ وعن‏ كذب‏ ادعاءات‏ الذين‏ يقولون‏ أنهم‏ أبطال صمدوا‏ أمام المحقق‏،‏ وأن هذه‏ الحكايات‏ لا‏ أساس لها من الصحة‏،‏ فالكل‏ يعترف‏ والأبطال هم‏ حالات‏ مفبركة‏ وشخصيات‏ مصنوعة‏ فقط. وأن الاعتراف‏ ببعض‏ المعلومات‏ هو‏ وسيلة‏ مضمونة‏ للإفلات من‏ التعذيب‏،‏ وأن‏ المحققين‏ لا يتركون الأسير حتى‏ يعترف‏ ولو‏ طالت‏ فترة‏ التعذيب‏ لمدة‏ طويلة،‏ وأن‏ نهاية‏ التعذيب‏ لابد‏ أن تكون‏ بالاعتراف‏ مهما‏ تمكن‏ الأسير من‏ الصمود‏.
ـ‏ تمثيل تحدي‏ السجان‏: ‏‏‏ يتعمد‏ أحد العملاء (العصفور) أن يظهر‏ كبطل‏ أمام السجان‏،‏ فيتحداه‏ ويشتمه‏ ويتعرض‏ للضرب‏ والشتم‏ بسبب‏ ذلك‏ ولكنه‏ يكسب‏ ثقة‏ الأسير به‏ كبطل‏ وصاحب‏ موقف‏ رجولي‏. ‏فيرتاح إليه ويبث له كل مكنونات قلبه وفؤاده.
ـ‏ عرض المساعدة‏ والخدمه: ‏يُطَمْئِن‏‏ في‏ هذه‏ الحالة‏ المعتقل‏ للعميل العصفور حيث يظهر له‏ أنه‏ مستعد‏ لخدمته‏ بإرسال‏ رسالة‏ إلى التنظيم‏ خارج‏ السجن‏،‏ لأنه‏ على‏ اتصال‏ مع‏ القيادة‏،‏ ويذكر‏ له‏ اسم‏ المسؤول‏،‏ وقد يطلعة على‏ ورقة‏ وقلماً‏ استطاع‏ حسب‏ زعمه‏ تهريبها‏ إلى السجن‏ بطريقة‏ ما‏ وإخفاءها عن‏ السجانين‏، ويقرأ له رسالة المسئول التي وصلت له من خارج المعتقل.
- التكريم والاحتفال بالمعتقل: ‏يستقبل‏ (العصافير) ‏المعتقل‏ أحسن‏ استقبال‏ ثم‏ تبدأ‏ حفلة‏ التعارف‏ فيقدم‏ كل‏ عميل (عصفور) ‏نفسه‏ ذاكراً‏ الاسم‏ والعضوية‏ والمرتبة‏ التنظيمية‏ ومدة‏ محكوميته‏ ثم‏ يأتي‏ الدور‏ على‏ المعتقل‏،‏ فإذا انطلت‏ عليه‏ الحيلة‏ قدم‏ لهم‏ نفسه بوضعه التنظيمي، وأحياناً يقدم لهم معلومات‏ ثمينة‏ كان‏ قد‏ أنكرها أمام المحقق‏.
- تمثيل المسؤول‏ المركزي‏‏: حيث‏ يأتي ‏عصفور‏ وكأنه‏ مسؤول‏ مركزي‏ للحركة‏ في‏ السجن‏ ويجلس‏ معه ويطلب‏ منه‏ معلومات‏ وكتابة‏ تقرير‏ كامل‏ عن‏ نشاطه‏ وعن‏ الوضع‏ في‏ الخارج‏ وفي‏ التنظيم‏.
-‏ الرسالة‏ المختومة‏: ‏يقوم‏ (العصفور) ‏في هذا الأسلوب بتهريب‏ رسالة‏ خاصة‏ للمعتقل‏،‏ يقدمها‏ له‏ على‏ أنها رسالة‏ من‏ قيادة‏ التنظيم‏ في‏ السجن‏ وينتظر‏ أن يرد‏ عليها.
- تهويل صورة المحقق: يتحدث أحد العملاء (العصفور) كثيرا عن قدرات المحقق، وذكائه الحاد وان الجميع وقعوا في حبائله، واعترفوا أمامه ولم يفلت منه أحداً أبداً، ويضخم المحقق، بحيث يهزم الأسير نفسيا ويرعبه من أساليب التعذيب.
- الخداع المكشوف: قد‏ يشك‏ المعتقل‏ في‏ حقيقة‏ العملاء (العصافير)،‏ فيقوموا‏ معه‏ بدور‏ مكشوف‏،‏ مؤكدين‏ له‏ بتصرفاتهم‏ أنهم‏ (عصافير) ‏‏وفي‏ هذه‏ الحالة‏ يحضر‏ السجان‏ وينقذه‏ منهم‏ وينقله‏ إلى غرفة‏ أخرى،‏ ويحس‏ أنه‏ أفلت‏ من‏ (العصافير)،‏ فيجد‏ نفسه‏ في‏ غرفة‏ جديدة‏ ولكن‏ يكون نزلاء‏ هذه‏ الغرفة‏ أيضاً‏ هم‏ من‏ (العصافير).
-‏ الاتهام ‏والتشكيك بالمعتقل: ‏وهو‏ إشعار المعتقل‏ أن الجلسات‏ التنظيمية مثلاُ، قد‏ أوقفت بسبب‏ عدم‏ استيفاء‏ معلومات‏ عنه‏،‏ وأنهم‏ يشكون‏ فيه‏، ‏وهم‏ غير‏ مرتاحين‏ له‏،‏ ويشكون‏ بان‏ المخابرات‏ تزرعه‏ بينهم‏ ليعرف‏ بعض‏ المعلومات‏ عنهم.
-‏ الاعتداء بالضرب‏: ‏‏تقوم‏ مجموعة‏ من‏ (العصافير) ‏باتهام‏ الأسير بالعمالة‏ مع‏ المخابرات‏،‏ ويحققون‏ معه‏ للاعتراف‏ بتعاونه‏ مع‏ المخابرات‏،‏ ويصطنعون‏ جو‏اً من‏ التحقيق‏،‏ فيحررونه من‏ ملابسه‏ ويضربونه‏ ويربطونه‏ ويكممون فمه. وإذا لم‏ يثبت‏ المعتقل‏ أنه‏ (شريف) ‏وغير‏ عميل‏ مع‏ أجهزة التحقيق‏ وإذا لم‏ يقدم‏ تقريراً‏ يشرح‏ فيه‏ وضعه‏ ونشاطه‏ التنظيمي‏ يلجأون‏ إلى تنفيذ‏ تهديدهم‏ فيمنعوه من النوم، ثم يقوم بعضهم بالاعتداء عليه، أنهم‏ يستعملون‏ هذا‏ الأسلوب من‏ أجل‏ التخويف‏ فقط.
وفي هذا الصدد يقول‏ المعتقل‏ (زياد): ‏عندما‏ عدت‏ للأرض المحتلة‏،‏ اعتقلت‏‏ وحقق‏ معي‏ وكانت‏ هناك‏ شكوك‏ عند‏ المخابرات‏ بأني‏ منظم‏،‏ ولكن‏ لم‏ توجد‏ لديهم‏ أي‏ دلائل‏ لإدانتي،‏ هددوني‏ بترحيلي‏ إلى سجن‏ جديد‏،‏ وبالفعل‏ انتقلت‏ إلى سجن‏ جديد‏،‏ لا يوجد به‏ زنازين‏، ‏ولا تعذيب‏ وضعوني‏ في‏ غرفة‏ للمعتقلين‏ بها‏ أكثر‏ من‏ عشرين‏ سجيناً‏،‏استقبلت‏ استقبالاً‏ حاراً‏ منهم‏ سُئلت‏ عن‏ انتمائي‏،‏ وتهمتي‏،‏ قلت‏ ليس‏ لي‏ انتماء‏،‏ولا تهمة‏.. وتركوني‏ لوحدي‏ حاولت‏ أن انخرط‏ في‏ حياتهم‏،‏وأن‏ انسجم‏ معهم‏،‏ ولكن‏ كنت‏ أشاهد نظرات‏ الشك‏ والريبة‏ في‏ عيونهم‏ وجدت‏ نفسي‏ وحيداً‏ بين‏ أعين وهمسات‏،‏ تطاردني‏ بالشك‏، والخيانة‏ حتى‏ أصبحت أشك‏ في‏ نفسي‏.
وفي‏ إحد‏ى الليالي‏ جلسوا‏ في‏ حلقة‏ صغيرة‏،‏ وتهامسوا‏ كثيراً‏،‏ وكان‏ الموضوع‏.. أنا وعندما‏ أطفئ النور‏ أخذوني وأجلسوني في‏ الزاوية‏ وطلبوا‏ مني‏ أن أكتب‏ تقريراً‏ كاملاً‏ عن‏ ارتباطي‏ بالمخابرات‏،‏ والمهام‏ التي‏ كلفت‏ بها‏ بكيت‏ وقلت‏ أنا لست‏ عميلاً‏ قالوا‏ إذن أثبت‏ العكس‏ أنت عميل‏ مدسوس‏،‏ خلعوا‏ ملابسي‏ وكمموا‏ فمي‏،‏ وقيدوني‏ بحبل‏،‏ وبدأوا‏ بتعذيبي‏ وشتمي‏،‏وطلبوا‏ مني‏ الاعتراف.. وبعد‏ ليلة‏ طويلة‏ من‏ التعذيب‏،‏ قلت‏ لهم‏ أنا منظم،‏ ‏وكلفت‏ من‏ القيادة‏ في‏ الخارج‏ بأن‏ أكون مسؤول‏ التنظيم‏ في‏ الضفة‏ تأسفوا‏ لما‏ فعلوه‏ معي‏،‏ وحملوني‏ السبب‏،‏ ولكي‏ يتأكدوا‏ من‏ المعلومات‏ طلبوا‏ مني‏ كتابة‏ اعترافي وفي‏ اليوم‏ الثاني‏ وجدت‏ ورقة‏ الاعتراف‏ أمام ضابط‏ التحقيق‏.
وفي شهادة أخرى يقول‏ المعتقل‏ (جمال) لقد كلفت‏ من‏ أبو جهاد‏ (خليل‏ الوزير) ‏بأن‏ أكون مسؤولاً‏ عن‏ منطقة‏ بيت‏ حانون‏،‏ وعندما‏ عُدت‏ للقطاع‏ بدأت‏ بتجنيد‏ إخوة‏ للحركة‏،‏ وبدأت‏ بأعداد الأسلحة لتنفيذ‏ عمليات‏ عسكرية‏.. حيث‏ تم‏ اعتقالنا‏،‏ وعندما‏ لم‏ اعترف‏ في‏ سجن‏ غزة‏ تم‏ ترحيلي‏ إلى سجن‏ جديد‏.. هناك‏ استقبلت‏ استقبال‏ الأبطال،أعطوني ملابس‏ جديدة‏،‏ وأغطية جديدة‏،‏ ومنشفة‏ جديدة‏.. حتى‏ شعرت‏ بأني‏ قد‏ خرجت‏ من‏ المعتقل‏،أقيمت في‏ الليل‏ حفلة‏ تعارف‏ كل‏ واحد‏ كان‏ يذكر‏ اسمه‏ وتنظيمه‏،‏ وحكمه‏،‏ وذكرت‏ اسمي‏، وتنظيمي. وبعد‏ التعارف‏،‏ طلبوا‏ مني‏ الجلوس‏ مع‏ قيادة‏ الحركة‏ في‏ السجون‏ وعرفوا‏ أنفسهم بأنهم‏ من‏ قيادة‏ الحركة‏،‏ وأنهم‏ على‏ اتصال‏ بالحركة‏ في‏ الداخل‏ مع‏ الأخ (أبو جهاد) ‏وطلبوا‏ مني‏ تقريراً‏ مستعجلاً‏،‏ لإنقاذ الأخوة الذين‏ لم‏ يعتقلوا‏ وترتيب‏ وضع‏ الأسلحة،‏ وتأمين‏ الوضع‏ المادي‏ لأسر‏ المعتقلين‏ وتقريراً‏ كاملاً‏ عما‏ حدث‏ معنا‏..وكتبت‏ كل‏ شيء‏ بالتفصيل‏، وفي‏ اليوم‏ الثاني‏ سمعت‏ اسمي‏ في‏ الميكروفون‏ وفي‏ الطريق‏ وجدت‏ المحقق‏، فقال‏ لي‏ أهلاً‏ بالملازم‏ أول جمال‏، صُعقت‏‏ وقلت‏ له‏ أعطني رشاش‏ عوزي‏ لأقتل كل‏ من‏ هو‏ فدائي‏. وأخيراً‏ عرفت‏ أنهم خونة‏ وعملاء‏.

تعقيب:
يعتبر المحقق الصهيوني مخادعاً لكونه يحتال على المعتقل الفلسطيني ليس بسلب مال أو حاجة منه، بل بدفعه إلى الاعتراف المقصود. فقد ينتحل أسماء، أو ملابس، أو مواقف وهمية، باعتبار أن الموقف الإحتيالي يتضمن صفة المسرحية الاستعراضية، مع الاعتماد الكبير على استجابة الضحية للخداع عبر هذا الموقف، لذلك يعتمد نجاح الحيلة الخداعية بالدرجة الأولى ليس على براعة المحقق في تمثيل الدور المنوط به، بل على درجة الإستعدادية والتقبل والاندماج والتفاعل من قبل (المعتقل) بهذه الحيلة الخداعية، عندما يكون لديه ميل شديد لتصديق رواية المحقق.فنجاح الخداع والاحتيال يعتمد في الواقع على كثير من العوامل السابقة التي لها علاقة بتركيبة المعتقل الذاتية، وبخبراته الشخصية، وظروفه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها، وعلى تجاوبه معها. أي أن الذين يتعرضون للحيل الخداعية في التحقيق ليسوا مجرد ضحايا، ولكنهم شركاء يتواطئون بوعي أو بدون وعي منهم في العملية الخداعية.
إن سيكولوجية الخداع تقوم بالدرجة الأولى على منافذ الاستقبال لدى الفرد، (العقل، العاطفة، الحواس) أي القدرات العقلية، والطاقة النفسية، والحواس الخمس. حيث تعتمد عملية الخداع على إقناع العقل، وميل القلب، وتقبل الحواس، فإذا وظف المحقق كل هذه المداخل بشكل جيد للدخول لعقل ونفس وحواس المعتقل، يكون قد أفلح في حبك الحيلة الخداعية، وبذلك يكون قد حقق هدفه من التحقيق بالسيطرة على الجوانب العقلية والنفسية والجسدية للمعتقل باعتبارها مداخيل لأي فكرة دخيلة يتم تقبلها من قبل الفرد.
أي أن نجاح عملية الخداع، تكمن في قدرة المحقق على التلاعب بالمداخل الحسية للمعتقل، من خلال خلق انفصال بين منافذ الاتصال الحسي، ومنافذ الاتصال الأخرى كالعقل. وذلك بجعل الحواس تدرك الأشياء كما هي في الواقع، بدون تدخل من العقل. (كخداع رؤية العصا مكسورة داخل حوض مياه، من خلال حاسة البصر فقط، لكن تدخل العقل يجعلة يدركها صحيحة، لأنه يقوم بربط هذه الأشياء والظواهر ببعضها ببعض، ثم إرداكها بشكل كلي، وليس عبر الموقف الواحد.
ووفق هذا المنطق الحسي يسعى المحقق لإحداث انفصال بين منافذ الإدراك وبعضها البعض لدى المعتقل، كأن يجعله يرى زميله وهو يشرب الشاي أو القهوة في التحقيق، حيث يقصد من وراء هذا الموقف أن يقنع المعتقل بأن زميله قد اعترف عليه، وأنه الوحيد الذي ما زال يكابد عناء التحقيق والتعذيب. ولو أخذ المعتقل هذا الموقف بما رأى فسوف يحدث لديه انهيار، ولكن لو ربط هذا الموقف بجميع أجزاء التحقيق ومكوناته لعلم بأن ذلك الموقف هو مجرد خدعة.
وهكذا يتحكم المحقق في قنوات الاتصال وتصبح منافذ المحقق للخداع، حيث يمكن إرسال عبرها ما يريد من إيماءات ومعلومات مضللة وقرائن خادعة، تعطي مؤشرات معينة للمعتقل تجعله يفسرها، طبقا لما يريد ويهدف المحقق. وقد يزيد المحقق من فاعليتها التضليلية من خلال الوسائل الإلكترونية والتكنولوجية الحديثة، كالتلفاز والراديو والكمبيوتر، الخ…
ويسعى المحقق عبر الخداع والحيل الخداعيه إلى السيطرة على العقل، وعلى طاقته، وخاصة طاقة الإرادة لديه، حتي يتم التحكم والسيطرة على قراره، وبالتالي على مجرى التحقيق معه، حيث قد يبني على هذه السيطرة من قبل المحقق السيطرة على القرار المصيري وهو الاعتراف. وذلك من خلال توجيه المعتقل إلى النظر إلى القضية كأجزاء متناثرة، وعدم النظر إليها (جشطلت) ككل مترابط، وعدم القدرة على إدراك الترابط بين المواقف. حيث الشخصية السوية دائما تميل إلى إغلاق الموقف والنظر إليه بصورته المتكاملة الكلية.
كما يسعى كذلك للسيطرة على المنافذ العاطفية لدى المعتقل، من خلال يسعى خداعه وتضليله أثناء التحقيق، لأنه بالسيطرة على العاطفة يتم تفكيك وحدة الشخصية، التي يسعى المحقق إلى وجودها.
ولكن عملية الخداع والحيل الخداعية التي ينفذها المحقق، مهما بلغت من الحنكة والقوة الخداعية، إلا أنها لا يمكن أن تنطلي على المعتقل إلا إذا كان لديه استعدادا ذاتياً لذلك، أي يكون لديه قابلية ذاتية للاستجابة للعملية الخداعية.
ويجب أن يتحرر المعتقل من العوامل التي تجعل لديه قابلية لتقبل الحيل الخداعية، وخاصة السذاجة والطيبه تجاة المحقق، والتي قد تجعلة قابل للتصديق والاطمئنان لأقوال المحقق، لذلك على المعتقل أن لا يصدق أي شيء يصدر عن المحقق مهما بدى له ذلك وكأنه فكرة جميلة أو مقنعة.
وكذلك عليه التحكم العقلي في اتخاذ القرارات التي يصدرها أثناء التحقيق، حيث أن أصعب أنواع القرارات تلك التي تكون مضغوطة بضغط داخلي، وضغط خارجي.
وأيضاً الانشغال في التفكير في الموقف العام للقضية، وعدم الاستغراق في الموقف الجزئي لها، لأن النظر إلى القضية كأجزاء مفككة لا كوحدة مترابطة، هو بداية السقوط في الهاوية.
وعلى المستوى الفكري الأيديولوجي، أستطيع أن أؤكد من خلال تجربتي الشخصية، وعبر ملاحظتي الخاصة في التحقيق في السجون الصهيونية، وحسب خبرتي ومعرفتي العملية، ودراساتي العلمية)، بأن السجين الفلسطيني لا يمكن أن تنجح معه عملية غسيل الدماغ، لأنه وببساطه لا يوجد فرد في الشعب الفلسطيني ليس لديه قناعة مطلقة بأنه على حق، وأن اليهود على باطل. (حتى العملاء الفلسطينيين لا يوجد بينهم شخص قد تعامل مع العدو الصهيوني عن قناعة أو أيديولوجية أو فكر أو موقف أو رأي سياسي). فضابط المخابرات الصهيوني مهما أوتي من قوة وفكر، لن ينجح في عملية غسيل الدماغ للمعتقل الفلسطيني، حتى أن أغلب المحققين لا يضيعون وقتهم في محاولة إقناع السجين الفلسطيني، بأمور عقائدية أو فكرية، كمثل اعتبار أن الدين اليهودي أفضل من الدين الإسلامي، أو أن اليهود هم شعب الله المختار، وباقي الأمم أدني منهم، أو إثبات أن لهم حق ديني وتاريخي في فلسطين.
لأن الواقع المعاش في فلسطين ينفي هذا الزعم في فطره أضعف شخص فلسطيني. وحتى لو مارس المحقق الصهيوني هذا الأسلوب، فإنه لا يحقق إلا نتائج آنيه وقتيه، أثناء عملية التحقيق فقط، حيث قد يستجيب له بعض الأفراد كنوع من الهروب من التحقيق، أو كأحد الحيل الدفاعية للتخلص من جحيم العذاب.

تمهيد:
إن التحقيق‏ المتبع‏ في‏ أقبية زنازين الاحتلال‏ الصهيوني‏، هو‏ برنامج‏ له‏ أبعاده النفسية والجسدية‏‏‏‏‏‏‏‏ القائمة‏ على‏ معارف‏ طبية‏‏ وسيكولوجية‏ واجتماعية‏،‏ وعلى معرفة‏‏ بالبيئة‏ والمجتمع‏ العربي‏ وخاصة‏ القضايا‏ ذات‏ الحساسية‏ كالشرف‏ والدين‏ والرجولة‏ وغيرها.
وإن أقبية التحقيق هي المكان الأكثر فرزاً وتمحيصاً للعناصر الصلبة الصادقة في الانتماء والولاء، فالألم يغربل الرجال، فيسقط من يسقط ويرتفع من يرتفع. إنه المختبر الذي يشكل المحك العملي باعتباره يمثل مركز المواجهة بين المعتقل الأعزل، وبين المحقق المحاط بكل وسائل البطش والرهبة. إنها معركة حقيقة تفوق كل معركة، وعلى المعتقل أن يشحذ فيها إرادة الصبر لديه، ويشحذ جميع أسلحة المواجهة.
وقد وصف أحد الأسرى حالة الضغط في الأسر بقولة “هناك الكثير من الألم الذي يواجه البشر في العالم، ولكن الألم الجسدي ليس أسوأ أنواع الآلام، لآن أفدح الآلام ألم الضياع عندما تشعر إنك لا شئ، هذه هي أشد الآلام في العالم. (الزير، 2001:13)
والمعتقل أمام خيارين، إما الإعتراف وإما الصمود. ففي حالة الأعتراف يكون قد كتب على نفسه السقوط، ويفقد بذلك رصيده الكفاحي، وربما انتقل لصف الأعداء، مع دفع الثمن غالياً أيضا، لأنه سوف يعاقب هو (ويأخذ ربما حكماً عالياً)، وكذلك زملائه.
في حين أن الصمود هو عبارة عن قناعة داخلية تتحقق الذات الإنسانية من خلالها بالممارسة العملية هذه القناعة, وتحقيق للذات بشكل عقلاني يعمل على ترسيخ الاستقلالية الذاتية، بإبعاد هذه الذات عن التبعيه والانقياد والخضوع والانكسار للغير، مهما استخدم هذا الغير من أدوات ووسائل وأساليب وطرق، عنيفة أو غير عنيفة، لإخضاع هذه الذات، حيث أن تحقيق الذات هدف أساسي للصمود. والممارسة العملية للصمود عبارة عن انعكاس للقناعة الداخلية، لإن الصمود كحالة ذهنية لا يرمي إلى تحقيق أهداف خارجة عن الذات, وإنما إلى الإبقاء على الذات متماسكة ومتوازنه.
والعقل يستطيع أن يصدر أوامره إلى مناطق الاحساس في الدماغ، ومنه إلى مناطق الشعور بالألم، حيث يقوم هذا العقل بإصدار طاقة عقلية لخفض الشعور بالألم، تكون بمثابة (نيكوتين) مخدر لمصدر الألم، بدلاً من أن ينشط عمليات الشعور بالألم. (أحمد أوزي، ب ت:أنترنت)
وينقسم هذا الفصل إلى قسمين: القسم الأول: سوف يتناول أولاً: المعتقل في حالة الإعتراف والإنهيار، والعوامل المؤدية لذلك. وثانيا:ً يتناول المعتقل في حالة الصمود، والعوامل المؤدية لذلك.
والقسم الثاني: سوف يتناول أولاً: الآثار الآنية التي تظهر على المعتقل أثناء التحقيق. وثانياً: سوف يتناول الآثار اللاحقة البعدية التي تظهر على المعتقل بعد انتهاء التحقيق.
القسم الأول: المعتقل بين الإنهيار والصمود أثناء التحقيق:
سوف يتناول هذا القسم المعتقل في حالة الإعتراف والإنهيار، والعوامل المؤدية لذلك. وثانياً سوف يتناول المعتقل في حالة الصمود، والعوامل المؤدية لذلك.
أولاً: المعتقل وحالة الإعتراف والإنهيار في التحقيق:
من خلال تلك الحالة يبرز نوعين من المعتقلين، المعتقل المعترف، والمعتقل المنهار. وسوف نتحدث عن هذين النمطين، وعن العوامل التي تساعد في بروزهما.
أ) المعتقل في حالة الإعتراف:
المعتقل المعترف هو الذي يقدم المعلومات المطلوبة منه للمحقق. والاعتراف برغم أنه سلبي، إلا أنه ليس كل اعتراف بنفس الخطورة والمستوى، ويمكن تقسيمه لنوعين هما:
الاعتراف المبرمج: وهو الذي يختاره المعتقل لكي ينقذ إخوانه ويضحي بنفسه من أجل براءتهم وعدم الاعتراف عليهم، وفي هذه الحالة تكون الأدلة دامغة والبيانات قوية لا يستطيع الفكاك منها، فيلجأ إلى كسر قنوات التحقيق وصرف وجهة التحقيق. وفي هذه العملية يدرك المعتقل أن المحقق ما هو إلا رجل موظف يؤدي مهمة موكله اليه، وبالتالي فهو حريص على نيل قضية –أي قضية- ولا يحقق المعتقل لرجل التحقيق هذه الرغبة إلا بعد أن يبحث عنها، أي لا بد من الصمود حتى يصل رجل المخابرات إلى حالة اليأس حيال هذه القضية، مما يدفعه في النهاية لقبول اعتراف ولو شكلي من أجل أن يقفل الملف. ويحرص المعتقل أن يكون الاعتراف بعيد عن جوهر الأشياء، ولا يسبب لأحد غيره مضرة مهما كانت، ولا يترتب على الاعتراف أي خلفية للغير.
الاعتراف السلبي: وذلك في حالات الضغط المتزايد وفي حالات شعور المعتقل انه بين حالتين من حالات الاعتراف، الاعتراف السلبي، أو الانهيار، فيلجأ إلى عملية الاعتراف الأول الذي يسبب لنفسه حكماً مرتفعاً، حيث يفضل الاعتراف على نفسه مع الحكم العالي، وعدم الاعتراف على الغير مع حكم بسيط، وبذلك لا يخرج عن حقيقة انتمائه إلى الحركة أو التنظيم، ولا يشكل حلقة ضعف للآخرين، ولو ضعف بنفسه. لإن حالة اعتراف المعتقل على نفسه وتحمل أعباء القضية مهما كان هذا الحمل ثقيل، بدون التسبب بضرر لأمن التنظيم وسلامة أفراده، حالة يتم تفهمها برغم خطورتها، التي قد تؤدي لأشياء غير متوقعه، لذلك علي المعتقل أن يتجنبها ما دام لديه القدره.
ولكن إن مجرد إعطاء الوعد بأي شيء تحت التعذيب لتخفيف وطأته، يساوي الخضوع، ويشجع المحقق على التمادي بالتعذيب، حتى لو أوقفه أحيانا لتحصيل بعض الإعترافات. إن المحقق سيصر على مطالبتك بالوفاء بالوعد. وتذكر أن الخزي ليس في أن تسمع شتيمة داخل غرف التحقيق، من محقق نذل، بل الخزي هو في عملية الإعتراف والإنهيار، وتعريض ثورتك للخطر. (علي حتر، ب ت: انترنت)
ب) المعتقل في حالة الإنهيار:
إن أردأ حالات الاعتراف هي الانهيار، ولكن الأسوأ منها، هي الحالة التي تجعل المعتقل من رجل ثوري إلى جبان مأجور، حيث يتحول إلى أداة طيعة في يد رجل المخابرات الذي يستغل اعترافه السلبي وانهياره، في ممارسة الضغط على باقي المعتقلين، وربما يمنيه رجل التحقيق بتخفيف الحكم أو حتى إطلاق سراحه بعد التحقيق، وكلها أمنيات كاذبة. وهذا المعتقل يصبح ورقة ضغط على الغير، يمارسها المحقق متى شاء وضد من شاء، مما يزيد من عناء المعتقل نفسه اكثر من غيره، حيث أن أكثر الناس مكوثا في التحقيق هم الذين يسخرون للضغط على غيرهم، باعتبار الصيد الثمين الذي لا يمكن التفريط به لممارسة الضغط على باقي المعتقلين. رغم أن معظم حالات الانهيار تنبع من الرغبة في إنهاء التحقيق، والنزول إلى الزنازين للراحة، إلا انه يخيب ظنهم عندما يتأكدون بالممارسة العملية عكس ذلك. ونفسية هذا النوع من المعتقلين هي نفيسة قريبة جدا من نفسية العميل، حيث يكمن لديه الاستعداد من اجل الارتباط والعمالة مقابل أن يخلص نفسه من هذه الورطة أو هذه القضية. وفي الغالب ما تكون حالته هذه نابعة من الوضع النفسي الذي عاش فيه ردحا من الزمن ولم يخرج منه إلا في عهد قريب. وهذا المعتقل يؤدي نفس العمل الذي يؤديه العميل، ولكن بدون ارتباط أو اتفاق على الارتباط، والذي يسير دفة أقواله هو الخوف والرعب من المحقق، ويغلب مصلحته الذاتية والفردية على مصلحة الآخرين، وينتزع نفسه من محيط الحركة ليعيش محيطه وكيانه الذي لا يرى فيه إلا ذاته فقط.
والانهيار حالة هزيمة واستسلام وتخاذل غير مبررة، تعبر عن ضعف المناضل وانتصار المحقق عليه، وعن تحوله بوعي كامل، الى مجند لصالح مخابرات العدو ولو لفترة محدودة هي فترة التحقيق التي هي كافية لالحاق أشد الأضرار بالثورة. وهي كذلك تعدل الخيانة مهما كانت المبررات، حتى لو أقسى أشكال التعذيب، لأن الانهيار تحت وطأة التعذيب، قد يشجع المحقق على مضاعفة ذلك التعذيب، حيث يستمر المحقق، بالضرب والإذلال والتعذيب لدفع المنهار الى تنفيذ أوامر أخرى مثل اقناع زملائه بالاعتراف، لأن الانهيار حالة خضوع للمحقق خضوعا تاما، حيث يؤمر فيطيع، ويضرب فيركع، ويسأل فيجيب، فيخضع. (علي حتر، ب ت: انترنت)
عوامل الإنهيار في التحقيق:
وأما أهم العوامل التي قد تساعد في عملية الإنهيار في التحقيق، فتتمحور في التالي:
1- ضعف الانتماء والولاء:
ليس الايمان بالمبدأ قضية نظرية لا علاقة لها بواقع الإنسان النفسي وتكوينه التربوي والاخلاقي، بل هي مسألة وثيقة الارتباط ببناءه الداخلي، ولها تجسيدها بشكل مواقف وسلوك. لذلك لا بد من التسلح بالايمان، ليغمر قلبه وعقله وكيانه، ويفيض بالقوة والتحدي، فلا تهزه النوائب والمحن، ويقف طودا شامخا أمام جميع التحديات والعقبات.
والله سبحانه وتعالى يمدّ الإنسان بقوّة نفسية وارادة صلبة تقويه على المحنه والابتلاء. قال تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كُنتُم مؤمنين” (آل عمران- 139)
وقال تعالى: “الذين قال لهُم النّاسُ إنّ الناس قد جمعوا لكُم فاخشوهم فزادهُم إيماناً وقالوا حسبُنا الله ونعم الوكيل”. (آل عمران:173) وقال: “ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجعون وكان الله عليماً حكيماً”. (النساء:104)
إن المعتقل يجب أن يملك إيمانا قويا راسخا بمبدأة وقضيته، ويؤمن بالمعاني العقدية الكبيرة، (كالإيمان بأن الله اكبر واعظم من كل قوة، وان الموت والحياة بيده، ويتوكل عليه فقط) لأنه عندما يقف أمام المحقق، ويتذكر أن هناك قوة اعظم واكبر منه يتقزم في نظره برغم كل أدوات البطش والجبروت التي تحيط به. وعندما يؤمن أن الله هو المحيي والمميت، فإنه يحتقر المحقق من داخلة وهو يهدده بالموت، وعندما يعلم أن الملجأ أو الملاذ بيد الله، ولا بد أنه ناصره، يتوكل عليه وحدة حق التوكل في التحقيق، وتقرب إليه ساعة الكرب والشدة، فتقوى عزيمته وتشتد شكيمته، وعندما يستذكر عذاب الآخرة، يستهين بعذاب الزنازين، فيتخذ من شدة هذا الموقف عبرة لموقف اشد هولاً واعظم شدة حين يقف أمام المولى عز وجل يسأل فيه عن ظلمة الناس، وهل هناك مظلة اشد من أن تقف عونا لعدو الله ضد زملائك في أقبية التحقيق.
إن المعتقل الذي لا يختزن صبرا يفوق كل محاولات اليأس والقنوط، فسوف يجد نفسه عرضة للانهيار والاعتراف بشكل مزري وسيء ولقد ذم الله اليأس ومدح النصر بقوله:- “انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”. “يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين”. “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا”. “وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا”. “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين”.
إن أقوى سلاح بعد الإيمان والتوكل والاعتماد على الله، هو سلاح الصبر وهو الجانب العملي لسلاح الإيمان، فالإيمان الحق يمد المجاهد بطاقة هائلة من الصبر وقوة التحمل، ومن اعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى الصبر وتحمل العذاب والأذى في سبيل الله سبحانه وتعالى. ويحتسب كل لحظة عذاب وألم عند المولى عز وجل الذي لن يضيع عنده مثقال ذرة من خير.
وما بين النصر والهزيمة إلا صبر ساعة، فالصبر سلاح المؤمن الذي يلازمه ولا يفارقه ابدا، ويعلم أن كل سلاح لا بد مفارقة إلا سلاح الصبر والإيمان.
والمؤمن الصادق يجب أن لا يصبر على العذاب فقط بل يشعر بالمتعة واللذة به باعتباره الطريق المؤدي لمرضاة الله وقهر عدوه وحماية إخوانه.
2- ضعف شخصية المعتقل:
إن لكل فرد شخصية خاصة به تميزه عن غيره، لأن الشخصية هي خليط مجموع من الصفات والمزايا التي يمتاز بها هذا الشخص عن غيره، ولضعف الشخصية وقوتها اثر هام في عملية الإعتراف في التحقيق، فالشخصية الضعيفة تراها من أول يوم مهزوزة وغير مستقرة على حال، فيستغل رجل التحقيق هذه الشخصية الضعيفة ويسيطر عليها ويجعل منها خادما مطيعا لكل أهدافه وخططه. لأن التحقيق‏ -يعتمد‏ في‏ أول خطواته‏- على‏ البحث‏ عن‏ ثغرة‏ في‏ نفسية‏ المعتقل‏ كي‏ يدخل‏ منها،‏ ‏ويجعلها‏ منطلقاً‏ لمواصلة‏ الهجوم‏ عليه، ويلبس‏ المحقق‏ لأجل ذلك أقنعة مختلفة‏ للوصول اليها.
ونستطيع أن نبني الشخصية القوية من خلال التعود على خشونة شظف العيش، حيث ذم المولى عز وجل أولئك الذين يعيشون في نعومة وترف ورفاهية بقولة تعالى: “أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين”. كما دعى الخليفة عمر بن الخطاب المسلمين فائلاً “واخشوشنوا ” لأن خشونة العيش ضرورة لازمة لمن أختار طريق ذات الشوكة، بأعتبار أن النعومة تولد ضعف الشخصية، وبالتالي تولد عدم القدرة على مواجهة الصراع مع العدو.
لذلك يجب أن يتعود المعتقل قبل الاعتقال، على تناول أي نوع من الطعام، ويلجأ كذلك للصيام ليصبح وجود الطعام وعدمه عنده سيان، كما يتعود أن يلبس ما خشن من اللباس، وأن يفترش الأرض عندما ينام، ويكثر من الأعمال الشاقة والصعبة.
3- ضعف التكوين النفسي للمعتقل:
يساهم التكوين النفسي للشخصية مساهمة فعالة في صنع الهزيمة النفسية للمعتقل، حيث قد تجعله التربية والبيئة والظروف الخاصة مستعدّاً لتقبّل الهزيمة والتداعي أمام الضغوط التي توجّه نحوه، أو قد تصنع منه قوّة ارادية يشعرتجاهها بالتفوّق الذاتي، والقدرة على امتصاص الهزيمة، والإنتصار عليها داخلياً، بل ويسعى لتحويلها إلى نصر ودرس للصمود والمقاومة. أي أن تكوين الشخص النفسي، وتربيته الخاصة، وتجربته الحياتية، لها الأثر الكبير في صنع شخصية ومستوى مقاومته للهزيمة، وثباته في ميدان الصراع بشتى أنواعه، ويكون عزيزاً شامخاً بهذه النفسية الصامدة الصابرة. لقولة تعالى:”ولله العزّةُ ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المُنافقين لا يعلمون”.( المنافقون،8)
وقد يعمق الهزيمة النفسية تراكم الاحباطات الحياتية التي يمر بها الفرد في حياته، عبر التحدّيات المتعددة، التي يخفق في مواجهتها، تتكرر التحدّيات، وتتكرر معها حالات الفشل والاخفاق، فتتراكم الاحباطات تراكماً نفسياً، يشعره بالخوف من تكرار الفشل، فتستحكم تلك العقدة عندة، وتتحوّل إلى حالة من الإحساس بالضعف والهزيمة الداخلية.
إن صناعة الإنسان المهزوم من أبرز نتاجات عمليات التحقيق، وهذا ينشأ من خلال بث سيكولوجية الإحباط بكل أبعادها وأركانها. لإن الإنسان المهزوم يتحرك بوعي، وبدون وعي وبشكل آلي أحيانا، فعندما يواجه مشكلة على صعيد الذات أو على صعيد المجموع، يتصرف كالظبي، حيث تدفن رأسها في الرمال ظناً منها أن الخطر قد زال عنها. فيهرب باتجاه المشكلة وهو يعتقد انه يهرب من المشكلة، قال: المولى عز وجل ” الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً”. (الكهف 104) والشخص المهزوم قد تصل به حالة الإحباط إلى درجة يمتثل شعار جحا عندما داهمه الخطر فقال: (سلمت عن بيتي بسيطة) بل حتى لو دخلت المشكلة بيته، فهو أعجز من أن يحرك ساكن لحلها. أي أن حالة المهزوم هي حالة ديمومة العيش مع الهزيمة حيث ينزوي بذاته مع ذاته، يبحث عن زاوية من زوايا النسيان تلفه وتأخذه بعيدا عن واقعه وعن كيانه، ويتحول في الغالب إلى يائس من كل شيء حوله (لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس) فيقتل ذاته بذاته، ويهدم كيانه بكيانه، ويدمر نفسه بنفسه.
وهو يرفض أحياناً أن يعترف بالواقع، حرصاً منه على أن يكلفه ذلك التعايش مع هذا الواقع، أو أن يكلف ذاته بمواجهة هذا الواقع. وقد يوهم نفسه بأن الأفضل له والأنسب هو الحالة التي هو عليها، مما يصعب أو قد يستحيل تغييره وفق المعادلة القرآنية التي تقول (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم).
إن تقبل الهزيمة، هي أصعب ألف مرة من الهزيمة ذاتها، (فالهزيمة فشل، والحياة بها الفشل والنجاح، ولولا الفشل لما كان النجاح)، فلا نجعل من الفشل قناعاً لستر عوراتنا، والتمترس في أحضانه، واستمراء ضريبته، لان ضريبة الذل اشد وطئا واصعب وقعا من ضريبة الحرية. وكلا الضريبتان (ضريبة الذل، وضريبة الحرية) تحتاج لنزف من الطاقة الداخلية للفرد والأمة، وكلاهما فيهما ألم ومعاناة ومشقة (انهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون) ولكن ضريبة الحرية، بها ألم لذيذ يفوق أحيانا لذة المتعة. وقد شعر بذلك الذين صمدوا في العذيب في أقبية التحقيق في السجون الإسرائيلية، حيث تحولت بعد ذلك جميع آلامهم لمذاق حلو،عندما خرجوا رافعي الهامات والرؤس، في شموخ وتحدي، بانتصارهم على الألم والعذاب. فالرجاء الذي تؤمل به نفسك في الدنيا والآخرة، قد تجد حلاوته في قلبك، قبل أن تقطفه يداك.
4- ضعف الارادة لدى المعتقل:
الحياة مسؤولية، و الإنسان مسؤول فيها، وسر هذه المسؤليته الارادة، لأنّ الارادة هي القوّة التي تصنع الموقف، لذا كانت الحياة صراع وتنازعاً بين الدوافع الغريزية والاستجابات البشرية المتعددة. أي أن الحياة هي عبارة عن صراع إرادات متنافرة. إن المتأمّل في تاريخ البشرية ومسيرتها يجدها ساحة حرب وصراع، وما فترات الوئام والسلام إلاّ فرص للاستعداد والتهيؤ للحرب والصراع، والموقف المطلوب للصمود، هو الموقف الثابت الذي يتحدّى ويقهر المحن والارادات المعارضة لارادة الحق. فبالارادة القوية انتصر الإنسان على تحديات الطبيعة، وبالارادة القوية انتصر على الغزاة والمحتلين، وبالارادة القوية انتصر على المحن والابتلاءات التي يبتلى بها في نفسه وأهله، وبالارادة القوية انتصر على ضعفه وهزيمته ومشاكله. وبالتالي ليس بمهزوماً من خسر معركة، ولكن المهزوم من تنهار ارادته امام المواقف والمحن والتحدّيات التي يواجهها، ويعيش الهزيمة في نفسه، فتشل ارادته وقواه المعنوية والمادية، فلا يقوى على توظيفها لصالحه، أو لصالح الجماعة التي ينضوي تحتها. وقد تتفاقم الأزمة عندما تعم الهزيمة النفسية مساحات واسعة من الذات، وتصاب بالتالي مراكز التوجيه بالهزيمة النفسية، ويستشعر الفرد الخطر على كيانه.
5- قلة المعرفة بأساليب التحقيق:
من العوامل التي تجبر المعتقل على الإعتراف والانهيار، قلة الوعي بطرق وأساليب التحقيق قبل دخول المعتقل، وخاصة أساليب الخداع والوقوع في شراك العملاء، مما يوجب عليه أن يلم بهذه الطرق والأساليب حتى قبل دخول المعتقل، ويفهم جيدا وسائل العملاء في اصطياد ضحاياهم من المعتقلين.
والتنظيم الناجح هو الذي يعقد دورات للتربية الأمنية، ويربي أبناءه على الفهم الصحيح لكل ما يدور في أقبية التحقيق، ويعلمهم كل وسائل الربط والإسقاط وغيرها. حيث أن قلة الخبرة والمعرفة بالجوانب الأمنية وخاصة التحقيق يجعل باب المفاجأة مفتوحا على مصراعيه بالنسبة للمعتقل مما يؤدي إلى وقوعه في الحيرة والارتباك، وبالتالي سيطرة رجل التحقيق على نفسيته. وقد ثبت بأن كثير ممن صمدوا في مواجهة عنف التعذيب، قد سقطوا بسهولة بالخداع بواسطة العملاء، لعدم الخبرة والمعرفة بأساليبهم.
6- اعتماد أسلوب العمل التنظيمي المفتوح:
ومن العوامل الهامة لعملية الإعتراف والانهيار، طبيعة التركيبة التنظيمية في الخارج، حيث أن كثيرا من الفصائل ما تجعل العمل التنظيمي مفتوحا ، أي شبه مكشوف لعناصره، حيث تداس السرية والأمن تحت الاقدام، مما يعرض العمل للخطر القاتل، ويعرض المعتقل المجاهد للانهيار، وذلك لتوفر الأدلة والبيانات التي يقدمها كل واحد من المعتقلين ضد المعتقل الذي يصر على الصمود، حيث يشكل هؤلاء جميعا عامل ضغط يؤدي لاعترافه وربما إلى انهياره.
لذلك لا بد من عملية تخصص في العمل، حيث توزع الأدوار في الخارج بحسب الكفاءة حول المجال الذي يستطيع أن يتقدم فيه الفرد (يكون الرجل المناسب في المكان المناسب). كما يجب أن يسود العمل التنظيمي أسلوب الانغلاق فتتم ممارسة النشاط العملي للخلية ضمن حدود معينة لا يخرج عنها بتاتا ولا يسمح لأحد باختراق هذه الدائرة أو الاطلاع على مسارها إلا أصحاب الحق في ذلك وهم المسئولون عن العمل التنظيمي فقط.
7- كثرة الأسرار والمعلومات لدى المعتقل:
إن عملية وفرة المعلومات لدى الشخص المنظم تنشأ من حالة الانسياب والثرثرة، فلو التقط من كل مجلس معلومة لتراكم لديه حشد هائل من المعلومات يجد نفسه مضطرا إلى تحمل أعبائها. ولو تصرف كل فرد بحزم وشدة تجاه من يحاول تسريب أي معلومة أو توزيع المعلومات مجانا لبقي كل سر في مجاله ولظلت كل معلومة في إطارها الصحيح.
وفي كثير من الأحيان ما يلعن المعتقل اليوم الذي تعرف فيه على هذه المعومات، ويتمنى لو لم يعرف شيئا عن أي شيء، وذلك بعد أن أدرك من خلال هذا الحشد من المعلومات لديه، أن المعرفة أصبحت تشكل نقمة عليه وليس نعمة له، في حين كان من وقت قريب يبحث بكل الطرق عن المعلومة، بل كان يدس انفه فيما يعنيه وما لا يعنيه من اجل أن يعرف شيئا ما. لذلك عليه أن يدرك بان المعرفة في الجوانب التي تتعلق بالعمل والممارسة التنظيمية تشكل نقمة عليه في التحقيق حيث يطالب بهذه المعلومات وبكل ما يتعلق بمصدرها أو مسارها.
لهذا يجب أن يحرص المناضل على الهروب عن مصادر المعلومات خارج المعتقل بدلا من الجري وراء كل خبر أو معلومة ما دامت هذه المعلومة سوف تجر عليه الويلات والمسائلة، وهو في غنى عن كل ذلك، بل يلزم نفسه فقط بمعرفة ما يخصه ويعنيه فقط. وقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.
8- عدم ضبط الإعتراف المبرمج:
إن انغلاق العمل التنظيمي وانحصار حدود المعرفة داخل الخلية الواحدة، يلزم حتماً وجود برمجة مسبقة لكيفية مواجهة الموقف في أقبية الزنازين في الحالات الاستثنائية للتحقيق، حيث تقتصر عملية الاعتراف المبرمج على كل مجموعة على حده، فيتفق عناصر هذه المجموعه مع المسئول المباشر على افضل الأساليب وأنجعها في مواجهة رجل التحقيق، في حال الخيارات البديلة عن حالة الانهيار. وذلك عبر اللجوء إلى برمجة الإعتراف بشكل يوقف استمرار عملية الاعتراف، ضمن حدود ضيقه لا تمتد عمودياً أو أفقياً. باعتبار أن عملية الاعتراف المبرمج افضل بكثير من الإعتراف المتناثر، والذي قد يشكل عامل ضغط على بعض المعتقلين الصامدين.
وهناك العديد من الحالات التي يوقف فيها المعتقل الضربة ضمن حدود ذاته فقط، ويتحمل بكل قوة وشكيمة الموقف، ويصر على أن لا يوقع أدنى ضرر بغيرة ، باعتبار أن أمن الحركة وسلامتها واستمراريتها هو جل الأهداف التي لا بد أن يحرص عليها مهما كان العناء والمشقة. لأن المعتقل الذي يوقف سير التحقيق ويكسر قنواته ويحافظ على سلامة العمل بشكل عام، جاعلاً من نفسه ضحية يقدمها طائعاً لفداء اخوانه -ولو كلفه هذا الموقف قضاء أعوام طويلة داخل جدران المعتقل- يجب أن نوليه كل احترام وتقدير لأنه قد قدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فبرمجة الموقف المسبق بين أعضاء الخلية الواحدة لا بد أن يكون أمراً طبيعيا، ينشأ تلقائيا منذ اللحظة الأولى لبناء الخلية، حيث لا تقل أهمية هذه البرمجة أو هذا الاتفاق عن أهمية خطة الانسحاب في العملية العسكرية التي تسير جنبا إلي جنب مع خطة الهجوم باعتبار أن الانسحاب المنظم افضل وأنجع واسلم من الانسحاب غير المنظم وغير المبرمج.
ثانياً: المعتقل وحالة الصمود في التحقيق:
من خلال تلك الحالة يبرز نوع من المعتقلين، وهو المعتقل الصامد في عملية التحقيق. وسوف نتحدث عن هذا النمط من المعتقلين، وعن العوامل التي تساعد في الصمود.
المعتقل الصامد في التحقيق:
المعتقل الصامد هو الشخص الذي لم يتجاوب مطلقاً مع المحقق الصهيوني، ولم يقدم له أي معلومات، قد تشكل خطر عليه أو على الآخرين.
إن فلسفة الصمود والتحدي الذي يتبناها بعض المعتقلين هي الخيار الأمثل والأقوى والأفضل في مواجهة جلاوزة الإرهاب، وجلادي القرن العشرين. حيث تسمو قوة الروح والإيمان والإرادة فوق القوى المادية والنفسية والمعنوية بكل أشكالها وصنوفها.
فالمعتقل الذي يقف متحديا جلادة بكل كبرياء وشموخ يحطم نفسية هذا العدو الذي يتقهقر وهو يجر ذيل الخيبة والفشل، في حين يقف المعتقل المجرد صامداً متحديا، برغم وفرة الأدلة وشهادة الشهود إلا أنه يأبى أن يجعل جلادة يفرح بكلمة يشعر من خلالها بالنصر أو الفوز. وهذا النوع من الرجال هم أولى الناس بالتقدير، حيث لا يداني صمودهم إلا الشهداء. وبالتالي لا يسعنا إلا أن نقف لهم اجلالاً واكباراً.
وأمام هذه الحالة المستعصية يكاد يفقد رجل التحقيق أعصابه لشعوره بالهزيمة الداخلية، فيخرج من طور العقلانية ويتحول إلى وحش كاسر لا يهدأ من روعه إلا أن يجده جثة هامدة لا حراك فيها، أو ييأس ويسلم بالأمر الواقع، ويلجأ إلى القانون الجائر الذي يسمى (بقانون تامير) حيث يحاكم المعتقل وفقاً لإعترافات غيره من المعتقلين.
و المعتقل لا يبلغ لدرجة الصمود، إلا بأن ينصهر في العقيدة والمبدأ الذي آمن به، حيث تسمو روحه فوق جراح الجسد، وألم الواقع، ويعلم أن مواجهة الجلاد والانتصار عليه، يؤكد على انتصار الروح على المادة، والحق الأعزل على الباطل المسلح.
ويذكر (فرانكل) بعد إستعراضة لصنوف العذاب التي كان يتلقاها المسجونون في معسكرات النازي، ” بأنه كان من بين المسجونين قلة استطاعت أن تحتفظ بحريتها الداخلية الكاملة، وأن تتواصل إلى تحقيق القيم المعنوية التي أتاحها له آلامه وفي ذلك يضيف ” فرانكل” الدليل، الكافي على أن القوة الداخلية للإنسان، قد تعلوا به فوق قدرة هذا العالم الخارجي. (جليلة دحلان، 2001: 14)
عوامل الصمود في التحقيق:-
وأبرز العوامل التي تؤدي إلى عملية صمود المعتقل في التحقيق، تتمثل في استدعاء جملة من عمليات الدعم والمساندة العقلية والنفسية والعاطفية، والتي من أهمها التالي:
1- عوامل الدعم العقلي:
أ) عمق الإنتماء للفكرة (الاطار المرجعي): إن المقياس الموضوعي لدى المعتقل، يمكن في وجود مقياس (إطاراً مرجعياً) لقياس السلوك على ضوءه في التحقيق، وأما الخلل فيه فيكمن في عدم وجود مقياس أصلاً، أو لضعف هذا المقياس لخلل فيه. وكلا الأمرين يشكلان خطورة على المعتقل، حيث يفقد المعتقل بضياع الاطار المرجعي البوصلة التي يهتدي بها في ظلمات الزنازين، وغرف الجلادين.
ولمست بشكل واضح خلال تجربتي الشخصية أثناء التحقيق في السجون الاسرائيلية، بأن عملية الخوف من التعذيب (الجسدي والنفسي) تضعف لدى الأشخاص الذين يمتلكون الانتماء والولاء الجيد، وتقوى لدى ذوي أصحاب الانتماء والولاء الأضعف.
وعندما تعرفت على بعض المناضلين الذين صمدوا في التحقيق، أيقنت أنهم الأصلب على صعيد الانتماء، وإن قد يكونوا الأضعف على مستوى البيئة الجسدية. وعلمت من خلال الحوار معهم، بأن لديهم وعياً يؤهلهم لعمق الانتماء للفكرة التي يؤمنون بها (سواء أكانت فكرة عقائدية أو ايدولوجية)، وفي نفس الوقت لديهم فهم قوي وولاء كبير للفصيل أو التنظيم أو الحركة أو الحزب أو الجماعة التي ينتمون إليها. أي أن الاطار المرجعي للمعتقل الفلسطيني يتمثل في جانبين لا غنى لأحدهما عن الآخر، لأن كل منهما مركب ومعتمد على غيره، وهما (الانتماء للفكرة، والولاء للتنظيم). وهذان المعياران كانا عاملين مهمين في مجابهة أساليب التعذيب الجسدي والنفسي. ولكنهما للأسف الشديد لم يحميا المناضل من الأسلوب الأحدث والأخطر، وهو الأسلوب العقلي المتمثل في الحيل الخداعية المباشرة (عبر المحقق وغير المباشرة عبر العملاء).
ب) عمق الولاء للتنظيم: يجب أن يوطن المعتقل نفسه، منذ اللحظة الاولى التي يقرر فيها أن ينخرط في تنظيم معين للعمل من خلالة ضد الاحتلال وأعوانه، أنه سوف يقف وجهاً لوجه أمام جلاده في أقبية التحقيق، وعلية أن لا يهزم أمامه. وكم من الأشخاص انخرط في العمل التنظيمي، وساقته الظروف للزنازين، فتحول لآلة بطش لزملائه واخوانه، وهذا (في تصوري) لا يمكن أن يقوم به شخص يمتلك أدنى مقومات الولاء للحركة والتنظيم. ناهيك عن الانتماء للفكر، لأن الاطار المرجعي لديه يكون به خلل. لذلك يجب أن تكون الخطوة الأولى والأهم في حياة كل فلسطيني، (كبيراً كان أو صغيراً) لكي لا يقع في براثن العدو، أن يمتلك رصيداً قوياً من الولاء لتنظيمه.
وعلى المعتقل كذلك أن يتذكر ان التحقيق هو تكثيف لحالة صراع عقائدي تناحري بين الحركة الوطنية والثورة وأبطالها من جهة، (وأنت تمثلهم داخل أقبية التحقيق) وبين رجال التحقيق وسلطاتهم، وهم يمثلون العدوان والإحتلال، وهدفهم النهائي انهيارك والقضاء عليك واستعمال انهيارك لضرب ثورتك ورفاقك. وتذكر أن الانتصار حتماً للأقوى عقائديا. وأنت الأقوى عقائديا، ويجب أن تنتصر.(علي حتر، ب ت: انترنت)
2- عوامل الدعم النفسي:
أ)- قوة الذات (الشخصية): إن الشخصية هي المركب والخليط التاريخي لوجود الإنسان منذ تلقيح البويضة إلى الوقت الحالي الذي تعيشه الأن. وما تعبير قوة الشخصية وضعفها إلا عملية تقييمية لأدائة في الحياة على مستوى الفكر والعاطفة والسلوك، باعتبار أنها المظاهر التي يمكن من خلالها قياس السلوك. والتي أصبحت بالتكرار والثبات ثمثل لدية سمات وصفات ثابته نسبياً، يمكن التنبؤ بواسطتها عن شكل الموقف الذي سيكون عليه في المستقبل، فإذا كان مثلاً شجاعاً ففي الأغلب سوف يكون نمط تعاملة مع الموقف الذي يتعرض له في اطار هذه الصفة الشخصية، وهكذا.
ب)- الصحة النفسية: وهي بشكل عام عملية الإتزان الداخلي التي تنجم عن قدرة الفرد على التوافق والتكيف مع المحيط الخارجي، أي أن الفرد السوي لدية من المرونة ما يستطيع من خلالها إن يعيد حالة التوازن بين الواقع النفسي له وبين الواقع العملى المحيط به، بحيث لو دخل المعتقل يستطيع أن يكيف نفسة مع هذا الواقع الذي لم يتعود عليه، وبالتالي لو تعرض لضغوط من هذا الواقع يكون بمقدورة أن يمتصها أو يصرفها بشكل لا يؤثر على البنية النفسية لدية. وبذلك يحافظ على صحتة النفسية.
فمثلاَ عندما يشن عليك المحقق حربا نفسية توحي لك أن الصمود مستحيل، وأن الجميع يعترفون، وأنك لا تختلف عن الذين اعترفوا، بالقوة أو بالحسنى، ثم يقول لك: “تكلم أحسن لك، لتستريح من العذاب”، وهو بذلك يحاول أن يخلق وهما يبدو معقولا، ويستعمل أمثلة ونماذج منهارة، لوضعك تحت فكرة: (ما دام غيري قد تكلم، فأنا سأتكلم). فتبادر لشحن نفسك بالقول هذا الأسلوب لا ينجح إلا مع الضعفاء، فلن أكون واحدا منهم. (علي حتر، ب ت: انترنت)
3- عوامل الدعم العاطفي:
أ) دعم الرصيد العاطفي: إن من القوانين الهامة بالنسبة لعملية الادراك، ما اكتشفته مدرسة (الجشطلت) النفسية، من أن الأشياء المتشابهة تميل للتقارب والائتلاف فيما بينها. وقد لا نلحظ هذا القانون في حياتنا العادية، لسعتها، وعدم القدرة على ملاحظتها بشكل جيد، إلا أن ذلك لا يلغية من الحياة. ولكنه في حياة السجناء، (خاصة في زنازين التحقيق، وفي المعتقل بشكل عام) حيث الحياة محصورة وضيقة ومتلاصقة، بالإمكان الملاحظة الدقيقة له، بشكل واضح بدون لبس أو غموض. مما يمكن الفرد من تكوين رؤية واضحة عن كثير من معاني الحياة، قد لا تتوفر في الحياة العادية خارج السجن، عبر الملاحظة التي هي من أهم الأدوات العلمية التي انتجت فكراً وعلماً على مدار التاريخ.
إن الرصيد العاطفي لدى الفرد هو محصلة ما جناة في حياته وبرمج نفسة عليه، فلو أحب سير الأبطال فإنه يسعى حتماً للتماثل معهم والعكس. وعملية التماثل والتشابه هي جزء من التقارب العاطفي للأفراد (إن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها إئتلف، وما تناكر منها إختلف) فالذي يحب القراءة يميل لمثل حاله، والذي يحب اللعب يميل للتماثل مع زميله، ومن يميل لفكر معين يتماثل معه، ووفق ذلك كثير من المعتقلين، كانوا يميلون إلى بناء علاقة مع المتشابه معهم. بالتالي فالأفراد الذين عودوا قدراتهم على الصمود، يفضلون مقارنة أنفسهم مع آخرين ذوي قدرات مشابهة نسبياً لهم، لأن الآخرين المشابهين لهم، أو القريبين منهم، يقدمون لهم قياساً أكثر وضوحاً لموقفهم ذاتهم النسبي، على عكس الأفراد الذين يحملون قدرات وآراء وطاقات مختلفة عنهم.
وهذا الميل هو الأكثر إقناعاً لدى الفرد لرؤية ذاته عبر الآخرين، لذلك يجب علينا أن لا نحاكم الأفراد بغيرهم، خاصة وإن كانت الفروق الفردية لديهم بائنة، لأن هذا لا يدل على حقيقتهم، ولا يعطي وصفاً أو تصنيفاً دقيقاً لهم. بل على العكس لربما خلق لديهم احباطا، قد يؤدي لتقليص انتاجهم.
ب) دعم الموقف العاطفي: إن المحقق الصهيوني يبرع في توظيف مخرجات علم النفس في ممارسة التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين، حيث قد جند كثير من نظريات علم النفس وتجاربه في ذلك، ومن جوانب هذا التوظيف دعم الموقف العاطفي السلبي لدى المعتقل، أو ما يسمى (بالعاطفة الكلية). والعاطفة الكلية تتم عبر استهداف الأفراد الذين يواجهون تهديد نفسي ما (غير مألوف لديهم) بالتعاطف مع الموقف المحيط، أي بتعميم العاطفة فيما بينهم وبين من يشاركوهم هذا الموقف، ويعيشوا معهم نفس المعاناة، ونفس التهديد النفسي، باعتبار أن هؤلاء هم حالات متشابهة عاطفياً، (أي أن التشابهه لا يكون فقط بالتشابه العقلي، وإنما كذلك بالتشابه العاطفي).
لذلك يعمد ضابط التحقيق إلى زج بعض المناضلين الصامدين في غرفة أو زنزانة بها بعض المعتقلين الذين انهاروا واعترفوا في التحقيق، ليجعل العاطفة السائدة في هذه الغرفة، (جو من الانهيار، وبث شجون الأهل والولد، والتباكي على الحياة، واثارة عاطفة الذات) يؤثر على المعتقل. لأن المعتقل يميل بشكل سيكولوجي للتأثر بالموقف المحيط، وبالتالي يتم تعميم العاطفة الكلية أو السائدة عليه بدون وعي وإدراك منه.
ولكن بالمقابل على المعتقل أن يوظف رصيدة العاطفي (تحدثنا عنه في السابق) بتعميم هذه العاطفة، لتكون هي بمثابة العاطفة الكلية الآنية، من خلال التواصل العاطفي الخيالي مع الحالة التي يحبها ويتمناها، وهم الأبطال فيتماثل معهم وجدانياً خيالياً وإن لم يتواجد معهم عملياً. لأن الشخص الذي يتماثل مع الموقف العاطفي بالصمود، يقوى ويشحن بطاقة جديدة تساعده على مواصلة التحدي والصمود.
و تذكر قبل التفكير بمصيرك، أن صمودك سيدعم رفاقك المستمرين في النضال في الخارج معنويا، ويجنبهم الاعتقال الذي يتعرضون له بسبب اعترافك، وتذكر من صمدوا قبلك، وتذكر معاناة أهلك وشعبك، وأن مصيرهم يعتمد عليك، وتذكر أن الانهيار سيجعل أهلك يعتبرونك جبانا خائنا. (علي حتر، ب ت: أنترنت)
4- عوامل الدعم العملية في أثناء التحقيق:
أ) القدرة على تصريف وادارة الوقت:
إن اخطر الأشياء على الفرد وجود وقت فراغ لا يعرف كيف يملأه، وهذا ليس خاصا بالفرد داخل المعتقل، فكثير من الناس حتى خارج المعتقل ما يصاب بالأمراض النفسية (كالإحباط والاكتئاب والضيق والغربة والتبرم وغيرها من الأمراض) وتختل لديه بالتالي الصحة النفسية،جراء عدم حسن التصرف في ادارة الوقت .
وإن عدم قدرة الفرد بالتحكم في تنظيم الوقت من أخطر الأمور في الحياة، فإضاعة كمية كبيرة من الوقت بلا شغل أو انشغال ذهني أو جسدي أو صرف الوقت في أمور لا تعود على الفرد بأي فائدة، ويكون الهدف منها هو قتل الوقت. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم المرء على المحافظه على الوقت، لأن الله سوف يسأل الفرد عن وقته فيما أنفقه، باعتبار أن المحافظه على الوقت من أهم الأمور التي تعين على الصحة النفسية للفرد.
فالشخص داخل السجن أو خارجه الذي يجد وقتا فائضا ويستغله في الوجوم والسرحان والشرود وأحلام اليقظة وغير ذلك، رويدا رويدا يصاب بالأمراض النفسية التي إما تخرجه من الواقع وتجعله يعيش في الخيال المرضي الذي يهرب به من الواقع المعاش لأنه لا يفكر بان يكون ولو لبنه في بناءه.
لذلك يجب أن يستغل المعتقل الوقت أثناء التحقيق في أمرين فقط لا ثالث لهما، أولاً في طرق التخيل الايجابي بالصمود، وثانياً اغلاق المداخل الحسية والعقلية في وجة المحقق. أي عليه أن يحاول دوماً إشغال هذا الفراغ الذي فرض عليه في أمور تقربه من عالم المثل، وتبعده عن الواقع الذي يعيش فيه.
وعملية ملأ الفراغ وتوظيف الوقت بشكل جيد، تتم من خلال الجوانب الثلاث التالية:
- إشغال العقل: وهو موطن الاراده والتخيل، والعقل بين ثلاث حالات، إما أن يكون فارغاً، وإما أن يكون ممتلىءً وإما يكون بين بين، فحين يكون فارغاً في حالة الصدمه (التعذيب)، فإنه قد يُملأ بأفكار ووساوس تؤثر على نفسيته وشخصيته.
فالفكره التي تراود الانسان، إما فكره تستدعي ماضي، أو تستشرف مستقبل، أو تتناول واقع. لذلك على المعتقل أن يسخر الماضي للصمود، ويجعل من المستقبل ضياءاً للصمود، ومن الواقع شحذاً للهم والنفوس للصمود. لأن الماضي فات وانقضى فخذ منه ما يشحن النفس، والمستقبل غيب فاجعل منه أمل، والحاضر واقع فاجعل منه تحدي. أي على المعتقل أن يكون على قدر المسئوليه، فلا ينظر للوراء، ولا يستعجل المستقبل، ويعيش الولقع كما هو بكل قوة وصمود.
- إشغال القلب:(القلب هو منشأ العاطفه، وقلب الحقيقه)، والقلب هو الذي يوجه عاطفة الانسان، ويرسم معالمها، لذلك عليك أن تملأ قلبك بعاطفة حب المعاني الكبيره، الله –الوطن- الشعب، الجماعه، وإياك أن تملأ قلبك بمعاني صغيره، وتربط حبه بأشياء صغيره، أو تافهه، أو أشياء تشد المعتقل إلى الوهن (كتذكر الأولاد والأهل والزوجه)، وإذا تذكرتهم، فعليك أن تقلب ذلك إلى صمود، وليس إلى ضعف ووهن.
- اشغال اللسان: علي المعتقل أن يجعل لسانه يلهج بذكره والحديث معه (مناجاته) في أغلب أوقاته، وبهذا يهرب من الواقع الصعب الذي هو فيه، يحاول به قدر الإمكان أن يخفف من عناء التحقيق.
إن فلسفة ترك المعتقل لذاته هي من الوسائل والأساليب المهمة في التحقيق، وذلك من أجل خلق صراع الأفكار التي قد ترهق المعتقل أكثر من التعذيب نفسه. لذلك على المعتقل أن يخلق له أنيساً يرافقه في وحشيته، وخير أنيس هو الله، فعليه أن يذكره ويتحدث معه باستمرار وبصوت مرتفع إن أمكن ذلك، والذي لا يريد أن يكون أنيسه الله في هذه المحنه، فعليه أن يلجأ إلى أنيس آخر قد يعوضه بعضاً من وحدته هذه المهم أن يخلق له أنيس لوحدته، ولا يدع نفسه في فراغ الوحشه والعزله.
انشغل بحفظ القرآن والصلاة ان استطعت، وإذا استطعت أن تغافل الحرس أو تستغل فترة تغيير وردية الحراسة (الشفتات) أرفع صوتك ببعض الآيات تثبت بها إخوانك المعتقليين الآخرين وتكسر بها حاجز الهدوء القاتل.
ب) القدرة على التكيف مع التغيير الطاريء (التحقيق):
من المعلوم أن النفس تميل إلى العيش برتابه وروتين (في الغالب) وقليل من الناس من يحاول أن يخترق هذه القاعدة، حيث قال تعالى: “إنا وجدنا أباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون”. (الزخرف – 23)
إن على المعتقل وبمجرد دخوله الزنازين، أن يلغي البرمجة السابقة لحياته العادية التي كان يحياها في الخارج وتعود عليها سني عمره، وإلغاء عملية البرمجه هذه أو مسحها (ولو لحين)، هو من أهم القدرات التي يجب أن يوطن المعتقل نفسه عليها (كمثل الديسك الصالح للاستعمال الذي نستطيع مسح المعلومات عنه وإستبدالها بمعلومات أخرى، في حين أن الديسك غير صالح .لا يستطيع القيام بهذه العملية).
ولكن هذه الرتابة بمجرد دخوله المعتقل تتغير عبر واقعه الجديد، لذلك من الواجب على المعتقل تعلم كيفية التأقلم مع التغيير، ولو كان تغييراً قسرياً ومفاجأة ودراماتيكياً، وإلا سقط في وهم تناقض الرغبة مع الواقع، ويضطر إما إلى قلب الواقع، أو قلب الذات، حيث يؤدي الأول (قلب الواقع في التحقيق) إلى البحث عن واقع آخر، أو الواقع الذي تعود عليه، للخروج من هذا الواقع وعدم تقبله، وبالتالي تكون المساومة له سهلة من قبل ضابط التحقيق، الذي ما أن يلوح له بوقف التحقيق مقابل الاعتراف يلقي ذلك العرض رغبة جامعه في نفسه التي لم تقدر على التكيف مع التغيير الطارىء للواقع الذي اصبح يعيش فيه. وأما الأمر الثاني وهو (عملية قلب الذات)، فهي عملية تحويل للذات لإستيعاب الواقع والتأقلم معه والتكيف مع هذا الواقع وفق معطياته، بل وتستخيره للذات القوية، وهذا يدل على مرونة لدى الذات.
لذلك فإن الذين تعودوا مقاومة التغيير في حياتهم خارج السجن، سوف يكونوا أكثر الناس معاناة في قدرتهم على تقبل التغيير المفروض عليهم قسراً خلال الاعتقال .
ج) تقوية الشعور بالهوية والانتماء :
إن الانسان الذي ليس له انتماء أو هوية، فاقد لبوصلة الحياة، ومن يفقد بوصلة حياته ، يتخبط فيها بدون هدف ولا غاية، وشخصاً من هذا النوع، يكون دماغه كالعمارة والبيت الخرب الذي لا يوجد به سكان، حيث يصبح لديه قابلية بأن يقبل كل فكرة، وكل رأي دخيل مهما كان هذا الرأي، لذلك يجب أن تبنى حياة الانسان على قيم ومبادىء، ويجب أن تكون هويته وانتماءه واضحاً لا لبس ولا غموض فيه لنفسه قبل الآخرين، وعليه أن يعلم من هو، وماذا يريد، وكيف يحقق ما يريد، وعندما تتضح لذاته هذه المعالم فإن شخصيته تتحدد، وتتبلور بتبلور رسالته في الحياة.
د) القدرة في التغلب على الارهاق :
إن المحقق يسعى عبر استخدام الاساليب النفسية في التحقيق، إلى خلق حاله من الارهاق النفسي، كمقدمه لنيل الاعتراف المطلوب منه. وتحدث عملية الارهاق النفسي للمعتقل أثناء التحقيق عبر سلسلة من الضغوط النفسية الهائلة المبرمجة التي يتعرض لها المعتقل، حيث تشكل هذه الضغوط الشديدة والحادة على جدار النفس تصدعاً قوياً قد لا يقوى على تحمله إلا أصحاب النفوس الأصلب من الحديد، والأمتن من الفولاذ.
إن الجسم والعقل والقلب، كلها مداخل للإرهاق، لذلك على المعتقل أن يجعل من جسمه وعقلة وقلبة، مداخل مضادة للإرهاق، وذلك من خلال التحكم والسيطرة بها جميعاً. لأن الجسم السليم، والعقل السليم، والقلب السليم، يمنح الشخص شخصيه سليمه وسويه، تكون أقدر على مجابهة الصعاب والصمود أمام التحديات، وبالتالي يجب أن يسعى من يفكر بمقارعة الاحتلال، أن يصلح قدر الامكان من جسده وعقلة وقلبة، لكي يصلح من ذاته. فمن لا يعمل معك سوف يعمل ضدك.
إن على المعتقل أن يدرك منذ اللحظة الأولى لإعتقاله، بأنه ذاهب لرحلة من العذاب والألم والمعاناه، في معركة غير متكافئة بينه وبين المحقق. كما يدرك كذلك بأن مرحلة التحقيق جُلها مصاعب ومتاعب وأعباء، تشكل بمجموعها ضغوطاً على الجسم والنفس والعقل معاً، مما ينجم عن ذلك كماً من الارهاق النفسي الناجم عن هذه الضغوط الشديدة، التي تفرض عليه أن يوطن النفس على تلقى كل هذه الضغوط التي يتعرض لها، وأن يسيطر على زمام الأمور، بالتحكم بالذات من خلال ضبط الشهوات، وتوجيه العقل صوب الصلابة والتحدي، وتوطين النفس على الصمود، فإذا وطنت عقلك على ذلك، وجعلت من فكرة الصمود حديث النفس والعقل لديك، فأعلم أن عقلك الباطن سوف يتبنى هذه الرغبة، ويمد عقلك الواعي بمادة الصمود ويزين لك ذلك، وبالتالي سوف يُصدر عقلك الواعي أوامره لجميع خلاياك الجسميه، وعواطفك، وطاقتك العقليه بإلتزام طريق الصبر والصمود.
وللتغلب على عمليات الارهاق في التحقيق، على المعتقل أن يعمد إلى الأمور التالية:
-مراقبة الذات: من الأمور الهامة التي يجب أن يهتم بها المعتقل (وهو في أقبية التحقيق) المراقبة الدقيقة لكافة جوانب الشخصية، بالاهتمام بترمومتر قياس شخصيته، لكي يسد كل نقص وقصور في شخصيته أول بأول قد تسببه عمليات التحقيق وترمومتر شخصية الانسان هي الدوافع التي دفعته لمقاومة الاحتلال، فعليه أن يجعلها مقياساً لسلوكه في التحقيق.
- الاسترخاء العقلي: من المعلوم في علم النفس أن الجسم يكون في أفضل حالاته النفسية، عندما يكون في افضل حالاته الجسمية، والجسم يكون في أفضل حاله له عندما يكون في راحة تامة يطلق عليها البعض الاسترخاء. وفي الاسترخاء يتم توفير الراحة الفعلية لجميع أجزاء الجسم، (وهذا قد يتحقق من خلال الاستلقاء على السرير، أو مقعد مريح، أو من خلال كتاباَ شيقاً يقرأه، أو سيراً بين الحدائق والورود، أو جلسة هادئة قرب شاطىء البحر أو النهر)، حيث تسترخي عضلات الجسم، وبالتالي فإن مختلف العمليات الحيوية في الجسم تعمل بتباطؤ مما يجعل الجسم صحيحاً، والأعصاب مرتاحة هادئة، وبالتالي ينشط العقل، ويفكر بدون شوائب ويصل للحلول الصائبة وربما الخلاقة كذلك.
ولكن نظرية التعذيب في أقبية التحقيق، تقوم على عكس ذلك تماماً، حيث يمارس مع المعتقل وبطريقة ممنهجة كل الطرق والأساليب والوسائل التي تقود لعكس الاسترخاء (فالجلوس غير مريح، والوقوف مرهق، والرائحة الكريهة، الخ) مما يزيد بمجمله من عملية الشد العضلي، والتوتر الجسمي والنفسي معاً، ويؤدي إلى عدم القدرة على التكفير السليم، أو التركيز العقلي على الأشياء، أو التحكم في القرارات، وهذا ما يسعى له المحقق الصهيوني من جراء عمليات التعذيب التي يمارسها ضد المعتقل.
لذلك على المعتقل أن يكثر من عمليات (الاسترخاء العقلي) عوضاً عن الحرمان الذي يتعرض له من عمليات الاسترخاء الجسمي والعضلي – أي يحاول قدر الامكان الهروب من واقعه الأليم لواقع يملأ الأمل فيه كل كيانه، لأنه بالأمل يعيش الانسان ويحيا، وحياه بلا أمل، لا تعتبر حياة.
- استحضار التصورات الايجابية: يجب استحضار التصورات الجميلة للذات والنفس، والمعاني المثالية الجيده لها، وتجنب كل التصورات والأفكار الهدامة والسيئة التي تغزو العقل والنفس كما تغزو الجراثيم الضارة الجسم، وعليه أن يقوى جهاز المناعة العقلية والنفسية لديه بنفس الدرجة التي يقوى فيها جهاز المناعة والمقاومة لديه. وعملية استحضار هذه التصورات الإيجابية لتعمل على تشتيت عمليات الارهاق النفسي بدلاً من تمركزها، وتمحورها في الذات، حيث تثقل عليها، فتنهار وتتحول لطاقة مهدوره يسيرها فيروس مضاد لكيان المعتقل هو المحقق الصهيوني.
- التحليل الايجابي للمحنة والإبتلاء: يجب أن يحلل المعتقل الضغوط التي يتعرض لها بشكل ايجابي (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرُ لكم) وهذا التحليل الايجابي يجب أن يشغل الحيز الأكبر من العقل أثناء عمليات التحقيق، (فإذا ضربوه على عينه، يحمد الله أنها لم تفقىء، وإذا اعتقل لوحده من أبناء القضية، يحمد الله أنه لم يعتقل معه أحد منهم… وهكذا) والتخلص من النظرة السلبية للذات، والاعتداد بالذات، وتقديرها، واحترامها، ونفث فيها كل معاني الفخر والعزة، والكرامة، حتى لو أدى ذلك للفخر والافتخار بها للخيلاء (ذلك مكروهاً في مواضع الحياة العادية، إلا أنه في هذا الموقع وهذا المكان محبوب (لأن الخيلاء والافتخار في عقر دار العدو قمة الانتصار، كما هو جائر في مشية الخيلاء في المعركة).
- فهم فقه الأولويات في التحقيق: إن المعتقل الواعي، هو الذي يدرك مسبقاً أهدافه ومقاصده، ويرتبها في عقله ترتيباً منطقياً، وفق الأهم فالأهم، ضمن منطق مستويات الأولويات. وهذا الأمر يجعل المعتقل وإن اعترف في بعض أجزاء من المعلومات التي يمتلكها لا يدخل المنطقة الحرام، التي يجوز تجاوزها، ويعلم أن هناك جزءاً من المعلومات لا يحق له بأي حالٍ من الأحوال الاقتراب منها، وهذا يقيه من خطر الانهيار، للفرق الشاسع بين الاعتراف الممنهج والمبرمج، والانهيار، الذي يكاد يقترب في نتاجه من مرحلة التعامل والتعاون مع الأعداء.
هـ) التحرر من القلق والخوف :
الاحساس بالخوف هو أمر طبيعي لدى كل انسان، وأحياناً يكون له فائدة في حياته، قد تقوده إلى أمر محبوب أو مرغوب لديه، وكذلك القلق ليس كله شر، أو مرض، فمن القلق ما يدفع إلى الفوز والنجاح في الحياة. ولكن يزداد الخوف، والقلق عن الحد الطبيعي، عندما يزداد الموقف تعقيداً وصعوبة، (كالموقف أثناء الاعتقال أو التحقيق في زنازين العدو الصهيوني).
ولكن يجب أن لا يمتد هذا الخوف مهما كان ليشمل مساحة النفس برمتها، فيسيطر على كل مكنوناتها، مما يجعل الفرد نهباً لأحاسيس القلق الحادة التي تسيطر بالرعب والخوف الشديد والأفكار الوسواسية القاتلة عليه، مما يصعب التحكم أو السيطرة عليها، وتحول حياته إلى جحيم من قلق الترقب القاتل، الذي يحوله إلى خواف وجبان ورعديد، يهرب من الموقف المؤدي للقلق إلى أحضان الهزيمة والانهيار، لعله يجد فيه ملاذاً من هذا الخوف القاتل، والقلق المميت.
لذلك على المعتقل أن يدرك أن الخوف من التحقيق يقود إلى أخطر منه وهو قلق التحقيق، ذلك القلق الذي يدمر كيان الانسان، ويجعله نهباً لهواجس ذاته، وخواطر نفسه المدمرة، وبالتالي تدمر هذه المشاعر والخواطر الذات من الداخل، وتؤدي لهزيمتها شر هزيمة أمام أي غزو خارجي، فتراه يبحث عن منفذ لدفع القلق في أحضان الجلاد (المحقق) الصهيوني، والمحقق بدوره يصعد عبر عمليات التعذيب من وتيرة هذا الخوف وهذا القلق لدى المعتقل، ويوظف كل مدخلات الخوف والرعب إلى نفسه ليجعل منه شخصاً قلقاً على طول الوقت (قلقاً على المستقبل – قلقاً على الأولاد – قلقاً على العمل – قلقاً على الدراسة – قلقاً على الأهل – قلقاً على كل شىء) وبالتالي يصبح قابلاً لكل شىء حتى الاعتراف والانهيار.
و- قوة وصلابة العزيمة والارادة :
إن الارادة القوية والمتينة لدى الفرد، أهم سلاح لديه لمواجهة المحقق الصهيوني، لأن الارادة القوية هي أداة بناء وصمود، أما الارادة الضعيفة فهي أداة فناء وسقوط. وقوة الارادة تحتاج إلى عقل سليم حتى تترعرع وتنمو في أحضانه، وإذا حدث اضطراب ما في العقل فبالتأكيد تختل موازين الارادة فيه، لأن المناخ غير السليم إذا سيطر على العقل اختلت الارادة، واختل في ضوءها قرارات الاراده، التي تغير سلوكة .
وتعتبر الاراده بمثابة صمام الأمان لدى الفرد، ضد القهر والهزيمة، لأن قوة الارادة هي عامل صمود الانسان في التحقيق، وهي بمثابة مفتاح تشغيل موتور الطاقة العقلية للفرد، وإذا تعطل موتور التوليد لهذه الطاقة فإن الشخص ينهار ويتعطل لديه كل مقومات التحدي والصمود، حيث أن وراء كل صمود في التحقيق تقف الاراده والعزيمة والاصرار، تلك الاراده التي تؤدي إلى المواقف البطولية والاسطوريه في التحقيق، بتحمل المشاق والعنت، من خلال التضحية بالمقومات الأدنى في الحياة لصالح الأهداف العليا.
وكل انسان يولد وله عقل، لابد أن يمتلك قسطاً من الاراده، وإن اختلفت مقدار نسبة هذا القسط من شخص إلى آخر، لأن الارادة أثر من آثار نشاط العقل، لا يمكن أن ندرك كنهها (كما لا ندرك كنه العقل)، ولكي نلمس آثارها خاصة في المواقف الصعبة كالتحقيق في أقبية الزنازين. لأن قوة الارادة كامنة في أعماق الذات، وقد تكون محصلة لكثير من وظائف الدماغ المختلفة رغم أنه لم يتعرف بعد على طبيعتها ومركزها في المخ.لذلك فإن المشكلة ليست في وجود أو عدم وجود الاراده في الانسان، إنما المشكلة في عمل الاراده وقوتها وتحريكها واستغلالها، لتستخدم كل نشاط يقوم به الانسان من حيث القدرة على تحقيق ما هو نافع له.
لهذا تعتبر الارادة في الانسان هي عنوانه، فأي عمل لا ينتج إرادة واعية من قبل الانسان يحيله إلى هزيمة وتقهقر، فالارادة هي محور العمل الناجح، وأما العجز والهزيمة والهوان فهما نتاج اللاإرادة لدى الانسان، أو الارادة المقهورة والمسلوبة، التي تحيل الانسان إلى انسان مهزوم.
لذلك يجب على المعتقل أن ينمي ويقوى الاراده لديه، عبر عوامل تقود إلى ذلك، من أهمها تزويد العقل (مصدر الاراده) بطاقة مولده قوية تنبع من الشخصية القوية، لأن هناك ترابط وتلازم موجب بين قوة الشخصية، وقوة الارادة. ويجب أن ننمي إرادتنا بتحريكها في الوقت المناسب، والموقف المناسب لكي تخرج من حيزها الضيق إلى الواقع الفعلي، واستغلالها في تحقيق الأهداف، بالتحدي والصمود للمحقق الصهيوني، تجسيداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن القوي خير واجب إلى الله من المؤمن الضعيف) وقوة الانسان لا تأتي إلا من قوة عزيمته وإرادته وعمله المتواصل من نتاج هذ الارادة في أرض الواقع. والاراده في أفضل أحوالها تكون في حالة الوسطية (وجعلناكم أمة وسطا) فلا تكون إرادة جامدة صلبة فتكسر، ولا تكون لينة هشة تنحني لكل عارض ومؤثر خارجي.
ز) صوابية اتخاذ القرار:
إن الانسان في حقيقته كيان متكامل، ما يؤثر في جزء فيه يؤثر في الباقي (مثل المؤمن في تواده وتراحمه كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعي له باقي الجسد بالسهر والحمى). والعقل سيد هذا الجسد، واتخاذ القرار من أهم مخرجاته، فإذا اختل العقل، اختلت الارادة، وإذا اضطربت الارادة أو ضعفت تأثر القرار وإضطرب، وإذا تأثر القرار، انحرف السلوك، وبهذا يتضح أهمية القرار السليم والارادة القوية لدى المعتقل خاصة في التحقيق.
إن القرار لدى الانسان، يعتبر أحد الوظائف الهامة للعقل، وأفضل نتاجاته، لكونها المسئولة عن كل سلوكة، التي تصبغ بصبغته، وتتأثر بدرجته وقوته. والقرارات تمثل الاختيار الأنسب من بين عدة خيارات أمام الانسان، لذلك فإن اضطرابها يحدث مواقف غير صائبة، أو قد يظهر ذلك في شكل تردد، وبالتالي تردد في الوصول للموقف الأنسب، ومن ثم امتناع عن ممارسة السلوك المطلوب. كما أن اضطرابها قد يؤدي إلى القبول بالموقف المفروض والتسليم له، ولو كان هذا الموقف مضر به وبكيانه على المستوى البعيد. وإن هناك تلازم ما بين الارادة، والقدرة على مواجهة أمر أو موقف ما، بحيث يستطيع أن يتخذ قراراً (سلبياً أو ايجابياً)، ومن ثم يتمسك بهذا القرار وينفذه. إن حقيقة أي موقف قرار، والقرار هو نتاج عمليات عقلية، والعمليات العقلية نتاج (العقل) فما هو العقل، وكيف تتم العمليات العقلية فيه، وكيف تنتج هذه العمليات أهم نتاج العقل، ألا وهو القرار، المسئول عن كل نشاط يقوم به في حياته.
ح) تعميق الإيثار والبعد عن الأثرة (عدم التمركز حول الذات):
قد تنشأ في جو التحقيق ظروف تؤدي إلى أعباء جمه على النفس، وتخلق توترات كبيرة لها، وفي ظل هذه الظروف يعمد المحقق لخلق هوة بين الذات والنحن –أي جعل الانسان يتقوقع في ذاته- بحيث يجعل محور تركيزه في (الانا) الانانية، ويلغي الآخر النحن لديه (المجتمع أوالجماعة أو التنظيم) بقيمها ونظامها وأخلاقها. أي يسعى المحقق إلى النكوص بالشخص (المعتقل) إلى مرحلة التمركز والتمحور حول الذات، مما يجعله ينظر للعالم وللآخرين وللجماعة والتنظيم وحتى للوطن من خلال هذه الذات، باعتبار أن هذه الذات المهددة تكون أكثر استجابة وتسليم بالتمحور حول نفسها.
إن المحقق يدرك أن الشخص على (الصعيد النفسي)، إذا عُمد إلى تهديد الذات لديه يدفعه ذلك لمزيد من التمركز حول الذات لحمايتها من هذا التهديد والخطر، فيندفع للمحافظة عليها، عبر نفق الاعتراف للمحقق لحمايتها وصونها من التهديد.
5- ارشادات عامة للصمود في التحقيق:
-تذكر قبل التفكير بمصيرك، أن صمودك يدعم زملائك معنويا في التحقيق، ويقوي اخوانك المستمرين في النضال في الخارج، ويجنبهم الاعتقال.
-تذكر من صمدوا قبلك، ومعاناة أهلك وشعبك، وأن مصيرهم يعتمد عليك، وأن الانهيار سيجعل أهلك يعتبرونك جبانا خائنا، فالدوافع التي دفعتك للنضال قبل الاعتقال لم تتغير، ويجب أن تستمر معك بعد الاعتقال بنفس القوة والاستعداد.
-تذكر أنك قد كنت مستعدا للشهادة من أجل قضيتك، فلا يجوز لك السقوط خلال مرحلة التحقيق، ولا يجوز أن تسقط في المعتقل وتضحي بكل ما فعلت من أجل وطنك، تحت ضربات بعض العصي. وإذا حصلت على شرف الإستشهاد، فإن الاستشهاد سيجعل منك شهيداً في الآخرة ورمزا شعبيا في الدنيا.
-تذكر أن التحقيق هو المرحلة الوحيدة من النضال التي لا تكون فيها تحت الخطر إذا صمدت، فخطر الضرب والتعذيب لا يقارن بالرصاص والقنابل والصواريخ.
-تذكر أن معركة التحقيق يقرر نتائجها ارادة المعتقل التي تعتمد على شخصيته وإيمانه بأهدافه وقضيته، لذلك فإن الصلابة والصمود يأتيان من الداخل، وهما التحام مع القضية مهما كان نوع القضية، والتحلي بهما يدفع المحقق الى الافلاس والهزيمة. -تذكر أن بين النصر والهزيمة صبر ساعة، والتحدي مرة قد يقودك الى استمرار التحدي والانتصار. وهزيمة المحقق لا تكون الا بالتحدي والمواجهة. والضعفاء هم الذين يفضلون أنفسهم على الجماعة، ويتجنبون التحدي لضمان النجاة، لكنهم لا ينجون بعد السقوط والاعتراف، بل يحترقون ويحرقون غيرهم معهم لإن السقوط فقدان كل رصيدك الكفاحي، وانتقالك لصف الأعداء.
-تذكر بأنك لو صمدت يعذبونك مدة محدودة، ولا يعاقب أحد لنا لا نهاية إذا لم تتوفر الإدانة ضده. وإذا واجهوك بمعتقل معترف، فاجعله يخجل من نفسه ويعود للتمرد.
-تذكر أن الصبر مسألة إرادية وليست جسدية. ونفاذ الصبر أيضا مسألة إرادية، وليست طاقة جسمية، فكم من نحيل ما تحدى المحقق، وكم من مفتول الجسم والعضلات ما انهار ووقع في فلك المحقق.
-تذكر أن التحقيق هو أحد جوانب وأشكال المعركة التي تدور رحاها في كل مكان مع العدو، ويجب أن تنتصر بها لأنها تعتمد على انتمائك وصلابتك. لأن الصراع ما هو إلا تكثيف لحالة صراع عقائدي تناحري بين أبطال فلسطين من جهة، وبين المحققين الصهاينة الذين يمثلون الأعداء، من جهه أخرى، الذين هدفهم النهائي انهيارك، والقضاء عليك، ولكن أن الانتصار حتمي للأقوى عقائديا، ولهذا يجب أن تنتصر.
-تذكر أن التعذيب ليس هدفا لذاته، بل اعترافك هو الهدف، وتأكد تماما أن الأضرار الجسدية المحتملة في التحقيق، تصيب المنهارين والمعترفين بنفس القدر الذي يصيبك، فالصمود مع بعض الأضرار، أشرف من الخيانة.
-تذكر أن للتحقيق نهاية مهما طال، وأنه سيصبح ذكريات، فاجعله ينتهي دون اعتراف ودون استسلام. يوحي بذلك خلال التحقيق. واعلم كل المعلومات مهما صغرت أو بدت لك تافهة، تكون هامة بالنسبة للمحقق.
-تذكر ولا تنس أن رجل التحقيق موظف بأجر. وتأكد أن الصراع بينك وبين المحقق لا يحسم الا في نهاية التحقيق. وأن المحقق لا يمكن أن يكون صديقا، ولا رؤوفا بك.
والأغبياء فقط يصدقون المحققين.
- تذكر أنه إذا اجتزت التحقيق بسلام فإنك تزداد احتراما. واذا فشل المحقق في نقطة ما، فهو يعود للتجربة مرة أخرى. ولا تقاطع المحقق أبدا خلال التحقيق، فهو لا يعنيك. واذا استبدلوا محققا بعد فشله معك بمحقق آخر هو انتصار لك.
-تذكر أن وسائل المحقق تجريبية، وأنت من يقرر فشلها أو نجاحها. وقد يقول المحقق لك أنه قادر على اطالة التحقيق فلا تصدقه. وقد يفتح المحقق معك، بعض المواضيع الهامشية والعامة. ويعود للمسائل التي يتجاوزها من حين لآخر فأحذر ذلك.
-تذكر أنه قد يتبادل المحققون الأدوار في التحقيق، محققون شرسون، وآخرون لطفاء. وقد يلجأ المحقق إلى تبسيط التهمة وتقليل شأن عواقب إعترافك. ويحاول أن يجعلك تهتم بخلاصك الذاتي.
-تذكر أن المحقق يعمل دائما وفق طرق محددة ومنهج محدد، وليس لديه مبادرات ذاتية، ويحاول أن يظهر لك أنه عالم نفس ليضمن تفوقه عليك، بينما أنت حر في اختيار وسائلك، فأفشل طرقه وتمرد، وابق دائما متفوقا عليه.
- وتذكر أنه قد يلجأ إلى تبسيط التهمة وتقليل شأن عواقب اعترافك، ويدعي أن ما يقوم به ليس تحقيق ولكنه مجرد عمل روتيني لإقفال الملف. كن حذرا لأنه في ذلك يريد أن يصطادك، فلا تصدقه أبدا.
- وتذكر أنه قد يلجأ إلى التشكيك بالثورة والقادة والأصدقاء والأقارب، وزعزعة علاقتك مع تنظيمك، بكل وسائل التشكيك الممكنة، فلا تصدقه ولتكن إجابتك إما الصمت، أو الإصرار على عدم وجود علاقة لك بهذا التنظيم، أو امدح مناضلي التنظيم دون الاعتراف بوجود أي علاقة لك معهم.
-وتذكر أن المحققين لا يحترمون أية عقيدة أو دين، لذلك يدسون عناصر في ثوب ديني لتشكيك المعتقلين بجواز ما يفعلون دينيا، كما يهاجمون مسلكيات بعضهم لإثارة الفتنة والخلافات بين المعتقلين.
-وتذكر أنه قد يضربك إذا رفضت أن تأخذ سيجارة، أو اذا جلست أو وقفت، والسبب الحقيقي للضرب يكون إما إحساسه بالفشل أو إحساسه أنك تخاف من الضرب، فيحاول أن يجبرك على الطاعة والتعاون بالقوة
-وتذكر أن من وسائل المحقق عزلك عن العالم وعن الآخرين، والإيحاء لك ان التحقيق أبدي.. والتهديدات المختلفة والأسئلة السريعة المتلاحقة والشتائم والضرب على أماكن حساسة والشبح والوقوف عدة أيام وليالي وعدم النوم عدة أيام، كل ذلك لخلق انفعالات لديك، تؤدي الى إرهاق الدماغ، الذي يؤدي إلى إضعاف النشاط المخي الواعي، والإخلال بالتوازن الجسماني، إلى درجة تجعل الدماغ يتوقف تلقائيا عن النشاط والعمل للاستراحة ولو لعدة ثوان، ويضعف الدماغ خلال هذه الإستراحة التي يحاول المحقق توصيله إليها، لاستغلالها بالانقضاض على شخص منهك، والضغط عليه وابتزازه لأخذ المعلومات منه. لا تستسلم أبدا ولا تخف من هذه الحالة لأنها تزول، ولا تتحدث خلالها مع المحقق، ووطنك وشعبك يعتمدون على صمودك.
-تذكر أنه يستعمل المحقق لغايات إرهاق الدماغ، الأساليب العصبية مثل الضرب بشدة على رؤوس أصابع اليدين والقدمين والشفاه والآذان والأعضاء الجنسية وشد الشعر، كما ينقل الضرب من مكان إلى آخر بشكل مستمر لإثارة جو من الإرهاب والإرهاق للدماغ، والمؤثرات النفسية. كل ذلك له نهاية، ونهايته تعتمد على صمودك أنت فقط.
-تذكر أنه على المحقق في النهاية، أن يقرر إما أن المعتقل بريء، أو أنه صامد مصمم على عدم قول أي شيء حتى بوجود الأدلة والمواجهات، أو أنه ضعيف خائن، انها الخيارات الثلاثة الوحيدة أمامه، فلا تكن ثالثها. (على الحتر،ب ت :أنترنت)

القسم الثاني: آثار التحقيق والتعذيب (الآنية والبعدية):
تعتبر الآلام الناجمة عن عمليات التعذيب في التحقيق في السجون الاسرائيلية، من نوع الآلام الحادة، وهي آلآم تصنف على أنها قابله للتحديد الموضوعي، ولها سبب محدد، ومده زمنيه محدده، وقد ترتبط أحياناً بتضرر في النسيج الجسدي للشخص، وعواقبها النفسيه تقتصر بشكل مؤقت على القلق والاجهاد، وغالباً ما يشفى الفرد منها. لكن الخطوره أن يتحول هذا الألم مع الزمن لمرض مزمن للمعتقل في المستقبل، حتى بعد خروجه من المعتقل، سواء مرضاً جسدياً أو نفسياً أو سيكوسوماتياً، ومن غير المستبعد (إذا كان ضغط المعاناه متطرفاً) أن تتحول حالة القلق والاجهاد إلى حالات اكتئاب وعجز ويأس، وأرق، وفقدان شهيه وما إلى ذلك. (ISAP، 1977، أنترنت)
وعمليات التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين تخلف أثاراً عديدة ومتنوعة في أكثر من جانب، فهناك الآثار الجسدية والآثار النفسية والآثار العقلية، وكلها لا تبرز في وقت واحد معاً، فهنالك المظاهر المباشرة الآنية، وهناك الآثار اللاحقة البعديه، للتحقيق. وسوف نستعرض في هذا القسم أبرز المظاهر والآثار المرضية بشيء من التفصيل.
أولاً: سوف يتم تناول الآثار الآنية التي تظهر على المعتقل أثناء عملية التحقيق. وثانياً: سيتم تناول الآثار اللاحقة البعدية التي تظهر على المعتقل بعد انتهاء التحقيق.
أولاً: الآثار الأنية المباشرة (أثناء التحقيق):
وهي الآثار التي تظهر على المعتقل أثناء فترة التحقيق مباشرة، في الجوانب الجسدية والنفسية والعقلية، والتي تنجم عن وضعه في جملة من الضغوط المستمرة والمتواصلة عليه. والتي قد تؤثر عليه وعلى نشاطه بشكل اجرائي.
وهذه الآثار قد تكون جسمية، وقد تكون نفسية، وقد تكون عقلية، وقد تكون جميعها في آن واحد. وذلك جراء مشاعر الاكتئاب والحزن التي تنتابه، لشعوره بالذل والإهانة، أو لشعور بالاحباط، وفقدان الهوية الذاتية، جراء الاعتداء المستمر والمتواصل عليه. وهذه الآثار مهما كانت شدتها وحدتها، إلا أنها لا تشكل خطورة كبيرة على المعتقل، إلا إذا استمرت بعد انتهاء فترة التحقيق، وتحولت بالتالي لآثار مرضية بعيدة الأمد. لذلك سوف يتم التركيز على الآثار اللاحقة والبعدية التي تستمر بعد انتهاء التحقيق.
ثانياً: الآثار البعدية غير المباشرة (بعد التحقيق):
هي الآثار التي تظهر على المعتقل بعد فترة التحقيق بشكل غير مباشر، في الجوانب الجسدية والنفسية والعقلية، والتي نجمت عن وضعه في السابق تحت جملة من الضغوط المتواصلة. والتي آثرت عليه بشكل عام في بعض، أو كل هذه المجالات ً.
وتتأثر هذه الآثار المؤجلة غير المباشرة، في وجودها وظهورها بعدة عوامل أبرزها طول الفترة التي تعرض فيها المعتقل للتعذيب، وكذلك طول جلسات التعذيب وتوترها، وتكرار التعذيب في أوقات غير منتظرة وغير معروفة. وكذلك البُعد الاضطهادي للتعذيب والخوف من الوشاية من قبل المقربين. وكذلك فقدان احترام الذات المرتبط بالإهانة من الاعتراف، بسبب الضعف تحت التعذيب.
ويرى علماء النفس بأن للصدمة بشكل عام (التي تخلف نواحي مرضية) عناصر معينه مشتركة لابد أن تخضع لها، بحيث تؤثر هذه العناصر في نتائج التعرض للصدمة. ولفهم عمق الصدمة يجب التعرف عليها، وهي: (توقع الصدمة، مدة التعرض للصدمة، الاستعداد لمواجهة الصدمة، نوعية الصدمة، مصير الصدمة، تراكم الصدمة).
- توقع الصدمة: إن المعتقل منذ لحظة إلقاء القبض عليه من قبل جنود الاحتلال الصهيوني، يتوقع في الغالب بشكل كامل وواعي للصدمة الاعتقالية، وصدمة التحقيق، (أي ما سوف يحلق به من صدمات وضغوط في التحقيق)، نظراً لإدراكه من خلال الواقع المشاهد ما يحمل هذا العدو من طبيعة حاقدة، ونفسيته مجرمه. لذلك تكون الصدمات المتوقعة من قبل العدو بالنسبة للمعتقل أكثر عمقاً وأقوى أثراً، ووقعاً على النفس من الصدمات غير المتوقعة.
ولكن على صعيد بعض المعتقلين يكون هذا التوقع هو مصدراً للتحفز على عكس ما ذكر، حيث يتوقع البعض منهم خاصة أصحاب التجربة، الصدمة بكل أبعادها وبشكل أفضل من غيرهم، وبالتالي لا يحدث لديهم آثار ونتائج صدمية أو مرضية أكثر صعوبة أو خطورة من غيرهم، مما قد يترتب عليه أن توقع الصدمه ليس بالضرورة أن يحدث تصور أو سلوك أسوء لدى المعتقل من عدم التوقع.
وقد بات من المعلوم أن كثير من الأشخاص الذين تكرر اعتقالهم، يدركون ويعلمون جيداً ما سوف يواجهون من عمليات صدمية من خلال التعذيب، ولكنهم يعودون للعمل ضد إسرائيل بعد خروجهم، ثم يصمدون صموداً بطولياً بعد ذلك في التحقيق .
لهذا فإن توقع الصدمة قد يزيد من حالة الاضطراب لدى المعتقل، لكنه ليس بالضرورة أن يؤدي هذا الاضطراب إلى اضطراب مرضي دائم، وفي أحيان قد تخلق تحفز وترقب دائم ناجم من خلال هذه الخبرات بهذه الصدمات.
- مدة التعرض للصدمة: بالنسبة للمعتقل الفلسطيني، فإن الحديث عن مدة تعرضه للصدمة بشكل عام يكاد يكون حديثاً فارغاً ليس له قيمه، باعتبار أن الفلسطيني وعلى مدار أكثر من نصف قرن يتعرض وبشكل يومي تقريباً لخبرات صدمية من قبل العدو الصهيوني، وزادت المعاناة والصدمات بعد الاحتلال الإسرائيلي لباقي الضفة والقطاع عام 1967، وتفاقم بشكل كبير الوضع إبان انتفاضة الأقصى. والمعتقل الفلسطيني داخل التحقيق يواصل مدة تعرضه للصدمة، أي أن الصدمة تمتد على مساحة زمنية كبيره من حياة المعتقل الفلسطيني، ولا تبدأ فقط بالاعتقال، وتنتهي بالإفراج.
وهذا يعني صدمه مزمنة، بسبب استمراريتها وتواصلها، وهي صدمه تراكمية، ذات أبعاد متنوعة، ومظاهر وانعكاسات متغيرة، لهذا من الصعب الفصل بين الحالة الصدمية التي تعرض لها المعتقل، وبين الخبرات الصدمية التي واجهها في الحياة قبل وبعد الاعتقال، وهذا يؤدي لصعوبة التمييز بين آثار الصدمة التي أحدثها المعتقل وبين آثار الصدمة التي يواجهها في الحياه خارج المعتقل، من تراكمات قديمه قبل الاعتقال، أو صدمات حديثه بعد الاعتقال.
وهذا يقود إلى نتيجة مؤادها أن أغلب الدراسات التي تحدثت عن الآثار والانعكاسات المترتبة على الحالة الصدمية الناتجة عن الاعتقال والتحقيق تفتقر إلى كثير من الموضوعية والصحة والصدق، لعدم عزل أو فصل الخبرات الصدمية المتراكمة عن بعضها البعض في حياة الفلسطيني.
- الاستعداد لمواجهة الصدمة: إن المعتقل يواجه عنفاً صدمياً مستمراً داخل التحقيق، أما الاستعداد لمواجهة الصدمة فيختلف من معتقل لآخر، فبعضهم يدخلون التحقيق بدون أي استعدادات مسبقه، وعدم الاستعداد المسبق هذا يؤدي إلى زيادة معاناة الصدمه لديهم، وبعضهم دخلوا صدمة التحقيق، ولديهم خبره صدميه جيده، واستعداداً مناسباً لمواجهة هذه الصدمه، وقد تمثل هذا الاستعداد في عملية التحضير الذهني (العقلي) و النفسي، وقد يكون أحياناً الجسدي لمواجهة الصدمة، مما يجعل هؤلاء المعتقلين أكثر قدرة وصموداً على تحمل هذه الصدمات، وبالتالي التقليل من آثارها وانعكاساتها السلبية على المعتقل قبل وبعد خروجه من السجن.
وقد أشارت الباحثه (بوناماكي) على قدرة المجتمع الفلسطيني برمته، على التعاطي مع الضغوط التي يتعرض لها من قبل الإحتلال، حيث بينت في دراستها للواقع الفلسطيني، تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، إلى ايجابية مفهوم الصحة النفسية لديه. ” لأن لديه القدرة على النشاط الفعال والهادف، والجهود الشجاعة المبذولة، من أجل تغيير مصدر الوضع الضاغط نفسيا،ً والإستعداد للانضمام للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال “. (121 :1986 Punmaky,)
- نوعية الصدمة: يعتبر علماء النفس بأن نوعية الصدمه تحدد شكل السلوك التجنبي الناجم عنها، وأشكال معايشة هذه الصدمة، وكذلك انعكاساتها النفسية والجسدية. وإن الأسباب المؤدية للصدمة، هي التي تحدد المظاهر الاضطرابية والمرجعية الناجمة عن تلك الصدمة، وتحدد كذلك آثارها القريبة والبعيدة.
وإن نوعية الصدمة التي يتعرض لها المعتقل، في (التحقيق) هي أقسى وأصعب أنواع الصدمة على الإطلاق. وتمتاز هذه الصدمة بحدث صدمي نوعي يشكل تحدي ديني وحضاري وثقافي وفكري ومعنوي وروحي ومثالي وكذلك جسدي. أي أن نوع الصدمة من النوع الشمولي، لذلك تكون المواجهه من النوع الشمولي، مما يشكل حالة استنفار عامة تشمل جميع مدخلات الكينونة البشرية، ثم يتشكل الرد على هذه الصدمة بما يتناسب ونوعية الصدمة وحجمها. أو قد يزيد عليها بالسمو إلى الحالة الايثارية لدى المعتقل الفلسطيني، تلك الحالة التي تولد التضحية بالذات في سبيل المجموع، أي قبول نظرية الاستشهاد والإقبال عليها بكل كيانه وكينونته، من أجل كرامة المجموع أو الجماعة التي ينتمي إليها، مما يستفز المحقق الصهيوني الذي يسعى إلى سحق آدمية المعتقل الفلسطيني وإلحاق أكبر الأذى المعنوي بنفسيته، وتهديد أمنه الشخصي بجميع ما يحمل مفهوم الأمن من عموميته وشموليته.
- مصير الصدمه: إن العمليات الصدميه التي يتعرض لها المعتقل في التحقيق، ما هي إلا امتداد طبيعي لمجمل الصدمات السابقة التي تعرض لها في حياته قبل الاعتقال على يد العدو الصهيوني، بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يجعل مصير هذه الصدمه من نوع الصدمه المزمنه ، وبالتالي فإن مصير الصدمه المزمنه يختلف عن الصدمه اللحظيه والآنية، في نتائجها وآثارها، حيث تشير أغلب الدراسات إلى أن الصدمه المزمنه تولد لدى البعض الأمراض النفسية منها (الفوبيا المتنوعة، والمتداخله مثل: الخوف من الموت، والخوف من الجنون، والخوف من الانفجارات، التي تشترك جمعيها في توليد الوساوس المرضيه).
- تراكمية الصدمه: إن الصدمه التي يتعرض لها المعتقل في التحقيق هي صدمه تراكميه، سواء عبر التحقيق نفسه، حيث تنطوي الصدمه في التحقيق على تعذيب جسدي، وتعذيب نفسي، وتعذيب عقلي (حيل خداعيه)، وكلها أساليب ووسائل محرمه دولياً. وتمتد زمن طويل نسبياً، أو باعتبارها جزءاً من الحالة التراكمية للصدمات التي يتعرض لها خلال الحياه العادية خارج المعتقل. لهذا ير ى البعض أن مرور الزمن قد يزيد من الصدمه ولا ينقصها، وكذلك لا يشفي الصدمات بل هو يحولها إلى مزمنه. ولكن بالنسبة للمعتقل الفلسطيني فقد تتلاشى تلك الصدمه، مع المعززات الانفعالية والنفسية والعقلية والاجتماعية، التي يحيطه بها المجتمع بعد خروجة من السجن.
الصوره الهواميه للعدو: إن صورة العدو في مخيلة المعتقل، لها دور كبير في تحديد الصدمه، فكلما كانت صورة العدو أكبر وأكثر هولاً ومخيفه بشكل أكبر، تكون الصدمه بالتالي لها تأثير أكبر على المعتقل (سواء كانت متطابقه مع الواقع أو غير متطابقه له) وكلما زادت هذه الصورة كذلك في ذهن المعتقل كلما أثر ذلك على عملية صموده. وأخطر عمليات الصوره الهواميه للعدو عملية التوحد به، التي تبدأ بالثناء والمدح له، ثم بالتشبه به، وتنتهي بالصورة الأكثر سلبيه للتوحد، وهي الارتباط والتعامل معه، مما يولد اهتزازاً عميقاً في ذات المعتقل ونفسيته على مستوى المرجعيات القيمية والاخلاقيه له، وبالتالي تصرف عدوانيته على الآخرين من أبناء شعبه وجلدته، كما يحدث في حالة العملاء (العصافير) الذين يشاركون العدو في التحقيق مع أبناء شعبهم.
مظاهر وآثار التعذيب:-
والآثار بعيدة المدى التي تصيب المعتقل بعد انتهاء عملية التحقيق، تعتبر إما آثار جسدية أو نفسية أو إجتماعية، منفردة أو مجتمعه. وسيتم تفصيلها لزيادة الايضاح فيها.
1- المظاهر الجسدية:
يسبب التعذيب خاصة الجسدي، نوعاً من الاعتلال بأعراض جسدية كثيرة، كالأمراض التي يمكن أن نكشف فيها عن خلل جسدي، أو نفسجسدي ينشأ بسبب وجود مشاكل صحية نتيجة لفترات الاعتقال والتحقيق، الذي يترافق غالباً مع نقص العناية الصحية المناسبة. (موقع الحركة العالمية للدفاع عن الاطفال، ب ت: انترنت)
ومن أبرز هذه الأمراض على سبيل المثال: (البواسير، والتهابات وقرحة حادة في المعدة، والتهابات مزمنة في اللوزتين، والتهاب الكلى، والتهابات مفصل الفك، ويرقان الكبد، وآلام الظهر والرقبة والرأس وآلام في العيون والديزنطاريا ومرض في الدم) .
وحسب كثير من الدراسات فقد تبين بالنسبة لمرض القلب بأنه يوجد ثلاثة من كل أربعة من الناجين من التعذيب في السجون الإسرائيلية، يعانون من أمراض في القلب مثل: (آلام ووخز في عضلات القلب، والشعور بتسارع دقات القلب، وكذلك الشعور بصعوبة في التنفس ).
وأما بالنسبة لأمراض القناة الهضمية فقد تبين بأن 70% من الناجين من التعذيب في السجون الإسرائيلية، يشكون من أعراض في القناة الهضمية. وهذه الشكاوي كانت امتداداً لأعراض القرحة مثل: (آلام المعدة وآلام عند الجوع وتقيؤ وتضرع شئ حامض وغثيان وقيء وفقدان الوزن والامساك أو الأسهال والاصابة بالتهاب الكبد)
ونتيجة لتعرض السجناء لتغيير قوي جداً في الحرارة والبرودة دون أن تتوفر لهم الحماية الكافية، أثناء عمليات التعذيب، تتقلص قدرة أجسادهم على الصمود، وبالتالي يجعلهم معرضين للإصابة بالتعفن، والإسهال، والتهاب الكبد، والأمراض الصدرية المزمنة التي قد تنتهي بالموت.
كما يشكو بعض المعذّبين من آلام في الرأس، وضعف في الـتـركيز، والذاكرة، واضطرابات إدراكيه، ودوار، وإرهاق، وغيبوبة، ناتجة عن نقص في التنفس، وحاجة للأكسجين في الدماغ.
كما تعمل نوعية الطعام السيئة التي تفتقر إلى البروتينيات، والأملاح المعدنية، والفيتامينات، إلى ضعف المناعة، وكذلك تسبب نقصاً كبيراً في الوزن، وتهيج القولون –خاصة القولون العصبي- واضطرابات في البول والبراز ناتجة عن حرمان المساجين من الذهاب المنتظم إلى قضاء الحاجة.
كما يصاب بعض المعتقلين بالكسور، وانخلاع المفاصل، والأورام الدموية، والجروح، والحروق، والرضوض في الجمجمة، وآفات الأعصاب، والأوردة، ومشاكل بالفقرات العنقية، والأمراض المنقولة، والنزف الداخلي الذي يؤدي إلى موت العديد من المساجين تحت التعذيب.
كما يطال تأثير التعذيب العيون بكثير من الأمراض مثل: الرمد المزمن، ونقص في حدة البصر. وكذلك يؤدي ضرب الرأس والوجه إلى آلام في الأذن والأنف والحنجرة، وأحياناً ثقب لطبلة الأذن، وجروح في الأذن الباطنة، والتهابات مزمنة للأذن الوسطى، مما يجعل الكثير من المعتقلين يشتكى من نقص في السمع، ومن الدوار، وطنين وآلام في الأذنين، ومشاكل في مسالك الأنف.
كما يعاني المعذّبون من أمراض الأسنان أو كسور ناجمة عن لكمات أو تسديد ضربات على الوجه. ونقص في صحة الأسنان ما يسبب أيضا آلام في الأسنان وتسوسها. وكذلك التهاب أو نزف في اللثة ناتج عن سوء التغذية. وبسبب الخلل الوظيفي في الأسنان أو اللثة يمكن أن يسبب ذلك آلاما وأوجاعا حادة في الرأس .
ويصاب كذلك بعض ضحايا التعذيب الصهيوني من السعال الدائم، ومرض السل، ويشتكي البعض منهم من المشاكل الشرجية، ومن ضعف العلاقة الجنسية، وبعض الأمراض التناسلية. كما يعاني البعض من آلاماً مزمنة في العضلات والمفاصل، وآلام عصبية، وتشجنات، أثر الضرب الكثير الذي يصيب البدن والأطراف. كما يصيب البعض آلاما في الكتفين، وتقويس في العمود الفقري، وتوتر للأعصاب، وتهيج في الأحشاء والجلد، وتشقحات في القدم، مما ينجم عنها انفجار ألياف نسيج باطن القدمين.
ويصاب العديد من ضحايا التعذيب بعوارض تمدد حاد للرقبة يصحبه انحناء إلى الأمام، وتلف يلحق العمود العنقي، وضرر يصيب الأوردة، والأعصاب الموصلة إلى الرأس، كما يصيب الضفيرة العنيقة الودية المجاورة، والأجزاء الرخوة بصفة عامة، وآلام في الرأس متمثلة في صداع وآلام في الأسنان وآلام في الصدر خصوصاً في المنطقة البركية فضلا عن اضطرابات معوية وجلدية.
وتوجد لدى بعضهم آثار للندوب الناجمة عن الحروق والجروح التي تسببها آلة وخز أو آلة حادة، والتي يجب إيلاء العناية ليس فقط إلى سبب هذه الندب عموما والآلام التي تحدثها، بل إلى ما تتركه هذه الندب من أثر في المعتقل. كما يضر التعذيب الجسدي بالحواس والحركة، ويسبب الآلام للأعضاء الموهومة اثر عملية البتر لها.
وفي دراسة ميدانية أجريت على ثلاثين معتقلا محررا من معتقل الخيام ما بين العامين 1985م، و1996م، تبين انه أثناء الاعتقال عانى المعتقلون وبنسب متفاوتة من الأمراض المختلفة، أمراض صدرية بسبب الاكتظاظ، وفي القلب، والكلى، والأعضاء التناسلية نتيجة للتعذيب بالصدمة الكهربائية، في أماكن حساسة من الجسد، وتلف الأسنان واللثة، وأمراض الأذن نتيجة إحداث أصوات عالية (زمور، قنابل صوتية أثناء التحقيق)، بالإضافة إلى الضرب على الرأس، ومشاكل في النظر نتيجة سوء التغذية، والضرب، والعتمة.
وفي تقرير عن أوضاع السجناء السياسيين المحررين في قطاع غزة بعد تعرضهم للسجن وللتعذيب الجسدي والنفسي، تبين بعض العوارض مثل: الأمراض جسدية، ومنها تلك المتعلقة بالخصيتين (26%)، صعوبات في التنفس (12%)، أمراض في المعدة، وأوجاع (13%). الخ.
2- المظاهر النفسية:
يستتبع التعذيب عواقب طويلة الأجل وعميقة الأثر على المعتقل، وعلى أسرته ككل. وتكون أسوأ العواقب بالنسبة للناجين هي العواقب النفسية. فيظل يطارد الكثيرين منهم الشعور العميق بالذنب والعار، الذنب لأن النجاة كانت من حظهم ولم تكن من نصيب آخرين كما يشعر بأنه مذنب في حق عائلته لأنه المسؤول على ما آلوا إليه، والعار لأن المعلومات التي أدلوا بها تحت وطأة التعذيب ربما تكون السبب في تعرض أصدقاءهم للأذى.
وأكثر السمات تمييزاً للآثار النفسية للتعذيب هي مشاكل الأرق والكوابيس المتواترة حول فترة السجن والتعذيب مما يبعث فيهم قلقاً كبيراً. كما يعانون الأعراض الانفعالية (القلق والإكتئاب المزمنين) والإحساس الذاتي بتغيير الهوية. ويصيبهم القلق إذ ما وجدوا أنفسهم في قاعات صغيرة أو تواجهوا مع أصحاب الزي الرسمي فيصبحون سريعي الغضب متوترين ويجدون صعوبة في التحكم في مشاعرهم، كما أن البعض منهم يعانون من ضعف الذاكرة، ومن قدرة على التركيز محدودة، ومن بين الآثار النفسية الخطيرة جداً أيضا نزعة الناجين من التعذيب الى الانزواء، إذ تقوي الزنزانات الضيقة والمعتمة القلق والشعور بالوحدة لدى السجين.
وقد قدم الأخصائي في الصحة النفسية (محمد الزير،2001) رسالة ماجستير بعنوان: ” الآثار بعيدة المدى للتعذيب لدى الأسرى المحررين الفلسطينيين، وعلاقتها ببعض المتغيرات”. وأوضحت الدراسة أن هناك آثاراً نفسية وجسمية بعيدة المدى لا يزال يعاني منها أعداداً كبيرة من الناجين الذين تعرضوا لخبرة السجن والتعذيب على أيدي المحققين العاملين في أجهزة الأمن الإسرائيلية. مؤكدة أن الأسرى والمحررين بحاجة لفحوصات كاملة وبصورة روتينية من فترة إلى أخرى للإطمئنان على حالتهم الصحية وخلوهم من الأمراض الناجمة عن التعذيب والإعتقال.
وأشارت الدراسة أن الأسرى والمحررين بحاجة إلى رعاية نفسية من خلال مؤسسات وجمعيات الأسرى المحررين ومؤسسات الصحة النفسية وذلك عن طريق عقد ورشات عمل وجلسات علاج جماعية وبرامج تأهيل لتطوير مهارات التكيف لديهم. ودعا الباحث إلى العمل على تحريم إستخدام أسلوب التعذيب في المجتمع، لما له من دور سلبي في تدمير الروح والجسد، مطالباً بضرورة الاهتمام بعمل دراسات علمية، حول السجن والتعذيب وآثاره الجسمية، والنفسية، والاجتماعية، على الأسرة والأبناء. (محمد الزير،2001: 13)
وفي تقرير عن أوضاع السجناء السياسيين المحررين في قطاع غزة بعد تعرضهم للسجن وللتعذيب الجسدي والنفسي، برزت بعض العوارض منها: مشاكل نفسية كردود الفعل البارانوية (46%)، الحصر والاكتئاب (17%)، العصبية الزائدة (19%)، أوجاع الرأس ذات الأصل النفسي (16%)، والعوارض النفس جسدية (32%).
والتجربة الفلسطينية مليئة بالحالات التي أصيبت بعاهات متعدده، بسبب التعذيب بوسيلة الضغط النفسي أثناء استجوابها، فكثير من المعتقلين أصيبوا بأمراض عصابية وترك هذا الأسلوب آثاراً على حياتهم ومستقبلهم، بل دمرت وسحقت حياة الكثير منهم وقضي على مستقبلهم وأصبحوا معاقين نفسياً بسبب ما تعرضوا له من تعذيب نفسيّ أثناء اعتقالهم.وإن أعراض التعذيب النفسي خطيرة جداً، ومن الأسرى من ما لا زالوا يعانون من اضطرابات نفسية، وتوترات، وانفصام شخصية، وقلق، وعدم الثقة، والخوف، وقلّة النوم وغير ذلك. وهناك العديد من الآثار النفسية فائقة الخطورة والتي تخلفها حملات التعذيب والتنكيل بحق المعتقلين، التي تخلفها مدد الاعتقال الطويلة، وطرق التحقيق والتعذيب والتعامل التي يتعرض لها المعتقلون خلال فترات احتجازهم.
وهناك دراسات متعددة قد ابتدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومستمرة إلى يومنا هذا، تدل على أن من عانوا الأسر خلال الحرب كما الحال مع الأسرى الأوروبيين عند الألمان، وفي فيتنام وكوريا الشمالية ما زال بعضهم يعاني من هذه التجربة القاسية. كما ان هناك العديد من الدراسات أيضا، على اللاجئين السياسيين إلى كندا ودول أوروبية، وكلها تبين وجود أمراض وأعراض مثل التقلبات في المزاج، والصعوبة في التركيز، والقلق والاكتئاب، والعدائية، ومشاكل في الذاكرة، وآلام متعددة في الجسد، والشك، وهذه العوارض لها علاقة مباشرة بتجربة الأسر، ومدته وقساوة التعذيب الذي تعرض له الأسير. من كل ذلك نستنتج انه كلما طالت مدة الأسر وكلما اشتدت قساوة التعذيب كلما كانت هذه الأعراض اشد ظهورا وإيلاما. وقد تستمر مدة طويلة. (187:Speed etal 1991 )
وفي دراسة أجراها الدكتور (اياد السراج) عن تأثير التعذيب وسوء المعاملة على عدد كبير من المعتقلين العرب في سجون إسرائيل، أتت النتائج مطابقة للتوقعات المذكورة سابقا أي كلما اشتدت قساوة التعذيب سواء بواسطة الكهرباء، أو المواد الكيميائية، أو التعذيب النفسي، أو العزل الحسي عن العالم، أو إطلاق القنابل، كلما عانى المعتقل المحرر لاحقا من عوارض: (العزلة عن الناس، اللامبالاة، معايشة التجربة، المرة من جديد من خلال الأحلام أو التفكير) وكلما طالت فترة السجن، والمشاكل الصحية أثناء الاعتقال، والمضايقة باستمرار أثناء وبعد الاعتقال كلما كانت المشاكل النفسية اكبر. وبالنسبة للذين يعانون من مشاكل مادية، فان المشاكل النفسية، كالانطواء، والإفراط في ردة الفعل، كانت لديهم أكبر بكثير. (El-Srraj, 1996: 606-595 )
وفي دراسة أخرى أجرتها دائرة البحث العلمي بهدف استكشاف أساليب التحمل التي ساعدت الأسرى على التوافق مع تلك التجربة الصعبة، وتحليل علاقة هذه الأنماط مع المتغيرات النفسية والبيانات الشخصية الخاصة بكل سجين، تم إجراء مقابلات مع 79 أسير فلسطيني محرر حول خبرات السجن وطرق التغلب على هذه الخبرات وشخصية كل سجين وكيفية الوضع النفسي لكل منهم. وقد أبرزت نتيجة التحليل الكيفي عدة أنماط مختلفة من خبرات السجن. كانت واحدة من هذه الأنماط على وجه الحصر تعكس مشاعر سلبية تتميز بالمعاناة والمرارة وعدم السعادة واشتملت باقي هذه الأنماط على انطباعات مجزية نسبياً.(الجمعية العامة للأمم المتحدة،1984: 16)
وفي موضوع –التعذيب- الذي أعدته طبيبة اختصاصية في الطب العائلي، يلاحظ أن العديد من الأشخاص الذين امضوا فترات معينة في معتقلات الإسرائيليين والمتعاملين معهم، أصيبوا بصدمات نفسية بات من الصعب الخروج منها، فالكثيرون منهم، وبالرغم من مضي مدة طويلة على خروجهم من المعتقلات، ما زالوا يعانون من الإحساس بفقدان الأمان، كما أن آخرين، يعانون من احتقار الذات، بسبب الأفعال اللاإنسانية التي كانت تمارس ضدهم، مثل دفعهم إلى العواء أو النواء، أو البصق في وجوههم، أو إجبارهم على التعري أمام المحققين الإسرائيليين، وإلزامهم بالسير عراة لعدة ساعات على مرأى المحققين. (ليلى يونس،1995: 98)
وقد ظهر مجموعة عوارض متزامنة، برزت نتيجة لوجود عامل ضغط معروف، (recognizable stress) تنتج عنه عوارض القلق والتوتر والخوف الدائم من خطر ما، وكذلك اضطرابات في التركيز والذاكرة.
لذلك يعيش بعض المعتقلين السابقين، مرارا وتكرارا التجربة المؤلمة القاسية، من خلال الأحلام والكوابيس التي تراودهم من دون وجود أي مرض عقلي لديهم. وهذا ما سمي لاحقا بعوارض ما بعد الصدمة (PTSD) وقد ادخل هذا المفهوم في المراجعة التاسعة للتصنيف العالمي للأمراض، الذي تصدره منظمة الصحة العالمية. ( 204 :1977 World health organization,.)
ومن آثار الضغوط النفسية التي يعاني منها المعتقل الذي تعرض للتعذيب الجسدي أو النفسي في التحقيق، ظهور مجموعة من الظواهر والآثار اللاحقة لما بعد الصدمة. Post traumatic stress disorder وقد تحصل بعد فترة كمون قصيرة أو طويلة. عند الشخص وذلك على شكل: متلازمة التكرار Syndrom de repetition ، وهي فترات يشعر فيها بأنه يعيش الحدث مجددا ويتصاحب مع ذلك قلق كثيف، كوابيس متكررة، دفعات من القلق والحصر، بروز ذكريات بسبب ظروف مساعدة كصورة، حدث، ميلاد…، اضطرابات نفس جسدية، سلوك اقتحامي أو تجنبي، إفراغ انفعالي: حركي أو صراخ.
أو ردود فعل عاطفية ذات طابع اكتئابي، وتشمل الحزن، التشاؤم، الحذر العاطفي، فقدان الاهتمام، صعوبة في التركيز.
أو ردود فعل زائدة تجاه المثيرات، تؤدي إلى انتباه زائد، نقزات، اضطراب في الانتباه الإرادي، صعوبات في النوم، استعداد للنزق وسرعة الغضب، ردود فعل عصبية مبالغة كالتعرق،و إسهالات، واضطرابات في الأوعية الدموية.
3- المظاهر الاجتماعية:
في تقرير عن أوضاع السجناء السياسيين المحررين في قطاع غزة بعد تعرضهم للسجن وللتعذيب الجسدي والنفسي، أوردتة جريدة النهار بتاريخ 25/7/2000 بينت فيه بعض العوارض منها: مشاكل في التكيف الاجتماعي متصاحبة بالعنف والعصبية في كيفية التعامل مع أفراد الأسرة الآخرين. حيث عانى 41% من السجناء مشاكل تكيف زوجي وخاصة تلك المتعلقة باستغلال الأطفال. وتبين أن معظم السجناء المحررين لم يكونوا قادرين على تلبية الطلبات الاجتماعية المنتظرة منهم، وأصبح العديد منهم معزولين اجتماعيا. وتبين كذلك ان التفاعل الذي حصل عند السجين يطلق عليه عادة بحسب التعابير التحليلية، التماهي مع المعتدي. فيمارس مع الآخرين ما مورس ضده للتخلص من التوتر والإحباط اللذين شعر بهما، وتتم ممارسته ضد من هم أضعف منه الزوجة والأولاد.
كما تبين اضطراب أو شرخ البنية الأسرية خاصة عند الأسير المتزوج، فالاعتقال يتسبّب بإعادة توزيع عنيف وإلزامي داخل الأسرة، مع ما يترتب عن ذلك من توترات وإعادة لتوزيع المهام، خاصة بالنسبة لنمط العيش التقليدي والريفي، حيث يؤدي ابتعاد الأب بقيام الزوجة بمهامه على مستوى العمل لتأمين مورد رزق. وكذلك تختل احتياجات الأسرة من كل النواحي، مثل التسوق والاهتمام بمدارس الأولاد ومشكلاتهم والعلاقات مع المحيط… تضطلع الزوجة بدور نشط من أجل العمل على مساعدة الزوج للخروج من المعتقل أو لتأمين احتياجاته فيه أيضا والتنسيق مع أهل وزوجات المعتقلين الآخرين، والاتصال بلجان حقوق الإنسان والتنظيمات المهتمة بالموضوع. ذلك كله ينعكس على دور الزوجة، إذ تتعرف عندها على وجه جديد مما يتسبب بحصول سيرورة من تقييم الذات تكون معاكسة تماما لما حصل للزوج في المعتقل. كذلك الأمر مع الأطفال (ابن العشر سنوات مثلا) الذي يعتاد غياب الأب ويتحمل باكرا بعض المهام الوالدية لمواجهة الوضع المستجد وهو يكبر بمقدار ما يتحمل من مهام تجاه الأطفال الأصغر منه سنا. لكن ذلك كله لا يمنع عنه الألم ولا يحميه من القلق والخوف ومشاعر التهميش.
ويحدث الاعتقال كذلك انقطاعا آخر إذ يدعم انقطاعا سابقا على مستوى التاريخ الشخصي والجماعي للأسير الذي بدأ مع القمع؛ فوضعية الاعتقال ومستوى القدرة على احتمالها أو عدمه على علاقة تفاعل جدلي بين شخصيته وتاريخها وردودها النفسية تجاه الحدث الهلعي. وغالباً ما كان يحصل عند كل سجين معتقل عملية حداد لأفراد يكون على علاقة معهم زوجة، أهل، أقارب، أو رفاق استشهدوا.
وذلك كله يحمل خطر فقدان الانتماء الاجتماعي والمؤسسي.عند تحرير الأسير لا يمكن ان تعود الأشياء الى سابق عهدها تماما، فقد ترفض الزوجة استعادة دورها السابق ويمكن أن تبرز نزاعات حول توزيع الأدوار بين الزوجين. وقد خسر العديد من الأسرى مستقبلهم الإجتماعي بسبب ما تركه في أجسادهم وذواتهم رجال المخابرات الإسرائيليين باستخدام وسائل وطرائق الضغط النفسي.
ولكن رغم ذلك يحصلون من المجتمع على دعم اجتماعي ومعنوي هام، وقد بينت دراسة أعدها باحثون من الجامعة الأميركية تناولت الأثر النفسي والجسدي والاجتماعي، على المعتقلين اللبنانيين المحررين، وتبين أن الدعم الاجتماعي الذي يحصل عليه المعتقلون المحررون يفوق الدعم الذي تحصل عليه المجموعة الشاهدة التي قورن السجناء المحررون بها، وأن حياتهم أكثر غنى مما عليه تلك المجموعة. (جريدة النهار، 25/7/2000)

تعقيب:
إن الحديث عن الصمود يطفو على السطح، دائماً في أوقات الأزمات والتحديات الصعبة، التي توقع أضرراً أو خسائر كبيرة بالأفراد والجماعات، أو قد تسبب الأحزان والآلام لهم. لذلك يعتبر البعض بأن الصمود هو تلك الحالة الذهنية الموجهة نحو امتصاص الألم، وتفريغ مصدره، وصرف تأثيرة، وإحباط أهدافه, وتطوير الإرادة العملية الواعية التي تقوم بمجابهته، بما يتناسب طرديا مع حدة الألم.
والصمود كعملية إجرائية يوجه أول ما يوجة نحو القضاء على مصدر الألم، وأداته (التعذيب)، وما ينجم عنه من إحباط ويأس وقنوط. والقدرة على مواجهة مصدر هذا الألم، (العملية المضادة للألم، وهي موجهة ليس إلى الألم إنما لمصدره (المحقق)، ذلك الذي يوجه الألم بشكل مستمر، يهدف به قتل الإرادة وإلغاء الذات وتحويل المستهدف (المعتقل) إلى مجرد أداة طيعة تخدم أغراضه المحددة، حتى يفقد ذاته، ويتحطم كيانه).
أي أن عملية الممارسة العملية للصمود، عبارة عن انعكاس للقناعة الداخلية للفرد، لإن الصمود كحالة ذهنية لا يرمي إلى تحقيق أهداف خارجة عن الذات، أو عن التكامل الإنساني, وإنما للإبقاء على الذات متماسكة متكاملة وقادرة وخلاقة.
والمعتقل الذي يختار حالة الصمود يرفض هذا المنطق(منطق المحقق، ويعمل على أن تتطور لديه حالة ذهنية تتوجه نحو امتصاص الألم – تحمل الألم واستيعابه- وترفض الاستسلام للمحقق, وتعمل على المحافظة على مواجهة محاولات إلغائه. وبهذا يعمل على جر مصدر الألم (المحقق) نحو اليأس والإحباط، والتخبط والعشوائية، ثم التخلي عن بث الألم، بإيقاف التعذيب. أي الاستسلام لإرادة المعتقل, بدل أن يستسلم المعتقل لإرادته. وهذه نتيجة منطقية وحتمية للصمود, لأنه لا يبقى للألم معنى إذا حافظت الذات على كيانها بصمودها, وبالتالي يفقد الألم قيمته ويتلاشى مفعوله, وإذا يلاشى مفعوله، يتلاشى تأثيره.
إن عملية الصمود هي إرادة تضع موضع التنفيذ, بحيث تحول دون تحقيق أهداف مصدر الألم, ولهذا يجب أن تكون واعية وليس مجرد عفوية, حيث قد تنكشف العفوية عن شجاعة وبطولة لكنها تبقى تعاني من غياب الاستمرارية والتخطيط, لكن الوعي بالصمود يبتعد بالمرء عن التخبط والوقوع في مصيدة الظنون والأوهام, لإن امتصاص الألم ليس مجرد رد فعل عفوي أو تلقائي للسلوك الإنساني, وإنما أيضا عبارة عن موقف عقلاني يأخذ أبعادا ثقافية تستند على معرفة ذهنية من واقع التجربة حول مصدر ألم مستمر, وأنه موضوع إرادة موجهة ذهنيا، ونتاج فكر مع التجربة . إن فلسفة الصمود تفترض أن لا حدود لطاقة الإنسان على تحمل الألم, وأن إرادته على التحمل تشتد وتكتسب دفعا مع اشتداد الألم وارتفاع حدته. وهذا افتراض نابع أساسا من الافتراض الأساسي القائل بأن الصامد قد قرر أن الحياة مع الألم، أفضل من الحياة بدون كيان، والحياة مع الاستسلام أشد ألما من حياة يلازمها ألم مستمر, وما فائدة أن يكسب المرء كل متع الحياة ويخسر نفسه إلى الأبد.
والمعتقل الصامد يدرك أن ارتفاع درجة القدرة على تحمل الألم يعني المزيد من ترسيخ اعتزازه بنفسه وتدعيم اعتباره لذاته, وهذه هي قمة الإنسانية التي ينفي الإنسان من خلالها الكثير من متع الحياة ويتقبل الآلام من أجل أن يبقى حرا أبيا رافع الرأس غير خاضع لأحد, وهكذا يحقق الإنسان ذاته بصورة تأكيدية ومباشرة عبر الصمود. كما يدرك بأن الاستسلام للألم يعني غياب الذات وهزيمة الإنسان فيه، مما يقود إلى انبعاث ألم جديد يتمثل بتأنيب الذات وتعذيب الضمير، واحتقار الإنسان لذاته بذاته, وهذا بعينه أشد ألما من الألم الخارجي لأنه عبارة عن تناقض داخلي يعبر عن طموح شخصي أفسدته إرادة منهارة, إنه التناقض بين الإنسان واللاإنسان, فالإنسان يطمح إلى المحافظة على إنسانيته, لكن اللاإنسان يزحف ضد هذا الطموح، ويتهاوى تحت أقدام ضعفه, فينهزم في كل لحظة يتحسس فيها ذاته ولا يجدها.
لذلك لم أجد تفسيراً مقنعاً لدى علماء النفس الغربي، يمكن الاعتداد به في فهم سيكولوجية الصمود لدى السجين الفلسطيني، لكون عمليات الصمود تلك يعجر السان عن وصفها ولا يمكن أن يفهمها غير الذين مروا بها أو عايشوا من مر بها عن قرب. ولو حاولنا تحليل سيكولوجية الصمود وفق واقع الصمود الفلسطيني، فإننا سنجد بكل وضوح بأن هذا التحليل سيقود إلى أن هناك تلازم بين عملية الصمود، وبين مكون الذات، حيث تنحصر هذه الصفات في كلية المفهوم وتمحوره حول الذات، وارتباطه بداخل الإنسان، وعدم إمكانية تحويله. أي أن مفهوم الصمود عبارة عن كل متكامل لا يتجزأ، فلا يوجد نصف صمود أو ربع صمود, بل هناك صمود متواصل ومتكامل، ينبع من القدرة على امتصاص الألم، تتسامى هذه القدرة مع حدة الألم. فالذهنية التي تتبلور بشكل يهيء الذات للصمود حتى حد معين ليست ذهنية صمود وإنما ذهنية مهيأة للاستسلام تحت شروط أو ظروف معينة, أما تمحور مفهوم الصمود في الذات فيعني أن الصمود بحد ذاته عبارة عن ديناميكية لتحقيق الذات تحت ظروف القسوة, ولذا فإنه ليس من المتوقع أن ينتظر الإنسان مكافأة على صموده من حيث أن مكافأته ذاتية, أما من ينتظر مكافأة خارجية على موقف صمودي، فإنه يتهاوى إذا لم تأت المكافأة. أي أن الصمود ليس مرتبطا أو معتمدا على عوامل خارجية، لكنه موجود بفضل توفر الحافز الداخلي الذي أخرج ذهنية الصمود من كمونها للواقع.
ووفق هذا الفهم فإن الصمود يشكل آلية إنسانية، يستطيع الإنسان من خلالها التأكيد على امتلاكه لذاته وحريته، وعلى تحرره من أي شعوربالهزيمة, حيث تحاول قوى الطغيان أن تسلبه إرادته وتطوعه لخدمة أغراضها وأهدافها, وهي بذلك تعيق مسيرته نحو تحقيق الذات، وتشغله بامتصاص ضرباتها. أي أن الصمود عبارة عن صراع تحسمه الإرادة الأكثر تصميما على الاستمرار, فإذا هبط مستوى التحمل يكون المرء قد قضى على نفسه بنوع من الاستعباد وتحول بصورة أو بأخرى إلى أداة تخدم الآخرين, ولكن لا يفترض من الصمود تحويل الإنسان إلى قالب جامد, وإنما يترك له حرية المناورة دون أن يتنازل عن المبدأ, فالمناورة قد تكون أحد الأساليب الهامة في التحقيق للتغلب على مصدر الألم.
لذلك كان المعتقل الفلسطيني الصامد أقوى من أن يهزم، لأنه يدرك أن الهزيمه والانكسار هي نقيض الإنسان, حيث معها تتلاشى الطموحات نحو الحرية ونحو تحقيق انجازات تشكل دليلا على طاقات الإنسان الهائلة, ويصبح تحت سيطرة غيره مستعبد ومسخر في خدمة القوى الخارجية، التي تعني ليس فقط غيره من بني البشر, بل تشمل أيضا كل الأشياء التي يمكن أن تشبع نزوات الإنسان وشهواته, حيث من الممكن أن يتهاوى الإنسان أمام إغراءات مادية، فينسى نفسه ويقع في شرك من الصعب عليه أن يتخلص منه, وكم من أناس آثروا البقاء في الحفر (الهزيمة) نتيجة حبهم الشديد لذواتهم, وكم من أناس يرون في أنفسهم بضاعة يمكن المتاجره بها بمال أو جاه, لكن كل هؤلاء يمرون في الحياة وكأنهم لم يكونوا فيها.
إن واقع السجين الفلسطيني الصامد قد غير كثير من المفاهيم الدارجة عن حالة الصدمة وأثرها، لأن نفسيته بشكل عام، قد كانت قوية رغم الخبرات الصدمية القاسية. وقد يعزى ذلك للقناعة المتجذرة بعدالة القضية التي يؤمن بها المعتقل، هذه القناعة التي كانت تحيل الخبرات الصدمية لديه إلى قوة، لأن هذه الخبرات الصدمية التي تعرض لها السجين الفلسطيني قد أثبت الواقع في السجون الصهيونية على أنها كانت تقويه لا تضعفه، رغم أنه من المعروف أن تراكم الخبرات الصدمية لدي الفرد تزيد القابلية لديه للانهيار النفسي، وبالتالي تعرقل عملية التحدي والصمود لديه. ولكن الواقع المعاش الإعتقالي، يدل على أن ذلك ليس بالضرورة أن يكون مسلمة مع جميع المعتقلين الذين خاضوا تجربة التحقيق المريرة والقاسية. لأن هذه الخبرات الصدمية المتراكمة لدي المعتقل، كانت تؤدي في بعض الأحيان (لدى السجناء المخضرمين) الي زيادة القدرة على تلقي الصدمات واستيعابها، وبالتالي أصبحت الخبرات الصدمية لديهم، بدلاً من أن تنقص طاقتهم النفسية وتضعف دفاعاتهم الذاتيه، تعمل على المحافظة على هذه الطاقة وتنميها، لإنها تتولد لديهم طاقة نفسية جديدة، من قبل الطاقة العقلية الممتلئه بوقود الفكر عندهم. فلا يجوز أن نحاكم الطاقة النفسية لدى الفرد وفق قوانين الطبيعة المادية، لأن العامل الاساس الذي يمد هذه الطاقة النفسية هو العقل، والعقل هو المولد والمحرك الذي يولد الطاقة باستمرار وبلا توقف (ليست طاقة متحيزة في كمية معينة، ولكنها طاقة مولدة، لكونها تشبه طاقة موتور السيارة، التي تتولد الطاقه فيها بشكل تلقائي بمجرد ادارة المحركات، بل وتزيد كلما زادت السرعة فيها) وبالتالي فإن تولد الطاقة النفسية أو فقدانها يتوقف ليس علي السرعة والاحتكاك والاهتزاز وانما يتوقف على قوة الموتور ونوعيته وجودته ومولد الطاقة فيه ونوع الوقود وما الى ذلك، وكذلك عمليات الصيانة والترميم المستمرة له بدون انقطاع.
ومادام العقل يولد باستمرار طاقة هائلة من الارادة فانها تعوض ما فقد من الطاقة النفسية أثناء الصراع، لأن العقل الصالح الممتليء (بزيت) الارادة يولد (طاقة جديدة) تعوض عن مقدار الطاقة التي فقدت، وربما قد تزيد عن الطاقة فتفور وتثور ليس إلى الداخل إنما إلى الخارج إلى مصدر الخطر، فتولد ليس فقط (الطاقة النفسية)، بل قد تولد طاقة عقلية في وجه الخصم.
إن السجين أثناء الصراع يفقد كثيرا من الطاقة، ولا يستطيع تعويضها فينهار، ولكنه بفضل الإرادة يولد طاقة تعويضية، تعوضه عما أصابه من وهن وضعف لفقدان كمية كبيرة من هذه الطاقة، فيبدأ يولد طاقة عقلية ونفسية جديدة يستمد منها صمودة وقوته، وهو ما يحدث للسجين الصامد أثناء خوضه حرب التحقيق. لإنه يملك خصائص وصفات ملؤها القوة والشكيمه والجبروت (إن فيها قوماً جبارين)، ويملك عقل مسلح بالوعي والايمان بعدالة قضيته ونبلها، ولديه مخزون هائل من وقود الطاقة المولدة لعوامل الإرادة والصمود والصبر والتحدي والجلد والمقاومة.
وهذا يخالف رؤية فرويد وغيره بالنسبة للطاقة النفسية، حيث يعتبر أنه جراء الصراع بين الذات، والخبرات الصدمية، تفقد الذات جزءاً كبيرً من طاقتها النفسية في الدفاع عن ذاتها، مما يضعف هذه الطاقة ويقود إلى اضطرابات وأمراض نفسية. أي أن فرويد نظر للطاقة النفسية وكأنها وعاء بها بعض المواد (كالماء في الوعاء) تنقص كلما تعرضت للاهتزاز. لذا فإن نظرية صراع الذات والخبرات الصدمية، وفقدان الطاقة النفسية جراء ذلك، تحتاج لمراجعة ولا يجوز أن نأخذها كمسلمات، وقواعد للسلوك ونعممها لدى جميع البشر وفي جميع الأحوال، لأن كل نظرية لها واقع لا يجوز أن تتجرد منه، وأغلب النظريات النفسية في الغرب لها واقعها البعيد كل البعد عن واقعنا الفلسطيني.
وقد ذهلت عندما سمعت أحدهم وهو يتحدث عن بعض حالات الصمود في التحقيق بأنها ذات عمق جنسي، وأخذ يشرح عمليات الصمود في التحقيق وفق نظرية (فرويد) وللأمانه إنه يحفظ عن ظهر قلب نظرية فرويد، وللأسف الشديد لا يفهم حرفاً واحداً من حروف الصمود في التحقيق، لا على مستوى النظرية ولا على مستوى التطبيق. كما هالني شخص أخر يتكلم الفدائيين والاستشهاديين، ووفق نظريات غربية حول سلوكهم، لأنه حفظ عن ظهر قلب نظريات الغرب، في علم النفس التي استند جُلها على دراسة سلوك المرضى في العيادات النفسية (كما فعل فرويد)، وحلل نفسية هؤلاء الصامدون، في أقبية التحقيق والسجون، الذي ضحوا بذواتهم، وفق نظريات غريبة وغربية- فهل يا ترى السجناء والشهداء هم المغتربون أم هذا النفر دعي العلم والتعلم.
أما فيما يتعلق بالمظاهر والآثار التي تخلفها المواقف الضاغطه في التحقيق على المعتقل الفلسطيني، (خاصة نفسيته) فإنه للأسف قد عممت نتائج بعض الدراسات المحلية بشكل تعسفي بالنسبه لذلك، باعتبار أن الصدمة هي عبارة عن حدث ضاغط يفوق طاقة تحمل الفرد، مما يحدث لديه الحدث الصدمي، والذي يسميه البعض “اضطراب الشدة عقب الصدمة”. لأنه تتوالى علي المعتقلين الفلسطينيين بشكل عام العمليات الصدمية منذ لحظة اعتقالهم، وحتى بعد خروجهم من المعتقل، لما استخدم معهم العدو الصهيوني ممثلاً في طاقم التحقيق من الوسائل والأساليب المتاحة لأجل إحداث صدمه قاسية بهم، تهدف إلى إحاق أكبر ضرر جسمي ونفسي وعقلي، يعيقهم عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
ولكن برغم أن الضغوط في التحقيق قد تحدث آثاراً سلبية على المعتقل بشكل عام، من خلال وجود علاقة بين هذه الآثار والضغوط التي تمارس عليه في التحقيق، إلا أنها كانت تختلف من شخص لآخر. حيث تلعب العوامل الذاتيه للفرد (وخاصة العقلية والانفعالية)، دوراً هاماً في هذا التأثر والتأثير (فمثلاً الشخص الذي ينتظر حدوث أمر سيّئ يكون قد أسقط مخاوفه الذهنية على وضعية مستقبلية يخاف أن تكون غير مُرضِية، حتى ولو كانت فرصة حصول هذا الأمر قليلة جداً). لأن هناك علاقة تجمع بين الانفعال والقلق، فهما يمتلكان ظواهر سلوكية وفيزيولوجية قريبة، ويمثل الانفعال أحيانا استجابة غير ملائمة على وضعية معينة ويقوم عندها مقام العامل المسبب للضغط على مستوى الجسد. أي العامل المسبب للضغط على علاقة بكيفية إدارة التوتر الذي نتعرض له. لذلك ليس سهلا التمييز بين الشروط التي تنمو انطلاقا من الشروط المتعلقة بالمحيط، وتلك التي تعود الى الاستعداد الفردي المسبق للشخص، (سواء ما هو فطري أو مكتسب) عنده.
ومن ذلك يتبين بأنه رغم قسوة هذه الضغوط على المعتقل الفلسطيني ، إلا أنها في كثير من الأحيان، ما فشلت في تخليف آثار نفسية مرضية عليه (وإن أفلحت في ترك آثار جسمية كثيره). وبناءاً عليه فإن الملامح الرئيسية للصدمة النفسية التي يواجهها المعتقل في التحقيق، وكيفية تعامله معها (بعض المعتقلين) يجعلنا نلفظ ذلك التقسيم التعسفي لهيكلية ديناميات الاضطراب الصدمي حسب التصنيف الدليل الأمريكي لتصنيف الاضطرابات النفسية، لأن هذا المجتمع لم يواجه في حياته مواقف صدميه كما واجه المجتمع الفلسطيني بشكل عام، والمعتقل الفلسطيني بشكل خاص.
والمواجهة للصدمة تمثلت لدى المعتقل بطابع ذاتي بالدرجة الأولى، أي كان لها علاقة بذاته وشخصيته (مكوناته طبيعته، سماته، صفاته) التي تشكلت عبر رحلة حياته وخبراته التي اكتسبها في حياته. لذلك يجب البحث في ذات الفرد الفلسطيني، وليس في الظرف الموضوعي الخاضع له، باعتبار أن هذا الظرف خاضع بالكلية للمحقق الذي يسخره لقهر المعتقل وتركيعة واعترافه، لأنه في الأغلب تكون الظروف واحدة أو متشابهة، لكن الآثار والنتائج متنوعة ومتغيرة.
ولهذا نستطيع أن نؤكد على أن أغلب المعتقلين الفلسطينيي، قد تحرروا من الآثار المرضية لما بعد الصدمة (صدمة التحقيق)، وأعادوا تكيفهم وتوافقهم وتوازنهم بسرعة مع الذات، ومع المحيط الذي يعيشوا فيه، سواء أكان ذلك المحيط داخل المعتقل، أو حتى في خارجه. وكانوا أبعد من غيرهم عن الهزيمة والانكسار، التي تمثل أبرز عمليات صدمة الإعتقال والتحقيق، وخاصه ما أظهرته الدراسات الغربيه، حول السجناء الأمريكيين في حرب فيتنام. حيث بينت بأن المرء عندها يقع تحت طائلة الأسر يفقد نفسه، ويحول بين ذاته وبين قواه الإنسانية التي تتوجها القوى الذهنية، ويصبح ضحية للقوى الانفعالية.
ومن الغريب أن تنطلق بعض الأقلام لتعلن بأن السجين الفلسطيني، يعاني بعد خروجة من المعتقل من حالة نفسية مرضية، وقد انطلقوا في ذلك من خلال مفاهيم ونظريات مغلوطة، استمدوها من الثقافة الغربية بدون عرضها على الواقع، وحاولوا بشكل تبعي تفسير السلوك في مجتمعنا وفق مسلمات هذه النظريات، هذه التبعية جعلت لزاماً عليهم أن يفسروا المعتقل الفلسطيني الذي يعيش في عالم متفرد، وفق منطق هذه النظريات. وبالتالي أصبح كثير ممن يعملون على توفير الصحة النفسية لنا، يقودونا في الحقيقة الى الغربة والاغتراب التي تسلخنا عن صحتنا النفسية الحقيقية، وتزرع فينا عوامل الهزيمة والاحباط، لأنهم كانوا مجرد مقلدين بلا وعي لذاتهم، ولثقافة وطنهم الحقيقية.

الخاتمة
إن المتتبع عن قرب لبعض حالات المعتقلين الفلسطينيين الصامدين، وهم يواجهون أقسى وأشد الصدمات عبر التحقيق، يراهم يخرجون وهم في أفضل حاله نفسيه، وأمتن قوة وشكيمة واصرار على المواصلة. لأن لديهم في الغالب، إيمان عميق بدينهم وقضيتهم ووطنهم، وولاء شديد لفكرهم ومهمتهم، بالإضافة لتراكم خبرات صدمية يعيشوا معها وتعيش معهم ليل نهار، في كل شارع وقريه ومخيم ومدينة من أرض فلسطين الحبيبة.
لذا لا عجب أن نرى هذا النموذج الفذ من المعتقلين الذين استخدم معهم المحقق الصهيوني كل أدواته ولم يقهر، أو يستسلم، أو ينهار. وإن الصدمات المتتالية المتلاحقة والمتراكمة عليه، لم تولد لديه صدمة التحقيق، التي تسمى “اضطرابات ما بعد الصدمة” بل على العكس قد أحدثت لديه خبرات ايجابية، قد نطلق عليه ” خبرة ما بعد الصدمة. وهذا ما لم يفرد له العلماء تفصيلاً لائقاً لأن أغلب هؤلاء العلماء ينظرون إلى النفس البشرية بعين المرض والاضطراب، ولا يرون ما في هذه النفس من كنوز القوة والصحة والإرادة. أي أن الخبرات الصدمية لديه قد وظفت بشكل جيد ساعده على الصمود عندما واجه صدمات التحقيق، وساعدة بعد ذلك عند ممارسة حياته العاديه. ونحن في هذا الصدد لا ننكر بأنه من الطبيعي أن بعض المعتقلين قد قادته الصدمة الناجمة عن التحقيق إلى بعض الأمراض والاضطرابات النفسية أثناء وبعد الاعتقال، ولكن هذا لا يعني أن البعض الآخر منهم لم يوظف هذه الخبرة الصدمية التي مر بها وتراكمت عليه، إلى صحة وسواء، وجعل من المعاناة، والألم، والصدمات (خبره صدمية ايجابية).
وقد يستغرب البعض هذا الكلام (لأن فاقد الشيء لا يعطيه) ولكن لا غرابة في ذلك، فهذا هو الواقع. حيث أن بعض المعتقلين عندما يخرجون من هذه الخبرات الصدمية (خاصة في حالة النصر على جلادهم) يعيشون أمتع لحظات حياتهم، حيث يتحول الألم إلى لذة، وتتحول المعاناة إلى متعه، وتتحول الصدمة إلى وعي (تكون جميعها خبره هذا المعتقل) ثم توظف لمنفعته، ومنفعة الآخرين من حوله، وبالتالي لو تعرض لخبرة مماثلة لهذه الخبرة القاسية، فإنه يواجهها بكل عزم واصرار وتحدي وصمود.
وقد تجنى البعض في دراساتهم، على المعتقلين الفلسطينيين، بالإدعاء بأن لديهم نسبة كبيرة من الاغتراب، وخلطوا بذلك بين مفهومين في دراستهم للسجناء الفلسطينيين، (الغربه والإغتراب) لأن الواقع المشاهد يبين بوضوح أن أغلب السجناء الفلسطينيين ليس لديهم اغتراب، وان كانوا في غربة باعتبار أن الاغتراب يعني عدم التوافق والتكيف والانسجام والتوازن بين الفرد من جهة وبين وخالقه وذاته ومجتمعه، (نسبة الاغتراب وإن وجدت لديهم، هي اقل من نسبتها داخل المجتمع نفسه) لأن الغربة ليس بالضرورة أن تولد الاغتراب (غربة السجن) فهي قد تؤدي للاغتراب وقد لا تؤدي له، وحتى لو أدت لذلك، فقد تكون خفيفة أو وقتية، يمكن التحرر منها بسرعة بعد الخروج من التحقيق أو المعتقل. باعتبار أن السجين عندما يصعد من التحقيق للسجن عند زملائه، أو عندما يفرج عنه ويخرج من المعتقل للمجتمع، يكون شخص اجتماعي، لان زملائه أو المجتمع يفرض عليه ذلك، كونهم يحبون التقرب من المناضلين، وهذا يدفعه بالتالي للتفاعل معهم، (حتى لو أثر عليه واقع السجن بنوع من الإنطوائية) وهذا ما لاحظناه من خلال التجربه والملاحظة المباشرة للمعتقلين، حيث قد يكون الإنسان منهم قبل الاعتقال شديد الخجل بنسبه كبيرة، قد تجعله قليل التفاعل مع المجتمع، كما أن العمل الفدائي السري السابق قد كان له دور كبير في تخفيف العلاقات الاجتماعية لديهم، وذلك بخلاف السجين المحرر الذي اكتسب تجربة كبيرة اجتماعية ونفسية وثقافية في المعتقل، أضيف إليها عوامل المساندة الاجتماعية والتآزر العاطفي، وكلها عوامل تؤثر على المعتقل وتخفف عنه الانطوائية والاغتراب والإحباط. والدليل على ذلك أن اغلب السجناء القدامى برغم التجربة القاسية التي مروا بها خلال التعذيب، قد عادوا لممارسة العمل السياسي، وحتى العمل العسكري، ليس عناصر فقط بل قادة.
لهذا فقد أخطأ بعضهم عندما أعتبر أن السجناء باعتبارهم ذوي خبرات صدمية قاسية، هم أكثر عرضة من غيرهم للأمراض النفسية، معتمدين في ذلك على مقولات بعض العلماء النفسيين الغربيين، الذين درسوا آثار الخبرات الصدمية على السجناء من خلال الحرب العالمية الثانية، أو من خلال الحروب الاستعمارية، كحرب فيتنام وغيرها، التي أثبتت أن لديهم كثير من الأمراض النفسية تتراوح بين الحادة والمتوسطة, جراء الخبرات الصدمية القاسية أثر عمليات الاعتقال والتحقيق والتعذيب.
وهذا بلا شك أمر طبيعي بالنسبة إليهم (فالمحارب الأمريكي في فيتنام قطع آلاف الأميال ليستعمر الآخرين، ويقتلهم) لأنهم في غربة واغتراب عن بلدهم، يتواجدون في بلد غريبة تكن له العداء من جهه، ويعيشون في مجتمع عسكري صارم ومغلق، يحد من صلاحياتهم ومن حركتهم وتفكيرهم وممارستهم من جهه أخرى، أضف إلى ذلك وقوعهم في الأسر وهم على هذه الحال، حيث لا يستطيع الواحد منهم أن يدافع عن قناعاته المهزوزة، لأنه يدرك أن ذلك لا يمثل له قوة تنبع من ذاته، ويدرك انه جاء ليسيطر على غيره، كما أن المشاهد القاسية التي يمارسها هو وزملائه قد توقظ فيه أحيانا نوعا من الصحو الداخلي (إفاقة الضمير)، اضافة لوسائل التعذيب الجسدي والنفسي والعقلي المقصودة التي يتعرض لها أثناء التحقيق.
وفي خضم تلك الأخطاء ظهرت الأفكار التي نادت بفكرة تأهيل السجناء، تلك الفكرة التي لا تمثل واقع السجين الفلسطيني بشيء، لان التأهيل الذي أتحفتنا به بعض المؤسسات، هي فكرة تحط من قيمة وقدر السجناء الفلسطينيين، حيث تناسوا أن هؤلاء السجناء هم قادة المجتمع الآن في جميع المجالات، وهم الذين يقودون عملية تأهيل المجتمع الفلسطيني. واكبر دليل على ذلك أن السجناء هم القادة الأبرز في إدارة النضال ضد الصهاينة إبان الإحتلال، وبعد قدوم السلطة هم القادة الذين يتربعون على إدارة كثير من المؤسسات في المجتمع. لا لأنهم الأفضل، إنما لكونهم ليسوا فاشلين، خاصة أولئك الذين طوروا خبراتهم بخبرات أكاديمية وعلمية وفنية بعد خروجهم من المعتقل. وهذا دليل كاف على انهم اقل الناس انحرافا نفسيا، وأقلهم في حاجة إلى تأهيل نفسي واجتماعي، أو بعبارة أخرى لديهم قدرة على تجاوز الصعوبات التي مروا بها، وقدرة على اختصار الزمن بالعمل الدؤوب والمتواصل لتعويض ما فاتهم في فترة السجن، كما أن لديهم قدرة على التوافق والتكيف الأسري والمجتمعي على حدٍ سواء.
لذلك ندعو الذين يتصدون لدراسة السجين الفلسطيني أن ينحوا كل ما درسوه من خلال ما فهمه الأمريكي عن الأسير لديه، (الذي قاتل في كل أسقاع الدنيا، ورجع محملاً بأوزار هذه الحروب التي جناها أمراضاً نفسية، وما زال حتى اليوم يعاني منها). والإنطلاق من واقع أسرانا الذي لا يستطيع أن يفهم قوة شكيمتهم وبأسهم، إلا أولئك الذين درسوا هذا الواقع وكانوا جزءاً منه.

المراجع
المراجع العربية
-القرآن الكريم.
- ابن حجر العسقلاني (447) صحيح البخاري فتح الباري.
-أحمد أبو شلال، (1999) “الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، دراسة لواقع الألم والمعاناة “. مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الانسان، ط1.
- أحمد مهنا، (ب.ت) ” تجربتي في المعتقل”. مطبعة منصور – غزة.
-أحمد أوزي، الدماغ والبحث عن آثار الذاكرة والأجهزة الدماغية الأخرى، موقع انترنت. http://www.khayma.com
-أمينة، سلطان، (ب ت) ” تقرير حول ممارسة التعذيب في التحقيق، سلسلة التقارير القانونية” (14) الهيئة المستقلة لحقوق المواطن، ص 31.
-ابراهيم شحادة، “معركة التحقيق في السجون الصهيونية”. (1980) موقع انترنت، http://www.qudsway.com .
-ابراهيم أبو دقة (1996) ” اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون أول- ديسمبر 1984″. السلطة الوطنية الفلسطينية،غزة.
-ايزاك ماركس، (ب ت) ” التعايش مع الخوف “. ترجمة محمد نجاتي، دار الشروق-القاهرة.
-الأمم المتحدة، ” الوضع القانوني للضفة الغربية وغزة” أعد للجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقة غير القابلة للتصرف. نيورك (1982).
-الأمم المتحدة، ” خلاصة لمعايير الأمم المتحدة وقواعدها في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية “. نيورك (1993).
-الأسير، ” معاناة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية “. موقع انترنت، http://www.asier.org
- بتسيلم (1993) ” الفلسطينيين المتعاونين المعدومين في الانتفاضة “. تل أبيب-اسرائيل.
-الدفاع عن أطفال العالم- قطاع فلسطين، ” ظروف الاعتقال وتأثيراتها الجسمية والنفسية على الأطفال “. موقع انترنت http://www.dci-pal.org.
- جليلة دحلان، (2001) “استقرار وتغير أساليب المواجهة والشخصية لدى أسرى النضال الفلسطيني المحررين بوصفها دالة للإعتقال والتحرر”. رسالة ماجستير مقدمة لجامعة الأزهر بغزة.
-اللجنة الدولية للصليب الأحمر، (ب ت) ” اتفاقية جنيف المؤرخة في 12/8/1949 “. قطاع غزة.
- الجبهة الشعبية (ب.ت) ” فلسفة المواجهة “. غزة
- جون وود، (1990) “جواسيس للبيع” دار الحسام للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
-جريدة البيان، ” جيش الإحتلال ينتهك حقوق الأسرى “. موقع انترنت، http://www.albayan.co.ae.
-جريدة النهار، ” رواية الأسرى والمعتقلين عن التعذيب في السجون الإسرائيلية”. موقع انترنت، 25/78/2000، http://www.moqawama.org
-حسن أبو غدة، ” السجون العسكرية في الإسلام”. موقع انترنت، الجندي المسلم.
-الحصن النفسي، (ب ت) موقع انترنت، http://www.alhesen.com.
- بليدوسكا، سيلينا. ويلوتش، جوناثان (1990) “حرب المخابرات “جزئين بين المخابرات الأمريكية والروسية، دار الرشيد –بيروت.
- خضر عباس، (2000) ” دراسة بعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي “. دراسة غير منشورة مقدمة لنيل درجة الماجستير في علم النفس، الجامعة الإسلامية- قطاع غزة.
- خضر عباس، (2004) “مفهوم الذات ومفهوم الآخر لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي “. دراسة غير منشورة، مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس- الصحة النفسية. البرنامج المشترك لجامعة عين شمس- القاهرة، وجامعة الأقصى- قطاع غزة.
- خضر عباس، (2004) ” العملاء في ظل الإحتلال الإسرائيلي “. مطبعة الأمل التجارية، الطبعة الأولى، قطاع غزة – فلسطين.
-الخيمة، “صور من أشكال التعذيب داخل السجون الإسرائيلية “. موقع انترنت، http://www.khayma.com .
-الخيمة، ” مصائد العملاء في السجون، أساليب خادعة في انتزاع المعلومات”. موقع انترنت، http://www.khayma.com
-رزق شقير، (1991) ” نحو مناهضة التعذيب”. مؤسسة الحق، أيلول ، ص 3.
-سفيان أبو نجيلة، (2001) ” مدخل إلى علم النفس الإجتماعي “. جامعة الأزهر بغزة.
-سعيد محمد، ” ملامح التحقيق في السجون السعودية ” موقع انترنت،.www.cdhrap.net .
-سميرة دهراب، ” العلاج بالإيحاء “. موقع انترنت www. albawaba.com .
-الشيرازي، ” سلم زمام أمرك إلى عقلك “. موقع أنترنت http://www.alshirazi.com .
-طارق ابراهيم، ” أساليب التحقيق الاسرائيلية خرق للأعراف الانسانية والأخلاقية “. موقع انترنت، http://www.khiamwatch.net .
-عادل سالم، المعتقلون السياسيون في السجون الإسرائيلية، 1/5/2003، الحلقة الأولى، موقع انترنت، http://www.diwanalavab.com
-عبد الرؤوف أحمد الطلاع، ” الضغوط النفسية وعلاقتها بالأمراض السيكوسوماتية لدى الأسرى الفلسطينيين المحررين من السجون الإسرائيلية “. رسالة ماجستير في علم النفس مقدمه لجامعة عين شمس.
-عبدالله بخيت، ” التخدير الفكري “. موقع انترنت، http://www.suhuf.net
-عصام يونس، ” أسرى الحرب في القانون الدولي “. زاوية حقوق الإنسان، ج 1، مؤسسة الحق، 1995، ص 98.
-علي الحتر، ” كيف تواجه المحقق “. موقع انترنت، http://www.palestine-info.info
-عميت نافون، ” حكايات من غرف التحقيق “. في تقرير صادر عن نادي الأسير، (معاريف، 4/7/2002) موقع انترنت، http://www.ppsmo.org .
-عيسى سميرات، ” واقع حال الأسرى في السجون وبعد الحرية “. مجلة ميلاد، العدد 44، آذار- مارس (2000)، ص 13.
-عيسى قراقع، ” الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بعد أوسلو 1993-1999 “. معهد الدراسات الدولية، جامعة بيرزيت، ص154.
-عيسى قراقع، “تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة 1967-2000 “. بحث ملخص عن رسالة علمية قدمت لجامعة بيرزيت.
-عيسى قراقع، فلسفة الضغط النفسي كأسلوب حديث تستخدمة المخابرات الإسرائيلية لإنتزاع الإعترافات، 1/9/2002، موقع انترنت، http://www.ppsmo.org .
-فهد الأحمدي، ” مبرمج ليقتل “. 4/9/2004، موقع انترنت، http://www.writers.alriyadh.com.sa
-فيلتسيا لانغر، ” الغضب والأمل، مسيرة الشعب الفلسطيني عند الاحتلال “. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت (1993) ص 313.
-محمد الزير، (2001) ” الآثار بعيدة المدى للتعذيب لدى الحررين الفلسطينيين وعلاقتها ببعض المتغيرات “. رسالة ماجستير في علم النفس، مقدمة للجامعة الإسلامية بغزة.
- محمد شحادة، (1992) “قناع القناع”. دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية –عمان.
-مروة، كريم، ” المقاومة “. دار الفارابي، بيروت (1985)، ص 49 .
- مصطفى الدباغ، (1980) ” الحرب النفسية “. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، الأردن.
-المقاومة، ” الصهيونية تفوقت بامتياز على النازية “. موقع انترنت،moqawama.org .www .
-ليلى يونس، اتفاقية الأمم المتحدة حول حقوق الطفل، زاوية حقوق الإنسان، ج 1، مؤسسة الحق، 1995، ص 106.
- يعقوب بري، (1999) “دعني لأقتلك”. ترجمة يوسف عيسى –غزة.
- يوسي ميلمان، ودان رافيف، (1991) ” أمراء الموساد”. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

المراجع الأجنبية:
- Amnesty International Report 1992, London: Amnesty International publications, 1993.
-Barudy, J. (1989), A Program of mental health for political refugees: Dealing with the invisible Pains of Political exile. Social Science Medicine, 28, 715-727
-Punmaky, Raija-Leena ., ( 1986 )., Stress among Palestinian Women under Military Occupation : “Women’s Appraisal of Stressors: Their Coping Modes,
-El-Srraj , 1; Pumamaki, RL;Salmi, s, Summerpiel- Experiences of torture – treatment and PTSD symptoms among Palestinian political. J- Touma Shiss. 1996 jugy; (3): 606-595
-Gamman -T- Hazard health effect of isolation. A clinical study of 2 groups’ persons in custody neither -Tidsser – Nor – Laser film. 1995 A\Y10; 115(18): 2243-6
-Speed etal 1991. Comorbidity of Psychiatry diodes, and personality profile of American World war 2 prisoners of war – J – meun – rent- Dis. 179: 181–187,1999
-World health organization Manual of the international elompicoters of diseases, 1, injuries and causes of death Vol 1 Geneva 1977 204-5

” فهرست المواضيع “

الصفحة الموضــــــــــــــــــــــــــــوع
الإهداء
1 الفصل الأول: المقدمة والتعريفات
2 المقدمة
8 هدف التحقيق
9 تعريف المصطلحات والمفاهيم
11 التصدي لممارسة التعذيب عالمياً
12 إسرائيل تسرع لممارسة التعذيب
15 أساليب التمويه الإسرائيلية على التعذيب
16 صفات المحقق الصهيوني
22 تعقيب
23 الفصل الثاني: أساليب التعذيب الجسدية
24 تمهيد
27 القسم الأول: أساليب التعذيب الجسدي المباشر
27 1- الضرب المؤدي إلى الموت
28 2- أسلوب التعذيب بالضرب
30 3- أسلوب التعذيب بالوثاق أو القيد
31 4- أسلوب التعليق والربط (الشبح)
32 5- أسلوب التعذيب بالوقوف
33 6- أسلوب التعذيب بالجلوس
34 7- أسلوب الإلقاء على الأرض
34 8- أسلوب التعذيب في الأماكن الحساسة من الجسم
36 9- أسلوب التعذيب بالجروح والاصابات والأمراض
37 10- أسلوب الكي بالكهرباء أو أعقاب السجائر
38 11- أسلوب التعذيب بالتمارين الرياضية المرهقة
39 12- أسلوب الكيس والخنق
40 13- أسلوب التعذيب بالماء أو التيارات الهوائية المتضادة
43 14- أسلوب التعذيب بالهز والرجرجة
44 15- أسلوب الأصوات المزعجة (الضجة البيضاء)
46 ثانيا: أساليب التعذيب بالحرمان
46 1- أسلوب الحرمان من النوم
47 2- أسلوب الحرمان من الطعام والشراب
49 3- أسلوب الحرمان من قضاء الحاجة
50 4- أسلوب الحرمان من النظافة
50 5- أسلوب الحرمان من العلاج
50 6- أسلوب الحرمان بالعزل الحسي (الغرفة الصامتة)
53 تعقيب
58 الفصل الثالث: أساليب التعذيب النفسية
59 تمهيد
63 القسم الأول: أساليب التهديد والضغط النفسي
63 1- أسلوب إعتقال أو التهديد بإعتقال الأهل
64 2- أسلوب الإعتداء أو التهديد بالإعتداء الجنسي على الأهل
64 3- أسلوب التهديد الجنسي للمعتقل
65 4- أسلوب التهديد بالقتل
65 5- أسلوب التهديد بهدم البيت
66 6- أسلوب التهديد بالإبعاد
66 7- أسلوب التهديد بالسجن الحربي
67 8- أسلوب تعذيب الآخرين أمام المعتقل
67 9- أسلوب الشتائم والإهانات
67 10- أسلوب إحتقار الذات
68 11- أسلوب السخرية والإستهزاء
68 12- أسلوب الإهمال وعدم الإكتراث
69 13- أسلوب التنقل بين السجون
69 14- أسلوب إرباك المعتقل
70 15- أسلوب فقد الأمل بالنجاة
70 16- أسلوب ضغط الشهود
70 17- أسلوب دراسة الوجه والحركات
71 18- أسلوب المحقق ضخم الجثة
71 19- أسلوب تثبيط العزيمة
71 20- أسلوب تضخيم التهمة
71 21- أسلوب تحطيم المثل الأعلى
72 22- أسلوب التشكيك بالتنظيم والثورة
72 23- أسلوب التحقيق المتواصل
73 24- أسلوب صدمة المعلومة
74 القسم الثاني: أساليب الترغيب والإغراء النفسي
74 1- أسلوب إغراء تحقيق المكاسب
75 2- أسلوب الصفقة
76 3- أسلوب الإغراء الجنسي
77 4- أسلوب الإغراء بالمكيفات
77 5- أسلوب تبسيط التهمة
77 6- أسلوب التعاطف الإنساني
78 7- أسلوب الإهتمام بالمعتقل
78 8- أسلوب المدح للمعتقل
79 9- أسلوب المعاملة عكس المتوقع (الأسلوب الناعم)
80 تعقيب
85 الفصل الرابع: أساليب التعذيب العقلي والحيل الخداعية
86 تمهيد
87 هدف وأهمية الخداع في التحقيق
88 أركان العملية الخداعية
90 العملية الخداعية (الإجراءات)
95 القسم الأول: أساليب الخداع المباشرة (عبر المحقق)
95 أولاً: أساليب الحيل الخداعية المباشرة
95 1- أسلوب خداع فكرة التعامل
97 2- أسلوب خداع فكرة الإعتراف
99 3- أسلوب خداع فكرة الإفراج
99 4- أسلوب خداع إنتهاء التحقيق
100 5- أسلوب خداع التوقيف الإداري
100 6- أسلوب القصة الخادعة
101 7- أسلوب خداع القتل
101 8- أسلوب خداع الجنون
101 9- أسلوب خداع الخبر
102 10- أسلوب خداع المعلومة الخاصة
102 11- أسلوب خداع التوقيع المزور
102 12- أسلوب خداع الحوار
103 13- أسلوب خداع الشاهد المخفي
103 14- أسلوب خداع المحقق الصديق والعدو
105 15- أسلوب خداع تبادل الأدوار
106 16- أسلوب خداع التقمص
107 ثانياُ: أساليب الخداع بالتأثير العقلي
108 1- أسلوب تشكيل الدماغ
109 2- أسلوب غسيل الدماغ (إلخ)
115 3- أسلوب النكوص الطفولي الإجباري
116 4- أسلوب تفكيك وتشويه الشخصية
116 5- أسلوب التنويم الإيحائي (المغناطيسي)
117 6- خداع جهاز كشف الكذب
118 7- أسلوب إيحاء الخواطر والأفكار
122 القسم الثاني: أساليب الخداع غير المباشرة
122 أولاً: أساليب الخداع غير المباشرة (التنصت)
122 - التنصت أثناء انتظار التحقيق
123 - التنصت في مكتب التحقيق
123 - التنصت في الزنزانه أو الغرفة
123 - التنصت بين الزنازين أو الغرف
123 - التنصت في غرفة المحامي أو الصليب الأحمر
123 - التنصت في غرفة الترحيل
124 - التنصت في سيارة الترحيل
124 - التنصت أثناء الترحيل
125 ثانياً: أسليب الخداع غير المباشرة (العملاء)
127 1- أهم طرق خداع العملاء
128 - الخداع عبر عميل
128 - الخداع عبر عميلين
128 - الخداع عبر مجموعة من العملاء
128 - الخداع عبر غرفة العار
129 - الخداع عبر سجون العملاء
130 - الخداع عبر عملية الترحيل
131 2- أساليب خداع العملاء في التحقيق
131 - تضليل المعتقل
131 - الناصح الأمين للمعتقل
132 - كسب ثقة المعتقل
132 - بث المحاكاة للمعتقل
132 - تقمص الدور الوطني
133 - تثبيط عزيمة المعتقل
133 - تمثيل تحدي السجان
133 - عرض المساعدة والخدمة
133 - التكريم والإحتفال بالمعتقل
134 - تمثيل المسئول المركزي
134 - الرسالة المختومة
134 - تهويل صورة المحقق
134 - الخداع المكشوف
134 - الاتهام والتشكيك بالمعتقل
134 - الإعتداء الضرب
136 تعقيب
139 الفصل الخامس: حالة الإنهيار والصمود، والآثار الناجمة عن التحقيق
140 تمهيد
141 القسم الأول: المعتقل بين الإنهيار والصمود أثناء التحقيق
141 أولاً: المعتقل وحالة الإنهيار والإعتقال
141 أ) المعتقل في حالة الإعتراف
142 ب) المعتقل في حالة الإنهيار
143 عوامل الإنهيار في التحقيق
143 1- ضعف الإنتماء والولاء
144 2- ضعف شخصية المعقل
145 3- ضعف التكوين النفسي للمعتقل
147 4- ضعف الإرادة لدى المعتقل
147 5- قلة المعرفة بأساليب التحقيق
148 6- إعتماد أسلوب العمل التنظيمي المفتوح
148 7- كثرة الأسرار والمعلومات لدى المعتقل
149 8- عدم ضبط الإعتراف المبرمج
150 ثانياً: المعتقل وحالة الصمود في التحقيق
150 المعتقل الصامد في التحقيق
151 عوامل الصمود
151 1- عوامل الدعم العقلي
152 2- عوامل الدعم النفسي
153 3- عوامل الدعم العاطفي
154 4- عوامل الدعم العملية في أثناء التحقيق
154 أ) القدرة على تصريف وإدارة الوقت
156 ب) القدرة على التكيف على التغيير الطارئ
157 ج) تقوية الشعور بالهوية والإنتماء
157 د) القدرة في التغلب على الإرهاق
160 هـ) التحرر من القلق والخوف
161 و) قوة وصلابة العزيمة والإرادة
162 ز) صوابية إتخاذ القرار
163 ح) تعميق الإيثار والبعد عن الأثرة
163 5- إرشادات عامة للصمود في التحقيق
167 القسم الثاني: آثار التحقيق والتعذيب (الآنية والبعدية)
167 أولاً: الآثار الآنية المباشرة (أثناء التحقيق)
168 ثانياً: الآثار البعدية غير المباشرة (بعد التحقيق)
172 المظاهر الآثار البعدية في عمليات التحقيق
172 1- المظاهر الجسدية
174 2- المظاهر النفسية
178 3- المظاهر الإجتماعية
180 تعقيب
187 الخاتمة
190 المراجع
195 الفهرست

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب، أو تخزينه، في نطاق استعادة المعلومات، أو نقله، أو استنساخه، بأي شكل من الأشكال.
دون إذن مسبق من المؤلف.

تصميم الغلاف
نضال أبو سلمية

طباعة وتنسيق
مركز الوعي للدراسات والتدريب
غزة مشروع – عامر – خلف صالة السعد للأفراح
تلفون/ 2875501-28 جوال/ 0599416712

الطبعة الأولى
1426هـ – 2005م
مطبعة ومكتبة الأمل التجارية
غزة – شارع الثلاثيني – مقابل الجامعة الإسلامية
ت/ 2848722 – 2866314

ذاتية المؤلف

* من قرية حمامة بفلسطين المحتلة.
* من مواليد 1952م- بقطاع غزة.
* التحق بالثورة الفلسطينية عام 1969م.
* اعتقل عدة مرات في السجون الإسرائيلية
وأمضى حوالي 15 عاماً في الأسر.
* حصل على الشهادة الجامعية البكالوريوس (أصول الدين) من الجامعة
الإسلامية – غزة عام 1986م.
* حصل على ماجستير (علم النفس) عام 2000 م من الجامعة الإسلامية- غزة
* حصل على الدكتوراة (علم النفس- الصحة النفسية) عام 2004 م من جامعة عين شمس- مصر وجامعة الأقصى- فلسطين.
* عمل مدرساً في مدارس وكالة الغوث للاجئين.
* لواء أمني متقاعد، عمل مديراً في النشاط الإسرائيلي ومكافحة التجسس، ومدير عام الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في فلسطين.
* يعمل الآن مديراً لمركز أفق للدراسات والتدريب.
ومحاضراً في جامعة الأقصى- وجامعة القدس المفتوحة.
* مدير مركز الرعاية الصحي.
* له عدد من المؤلفات، والدراسات، والمقالات.
* حصل على عدد من الدورات العلمية والأمنية.
* شارك في العديد من الندوات والمحاضرات العلمية.
* أشرف على بعض الدورات العلمية والأمنية.

  1. أضف تعليقاً

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: