العملاء في ظل الاحتلال الاسرائيلي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال المولى عزوجل:

” يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً “.
صدق الله العظيم
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
” إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً “.
صدق رسول الله
الإهداء

أهدي عملي المتواضع هذا، إلى أهل فلسطين الصامدين الصابرين، على ثرى أرض الإسراء والمعراج.
وخاصة الشهداء منهم الذين ضحوا بحياتهم،
ليحيا غيرهم بعزةٍ وكرامةٍ.

المقدمة

الحمد لله الذي وهب لنا من العقل ما نميز به بين النجدين، فنتبع ما أراد لنا من الخير أن نتبع، ونتجنب ما أراد لنا من الشر أن نجتنب. وتحقيقاً لغاية وجود الإنسان في الأرض، وتطبيقاً لوظيفته فيها، وتواصلاً مع منهج الخير، وبياناً لمعالم الشر .
جاء هذا العمل المتواضع، الذي ما هو إلا عباره، عن وصل ما انقطع، وإتمام لما انتقص، من التراث الأدبي الفذ الذي قدمه علماؤنا وأساتذتنا في تعريف الأمة بمواطن الخير لتتبع، وبمواطن الشر لتجتنب، باعتبار أن العلم بالشر لإجتنابه، خير من العلم بالخير لإجتلابه.
إن الأمن والأمان قد شكل لدى جميع الأمم والشعوب، وما زال مطلباً وحاجةً لصيقة الصلة بحاجاته الأساسية في الحياة، وضرورة من ضرورات وجوده واستمراره، وهو بذلك يعتبر أحد أعمدة الحياة الهامة، التي لا يمكن أن تستقيم بدونها هذه الحياة. وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الأمن، واعتباره من الحاجات الملحة والضرورية للحياة، والتي لا تقل أهمية للإنسان عن الغذاء والدواء (الصحة). فقال عليه الصلاة والسلام: “من بات عنده قوت يومه، معافاً في بدنه، آمناً في سربة، فكأنما حيزت له الدنيا وما فيها “. (رواه البخاري)
وهذا ما أكده علماء النفس حديثاً، ومنهم (ماسلو) الذي اعتبر ” أن حاجة الإنسان إلى الأمن والطمأنينة والشعور بالحماية وتجنب المواقف الخطرة، لا يمكن تجاهلها، وهي تقع من حيث الأهمية بعد الحاجات الفسيولوجيه، لأن الحاجة إلى الطمأنينة والأمن والشعور بالحماية وتجنب المواقف الخطرة تظهر بمجرد إشباع وإرضاء الحاجات الفسيولوجية. (أبو ناهيه،1991: 68).
وقد برزت عبر تاريخ الإنسان ظواهر تهدد أمنه وإستقراره الشخصي والجماعي، كان أخطرها على الإطلاق ظاهرة التعامل مع الأعداء، خاصة في المجتمعات التي تقع تحت نير الإحتلال الأجنبي، حيث شكلت تهديداً مباشراً لأمن وسلامة هذه المجتمعات، وتحدياً مغلفاً بالخوف وعدم الاطمئنان لها، لكونها مفعمه بالحساسية المفرطة التي تلف طبيعتها، وتجعلها من أخطر الظواهر في حياة الشعوب والأمم على الإطلاق، وهي من أبرز معالم التدمير الاجتماعي لهذه الأمم .
وأعتبر التجسس والتعامل مع الأعداء منذ فجر التاريخ وإلى يومنا، ولدى جميع الأمم والشعوب، حالة شاذة وعلاقة منبوذة ومشبوهه، يقوم بها البعض من ضعاف النفوس الذين يؤثرون مصالحهم الخاصة على مصالح الجماعة.
إن عملية التجسس والتعامل مع العدو لا يمكن أن تتحول لظاهرة اجتماعيه إلا بفعل وجود الاحتلال نفسه. حيث أن التعامل مع العدو يظل تعاملاً لا يمكن أن يرقى لطور الظاهرة إلا في ظل ورعاية الاحتلال. لأن هذه الظاهرة ليست وليدة تطور اجتماعي عادي وطبيعي، تفرضها إشكاليات العلاقات الداخلية للمجتمع، وإنما تستمد وجودها وحيويتها بفعل الاحتلال الذي يستغل بعض العوامل والأسباب والتناقضات لإبرازها والمحافظة عليها.
وظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي في مجتمعنا الفلسطيني، ليست بدعاً من الظواهر، ولكنها تتقاطع وتتشابك مع كل ظواهر التعامل والتجسس التي ظهرت في المجتمعات الأخرى. خاصة المحتل منها، وعلى وجه الخصوص إذا كان هذا الاحتلال ذا طابع استيطاني مؤقت كالاستعمار الفرنسي للجزائر، أو اذا كان ذا طابع استيطاني احلالي (دائم) كما هو الحال بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.لذلك يجب تناول هذه الظاهرة بالبحث والدراسة والتحليل، من أجل الوقوف على الأرضية التي تساعد على بروزها، وتؤدي إلى نمائها، وإدراك متغيراتها والعلاقات التبادلية فيها. مما يمكن من التعرف عليها بشكل علمي وموضوعي من أجل تطويق آثارها وتجفيف منابع روافدها ومن ثَمَّ وضع العلاج المناسب والمصل الواقي لحماية المجتمع من خطورتها.
وتكمن أهمية تناولنا لموضوع التعامل مع الاحتلال في واقعنا الفلسطيني، في مدى خطورة هذه الظاهرة، وما تشكله من عبء على أمن المجتمع، خاصة وأن الاحتلال ما زال يمارس عمليات تجنيد العملاء مستغلاً حالة الخوف التي تنشأ عن أجواء الرعب التي يمارسها ضد الجماهير الفلسطينية، والتي قد تدفع بالبعض إلى التوحد السلبي مع المحتل ضد أبناء شعبه وأمته.
وقد جاءت فكرة هذا الكتاب من خلال حاجة واقعية ملحة، حيث يمر المجتمع الفلسطيني في هذه الآونة بأشد الظروف قسوة وضراوة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وأدواته العميلة على الأرض. حيث شكلت عمليات الاغتيال لكوادر المقاومة الفلسطينية الخطر الأكبر على حياة الانتفاضة المباركة، والتي برز من خلالها دور خطير للعملاء يتمثل في تتبع حركة المقاومين، لصالح العدو. مما رفع من وتيرة الحساسية لدى الشارع الفلسطيني ضد هؤلاء العملاء، مطالباً البعض بملاحقتهم وقتلهم، والبعض الآخر بالتعرف عليهم، وعلى الدوافع والعوامل التي تحركهم، وفق منهج علمي ومدروس، يعمل على تجفيف منابع هذه الظاهرة الخطرة، التي أوجدت مشكلة حقيقية للمجتمع برمته.
وقد جاءت فكرة هذا الكتاب للتعرف بشكل عام على مواطن الانحراف التي تقود الفرد بعيدا عن قيم الخير والصلاح، من أجل كشفها والوقاية منها على مستوى الفرد والمجتمع الفلسطيني برمته. ومحاولة بشكل خاص للتعرف على ظاهرة التعامل والتجسس مع العدو، باسلوب جديد من خلال الربط بين العلوم الامنية والعلوم النفسية، والخروج منها بالفائدة المرجوة، التي نأمل أن تنتفع بها أمتنا الإسلامية والعربية، وأن تكون لشعبنا وأهلنا في فلسطين خاصة، وباقي بلدان العروبه والاسلام، درعاً وحصناً منيعاً من شرور أعدائنا، أعداء الوطن والدين.
وحيث أن الكمال لله، فإن هذا العمل، وإن كان محاولة متواضعة، إلا أنه يظل غير مكتملا، ويحتاج لجهود أخرين، من أقلام مخلصه تحاول أن تسد، وتكمل ما به من نقص وقصور.
وقد آثر الكاتب دراسة هذا الموضوع رغم إدراكه بأنه من الموضوعات التي يثير الخوض فيها كثير من الشجون، ليس بسبب قلة المصادر فحسب، بل للحساسية البالغة في الموضوع ذاته، لما يختزنه من ذكريات أليمة في ذاكرة الشعب، ولخصوصيتة وسريته، وحصر المعلومات فيه لدى جهات معينة ومتخصصة.
ومما شجع الكاتب وساعده على دراسة هذه الظاهرة، وانجاز هذا العمل المتواضع، دراسته لظاهرة التعامل في فلسطين علمياً من خلال أطروحة الماجستير والدكتوراه، التي كانت تتويجاً لخبرته السابقة في العمل الوطني، حيث واكب الكاتب هذه الظاهرة وعاصرها منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للمناطق المحتلة عام 1967م. وكذلك من خبرته الحياتيه في السجون الاسرائيليه، ومن ممارسته للعمل الأمني في مجال النشاط الإسرائيلي ومكافحة التجسس، مكنته من اجراء العديد من المقابلات المباشرة مع العملاء الذين تورطوا مع العدو المحتل، سواء الذين صدر بحقهم أحكام، أو ما زالوا على ذمة النيابة العامة.
وقد تناول الكاتب هذا الموضوع في ست فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة.
وقد تعرض الفصل الأول، إلى التعرف على مفهوم التجسس والتعامل مع العدو، وكذلك التعرف على أهدافه، وأهميته، وخطورته.
وتناول الفصل الثاني ظاهرة التعامل والتجسس في عمقها التاريخي (الزماني)، وفي عمقها الجغرافي (المكاني)، بالإضافة إلى حجم الظاهرة في الواقع الفلسطيني.
وأما الفصل الثالث فقد تعرض، للدوافع المحركه لظاهرة التجسس والتعامل مع العدو، ثم التعرف على أهم العوامل المؤثرة فيها .
كما تعرض الفصل الرابع، إلى عملية تجنيد العملاء والجواسيس، من خلال استعراض أركان التجنيد الثلاثه، المجند، والعميل، وعملية التجنيد.
في حين تناول الفصل الخامس أبرز الأساليب، والوسائل، والأدوات في عملية التجسس والتعامل مع العدو.
وفي الفصل السادس تم مناقشة عملية الوقاية من ظاهرة التعامل مع العدو الصهيوني في فلسطين، وكيفية اكتشافها، ومكافحتها، والقضاء عليها.
وفي النهاية لا بد أن نهيب بالمفكرين والكتاب، أن يتواصلوا مع دراسة هذه الظاهرة، على المستويين الأكاديمي، والأمني، لتكتمل الصورة، من أجل تحقيق أقصى درجات الوعي بها، وبالتالي الحد منها وتقليصها، أو القضاء عليها نهائياً في الواقع والممارسة.
وأخيرا ندعو المولى عز وجل أن يتقبل منا هذا العمل كصدقة جارية، لا نبتغي بها إلا وجه الله سبحانه وتعالى… والله ولي التوفيق

الفصل الاول

مفهوم التجسس والتعامل:
واجه التجمع البشري عبر تاريخه الطويل ظواهر هددت أمنه واستقراره، وكان من أهمها ظاهرة التعامل مع الأعداء، تلك الظاهرة التي تشكل تحدياً وخروجاً سافراً على قيم، وعادات، وتقاليد المجتمع، مما يتطلب فهماً واعياً لهذه الظاهرة، وهذا لا يكون إلا من خلال التعرف على أهم المغاهيم والتعريفات التي تشكل جوهر هذه الظاهرة .
تعريف مفهوم التجسس:
التعريف الُّلغوي: قال اللحياني: تجسست فلاناً ومن فلان، بحثت عنه تحسست، ومن الشاذ قراءة: “فَتَحَسَّسُوا ِمنْ يُوسُفَ وأَخِيه” أي تجسست الخبر وتحسسته بمعنى واحد.
وفي الحديث: لا تجسسوا، التجسس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس: صاحب سر الشر، والناموس: صاحب سر الخير.
وقيل: التجسس، بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه، وقيل: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع. وقيل: معناها واحد في تطلب معرفة الأخبار.
والجاسوس: العين يتجسس الأخبار ثم يأتي بها، وقيل الجاسوس: الذي يتجسس الأخبار.تحسس الخبر: تطلبه وتبحثه، وفي التنزيل ” يَا بُنَيَّ اِذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ”.(يوسف: 87)
قال أبو عبيد: تحسست الخبر وتجسسته. وقال: التجسس بالجيم البحث عن العورة، قاله في تفسير قوله تعالى “ولا تجسسوا” وفي قوله تعالى فَتَحسسوا. وقال ابن الأعرابي: تجسست الخبر وتحسسته، بمعنى واحد، وتحسست الشيء أي تخبرت خبره. (ابن منظور، 1119 :624-876 )
التعريف الاصطلاحي: ورد مصطلح التجسس في القرآن الكريم في قوله تعالى: ” يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا،وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً “. (الحجرات: 12)
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَ كُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً. (ابن حجر العسقلاني،447 :348)
وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” كفى المرءِ كذباً أن يحدثَ بما سمع”.
وذكر (ابن كثير، 780) ” ولا تجسسوا ” أي على بعضكم بعضاً، والتجسس غالباً ما يطلق في الشر ومنه الجاسوس، وأما التحسس فيكون غالباً في الخير، لقوله تعالى: يَا بَنَيّ اِذهَبُوا فَتَحسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رّوحِ اللهِ”.(يوسف:87) وقد يستعمل كلاهما في الشر. (ابن كثير، 780 : 213)
وقد عَرّف الفقهاء والمفسرون وأهل الحديث التجسس المنهي عنه في الآية والحديث بأن المقصود منه ” تتبع عورات المسلمين وغيرهم، ومحاولة الوصول إلى معرفتها لإشباع دافع نفسي أو غرض معين”، وهو وإن كان خاصاً بآحاد الناس فإنه يتناول التجسس الذي تقوم به الجماعات والهيئات أو الدول بأي صورة من الصور ولأي سبب من الأسباب غير المشروعة التي تستهدف كشف أسرار الأفراد والجماعات.
أما تعريف دائرة المعارف الإسلامية: فقد جمع بين الجاسوس الذي يتتبع الأخبار بالتصنت، والعين الذي يرقب بعينه الأحداث فكلمة جاسوس ترد ملازمة مع كلمة عين بمعنى الرقيب”، ومن ثم فإنه لا يمكن في جميع الأحوال أن نميز بين المصطلحين، ولا يكاد المرء يستطيع مناقشة إحداهما دون الرجوع إلى الأخر.
وعًّرف القانون الدولّي الجاسوس بأنه ” الشخص الذي يعمل في خفية، أو تحت ستار مظهر كاذب، لجمع أو محاولة جمع معلومات عن منطقة الأعمال الحربية لإحدى الدول المتحاربة بقصد إيصال هذه المعلومات لدولة العدو”.(الدغمي،1985: 31)
وعرف (الجزائري،1991) التجسس بأنه “السعي والتخابر، وهو صورة من الاتصال بدولة أجنبية بقصد إجرامي، وهي التي يرمي فيها الجاني إلى الاتصال مع دولة أجنبية أو مع الشخص الذي يعمل لمصلحة هذه الدولة فتكون النتيجة تمكن هذه الدولة من القيام بأعمال عدائية ضد الدولة الأخرى، وهوما يسمى بالخيانة العظمى. (الجزائري، 1991 : 10)
وعرف (شحادة، 1992) التجسس بأنه ” مجموعة الإجراءات السرية والعلنية، التي تؤدي إلى جمع المعلومات الحقيقية،عن أهداف محددة، من أجل استخدامها في مخططات العمليات السرية والعلنية للدولة “. (شحادة، 1992: 24)
وعرف (المتيت، 1980) التجسس بأنه ” بالتخابر مع الدول الأجنبية تحت تأثير الطيش وعدم المبالاة ضد مصلحة الدولة “. (المتيت، 1980: 30)
وعرف (العلوي،1993) التجسس بأنه ” البحث عن المعلومات، وتجميعها، ونقلها للآخرين بوسائل سرية، بغية استخدامها والاستفادة منها ضد أمن وسلامة الطرف الذي تتعلق به هذه المعلومات “. (العلوي، 1993، 8)
وقد عرف (الخرشي) الجاسوس ” بالشخص الذي يطلع على عورات المسلمين وينقل أخبارهم للعدو”.
وعرف الجنرال الأسباني (كويبود يللانو) الجواسيس “بالطابور الخامس” وهو بذلك أول من أطلق عليهم هذا التعبير أثناء زحفه على مدريد بقوات تتألف من أربعة طوابير، حيث وصف العملاء داخل البلد ” بالطابور الخامس الذي يعمل مع الثوار، لكنه داخل مدريد نفسها”. (وود، 1990 : 24)
ويشير (الجزائري،1991) للتفريق بين هذين المعنيين لمصطلح الجاسوس بقوله: ” إن إطلاق اسم “جاسوس” على أي شخص قبل التأكد من قيامه بأعمال التجسس لصالح دولة معادية لبلده، لا يحق لأي جهة، مهما كانت هذه الجهة “.
(الجزائري، 1991: 94)
ويعتبر مدير المخابرات الألمانية في الحرب العالمية الأولى (والترنيكو لاي) أن التجسس (لصالح البلد) مهمة لا يمارسها سوى السيد المهذب المثقف،وقد ينطبق قوله هذا على من يتجسس لصالح بلده،ولا ينطبق على من يخون بلده لمصلحة غيره.
ويبين (عبده، 1992) أوجه التداخل في المصطلح بقوله إن الشجاعة التي يبديها الجاسوس الذي يعمل لصالح بلده تخفف من قبح الجاسوسية وشناعتها، إلاّ أنها لا تمحو تماماً ما في مهمة الجاسوس من صفة ممجوجة. (عبده،1992: 60)
ويرى (شحادة، 1992) أن لفظ الجاسوس يستخدم بمعنيين متناقضين، وإن كان يؤدي كل منهما نفس الغرض. فهناك الجاسوس الذي يتجسس ضد الأعداء، ويجمع المعلومات لوطنه، ويبذل كل طاقاته لانتصارها، ويعتبر جندياً مخلصا لهاً. والجاسوس الذي يجمع المعلومات ويعطيها للعدو، فهذا خائن لوطنه. (شحادة، 1992: 24)
أي أن المعنى الأول للجاسوس يتعلق بالنشاط السيئ والشرير، الموجه ضد الدولة والمجتمع لحساب الغير، وهو الذي ورد به النهي بقوله تعالى: “ولا تجسسوا “، ونهي عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بقوله: “ولا تجسسوا “.
والمعنى الآخر للتجسس هو المعنى الحسن الذي حث عليه الاسلام، وهو التجسس لصالح البلد والوطن ضد الأعداء، فالجاسوس الذي يجمع المعلومات لصالح وطنه وشعبه هو قمة التضحيه والفداء.
ولهذا يجب التفريق بين التجسس لصالح الوطن، وبين التجسس ضد الوطن. ومن هذا المنطلق نفضل أن نصف من يتجسس على وطنه بالعميل أو الخائن، للخروج من الإزدواجيه والتناقض في معنى الجاسوس، وبالتالي يكون كل من تجسس أو تعامل في فلسطين لصالح العدو الصهيوني هو عميل، وليس جاسوس.
مفهوم العين:
استخدم في التاريخ الإسلامي مرادف آخر للجاسوس ويحمل نفس المعنى والمضمون، حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً يوم فتح مكة “اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها “.
وذكر مسلم ” أن العين هو الجاسوس”، وذكر ابن حجر” أن الجاسوس يسمى عيناً لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع بدنه صار عيناً.
وذكر شهاب الدين “العين هو جاسوس القوم، فيطلع على عورات المسلمين، وينهي الخبر إلى دارهم” ،ولقد ذكرت معظم كتب الفقه “الجاسوس بمعنى العين، وأن العين هو الجاسوس”. (الدغمي، 1985 : 28-30)
مفهوم الخيانة:
ذكر هذا المصطلح في القرآن الكريم ليكون مرادفاً لمصطلح الجاسوس الذي يعمل لصالح العدو لقوله تعالى” يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرّسولَ وتَخُونْوا أَمْاناتِكِمْ (الأنفال: 27)
وقد فسر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمل ” حاطب بن أبي بلتعه -عندما أرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم فيها بتحرك الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوهم – بالخيانه. عندما قال: يا رسول الله ” إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني أضرب عنقه”.
وقد إعتبر رجال الفقه والتشريع وعلماء القانون والجريمة العمالةَ والتجسسَ لصالح الأعداء خيانةً عظمى يعاقب عليها القانون .
مفهوم التعامل:
يعتبر مفهوم التعامل من أكثر المرادفات لمفهوم الجاسوس حداثة، بالإضافة إلى كونه لا يمثل إلا وجهاً واحداً من العمل الاستخباري الذي يهدف إلى خدمة أعداء الوطن والأمة، وبالتالي يضع صاحبه في خندق الخيانه .
ولهذا اعتبر “وود ” أنه عندما يكون ابن البلد جاسوساً ضد بلاده، فهو خائناً وعميلاً للغريب. (وود ،1990 :30)
كما اعتبر مناصره العملاء المحليين أنهم ” أهم جواسيس للعدو، يقوم باستخدامهم ضد مصلحة وطنهم وشعبهم “. (مناصرة، 1991: 301)
وعرف شحاده العميل بأنه ” الشخص الذي يقوم بخدمة جهاز المخابرات عن وعي وإدراك كاملين يمارس عمله في هدف معين تحت غطاء معين وضمن السيطرة الكاملة للجهاز”. (شحاده، 1992: 32)
وعرف (اوسروفسكي) العميل بأنه: “المجند وليس الموظف المحلي لجهاز المخابرات”.
(308: 1990، osrousky.hoy)
أما تعريف التعامل طبقاً لقاموس وبستر webstar)) فإنه حسب المعنى المقصود يعني التعاون مع العدو أو المحتل برغبة المساعدة والمساندة.
وأما تعريف السلطات الإسرائيلية لهذا المصطلح، فيعبر عنه بالكلمة العبرية (سيانيم) بمعنى مساعدين، وهم الفلسطينيون المسجلون رسمياً بأن لهم ارتباط استخباري مع إحدى أفرع الأمن العاملة بالمناطق، وبجهاز الأمن العام، والشرطة الإسرائيلية، وجيش الدفاع الإسرائيلي، أو الإدارة المدنية الإسرائيلية.
ويشمل ذلك أشكالاً مختلفة من عملاء المخابرات الذين يزودونهم بالمعلومات الأمنية من المؤسسات لقوى الأمن في تحديد واعتقال وإلحاق الضرر الجسدي بالمطلوبين.
وأما القاموس السياسي للمنظمات الفلسطينية فقد عرف العملاء بأنهم “هم المصرح لهم بحمل أسلحة من قبل السلطات الإسرائيلية، وتقع منازلهم تحت الحماية أو يذهبون إلى أماكن غير معروفه، ووصف العملاء بأنهم الذين يتسببون بالضرر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أعضاء المجتمع”. (بتسيلم، 1993 : 4- 34 )
وعرف مؤسس حركة حماس الشيخ (أحمد يأسين) العميل بأنه: “من باع نفسه لجهاز الأمن العام ونفذ ما يطلبه منه ضد مصلحة وطنه وشعبه ودينه، فالعميل هو ذلك الشخص الذي تعرض لمحنة كبرى ولم يستطع التغلب عليها”.
وعرف المفكر الاسرائيلي (روني شاكيد) عملاء أجهزة الأمن الاسرائيلية بأنهم: ” أولئك الأشخاص الذين يعملون لصالح أجهزة الأمن الإسرائيلية ويزودونها بالمعلومات المختلفة. (أبو نجيلة، 1998: 18)
وعرف (أبو هين، 1992) العميل بأنه الشخص المرتبط مع سلطات الاحتلال الذي يكون هدفه جمع المعلومات عن أشخاص محليين، وتوصيلها إلى سلطات الاحتلال أو محاولة إسقاط عناصر أخرى والتأثير عليها من أجل الارتباط مع جهاز المخابرات. (أبو هين، 1993: 2)
وعرف (خضر عباس، 2000) العملاء بأنهم: ” مجموع الأفراد الذين ارتبطوا مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، بهدف تقديم خدمات متنوعة للاحتلال، قد تضر بالمصلحة الخاصة والعامة للفلسطينين “. (عباس، 2000: 77)
ومن خلال العرض السابق للتعريفات تظهر أربعة مفاهيم أساسية استخدمت على المستوى العالمي، والعربي، والإسلامي، وهي تشترك جميعاً في طريقة النشاط الموجه لممارسة عمل ما بطريقه سريه، والبعض منها يمتاز بالتعبير عن النشاط ومضادة والبعض الآخر يتحيز في نشاط معين.
فمفهوم الجاسوس، والعين: وهما مصطلحان يدلان على عمل يعتمد على السريه، ولكن كل واحد منهما لصيق الصله بأداة تجسسية أكثر من الآخر، فالعين هو الشخص الذي يعتمد على عينه في متابعة الأمور ورصدها، وأما الجاسوس فهو الذي يعتمد على الأذن والتنصت في ذلك. ولقد استخدم هذان المفهومان في التاريخ الإسلامي بشكل خاص، مع امتياز مفهوم الجاسوس بسعة الانتشار الزماني والمكاني، عن مفهوم العين الذي اقتصر استخدامه على المسلمين فقط.
وأما مفهوم العميل والخائن: فهما مفهومان مترادفان، يشيران لنفس المعنى والمضمون، وإن اتخذ أحياناً مفهوم الخائن معيارا وصفياً أكثر منه مفهوماً مستقلاً، وندر استخدامه كمصطلح متعارف عليه.
وأما مفهوم العميل والجاسوس: فهما المفهومين الأكثر شيوعاً واستعمالاً في العصر الحديث، وبهما تداخل، وإن كان مفهوم الجاسوس أكثر سعه وشمول. ويميل المؤلف إلى تحديد كل مفهوم لممارسة معينة، بحيث يطلق لفظ الجاسوس على من يتجسس لصالح الوطن، ومفهوم العميل على من يتجسس ضد الوطن، وهذا الميل ينبع من خلال ما لمسه المؤلف من تناول بعض الباحثين لمفهوم الجاسوس بمعنيين متضادين بدون توضيح مما يوقع القارئ في لبس كبير، لذلك يجب التفريق بين صفات الجاسوس الذي يعمل لمصلحة بلده، والجاسوس الذي يعمل ضد مصلحة بلده.
ويمكن استخلاص بعض الأمور بالنسبه للتعريفات السابقة:
– إنه لا يوجد تعريف جامع مانع يتفق عليه جميع المفكرين والعلماء، فكثير من المراجع تتحدث عن الجواسيس وتخلط بين مدلولاتها، فأحياناً تقصد من يعمل لصالح بلده وأحياناً أخرى تقصد من يعمل ضدها.
– إن هذا المفهوم فيه من المطاطية ما يتسع للاجتهادات المحلية، في البلد الواحد، وينبع ذلك من خلال المعتقد، أو المبدأ الذي يشكل خلفية المجتهد فما كانت تراه بعض التنظيمات عميلاً يراه الآخرون غير ذلك.
– إن هذا المفهوم يختلف من مجتمع إلى آخر، فما يراه البعض حسناً ربما يراه الآخر سيئاً، وهذا يرجع إلى عدم وجود معيار دولي يحكم هذه العملية.
– إن هذا المفهوم يخضع أحياناً للمحدد المكاني حتى في نطاق البلد الواحد، ففي حين كان التعامل التجاري في الضفة أمراً عادياً إبان الانتفاضة، كان يعد من يستورد الفواكه من اسرائيل في قطاع غزة خائناً وعميلاً.
– يتأثر هذا المفهوم بالوضع الثوري داخل البلد، ففي ظل الانتفاضة مثلا تطور مفهوم الخيانة، وأعتبر كل من يستمر في العمل في الشرطة الإسرائيلية عميلاً، وفي غير ذلك الوقت كان ينظر إلى ذلك العمل كأي عمل آخر في المجتمع.
– اعتبر البعض أن هذا المفهوم كان منطبقاً على دعاة التعايش والسلام مع إسرائيل في يوم من الأيام، واختلف الحال اليوم، وأصبحت الدعوة إلى السلام والتعايش أمراً لا يوصم صاحبها بذلك.
– أدخلت تحت هذا المفهوم مفاهيم فرعية دخل فيها العميل الاقتصادي، والعميل السياسي، وما شابه ذلك.
ولذلك فإن تحديد المفاهيم والمصطلحات أمر لا بد منه، خوفاً من استغلال بعض الجهات غير المسؤولة لهذه المفاهيم والمتاجرة أو اللعب بها، فيتسع المفهوم متى تشاء، وينحسر متى تشاء، وفق الرؤية الذاتية.
وقد أثبت الواقع المعاش في الانتفاضة، أن أخطر ما أصاب العمل الوطني هو العمل على اتساع المفهوم ليشمل فئات كثيرة من الشعب، وهو ما أرادته إسرائيل وسعت إليه لتمييع هذا المفهوم وخلق بلبلة لدى الجماهير في تعريف ماهية العميل. لذا فتحديد مفهوم العميل مطلب وطني عام يجب أن يتفق عليه الجميع. (عباس، 87:2000)
هدف التجسس والتعامل :
لا بد أن يكون للتجسس في بداية الأمر “هدفاً “، هذا الهدف ربما يكون بلداً بأكمله، أو يكون وزارة في حكومة، أو منشأة عسكرية، أو مصنعاً، أو مختبراً للأبحاث، أو مركزاً للتسوق، أو للإتصالات، أو تنظيماً سياسياً، أو أفراد، ومع اختيار الهدف يتم اختيار طريقة الحصول على المعلومات المطلوبة. (أمرنجر،1992: 170)
وتسعى الدول للتجسس بغية معرفة أسرار بعضها البعض، وذلك ببث جواسيسها هنا وهناك، خاصة في الدول التي تتشابك بينها المصالح، أو تختلف العقائد للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تفيدها في مواجهة الخصم. (عبده،1992: 112)
وكل المهام التجسسية في الغالب تهدف إلى شيء واحد يخدم في النهاية مخططات الدولة وفق مصالحها وسياستها، وبالمقابل يعتبر هذا الهدف هو استهداف دولة معينة لإخضاعها بعد إضعاف معنوياتها واضطراب استقرارها، وهذا ما يُعرف في قاموس الجاسوسية بإنهاك العدو- وهذا لا يتم إلا بمعرفة ما يخطط له ويفكر به، وكذلك تقدير حجمه. “فإذا كنت تبغي التيقن مما يرمي إليه عدوك فعليك اولا أن تقدر قدرة خصمك، مثلما تقدر مهارتك في لعبة البوكر، ثم تضع نفسك مكانه، وتفكر بما يفكر به لفترة، ثم تضع خطتك وتتصرف كما لو كنت مكانه في تلك الظروف. (كوبلاند،1990: 19)
وأغلب المخابرات في الدول، تسعى إلى معرفة أوضاع غيرها من الدول، ليس فقط الأوضاع العسكرية الصرفة لدى العدو المباشر، ولكن كذلك، معرفة الأوضاع الصحية، وتفشى الأمراض، ومقدار توفر المياه، وأهم الزراعات والصناعات، والقدرة الإنتاجية، وأوضاع العمال المعيشية، وكيفية تحريكهم لإعلان الإضراب في الوقت اللازم، والوضع النفسي في البلاد، والمواطنون ودرجة إطمئنانهم إلى سلامتهم ومستقبلهم، وتأييدهم لحكومتهم، ومدى هذا التأييد وهل هناك إمكانية أن يفضلوا أي حكم ولو احتلالي على حكمهم، ومدى إستعداد الأفراد للخيانة بسبب نقمتهم على الحكم القائم، والحد الذي يتقبلون به هجوم جيش أجنبي وتمركزه عندهم كمحتل، وطبيعة مشاكلهم المعيشية التي يمكن أن يحلها لهم الجيش المحتل، أو الذي سيحتل بلدهم حتى يتعايشوا ويتعاونوا معه، والتعرف على راتب الجندي، وترتيبات حكومته لتجعله يطمئن إلى مستقبل عائلته إذا اعتقل، أو أسر، والتعرف على صحة هذا الجندي وأعصابه، وكيف يمكن إثارته وتثبيط عزيمته نفسياً حتى لا يقاتل، ونوع سلاحه وكمية ذخيرته، ودرجة إطمئنانه إلى الشعب الذي يقاتل من أجله، ومدى التجاوب بينه وبين سائر الشعب، ومعرفة هل يقاتل مندفعاً من أجل شعب بلاده ولأجل الحفاظ على الوطن، أم انه دخل الجيش فقط من أجل لقمة العيش، وكذلك التعرف على عقيدته السياسية والوطنية ومدى ثقته بالضابط الذي يقوده، وكل هذه الأمور قد تفيد في تحديد السياسة تجاه هذا البلد. ومن ذلك يتبين مدى أهمية التجسس والتعامل، ليس في زمن الحرب وحده، بل في السلم أيضا،ً وفي جميع الميادين الاقتصادية والصناعية وغيرها.
هذا على مستوى الهدف البعيد والعام، وأما على مستوى العمل الميداني، فإنه يبقى الحصول على المعلومة هو الهدف الأهم، وتجميع البيانات التي تخدمه هو المعيار الحساس في هذه العملية. وبعبارة أخرى فإن الأمر المطلوب فهمه هو الإمساك بالمعلومات بكل ما في العبارة من معانٍ، مهما كانت الوسيلة أخلاقية أم غير أخلاقية، ثمنها القتل أو التضحية بالنفس، ترفع شأن الوطن أو تقوض أركانه. مثل هذه السعة في الفهم ضرورية للظفر والنصر في نطاق الأعمال الاستخبارية. (عبده،1992: 37)
ومن أجل تحقيق هذا الهدف التكتيكي على الأرض للتجسس، ومن أجل الظفر بالمعلومة، تعمل جميع أجهزة المخابرات في العالم على اصطياد العملاء لتسخيرهم للعمل لصالحها، بالإغراء تارة، وبالتهديد بمختلف الوسائل، حتى اللاأخلاقية في بعض الأحيان. (الجزائري،1992 :121)
وقد يأخذ البحث عن العملاء في أحيان أخرى شكل بناء العلاقات الخاصة، باعتبار أن عمل المخابرات الأساس هو السعي لإيجاد عملاء محليين يبدون استعداداً للتعاون والتعامل، لأن العمل السري في أساسه هو التغلغل الذي لا يأخذ أحياناً شكل الاستخبار، وإنما أيضاً إنشاء صلات وثيقة وحميمة، يمكن دعمها بالمال للضرورة، أو الاستغناء عنها حسب الظروف.
أهمية وخطورة التجسس والتعامل:
من الصعب الفصل بين أهمية وخطورة التجسس، فهو سلاح ذو حدين، ففي اللحظة التي يحقق فيها لبعض الدول جوانب بالغة الأهمية، يكون بالنسبه لدوله أخرى في جانب بالغ الخطورة على أمنها وسلامتها. أي أنه حين يخدم دولة معينة، قد يضر بدوله أخرى غيرها.
وتبرز أهميته في كونه من أهم وأنجع الأسلحة لصالح البلد، فهو الوسيلة الأهم في الحصول على المعلومات عن العدو، سواء تمّ ذلك بواسطة الجواسيس والعملاء، أو بالأرصاد واستخدام الأجهزة المتقدمة سرية كانت أم علنية.(الدغمي،1985: 32)
ومن أهميته كذلك للدوله أنه قد يحسم المعركة لها على جيش العدو، حتى قبل بدء المعركه الفعليه على الأرض. حيث تشكل أحياناً الدعايات والإشاعات التي يطلقها الجواسيس والعملاء في بلاد العدو، أمضى الأسلحة التي تعمل على كسر معنوياته.
وقد كان يقول ” نابليون بونابرت” ” إن جاسوساً واحداً في المركز الملائم أفضل من عشرين ألف جندي في ميدان المعركة”، لذلك كان لبسمارك في القرن التاسع عشر 40 ألف جاسوس، مما ساعده في هزيمة فرنسا عام 1870م. (الجزائرى،1992: 16)
وفي نفس الوقت الذي تبرز قيه أهمية عملية التجسس والتعامل لدوله ما، فإنه قد يكون وبالاً على غيرها من الدول. باعتبارة من أنجع الأسلحة وأخطرها. وقد قال في ذلك المؤرخ المشهور (أرنولد توينبي) ” إن تسع عشرة حضارة من أصل إحدى وعشرين، قد تقوضت من الداخل بواسطة شبكات التجسس والمخبرين”.
ولهذا تعد معركة الجاسوسية من أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة من معارك، ذلك لأنها معركة خفية وتعتمد على الخيانة والتسلل تحت ظروف عادية داخل الدولة، وجمع المعلومات لتمكين العدو من الاستفادة منها. (الجزائرى،1992: 16)
وللجاسوسية كذلك دور خطير على أمن الدولة وسلامة المجتمع برمته، ليس في زمن الحرب فقط، بل يمتد ذلك إلى أيام السلم، وفي جميع الميادين الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية والمعنوية وغيرها، كما وأن الجاسوسية هي إحدى الوسائل التي أثرت وما زالت تؤثر في الحروب بين الأمم بل زاد تأثيرها بعد أن أصبحت حرب المعلومات من أهم الحروب التي تشهدها البشرية، حيث اتسع نطاقها في عصرنا الحالي وباتت تشمل جميع مناحي الحياة دون استثناء.
ومن خطورة التجسس كذلك أنه لا يقتصر على تهديد الأمن العام للبلد، وإنما يعتبر بمثابة استهداف ” للأمن الشخصي ” لكل مواطن، ولذا فالمعرفة بهذه الأجهزة وعملها، بدءاً من تاريخها، إلى تركيبتها، ومجالات نشاطها، إلى أساليب عملها، تشكل جزءاً من حصانة المواطن العربي الفلسطيني في مواجهتها. (الجزائرى،1992: 16)
وتبرز خطورة التجسس البشري -العميل على الأرض- من خلال أنه ما زال الوسيلة الأهم برغم تطور أجهزة الاستطلاع والتجسس الإلكترونية الحديثة، سواء بالأقمار الصناعية، أو الطائرات أو غيرها، فإن أجهزة المخابرات ما زالت تعتمد في جمع المعلومات وتفسيرها، على العميل نفسه الذي تتمكن من تجنيده باعتباره يستطيع كشف ما لا تستطيع الأجهزة الأخرى كشفه مهما بلغت من التطور والتعقيد. (الجزائري،1994: 143)
ويزداد الأمر خطورة عندما يكون هذا العميل والجاسوس من أهل البلد أنفسهم، حيث أن أشد العملاء خطورة على البلد هم أصحابه، لأن مراقبة الخونة من أهل البلاد يعتبر أشق بكثير من مراقبة الجواسيس الأجانب، لأن الأجنبي عرضة لأن يفضح نفسه بأتفه خطأ يرتكبه نتيجة جهله بالعادات المحلية، أما الخائن لوطنه الذي يتجسس في داخل بلاده لدولة أجنبية فهو مواطن كغيره من المواطنين، لا يحتاج أن يتخفى وراء مظهر خادع، فضلاً عن أنه يعرف بلاده، وله حق قانوني التنقل في أرجائها، لذا فان مراقبة الخونة المحليين أصعب بكثير من مراقبة الجواسيس الغرباء. (عبده،1992: 61)
وهكذا فإن أهمية وخطورة التعامل والتجسس، تكاد تكون على قدم المساواه بالنسبه للدول، ففي اللحظه الواحده تحمل في طياتها، كل عوامل الفناء والاندثار، وتحمل بذور القوة والنماء.
العمق الزماني لظاهرة التجسس والتعامل :
للوقوف على حقيقة أي ظاهرة -وخاصة الظواهر الاجتماعية- لا بد من تتبعها عبر التاريخ البشري، ومعرفة جذورها وامتدادها فيه، فلا يمكن تناول هذه الظاهرة، مجردة من البعد الزماني، لأن له نفس ما للبعد المكاني من الأهمية، حيث إنه من خلال التفاعل الزماني والمكاني لأي ظاهرة يمكن فهمها والوقوف على حقيقتها.
ومن خلال التتبع لهذه الظاهرة تاريخياً، نستطيع الوقوف على أثر العوامل المنتجة لها، باعتبار أن لها جذوراً عميقة في عمر التاريخ البشري، تمتد منذ أقدم المجتمعات الغابرة حتى وقتنا الحاضر، حيث فطن الإنسان منذ فجر التاريخ البشري إلى أهمية التجسس والاستفادة منه، مما جعله يستغل هذا الأسلوب في صراعه مع القوى المضادة له، بدءاً باستخدام أبسط الأساليب، ووصولاً إلى أعقد الطرق والوسائل والأساليب. (عاقل،فاخر، 1973: 232)
إن التجسس والتعامل لم ينقطع تاريخياً، وذلك لإرتباطه بالمصالح العليا بين الدول، وخاصة الدول المستعمرة والمحتلة للشعوب الأخرى، حيث يتعلق وجوده دوماً بوجود الاحتلال، الذي لم ينقطع خلال الحقب التاريخية السالفة من حياة البشرية، فمتى وجد الاحتلال زمانياً، فإنه يوجد مكانياً، وإن اختلف هذا الوجود شكلاً ومضموناً من مجتمع إلى آخر، أومن بلد إلى آخر.
والواقع المقروء والمشهود يؤكد بأن ظاهرة التعاون مع الأعداء، لا يمكن أن توجد إلا في ظل احتلال، فحيثما وجد الاحتلال تنشط عمليات التجسس والتعاون مع المحتل، أي أن البعد التاريخي لظاهرة التعامل، مرتبط بشكل وثيق بوجود الاحتلال في أي بلد، لذا فإن مفهوم التعامل يعتبر مفهوماً مقترناً بالاحتلال، أكثر من مفهوم التجسس، رغم أنه الأكثر شمولاً وعمقاًً. كما أن مفهوم التعامل يزداد عمقاً وتأثيراً، إذا استطاع المحتل أن يحوله لظاهرة أو مشكلة اجتماعية، يرعى نماءها وبقاءها.
(عباس،2000: 120)
التجسس في العصور القديمة:
ورد في كتب، قدماء المصريين “الفراعنة ” أنهم استخدموا هذا الأسلوب في صراعهم مع أعدائهم وتؤكد المستندات القديمة عن المخابرات أن فن المخابرات ” أي التجسس ” فن قديم جداً فالمصريون كان لهم نظام تجسس منذ حوالي خمسة آلاف عام، وكانوا يعدون التجسس على أعدائهم فناً ولوناً من ألوان العلم الحربي بحيث استطاع أحد ضباط المخابرات المصرية القدماء- ويدعى ” توت ” – أن يرسل مائتي جندي مسلحين ضمن أكياس القمح على ظهر مركب إلى مدينة ” يافا “، التي كانت محاصرة من قبلهم في حينه، لاقتحام المدينة بعد أن تأكد بواسطة عيونه من صعوبة اختراق تحصيناتها عبر البر، ولما استقر المركب في الميناء، خرج الجنود واستولوا على المدينة. (الجزائري، 1991 : 10)
وأثناء غزو رمسيس الثاني للحيتيين، ألقى القبض على جاسوسين للعدو في معسكر جيشه، فاستجوبهما وضربهما ضرباً مبرحاً ليعترفا بالحقيقة. ويقول: (أحمد هاني) فيما ينقله عن (لاديسلاس فاراجو) أن المصريين القدماء كان لهم إدارات مخابرات منظمة قبل السيد المسيح بعدة قرون. (الدغمي، 1985 :47)
ومن أشكال فن التجسس الذي عرفه قدماء المصريين، ما يحدثنا به المؤرخ (هيرودتس) بأن الرسائل السرية كانت تكتب في صورة وشم فوق رؤوس العبيد ثم يرسل هؤلاء إلى الأهداف المقصودة، كما عرفها الكلدانيون والأشوريون والبابليون ايضا.(الجادر،1987: 3)
وقبيل مولد المسيح بأربعمائة عام أكد الوزير الصيني ورجل الاستراتيجية العسكرية (صن تسو) في كتابه (فن الحرب) أن أهمية المخابرات الجيدة تسبق الحرب نفسها. (اللجنة،1993 :16)
وفي الإلياذة نسمع” هومر” الشاعر يتغنى بقصة رائعة من قصص الجاسوسية حين نقل الطرواديون بعض جنودهم ضمن جواد كبير صنعوه من الخشب إلى قلب مدينة العدو، وسمي ” بحصان طرواده “. (عبده، 1989، 12)
وقد استخدم هذا الأسلوب” الاسكندر المقدوني”، مدركا أهمية الطلائع وفرق الاستكشاف وهو أكثر من أستعمل الفرسان للكشف البعيد، وهو أول من استعمل الحصن في الجبال للكمائن، وأول من اتخذ الجواسيس والعيون على العدو.
كما وكان فن التجسس والجاسوسية وجمع المعلومات شائعاً بين الإغريق والفينيقيين والرومان والحضارات القديمة الأخرى، وعلى الرغم من عسر التكهن بما كان يحدث قبيل ظهور “العهد القديم ” إلا أنه يمكن التخمين بأن معرفة ما بحوزة العدو أمر هام لضمان أمن المرء وسلامته. (اللجنة، 1993 : 16)
وقبل الإسلام نشطت الإمبراطوريات العظيمة في استخدام التجسس على بعضها البعض كدولة الفرس ودولة الروم، حيث كانت الحرب بينهما محتدمة في كثير من الأحيان، واستعمل سلاح التجسس بينهما كوسيلة عسكرية.
وكانت دولة الروم تستعمل الجواسيس ضد العرب قبل ظهور الإسلام الذين يعملون لحساب الرومان، وكان التجسس يتم في بيوت تجارية يستخدمها الرومان للشئون التجارية في الظاهر، والتجسس على أحوال العرب سراً، ولما ظهر الإسلام اعتمدوا على التجسس ضد المسلمين بشكل موسع.
وقد عمد العرب في الجاهلية إلى استخدام العيون للتجسس على الأعداء في صورة تجار أو مسافرين أو على هيئة سرايا صغيرة تتقصى آثار العدو وتسأل من تلتقي به من الركبان عن أحوالهم. (الدغمي، 1985 :48-52)
التجسس في التاريخ اليهودي القديم:
لقد برع اليهود منذ القدم، في استخدام أسلوب التجسس ضد خصومهم وأعدائهم ولقد ورد ذلك واضحاً في التوراة، حيث كان التجسس المنظم، في العهد القديم، مهنة معترفاً بها بين الإسرائيليين القدامى، ويعد الإسرائيليون المخابرات الإسرائيلية واحدة من أقدم منظمات الاستخبارات في العالم.
كما يعتبرون أن موسى عليه السلام أول من قام باعتماد التجسس على الأعداء قبل ملاقاتهم، حيث أرسل اثني عشر شخصاً للتجسس والاستطلاع على أرض “كنعان” فلسطين قبل دخولها، حيث وجههم قائلاً ” اصعدوا من هنا إلى الجنوب واصعدوا إلى الجبل، وانظروا الأرض، ما هي ؟ والشعب الساكن فيها أقوي هو أم ضعيف ؟ وقليل أم كثير ؟ وكيف هي الأرض التي هو ساكن فيها، أجيده أم رديئة ؟ وما هي المدن التي هو ساكن فيها، وتشددوا واتخذوا من ثمر الأرض. (ديكون، 1991 : 45-46)
ويؤمن الإسرائيليون أن جهازهم الفتي المعقد يدين كثيراً للماضي البعيد، منذ أن أرسل يوشع بن نون من شطيم رجلين جاسوسين سراً ليتجسسا على ملك أريحا آنذاك من أجل غزوها.
ولم يقتصر الأمر على استخدام الوسائل التقليدية في الجاسوسية، بل استخدم اليهود أقوى وأفتك سلاح في عالم الجاسوسية، وهو المرأة والجنس -وذلك حسب روايتهم- حيث علم (يوشع بن نون) أن ملك مدينة أريحا ضعيف أمام النساء، فكلف اثنين من أعوانه بمهمة التسلل إلى أريحا لإشباع نقطة الضعف لدى الملك، ومن ثم الانقضاض عليه من الداخل، فوقع خيارهما على رحاب الزانية ذات الجمال والحسن حيث تجاوبت معهما حالاً، وقبلت المهمة بصدر رحب، لأنها كانت أصلاً على استعداد ذاتي لمثل هذه المهمة، فانطلقت معهما إلى أريحا وتجولت حول قصر الملك فأعجب بها ودعاها إلى قصره، فطلبت أعوانها بحجة أنهم أقرباؤها وأولياء أمرها فلبى طلبها، وأقاما إلى جانبها في القصر يدبران المكيدة تلو المكيدة. (الجزائري، 1991 :426 )
والتجسس لدى اليهود، هو محط افتخارهم، بل ينسبون الفضل لأنفسهم بأنهم أول من نظم عمليات التجسس الناجحة في التاريخ منذ دخول مدينة أريحا عبر الزانية “رحاب” مروراً بتاريخهم الطويل في خدمة كل نظام عاشوا فيه بممارسة أعمال التجسس لصالح حاكم البلد ولو كان ذلك ضد أبنائه، وذلك تحت ذريعة حماية النفس، وتعد عمليات التجسس التي وقعت في ألمانيا، وأوروبا، وروسيا دليلاً واضحاً على هذا الدور، حيث امتازوا عن غيرهم في إتقان التجسس المزدوج.
التجسس في التاريخ الإسلامي:
قال المولى عزوجل تعالى: ” يَـا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِجتَنَبُوا كثيراً مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ، وَلاَ تَجَسَّسُوا،وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضَكُم بَعْضَاً “. (الحجرات: 12)
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَ كُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً. (ابن حجر العسقلاني،447 :348)
وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” كفى المرءِ كذباً أن يحدثَ بما سمع “.
وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” من أستمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب الإنك في أذنيه يوم القيامة “. (رواة البخاري)
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا معشر من أمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين، فضحه الله في قعر دارة”
وقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواسيس، فمنذ فجر الدعوة، ففي طريق هجرته من مكة إلى المدينة مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه استخدم عبد الله بن أبي بكر جاسوساً له في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله نهاره وأبي بكر،ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر”. (هارون، 130:1373)
وبعد الهجرة إلى المدينة، وتكوين الدولة الإسلامية بدأت المخاطر تزداد على المسلمين مما جعله صلى الله عليه وسلم، يستخدم أسلوب التجسس حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتاز بسعيه الحثيث، وحرصه الشديد على أن يعرف عن خصمه كل ما يستطيع. وقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم عيون في مكة يأتوه بأخبارها، ومنهم عمه العباس بن عبد المطلب وبشر بن سفيان الفنكي. (مناصره، 1991 : 124)
وقد أرسل له العباس بوقت خروج قريش لقتاله في أُحُد كما أعلمه بعدد قواتها، فأسرع حامل رسالة العباس وقطع المسافة في ثلاثة أيام، وكان العباس عم الرسول يرغب في الهجرة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب إليه: ” إن مقامك في مكة خير لنا “. (الدغمي، 1985 : 59)
ومن هذا الحرص على معرفة ما عند العدو وسبر غوره أنه ” كان عليه السلام يهتم باقتفاء أخبار العدو واستطلاع خباياهم، فكان يبعث العيون ليأتوه بخبرهم، فقد أرسل عبد الله بن جحش سنة اثنتين للهجرة في اثني عشر مهاجراً بعد أن دفع إليه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما مضى اليومان نظر عبد الله فإذا فيه ” إذا نظرت إلى كتابي هذا فأمض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد لنا قريشاً، وتعلم لنا من أخبارها.(نوفل، 1983 :110)
وفي غزوة بدر بعث صلى الله عليه وسلم بضعة عشرة عيناً يتجسسون له، ولم يكتف بهذا بل بعث رجلين يتجسسان له الأخبار عن عير قريش، وهما ” بسبس بن الجهني وعدي بن الزغباء الجهني” حيث أرسلهما إلى بدر يتجسسان له الأخبار، عن أبي سفيان بن حرب وغيره، ثم ارتحل وقدمهما.(هارون،1374: 156)
وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ هوازن وثقيف أرسل (عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي) ليأتيه بالمعلومات اللازمة، فدخل فيهم، وعرف ما أجمعوا عليه، وسمع من مالك بن عوف قائد هوازن، ثم جاء إلى رسول الله يخبره بالخبر.
وفي غزوة الخندق، جاء (نعيم بن مسعود) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه أن يكلفه بأي عمل يقوم به ضد المشركين، حيث أن قومه لا يعلمون بإسلامه، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم ” مرني بما شئت ” فقال صلى الله عليه وسلم ” إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا. (الدغمي، 1985 :59-70)
وعندما اشتد الكرب في غزوة الأحزاب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان للتجسس في صفوف العدو، وقال له: إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم، وفعلاً ذهب حذيفة ودخل صفوفهم واسترق السمع عليهم، وجاء بخبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (أيوب،1977 :264)
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير: (أنا) قالها ثلاثاً، ويجيبه الزبير، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إنّ لكل نبي حواريين وأن حواري الزبير، رواه الشيخان. (ناصف، 1932 : 402)
واستمر الصحابة و التابعون من بعده صلى الله عليه وسلم يهتمون في حروبهم مع أعدائهم بالعمل التجسسي لصالح المسلمين .
وليس أبلغ في ذلك من وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقائد جيشه في مصر التي يقول فيها: ابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم قوة لهم على استعمالهم الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان فإن أحداً منهم بسط يده إلى خيانة، اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه. (مناصره،1991: 186)
وبنفس القدر الذي حرص فيه الإسلام على استخدام الجواسيس والعيون ضد الأعداء عمل على محاربة الجواسيس الذين يتجسسون لصالح الأعداء ضد أوطانهم وبلدانهم.
وقد طالب عمر بن الخطاب بقتل حاطب بن أبي بلتعه لقيامه بالتجسس لصالح العدو، ولم يشفع له إلا أنه من المقاتلين الأوائل، حيث شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر، ولأن فعله هذا كان فعلاً استثنائيا،ً ولم يكن أصلاً، أو ديدناً عنده. ولكنه عمل خطير، حيث لو أوصلت الجاسوسة الكتاب الى مكة، لكان يحتمل أن تراق دماء كثيرة في هذا الطريق، وهذا يدل على أهمية دور الأجهزة الجاسوسية أو الأمن المضاد في تحديد مصير مجتمع وأمة بكاملها “. (مركزآل البيت، 2003، أنترنت)
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل أحد العملاء الذين قاموا بالتجسس لحساب العدو، فعن سلمه بن الأكوع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر فجلس مع أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: اطلبوه فاقتلوه، فقتلته، فنفلني سلبه” رواه البخاري وأبو داود. (ناصف، 1932: 401)
التجسس في القرون الوسطى:
استخدم القائد المغولي (سوبوتاي) في القرن الثالث عشر الميلادي، الرجال والنساء والأطفال ليخترق بهم قوات أعدائه وجيوشهم لجمع المعلومات، وكان نادراً ما يهزم عسكرياً. ويعزي انتصاراته إلى التجسس، وليس إلى البسالة أو الشجاعة العسكرية.
وكانت جيوش أعداء (هرناندو كورتيس) المستكشف الأسباني (148–1547) الذي غزا المكسيك عام 1519 تفوقه عدداً وعدةً بصفة دائمة، ولذا شعر أن الجاسوسية أمر أساسي لكسب الحرب ضد المكسيك، فاستعمل الجواسيس في حربه.
أما في النصف الغربي من الكرة الأرضية، فإن أهل (الأنكاس) و (المايانا) و (الأزتيك) استخدموا الجواسيس، ونتيجة لذلك عززوا من إمبراطوريتهم عسكرياً، واستخدم (هرناندو كورتيس) الجواسيس سواء من الهنود أو الأسبان لتحسين معرفته بالاتجاهات والنوايا التي يضمرها حاكم الأزتيك (مونيتزوما).
ويكشف التاريخ عن الحكام الآسيويين وحكام منطقة الشرق الأوسط والهنود الحمر أنهم أعطوا كذلك للمخابرات والجاسوسية الأولوية المطلقة.
وفي القرون الوسطى في أوروبا كانوا لا يعرفون الكثير عن أواسط وشرق آسيا إلا أنه بعد ذلك، استخدم الزعماء الأوروبيين الجاسوسية، وعدوها سياسة مقبولة لوزارات الخارجية داخل حكوماتهم.
وتضاعفت عمليات التجسس والمؤامرات والمهمات التخريبية على نطاق واسع إبان عهد (ليوناردو فيتشي) و(ميكيافيلي) والبابوية في عصر النهضة.(اللجنة، 1993: 15)
وفي القرن السادس عشر ظهر في البندقية (فينيسيا) نشاط تجسسي، وكانت تعد في ذلك الوقت، أحسن منظمة للتجسس في العالم، وتمت فيها أفضل العمليات التجسسية التي حصلت في أوروبا إبان ذلك الوقت. (هاتون، 1990: 5)
وفي القرن السادس عشر أيضاً، طور السير فرانسيس والسنجهام وزير خارجية الملكة اليزابيث ملكة إنجلترا شبكة من عشرات العملاء والجواسيس في الخارج، وأرسل بهم عبر أوروبا والشرق الأوسط، وقد استخدمت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا العملاء والجواسيس لتثبيت أركانها، وكان هؤلاء العملاء يكتبون التقارير عن شؤون ومسائل مثل العقيدة والتبرعات المالية والطاعة والامتثال للأوامر البابوية.
وفي عهد ديوان ومحكمة التفتيش الكاثوليكية التي نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت مهامها اكتشاف ومعاقبة الهراقطة، كان الجواسيس من الفاتيكان يكتبون التقارير عن الهراقطة، وازدهرت مرحلة الإصلاح البروتستانتية، ازدهرت وظيفة جواسيس البابوية الكاثوليكية.
وفي فرنسا أبان القرن السابع عشر، كان الكاردينال ” ريتشيليو ” يقرب جواسيسه في الفاتيكان ليعملوا لحسابه داخل الفاتيكان وإنجلترا.(اللجنة، 1993: 17-26)
ويقال أن نابليون أفاد أثناء حكمه من جواسيسه – وحصل على معلومات خطيرة عن جيوش أعدائه بواسطتهم قبل أن يتقدم لمنازلتهم وتفريقهم.
التجسس اليهودي في الغرب:
وقد نشط التجسس أثناء الحرب العالمية الثانية بين دول المحور وأهمها ألمانيا، وبين دول التحالف وخاصة بريطانيا وفرنسا، والتي برع كل جانب فيها بشكل كبير جداً. وقد كان لليهود دور كبير في عمليات التجسس بين الدول في أوروبا، مما شكل ضدهم الرفض وعدم القبول من قبل هذه المجتمعات، وهذا ليس بمنأى عن طبيعتهم وجبلتهم، حيث اتصف اليهود بالبراعة في فن التجسس والتعامل عبر تاريخهم الطويل، كما امتاز الجواسيس والعملاء منهم بروح الغدر والخيانة وعدم الأخلاق، من أجل إصابة أي هدف يريدوا أن يحققوه، حيث كان لهم دور نشط في أغلب عمليات التجسس في أوروبا في القرن الحالي، وقد عمل بعضهم جواسيس مزدوجين، وأحياناً عملاء لثلاث جهات، مستخدمين التجسس مهنة، وليس دعوة وطنية. (ديكون،1991: 53)
ولكن الأمر الأغرب حتى أن الحليف الإستراتيجي الأكبر لإسرائيل -الولايات المتحدة- لم تسلم من عمليات التجسس من قبل الموساد الإسرائيلي، حيث بادر رجال الموساد ومنذ بداية العلاقة مع وكالة المخابرات المركزية إلى التنصت على مسئولين في الإدارة الأمريكية، وتسجيل أحاديثهم لابتزازهم من أجل الحصول على معلومات فنية حساسة منهم، وهذا ما كشفت عنه وثائق السفارة الأمريكية في طهران التي استولى عليها رجال الحرس الثوري الإسلامي بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي من ضمنها وثيقة تبين أن المخابرات الأمريكية اكتشفت ميكروفونات سرية عام 1954 في مكتب السفير الأمريكي بتل أبيب، وكذلك أجهزة تنصت في مكتب الملحق العسكري عام 1956، وذلك على الرغم من توصل جهازا المخابرات الإسرائيلي والأمريكي خلال عهد (عيزرا هاريل–ودالاس) لاتفاق يقضي بحظر الأنشطة السرية لأحدهما ضد الآخر، إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع عملاء الموساد في أمريكا -العاملين في وحدة التجسس الإسرائيلية في أمريكا والتي تسمى ميغا- من القيام بجمع المعلومات عن شخصيات ومؤسسات أمريكية والعديد من الأنشطة من وراء ظهر وكالة المخابرات المركزية، مثل سرقة وثائق شركات ومؤسسات أمريكية، كان أبرزها سرقة وثائق مكنتها من الحصول على عطاء طائرات استطلاع أمريكية تطير بدون طيار، وذلك بعد تخفيض عطائها بقيمة ما كانت ستنفقه على هذه الأبحاث المسروقة. (شهيب،2002: إنترنت)
العمق المكاني لظاهرة التجسس والتعامل:
إن التجسس والتعامل، والاحتلال صنوان لا ينفصلان، فأينما وجد احتلال أجنبي لبلد ما، لا بد من وجود التعامل والعملاء من أهل المناطق المحتلة. فالتعامل من حيث الموقع والمكان، يتعلق وجوده بوجود الاحتلال، فمتى وجد الاحتلال زمانياً، فإنه يوجد مكانياً، وإن اختلف هذا الوجود شكلاً ومضموناً من مجتمع إلى آخر، ومن بلد لآخر.
وتزداد عمليات التجسس والتعامل في حجمها، عندما يتمكن العدو من احتلال الطرف الآخر، حيث يتحول التعامل من عمل فردي شاذ وقليل لا يشكل بمجموعة ظاهرة اجتماعيه مؤرقة للمجتمع. إلى ظاهرة اجتماعية تمثل مشكلة اجتماعيه تقلقه وتؤرقه. الواقع يؤكد أن التعامل مع الأعداء لا يمكن أن يتحول لظاهرة إلا في ظل الاحتلال، حيث تنشط عمليات التجسس والتعاون، وتدعم من قبل المحتل. -ذلك بخلاف الظواهر الاجتماعية الأخرى، التي تعتبر انعكاساً للواقع الاجتماعي الذي يحياه المجموع، حيث تتطور فيه الظاهرة بشكل طبيعي، ووفق تطور العلاقات الداخلية للمجتمع- والظواهر الاجتماعية بشكل عام بغض النظر عن طبيعة منشأها، إما أن تكون إيجابية أو سلبية، والمجتمع الواعي والمقتدر، يطور الظواهر الايجابيه، ويطوق الآثار السلبية لها، أو يوجهها ضمن سلوكيات محمودة. ولكن عندما يفشل في حل إشكاليات هذه الظاهرة، فإنها تتحول إلى مشكلة اجتماعية، ربما تتطور سلباً فتتحول إلي أزمة يستعصي حلها، مما قد يولد كوارث اجتماعيه لا تحمد عقباها.
وهذا ما يخطط له العقل الاستخباري الإسرائيلي جيداً، حيث برع في خلق المناخ والأرضية اللازمة للتعامل بما يمتلكه من السيطرة على بعض العوامل الكامنة، التي يوظفها للانحدار في الانحراف نحو العمالة والجريمة، وأبرزها المواقف الضاغطة التي يستغلها لابتزاز الأفراد وربطهم به والتعامل معه.
التجسس والتعامل في فلسطين إبان الاحتلال البريطاني:
ارتبطت ظاهرة التعامل مع الاحتلال البريطاني في فلسطين بدخول الاستعمار البريطاني إلى فلسطين. ومنذ البداية حدد دوره باتجاهين: تثبيت سياسة فرق تسد وتمزيق بنية الشعب الفلسطيني، وتكريس تناقضاته. وتثبيت المشروع الاستعماري الصهيوني على الأرض الفلسطينية.
لذلك عمل منذ اللحظه الأولى على تسخير اليهود لأعمال الجاسوسية في فلسطين، من أجل خدمة مخططاتهم الإستعمارية، وكانت كبرى هذه الأعمال قيام عائلة (أرون أرنسون) اليهودية بإنشاء شبكه تجسسية في محطة بث تجريبية في عتليت على الساحل الفلسطينيي، وعبر ذلك كانوا يكتسبون تدريباً متواصلاً ويحرزون خبرة عالية في التجسس الذي أصبح ذا قيمة هائلة لهم حين أقيمت إسرائيل، وجعلهم بذلك يحرزون تقدماً سريعاً في هذا المجال. حيث يقول ديكون “لولا الفيلق الصلب من رجال المخابرات الإسرائيلية العاملين من أجل الصهيونية لما ظهرت إسرائيل في الوجود. (ديكون،1991: 26-53)
وكذلك عمل وفق هذا المنطق على خلق دعم ومساندة له من بعض الشرائح والطبقات الاجتماعية، وبعض الأحزاب والمؤسسات، وكانت طبقة البرجوازية الإقطاعية، هي الشريحة المتعاونة مع الاحتلال، وعلى هذه الأرضية نبتت أول شجرة للعملاء والمتعاونين الذين شكل السماسرة، والوجهاء، وباعة الأراضي، أهم ملامحها، وإلى جانب هذه الطبقة أفلح الاحتلال البريطاني، في خلق أحزاب وقيادات لصيقة له ارتبط مصيرها بمصيره، وبدأت تأخذ دورها في تشويه سمعة الثورة الفلسطينية، وقد شكلت ظاهرة المتعاونين تاريخياً خنجراً مسموماً في ظهر الشعب والثورة، الأمر الذي أدى إلى بروز ظاهرة الاغتيالات السياسية التي كانت موجهة إلى عملاء المخابرات البريطانية، وإلى الذين تعاونوا مع البوليس البريطاني. (البيومي، 1994 : 13)
مما حدا بالقسام ورجاله ملاحقة العملاء الذين يتعاملون مع الإنجليز واليهود، جنباً إلى جنب في حربهم العسكرية ضد القوات العسكرية البريطانية والصهيونية، وعُرف من العملاء الذين تم تصفيتهم (حليم سبطه، وأحمد نايف، ومحمد العصفوري من حيفا، ويوسف جليلة من عرابة وسليم فرج من يافا، وآخرون. (حموده، 1985 : 118)
وبفعل هؤلاء وأمثالهم أفلح المحتل البريطاني في تمزيق الشعب الفلسطيني، وتحطيم وحدته، حيث أنه في الوقت الذي كان فيه القسام ورجاله يوجهون الرصاص للإنجليز والصهاينة على حد سواء، كان خط الوجهاء والمتعاونين مفتوحاً على المحتل البريطاني يشكل معه أداة قمع للشعب والجماهير.
إسرائيل دولة التجسس والتعامل :
إن الإسرائيليين مولعون، بل ويتباهون بممارسة الأعمال التجسسية، حيث يصف (إسحاق شامير) رئيس حكومة إسرائيلي سابق، أيام عمله التجسسي بقوله: ” لقد كانت أيامي في الموساد هي من أسعد أوقات حياتي”، وعملياً بعد أن ترك هذا العالم الذي يعمل في الخفاء والذي قضى فيه معظم شبابه، بقى على علاقة طيبة بزملائه القدامى في الموساد رغم تركه إياهم. (كوكريدج،1993، 193)
لذلك شكل التجسس بالنسبة لإسرائيل برنامجاً استراتيجيًّاً منذ نشأتها عام 1948، وقد استفاد الاحتلال الإسرائيلي من ذراع المخابرات لمنظمة “الهاغاناه” السرية العسكرية التي قادت الإرهاب اليهودي ضد الشعب الفلسطيني أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث قرر بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني – بعد الإعلان عن الدولة العبرية بأسابيع قليلة – الاستفادة فوراً من ذراع ” الهاغاناه” السري المسمى “شاي”، لتشكيل نواة لإعداد وتأسيس جهاز استخبارات.
وقد بدأ الاهتمام بالعمل التجسسي للحركة الصهيونية، بإنشاء نواة الأجهزة الأمنية باعتبارها أحد ركائز المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة الدولة اليهودية، ويمكن القول إن الاهتمام الصهيوني بذلك النشاط قد فاق بكثير النشاطات الموازية على هذا الصعيد في الدول الأخرى المجاورة، باعتبار أن الحصول على المعلومات السياسية والاقتصادية والعسكرية، واختراق الأجهزة الموازية في الدوائر المحيطة بفلسطين، أمراً حيوياً وضرورياً لإنجاح المشروع الصهيوني، وخاصة على صعيد استجلاب المهاجرين اليهود عبر الدول العربية إلى فلسطين، كما كانت الأجهزة الأمنية حيوية وضرورية للحفاظ على الأمن الداخلي للمشروع ومؤسساته. (الجزائرى،1992: 17)
وتعتبر الاستخبارات الإسرائيلية هي الاستخبارات الوحيدة التي قامت قبل قيام الدولة بنصف قرن، وكان هدف الصهاينة من تأسيسها تلبية طموحهم في اغتصاب فلسطين، حيث بدأوا تأسيس التنظيمات السرية على هامش المنظمات الإرهابية مثل الهاجاناة التي نظمت أول مدرسة لإعداد ضباط الاستخبارات في عام 1921، وسمت جهازها الأمني باسم (شاي) وفي عام 1937 وخلال اجتماع ضم قادة الهاجاناة وقائد جهاز (شاي) وبعض قادة فرق العمل تم الاتفاق على تأسيس الموساد، وتم تكليف “عزرا دافين” بتنظيم الموساد لمواجهة الفلسطينيين والدول العربية الأخرى، فكان “دافين” أول من وضع أسس جمع وتحليل المعلومات والاستفادة منها، وأساليب التجسس والعمليات الخاصة وزرع العملاء. وتقوم السياسة الإستخباراتية الإسرائيلية على ثلاث أجهزة هي: (الشاباك-الشين بيت، وهو جهاز الأمن الداخلي، وأمان وهو جهاز الاستخبارات العسكرية، والموساد وهو جهاز للاستخبارات الخارجية. (البيان،2003: إنترنت)
أ) جهاز الموساد:
وهو معني بعمليات التجسس الخارجية والعسكرية، كما يدير فرعاً لاستخلاص المعلومات من النشرات العلنية، والدراسات الأكاديمية الاستراتيجية، والمجلات والصحف التي تصدر في أنحاء العالم، ومن مهماته وضع تقييم للموقف السياسي والاقتصادي العربي، واقتراح الخطط لضرب الاقتصاد والسياسة العربية.
ولو تتبعنا أنشطة الموساد الإسرائيلي منذ إنشائه وحتى يومنا هذا نرى أن هذا الجهاز الإستخباراتي ارتبط اسمه منذ إنشائه بسلسلة طويلة جداً من الجرائم والمؤامرات التي طالت ليس الدول العربية فقط وإنما دولاً أخرى عديدة، إلا أن أكثف النشاطات الإستخباراتية والجرائم التي قامت بها الموساد الصهيونية تركزت بشكل أساسي ضد الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية تحديداً. (البيان،2001: انترنت)
وقد تمثلت مهام جهاز الموساد الاسرائيلي في البداية في: (تنظيم الهجرة الى فلسطين وتسهيلها، والحصول على السلاح وتوزيعه على الصهاينة. والحصول على معلومات عن الفلسطينيين والإنجليز معاً).
ويعتبر جهاز الموساد منذ نشأته من أهم الأجهزة وهو يتولى عملياً جمع المعلومات في شتى المجالات ،السياسية، الاقتصادية، والعسكرية، ويقوم بإعداد الكوادر للعمل في الخارج وله مكاتب تجارية كسواتر أمنية، وعلى رأسه لجنة عليا تنسق عمل الأجهزة المختلفة وتخضع لإشراف مباشر من رئيس الوزراء. (البيان،2001: انترنت)
ب) جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان):
وهو تابع لوزارة الحرب الإسرائيلية ويساعده أربعة أجهزة تابعة هي:
– جهاز الاستخبارات الخاص بالجيش
– جهاز الاستخبارات الخاص بسلاح الجو
– جهاز الاستخبارات الخاص بالبحرية
– جهاز مكافحة التجسس ورمزه (س إس).
أما مهمات أمان فعلى رأسها الحصول على كل المعلومات السرية عن القوات المسلحة العربية، وكذلك الحصول على معلومات تتعلق بالمقاومة الفلسطينية بشكل خاص.
ج) دائرة الأبحاث السياسية:
ترتبط هذه الدائرة بوزارة الخارجية ومهمتها تجنيد الدبلوماسيين الأجانب العاملين في إسرائيل، ومجال اهتمامها الأساسي هو السياسة الدولية.
د) مصلحة الأمن العام (الشين بيت-الشاباك):
وهي تتبع لوزارة الداخلية، وينحصر اهتمامها في الأراضي العربية المحتلة، وهي تقوم بإجراء مسح سياسي شامل لمعرفة ميول وأهواء العرب داخل الكيان الصهيوني، ولها عملاء في الفنادق والجامعات ودوائر البريد والهاتف والموانىء ومختلف المرافق العامة. (البيان،2001: إنترنت)
التجسس الإسرائيلي ضد الدول العربية:
دخلت إسرائيل معركة الجاسوسية مع العرب بقصد العدوان والتعدي عليها، وفي سبيل هذا الغرض أطلقت جواسيسها داخل البلاد يجمعون لها الأسرار العسكرية والمعلومات التي تتعلق بالنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والاجتماعي للاحتلال الإسرائيلي، وهذا ليس عبثاً من جانب العدو، وإنما هو عمل مخابراتي أصيل، وهو عمل تخريبي يؤدي لنتائج خطيرة فيما لو أتيح للعدو الإسرائيلي استعمال هذه المعلومات. (الجزائري،1991 :482)
ومن هذا المنطلق بدأت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لولادتها تشحذ هممها وترسل الجواسيس والعملاء على الدول العربية، ولم تستثن أي دولة عربية من هذه العمليات، مما جعل أتون الحرب السرية بين المخابرات العربية والإسرائيلية تستعر وتشتد. وقد أفلحت المخابرات العربية في تفكيك أغلب هذه الشبكات في البلاد العربية.
ومن أهم العمليات التي نفذها جهاز الموساد في الدول العربية، على سبيل المثال:
ففي مصر: كان أبرز الجواسيس (بول فرانك) الذي جند من أجل القيام بعمليات تجنيد وإسقاط وتخريب داخل مصر، وهو الاسم الذي عُرف به هذا الجاسوس الإسرائيلي المحترف في مصر، وفي سجلات المباحث العامة، والذي من المؤكد أنه مجرد اسم مستعار فقط دخل به هذا الجاسوس إلى مصر، واستخدمه في جواز سفره الألماني، واغلب الظن أن اسمه (افري العاد) الإسرائيلي. (حموده، 1988: 101)
وقد اكتشفت أبرز الشبكات التجسسية الإسرائيلية “شبكة (سوزانا)” في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 6/10/1954، كما اكتشفت الطرود الملغومة المرسلة الى العلماء الألمان في مصر والتي أدت الى مقتل بعض العمال في سنة 1962 و1963، والتي ترأسها جاسوس ألماني إسرائيلي، يدعي (فولفجانج لوتز) الذي كانت أمه ممثلة يهودية تزوجت من ألماني يعمل مديرا لأحد المسارح، ثم هربت إلي فلسطين عام 1933. والتحق (لوتز) هناك بعصابات الهاجاناه، ووصل لرتبة ميجور في مخابرات وزارة الدفاع الاسرائيلية. وبسبب ملامحه الالمانية الأرية، أرسل للعمل كجاسوس بين العلماء الألمان في مصر. وقد إستغل الموساد أساليب الإبتزاز والإرهاب لإجبار المسئولين الألمان علي التعاون معهم. وتم تدريب (لوتز) في مؤسسة تابعة للمخابرات الألمانية. ثم سافر إلي مصر متنكرا في شخصية ألماني يتحدث اللغة العربية، واستأجر فيلا في ضاحية مصر الجديدة وتظاهر بأنه من هواة تربية الخيول العربية، وإنضم لعضوية نادي الفروسية في الجيزة. وعبر هذا الموقع، استطاع الدخول في صداقات عديدة مع هواة الخيول. ودخل في مجتمع الألمان الذين يقيمون في مصر، حيث كان ينفق عليهم بسخاء، ويقيم لهم الحفلات من أموال المخابرات الإسرائيلية. ونظرا لخبراته الهائلة في المجال العسكري، استطاع أن يزود الموساد بمعلومات خطيرة عن برامج الصواريخ المصرية. وعلى أثر ذلك، وفي مواجهة هذا الوضع، قررت أجهزة المخابرات الاسرائيلية عام 1962 تنفيذ عملية في مصر أطلق عليها اسم ” دامو كليس” تتمثل في تدبير اغتيالات وتفجيرات ضد العلماء الألمان في مصر. وتم ارسال خمسين خطاب تهديد لهؤلاء العلماء وبعد ذلك، بدأت شحنات الطرود الناسفة تنفجر في العلماء الألمان. وواصل لوتز عمله السري في مصر وهو يشعر بأنه في أمان تام لدرجة جعلته يتجاوز كل حدود الحيطة والحذر. ولكن عندما حصلت مصر علي بعض الأجهزة الإلكترونية المتقدمة من الاتحاد السوفييتي، تمكنت المخابرات المصرية من رصد رسائل الراديو التي كان (لوتز) يبعث بها لاسرائيل، وقد تم القبض عليه في عام 1965. (شهيب،2002: أنترنت)
وفي سوريا: وكان من أهم الجواسيس الاسرائيليين، (ايلي كوهين) المسمى (أمين ثابت) والذي ذهب إلى دمشق في كانون ثاني 1962، وكانت اوراقه المزيفة تقول أنه ولد في بيروت لابوين سوريين ثم هاجرت الاسرة كلها الى الارجنتين، حيث اشتغلوا بصناعة النسيج وأصبح رجل أعمال ناجح إلا أنه فضل أخيرا أن يعود إلى وطنه الأصلي سوريا.
ولكن الحقيقة التي لم تعلمها المخابرات السورية إلا بعد عدة سنوات، تقول بأنه يهودي الاصل، واسمه الحقيقي (الياهو بن شاؤول كوهين) وهو من مواليد الاسكندرية سنة 1928، وفي سنة 1949 هاجر أبواه وثلاثة أشقاء له إلى إسرائيل. وهذه القضيه ما أن تفجرت حتى كادت تطيح برؤوس الكثيرين من الشخصيات في سوريا، التي كانت تربطها علاقات حميمة بهذا الجاسوس. حيث نجح في بناء علاقات وصداقات رفيعة المستوى، ولتحقيق غرضه استأجر شقة في حي أم رمانة في دمشق، القريب من وزارة الدفاع السورية. ليرسل من هناك عبر اللاسلكي بالمعلومات التي يحصل عليها لإسرائيل أولاً بأول. (بن فورات، ودان،2002:أنترنت)
وفي العراق: كشف السلطات العراقية عام 1950م أبرز خليه تجسسيه إسرائيلية ارهابيه، حيث ألقت القنابل على المعابد والتجمعات اليهودية في العراق بهدف دفعهم الى الهجرة الى فلسطين المحتلة:
وفي عام 1966 جند الموساد بمساعدة من المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات التركية والإيرانية، ضابط طيار عراقي، وقام هذا الطيار ويدعي “منير روفة” بسرقة طائرة ميج 21 وإنزالها في فلسطين المحتلة.
وفي تاريخ 6/4/1979 قام الموساد بتدمير قلب المفاعل النووي قبل أن يشحن الى العراق كما قام باغتيال البروفيسور المصري “يحيى المشد” الذي كان يتولى الإشراف على الأبحاث النووية العراقية، وفي 30/9/1980 قامت طائرات العدو الصهيوني بقصف المفاعل النووي العراقي قبل أن يبدأ العمل به بيومين.
إن معركة التجسس بين إسرائيل والدول العربية ما زالت محتدمة حتى بعد توقيع معاهدات السلام من قبل بعض الدول العربية، ودليل ذلك اكتشاف شبكة التجسس التي نفذت محاولة الاغتيال التي تعرض لها “خالد مشعل” قائد حركة حماس في الأردن، رغم حالة السلام الموقعة بينهما. وكذلك شبكة عزام عزام التجسسية في مصر.
وكذلك عملية تهريب يهود الفلاشا بالتعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية السي آي إيه. هذا بالإضافة الى العديد من نشاطات الموساد التي شملت كلا من اليمن وتونس والمغرب العربي. (البيان، 2003: انترنت)
لذلك نستطيع أن نجزم القول بأن دولة إسرائيل التي أقيمت على الأرض الفلسطينيه المحتلة بالقوة والارهاب منذ اغتصابها عام 1948 وحتى تاريخه، هي دولة تجسس وتعامل، حيث لم تقم بعمل من أعمالها العدوانيه إلا وكانت المخابرات الإسرائيلية من ورائها، ويُظهر هذا من الواقع التجسسي لهذه الدولة، حيث بدأ الاهتمام بهذا الجانب، ونما وترعرع جنباً إلى جنب، مع الصراعات والحروب العسكرية التي خاضها هذا الكيان. (الجزائري،1991 :425 )
أهمية العملاء للكيان الصهيوني:
يعتبر (مناحيم لانداو) -مدير القسم العربي في المخابرات الإسرائيلية الداخلية الشاباك- ” إن أهمية العملاء تتمثل في تسهيل حسم المواجهة على الجيش الإسرائيلي بأقل عدد من الخسائر في الجانب الإسرائيلي، وبدونهم لا يمكننا أن ننجز شيئاً في حربنا ضد الارهاب، مساهمتهم في هذه الحرب كبيرة جداً، وليس بإمكاننا ولو للحظة أن نستغني عن الخدمات التي يقدموها لنا. إن المعلومة الاستخبارية لا تمكن فقط الجيش الإسرائيلي من تحديد الجهات التي تستحق العمل العسكري ضدها، بل تساهم أيضاً في تحديد الظرف الأفضل لإنجاح هذه العمليات. وإنه على الرغم من التطور الكبير في مجال التقنيات الإلكترونية وما تركه من أثر إيجابي في مجال العمل الاستخباري، فان العملاء يظلون هم المصدر الأهم والأوثق في جمع المعلومات الاستخبارية التي يسهل تحليلها وتفسيرها بأقل درجة من الخطأ “.
أما يوحنان تورجمان – أحد قادة المخابرات الإسرائيلية المتقاعدين – فيشير الى أن إسقاط أكبر عدد من الفلسطينيين لصالح المخابرات الإسرائيلية ليس حيوياً فقط في توفير المعلومات لها، بل أن تجنيد العملاء يساهم في المس بمعنويات القوى والشارع الفلسطيني بشكل عام. كما يقول أيضاً: “انه حتى عندما تنجح الجهات الفلسطينية أو العربية في كشف أمر عميل ما، فان الكشف عن هذا العميل يظهر مدى سطوة إسرائيل وقدرتها على التغلغل داخل الأوساط الفلسطينية والعربية بالشكل الذي يخدم مصالحها، وهذا ما يؤثر على معنويات الجمهور العربي والفلسطيني “.
ويشير الجنرال (شلومو جازيت) – رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق- الى أن إسرائيل عملت منذ اليوم الأول لاحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، اثر حرب الأيام الستة على تجنيد اكبر عدد من الفلسطينيين، للعمل كمخبرين لصالح جهاز مخابراتها. ويشير أيضا الى أن إسرائيل استغلت حقيقة سيطرتها على كل مناحي الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من اجل ابتزاز الفلسطينيين وإجبارهم على التعامل مع مخابراتها. (اسلام أون لاين،2001: انترنت)
الواقع الأمني في المناطق الفلسطينية المحتلة:
قامت السياسة الأمنيه في المناق الفلسطينيه المحتله، على قاعدة التعامل مع السكان وفق سياسة العصا والجزره، وقد بين هذه السياسه -المتمثله في المسلمات الرئيسية للسلطات الاسرائيليه لمواجهة مقاومة الحكم الإسرائيلي- الميجر جنرال احتياط (شلومو غازيت) -أول منسق لنشاطات الحكومة في المناطق- بقوله: ” إن السياسة التي نشأت كانت موجهة لخلق حالة يكون للسكان لهم فيها شيئاً يفتقدوه، حالة يكون الخطر المؤثر هو إلغاء للفوائد “.
وأكد ذلك وزير الدفاع الاسرائيلي أنذاك (موشي ديان) بتاريخ 15 نوفمبر 1967م خلال مناقشة جرت في وزارة الدفاع بقولة: ” دعوا الفرد الفلسطيني يعرف أن هناك شيئاً يخسره، بيته قد يفجر، ومن الممكن سحب رخصة قيادة الحافلة. ولكنه بالمقابل يستطيع العيش بكرامة، ويكسب المال، ويستغل العرب الآخرين، وان يسافر بحافلته “.
لذلك استغلت اسرائيل منذ اللحظة الأولى لإحتلال المناطق، كل أذرعها العسكرية والأمنية والمدنية في بسط سيطرتها على المناطق، باعتبارها القوة الحاكمة، وهي المسؤولة عن تقديم مختلف الخدمات للسكان. حيث كانت الإدارة المدنية هي المسؤولة عن أغلب الخدمات، وفي نفس الوقت تعمل كذراع لمؤسسة الأمن قي ابتزاز السكان.
وقد برز أثر هذه السياسة واضحاً على السكان، خاصه الذين قاموا بتقديم تصاريح لجمع شمل العائلات، وكانت هذه المشكله من أكثر المشاكل المؤلمة التي تواجههم. حيث وجدت العديد من العائلات الفلسطينية بعد حرب 1967 نفسها موزعة بين المناطق المحتلة من قبل الجيش الإسرائيلي، وبين الدول العربية المجاورة، وخلال سنوات الاحتلال فإن العديد من الفلسطينيين فقدوا حق الإقامة وأحياناً بسبب الغياب القسري عن المناطق، وكان على الفلسطينيين المقيمين خارج المناطق الذين لهم أقارب في المناطق ويرغبون في استئناف أو معاودة إقامتهم، تعبئة استمارة لجمع شمل العائلات بشكل مكلف وعملية طويلة، ولم تقم السلطات الإسرائيلية بتحديد مقياس لمثل هذه الطلبات، حيث تستطيع قبول أو رفض الطلبات بدون تقديم أي توضيح، حيث لم تسمح السياسة الرسمية إلا لبعض الحالات الاستثنائية، التي وصفت بأنها بناء على توصيات واعتبارات حكومية . أما أغلب الموافقات فكانت تعتمد على رؤية سلطات الأمن العام الاسرائيلي، حيث تعتبر ضمان هذه الخدمات، مشروطاً بالموافقة على التعامل مع السلطات الاسرائيليه، إلى جانب فوائد خاصة أخرى، مما أدى في بعض الحالات إلى سقوط بعض الأفراد في العمالة، نزولاً تحت تحقيق هذه الرغبة الجامحه، أو الحاجة الملحه.
خطر العملاء على المجتمع الفلسطيني:
حاول الاحتلال الإسرائيلي منذ بدايته، بسط سيطرته على الأرض الفلسطينية، وعلى السكان أيضاً، وذلك لمحاولة منع أي أعمال تمس أمن إسرائيل، وكرد طبيعي وشرعي للاحتلال الإسرائيلي للمناطق وُجِدَت المقاومة السياسية وغير السياسية من جماعات وأفراد فلسطينيين، مما دفع اليهود لتشكيل شبكة من العملاء بين السكان الفلسطينيين من أجل مجابهة هذه المقاومة واجتثاثها، وذلك عبر تدعيم الارتباط الاستخباري بين العناصر المحلية وبين جهاز “الشين بيت ” بوسائل الإغراء المادي، أو باستخدام القوة والتهديد، أو بأي شكل من الأِشكال الأخرى، التي ينتج عنها نوع من الارتباط بين المواطن، وجهاز الاستخبارات العامة. (أبوهين،1993: 2)
وبذلك تحددت المهمة الأهم لهذه الأجهزة، وهي مراقبة فلسطيني المناطق المحتلة في الضفة الغربية وغزة، والحيلولة دون نجاحهم في تنظيم ثورات ضد الاحتلال. وبناءً على ذلك نشط “الشين بيت” في تجنيد المخبرين من الفلسطينيين لجمع المعلومات عن الفصائل الفلسطينية في مختلف المدن والقرى الفلسطينية.
وقد شكلت سياسة تجنيد بعض الأشخاص لخدمة مصالحه، بسحبهم من الصف الوطني، وزرعهم في جسم الشعب الفلسطيني كخلايا سرطانية على جميع المستويات، والجبهات، وداخل كل الشرائح والفئات الاجتماعية، أبرز سياسات التخريب التي مارسها الاحتلال منذ البداية وحتى الآن في أرض الوطن.
ولم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بالضغط على الناس باستغلال حاجاتهم مباشرة، بل فتحت المجال لعملائها أيضاً بابتزاز الناس للاستفادة المادية منهم، ومن خلال هذا النشاط أقام الكثيرون من العملاء علاقات مكشوفة مع موظفي الحكومة العسكرية، وجهاز الأمن العام. (بتسيلم،1993: 3)
وحتى بداية الانتفاضة الأولى أقام الكثير من العملاء علاقات مكشوفة مع موظفي الحكومة العسكرية وجهاز الأمن العام، مثل هذه الروابط كانت مصدراً للقوة والتأثير، وفي بعض الحالات كانتا مصدراً مهماً للدخل، حيث أن الكثير من السكان يحتاجون لموافقات من السلطات، يقومون بدفع مبالغ كبيرة للعملاء كوسيط ضاغط لصالحهم عند الإدارة المدنية وجهاز الأمن العام الاسرائيلي.
ولكن اندلاع الانتفاضة الأولى خلق تغيراً هاماً وعميقاً في تعامل الجمهور الفلسطيني تجاه العملاء، وتم إصدار أوامر باستقالة رجال الشرطة والإدارة المدنية، وأصبح كل فرد يقيم علاقات مع الإدارة الإسرائيلية مقاطعاً بشكل كبير ومتزايد من قبل الجمهور، وبدأ نشطاء الانتفاضة بتخصيص جزءاً كبيراً من أنشطتهم موجهاً ضد العملاء، لذلك كان هناك تزايداً ملحوظاً في قتل المشتبه بتعاملهم في السنوات الأخيرة من الانتفاضة.
إن الشارع الفلسطيني لم يشعر قبل انتفاضة 1987 بثقل الخطر الذي يمثله العملاء، بل كان بعض المواطنين يتوجهون اليهم لمساعدتهم في الحصول على تسهيلات حياتية تخصهم، مثل تصاريح الزيارة لأقاربهم الذين يعيشون في الخارج، وبعضهم بالحاجة لهم لتصريف الأمور الحياتية اليومية، إلا أن ما قام به العملاء في الانتفاضة منذ الأيام الأولى لانطلاقها سلَّط الأضواء الكاشفة على الدور الخطير الذي يقوم به هؤلاء في المجتمع الفلسطيني؛ كونهم يشكلون خنجراً مسموماً يطعن ظهر الشرفاء الذين يقاومون الاحتلال، ويشيعون أجواء الإحباط والتثبيط في أوساط الفلسطينيين، وقد استفاق الفلسطينيون في كل قرية ومخيم ومدينة على عشرات العملاء الموجودين بينهم، والذين كشروا عن أنيابهم من خلال التقارير التي كانوا يرسلونها إلى العدو، وتؤدي إلى اعتقال ومطاردة وقتل النشطاء الفلسطينيين المشاركين في الانتفاضة.
وخطورة العملاء تمثَّلت بأبشع صورها في مجموعات شاركت مع الوحدات الخاصة الاسرائيليه في تصفية المقاومين الفلسطينيين، الأمر الذي دفع بالفصائل الفلسطينية إلى جعل تصفية هؤلاء العملاء على أولويات أجندة العمل الوطني المقاوم، لأنهم يشكِّلون حالة أخطر على المجتمع الفلسطيني من الاحتلال نفسه، تماماً كما شكل المنافقون في عهد النبوة خطراً على الدولة الإسلامية فاق خطر الكفار الحقيقيين الذين كان كفرهم ظاهرًا للعيان. وحرصت فصائل العمل الوطني على التثبت من عمالة المتهم قبل تنفيذ الحكم فيه والذي لم يكن بالضرورة الإعدام والتصفية. (أبو دياك، 2001: انترنت)
ولكن برغم ذلك كله، وبرغم هذه السنين الطوال من عمر الإحتلال، فإن جهاز المخابرات الإسرائيلي لم يفلح في خلق تجمعاً خاصاً بالعملاء، كما أفلح من قبل الاحتلال النازي في أوروبا من خلق بعض الحكام المحليين المتعاونين معه، وكما أفلح الاحتلال البريطاني في فلسطين بإنشاء بعض القادة والأحزاب التابعة له، وكما أفلح هذا العدو في خلق تجمعاً عميلاً له في جنوب لبنان –رغم محاولة إنشاء روابط القرى الفاشلة- حيث كان الفشل قريناً لكل هذه المحاولات، وذلك بسبب العمق الحضاري الذي يفصل المسلمين عن اليهود، وبسب التجذر الديني والوطني لفلسطين في قلوب أبنائها، لذلك لم يسجل في تاريخ فلسطين أن تعامل أحدُ، على أساس ديني أو أيدلوجي أو مذهبي مع العدو الصهيوني، وهذا يعني أن هذه الظاهرة، وإن شكلت كماً لا بأس به على المستوى الفردي، إلا أنها لم تتحول لتجمع تتجذر وجدانياً وعقلياً لدى
حجم ظاهرة التعامل في فلسطين:
من الضروري قبل مناقشة أي ظاهرة أو مشكلة اجتماعية وإخضاعها للبحث والدراسة، من الوقوف على حجمها. ومن أجل ذلك لا بد من مناقشة حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي وفق ما توفر من معلومات وبيانات وذلك رغم الضبابية في تحديد حجمها الحقيقي.
فعلى صعيد الإحصائيات الرسمية لحجم هذه الظاهرة فإنها تكاد تكون معدومة. حيث لم تصدر حتى الآن إحصائيات رسمية معتمده، من أي جانب رسمي، سواء أكان فلسطينياً أو إسرائيلياً. (عباس،2000: 73)
كما لم يذكر أي مرجع إسرائيلي معتمد عدداً محدداً للعملاء، وإنما هناك تقديرات غير رسمية صدرت في بعض الكتب والمراجع. فعلى سبيل المثال يقدر (روني شاكد ) في جريدة يدعوت أحرنوت، عدد المتعاونين ما بين أربعة آلاف ـ عشرة آلاف متعاون. (أبو نجيله،1998: 40)
أما (يوسي ميلمان، ودان رافيف) -من جهاز الشين بيت الاسرائيلي، فيعتبرا بشكل عام أن مخبري جهاز “الشين بيت” المعروفين يبلغون آلافاً من فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث قالا: ” بأن الجهد الذي بذل في التجنيد من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، قد أدى إلى نشر آلاف المخبرين في المجتمع الفلسطيني، من عمال المصانع حتى المثقفين. (ميلمان، رافيف، 1991 : 336)
أما منظمة “بتسيلم” فإنها في تقريرها الصادر عام 1993 ، فقد أوردت بأنه قد عملت عدة أجهزة لإجبار الفلسطينيين على التعامل معها، ومن أهم هذه الأجهزة الشاباك والإدارة المدنية والشرطة، والعاملون معها يعملون بصورة سرية أو علنية. وإنه حسب تقديرات مختلفة، يعمل في هذه المناطق آلاف العملاء وغالبيتهم عملاء سريين. ولم يذكر في التقرير عدد المتعاونين مع الاحتلال، ولكنه حصر الذين قتلتهم المنظمات الفلسطينية بتهمة التعاون مع المخابرات الإسرائيلية في الإنتفاضة الأولى بـتسعمائة واثنين وأربعين شخصاً، وذلك حسب إفادة المتحدث الرسمي باسم جيش الدفاع الإسرائيلي. (بتسيلم، 1993 : 4)
كما أكد (فضل أبو هين) أنه لا توجد لدينا دراسات أو أرقام حقيقية عن حجم انتشار هذه المشكلة في الأراضي المحتلة، ولكن المتوفر حاليا هو عدد القتلى من الفلسطينيين بحجة التعاون مع السلطات الإسرائيلية، منذ بداية الانتفاضة الأولى، حتى عام 1993. (أبو هين،1993: 2)
كما أنه قد ورد في تقرير عن دراسة للجنة القضائية في الضفه الغربيه يقول فيه ” بأنة حسب المعلومات التقريبية لدينا فإن جهاز الأمن الوقائي وحده في منطقة الضفة الغربية قام باستدعاء ما يقرب من 2000 متهم بالتعامل مع السلطات الإسرائيلية. والموقوف منهم حتى منتصف شهر تموز 1996 حوالي 20 مشبوة فقط. وهم لا يزالون تحت التحقيق إلى حين الانتهاء منه، ثم يتم اتخاذ القرار المقتضي بحقهم. (اللجنة القانونية،1997: 14)
ولكن (عطا الله منصور) في مقال له نُشر في يناير 1994 بعنوان ” ظاهرة القتل للمتعاونين ” يقول: بوجود آلاف من المتعاونين المعروفين للشعب، الذين يعيشون داخل الأراضي المحتلة قبل عام 1948، حيث يواجه المحتلون مشكلة إستيعاب هؤلاء العملاء وعائلاتهم، والبالغ عددهم خمسين ألف متعاون. (أبونجيله،1998: 40)
ويعلق أحد الكتاب الفلسطينيين (أبو دياك) بأنه على الرغم من استحالة إحصاء عدد العملاء في صفوف الشعب الفلسطيني، فإن التقديرات تقول إن عددهم يبلغ بضعة آلاف عميل، ويصل في تقديرات أخرى إلى عشرات الآلاف، خصوصاً إذا شمل تعريف العميل سماسرة الأراضي الذين يشترون أراضٍ فلسطينية ويبيعونها للصهاينة، وتجار المخدرات الذين إما يتعاونون مع الشاباك في نشر السموم أو مع العصابات الصهيونية، وكذلك القوادين الذين ينشرون الفساد في الأراضي الفلسطينية بتنسيق مع العدو أو بأمر من شياطينهم وشهواتهم، وهذا بلا شك يمثل عدداً ضخماً إن كان صحيحاً، ولكنه لا يعني أن هؤلاء العملاء موجودون في كل الأوقات، فمنهم من قتل ومنهم من تخلى عن هذه المهمة أو تخلى عنه الصهاينة.
ومن الواضح أن تزايد أعداد العملاء ارتبط بالسعي الدؤوب لقوات الاحتلال لقمع الانتفاضة التي اندلعت في العام 1987، حيث واجه العدو تحدياً كبيراً باندلاعها، إذ فشل جهاز الشاباك المكلف بمراقبة تحركات الفلسطينيين في داخل الأرض المحتلة في
توقع قيام الانتفاضة السابقة، وامتدادها إلى كل المناطق الفلسطينية المحتلة، واستمرارها لحوالي سبع سنوات متواصلة. وتؤكد بعض التقديرات أن فصائل المقاومة الفلسطينية قتلت خلال الانتفاضة السابقة أكثر من ألف عميل بوسائل تصفية مختلفة، فيما تختصر تقديرات أخرى هذا العدد ل400 عميل.(أبو دياك، 2001: انترنت)
إن هذا التناقض في طرح الأرقام يدل على أنه ليس هناك اتفاق على تقدير عدد العملاء الذين تم ربطهم بالأجهزة الأمنيه الإسرائيلية، حيث أن جميع المصادر الإسرائيلية والفلسطينية لا تؤكد رقماً معيناً لحجم هذه الظاهرة. وجميع هذه المصادر يكتنفها التناقض والغموض، مع العلم بأن بعض المصادر التي نستقي منها التقديرات لا تتبنى الأسلوب العلمي المناسب في تقدير حجمها.
وبسبب هذا التناقض في الإحصاءات المتوفرة عن هذه الظاهرة، فإن الكاتب سوف يكتفي بالتأكيد على وجودها بشكل واقع، مع عدم القطع أو الجزم في تقدير حجم هذه المشكلة، والتعامل مع كل الأرقام والإحصائيات بشكل تقريبي.(عباس، 2000: 73)
ويعزي هذا التناقض والاختلاف في تحديد حجم هذه الظاهرة إلى عدة نقاط هي:
– خصوصية الموضوع وسريته، واحتكار الأرقام الحقيقية لحجم هذه الظاهرة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها.
– إن تحديد العدد الدقيق هو من مهمة الجانب الإسرائيلي، حيث إنه الطرف الوحيد الذي يستطيع إعطاء رقماً حقيقياً لهذه الظاهرة باعتباره المسبب الأساسي لها.
– إن السلطة الوطنية الفلسطينية ليس بمقدورها تحديد حجم هذه الظاهرة بشكل قطعي ولكن يمكنها وضع إطار كمي تقريبي فقط، من خلال ما تم كشفه من العملاء.
– كما يرجع ذلك إلى اختلاف الإسرائيليين والفلسطينيين في تعريف العميل، وحتى خضوع هذا المفهوم في الجانب الفلسطيني إلى الاتساع والضيق من فترة إلى أخرى.
– إن عامل الزمن له تأثير على عدم دقة إحصاء حجم هذه الظاهرة، حيث تمتد زمانياً منذ دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى الضفة وقطاع غزة.
– إن الاتساع الأفقي الجغرافي يلعب دوراً في عدم تحديد حجم الظاهرة بشكل دقيق، باعتبارها ممتدة إلى جميع أرجاء الضفة وقطاع غزة.
– صعوبة تحديد حجم ظاهرة التعامل مع الاحتلال، لتأثر هذا العدد بأهالي العملاء، إذ يعد أهالي العملاء الذين هربوا للسكن في إسرائيل ضمن الحجم المحسوب على هذه الظاهرة.
– إن الحرب النفسية لها دور مهم في عدم التحديد الدقيق لحجمها، حيث ليس كل ما ينشر عن ظاهرة معينة، خاصة إذا كانت هذه الظاهرة في مجال الأمن والسرية يجب الاخذ عليه.
– إن تحديد حجم الظاهرة يتأثر في كثير من الأحيان بالتداخل عند الناس بين الجانب الأخلاقي والجانب الأمني، وقد أثبت الواقع خطأ هذه الموقف.
الفصل الثاني

أولاً: دوافع التجسس والتعامل :
تشكل الدوافع والحاجات في السلوك الانساني، المحور الأساس في تحديد أنمطة هذا السلوك. حيث تلعبت دوراً هاماً في جميع الانماط السلوكية التي لديهم.
والدافع يشكل طاقة داخلية محركة ومحرضة للسلوك، تكون إما شعورية، أو لا شعورية “، أي انه حاجة تعبر عن وجود نقص يميل الفرد لإشباعه، انه حركي أو ديناميكي وانه غرضي أي موجود من اجل تحقيق غرض معين.(الخطيب،27:2003)
لذلك تعتبر نقطة البداية بالنسبة لأي مظهر من مظاهر السلوك هي وجود دافع يحث هذا السلوك ويوجهه نحو هدف معين، ومعنى هذا أن الدافع هو المحرك الرئيس وراء اوجه النشاط المختلفة التي يكتسب الفرد عن طريقها أشياء جديدة أو يعدل وفقها سلوكه.(محمود،1980: 37)
وقد تظهر بعض الدوافع في صورة دورات وتسير تبعاً لتسلسل ثلاث مراحل متكررة، تمثل حاجة أو حافز ينشئ استجابات وسيلية للتوصل إلى تحقيق الأهداف لإشباع تلك الحاجة، وبمجرد تحقيقها يعقب ذلك حالة ارتياح، غالباً ما يكون هذا الارتياح وقتياً، حيث تبدأ الدورة من جديد، وهكذا. لذلك يصعب تحديد الأنماط المختلفة للدوافع بصورة دقيقة، ويستحيل أحيانا إجراء تمييز بسيط بين أحوال هذه الدوافع. إضافة إلى انه في بعض الأحيان يستحيل تحديد مصادر أو أصول الدوافع . كما يختلف الحد الأقصى لمستوى الدافعية الذي يحدث عنده افضل أداء باختلاف المهمات أو الواجبات.
وتعتبر الدوافع بشكل عام موجهات للسلوك من خلال تفاعلها مع عناصر اخرى تخص الفرد أو تحيط به. أو هي مجموعة التغيرات التي تعمل على تحريك أو توجيه الفرد، ليسلك سلوك معين”. كما أنه نزعة لتوجيه السلوك، لوجهة معينة وفق حاجة الفرد وميله، وهو عامل ينشط السلوك ويوجهه، ويعد بمثابة باعث له. وبمثابة سبب للسلوك، وقد يواجه الانسان العديد من الدوافع النتناقضه. (هيئة التدريس، 1998: 119)
والدوافع غالباً ما ترتبط بالاحتياجات باعتبارها حجر الأساس في بناء نظرية الدوافع السلوكية، وقد ثبت أن البواعث خاصة العضوية تنبع من محاولة الكائن الحي المحافظة على وجوده نظراً لارتباط الاحتياجات العضوية بالوجود أو العدم. (التهامي،1982: 97)
ترتيب الدوافع البشرية:
صنف العلماء الدوافع لتصنيفات عدة، نذكر البعض منها في هذا المقام وهي:
الدوافع الفسيولوجية الداخلية: وهي التي تحافظ على التوازن الداخلي للانسان، مثل:
– دافع العطش: نقص كمية الماء في الدم أو في الكلية يعطي تعليمات للكبد.
– دافع الجوع: الشعور بالجوع مرتبط بالجهاز العصبي المرتبط بالحلق ويعطي تعليمات للمخ بأن الانسان يشبع.
والدوافع الفسيولوجية ذات الطابع الاجتماعي:
– دافع الجنس: ومرتبط عند الحيوان بأسس بيولوجية، وعند الانسان بمؤثرات اجتماعية.
– دافع الأمومة: وهو عند الحيوان قوي جداً، و يعتبر رقم واحد في الترتيب لدى الانسان.
أما الدوافع الأخرى غير الفسيولوجية لدى الانسان فتقوم على أساس:
فهي مثل دوافع: تاكيد الذات، وتقدير الذات، وتحقيق الذات، وتحقيق التفوق، وغيرها من الدوافع.
ترتيب الحاجات الانسانية:
مفهوم الحاجة، يعتبر مفهوم أساس في الدافعية، ويشير الى نقص عناصر معينة في البيئة، ويصبح هذا النقص -الذي لا يعتبر بالضرورة نقص فيزيقي أو عضوي، بل قد يكون نقصاً في صور التواصل السلوكي مع البيئة- حاجة نفسية أو مطلباً نفسياً للكائن الحي. وترتبط الدوافع عادة بالحاجة بل تنطلق من الرغبة لاشباعها.
وقد رتب العلماء والمفكرون الحاجات الانسانية، بطرق متنوعة كان أبرزها ترتيب عالم النفس (ماسلو) بما يسمى هرم ماسلو للحاجات الانسانية وهو كالتالي:
أ- الحاجات البيولوجية (العضوية): تمثل دوافع جبل وفطر عليها الفرد ويشترك فيها كل افراد الجنس البشري، لانها موروثة، ولا يتم اكتساب انماطها بالمحاكاة ولا بالتعلم.
ب- الحاجات النفسية: تهدف الى حفظ التوازن النفسي للفرد وخفض كل التاثيرات السلبية الواقعة عليه بفعل الضغوط أو المشكلات أو اية متاعب يجابهها في حياته هي:
– الحاجة إلى الأمن : الكائن البشري، يسعى للحفاظ على استقراره وامنه حتى يحفظ نوعه واستمراريته.
– الحاجة إلى الانتماء، وحب الآخرين: الانسان اجتماعي مفطور للتعايش وسط الجماعة والانتساب الى مجتمع، وبناء علاقات اجتماعية. وكذلك الحاجة الى الصداقة والاحساس بالانتماء إلى جماعة، وإلى الحب والعطف.
– الحاجة الى تقدير الذات: وتعني أن يحمل الفرد مفهوماً ايجابياً عن ذاته، وينظر لنفسه بالتقدير والاحترام.
– الحاجة الى تحقيق الذات: تتبدى هذه الحاجة في سعي كل فرد منا للعمل والمثابرة تحقيقاً للنجاح والتفوق، وهي حاجة نفسية/ بيولوجيه ساعدت على تقديم الجنس البشري. (عبيد، 72:1993-75).
وأما ترتيب الحاجات الانسانية في الاسلام (كما حددها الرسول صلى الله عليه وسلم)
– الأمن البيولوجي (الحاجة البيولوجية).
– الأمن الصحي (الحاجة البدنية).
– الأمن النفسي (الصحة لنفسية).
وقد اتضح هذا الترتيب الاسلامي للحاجات من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. فقال الله عزوجل: ” الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف “. (قريش، 4)، وقال عزوجل: ” رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات “. (البقرة، )، وقوله تعالى: ” فأذاقها الله لباس الجوع والخوف…”. (النحل، 112). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، كأنما حيزت له الدنيا ” (رواة البخاري)
أي أن الإنسان يتصرف ويسلك طريقة وفق دوافعة وحاجاتة، وهو ينطلق على ضوء مفاهيمه وتطلعاته، ويتحرك تبعا لتلك الرغبات الكامنة في نفسه، وشعوره، تجاه الأشخاص والأشياء والأحداث. والتي تتشكل وفق معاناته النفسية والعائلية والمادية، وطبيعة شخصيته، وطموحاته، وكل الضغوط المرئية وغير المرئية من حوله. والتي من خلالها يحقق ذاته.
دور الدوافع في السلوك الإجرامي:
أن السلوك الانساني يعتبر محصلة النشاط الذهني والقولي والعملي الذي يصدر عن الكائن الحي، ولهذا السلوك موجهات تصدر عن الإطار المرجعي للشخص الذي تكون عبر الخبرة الذاتية والواقع المحيط .
وبعبارة أخرى، إن الحاجة تستثير السلوك لإشباع رغبة فتتم الاستجابة السلوكية للدوافع، فيحقق بذلك الاشباع المادي أو المعنوي، سواء بطريقة سوية مشروعة أو أساليب غير سوية وغير مشروعة، ويفسر علماء الإجرام سر إرتكاب البعض للجريمة بأنه استجابة سلوكية لإشباع حاجة ما بطريقة غير سوية. وتتبدى مشكلة الإنسان في النزعة التي تدفع البعض لإشباع رغباتهم بطرق غير سوية الامر الذي يؤدي لا محالة الى حدوث المشكلات الانسانية. والمشكلات بهذا الفهم لا تخرج عن كونها نتاج لدوافع مرضية لإشباع رغبات بطرق غير سوية. (هيئة التدريس، 1998: 119)
واتفق العلماء على أن دوافع الانسان هي قوى محركة للسلوك، ومن هنا فإن الفارق بين السلوك الطبيعي والسلوك الاجرامي يكمن في تصريف الدوافع، وليس في الدوافع ذاتها، فالذي يدفعة الجوع لإشباع حاجه ما، ليس بالضرورة أن يسرق لتلبيتها.
وأما على صعيد الجرائم فقد تبين من خلال كثير من الدراسات بأن لكل جريمة دوافعها التي تميزها عن غيرها، وفي نفس الوقت لكل شخص مجرم دوافعة الخاصة به والتي تميزة عن الآخرين، وإن كان يشترك أحياناً عدد من المجرمين في دوافع متشابهه أومتفاربة في ممارستهم لهذا السلوك الانحرافي.
ولأن هذه الدوافع والحاجات هي ما يدفع الإنسان للسير في اتجاه معين، ولأنها المحرك الحقيقي للعمل، فلابد للأجهزة الاستخبارية التجسسيه أن تبحث عنها في ذات المرشح للتجنيد، على ضوء المعلومات المتوفرة عنه. والتعرف على هذه الدوافع التي تدفعه للعمل، والتي قد تجعل منه شخصاً مناسباً لخيانة وطنة وقومة.
أهم الدوافع لدى الجواسيس والعملاء:
لنتوقف قليلاً عند الجاسوس، أو العميل نفسه، ولنتساءل: من هو؟ ما شخصيته ؟ ما دوافعه وعوامل تجسسه؟ كيف يصبح جاسوساً؟ ما الشروط التي يجب أن تتوفر فيه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تلقي الضوء على شخصيته. (عاقل،1973 :232)
هذه التساؤلات وغيرها تؤكد على ضرورة فهم هذه الشخصية، وذلك من خلال علم النفس، وعبر منهج علمي دقيق. حيث أنه ليس بمستغرب أن تثير شخصية الجاسوس الاهتمام على نحو خاص لدى عالم النفس الذي يستخدم المنهج التحليلي للتعرف عليها، إذ لابد أن تكون حياة الجاسوس حافلة بالصراعات، لأن في داخله قوتين تتصارعان: فهو من ناحية إنسان عادي يسعى إلى تحقيق السعادة والراحة والأمان في الحياة، وهو من ناحية ثانية مسكون بهوى طامح ودافع إلى معرفة الأسرار وفك الأحجية الذي قد يذهب به إلى حد القضاء على كل شهوة شخصية. (عبده،1989، 33)
وقد تتشكل الدوافع التي تدفع العملاء نحو جريمة التعامل مع العدو والمحتل، من أكثر من دافع واحد. ومعظم الأبحاث والدراسات توضح أن الدوافع للجرائم في الغالب تتشكل من دوافع ذاتيه، ثم تعضضها دوافع أخرى تظهر للناظر أنها الأهم والأبرز، مثل دافع المال، ودافع الجنس، ودافع العاطفة، وغيرها من الدوافع الأخرى. وقد يكون من دوافع التعامل أحياناً، دافع الولاء لصاحب العمل أو الزملاء في العمل، أو الخوف من إمكانية إلقاء القبض عليه بسبب مخالفات في العمل، أو قد يكون الدافع داخلي كالشعور بالإحباط أو عدم احترام الذات، أو قد يكون تنفسيا للغضب، أو استرداد الشخص لذاته المحطمة بواسطة التمايز، أو للتعبير عن معاقبة الذين لم يقدَّر عليهم، أو يكون وسيلة للانتقام، أو مصدراً للتباهي والابتهاج. أو لإزدواجية الولاء، أو للغرور، الخ. وقد يكون قرار الخيانة نتج عن حدث قاسي تعرض له الفرد، ودفع به إلى نقطة الانهيار واللاعودة، كعمليات ضغط الموقف من قبل العدو، أو التعرض لمشاكل تهدد كيانهم، كالمشاكل المالية الحرجة التي تمتزج بفرص سانحة للربح غير الشرعي، أوكالفشل في المنافسة الشريفة مع أقرانهم في العمل، أو المعاملة السيئة من قبل المسؤولين، أو الطلاق من قبل الزوجه، أو عدم الاتزان العاطفي، الخ.
ومن أبرز الدوافع التي تحرك الفرد نحو جريمة التجسس والتعامل مع العدو:
1- الدوافع المادية :
وهي الدوافع الأكثر شيوعاً وانتشاراً، والأكثر بريقاً في عالم العمل السري، فالعميل يرتبط بالمنفعة وتكمن خطورة هذا الدافع في التحول إلى من يدفع أكثر، أو العمل مع أكثر من جهة في آنٍ واحد ، لذلك فإن الأجهزة الاستخبارية ما تلوح بهذا الدافع قبل التجنيد كثيراً ، لكنها تعمل على كبح جماح الدوافع المادية بدوافع أخرى تنميها فى نفس العميل لضمان عملية التواصل، بإعتبار أن هذه الدوافع تعبر عن تطلعات الإنسان للعيش في بحبوحة، بغض النظرعن أي شئ آخر، وتشمل تحقيق أي نوع من المنفعة أو المصلحة بالإضافة للمال. (شحادة،1992: 44)
لهذا يعتبر العميل المادي هو الذي لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة، ويبدى استعداده ليكون عميلاً، ضارباً عرض الحائط مصلحة بلاده. وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه. (وود،1990: 19)
ويعتبر (يعقوب بري) رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك- الشين بيت). “أن عميل كهذا إذا كان بضائقة مالية فإنه يعمل كل ما بوسعه من اجل جلب معلومات. ولكن الخطورة في حالة عدم وجود مادة استخبارية، حيث يختلق هذا الشخص معلومات من أجل أن يحصل على مقابل مادي، فالمال مهم لكن ممنوع أن يكون هو الدافع الوحيد، ويجب أن يكون هناك دوافع أخرى، مثل التركيبة المعينة للشخص، أو مشاكل الطائفة … الخ”. (بري،1999: 34)
وهذه أمثلة على بعض الجواسيس والعملاء التي يقف الدافع المادي وراء ارتباطهم:
العميل الفلسطينس (ضرار قاسم)، سائق الرئيس عرفات وحارسه الشخصى في بيروت، وأحد عناصر القوة 17 الذي جند عميلاً للموساد الاسرائيلي عام 1977، عندما كان يدرس الفلسفة فى بريطانيا، وهو شخص جشع، كان يرسل التقارير فى كل يوم تقريباً، ويبعث الرسائل من خلال نظام إتصال لاسلكى، ويتلقى (200 دولار)عن كل تقرير، وكان يرسل المعلومات بواسطة الهاتف، وأحياناً بشكل دورى عبر البريد. وفى إحدى المرات ظهر في ” الغواصة ” -المقر السرى للموساد فى بيروت، مما أغضب الموساد منه، وخلال حصار بيروت، كان قاسم مع عرفات يقدم التقارير للموساد من داخل قيادة منظمة التحرير. (Osrousky, Hoy, 1990 :211)
وكذلك العميل (عدنان ياسين) مساعد السفير الفلسطيني (حكم بلعاوي) في تونس أنذاك. الذي قامت السلطات التونسية باعتقاله في حينه وتسليمه الى اجهزة الامن الفلسطينية، التي كانت تتواجد على أرضها قبل انتقالها الى مناطق الحكم الذاتي في فلسطين. وذلك بعد التحقيقات حول ملابسات اغتيال المسؤول الامني الفلسطيني (عاطف بسيسو) في احد فنادق باريس عام 1991، والتي كان متورطاً فيها. حيث قام (ياسين) بحجز تذاكر السفر لبسيسو الى باريس، وهو الذي حجز له غرفته في الفندق، كما انه كان على علم ببرنامجه دائما في فرنسا. خاصة وانه قد تبين بأن “ابو هاني” كان عائدا من تل ابيب التي زارها عن طريق المانيا سرا في العام نفسه. وقد هددت اسرائيل في حينه القيادة الفلسطينية بعدم التعرض له وعدم المساس به، أو حتى القيام باجراءات ضده لانه بالفعل يعمل ضابطا لدى الموساد الاسرائيلي، وبناءً عليه تم فعلا تسليمه لاسرائيل. (جريدة يدعوت أحرنوت، 2002)
ويقول ” بأن أحد المصادر التي اعتمد عليها جهاز الشاباك كان حارس عربي للمقبرة اليهودية في بيروت، إذ تبين أن الحراسة لم تكن العمل الوحيد الذي يقوم به، وكان يقوم بأعمال تخريبية في وقت فراغه، اكتشفناه وأصبح بالمال عميل لنا، وقدم معلومات كثيرة عن مخربين مطلوبين وظل طوال الوقت في عمله كحارس للمقبرة اليهودية. (بري،1999: 111)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (س. م. ع) قال: بأنه ارتبط بتاريخ 4/1988 مع المخابرات الاسرائيليه، حباً في المال، وفي ممارسة الجنس واللواط .
وفي مقابلة خاصة أيضاً مع العميل (م. ز. خ) قال: بأنه ارتبط هو وصديقه مع المخابرات الاسرائيليه رغبه منه بتوفير له ما يحتاج من المال .
وأما العميل (جمعة) -وهو أسم مستعار لأحد العملاء- فيشعر بالندم حيث تسبب في قتل ابن عمه -زعيم جماعة إسلامية فلسطينية في أحد مخيمات ا للاجئين بغزة عام 1995م- ويقول: بعد أن بدأت التعامل مع المخابرات الإسرائيلية. طلب مني ضباط المخابرات الإسرائيلية تحديد مكان ابن عمي، وبعد دقائق قام مهاجمين مجهولين بفتح النيران عليه وقتله. وألقى فلسطينيون باللوم على إسرائيل لمقتله، لكن أقاربي حملوني المسؤولية عن ذلك ونبذوني. وقال: أنا لا استحق الحياة.. استحق الإعدام أنا مذنب..حاولت مرة الانتحار ولكني فشلت.. لقد أنقذوني لكي أواصل حمل الآثم”.(جريدة القدس،2001)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ي. م. ع) قال: بأنه ارتبط في بداية الانتفاضة الأولى وهو يعمل في مجال الزراعة. حيث اعتقل وحكم عليه لمدة سنة وبعد الافراج عنه، عمل في المجلس القروي …، وفي منتصف سنة 1993 بينما كان يجلس في صالة الادارة المدنية، تقرب منه مسؤول المجالس القروية في الادارة المدنية، وتبادل معه اطراف الحديث وأثناء ذلك طلب الضابط المدعو (عامر) أسماء الأشخاص الذين لا يدفعون الكهرباء. وبعد ذلك بيومين، تم استدعائه لضابط المخابرات في خان يونس، وطلب منه الإرتباط فوافق مقابل المال. (عباس،2002: 33)
ومن عملاء الدافع المادي لدى الأشقاء العرب برز العميل المصري (يوسف بهجت حمدان) الفاشل في حياته ودراسته المنغمس في الترف والرذيلة. ونتيجة لما لمسه (جورج) من أخلاق بهجت حمدان وطباعه وعاداته وآماله خاصة أنه يبحث عن المادة حتى ولو كانت عن طريق الشيطان، صرح له بعد أن اطمأن إليه بأنه ضابط في المخابرات الإسرائيلية فما كان من بهجت إلا أن وافق فوراً على التعامل على هذا الأساس المادي. (الجزائري،ج2،134:1991)
ومن خلال هذا الدافع أيضاً تم تجنيد العميل المصري ( منصور) حيث أنه بالجشع وحب المال استطاع ضابط المخابرات الاسرائيلي مايكل) أن يرى فيه صلاحية للتجنيد، حيث اكتشف فيه نزعة الشر والغدر، وحب المال. وبشيء من الوعود المادية ظهر الجشع على عيني منصور، وانطلقت منها أشعة استطاع (مايكل) تحليلها فوجدها صالحة للشر، والحقد فيها يتغلب على الخير، فدون اسمه وعنوانه في ورقة أمامه، وسمح له بجمع الشمل على أهله، على أن يكون لهما لقاء بعد ذلك.(مسعود، ب ت:6)
وهناك أشخاص يتمثل الدافع المادي لديهم، بأشكال أكثر عمقاً، وكأنها صفقة تجاريه، فيبيع كل ما لديه من بضائع (معلومات) مقابل ثمن معين من المال، وهذا الصنف لا يقيم وزناً لأي شيء إلا المال حتى الوطن والأهل يمكن أن يكونوا سلعة تباع وتشتري. وخير مثال على ذلك العميل اللبناني (شاكر فاخوري) الذي ترك وطنه لبنان وذهب سعياً وراء المال للعمل في الكويت لأنه عاش حياة الرفاهية رغماً عن قلة دخله وعند نزوله في قبرص عقد عزمه على الاتصال بالمخابرات الإسرائيلية، وفعلاً ذهب إلى السفارة الإسرائيلية في ثاني يوم لوصوله وطلب مقابلة الملحق العسكري فيها، وعرض عليه رغبته الصريحه بالتعاون معهم بتقديم ما عنده من معلومات عامة حالياً وما يطلبه منه فيما بعد. (مجدي، 88:1995)
وكذلك العميل الفلسطيني (علي أكبر) الذي حادث مركز الموساد بنفسة فى لندن فى تشرين 1972 عبر مكالمة هاتفية غير متوقعة من طالب فلسطينى، حيث إعتاد (أكبر) على بيع المعلومات للموساد، ومع إنه كان عميلاً مبتذلاً، إلا أنه قد كان له إتصالات مميزة مع منظمة التحرير الفلسطينية. (6Osrousky, Hoy. 1990 : 15 )
وكذلك العميل المصري (محمد عمر حموده) الذي قام بعرض نفسه على أجهزة الأمن الإسرائيلية بمبادرة منه، فاتصل بالقنصلية الإسرائيلية عارضاً خدماته فاستقبله معاون الملحق العسكري في القنصلية وقبل عرضه بعد أن تأكد من صدق نواياه، وأن الجشع والطمع وحب المال، يسيطران على مجرى حياته كلها. (الجزائري،1991: 66)
وهناك من أصحاب الدوافع المادية، من يكون أكثر خطورة من العميل المادي العادي، أو حتى العميل المادي التاجر، وهم أولئك الصنف من العملاء الذين يرتبطون مع الأجهزة الاستخباريه المعاديه عبر مفهوم المصالح المتبادلة، (البزنس كما يقولون)، وتتم في العادة هذه البعلاقه ما بين الأجهزة الإستخبارية وبين الجهة المنتفعة، دولاً أو مؤسسات أو تنظيمات، أو أشخاص، لوجود مصالح ماديه معينة مشتركة تجمع بينهما، وتحت هذا الدافع يتم العمل المشترك الذي يحقق لكل جهة منافعها التي تتلائم مع التوجهات التي تعمل من أجلها، سواء كانت هذه المنافع معلوماتية أو مادية. وهكذا تنشأ مصلحة معينة تربط الجهتين للسير معاً لتحقيق تلك المصلحة.
وقد مثل هذا الدافع على المستوى الفردي، بعض الأثرياء والأغنياء، كان من أبرزهم،
على مستوى الوطن العربي العميل الملياردير السعودي الجنسية (عدنان الخاشقجي) الذي جرى تجنيده للموساد الإسرائيلي عام 1984، حيث لم يكن الخاشقجي يتقاضى راتباً منتظماً من الموساد كما يفعل العملاء النظاميون لكنه كان يستخدم نفوذ الموساد في العديد من استثماراته، وكان يحصل على القروض كلما واجه أزمة أو ضائقة مالية كما أن مبالغ كبيرة من أموال الموساد كانت تمر من خلال شركات الخاشقجي التي أنشئ العديد منها بالتعاون مع اليهودي “عافاديا غاون” وهو ثري كبير، من أصل مغربي مقيم في فرنسا، والذي كان غالباً ما يلجأ إليه الخاشقجي، وخاصة عند الحاجة منه إلى مبالغ كبيرة وضخمه. (Osrousky, Hoy, 1990 .278)
وكذلك العميل الفلسطيني الثري (كمال حماد) الذي كان سبباً في اغتيال يحيى عياش.
الذي صنع معظم رأسماله من المقاولة في البناء في اسرائيل، وقد تعامل من خلال المصلحة المتبادلة، حيث مكنته اسرائيل من القيام بمشروع تأهيل اللاجئين في غزة الذي عاد عليه بملايين الدولارات. والذي عبر صداقته بالادارة المدنية، وعبر علاقته مع الموظفين في هذه الادارة المدنية الاسرائيلية، نال ذلك المشروع الذي رفع مكانته في المجتمع الفلسطيني وحوله لمحور مركزي فيه. فالابراج التي شرع ببنائها في غزة وخانيونس والتي خصصت لسكن اللاجئين تحولت الى مكان للحج تتقاطر عليه شخصيات اسرائيلية كثيرة. وزراء واعضاء كنيست وضباط كبار وصلوا الى مواقع البناء وتجولوا فيها يلتقطون الصور بصحبة حماد، الرجل الكبير الذي يعرف العقلية الاسرائيلية جيدا ويؤيد التعاون، اعضاء الشاباك ايضا شرعوا يهتمون به، في البداية اهتموا في المسائل والشؤون الاقتصادية في غزة وبعدها بدأت تصله الدعوات الى تل ابيب وكان حماد يستجيب لها اذ ادرك ان الشباك الاسرائيلي بطاقة ضمان، وهو يدعي انهم وعدوه بان يقفوا الى جانبه في اللحظات الصعبة. (جريدة الحياة الجديدة،2000)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ق. م. ط) قال: أنه ارتبط من خلال المصادقة والعلاقة الشخصية والمصلحة، حيث كان يعمل سنة 1980 في تجارة المواد التموينية، وتعرض لخسارة في البورصة، وكذلك لعملية اختلاس من قبل بنك هوعبليم الاسرائيلي. وعلى اثر ذلك تهرب عن دفع الضرائب، واعتقل في القدس، وهناك أقام علاقة مع الحاكم العسكري الاسرائيلي، حيث قابله عدة مرات، وطلب من الحاكم العسكري ترخيص سلاح شخصي فوافق، ثم بعد ذلك عرفه الحاكم على ضابط مخابرات يدعى (أبو خالد) عرض عيه الارتباط فوافق.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ح. م. ط) قال: بأنه ارتبط عن طريق اتفاق مصلحه متبادله مع الاسرائيليين، حيث يقوموا بتسهيل تجارته بالمخدرات، بشرط أن يوزعها في قطاع غزه فقط.
2- الدوافع الأيديولوجية:
وهى أقوى الدوافع، وأكثرها عملاً وإنتاجاً، ويتسم العملاء العقائديين بعوامل الصلابة والثبات، بالتالي فإن العميل الذي يعمل تحت وطأة هذا الدافع يكون أكثر إخلاصاً وجدية وإنتاجاً، ولهذا تجهد الأجهزة الاستخبارية في ربط عملائها -قدر الإمكان- بهذا الدافع، وتأتى هذه الدوافع تعبيراً لإيمان بفكر معين وأسلوب حياة معين، أو بمذاهب اقتصادية معينة، أو حزبية، أو الانتماء إلى منطقة جغرافية أو تاريخية أو الشعور الطائفي أو المذهبي…الخ. (شحادة، 112:1992)
وقد نشط استغلال هذا العامل في عمليات التجسس بين الكتلتين الشرقية والغربية، ولكنه ينعدم بتاتاً لدي العملاء والمتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. بإعتبار أن العميل عن عقيدة أو أيدلوجية، شخص يؤمن بهدف يجهد لبلوغه، وهو غالباً لا يتأثر بإغراءات الجهة المعادية، بالإضافة إلى انه لا يشعر بعقدة الذنب وبتبكيت الضمير، لأنه مؤمن بما يفعل خلافا لحالة الجواسيس الذين يغريهم المال. ولأنه كذلك مقتنع اقتناعاً كلياً، بأن يعمل لمصلحة الاستخبارات الأجنبية، بسبب عقيدته المترسخة فيه، والتي هي عقيدة الجهة التي يعمل لصالحها. (وود،1990: 31)
وتاريخ الجاسوسية مليء بالعملاء عن فكر وأيديولوجية، وخاصة أثناء الحرب الباردة بين معسكر الاتحاد السوفيتي الشيوعي، وبين الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها.
ومن أبرز جواسيس الفكر والأيديولوجيا الذين تجندوا لخدمة المعسكر الشيوعي:
الجاسوس (هارولد فيلبي، وغاي بورجيس، ودونالد ماكلين، وديفيد جرينجلاس، وليونارد لونغ، وغيرهم). الذين تجند أغلبهم قبل الحرب العالمية الثانية من جامعة “كامبريدج”، وقد كان السبب في تجنيدهم العامل الأيدولوجي، حيث تأثروا جميعاً بالأفكار الشيوعية التي كان لها بريق خاص في ذلك الوقت، حيث استطاعوا بذكائهم أن يصلوا لأعلى المراكز الحساسة في دولهم، وخاصة أن احدهم وهو “هارولد فيليبي” الملقب “كيم” كان يشغل منصب رئاسة ممثلية الفرقة “إم 16″ التابعة لجهاز المخابرات البريطاني السري في واشنطن عام 1961م. (لجنةالإعداد،1990: 282)
وقد تم الكشف عن أربعة جواسيس من النوع المثقف الذين يعملون عن عقيدة وهم :
(دونالد ماكلين) الذي كان موظفاً رفيعاً في السفارة البريطانية في أمريكا ومسئولاً عن أدق أسرار الأبحاث الذرية الأمريكية– البريطانية حتى تم اكتشافه .
و(غاي بورجيس) الملقب غيلي، الذي تأكد وجوده مع الجواسيس السابقين الذين افتضح أمرهم من قبل، ولكن الجاسوس (غيلي) لم تعرف هويته في حينه على وجه اليقين، والذي كشف النقاب عنه مدير المخابرات البريطانية (روجر هوليس).
و(ديفيد جرينجلاس) الذي كان يعمل بالقوات الأمريكية،وقد ألحق بالمشروع النووي الأمريكي في (لوست آلاموس) عام 1944 ضرراً كبيراً. وكان هو وزوجته متعاطفين مع الشيوعية، ومتأثراًُ بشقيقته الشيوعيه (إيفيل) وزوجها. (الكاشف، 82:1990)
و(أنتوني بلانت) المتخصص في دراسة صور الملكة البريطانيه، والمؤرخ الفني العالمي، الذي أعترف بأنه كان يتجسس لصالح الروس أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كان برتبة كبيرة آنذاك، وقد عمل بلانت لصالح المخابرات السوفيتية في فترة الإعجاب في النظام السوفيتي، المعروفة لدى دوائر مكافحة التجسس الغربية باسم ” فترة الجواسيس غير الشرعيين العظام ” الذي غير فيه السوفيت استراتيجية عملهم التجسسي عبر إدارة السفارات، إلى إدارة العملاء عن طريق الجواسيس اللاشرعيين العظام. (رايت،1988: 237)
و(كيم فيليبي) جاسوس بريطاني عمل لصالح المخابرات السوفيتية، وكان متأثراً بالمبادئ الشيوعية التي راجت في الثلاثينات، وكان من أهم عملاء الأيديولوجيا أنذاك.
وقد أصبح ” فيليبي” رئيساً للقسم السوفياتي في المخابرات البريطانية، وقد كشف للمخابرات السوفيتية عن كل أسماء العملاء الأمريكيين والبريطانيين في الدول الشرقية. وتمتاز شخصيته بنفسية العميل المزدوج، الذي عاش بين الواقع الارستقراطي، وبين اعتناق المبادئ التي تغاير واقعه الاصلي. (عبده، 213:1989)
و(الدكتور فوكس) ذلك الجاسوس الذي عمل لمصلحة الاتحاد السوفيتي في الولايات المتحدة، وكان له فضل كبير بتسريع انتاج القنبلة الذرية في الاتحاد السوفيتي، لذلك سمي بجاسوس العقيدة. وقد كان فوكس في شبابه طالبا نابها متقدما على من سواه في كل مادة بجامعة (كيل) في المانيا، وكان من الطلبة اليساريين الذين يحقدون على هتلر واعوانه. ولم يكن أداؤه هو محور تجسسه، بل كونه في مركز رفيع يتيح له الاطلاع على كل ما هو مطلوب منه. وقد كان أداؤه جيداً، حيث أن جواسيس العقيده عادة ما يكونوا على دراية بتأثير الدافعية على الأداء . والجاسوس الذي لا يهتم بعمله غالبا ما يكون أداؤه ضعيفا، أما الجاسوس العقائدي الذي يهتم بالمهمة المكلف بها يظل اهتمامه تحت حكمه وضبطه، وغالبا ما يكون أداؤه جيداً. (عبده، 125:1989-127)
و(ريتشارد سيرج) كان أحد الأعضاء القليلين الذين انتسبوا للحزب الشيوعي الالماني حين تأسيسه في تشرين الأول عام 1919، وكان لغويا ضليعا وأصبح عضوا في كلية هامبورغ، وحين استقر في اليابان كان يجيد الفرنسية والروسية واليابانية. وقد كان العقيد جوزيف مايسنجر من الجستابو والملحقون العسكري والجوي والبحري، يثقون به وحتى يستشيرونه. ولو قدرنا قيمة المعلومات التي أرسلها، بعد 22 حزيران من عام 1941 للاتحاد السوفيتي، فان تتجاوز مئات ملايين الدولارات في ذلك الوقت.
وكان ريتشارد على استعداد لأن يقدم روحه خدمة للمبدأ الذي يعتنقه، نتيجة للتربية التي تلقاهافي صغره، لأن العامل الايديولوجي يتمتع بأهمية قصوى في تطوير الأفكار، لذلك بذل معلموه قصارى جهدهم ليمحوا بقايا الخلقية الرأسمالية من وعيه، وكان جهدهم مثمراً، إذ استطاعوا أن يثبتوا في ذهنه العلائم الجوهرية للأفكار الاشتراكية، وينشطوا مفعول هذه العلائم حتى تصمد ضد الرأسمالية.(عبده،67:1989)
حرب الجواسيس بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل:
لقد كان هناك حرب جواسيس غير معلنة بين الاتحاد السوفيتي واسرائيل امتدت على اكثر من اربعين عاماً، وان العدد القليل جداً من العملاء الذين تم القاء القبض عليهم خلال السنوات الاخيرة على ايدي قوات الامن الاسرائيلية كشف النقاب عنهم لوسائل الاعلام، والاعلان عن بعضهم جاء للحيلولة دون نشر معلومات ضارة، اذ ان غالبية الحالات كانت تعمل اجهزة التجسس المضادة الاسرائيلية عليها بصمت كبير.
واستخدم السوفيت في تجسسهم الطريقتين الشهيرتين في هذا المجال: الطريقة المحمية، والطريقة غير المحمية، وتعنى الاولى استخدام دبلوماسييها في اسرائيل، والذين يتمتعون بالحصانة في مهمات التجسس، مما حول ممثليهم الى خلية نحل سرية، تعمل ضد اسرائيل، وحولوا معظم دبلوماسييهم الى عملاء لجهازهم الاستخباراتي، سواء أكان ذلك عن طريق توجيه العملاء الاسرائيليين، أو عن طريق توفير مواد ومتطلبات لاولئك العملاء. وقد نشط رجال السلك الدبلوماسي في السفارة السوفيتية في اقامة الحفلات وتبادل الزيارات واقامة العلاقات الشخصية، والوقوف بسياراتهم لنقل الجنود ومحاولات التغلغل في الاوساط العلمية والاكاديمية، كما تعاملوا مع كل شخص يتوجه إلى سفارتهم لقضاء شأن من الشئون كحالة قابلة للتجنيد، ومارسوا عليه ضغوط تتناسب وحجم الحاجة التي يريد قضاءها، أو مستغلين وجود اقارب له في احدى دول الكتلة الاشتراكية لربطهم اكثر فاكثر الى مصالحهم.
واذا كانت نشاطات التجسس السوفيتية في اسرائيل بدأت منذ قيام اسرائيل، فقد تم الكشف عن بعض الجواسيس خلال حرب 1948، وتم اعدام بعضهم، واحيانا بدون موافقة رسمية، وفي حالة وقعت في المعسكر الاسرائيلي الواقع شمالي البلاد، القي جنود البالماح القبض على شخص اتهم بالتجسس لصالح تشيكوسلوفاكيا وتم اعدامه شنقاً قرب بوابة المعسكر. وقد ضُبط أحد الاسرائيليين بعد ان اثار الشبهات ببحثه عن نقاط الضعف لبعض الشخصيات الاسرائيلية رفيعة المستوى، واتضح اثناء التحقيق معه، أنه مكلف من الاستخبارات بالبحث عن نقاط ضعف في تلك الشخصيات تمكن من الضغط عليها وتجنيدها. (عبده،1989: 175- 181)
ومن ابرز الذين تم تجنيدهم في اسرائيل لصالح المخابرات السوفيتية عن أيدلوجية:
(أهارون كوهين) عضو الكيبوتس، وأحد الشخصيات المركزية في حزب (مبام) وفي حركة (الحارس الصغير) وذو شهرة واسعة، وقد بدأ عمله لصالح السوفييت في الحرب العالمية الثانية عندما نقل في اطار المجموعة اليهودية عربات اسعاف للجيش الاحمر. (عبده، 185:1989)
(وشبتاي كلمنوفيتش) إن اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفيتي يعتبرون طاقة ممتازة وفريدة من نوعها، بالنسبة لجهاز الاستخبارات السوفيتي. ومن هؤلاء العميل السوفيتي كلمنوفيتش الذي قِدم لاسرائيل وعمره 23 عام من الاتحاد السوفيتي، ودخل المعهد وتعلم العبرية بصورة جيدة، وخدم في الجيش الاسرائيلي، وشارك في نشاطات اسرائيلية لصالح الاتحاد السوفيتي. (عبده، 188:1989)
(والعقيد اسرائيل بير) رجل المابام البارز الذي اعتقل بتهمة التجسس، والذي كان مقرباً من رئيس الوزراء (بن غوريون). وقد ولد بير في فينا عام 1912 وكان اشتراكيا من صغره، وقد تحدث عن قصة حياته وقال أنه درس في كلية عسكرية في النمسا وتطوع ” للواء الدولي”، وذهب لفلسطين عام 1938، وتم الترحيب به بالهاغاناه نتيجة خبرته القتالية، كما ساعدته وجهات نظره الاشتراكية، وتربيته الليبرالية، وخبرته بالشئون العسكرية في مصادقة زعماء المجتمع اليهودي.(ميلمان،رافيف، 1991: 87)
ولكن شك (هاريل) رئيس الشاباك، في أنه زرع في إسرائيل، من قبل الشيوعيين، وكان ينشط بناءاً على أوامر من مراسل في تل أبيب لوكالة تاس السوفياتية عام 1956، وكان الروس يدفعون لبير نقداً، مما جعله يبذر على النساء والملاهي والمطاعم الفخمة. وطلب هاريل باعتقالة لكن تردد الرئيس الأسمي للشين بيت، (أموز مانور) قبل أن يتخذ إجراء ضد صديق رئيس الوزراء، وتولى هاريل المسؤولية وأمر باعتقاله عام1961. والقى القبض عليه عندما كان يسلم وثائق (لفكتور سوكولو)، وهو ضابط كي جي بي، الذي كان يعمل تحت غطاء دبلوماسي سري في تل أبيب، وكان الملف يحتوي على مقتطفات من مذكرات بن غوريون وتقرير سري عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. (ميلمان،رافيف، 80:1991)
(وليفي ليفي) أحد العملاء الأوائل للمخابرات الشرقية في إسرائيل، وهو من مواليد بولندا لأبوين يهوديين، كان نشيط في حركة الشبيبة الصهيونية في عام1947 وتم ارتباطه خلال حفلة جرت في نادي الطلاب اليهودي، شرب حتى الثمالة واثناء عودته للبيت أثار الاشتباه لدى حارس على مؤسسة أمنية، فقام الحارس بإطلاق النار عليه واصابه بقدمه، وتم نقله للمستشفى وبعد أن استيقظ أعيد إلى البيت .
وقرر جهاز المخابرات البولندي أن يستغل هذا الحادث من أجل الضغط عليه للعمل معهم، فاستدعاه المحققين وادعوا أنه كان يحمل سلاح غير قانوني وأطلق النار على نفسه، ( ليفي) وعرف طبعا أن هذا الاتهام باطل، لكن عندما تم طرح الاختيار عليه إما أن يتم تقديمه إلى المحاكمة أو العمل في الجهاز، والخروج كعميل والذهاب إلى دولة إسرائيل، اختار الخيار الثاني. ويعتقد بأن هذا الخيار كان هو الدافع الايديولوجي الشيوعي الذي تربى عليه بعد أن تم تدريبه وإعطاءه التعليمات اللازمه، حيث بدأ العمل كمخبر على الشارع اليهودي في بولندا، ثم بعد ذلك تم زرعه في معسكر يجهز اليهود البولنديين للهجره إلى اسرائيل .
وفي عام 1948 هاجر ليفي إلى إسرائيل، وتم توجيهه لمعسكر مهاجرين بالمغرب، ثم اسرائيل، وتجند للجيش، وبعدها تم اختياره من قبل الشاباك الذي لم يشك به مطلقاً. وخدم في الوحدة التنفيذية للجهاز لمدة 7 سنوات من عام 1950 وحتى اكتشافه 1957. كان ليفي من نوع العملاء الذي يخافهم كل جهاز مخابرات، حيث نجح في اختراق جهاز مخابرات اجنبي، وكذلك التمتع بثقة كاملة، ونجح في أن يكون شريك في أسرار مخفية. ليفي تعلم مفاهيم الماركسية وخدم بأمانة ومسؤولية، بل وقام بمبادرته الخاصة بنشاطات من اجل أن يجلب معلومات لرؤساءه. (بري، 1999: 76)
(وافريم سمويل) في عام 1958 وصلت ميناء حيفا سفينة تحمل مهاجرين من ضمنهم افريم سمويل وزوجته وولديه وسكن لمدة عامين في كيبوتس مشمروت، وعمل في اصلاحات الكهرباء، وبعد ذلك انتقل الى السكن في مدينة حيفا وعمل كفني صيانة في مغسلة كبيرة. نشاطاته السرية كانت متواصلة بدون أي ازعاج، الى أن وصل لسفارة إسرائيل في بوخرست معلومات عن مناصبه العليا في الحزب الشيوعي قبل هجرته. هذه المعلومات تم نقلها الى الشاباك، وتم على اثرها استدعاءه للاستجواب واعترف انه كان نشيط في الحزب الشيوعي، وتمت إقالته من مناصبه منذ ذلك الوقت، ورغم أن قصته كانت منطقية ومقنعة، إلا أنه تقرر أن يتم متابعة حركاته بسبب معلومة أخرى وصلت من منطقة أخرى.
وفي عام 1965 اقتحم رجال الوحدة التنفيذية التابعة للشاباك شقته واعتقلوه هو وزوجته، حيث ثبت أنهم كانوا عملاء للمخابرات الرومانية، لأن رومانيا كانت الدولة الوحيدة في المعسكر الشرقي التي سمحت لمواطنيها اليهود بالهجرة لإسرائيل، وهذه الحقيقة سهلت على مخابراتها أن يدخل عملاء له إلى اسرائيل. (بري، 1999: 76)
(والعالم الفيزيائي سيتا) ولد عام 1910 في سورتلاند، تشيكوسلوفاكيا لأسرة المانية غير يهودية، ودرس في براغ، واعتبر عبقرياً في الرياضيات والفيزياء، اعتقلته الغستابو وسجن في معسكر الاعتقال (يوشنوالد) لأن زوجته كانت يهودية، وشارك في خبرات مرعبة مع الشيوعيين البارزين المسجونين في المعسكر. وعندما عمل بعضهم مع المخابرات التشيكية بعد الحرب، جندوه معهم جاسوساً.
وقد درس (سيتا) الفيزياء النووية في بريطانيا في جامعة سيراكوس في نيويورك وقامت الف بي آي، التي اعتقدت أنه عميل شيوعي باستجوابه، وعرضت عليه أن توظفه كعميل مزدوج، وهكذا غادر الولايات المتحدة في ظل ظروف مشبوهة إلى البرازيل عام 1953، وبعد سنتين دعي لإلقاء محاضرات في مدرسة تخنيون في حيفا، ورأى أنه أحب البلاد والشعب، وتقلد منصب رئيس دائرة الفيزياء. وقد وفَّر نجاح سيتا النادر، كأجنبي غير يهودي في إسرائيل، فرصة ذهبية للتشيكيين واسيادهم السوفيات، فكان ضابط مخابرات يعمل تحت غطاء دبلوماسي في السفارة التشيكية في تل أبيب، يلتقي بين الحين والآخر معه. وجمع قدرا كبيراً من المعلومات، وقد كان تركيز سيتا على لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية برئاسة البروفسور بيرغمان، وجاء اعتقاله قبل يومين من تشغيل مفاعل إسرائيل الذري التجريبي، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، غير أن إسرائيل عفت عنه بسرعة ليبدأ حياة أكاديمية جديدة في ألمانيا الغربية. (ميلمان،ورافيف، 83:1991)
الدافع الأيديولوجي وتأثيرة على الفرد:
إن مفهوم الوعي السياسي يوضح الدور الذي تقوم به الايديولوجيات توضيحا كافياً، وكل موقف سياسي هو رد على وضع معين ظهر في الحياة الاجتماعية، فكلما كان الوعي السياسي ناميا، وكلما كان تاثيره كبيرا كان كل موقف من المواقف نابعا من النظرة الكلية لا من تفاصيل الوضع الجزئي الخاص والتجربة الخ. وتحتل الايديولوجيا بين هذه العناصر منزلة صدارة، على وجه العموم، لأن الايديولوجيات تنمي الوعي السياسي لدى المواطنين، كما أنها تحدد نظم القيم، ذلك لأن كل مجتمع يقوم على تعريفات الخير والشر، والعدل والظلم، أي على نظم تقييمه. وهذه التعريفات هي اعتقادات، لأن معاني الخير والشر، والعدل والظلم، ليست مستمدة من التجربة، بل من ايمان ارادي. فهي اذن ايديولوجية بطبيعتها. وأن جميع الايديولوجيات نظم تقييمية على نحو من الانحاء. أي في الايديولوجيا، وان اعضاء المجتمع الواحد يشتركون في مجموعة من التصورات المشتركة، والاحكام التقييمية، تتداخل مع الايديولوجيات خاصة المتعارضة التي تنتمي اليها جماعات مختلفة متنازعة.
وهذه الايديولوجيا تفرض وجودها علينا بشكل غامر، سواء كنا اطفالا، ام بالغين، رجالا ام نساء، رؤساء، ام مرؤوسين دون استثناء. وقد يصل تأثير هذه الاشياء علينا لدرجة اننا نقبل ما يأتينا منها من آراء، وافكار، واحكام، ونتبناها لانفسنا وتصبح كأنها من صنعنا، ناسين مدى تأثرنا بالإغراءات والمنبهات الاجتماعية المختلفة، وحالما ننجح في تشكيل اتجاهاتنا نحو الاشياء والاشخاص تتحول تلك الاتجاهات الى التأثير في سلوكنا والى دفعه في وجهات متسقة مع محتوى تلك الاتجاهات، وبعض تلك الاتجاهات تعتبر ذات نفع للفرد والمجتمع وهي ما يمكن ان نطلق عليها اتجاهات ايجابية. كما ان هناك اتجاهات ذات محتوى سلبي،أي انها لا تؤدي في النهاية الى خدمة الفرد أو الجماعة وذلك كالاتجاهات التسلطية، والتعصبية بشقيها .
ويعبر الاتجاه عن وجود ميل الى الشعور، أو السلوك، أو التفكير بطريقة محددة ازاء اناس آخرين، أو منظمات، أو موضوعات، أو رموز، فعندما نتحدث عن وجود اتجاه ايديولوجي مثلا نقصد بشكل عام الاشارة الى ضرورة ان تتكون لدينا مشاعر بالحب والتقبل لمبادئنا السياسية، وان نحاول ان نجد البراهين الفكرية المؤيدة لحقيقتنا الايديولوجية، وان نسلك بيننا وبين انفسنا ومع الآخرين بصورة ملائمة لهذا الحب في العقيدة السياسية. ولقد ذهب الباحثون الى القول أن الاتجاه ذو بناء مركب من عناصر ثلاثة هي: الشعور، التفكير، السلوك. فالجانب الشعوري أو الداخلي يتعلق بما يظهره الفرد نحو موضوع من اقبال أو احجام، أو تجنيد أو نفور، أو حب أو كراهية. وعندما نتحدث عن اتجاه ايديولوجي، قد نعني بشكل عام الاشارة الى الحب والنفور معاً، حب عقيدتنا السياسية والنفور مما هو ضدها. ويثير الجانب الفكري أو المعرفي ببساطة الى مجموعة الافكار والمعتقدات والحجج التي يتقبلها الشخص نحو موضوع الاتجاه.
والجانب الثالث في هذا الموضوع يتعلق بالسلوك، أي الوقوف في سلوك ظاهر نحو موضوع الاتجاه، ومثل هذه الافعال ذات محتوى سلبي كما في حالة الاتجاهات ذات المحتوى التسلطي، كالتعصب. وإن ترجمة الاتجاه الى سلوك ظاهر يحول موضوع الاتجاه على المدى الطويل الى التصرف بطريقة تتفق مع محتوى الاتجاه. وان التعبير لا يقتصر عن الاتجاه على الجانبين الشعوري والفكري، بل قد يترجم الى افعال سلوكية نحو موضوع الاتجاه. فاذا كان الاتجاه ذا محتوى سلبي، كالتعصب،فان الترجمة السلوكية تصحبها اخطار كثيرة. ومن خلال ذلك، يتبين ان هؤلاء الجواسيس عن عقيدة قد انجروا الى عقيدتهم السياسية، على حساب مذهبهم الطائفي جاعلين ايديولوجيتهم هي مسارهم الاخير. (عبده،1989 :19)
أما على صعيد العملاء في فلسطين فلم يظهر للمؤلف -من خلال اطلاعه ومقابلاته لعدد لا بأس به من العملاء داخل فلسطين- بأن أحد منهم قد انخرط في التعامل مع العدو الصهيوني، من منظور فكري أو أيديولوجي أو عقائدي. ويؤكد ذلك رئيس الشاباك السابق (يعقوب بري) ” حيث يقول أثناء عملية تجنيد العملاء والمصادر لم أحاول أبدا أن اجعلهم يتهودون، بكلمات أخرى لم أحاول أن اجعلهم من محبي إسرائيل، واتخذت دائما طرق للإقناع بمستوى النظر، قلت لهم أنني أستطيع تفهم الدوافع الأيدلوجية للفلسطينيين ولنا الإسرائيليين يوجد دوافع بما يتعلق بأرض إسرائيل ما دمنا نتحارب كجنود مقابل جنود، فان الصراع شرعي، ولكن لا يحق لأحد قتل نساء وأولاد باسم أي أيدلوجيا كانت. (بري،1999: 45)
3- الدوافع العاطفية:
وهي مجموع الانفعالات الداخلية المتقلبة التي تغشى شعور الإنسان في ظروف معينة وأوقات معينة، حيث تتأجج في النفس مشاعر الحب والكره أو الغضب أو الخوف، وهذه عوامل غير ثابتة، ويمكن إيقاظها أو إخمادها، أو توجيهها وتسعيرها تبعاً لشخصية الإنسان.
وإذا تحدثنا عن دوافع التعامل والتجسس، فإن ظاهر هذه الدوافع غير بواطنها، فبالرغم من أهمية الدافع المالي مثلاً، فإن الدوافع العاطفية للعملاء والجواسيس قد تكون أحياناً أكثر من الدوافع المالية. بل أن الدوافع المالية للتجسس أحيانا، ربما قد تولدت نتيجة ضغط الدوافع والحاجات العاطفية. (2: Richards, Heuer ,1999)
ويمكن أن نجمل الدوافع العاطفية في ظاهرة التعامل والتجسس، إلى عاطفتين هما:
أ) الحقد على المجتمع أو نظام الحكم:
إن من أبرز دوافع التعامل، دوافع الحقد والكره للمجتمع، أو نظام الحكم القائم، والإعجاب أو الانبهار بالآخر العدو. ولأن هذه الدوافع عامة غير ثابتة، فإنه يمكن استغلالها لخدمة أغراض التجنيد، وتوجيهها إلى دوافع أكثر ثباتاً واستقراراً في شخصية العميل. ولأن المال ليس كل شيء في اكتساب العملاء، فإن هناك دوافع أخرى اكثر أهمية مثل: دافع الحقد والكره للمجتمع أو النظام، أي أن العميل الذي يجري الاتصال معه للمساعدة على معرفة أمور في بلده، لابد أنه يحقد على الحكم الموجود في البلد، وبالتالي يقوم بالمساعدة. ويمكن أن تبدأ عملية التجنيد بإقناعه بأولوية الاختيار في واجباته نحو بلاده، وأن ثمة وسائل تمكنه من تأدية خدمة حقيقية لبلاده وشعبه بالتخلص من هذا النظام عبر التعاون مع دولة أجنبية تشاركه هذه العاطفة وتملك القدرة على مساندته. ولكن قد يختلف سبب الكره والحقد، من شخص لآخر فربما البعض يحقدون على مجتمعهم أو على نظام الحكم فى بلادهم، بسبب الحرمان من الحقوق العامة، أو على استثنائهم من وظائف معينة لمصلحة آخرين، أو بسبب الظلم والجور الذي يتعرضون له، وأياً كان السبب فإنه ومن خلال هذه العاطفة يمكن تجنيدهم للتعامل والتجسس.
وقد يعتبر العميل أو الجاسوس الذي يعمل ضد بلاده بسبب حقده على أوضاعه، من أخطر الجواسيس وأكثرهم عمقاً، لإنه يريد خراب بلاده على يديه ولا يتحقق حلمه إلا بتخريب البلاد وما فيها من مؤسسات، لذلك قد يعمل لمصلحة المخابرات الأجنبية بالمجان أو لقاء أجر زهيد، ولكنه على كل حال قليل المطالب. وليس كل حاقد على بلاده عنده الرغبة أو الكفاءة للعمل على تخريبها، ولكن يعتبر صيد ثمين لكل إستخبارات أجنبية تبحث عن أعشاش لها في أي بلاد تهتم بها. (شحادة،1992: 45)
ومن الجواسيس والعملاء الذين تعاملوا من خلال الحقد على المجتمع أو نظام الحكم:
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م.د) يقول: ” لقد كنت احقد على المجتمع، وعلى الناس مع انني صاحب علاقات واسعة. وحقدي هذا جاء لانني اشعر بان الناس تكرهني وتنبذني دائماً “. (عباس، 2002: 8)
ومن أشهر الجواسيس والعملاء العرب، الذين ملأ الحقد قلوبهم، واستحوذ على كل كيانهم. العميلة (أمينة المفتي) المولودة عام 1935 من أسرة شركسية مسلمة في الأردن، حيث جندتها الموساد في فينا عام 1972. والتي لم يكن تجسسها مجرد مغامرة عاطفية عابرة، بل عن كرة وحقد وعدوانية، حيث كانت ترى في خيانتها نوعاً من الانتقام والتشفي، ذلك لأنها لم تنس يوماً مدى كراهيتها الشرهة للفلسطينيين، تلك الكراهية التي يحملها القوقازيون في الأردن لهم. فهي شركسية من سلالة هؤلاء الذين فروا من جبال القوقاز الى الوطن العربي، وكانت أسرتها تعمل في خدمة الملك حسين، شأنها في ذلك كشأن القوقازيين الذين يعملون في جيشه، واشتبكوا مع الفلسطينيين في حرب ضروس عام 1970، فاعتبرهم الفلسطينيون أعداء لهم، وهاجموا الأحياء التي يقطنوها وتبادلوا الشعور بالكراهية تجاه بعضهم البعض. هكذا بدت كراهية أمينة للفلسطينيين ذات جذور، وهكذا أينعت مشاعرها على هذا الكره.
ولهذا عندما سئلت عما تمثله إسرائيل بوجدانها، وسئلت عن مشاعرها تجاه الاردن، والفلسطينيين، أقرت بأنها تكره منظمة التحرير، وكل المنظمات (الارهابية) الفلسطينية على حد قولها، وأن الملك حسين أخطأ كثيراً عندما لم يقتلهم جميعاً في الأردن، فهم يكرهون الأقلية الشركسية في الأردن، وضربوا بيوتهم، وأتلفوا ممتلكاتهم، ظناً منهم أن عمها – اللواء بالبلاط الملكي – كان وراء مذابح أيلول 1971، وأحد مرتكبيها.
وزاد حقدها عند موت زوجها اليهودي، حيث شعرت بالحسرة والضياع. وصبت جام غضبها على العرب الذين أرهقوها في الأردن، وطاردوها في النمسا، وضيعوا حلمها في الاستقرار بإسرائيل، وقتلوا زوجها. لذلك فهم سبب نكبتها وفجيعتها. ولأنهم هدموا حياتها كلها، تمنت لو أنها تستطيع الانتقام منهم.
وبسبب هذا المخزون الهائل لدى (أمينة المفتي) اعتبرتها المخابرات الاسرائيلية كنزاً ثميناً لا يقدر بمال. لذلك لا بد من استغلالها واستقطابها، بقليل من بث الكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها الذي كان يمثل لها الأمن والحماية، وهي بحاجة ماسة الى الأمن والحماية من بعده.
ولتجسيد حقدها كانت تتفاخر أمام رجال الموساد بأنها تثأر لموشيه كل يوم من القتلة العرب، وتنتقم منهم دونما رحمة أو شفقة. تدفعها بقوة لأن تستمر . . وتنطلق بكل كيانها لتثأر. . وتثأر . وقالت في مذكراتها زرت شقتي بفيينا وأنا بطريقي لإسرائيل وعندما أضأت الأنوار واجهتني صورة زوجي باللباس العسكري. ركعت أمامه وأجهشت بالبكاء. ورجوته بألا يلومني أو يغضب مني، فأنا أنتقم له وآخذ بثأره. ولن أهدأ حتى أشهد بنفسي بحور الدم المراق تعلوها الأشلاء الممزقة. وأرى ألف زوجة عربية تبكي زوجها، وألف أم فقدت أبنها، وألف شاب بلا أطراف.
وقد رفضت (أمينة المفتي) طلب رجل الموساد بعدم مواصلة التجسس والعمالة حرصاً عليها، وانطلقت بكل الغضب الكامن بأعماقها تقول : لن أقبل ذلك أبداً . ولماذا هكذا تستغنون عن خدماتي بسهولة؟ بالرغم من أنني فرصة ذهبية لا يجب أن تضيعوها. فأنا جئتكم بالكثير عن أخبار المقاومة التي تهدد مستعمراتكم في الشمال، وأطلعتكم على أشياء كانت غامضة لكم، كل ذلك دون أن أقبض منكم سوى ألفي دولار. جئتكم بالتليفونات السرية لكل القادة الفلسطينيين، ليتنصت جواسيسكم هناك عليها. وخلعت ثيابي لكل كلب نتن الرائحة فينتهك جسدي لأجلب لكم الأسرار، والوثائق، والمعلومات. وفي النهاية تقولون لي ببساطة:شكراً !! وأردفت وصوتها كفحيح الأفعى، ينفث الغضب والكراهية كالسم. أبلغ رؤسائك أنني لن أتوقف أبداً، حتى لو أدى الأمر لأن أغادر إسرائيل إلى الأبد، وأعمل بدونكم.(المفتي،2003: انترنت)
والعميله المصريه (هبة سليم) التي تكاد تقترب في ارتباطها من المستوى الفكري، لولا أنه من الصعب جداً والنادر أن تجد عملاء أيدلوجيين يعملون لصالح اسرائيل من العرب أو الفلسطينيين. ولكن قد نجد من يتعامل كرهاً للنظام الحاكم، لدرجة قد تدفع باتجاه أن يقتنع بإسرائيل كدولة لها حق الوجود وينحاز إلى موقفها ولو على حساب أصحاب الأرض الشرعيين. وهكذا كانت هذه العميلة، التي كانت بموقفها هذا مفاجأة للضابط الإسرائيلي في باريس الذي جندها للمخابرات الإسرائيلية، عندما اكتشف انحيازها التام للوجود الإسرائيلي في فلسطين، وحقهم في إقامة وطن خاص بهم. حيث أوضحت إعجابها بقدرة اسرائيل على دخول أي معركة والانتصار فيها. كما اكتشف من خلال حديثه معها بأنها تعشق الحياة المرفهة والمترفة، ورغبتها قوية في اقتناء المال والمجوهرات بأية طريقة، فكان لها ما أرادت وكان له ما أراد.
وكذلك العميلة (داليا المصرية) التي دفعتها مشاعر الكره والحقد على النظام للارتباط مع المخابرات الإسرائيلية، وهى سليلة أسرة ارستقراطية تم تأميم ممتلكاتها، بعد ثورة يوليو، ومات والدها ووالدتها حسرة على ضياع تلك الثروة والمكانه فدخلت لها المخابرات الإسرائيلية من هذا الباب، واستغلت وضعها وحقدها على النظام، وعرضت عليها الارتباط، فوافقت لإشباع هذه الرغبة الجامحة في الانتقام من النظام. (عقلان،1989: 44-45)
والعميل الطيار (منير ردفة) الذي كان طياراً عراقياً ماروني الأصل، وكان مدلل في تربيته، وقد كان يشعر بكرهه للحكم بالعراق بسبب المهام القتالية التي ألقت عليه في قصف القرى الكردية الهادئة في شمال العراق لتمردهم على الحكم العراقي “. (مجدي، 1995: 101-102)
والعميل (توماس) الذي ارتبط بالموساد الاسرائيلي، وهو من أصل أرمني مصري ، والذي ذهب الى القاهرة في تموز 1958، وبدأ بتجنيد العملاء والمخبرين لشبكته، وكان بين الحين والآخر يسافر إلى ألمانيا الغربية للاجتماع مع رؤسائه لابلاغهم بالمعلومات العسكرية التي كان يحملها معه، ثم يعطونه أموالاً وأوامر جديدة.
وفي إحدى هذه الرحلات، التقى بإمرأة المانية غربية تسمى (كيتي بندهوف) وتزوجها، وذهبت معه إلى القاهرة، وأضاف زوجته إلى شبكته بعد أن جندها وكانت رسوله للموساد. وفي أيار 1960 كلف الموساد الزوجان بأن يختارا ضابطاً مصرياً يمكن أن يجنداه في شبكتهما لاحقاً، وحذرهما وطلب أن ينتظرا مزيداً من التعليمات، لكنهما اصيبا باسوأ ما يصيب الجاسوس: الإفراط في الثقة بالنفس فتقربا من ضابط شاب مسيحي قبطي اسمه أديب حنا كارلوس. (ميلمان،رافيف، 1991: 114)
حيث بدا لهم أن كارلوس قد شرب الطعم، لكنه أعلم ضابطه بما حدث، فنصب وكلاء مكافحة التجسس المصرية مصيدة للشبكة الإسرائيلية، فقاموا في البداية بإعطاء توماس معلومات كاذبة واعتقد أنه ينقل إلى تل أبيب معلومات مفيدة . ولكنه اكتشف مؤخراً بأنه قد وقع بالشرك، فبدا له بأن الأرض تحترق تحت قدميه، فاستعد لحل الشبكة ليهرب أعضاؤها فحصل على جوازات سفر مزورة لنفسه ولزوجته، واستطاعت زوجته أن تهرب مع راقصة يهودية، لكن توماس وأعضاء الشبكة الآخرين اعتقلوا في كانون الثاني 1961م .
والعميل (سمير وليم باسيلي) الذي سافر من مصر لألمانيا للعمل، وأثناء جلوسه في مقهى تقدم منه شخص وجلس بجواره، وأخذ يتبادل معه الحديث وسأله عن مصر والأحوال فيها. وعندها انطلق سمير يهاجم بلده، ويعلق على الأمور بطريقة سرَّ منها ضابط الموساد (هانز) فقرر أن يجنده بعد أن وجد فيه استعداداً للتعاون، مما شجعه أن يقدم نفسه إليه باسم الرائد (موسى) من المخابرات الإسرائيلية، ثم عرض عليه الارتباط، فوافق على الفور. (الجزائري،ج1،76:1991)
والعميل (جان بيير) الأستاذ في معهد التقنية الإسرائيلي في تخنيون بحيفا، الذي أصبح عميلاً للمخابرات المصرية، لكونه يكره النظام العنصري للمجتمع الذي يعيش فيه. حيث لم يتبلور لديه بعد الانتماء لهذا الوطن الذي هاجر إليه وهو في سن الخمسين من دول أوروبا، رغم انه حصل على وظيفة وعاش في بحبوحة خصوصاً وأنه غير متزوج ولا يتحمل سوى أعباء نفسه فقط. (الجزائري،ج2، 1991: 111)
والعميلة (باندا ماكلويد) وهي إبنة الجاسوسة الشهيرة (ماتاهاري) التي ورثت عن والدتها حاسة العمالة،والتي دفعها حقدها إلى العمل ضد اليابانيين، الذين كانت تتعامل معهم مسبقاً عبر صالونها الأدبي والثقافي،حيث كانوا يقتلون كل من تبلغ عنهم فوراً وهذا ما ولد عندها ردة فعل، تمثلت في فكرة الانتقام منهم. (عبد الهادي، 135:1991)
ب) الحقد الشخصي:
يعتبر الحقد الشخصي دافعاً مهماً للتعامل مع العدو والمحتل، وهذا الحقد هو بمثابة حقد شخص على غيره من الناس لسبب من الأسباب قد يكون سبب مادي أو سبب معنوي. وقد تم تجنيد بعض العملاء عبر هذا الدافع. وهذه نماذج من العملاء الذين تم تجنيدهم من خلال ذلك.
يقول: (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق، إن أحد العملاء الذين تجندوا معه كان دافعه للتعامل هو الحقد الشخصي على زميله، وذلك أثر منافسة وخلاف تجاري معه. ” في أحد أيام الصيف تم إبلاغي بوجود قروي يسكن في منطقة مليئة بالفدائيين يطالب بتصريح للتجارة في مناطق إسرائيل، دعوته لمقابلتي وطلبت منه التعاون معي، فقام على الفور بالرد بالإيجاب، وأعطيته موعد للقاء في مكان محدد ليس بعيداً عن القرية، وكان من المفروض أن يجلب المعلومة الأولى له في خدمتنا، وقبل الوقت المحدد بقليل، حيث كنت أستعد للذهاب للقائه برفقة الحراس، وفي اللحظة الأخيرة تم إبلاغي أن شخصاً مجهولاً يريد مقابلتي بسرعة، فعدت فوراً لمكتبي، فوجدت قروياً متوتراً، وقال: كابتن يعقوب قل لي أنا أعرف أن لك لقاء هذا المساء مع (…) وذكر اسمه، وذكر مكان اللقاء. وحذرني وقال ” لا تذهب لأنه يوجد هناك فدائيين نصبوا لك كمين من أجل القضاء عليك. فسألته: ما الذي دفعك لتحذيري، فكان رده بالنسبة لي صادقاً عندما قال: منذ زمن بعيد يوجد بيني وبين هذا الشخص علاقات سيئة على خلفية خلاف تجاري معه. لذلك عندما سمع بالصدفة حول الكمين المخطط لقتلي، أسرع لإبلاغي ليس من أجل إنقاذ حياتي، بل من أجل إدخال خصم له للسجن طوال سنوات عديدة، ولذلك خرجت قوة عسكرية الى المنطقة وقامت بمحاصرتها واعتقال الخلية والشخص الذي كان من المفروض ان يكون عميلاً. (بري،1999: 49)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. س. ب) قال: بأنه ارتبط أثر استغلال المخابرات الاسرائيلية لخلاف ومشكلة بينه وبين أقرباءه، وتم تدخل الجيش ونقله للمستشفى، وهناك قابله ضابط المخابرات وعرض عليه الارتباط بتاريخ 5/12/1964م فوافق، من أجل مساعدتة ضد اقاربة.
ويتحدث العميل (ي ف) ” انتميت للجبهة الشعبية في عام 1986 واعتقلت مع مجموعة من الأشخاص وفي التحقيق حدثت اعترافات من بعضنا البعض، وداخل الزنازين حدثت عمليات لواط وبعدما خرجنا لأقسام السجن اتهمني التنظيم بأنني تسترت على عمليات اللواط مع أنني علمت في قضية لواط في الزنازين واتفقت بان لا نفتح الموضوع ونتركه للخارج، وحكمت 4 سنوات، وتم التحقيق معي في السجن من قبل الجبهة الشعبية واتهموني بالعمالة واستخدموا أساليب بشعة معي نفسية وجسدية، وكانوا يعاملونني بأنني عميل وانتزعوا مني اعتراف بذلك. وقامت إدارة السجن بأخذي من سجن السبع على اثر عملية التحقيق معي واستغلوا هذا الوضع النفسي والجسدي والمعنوي، وأخذوني من غرف المساجين ثم عرضوا علي الارتباط، فوافقت كنوع من الانتقام والحقد وردة الفعل على هذه الممارسة ضدي، وكان وضعي النفسي مؤهل لأي شيء نتيجة الممارسة تلك، وبعد خروجي من السجن واصلت الارتباط لمدة حوالي 6 شهور وبعدها قمت بفك الارتباط من نفسي”. (عباس، 2002: 28)
4- دوافع المتعة الحسية والإدمان:
تشكل المتعة الحسية أحد الدوافع الهامة التي تدفع بعض الناس، عبيد شهوتهم للتعامل مع العدو بشكل عام، ومع الاحتلال الإسرائيلي بشكل خاص عبر رغبتهم وإرادتهم، ولكن بعض الناس يجرون جراً لهذا العمل الخسيس، إما باستغلال حاجتهم وهو الأغلب أو باستغلال ضعفهم النفسي وجبنهم وانحرافهم الأخلاقي.(عاقل،1973: 234)
ومن أهم هذه الدوافع الجنس والمخدرات والمشروبات، أوالمخالفات الاجتماعية الأخرى التي يسهل ابتزازهم وتهديدهم وربطهم بها. وقد كان من ضمن سياسة السلطات الاسرائيلية إدخال أكبر كمية من المخدرات للمناطق، أو غض الطرف عن إدخالها والمتاجرة بها، بهدف هدم الشباب الفلسطيني وإبعاده عن العمل الوطني. (بتسيلم،1993: 1)
كما أن كثيراً ممن يعتبر متورطاً في استعمال الكحول المفرط يكون لديه مشكلة في جراء استعمال الكحول، حيث أن من يقع تحت تأثير الشرب، قد يقع تحت تأثير أجهزة الأمن الأجنبية. وقد بينت الدراسة على الجواسيس الأمريكان بأن (40%) منهم اعترفوا بأنهم استعملوا الكحول بإفراط، وأن (27%) من كل المتهمين سقطوا تحت تأثير الكحول. (2: Richards, Heuer ,1999)
وهذه بعض النماذج من الذين كان دافع التعامل لديهم هو المتعة الحسية والإدمان:
في مقابلة خاصة مع العميل (ج. ج. ي) قال: بأنه ارتبط مع المخابرات الاسرائيليه عن طريق ممارسة الجنس مع ساقطة.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م.م.ج) قال: بأنه ارتبط أثر مشكلة وقعت مع سائق سيارة أجرة كان على علاقة جنسية مع زوجة عمه، حيث قام السائق بتهديدي فذهبت لصديق لي وقف معي، وهو نفسه قام بإسقاطي جنسياً ثم ربطني بالمخابرات الإسرائيلية، في 6/1985.
وفي مقابلة خاصة كذلك مع العميل (ب. م. ط) قال: بأنه ارتبط عن طريق الاسقاط بالجنس ثم القيام بتصويره.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (س. س. ق) قال: طريقة الارتباط كانت عن طريق ممارسة الجنس مع عميلة وتصوري وابتزازي من قبل المخابرات فوافقت على ذلك.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ع. ع. م) قال: بأنه ارتبط عن طريق ممارسة الجنس مع ساقطة، وتم تصويره وابتزازه عن طريق ذلك، فوافق على الارتباط.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (س. ف. ك) قال: أنه ارتبط مع المخابرات الاسرائيلية عام 1989 على يد العميل المعدوم (أيمن قمدم) بواسطة ممارسة الجنس مع المدعوة (صباح) وهي عميلة، وتم تصويرة خلال الاسقاط الجنسي معها، وكان ارتباطه مع ضابط المخابرات الصهيوني (أبو مفيد) بعد أن أبرز له الصور الخلاعية، وقال أنه قد تدرب على السلاح في مستوطنة غوش قطيف، وجدد ارتباطه مع الضابط الجديد (أبو هارون) وكلفه بجمع معلومات عن أجهزة السلطة.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. ص. ح) قال: بأنه ارتبط عام 1992 عن طريق الاسقاط الجنسي وتصويره من قبل عميل آخر، ومن ثم ربطه بالمخابرات.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ش. ع. ز) قال: بأنه ارتبط عام 1990 عن طريق مساومته من خلال الاسقاط الجنسي.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ب.أ.ق) قال: بأن ضابط المخابرات استدعاءه لمقابلته وذهبت إليه، وعرض عليه الارتباط فرفض في البداية، وأرسل له مرة أخرى. وقال: فاجأني بصورة لوالدتي وهي تمارس الجنس مع شخص لا أعرفه، فانهرت ووافقت على الارتباط مباشرة خوفا من الفضيحة ، وذلك عام 1983 ولا يعلم أحد عني سوى والدتي، وهي السبب في توريطي.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (أ. م. ع) قال: بأنه تم ربطه بتاريخ 14/10/88 م حيث كان يرمي الحجارة على الجيش الإسرائيلي، وتم إلقاء القبض عليه. وطلبه ضابط المخابرات المدعو (ابو حامد). حيث وضع له –حسب قوله- حبة منوم في كاس الشاي، وتم تصويره وهو يمارس الجنس مع بعض الفتيات، واللواط مع جندي إسرائيلي. ذلك مما جعله يوافق على الارتباط.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ز. ف. ب) قال: بأنه ارتبط سنة 1987 في الاعتقال حيث تمت مساومته، وكان معتقل على المخدرات فوافق. وقام بإسقاط وربط العديد من الرجال والنساء عن طريق الجنس.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ي. م. ص) قال: بأنه ارتبط سنة 1985 ، وتم ربطه عبر مساومته على الصور الجنسية.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ن. س. م) قال: بأنه ارتبط عن طريق المساومة عبر الماضي السيئ والانحراف الأخلاقي من خلال أصدقاء السوء بالمخدرات والجنس. وتم ذلك بعد اعتقاله في عام1911م .
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. ع. ظ) قال: بأنه ارتبط سنة 1981م وذلك بعد قيامة بالسرقة، حيث أعتقل وعمره 19 سنة. وقابلة ضابط المخابرات وبعد التهديد والضرب له في المقابلة وافق على الارتباط.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ط. ع. ب) قال: بأنه ارتبط من خلال ماضية السيء عام 1982. حيث قام بتزوير دولارات مزيفة، وعمليات نصب، وكان له سوابق في عالم الإجرام، حتى في إسرائيل.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ا. ف. ك) قال: بأنه تم استغلال الماضي اللاأخلاقي له، وارتبط مع المخابرات الإسرائيلية عبر الممارسات اللاأخلاقية خلال الانتفاضة الأولى.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. ك. س) قال: بأنه ارتبط عام 1985 عن طريق عميل كان له علاقة جنسيه معه. وذلك عن طريق عملية اللواط معه في العمل.
ويقول العميل (س.ع): ” أنا لا اهتم ماذا سيجري غداً المهم أن أعيش يومي، أدخن الحشيش وأسكر، واحب ممارسة الجنس … تورطت في عمليات السرقة والاحتيال على الناس ومارست لعب القمار”.
ويقول العميل (ز.ث) : “كنت احب البنات كثيراً بشكل شهواني، ولكن كناحية تخيلية، ولم اجرؤ على التصريح بذلك بتاتاً، وذلك بحكم الواقع… وعندما كنت أتعاطى الحشيش اشعر بالمرح والانبساط وتزيد لدي عمليات التخيل والانسجام والمتعة”. (عباس، 2002: 11-15)
وكذلك العميل (نبيل النحاس) اللبناني الأصل الذي كان يحتاج إلى ضعف دخله لينفقه على ملذاته وسهراته وأسفاره المتعددة ما بين القاهرة– بيروت- باريس، والذي أسقط في أيدي المخابرات الإسرائيلية من خلال هذه الثغرة، بعد أن وجدت فيه ما تريد من ضعاف النفوس، فأخذوا يمدونه بما يريد، وهو يمدهم بالمعلومات عن مصر نظير ذلك. (الجزائري،1991: 65)
وأما العميل (عماد عبد الحميد اسماعيل) من شبكة العميل الاسرائيلي داخل مصر (عزام عزام) فقد كان شخصاً ذو دوافع جنسية، فأخذ يبحث عن الجنس بنهم وشغف. كما أنه شخصاً فضوليا للغاية، وشاب غير مسؤول، فهو منذ اللحظة الأولى في اسرائيل، كان يبحث عن النساء، ويظهر ذلك واضحا عندما طلبت منه فتاة تبلغ من العمر 19سنة تدعى (علا) أن يأتي للتدريب معها على نفس خطها الإنتاجي فوافقها على الفور ووعدها بالتدريب معها بداية من الغد، وعندما عاد إلى الفندق في المساء دخل معه أصدقاؤه إلى إحدى القاعات لحضور حفل وهناك التقوا مع (بإزاك) متعهد الحفلات، وعندما جلس للترحيب بهم بدأوا معه الحديث عن الفتيات الجميلات بشوارع إسرائيل وخاصة “بنات الدعارة ” فقال لهم إزاك: إن أجر الواحدة منهم حوالي خمسين شيكل”. فوافقوا على ذلك. وكن لم تنته رغبة عماد وأصدقائه في التعرف على عالم نساء إسرائيل فحسب، ففي اليوم التالي التقى عماد مع عزام وقال له يبدو أننا جئنا لإسرائيل للحج وعندما استفسر عزام عن معنى هذه العبارة أوضح عماد بقوله ” منذ مجيئنا لم نعاشر النساء حتى الآن”. فضحك عزام وعاد إليه في التاسعة مساء ومعه سيدتان روسيتان قدمهما هدية للمجموعة. (قديح،2002 :انترنت)
وقد كانت المخابرات الاسرائيايه تسعى لإفساد صغار السن، حيث استطاع ضابط المخابرات الإسرائيلي (جان) الذي لم يمض على تعيينه في جنين سوى عدة شهور، أن ينظم العميل (مروان) من جنين ليكون واحد من شبكة عملائه، مستغلاً صغر سنه وسذاجته، ومستدرجاً إياه إلى المصيدة. وكانت خطة الضابط إفساد الفتى من خلال مده بالمبالغ المالية التي شكلت تحولاً خطيراً في حياته. ومن خلال هذا الأسلوب ساءت أخلاق “مروان” وبات يتردد على السينما ويهمل دروسه، وكانت هذه بداية مرحلة الانحراف والانسلاخ عن بيئته، ومحيطه المحافظ، وقد لاحظ والده هذا التحول وبدأت مرحلة القلق، وكانت الصعوبة التي واجهت الضابط إيجاد المفتاح الذي يدخل به إلى عالم الشباب الوطني في جنين، فوجده في سذاجة هذا الفتى، الذي كان المدخل لتجنيد شبكة كبيرة من الشباب تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية. (عيسى،1990: 9)
5- الدوافع الذاتية (الشخصية):
هي مجموعة من الدوافع الداخلية، التي تسيطر على منطلقات السلوك لدى الفرد، وتحرفة باتجاهات غير سوية، قد تقودة أحياناً لممارسة سلوك غير طبيعي ضد نفسه، أو ضد الآخرين من حوله.
إن كثيراً من الأحيان ما تكون الدوافع الفردية الذاتية، هي الدافع الحقيقي للسلوك، حيث أن الدوافع الظاهرة غالباً ما تكون مغلفه بدوافع خفيه. فقد يكون المحرك والدافع أحياناً هو شهوة النجاح ، أو قوة السلطة، وحب التأثير في الآخرين، وعلى الأحداث، أو طريقاً للسعادة أو تحقيق الذات، أو قد يكون نتيجة الشعور بالإحباط، أو عدم احترام الذات، أو قد يكون تنفسيا للغضب، كاسترداد الشخص لذاته المحطمة بواسطة التمايز او للتعبير عن معاقبة رؤساء العمل الذين لم يقدروه حق قدره، او يكون وسيلة للانتقام، او مصدر للابتهاج. أو قد يكون الازدواجية في الولاء، او الغرور والكبرياء…الخ. (انترنت: 1990 Richards, Heuer.)
ومن أهم الدوافع الشخصية:
– تعويض ضعف الشخصية: وهو دافع يحاول من خلاله الفرد، تعويض نقص ما يشعر به. وقد تبين من خلال العديد من المقابلات أن أغلب العملاء كانوا من ضعاف الشخصية. وكان لذلك دوراً كبيراً في الارتباط، حيث يبحث رجال المخابرات عن الأشخاص الذين يكون لديهم ضعف في شخصيتهم، لسهولة انقيادهم والسيطرة عليهم. (وود،1990: 66)
ويقول العميل الفلسطيني (ح.هـ) أن من دوافع ارتباطه شعوره بأن لديه ضعف في شخصيته، وانه أدنى من الآخرين أو اقل منهم.
كما أن العميل (س.ك) يقول ” أشعر بأنني منبوذ من المجتمع، واشعر بالغربة وأنا بين الناس، واشعر كأن الناس ينظرون لي نظرة غريبة، واشعر بان المجتمع والناس كلهم ضدي، واشعر بالضيق أحياناً وكأنني غير متحمل حالي”. (عباس، 2002: 1)
ويقول العميل (س.هـ) “احب العيش والسكن بعيداً عن الناس واعتزلهم جميعا، حتى لو خرجت وعشت في الجبال بعيدا عن الناس فأنا لا احب الاختلاط بالناس وحتى أنني أكون جالساً لوحدي (أحلام اليقظة) وأتخيل وأنا ساكن بعيداً عن الناس، أتمنى أن أسافر أنا وزوجتي وأولادي بعيدا عن هذا البلد، وأتمنى أحيانا أن يحدث زلزال ويدمر قطاع غزة “. (عباس، 2002: 19)
يقول: أحد العملاء في فلسطين في مقابلة مع المركز الاسرائيلي للسلام “بتسيلم” ” لقد كان دافعي لأن أصبح عميلاً، هو أن أصبح أقوى من ” فلان”، وقمت بذلك لأنني لست ابن عائلة قوية، وليس لدي سند، وأن ذلك سوف يجعلني قوياً أمامه، وقد شعرت أن السلطات الإسرائيلية والعملاء سوف يكونون بمثابة عائلتي، لأنه ليس لي عائلة أخرى، لقد أردت المركز والقوة، وحصلت عليها.(بتسيلم،1993: 10)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. ع. ع) قال: بأنه كان ضعيف الشخصية جدا، وسهل الانقياد، وقد ارتبط سنة 1996 بسبب الوضع المادي المتردي له.
– حب السيطرة والتملك: وهو حب الفرد للاستيلاء على أشياء، يرغب بها، حتى لو لم تخصه. وسلوك العنصر البشري – للعميل أو الجاسوس – يدفع به إلى غاية السيطرة، والقوة والتحكم في الآخرين، وهذه الغاية تؤثر على خطة وشكل الحياة لديه، وهي التي تدير مزاجه، وتؤثر في حركته السلوكية. (عبده،1992: 75)
ومثال على هذه الصفة العميل (غ.ك) الذي يقول: “أحب التملك والسيطرة وأميل لكثرة المشاكل والتمرد وعدم الخضوع والتعدي أحياناً على الغير”.(عباس، 2002: 19)
وبرز هذا الدافع في أحد عملاء المخابرات الأمريكية من مواطني إحدى دول أوروبا الشرقية، عندما طلب مبلغاً كبيراً من المال واشترى بواسطته يخت رغم أن هذا قد يعرضه للكشف لعدم تناسبه مع دخله، لذلك استدعاه ضابطه المجند ونبهه لذلك، ولكن اعترف له العميل بأنه لم يستطع مقاومة ما كان دائماً يتمنى، فهو منذ طفولته كان شديد الرغبة بامتلاك يخت بمحرك وأما وقد أرضى رغبته فإنه مستعد للتخلص منه. (عبده، 1989: 77)
– حب الاستطلاح والمغامرة: وهي القوه الداخليه التي تدفع بالفرد للمخاطرة والمجازفة، رغبة منه في تحقيق غاية لديه. وقد ظهرت هذه الصفة جليه في الجاسوس الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة (جوناثان بولارد) الذي كان طالباً جم الذكاء ومنظماً للغاية، وينزع ليكون مغامراً إلى حد بعيد، ويميل إلى المبالغة في الأشياء، فإذا عهد إليه بمهمة لكتابة بحث يؤديه بشكل أروع ما يكون وبوقت قليل أيضا. (Blitzer,1992:42)
ويقول العميل في مقابلة خاصة (ع.ت) “احب أفلام المغامرات وعندي حب الاستطلاع ومعرفة الأشياء”. (عباس، 2002: 18)
وأما الفتاة الإنجليزية (فوليت) التي عملت جاسوسة ضد الألمان فقد استطاعت أن تحقق أفضل النتائج في ممارستها للتجسس، لأنها أحبت المغامرة طوال حياتها، وكانت لماحة سريعة البديهة، وقد جعلت منها هاتان الخصلتان جاسوسة من الطراز الأول. وقد كانت تمتاز في طفولتها بتحدي الأولاد في أن يتسلقوا أنابيب المياه إلى الأدوار العليا، مثلما تفعل ولم تجد من يباريها في تلك العملية. (الكاشف،1990: 30)
– الشر والعدوانية : وهي يميل داخلي لدى الفرد، يدفع به لإيقاع الأذى بالآخرين. لذلك توصي المخابرات ضباطها المجندين، بدراسة حياة الشخص المرشح للتعامل، بكل تفاصيلها، وخاصة مكامن الضعف والشر فيها، لأن بعض الناس، قد جبل على الفساد أولاً وآخراً، ويحمل من بذور الفساد ما يخفف عن كاهل عدوه البحث والتنقيب عن مداخل لنفسيته، لأن المداخل موجودة ومتوفرة لدية بشكل قاطع.(وود،1990: 32)
ومن العملاء الذين امتازوا بهذه الصفة العميل (منصور الطوبي) ويسكن العريش بسيناء المصرية. وكان مستواه التعليمي جيداً في المرحلة الجامعية، ولديه نصيب وافر من الذكاء، إلا أنه كان شاباً طائشا،ً شرير النزعة، يميل للمكر. تعامل مع العدو من خلال هذه النزعة الإجرامية، مقابل الحصول على بعض المال لخيانته وطنه. (مجدي،1995: 34)
ولقد مثل هذا الدافع كذلك بجدارة الجاسوس الأمريكي (جون والكر) الذي كان رئيس ضباط اختصاصي شفرات في البحرية الأمريكية، عندما تطوع برغبتة بإعطاء خدماته لجهاز الاستخبارات الروسية في سنة 1967. وبعد تقاعده استمر في عمله مع جهاز “KGB”. وقد وصفه صديق طفولته قائلاً ” بأنه ” الشر بذاته ” لم يكن هنالك من صواب أو خطأ لديه، لا فضيلة ولا غير فضيلة في عينيه. كان هناك فقط مطالبه الخاصة، احتياجاته الخاصة، لقد خان بلاده، وحطم شعور زوجته، وافسد اطفاله، واحتال على أصدقائه، وبالرغم من كل ما سبق لم يكن يرى نفسه مختلفا عن الآخرين، ولكن أذكى قليلا منهم، ومن وجهة نظر كان يعتبر ” الكل فاسد..الكل نصاب محتال”. (انترنت: Richards, Heuer. 1999)
– الشعور بالعظمه والأفضليه: وهو شعور يتملك الفرد، بحيث يشعر من خلاله بأنه افضل وأحسن من الآخرين. وقد كان الجاسوس الأمريكي (آيمز) مبالغ في ثقته بنفسه، إلى حد الشعور بالعظمه، حيث برر تعامله بانه يمكنه ادارة عمل خداعي احتيالى ضد الKGB، و هذا بالطبع اشارة لاعتزازه وبافتخاره بنفسه، و داء الشعور بالعظمة لديه. ان الاتصال الاول لآيمز مع KGB كان بدافع مالي بحت، لكن آيمز نفسه لم يكن قادرا على اعطاء تفسير حول استمراره في العمل بعد ان اكتفى ماديا . لذلك صرحت زوجته (روزاريو) في مقابلة تلفزيونية قائلة :” لا اعتقد انه كان يقوم بهذا العمل لاسباب مادية …اعتقد ان السبب الاكبر له هو انه كان يريد ان يثبت للعالم انه افضل و اكثر ذكاءا، لقد كان هذا يعزى بالتكبر والتعجرف بعينه “. أي ان التفسير الذي قدمته زوجته (روزاريو) يعطي تعليلا بان الشعور بالعظمه، هو الذي قاد (آيمز) لخيانة بلدة ووطنه. (انترنت: Richards, Heuer. 1999)
مقارنة بين أهم دوافع الجواسيس والعملاء في الولايات المتحدة الأمريكية وفلسطين:
لقد تبين للكاتب من خلال اطلاعة على بعض الدراسات الأجنبية، ودراسته في الماجستير والدكتوراة للعملاء في فلسطين، بأن الانحراف نحو الجرائم المدنية كالقتل أو الإغتصاب أو السرقة أو المخدرات أو التزييف والتزوير وغيرها من الجرائم التي يعاقب عليها الفانون، يختلف بشكل كبير عن الانحراف نحو الجريمة السياسية، وحتى في الجرائم السياسية نفسها. ويفضل بعض علماء الجريمة رفض إطلاق لفظ الجريمة السياسية على ظاهرة التعامل، رغم أنها تشترك معها في بعض الخصائص والمواصفات كونها موجهة ضد النظام والمجتمع، وأطلقوا عليها بدلاً من ذلك اسم “جريمة الخيانة العظمى” . وقد فرقوا كذلك بين البواعث والدوافع نحو هذه الجرائم باعتبار أنه يشوب الجرائم السياسية أحياناً بعض الدوافع التي تختلف الأمة في تصنيفها، وبين الجرائم الموجهة للمجتمع، حيث يميلوا لاعتبار وجود شبهه في الأولى، في حين أن كل العلماء ينظرون بشكل عام إلى ظاهرة التعامل على أنها جريمة موجهة ضد المجتمع برمته تهدد أمنه وسلامته، ولم يقتصر أثرها السلبي على النظام أو على المجموعة الحاكمة إن جاز التعبير، وليس لها دوافع يمكن اعتبار أنها تشوبها شبهة معينة تخفف من وقعها، ولا يسوغها أي عرف أو قانون، ولا يملك أحد الحق في إعطاؤها مبرراً أخلاقياً مهما كان الحال. وقد تبين كذلك بأن أهم دوافع التعامل داخل فلسطين كانت دوافع تنبع من الحاجة المادية وما تمثلة من مصالح هامه وملحة وفي كثير من الأحيان ما يصحبها كثير من الضغط والتهديد والابتزاز والاستدراج والتوريط. ويعقبها دوافع المتعة الحسية التي كانت في الغالب مصحوبة بالاسقاط .
أما الدراسة التي نفذت من قبل البحث الأمني للدفاع الشخصي في أمريكا. وارتكزت على (150) حالة من المواطنين الأمريكيين الجواسيس للأجانب فقد أظهرت أن دوافع هؤلاء الجواسيس والعملاء تختلف عن دوافع العملاء داخل فلسطين.
وتبين أن معظمهم تطوعوا بأنفسهم للعمل كجواسيس بدافع الرغبة الذاتية، فكان 64% منهم تقدموا بأنفسهم كمتطوعين لتقديم خدماتهم للأجهزة الأجنبية، وأن 12% منهم تم تجنيدهم عن طريق صديق أو أحد أفراد الأسرة،وأن 22% تم تجنيدهم عن طريق إحد أجهزة الأمن الأجنبية. والأكثر غرابة أن 71% منهم كانوا من العسكريين.
وأما باقي الدوافع بالنسبة للعملاء الأمريكان حسب الدراسه فتمثلت دوافعهم في التالي:
دافع المال: سواء محتاج أو جشع، يعتبر العامل الرئيسي من دوافع الجاسوسية للامريكان حيث كان دافعاً ل (69%) من الحالات.
ودافع الانتقام الشخصي: سواء من مديرة في العمل أو مع الأشخاص الآخرين، أو بسبب بعض المواقف كان دافعاً ل (27%) من الحالات.
ودوافع أيديولوجية: وقد تمثل ذلك في نسبة (22%) وتشتمل على دافع الدين أو الأيديولوجيا، أو المشاركة الوجدانية للعدو.
ودافع عاطفي كالرغبة في إرضاء آخرين: وقد تبين أن كثير من هذه الحالات قد تم تجنيدها للتجسس من قبل حبيب أو صديق أو أحد أفراد الأسرة. ومثل هذا الدوافع نسبة قد كانت بنسبة (17%) من الحالات.
ودافع الإحساس بالأهمية وحب الشهرة: وقد تم التجنيد عبر هذا الدافع للتجسس ما نسبته (14%) من الحالات.
ودافع الخوف من التهديد : وتم التجنيد بهذا الدافع ما نسبته (12%) من الحالات.
ودافع الإكراه الفعلي: فالذين كانوا مكرهين بالفعل على العمل كجواسيس لصالح العدو فقد كانوا فقط (5%) فقط من الحالات. (انترنت: Richards, Heuer. 1990)
في حين أن أغلب العملاء الذين ارتبطوا مع العدو الإسرائيلي في فلسطين، قد كانوا من أصحاب الدوافع المادية والمالية، تصحبها عوامل ضاغطة مثل: ضغط الدافع، وضغط الموقف. وهؤلاء هم النسبة الأكبر من بين العملاء الذين ارتبطوا بدوافع أخرى في فلسطين.
القسم الثاني: العوامل المؤثرة في التجسس والتعامل :
أوضحت بعض الدراسات على المنحرفين والمجرمين ، بأن الجريمة والانحراف ليست محددة، بل تنبع من تفاعل أكثر من عامل، ولهذا يجب البحث عن العلاقة السببية في تفسير ظاهرة الجريمة والانحراف -التي ترجع تفسير الظاهرة لعلة أو لسبب واحد- والبحث عن عوامل تفسير هذا السلوك. حيث أشار كثير من العلماء إلى فشل المحاولات التي ترجع الجريمة إلى عامل سببي واحد، لعدم وجود سبب واحد لها نتيجة للتفاعل المعقد بين العديد من العوامل الشخصية والخارجية في بلورة السلوك الإجرامي، وقد ذهب العالم (كابلان) إلى أبعد من ذلك، حينما قرر أن لكل جريمة أسبابها، ولكل مجرم دوافعه، فقال: ” أن الجريمة ظاهرة متنوعة العناصر والأهداف والظروف، وليس من المنطقي الحديث عن أسبابها العمومية والشمولية، إذ أن لكل جريمة أسبابها وظروفها الخاصة، ولكل مجرم يرتكب ذات الجريمة دوافعه وأسبابه المغايرة عن دوافع غيره “. (البشري،1997: 133)
ومن المتعارف عليه أن تكوين الانحراف بشكل عام، هو خليط من تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل البيئية المحيطة. حيث أن الانحراف في الموقف الآني الضاغط مهما كان لابد له من عوامل تساعده، هذه العوامل هي نتاج الخليط المتراكم في النفس البشرية من خبرة الحياة .
وقد أكد العالم (كرموس) بأن العوامل التي تقف خلف الانحرافات النفسية والاجتماعية من الصعب حصرها، ومن الصعب تقدير أسباب هذه الانحرافات النفسية الظاهرة، فهي كثيرة ومتداخلة، ويختلف تأثيرها من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن زمان لزمان. (قرني،ب.ت:220)
وتقسم العوامل المؤثرة في الانحراف والجريمة لثلاث عوامل هي: العوامل الاستعدادية (الكامنة)، والعوامل المهيأة (المعززة)، والعوامل الضاغطة (المعجلة).
أولاً: العوامل الإستعدادية (الكامنة):
العوامل الإستعدادية هي تلك العوامل المتصلة بخلفية الفرد التي تتضمن العوامل الوراثية، وخبرات الطفولة مع الوالدين والأقران وغيرهم. (ويتيج،1977: 283)
وهي إما عوامل وراثية توجد لدى الفرد بشكل تكويني وهي (جسمية، وعقلية)، أوعوامل ذاتية شخصية توجد لدى الفرد بفعل خبرات الطفولة وهي(شخصية، ونفسية)
وهي استعدادات وراثية معينة كامنة لدى ذات الفرد، تجعله مهيأ للاضطراب النفسي أو العقلي أو الانحرافات السلوكية، ثم تأتي ظروف التنشئة الخاطئة، وتتفاعل مع هذه الاستعدادات وتنميتها لتجعل الشخص أكثر تهيئاً للاضطراب. وهذه العوامل قسمان :
1- العوامل الذاتية الوراثية:
وهي خصائص فسيولوجية معينة غير قابلة للتغيير تحمل الخصائص والصفات الأساسية لجنس الشخص. (ويتيج،1977: 255)
أ) العوامل الجسمية والحالة المرضية:
تعتبر الأمراض المزمنة، أو العجز والعاهات، أو اضطراب الغدد، أو اضطراب النمو، أو الأمراض العقلية (التي ترجع لأمراض عقلية عضوية) لها تأثير كبير على الانحراف. وذلك مثل الانحراف الذي يحدث تحت تأثير المواد المخدرة والمشروبات الكحولية التي تجعل الشخص في حالة لا يستطيع معها التحكم في تصرفاته وأعماله.
(الديب،1997 :346)
وما ينطبق على الجرائم العادية ينطبق على جريمة التعامل في هذا المجال حيث وصف أحد الجواسيس الأجانب نفسه في الصغر قائلا: أمضيت شبابي وأنا أعيش في هذا الجو المشحون بالإثارة، حيث كنت أعاني من وضع صحي سيئ، فقد أصبت بالكساح الذي أجبرني على استخدام أرجل حديدية لسن المراهقة. (رايت،1998: 51)
والعميل الألماني (رينهارد جيهلين) الذي خدم المخابرات الأمريكية بإخلاص وذكاء يقدم الدليل والبرهان على تأثير الحالة الجسمية على الإضطراب النفسي في التجسس، فقد كان يعاني من مركب نقص أثر في نفسيته بعمق وذلك من جراء قصر نظره وأذنيه الكبيرتين، ووجهه الذي يخلو من سمات الرقة والسماحة وشعره الأشعث الذي يصعب تصفيفه، وكذلك بسبب مركب النقص الذي تملكه واستبد به فكان شديد الخجل، ميالاً إلى العزلة، ولا يصادق إلا القليل من الناس، وكان أقرانه في المدرسة يعاملونه بسخرية من جراء عيوبه الخلقية، ومن ثم كان يرفض أن يرافقهم في الرحلات أو يشترك معهم في لهوهم، أو مباراتهم الرياضية، أو مغامراتهم الصبيانية، وتلك هي الأسباب والعوامل النفسية التي جعلت من هذا الرجل ومركب نقصه داهية، يجد لذة لا تعد لها لذة في التقوقع، والعمل على إنفراد، والحرص على التخفي والتنكر، وبذل ما في وسعه من جهد للسيطرة بطريقة ” تمسكن حتى تتمكن” على رؤسائه الذين كانوا يتصورون خطاً بطبيعة الحال أنه خادمهم المخلص المطيع. (الكاشف،1990 :101)
وقد كان كذلك العميلين (أنطوني بلانت) و(روجر هيس) الذي شعر بمركب نقص لديه، حيث يقول: بأنه في صغره كان ضعيف البنية، فأحس لذلك بشيء من مركب النقص نحو أشقائه الثلاثة. (الجزائري،1991:ج3، 343)
ب) عوامل القدرات العقلية والذكاء:
يعتبر الذكاء من العوامل التي لها استعدادات وراثية، وقد عرفه العلماء بأنه عبارة عن مجموعة من القدرات التي يتمتع بها الإنسان لتكييف وتوجيه سلوكه في الحياة بما يلائم ما يثور من احتياجات ومتطلبات جديدة لديه، وذلك بالاستعانة بأنسب وأصلح الوسائل التي يستنبطها الفكر. ويعتقد كثير من العلماء أن العوامل العقلية المتدنية، تؤثر في كثير من الجرائم التي تقع في المجتمع. ولكن جريمة التعامل تكتفي بحيزاً مقبولاً من القدرات العقلية العامه، فالذكاء الذي يمثل القدرة العامة يتطلب من العميل أن يحوز على قسط مقبول منه، حيث لا يمكن أن يكون معدوماً من الذكاء أو غبياً، وفي نفس الوقت لا يتطلب التعامل ذكاء خارق أو عالي، وذلك يتحدد بحسب طبيعة مهام العملاء ونشاطهم. ولكن في القدرات الخاصه تختلف الأمور، فقد يحتاج لهذه القدرة كقدرة الذكاء الاجتماعي، ولكن قد لا يحتاج لقدره علميه عاليه، في حالة التعامل في فلسطين.
2- العوامل المكتسبة (الذاتية الشخصية):
أ) الصفات والسمات الشخصية:
تتشكل لدى الفرد عبر عوامل متعددة ومتشابكة صفات وسمات، تسمى صفات وسمات الشخصية، تشكل له أنمطه وأساليب سلوكية شبه ثابتة، تميزه عن غيره من الناس. وقد لاحظ بعض المتخصصين في مجال (التجسس والتعامل)، بعض الصفات منها على سبيل المثال: ” الشك، العدوانية، الحقد، الأنانية، القسوة، المغامرة، الدونية “. (الجزائري،1991:ج1، 71)
وهذه الصفات تعتبر بمثابة المؤهلات الشخصية الطبيعية للمرشح للتعامل، والتي تنعكس على مدى قابليته للمحافظة على الأسرار أو الوقوع في دائرة الخطر الأمني من خلال معرفة سلوكه الشخصي والإطلاع على أهم السمات الشخصية لديه، ” كالغرور وحب الظهور والشهرة والشعور بالنقص و الكذب، وإثبات الوجود، والنفاق”، ومن ناحية أخرى معرفة مدى الاستقرار العاطفي والعائلي والمادي عنده، وهل يمكن التأثير عليها بسهولة، ومعرفة مدى قوته الشخصية. ومن بعض الصفات والسمات :
– التباهي وحب المظاهر: تقوم المخابرات الإسرائيلية بتصيد من يعرفون بحب المظاهر من ضعاف النفوس، ومحبي الظهور في الليالي الحمراء والإنفاق بشكل ملفت للنظر، وهو دافع مهم للتعامل.
ففي مقابلة مع مركز حقوق الانسان الاسرائيلي (بتسيلم) لأحد العملاء الهاربين المدعو (أبو الفهد) 34 عام -يعيش حالياً في يافا- أوضح فيها الأسباب التي جعلته مخبراً وعميلاً لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشين بيت) يقول: كنت شاباً، وكنت مأخوذاً بفكرة أن أصبح ذا قوة ومركز، وأجمع مالاً بشكل سهل وسريع، وأحببت أن أتجول حاملاً سلاحاً مخيفاً، والمرور عبر الحواجز والطرق المقفلة من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي بدون مشاكل، وكذلك الظهور وتقديم الخدمات وخصوصاً التصاريح وهذا هو الذي دفعني للتعامل. (بتسيلم،1993: 19)
– الغرور والأنانيه: اكتشفت المخابرات الإسرائيلية هذه السمة لدى المواطن المصري (رجب عبد المعطي) الذي حضر بنفسه ليعرض الارتباط، لأن لديه دافعاً لذلك هو سمة حب الغرور، إضافة لحبه للمال والغنى، وبناءً على تلك السمة تم تجنيده وكذلك منحه رتبة رائد في المخابرات الإسرائيلية، ووافق بكل سرور ليكون عميلاً لإشباع تلك الرغبة.
– الجشع والطمع: وقد كانت وراء ارتباط العميل المصري (محمد عمر حموده) الذي عرض نفسه على أجهزة الأمن الإسرائيلية حيث اتصل بنفسه بالقنصلية الإسرائيلية عارضاً خدماته فاستقبله معاون الملحق العسكري في القنصلية وقبل عرضه بعد أن تأكد من صدق نواياه، وأن الجشع والطمع وحب المال، يسيطران على مجرى حياته. (الجزائري،1991: 66)
– الوجاهه وحب الشهره: يغرم البعض بحب الوجاهة والغرور وأن يأم بيته المواطنين سآليه الدعم والمساعدة في حل مشاكلهم العالقة. ويقول عن هذه النوعيه (يعقوب بري) رئيس الشاباك السابق ” إن بعض جواسيس الشاباك في بعض الأحياء العربية كانوا يعملون علناً، وهم الوجهاء المحليين الذين يملكون الممتلكات الكبيرة، علاوة على قيامهم بالاصلاح في مجتمعاتهم. وكانت منزلتهم العالية تحميهم من اللذين لا ينظرون إليهم بعين الرضا لتعاونهم مع جهاز الشاباك. وإن أكثر هؤلاء ومنهم مضيفي (كمال) لا يساعدوننا مقابل أموال، ولكن للاستمتاع بمزايا من نوع آخر مثل: القيام بجمع شمل العائلات، أو الحصول على تصاريح البناء، أو التجارة والعمل، أو تسريع المعاملات في الشرطة، أو دوائر الضرائب، ومقر حاكم العسكري، وغيرها.
ومن هؤلاء الوجهاء أيضاً (زكي عبد الله) وهو شخصيته محبوبة في باقة الغربية، لم تكن هناك مناسبة تقريباً في البلد لم يُدعَ للاشتراك بها، وكان الشاباك يرد له الجميل لمساعدته لهم بطرق مختلفة. وعلاقته مع الإدارة العسكرية الإسرائيلية جعلت من بيته مكاناً يقصده الناس الباحثون عن الطريق التي توصلهم إلى السلطات الإسرائيلية. فمثلاً إذا اعترضت أحدهم مشكلة في دائرة الضرائب، يأتون إليه فيحل مشاكلهم بمجرد أن يرفع سماعة التليفون للموظف المختص مباشرة. لقد كان ينجح في أغلب الأوقات بأن يفعل المستحيل لذلك، فالسلطات الإسرائيلية تكن له الاحترام، علاوة على احترام القرويون له، وهو مستمتع ومستفيد من هذه ومن تلك. (بري،1999 :37)
ب) الخبرات الأولية للفرد:
وهي خبرات الفرد التي تتكون لديه من خلال علاقته مع البيئة المحيطة به، وخاصة في مرحلة الطفولة لدية. (ويتيج،1977: 255)
وتعد مرحلة الطفولة أهم مرحلة في حياة الكائن البشري إذ خلالها تتشكل شخصيته بأبعادها المختلفة، المعرفية، الانفعالية والسلوكية. وقد أثبتت كثير من الدراسات النفسية أن 80% من شخصية الطفل إنما تتكون في السنوات الثماني الأولى من عمره، وهذا التشكل يخضع لاعتبارات تتصل بذات الطفل من جهة من حيث استعداداته وقدراته وفاعليته واستجابته للمؤثرات، كما تخضع لنوعية هذه المؤثرات التي تحيط بالطفل ودرجتها وهي التي تشكل شخصيته، ولذا يختلف الأطفال باختلاف المؤثرات والبيئات الثقافية التي يعيشون فيها والتي يسعون إلى أن يتكيفوا معها، ويجدون التقبل والاستحسان من أفرادها بما يحقق لهم التوافق الاجتماعي، الذي يشكل القاعدة الأساسية للصحة النفسية. (رمضان،1987: 92)
وقد تبين من خلال الدراسات والمقابلات للعملاء، أن لدى العملاء هشاشة وضعف نفسي داخلي، ويعود ذلك لنمط الخبرات الماضية والظروف الحياتية القاسية، وتسيطر عليهم رغبات جامحة تدفعهم تجاه الانحرافات النفيسة والشخصية، خاصة العصبية منها، “كحالات الضغط، والصراع، والتوتر، والقلق، والإحباط، والانقباض، واليأس والحرمان العاطفي والإنطوائية”، وغيرها من الأمراض التي يكون لها علاقة بالانحراف أو قد تتطور أحياناً لسلوك انحرافي.
ثانياً: العوامل المهيأة والمعززة:
وهي موجودة في البيئة والوسط المحيط للفرد، وهي مستقلة عن كيانه الذاتي، ولكنها تؤثر فيه كالعوامل الطبيعية، والعوامل البيئية.
وهي عبارة عن عوامل تطرأ على حياة الفرد، ويكون لها من الأثر ما يبرر من أهمية وخطورة العوامل الإستعدادية، وهي الجو المحيط بالفرد، التي تنمى الانحراف لديه، سواء العوامل الطبيعية أو العوامل البيئية، ويكون لها من الأثر ما يدعم النتائج السيئة المترتبة على العوامل الذاتية، وتزيد من حساسية الفرد وتضعف مقاومته، وتجعل قدرته على تحمل المواقف التي يمر بها في الحياة ضعيفاً.
إن العوامل والأسباب التي تؤثر في تنمية الانحراف بشكل عام، هي خليط من تفاعل العوامل، حيث أن الانحراف ما هو إلا نتاج الخليط المتراكم من هذه العوامل، عبر حياة الفرد، الممتدة منذ الميلاد، وحتى الممات. ولهذا يجب التعرف على العوامل المهيئة والمعززة لظهور السلوك الإجرامي بشكل عام، وكذلك التعرف على السلوك الاجرامي المتمثل في ظاهرة التعامل مع العدو بشكل خاص، من خلال عدة عوامل متفاعلة تفاعلاً دينامياً معيناً مع بعضها البعض. وتندرج تحت عاملين اساسيين هما:
الأول: العوامل الطبيعية:
ويقصد بالعوامل الطبيعية (الظواهر الطبيعية والجغرافية التي تحيط بالإنسان كالتي تتعلق بالمناخ والتربة ودرجة الحرارة وطبيعة الأرض وتعاقب الفصول الأربعة الليل والنهار الخ)، وهذه العوامل الطبيعية تؤثر على ظاهرة الإجرام عن طريق التغيرات التي تحدث في نفسية الإنسان وتؤثر على تكوين الشخصية بصورة عامة، وعلى المجتمع -على السلوك الجماعي للمجتمع، وعلى ثقافته وحضارته واقتصاده وعاداته وتقاليده- وقد اعتبر العالم الايطالي (لامبروزو) أن هذه العوامل تشكل الأساس في انحراف الفرد نحو الجريمة، وأن تأثير هذه العوامل الطبيعية يتم في كثير من الأحيان بطريقة غير مباشرة خاصة بالنسبة لأثر التربة والمكان”. (عقلان،1989 :20)
الثاني: العوامل البيئية:
وهي العوامل المحيطة التي تتوقف على البيئة التي يعيش فيها الفرد، وهي عبارة عن مجموع العوامل المحيطة به. والتي لابد من دراستها والتعرف عليها، بأعتبار أنه لا يمكن الولوج لأي ظاهرةٍ داخل المجتمع إلا بعد التعرف على بيئتها الواقعية، وذلك من خلال الرجوع إلى السياق الاجتماعي الذي تعمل فيه، حيث تحصل ذات الفرد على أصولها، عبر إدراك العلاقات بالآخرين، وتصان ببلوغ أنواع معينة معهم. مما يستدعي القيام بإطلالة سريعة على هذا الواقع (الديمغرافي، والاجتماعي، والتعليمي، والاقتصادي، والنفسي، والسياسي وغيرها من العوامل) بإعتبار أن الوقوف على أرضية هذا الواقع، يؤدي إلى فهم العوامل والمتغيرات التي تؤثر فيه، وبالتالي فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية الموجودة فيه. أما الواقع المعاش في الأراضي المحتلة في فلسطين، فقد كان يشكل بمجملة، جملة عوامل قهر وضغط وإحباط، على جميع فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني، وذلك من خلال الاحتكاك اليومي والمباشر مع المحتل. وذلك في جميع مناحي الحياة.
ومعرفة هذا المناخ الاجتماعي والسكاني والاقتصادي والثقافي للمجتمع، يخدمنا في معرفة الشخصية الفلسطينية، فالسياق والمناخ الاجتماعي والسكاني تعبير عن المجتمع، من حيث هو بنيان اجتماعي اقتصادي، ومن حيث هو انعكاس لهذا البنيان على الحياة النفسية بأسرها، ومن حيث تشكيل هذا السياق الاجتماعي الاقتصادي، لـشخصـية الأفراد في هـذا المجتـمـع. (أبو نجيلة،1996 :13)
ومن أبرز العوامل البيئية، العوامل الاجتماعيه، والنفسية، والاقتصادية، والتعليميه، والسياسيه، والديمغرافية، والتي سوف نتناولها بنوع من التفصيل.
1- العوامل الاجتماعية:
وهي “مجموعة الظروف التي تتعلق بتكوين الجماعة وأنظمتها المختلفة وما يسودها من قيم ومعتقدات تؤثر في عاداتها وتقاليدها”. (عقلان، 1989: 22)
وتكمن أهمية هذا العامل في كونه يمتد على مساحة واسعة من حياة الإنسان تمر بمراحل عديدة تبدأ بالأسرة والعلاقه بالوالدين وأساليب التنشئة المعتمدة لديهما، وتمتد عبر محيط الأقران والصحبة، ثم المدرسة والمدرسين وزملاء الدراسة والمهنة، والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه، كالمسجد، والنادي، والواقع الاجتماعي بشكل عام وما ينتابه من مظاهر…الخ. ونميز بين مجموعتين من هذه العوامل، هي:
أ) الظروف الإجتماعية الأسرية:
طبيعة التنشئة وظروفها، والعلاقات الأسرية: حيث تعتبر الأسرة أهم مكونات العامل الاجتماعي، وتعتبر المسئولة عن تكوين نمط شخصية الفرد، لما لها من التأثير المباشر على تكوين شخصية الفرد وسلوكه في المستقبل. (عقلان،1989: 22)
كما تعتبر الأسرة الأساس الذي يحيط باستجابات الفرد المختلفة تجاه بيئته التي يعيش فيها، وهي الجماعة الأولى والبيئة التي يشبع الفرد حاجاته البيولوجية والاجتماعية والنفسية من خلالها، فإذا اضطربت حياة الأسرة أصبحت عاجزة عن إمداد الأطفال بمثل هذه الاحتياجات. (الشرقاوى، 1986: 157)
ولأن الطفل مسئولية الوالدين في سنوات عمره الأولى، لذلك لا بد من أن تدرس هذه المرحلة بمناهج العلم المختلفة، للبحث في ثناياها عن كافة الظواهر السلوكية محاولين الكشف عن قوانينها التي تحكم تطورها لنصل إلى أفضل الوسائل التي تمكننا من تدعيم أساس الشخصية في تلك المراحل المبكرة بهدف تحقيق افضل مستوى ممكن من الصحة النفسية للطفل تؤهله لأن يكون فرداً نافعاً لمجتمعه في المستقبل. (أحمد،1987: 69)
وقد أفرزت التنشئة الأسرية السيئة نموذجاً كالعميلة (أمينة داود المفتي) التي ولدت عام 1939 لأسرة شركسية مسلمة، في إحدى ضواحي عمان الراقية. هاجرت أسرتها إلى الأردن منذ سنوات طويلة، وتبوأت مراكز سياسية واجتماعية عالية. فوالدها تاجر مجوهرات ثري، وعمها برتبة لواء في البلاط الملكي. وأمها، سيدة مثقفة تجيد أربع لغات، وذات علاقات قوية بسيدات المجتمع الراقي.
وكانت أمينة أصغر أخواتها، وتحظى بالدلال منذ طفولتها، فطلباتها لا ترد أو تؤجل، وضحكاتها المرحة تملأ جنبات البيت الذي يشبه القصر… ولكنها كانت برغم تقاليد أسرتها المحافظة، تسخر من تقاليد الشرق وقيوده، وتحلم بالحب والانطلاق، والحرية.
وقد أحبت “بسام” الفلسطيني الأصل، وأطلقت تجاهه فيضانات المشاعر المتدفقة بلا حدود،. لكنها صدمت بشدة عندما هجرها إلى أخرى أجمل، وأكثر اتزاناً، وكتب لها يقول أنها أنانية، مغرورة، سريعة الغضب، شرسة الطباع. هكذا كشف لها الحبيب عن مساوئ تنشئتها، وأسلوبها الخاطئ في فهم الحياة. (المفتي،2003: إنترنت)
ومن الامور الهامة التي تؤثر على وضع الاسرة:
– الحالة المادية للأسرة: وتعتبر حالة طبيعية إذا كان مستوى الأسرة الاقتصادي فوق خط العوز. بحيث تكون مواردها كافية لسد حاجاتها الأساسية من غذاء وكساء ومأوى…الخ. ولكن اذا نقصت عن ذلك تختل لديها عملية التوازن بين الحاجة والاشباع، مما يؤدي لحالة قد تؤثر بالسلب على حياة اأاسرة. وهذا هو الطابع الغالب للأسر الفلسطينيه بالنسبة للحالة المادية، لأن التركيبة الاجتماعية-الاقتصاديه في الأراضي المحتلة بعد الهجرة، قد قسمت المجتمع لأربع طبقات، شكلت طبقة العمال غالبيتها، وذلك بسبب سياسة الاحتلال التي حولت المهاجرين لأيد عاملة مأجورة. (أبو شكر،1992 :120)
– المعاملة العائلية للأسرة (أساليب التنشئة): وهي الطريقة التي يسلكها الوالدان في المنزل في معاملة أبنائهما، وقد تكون أسلوباً يتسم بالتسامح، أو قد يتميز بالعنف، أو يكون جامعاً بين الاثنين معاً.
وقد أشارت كثير من الدراسات حول هذا الموضوع، إلى أن الأطفال الذين تعرضوا لقسوة وحرمان كبير في طفولتهم، قد أظهروا آثاراً سلبية مستديمة فيما بعد. (توق، وعدس،1993: 77)
وهذه أمثلة وشواهد حية من حياة بعض العملاء الفلسطينيين على ثأثير هذه الأساليب. فبالنسبة للدلال الزائد، أو القسوة بعد دلال يقول العميل (ح.هـ) لقد كنت مدلل بشكل كبير باعتباري البكر، وكان والدي يشعر بالخوف عليَّ بشكل كامل، ويحقق كل مطالبي، ويوفر لي كل شئ، ولا يمنع عني شئ، وبقي الدلال لي بشكل كبير حتى سن تسع سنوات، والوالدة كانت نفس الشيء، ولكن كان لديها عصبية، أذكر أول مرة ضربني الوالد بشكل جدي وأنا في سن 9 أو10 سنوات، وضع سكين على الغاز ولطع فيها يدي وأرجلي، بسبب أنني لم أطاوع أمي، وشتمت عمي ولم اذهب إلى المدرسة، وهربت من البيت ثم رجعت بعد مدة، وضربني كذلك في سن 14 عام، بسبب سرقة الفلوس من البيت، حيث ربط يدي من الخلف ومن بطني في السقف، ثم سحب من تحتي الكرسي، وبقيت معلق في الهواء، وصار يحرق يدي بالولاعة ليرى هل أحس، وبعدما صارت يدي زرقاء، وبعد استجداء الوالدة قام بفكي من القيود.
وبالنسبة لعدم التوجيه والمتابعة من قبل الوالدين، يقول هذا العميل ” قد كان الوالد ينام في إسرائيل و يأتي للبيت أحياناً كل أسبوع مرة.وكنت في المدرسة حينها، ولذلك لم تكن متابعة أو مسائلة لي، ولم تكن الأم تهتم بذلك، وفي فترة الإعدادية كذلك لم يكن توجيه أو إرشاد، وكان الوالد مهتم بعمله، وكنت لا احب الجلوس في البيت كثيراً وأحب قضاء معظم الوقت في الخارج، مع الأصدقاء، (لعب كرة، تدخين، مشاركة في أحداث انتفاضة)، وكان يطلب مني والدي أن لا أسير مع فلان، بسبب بعض السلبيات لهذا الشخص، وأحياناً يطلب ذلك إما بالضرب أو بغيره، وأحياناً كنت أتأثر وأقطع علاقتي فترة، ولكن أعود لها ثانية. (عباس،2002: 2)
وأما المعاملة السيئة وتأثيرها على الفرد، فقد أظهرها العميل (خ.ع) الذي يقول “الوضع الأسرى صعب لنا، لذلك أبي كان يعمل معي مشاكل من اجل أن أعمل، ويقوم بضربي وبطردي عندما لا أعمل، كان لا يحب أن يراني جالس، حتى لو كنت تعبان، علاقتي مع أبي غير جيدة، وقد ظلمني في كل شئ، لم يزوجني مثل أخي الأصغر (حيث زوجه من يريد) وأنا لم يوافق لي، وكانت والدتي لا تحب أن أتزوج بنت عمي، وكانت تحرض والدي علي في ذلك، لم أكن مبسوطاً مع والدي ووالدتي، كنت أشعر بأنني غير مهم لأسرتي، كنت أشعر أنى منبوذ من أبى وأمي، عمر والدي ما جلس وحاول أن يعلمني شيئاً، وطول عمره يعاملني بالدونية وبألفاظ نابية، وكان يميز بيني وبين اخوتي، كان لا يشتري لي قميص، حتى ولو كنت أجيب فلوس، لقد كان يريد أن أسير على هواه وكيفه، ومن معاملته القاسية لي جعلني أكره الأرض التي أسير عليها، وصرت لا احب أن أجلس عند أحد، وحتى الضيوف لم أجلس معهم، مما جعلني حتى لا أعرف أن أتكلم مع الناس، وأكره الناس، حتى كرهت حالي وفكرت مرة أن أضع نفسي تحت مقطورة، أو ألقي نفسي من فوق العمارة، وكان أبي لا يحب أن أجلس في البيت لكي لا أعمل مشاكل، وكنت إذا خرجت من البيت أعمل مشكلة مع من يقابلني لكي أنفس عن غضبي، لقد أحببت الضرب مع الناس والسلاح والأدوات الحادة، لأني تربيت على ذلك، لأن جسمي تعود على الضرب من كثر ما كان والدي يضربني، من الصف الأول وحتى عندما أخذت الهوية، كان يمسك الحجر ويضربني بقوة، وقد كنت أكذب على الناس كلها واضحك على الناس كلها بما فيهم ابي، ونتيجة مضايقة والدي من أجل العمل والحصول على المال هربت الى إسرائيل وعملت هناك بشكل غير قانوني، كنت مبسوطاً داخل إسرائيل، لأنني بعيد عن عائلتي وأسرتي، ولأني كنت لا أطرد من الدار، ولا أعمل مشاكل مع أهلي”. (عباس،2002: 4)
ويقول العميل (م.ق) “لقد كان والدي مدمن على الدخان، ويتميز بالعصبية ومعاملته قاسية جدا، وكان يقسو علي اكثر من اخوتي، وكان إذا طلب مني شيء أخاف ألا أقوم به من الضرب وأنفذه من كثرة الخوف منه، ولقد كان قاسي أيضا على والدتي وكان يضرب والدتي أمامي بشكل كثير وكنت أتأثر جدا وابكي، ولكن لا أستطيع عمل أي شيء وكنت اشعر تجاهه بكره شديد من جراء ذلك، ومنذ وعيت وأنا أراه يضربها لفترة طويلة، وكانت تذهب لبيت أهلها كثيرا من جراء ذلك. (عباس،2002: 5)
صلاحية المنزل للتربية: إن العائلة غير الصالحة، والمصابة بنوع من الانحراف الأخلاقي أو الشذوذ السلوكي، لا تصلح لتربية الأطفال، لأنها تسبب للأطفال انحرافاً مماثلاً غالباً، كما قد بينت الدراسات بأن اضطرابات الشخصية والمشاكل الاجتماعية وانحرافات المراهقين، والتي كانت بسبب الطلاق، أو مشاكل الزنا، والأنانية، وقلة الشرف، وفساد الضمير، وكذلك الحروب أيضاً تبذر بذورها في السنين الثلاث أو الأربع الأولى من العمر. (أحمد،1987: 68)
ب) الظروف الاجتماعية الخارجية:
وهي مجموع المؤثرات المحيطة بالفرد في البيئة، بعد الأسرة، وهي الأقران، والمدرسة، والحارة، ومكان العمل، والمؤسسات الاجتماعية والترفيهية التي ينتسب لها، والأطر السياسية وغير ذلك.
إن الفرد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية يقوم بتحديد معالم ذاته، ورسم مكونات هويته، ولما كانت مرحلة التنشئة الاجتماعية للطفل الفلسطيني في ظل الاحتلال لا تعتبر، بكل المقاييس مرحلة سوية بالنظر للظروف التي فرضت ليس على الطفل الفلسطيني فحسب، بل على المجتمع بأكمله. فان آثار هذه المرحلة تبقى منقولة مع الطفل في كل مرحلة من مراحل حياته.
وقد أشار (تيسير أبو مراد) في دراسة حول حماية تنشئة الطفل الفلسطيني، إلى أن الأطفال قد عاشوا خلال مرحلة التنشئة الاجتماعية في ظل حراب المحتل الإسرائيلي، ظروفاً قاسية وصعبة للغاية، وتجارب صدمية، أدت إلى وجود كثير من الظواهر النفسية السلبية، والتي رافقتهم خلال المراحل العمرية التي عاشوها، وخاصة مرحلة المراهقة. (Abu Mourad,2001:29)
حيث يتوقع أن تؤثر تلك المرحلة سلباُ في اكتساب المراهق هوية واضحة، وإذا لم تسفر محاولات المراهق بتحديد هوية له بشكل ناجح، واستمر عند هذه المرحلة من التشتت والانتشار، فانه لا يستطيع عندئذ أن يحتمل القلق والتوتر الناشئين عن مثل هذه الحالة. وقد يلجأ للتخفيف منها إلى أسلوب أو أخر من الأساليب اللاتوافقية. (إسماعيل، ب-ت: 165)
والتي قد تكون من أحد هذه العمليات اللاتوافقية، التعامل مع الاحتلال، لأن الواقع الاجتماعي بكل إفرازاته في ظل سنين الاحتلال الطويلة كان يشكل الأساس المادي والموضوعي لعشرات الظواهر والإفرازات والاختراقات للفساد الاجتماعي، مثل الانحلال والدعارة والمخدرات واللصوصية والنهب، حتى وإن لم تكن هذه الجرائم مرتبطة بالاحتلال مباشرة، فهي تخدم الاحتلال وترشده وتساعده، في أحكام قبضته على جوانب هامة من جوانب الصمود. (فتح، ب. ت :63)
– أثر الرفقاء والأقران: وهم الأشخاص المقربين للفرد، والذي يتأثر سلوكه بهم، ويتأثر سلوكهم به، لذلك يقع الانحراف إذا ارتبط الفرد بآخرين من الرفقاء ممن يمارسون أنماطاً من السلوك غير المشروع. لأن الرفقة السيئة تزود الفرد بعادات ومثل سيئة، وتقدم له نماذج للنشاط الضار، كما تدفعه أحياناً إلى نواح مختلفة من السلوك الإجرامي عن طريق الحث والإيحاء والتقليد، أو بواسطة التهديد والإرهاب أحياناً أخرى، عندما تتحول الرفقة إلى عصابة إجرامية.
ويقول العميل (ي.س) انه بسبب شلة فاسدة، كنت أقضي أغلب الوقت معهم. كان والدي أحياناً يضربي بالعصا وعمري حوالي 13-15 سنة، وذلك بسبب هروبي معهم من المدرسة، وتعليمي التدخين، وأخيراً هربت من البيت، وكنت أنام عندهم وندخن معاً. وكان الضرب يشكل لي رادع وقتي فقط، وبعد يوم أو يومين كأن شي لم يكن، ولم يغير سلوكي للأفضل، فعندما التقي مع الأصدقاء أنسى الضرب. فمثلاً عندما يضربني عن الدخان بشكل قاسي، عندما أقوم بمقابلة أصدقائي وأراهم يدخنون أدخن معهم، وكنت أقول لهم ضربني الوالد لأنني أدخن وكانوا يقولوا لي هو يريد منعك وهو يدخن، وكنت أحياناً أتأثر بأسلوب النصائح، والحديث النفسي معي اكثر من عملية الضرب، وبدأ الاهتمام بهذه النصائح بعد سن 15 سنة، وأحياناً كانت النصائح لها دور مهم فأطيع بعضها ولكن اعتقد أن الشلة لها دور كبير في تحديد سلوك الفرد في مرحلة المراهقة الأولى، اكثر من الوالد. (عباس،2002: 50)
ويقول أيضاً العميل (ح.هـ) ” إن الأصدقاء هم الذين أثروا علي بالسلب، وهم أصدقاء الحارة، حيث كان بعضهم أكبر مني، والشخصية الأولى في الشلة لم أكن أنا، وفي الغالب يكون الشخص الذي أكبر منا في السن يؤثر علينا في كل شيء، وكان هذا الشخص مسيطراً علينا في كل شيء، نطقس على البنات، وكان هو رأس الفريق، وذلك بحكم انه الأكبر، ووضعه المادي أفضل، وكنا أحياناً نطلب منه ملابس، وكان يعرض لنا أفلام جنس، وكانت عائلتهم منبوذة اجتماعياً. ولأن ذلك الولد غني ومبسوط، كنا نلجأ له في كل شيء ونتطلع له في كل حركاته ونحاول تقليده، ونتمنى أن نكون مثله، لأنه مميز في كل شيء في لبسه، وأكله، ومظهره، وكنت أحياناً أتداين منه أو من غيره لكي أجاريه في حياته”.
ويقول العميل (ن.ب) ” أثناء دراستي الجامعية في تركيا كان لي أصحاب يشربون الخمر ويمارسون الزنا، ولذلك قمت بمجاراتهم في جميع سلوكهم”. (عباس،2002: 3)
– أثر أحوال العمل ومكانه على الفرد: إن العمل غير المناسب الذي لا يلائم الفرد وميوله وقدراته، قد يجره إلى الانحراف أو التمرد، وينعكس على شخصيته بعدم التوافق الاجتماعي.-هذا بشكل عام- ولكن مكان العمل وموقعه في الواقع الفلسطيني، كان له أثر كبير على الفرد وإنحرافه نحو الجريمة، وخاصة جريمة التعامل، حيث يؤكد كثير من العملاء أن مكان العمل (خاصة في اسرائيل) كان له دور كبير في عملية تعاملهم مع العدو.
– الدين والأخلاق والقيم الاجتماعية: الدين يعتبر ركناً أساسياً في حياة البشرية، ذلك لأنه لا يوجد قط مجال إنساني بلا دين، وتعد الجريمة فعل تستهجنه كافة القيم الدينية التي تحث على الخير. مما لا شك فيه فإن الدين يدعم مقاومة الفرد لبواعث الجريمة وكثيراً ما يعزى انتشار الجريمة إلى ضعف تأثير الدين، ونقص التدين والتوجيه الديني، لما للدين من أثر قوي في نفس الطفل، وبما يحتويه من قواعد الأخلاق والحث على السلوك القويم، وبالمقابل فان الانحدار والسقوط في براثن العمالة لا بد له من مناخ مناسب، وأفضل مناخ وتربة مناسبة، هو البعد عن أماكن العبادة، والتوجه إلى أماكن اللهو والدعارة والقمار وما شابه ذلك، وقد كانت كثير من تعليمات رجال المخابرات الإسرائيلية تدعو للاهتمام بهذه البيوت والمواقع وتنشيطها. (مجدي،1995:88)
ويؤكد ذلك العميل (خ.ع) حيث يقول: ” لم يكترث والدي بالأخلاق والدين والصلاة ولم يكن يصلي برغم أن والدتي كانت تصلي وتنتظم في الصلاة، ولم يكن يحثنا على الصلاة أو الصيام، ولا يهتم بذلك “. (عباس،2002: 5)
وأسلوب حياة العميلة (أمينة المفتي) يظهر بوضوح مدى التردي الأخلاقي لديها، وعدم التقيد بالدين والقيم الإجتماعية في حياتها. فعندما سافرت عام 1957 والتحقت بجامعة فيينا مارست كل أنواع الرذيلة، فعندما جمعتها الحجرة بطالبة في الطب تدعى (جولي باتريك) من جوهانسبرج، ذات خبرة كبيرة بالحياة الاوروبية. علمتها التدخين، وحذرتها من العلاقات الجنسية مع الشباب، وحببت اليها أسلوباً جنسياً خاصاً بالنساء (السحاق)، فأقبلت عليه وأدمنته مع أخرى هي (جينفيف ووترود) حيث رأت فيه انطلاقتها وتحررها من قيود الشرق والخجل.
وعادت وعمرها ثلاثة وعشرون عاماً الى فيينا من جديد، تحمل قلباً ممزقاً، ووجهاً شاحباً، وكراهية لموروثاتها “العقيمة”. وعملت هناك في محل صغير للعب الأطفال. وشاركتها العمل، والسكن، والشذوذ فتاة يهودية تدعى (سارة بيراد). وانخرطت معها في تيار الهيبيز، الذي انتشرت أولى جماعاته في أوروبا في تلك الحقبة، متجاهلة رغبة أسرتها في تزويجها من ابن العم التاجر الثري. وقد أحبت الطيار اليهودي (موشيه بيراد) شقيق سارة الأكبر، الذي مارست معه الزنا، وساعدها في الحصول على دكتوراة مزورة في علم النفس. (المفتي،2003: انترنت)
وقد أظهرت دراسة الدكتوراة للكاتب بأن العملاء في فلسطين يحملون تصوراً سلبياً عن ذاتهم الخلقية، أي أن تصورهم للمستوى الأخلاقي لديهم هو تصور متدني، وهذا التصور مستمد من واقعهم، حيث يثبت هذا الواقع بأن العميل مدمر داخلياً على مستوى الأخلاق، سلوكاً وواقعا، حيث أن عملية الارتباط بالاحتلال بحد ذاتها، أكبر دليل على ضعف الجانب الأخلاقي لديه. مما جعل الذات الخلقية، أدني الذوات في مفهوم الذات لديه. (عباس،2004: 230)
إن كل الأشخاص لديهم فرصة للخيانة، ولكن تكون الخيانة قليلة أو معدومة في وجود قيم دينية وأخلاقية أساسية، وقيم وطنية كالولاء والانتماء للوطن وللدولة وللمجتمع. ولكن أي تغيرات سلبية اجتماعية قد تعمل على تآكل هذه الموانع للخيانة، ويحتمل أن تزيد وتيرة الخيانة بغيابها.
وبالنسبة لواقع العلاقات الاجتماعية للعملاء في فلسطين، على مستوى التصور والتفاعل الاجتماعي، فقد تبين من خلال دراسات الباحث بأن العلاقات الاجتماعية كان أكثر العوامل انتشارا لدى عينة المفحوصين من العملاء مع الاحتلال الإسرائيلي، أي أنهم لم يكونوا قبل دخول المعتقل وانكشاف أمرهم يعانون من علاقات سلبيه مع أسرهم أو مع الآخرين من حولهم في المجتمع. (عباس،2000: 130)
ولكن تبين أن تصور العملاء للذات الاجتماعية كان مقبولاً لديهم. حيث كانوا ينظرون لأنفسهم بأنهم غير فاشلين اجتماعياً، في علاقتهم مع الآخرين. سواء الوالدين أو الآخرين من أبناء مجتمعهم، لأن علاقاتهم مع أفراد المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه كانت حسنة. وهذا يدل على أن العملاء يحبذون إقامة علاقات موسعة مع الآخرين، ولكنهم حذرون وخائفون من هذه العلاقات خشية من إفتضاح أمرهم، وانكشاف سريرتهم، ولهذا تظل علاقاتهم مع الآخرين، علاقات حذرة. لأن التعامل والتجسس على الآخر مهما كان هذا الآخر لا يتطلب في الغالب إقامة علاقات موسعة بدون تحفظ أو حذر، لأن العلاقة تنحصر في حدود مجال المهمة الموكلة للعميل أو الجاسوس. (عباس،2004: 250)
2- العوامل الاقتصادية:
وهي عبارة عن الحالة المادية التي يعيشها الفرد، والتي من خلالها يوائم بين حاجاته، وطريقة الاشباع لها. وتفيد كثير من الدراسات بإن الحالة الاقتصادية الصعبة، لها آثار اجتماعية من شأنها أن تساعد على زيادة نوع معين من الجرائم. كما تعد البيوت التي تعاني فقراً شديداً، أو ضغوطًا اقتصادية شديدة، كحالة البطالة الدائمة، وعدم كفاية دخل الأسرة، أكثر عرضة للانحراف من غيرها. (الديب،1997: 362)
ولكن على الرغم أن اغلب العلماء يؤكد على وجود علاقة وثيقة بين الفقر والجريمة، أي أن الفقر أو الحاجة هو العامل الأساسي في ارتكاب الجريمة، لأن أغلب التصرفات الإنسانية تهدف إلى إشباع حاجات الفرد المادية، إلا أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الجرائم كلها ترتبط بشكل مباشر بسوء الحالة الاقتصادية للمجرم. (عقلان،1989 :25)
هذا بالنسبة للانحراف نحو الجريمة بشكل عام، أما على صعيد الانحراف باتجاه جريمة التعامل والتجسس، فقد كان للوضع المادي والاقتصادي دور هام في تجسس كثير من العملاء سواء على مستوى العالم أم على مستوى فلسطين.
وعلى صعيد الواقع الفلسطيني، فقد كان لهذا العامل أهمية بالغة، حيث فرض الاحتلال الإسرائيلي منذ اللحظة الأولى سيطرته العسكرية والسياسية والاقتصادية على المجتمع الفلسطيني، وذلك لاحتجاز تطوره.
إن هذا الإلحاق التعسفي لاقتصاد المناطق المحتلة باقتصاد إسرائيل، قد جر خلفه آلية مدمرة على هذا الاقتصاد، حيث أن الواقع الذي كان سائداً في المناطق المحتلة يشهد بوضوح على التدمير المبرمج لجميع أوجه الحياة فيها، بإعتبار أن التنمية الاقتصادية الفعلية لم تكن مستحبة للاحتلال. (أرنسون،1990: 324)
ولذلك تبنى (موشي ديان) فكرة إنشاء وحدة اقتصادية إسرائيلية الوجهة بين الأراضي المحتلة وإسرائيل، وتوقع أن يؤدي رفع المستوى المعيشي الظاهري للسكان، التعويض عن فقدان الحريات السياسية الذي كان الفلسطينيون يعانونه في ظل الحكم الإسرائيلي، وتمكين الاقتصاد الإسرائيلي من استغلال مزايا الخزان الضخم من اليد العاملة الفلسطينيه الرخيصة. (مقبول، 1987: 41)
لذلك دأب الاحتلال على خلق ظروف اقتصادية في الأراضي المحتلة، تساعد في إضعاف حوافز مقاومة الاحتلال. ثم توطيد أوضاع اقتصادية تجعل انسلاخ الضفة الغربية وقطاع غزة عن الاقتصاد الإسرائيلي، وتكوين اقتصاد مستقل أمراً مستحيلاً. (النقيب،1997: 19)
ووفق هذه السياسة وجد الفلسطينيون أنفسهم بدون مصدر رزق، حيث اعتمدت الغالبية العظمى منهم على الزراعة، لكن بعد مصادرة أراضيهم لبناء المستوطنات عليها، اضطروا مكرهين إلى التحول إلى أيدي عاملة ذات أجرٍ زهيد تسهر لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي. الأمر الذي جعلهم يتوجهون للعمل في إسرائيل وتركهم لفلاحة أراضيهم، بسبب مضاعفة نفقات الإنتاج الزراعي لكي لا تتمكن منتوجاتهم من الصمود أمام المنتجات الإسرائيلية، وبسبب ارتفاع الأجور العاملة في إسرائيل، وفرض قيود مشددة على المنتجات الفلسطينية. وكذلك وضع العوائق في وجه تنمية القطاع الصناعي، فكان كل مشروع صناعي قبل البدء به لا بد أن يخضع لترخيص مسبق (مع العلم بأنه من الصعب الحصول على ترخيص للمشاريع الكبرى أو متوسطة الحجم) وقد كانت الصناعة مرهونة بإسرائيل. وفي الوقت ذاته منعت الفلسطينيين من استيراد بعض المنتوجات كالمواد الكيماوية أو الأسمدة، وأخضعت سلعاً أخري لإجراءات رقابية. وكذلك القيود على تنقلات الأهالي والأيدي العاملة، بفرض نظام منع التجوال، وتقييد حركة العمال ما بين الضفة وغزة، أو ما بينهما وبين إسرائيل، أو ما بين المناطق الفلسطينية والعالم الخارجي، بالإضافة لوضع عراقيل وحواجز أمام حركة الأيدي العاملة للوصول لأماكن عملهم. وكذلك القيود المفروضة على التجارة الخارجية، وتمثل ذلك في وضع المعابر الدولية تحت السيطرة الإسرائيلية، مما جعلها تتحكم في عمليات الصادرات والواردات من وإلى المناطق. وفرض رسوم جمركية. على جميع الصادرات والواردات الفلسطينية، وعدم السماح باستصدار تصاريح للتجار الفلسطينيين إلا إذا اثبتوا انهم سددوا ضريبة الدخل والقيمة المضافة. وكذلك تقييد حركة رأس المال: بإخضاع جميع التحويلات المالية نحو الأراضي الفلسطينية لرقابة صارمة، ومراقبة التحويلات المالية عبر المصارف. والقيود الأخرى: كتدمير المنازل، والاعتقالات والاغتيالات، وفرض غرامات على التجار، وأسلوب العقوبات الجماعية المتنوعة. (منصور،1990: 117-126)
وبهذا جعلت اسرائيل من الاقتصاد الفلسطيني مجرد اقتصادِ تابعِ، أدت هذه التبعية الاقتصادية إلى اعتماد الكثير من العائلات الفلسطينية في دخلها على التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الصهيونية أو العمل فيها، وأصبح من غير الممكن في ظل ما هو قائم أن تجد الأسر فرص دخل بديلة، وبالتالي أصبح من المستحيل أن يطلب من هذه العائلات التخلي عن مصدر الدخل هذا. (قاسم، 1993: 89 )
وبذلك قضت بشكل كبير على جوهر الاقتصاد الفلسطيني، وحولت الأيدي العاملة في المجال الزراعي، إلى أيدي عاملة أجيرة داخل الكيان الإسرائيلي، كما أدت إلى ضعف قطاع الصناعة في الاقتصاد الفلسطيني، وعملت على منع تطور اقتصاد فلسطيني مستقل. (المركز الفلسطيني،1996: 117)
أماكن العمل ودورها في تجنيد العملاء:
شكل مكان وبيئة العمل في كثير من الأحيان عاملاً وسيطاً للانحراف لما يحيط بهما من وسائل مشجعة لأهداف غير مشروعة، وفي واقعنا الفلسطيني نجد أن لموقع العمل دور كبير في عمليات الانحراف، لأن وضع العامل الفلسطيني يحكمه منطق آخر بعيد كل البعد عن غيره من المجتمعات، حيث أن انحرافه باتجاه جريمة التعامل ليس رهناً بضغط ظروف اقتصادية سيئة فقط في وقت ما من الأوقات، بقدر ما هو رهن بتواتر هذا الضغط واستمرار تأثيره على الفرد وعلى نفسيته على مدار العام، مما يشكل ضغطاً كبيراً عليه تجاه التعامل.
وقد ثبت في الواقع الفلسطيني بأن كثيراً من عمليات الربط للعمال وقعت من خلال موقع العمل، أما بالابتزاز والمساومة على لقمة العيش، أو بممارسة وسائل الضغط والترهيب عليهم، حيث كان يتم استدعاء العمال أثناء توجههم لتجديد البطاقات الممغنطة أو تصريح العمل، أو أثناء توجههم للعمل أو عودتهم منه، وتتم المساومة إما التعامل، أو سحب التصاريح التي بحوزتهم وحرمانهم من العمل في إسرائيل.
ويقول العميل (م. ش) ” لقد كان بداية ارتباطي مع المخابرات الاسرائيلية، من خلال مسئول أمن المصنع الذي كنت أعمل فيه، حيث تعاملت معه في البدايه من خلال (الوشاية) على العمال، ثم حولني بعد ذلك للتعامل مع رجل مخابرات ارتبطت معه “.
ووجه آخر من المضايقه على العمال، يتم إلقاء القبض على عدد منهم واحتجازهم في زنازين خاصة، والتحقيق معهم للحصول على معلومات حول نشاط بعض القوى الفلسطينية في مناطق سكناهم وحول المنتمين إليها، ويحاول ضباط المخابرات ابتزازهم بهدف تجنيدهم كمتعاونين مع المخابرات الإسرائيلية، وتشكل هذه الممارسات أسلوب ابتزاز واستغلال بشع لحاجة العامل الفلسطيني للعمل في سبيل تأمين لقمة العيش لأسرته وأطفاله. (المركز الفلسطيني،1999 : 32)
وبعد هذه الإطلالة السريعة على الواقع الاقتصادي في المناطق المحتلة يتضح أن هذا الواقع فعلاً كان اكثر العوامل والمتغيرات ارتباطاً وتأثيراً على ظاهرة التعامل مع الاحتلال، كونها تمثل أسوأ هذه العوامل والمتغيرات لدى الشريحة الأوسع وهي الشريحة المتوسطة اقتصادياً، والتي تشكل معظمها الطبقة العاملة. كما يشكل موقع العمل العنصر الأساس في ارتباطها، حيث تضطر مجبرة الى دخول الخط الأخضر للعمل، فتقع في كمين الاستغلال والمساومة على لقمة العيش، فينزلق منها البعض في جريمة الخيانة بالتعامل مع الاحتلال.
ولقد أظهرت الدراسات التي قام بها الباحث لعينة من العملاء في فلسطين، أن أغلبهم قد تم تجنيده مع المخابرات الإسرائيليه عبر استغلال وضعه الاقتصادي الصعب، حيث كان الغالبية منهم في وضع اقتصادي دون المتوسط، ويكاد ينعدم بينهم ذوي الوضع الاقتصادي الجيد، أو ذوي الرفاهية الاقتصادية. مما يعني أن الطبقة الغنية المرفهة تندر فيها عمليات الارتباط مع الاحتلال لا بسبب أنها طبقة محصنة ولكن لما تتمتع به من وضع اقتصادي غير مرتبط بالاحتلال، كالطبقة الوسطى وخاصة العمال منها. وكذلك لعدم حاجتها للاحتكاك اليومي بالعدو،من خلال معابر العمل، أو أماكن العمل. باعتبار أنه كلما زاد الاحتكاك من خلال الحاجة مع العدو، زادت الفرصة لديه للضغط والابتزاز من خلال ذلك بالارتباط والتعامل. (عباس،2000، 89)
كما تبين أن أغلبهم كان في مستوى معيشي متدني. مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية قد كانت تركز على هذه النوعية لربطها في أجهزة التجسس التابعة لها، لقدرتها على استغلالها من خلال وضعها المعيشي الصعب، ومن خلال حاجتها المادية، ومتطلبات حياتها الضرورية.
ويضاف إلى تدني الوضع المعيشي والإقتصادي، أن غالبيتهم من طبقة العمال -تشكل هذه الطبقة النسبة الأكبر من مجموع الشعب الفلسطيني- خاصة الذين يعملون داخل الخط الأخضر. حيث الاحتكاك اليومي مع سلطات الاحتلال، لكون مصالح هذه الطبقة المعيشية ترتبط مباشرة بالمحتل، مما يجعلها عرضة اكثر من غيرها للابتزاز والمساومة للتعامل مع سلطات الاحتلال. وهذا يدل على أن المخابرات الإسرائيلية، كانت تركز على هذه الفئة، لقدرتها على الضغط والتأثير عليها، عبر وسائل الترغيب والترهيب التي تستخدم معها، عبر المنافذ والمعابر التي يمروا منها للعمل في إسرائيل. (عباس،2004، 213)
وقد بينت دراسات الباحث أن العملاء من العمال قد كان مستوى تصورهم لمفهوم الذات لديهم، أدنى من تصور العملاء من أصحاب المهن الحرة، لأن طبيعة عملهم الاتصال بالناس والتعامل معهم وإقامة العلاقات بهم، مما يتيح لهم الاختلاط والتفاعل معهم. في حين أن العامل الذي ارتبط وهو في هذه المهنة، قد عاني قبل وحتى أثناء الارتباط من المذلة والهوان عبر الحواجز من قبل العدو، وتكونت لديه عبر رحلة طويلة من العذاب والألم خبرات صدمية قاسية آثرت علي مفهومه عن ذاته، وأضعفت هذا المفهوم لديه. وأما العاطلين عن العمل فهم بشكل عام أدني ثقة بأنفسهم من غيرهم، فالفرد الذي ليس له عمل ينمو معه مفهوماً متدنياٌ أدنى عن ذاته، بسبب التقاء معانتين، المعاناة الاقتصادية، والمعاناة النفسية معاً. الأمر الذي جعله ينظر إلي ذاته بشيء من الدونية بالنسبة للآخرين. (عباس،2004، 217)
3- العوامل التعليمية والثقافية:
ويقصد بها مجموعة القيم المعنوية والخلقية والدينية التي تسود الجماعة ومستوى التعليم فيها والتي ينتج عنها عادات الجماعة وتقاليدها. (عقلان،1989 :23)
إن التعليم والتثقيف لدى الفرد أياً كانت درجته، ما هو إلا نوع من التربية يؤثر في سلوك الفرد أمام الآخرين، كما أن للتعليم والثقافة تأثيراً على الظاهرة الإجرامية لما له من تأثير بالغ على تكوين شخصية الفرد. ويمتد أثره إلى فكرة تهذيب النفس وتقويمها وتمسكها بأهداف ومثل، ولذلك فإنه لمواجهة المحتل في حربه تجاه التعليم والمدرسة، وتفريغه من مضامينه الأخلاقية، يجب أن يهتم التعليم بالتربية الخُلقية والاجتماعية قبل أن يهتم بحشو الأذهان بمعلومات غير مفيدة. (عبيد،1986: 143)
وقد تبين من خلال دراسات الباحث، أن الاحتلال في عرضه الارتباط للتعامل لم يجعل الذكاء والتفوق الدراسي شرطاً، كما لم يحاول البحث عن فئة الأذكياء لتجنيدهم فقط. (كما هو الحال في عمليات التجسس الخارجية التي تحدث بين الدول، والتي تحتاج في الغالب لعملاء ذوي منسوب ومستوى فكري مرتفع للعمل خارج حدود بلدانهم) وهذا يثبت أن هدفه من التعامل هو جلب المعلومة من أي مستوى تعليمي وثقافي أو فكري، لا البحث عن منظرين لها، لذلك يحاول أن يجعل من التعامل امتداداً أفقياً يشمل جميع المستويات الثقافية والتعليمية بلا استثناء، وإن كان أغلب الذين وقعوا في الارتباط مع العدو كانوا من ذوي التعليم المتدني.
ونظراً لما للثقافة والعلم من أهمية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في المناطق المحتلة. فقد تعرض الفرد والمجتمع الفلسطيني في ظل الاحتلال لعملية تدمير على المستوى التعليمي والثقافي، حيث حاول الاحتلال جاهداً أن يعمل غسيل دماغ للذاكرة العربية والإسلامية لديه. وذلك يجعل المجتمع الفلسطيني يقع تحت تأثيرات متنوعة، ومثل غربية وإسرائيلية معادية تستهدف وحدته شخصيته وهويته، وتسعى لتغريبه ثقافيا ومجتمعيا وذاتياً، عبر زرع نسيج من الدونية والاحتقار للذات العربية. مما قد يدفع الفرد باتجاه نبذ ذاته الفلسطينية، محاولت اكتساب ذات بديله يقدمها له المرجع البديل، والذي عادة ما يكون مثال من وسائل الثقافة الأخرى. وفي حالة المجتمع الفلسطيني قد يكون هذا البديل إسرائيلياً، من خلال وسائل وأساليب التطبيع القهري. وذلك يكون نتيجة الاحتكاك المباشر، أو غير المباشر بحضارة أخرى أكثر قوة. ونأخذ من ذلك الآخر، مثل أعلى نقتدي به، نقلده. وتصبح علائقنا بهذا القاهر المتسلط، هي التي تحدد علائقنا مع تراثنا ومع صورتنا عن أنفسنا. (زيور،1982 :222)
ولذلك عمد الاحتلال إلى خلق فجوة في العملية التعليمية التي كادت أن تخلو من أية أهداف قومية عربية أو دينية إسلامية، بالإضافة إلى أن مستوى التعليم، وكذلك حجم القوى العاملة في التعليم أصبح متدني جداً، لأن إسرائيل وضعت نصب عينيها في جعل التعليم في الأراضي الفلسطينية يخلق جيلاً عربياً يقوم بخدمة إسرائيل بدون معارضة، عن طريق زرع مشاعر النقص والعداء وإضعاف الثقة بالذات، والإحباط، والخضوع، واليأس. (منصور،1990 :213)
وبرزت معالم هذه الحرب على العملية التعليمية من خلال الهجمة الشرسة على المدرسة الفلسطينية لأن لها دور أساسي في تنمية المعرفة الوطنية للطالب الفلسطيني، وعمدت الى ممارسة سياسة عدائية تجاهها. لهذا قامت عملياً بإخضاع المؤسسات التعليمية لهيمنتها، شأنها شأن بقية المؤسسات الأخرى، وتم ربطها بسلطات الحكم العسكري من خلال إشراف ضابط ركن التعليم الإسرائيلي عليها.
كما اتبعت السلطات الإسرائيلية إغلاق للمدارس، حيث ما توجد مدرسة إلا وتعرضت لعملية الإغلاق لمرات عديده ومتكررة ولفترات طويلة، مما كان يؤدي إلى نقص في عدد أيام الدراسة، والتي تصل إلى شهر في بعض المدارس مما يؤدي إلى تأخر العام الدراسي، وتسرب كثير من الطلاب، ولم تكتف سلطات الاحتلال بذلك بل عملت على سياسة الإغلاق المستمر للمدارس والجامعات، كما استخدمت المدارس ثكنات عسكرية، وقامت في كثير من الأحيان بمحاصرتها واقتحامها أثناء تواجد الطلاب فيها، بهدف عرقلة عمل هذه المدارس. (العيلة،1998 :265)
والتي كان من أهم آثرها حذف كل ما ينمي لدى الإنسان الفلسطيني ارتباطه بالأرض والوطن سواء كان في كتب التاريخ والجغرافيا، أو كتب القراءة والنصوص العربية وغيرها. وحذف العبارات المتعلقة بالمقاومة والتحرير، أو الإشادة بالنصر وعدم التفريط بالوطن. (العاجز،2000: 153)
ولكن برغم كل هذه الممارسات الاسرائيليه استطاع المجتمع الفلسطيني أن يسترد عافيته وأوجد من الوسائل والأساليب ما يمكنه من الصمود، بل والتحدي أيضاً لكل عمليات النزع من الجسد العربي والإسلامي، وحافظ على مسيرته التعليمية، التي أراد لها الاحتلال أن تنحصر وتتوقف. باعتبار أن التعليم سلاح فعال، يساعد في الكفاح من اجل نيل الحقوق الوطنية. وبناءً عليه عمل المجتمع كل ما في وسعة لمنع استقطاب صغار السن من الفلسطينيين للعمل داخل إسرائيل، وبالتالي منع انتشار الجهل والتخلف، والحفاظ على الهوية الوطنية، وأعطي بذلك أملا للمجتمع للحياة بكرامة، والاستمرار في المضي قدماً من أجل الحصول على جميع الحقوق الوطنية والسياسية.
وقد تبين من خلال دراسات الباحث بأن استجابات العملاء قد كانت حول المتوسط بالنسبة للعامل التعليمي، ولكنهم لم يمتازوا بمستوي تعليمي مرتفع. وفي نفس الوقت لم يعتبروا غير متعلمين.(عباس،2000: 99)
لذلك فان أغلب العملاء قد تمركز مستوى تعليمهم، في المستوى دون المرحلة التعليمية الأساسية، (دون المرحلة الثانوية). وهذا يدل على أن المخابرات الإسرائيلية كانت تركز على من يمتازوا بتعليم وثقافة بسيطة، باعتبارهم أسهل وأبسط في عملية التجنيد للعمل التجسسي. (عباس،2004: 214)
وظهر بشكل قاطع أن العملاء داخل فلسطين تراوح مستوى تحصيلهم العلمي بين المرحلة الإبتدائية والمرحلة الثانويه، ولم يكن أحد منهم إلا القليل جداً في المراحل التعليميه العليا. في حين أن أغلب العملاء والجواسيس الأجانب والأمريكان، كانوا في مستوى تعليمي عالي، أي في (المرحلة الجامعية، أو أعلى).
أما بالنسبة للذين ارتبطوا مع الإحتلال من أوساط الطلبة فقد كانت نسبتهم قليله جداً، حيث شكل الجسم الطلابي المؤطر، أهم عامل في الحفاظ على الإنتماء للهوية الوطنية الفلسطينية. وبذلك يتضح أن الجسم الطلابي لم يكن مسيطراً عليه من قبل قوات الاحتلال، رغم جميع المحاولات الاسرائيليه اليائسة لذلك، وساعد في هذا الأمر وجود مدارس الوكالة التي كانت تتمتع باستقلالية نوعاً ما عن سلطات الاحتلال. وبهذا يتبين أن العوامل التي تتقاطع مع الاحتلال في أي مجال من مجالات الحياة تكون أكثر ارتباطا بظاهرة التعامل معه.
وأما على مستوى الذاكاء بشكل عام، أي فيما يتعلق بتصور العميل للقدرة العقليه العامة لديه، فقد كان تصوراً مرتفعاً، لكون غالبيتهم يشعرون بأن لديهم قدره في تحصيل المعلومة اللازمة، وهذا يولد تصوراً حسنا عن مستوى الذكاء والقدرة العقلية لديهم. مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية، كانت تبحث عن أناس لديهم نوع من الذكاء والقدرة العقلية المهنية، التي تؤهلهم للتعرف على المعلومة المناسبة وإلتقاطها، وكذلك قدرة التمويه على النشاط التجسسي الذي يقوموا به. -ولو كان مستواهم التعليمي بسيط أو متوسط- فالتجسس كمهنة استخبارية تتطلب مستوي معين من الذكاء والقدرات العقلية، لأن هذه المهمة لا يمارسها من هم في مستوي عقلي متدني، ولا يتقنها الأغبياء أو أصحاب البلادة العقلية بغض النظر عن تحصيلهم الأكاديمي. أي أن الاحتلال في عرضه الارتباط لم يشترط الذكاء الخاص المتمثل في القدرة العقلية العلمية والتحصيليه الاكاديمية. كما هو الحال في عمليات التجسس الخارجية التي تحدث بين الدول الكبرى، والتي تحتاج في الغالب لعملاء ذوي منسوب ومستوى فكري مرتفع للعمل خارج حدود بلدانهم.
4- العوامل النفسية:
وهي مجموع المؤثرات والخبرات التي يتعرض لها الفرد من واقع الحياة، والتي تترك أثراً على ذاته وشخصيتة. وتتبلور في الغالب من خلال هذا الواقع المعاش للفرد
ويمكن للمرء أن يتصور هذه العوامل من خلال الواقع الاحتلالي في الاراضي الفلسطينية المحتلة، الذي حولته إسرائيل، لواقع ضاغط على حياة الفلسطينيين في كل مناحي الحياة. خصوصاً إذا كان هذا الاحتلال من النوع الإحلالي الاستيطاني كالاحتلال الصهيوني، حيث يمسك بجميع مناحي حياة الشعب الواقع تحت الاحتلال، ولا يتورع عن القيام بأي ممارسة لتحقيق أهدافه. وبذلك يعمل على جعل المواطن الفلسطيني يتعرض للمواقف الصدمية التي لا يستطيع الصمود أمامها فينهار وتنهار معه جميع دفاعاته الذاتية، مهما كان نوع الصدمة. (فهمي،1966 :75)
إن الصهاينة قدموا لأرض فلسطين لا ليطوعوا سياستها وفق سياستهم، أو ليسخِّروا اقتصادها في خدمة اقتصادهم، ولا ليسيطروا على منطقة جغرافية مهمة لمواجهة قوى استعمارية أخرى فقط. (كما حدث مع كل أنواع الاستعمار) إنما جاءوا ليقيموا دولتهم على أرض فلسطين، ويقتلعوا بذلك شعب من أرضه، ويحلوا شعباً آخر محلة، لذلك كانت سيطرتهم كاملة على كل مناحي الحياة، وبالتالي أصبحت مقاليد حياة الناس بأيديهم، واستخدموا كل ما في وسعهم من أجل خلق عوامل وأسباب تقود البعض من أبناء الوطن إلى التخلي والانسلاخ عن ذواتهم وعن مجتمعهم، والقيام بأعمال تؤدي إلى تثبيت هذا الكيان، بتقديم المعلومات التجسسية لمصلحته.
التي تطلبت خلق حالة من القلق والتوتر والكبت والإحباط والتسليم بالأمر الواقع والعيش وفق نمط سياسة القطيع، وحاول جاهداً أن يخلق في نفوس الشعب نظرية التفوق المطلق للاحتلال والعجز المطلق لإرادة الشعب، وكرس ذلك من خلال عمليات غسيل الدماغ التي سخر لها جميع إمكانياته الذاتية والمادية والإعلامية لسلخ المواطن الفلسطيني عن دينه ووطنه ومجتمعه وحتى عن ذاته. (البيومي، 1994: 31)
ولخلق واقع فلسطيني يسوده القلق والتوتر والكبت والإحباط، استخدم الاحتلال سياسة الردع النفسي تجاه المواطنين، هذه السياسة التي تعتمد على العقاب الجماعي، أو إظهار العقاب الفردي القاسي حتى يخاف الآخرون، ويكفوا عن مقاومة الاحتلال.
وقد تمثلت ذلك في سياسة القتل والاغتيال، والأبعاد، والاعتقال الإداري وغير الإداري، والمداهمات الليلية بحجة الاعتقالات أو التفتيش وتعرض العديد من أعضاء الأسرة للإهانة وأحياناً للضرب على أيدي الجنود الإسرائيليين أثناء المداهمات، والإقامة الجبرية، والمقابلات والتعذيب، ووسائل الضغط الجماعي، كالطوق وحظر التجول والمنع من العمل أو السفر للعلاج أو التعليم أو التجارة أو غير ذلك من وسائل الضغط المتاحة، التي تعمل على قهر الإنسان الفلسطيني ليسهل ترويضه.
وقد كان من النتائج المباشرة لتعرض الشعب الفلسطيني لهذه الوضعية الضاغطة التي حاول الاحتلال غرسها، بروز نمط سلوكي حاد وعنيف ظهرت آثاره في التعاملات اليومية بين أفراد المجتمع، وكان الجميع ضحايا لهذه الأنماط الحادة من السلوك، وتحديداً النساء والأطفال، لأنهم الحلقة الأضعف في المجتمع الفلسطيني. (96: 1986Punmaky)
وشكلت هذه الضغوطات مجموعة من المظاهر السلوكية التي تعكس الحالة النفسية والشخصية لدى الفرد وتؤثر في استجاباته، لأن الإنسان حين يقوم بأي عمل من الأعمال فإنه يكون عاملاً على التكيف وقضاء الحاجات، وقد يكون العمل الذي يقوم به خيراً أو شراً، ولكنه مع ذلك يحاول قضاء حاجة جسدية أو شخصية أو اجتماعية. (كفافي، والأعسر،2000: 172)
وهذا العنف لا يمكننا عزله عن بيئة القهر التي حاول ويحاول الاحتلال غرسها في المجتمع الفلسطيني إمعاناً منه تدمير البنية النفسية للإنسان قبل تدميره للبنية الاجتماعية والمادية للسكان. لذلك مورست الضغوطات المتعددة ومورس العنف والإهانات وأشكال متعددة من وسائل الإذلال النفسي والمادي، بالإضافة للمضايقات المستمرة ومحاربة واستغلال الناس في مصادر رزقهم، وذلك تلويثاً للبيئة التي يعيش فيها الفلسطيني بهدف تلويث العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع. (أبوهين،1998: 2)
وبفعل هذه الوضعية الصعبة برزت بعض الانحرافات السلوكية، ومنها ظاهرة غريبة عن طباع المجتمع الفلسطيني الأسطوري في التضحية والمقاومة والفداء، ألا وهي ظاهرة التعامل مع العدو المحتل الإسرائيلي، وذلك بفعل الضغوطات التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني.
وقد تصيب الفرد أو المجتمع حالة من الإحباط، جراء هذه الضغوط الحاجات على ولعدم توفير المستوى المادي والنفسي له، خاصة حاجة الأمن وحاجة تحقيق الذات، والتي أدى عدم قضائها إلى بروز حالات من التوتر وعدم الاتزان والإحباط لديه، مما جعله يحاول القيام بأعمال تعيد إلى نفسه وجسده اتزانهما الذي أخلت به الحاجة غير المقضية، ويعتبر الإحباط الذي ينمو في ظل ظروف القهر والاحتلال، من أخطر أنواع الإحباط بحيث يفقد المواطن ثقته بالواقع، فيتمرد عليه أو يضطر للتعايش مع هذا الواقع الفاسد ويتوحد معه، أو يحمل له التبرم والانزواء. (شحادة،1992: 78)
وتقيم جوانب الإحباط من أخطر الجوانب النفسية التي تنتشر في حالة الحروب وفي المجتمعات غير المستقرة، وهي سلاح فعال لمنع التفكير، وعدم التعرف على الأسباب والمسببات والعوامل، أو البحث في النتائج والتجارب الإنسانية، وعدم معرفة الخطأ من الصواب، وتكون المحصلة النهائية الانصياع الكامل للسلوك الانحرافي. والانسان في حالة الإحباط يجد نفسه أمام ثلاث أشكال من ردود الأفعال هي:
– مواجهة مصدر الإحباط ومهاجمته: وهو رد فعل نموذجي للإحباط، حيث يرى الكثيرون من علماء النفس أن الدافع للهجوم على مصدر الإحباط هو العدوان، أي أن من الأمور السوية أن يهاجم الإنسان ما يحبط أعماله ويحول دون تحقيقها، ولهذا تعتبر (كارن هورني) بأن كبت كل المشاعر المعادية والهجومية أمر مضر من وجهة نظر الصحة النفسية، وذلك لأن هذا الكبت قد يقود إلى القلق والعصاب.
– كبت عملية الإحباط: وهو عملية يلجأ الإنسان بواسطتها إلى دفع ما يزعجه إلى عالم اللاشعور. لذلك ترى (هورني) بأن كبت المشاعر المعادية هو السبب الرئيس للقلق والعصاب. أي يلجأ الفرد إلى عملية الانسحاب من الواقع، حين يواجه صعوبة أو يصادف إحباطا ينكمش وينسحب من المواجهة التي يعتقد خطأً أنها الأسهل، وهذا الانسحاب في الواقع مؤلم، وقد يقود إلى أحلام اليقظة، أو يقود أحياناً إلى الإدمان على الكحول، أو المخدرات. (عاقل،1973:155)
– التوحد مع مصدر الإحباط: حيث يقوم الفرد بتزوير مصدر الإحباط، فبدلاً من مواجهة المصدر الحقيقي لهذا الإحباط، يقوم بالتوحد معه. ومن ذلك تكون عملية التوحد بالمعتدى، والتي تعتبر حيلة دفاعية تُصطنع للتغلب على الخوف من المعتدى، وهي حيلة شائعة يعكس فيها الفرد سلوك من يتقمصهم، حيث لا مناص لإعادة التماسك في شخصية المتوحد بالمعتدى للتغلب على القلق والإحباط -الذي هو الأصل في عملية التوحد- أن يمارس الاعتداء على الآخرين. (زيور،1982: 123)
وفي الواقع الفلسطيني أدت عمليات الإحباط لدى بعض الفلسطينيين الى الخوف الشديد من المحتل، وبالتالي إنتقلوا الى حل هذا الإحباط على حساب الآخرين من حولهم، حيث قاموا بتزوير مصدر الإحباط لديهم وأصبح السبب ليس الاحتلال، وإنما هو المجتمع. وبالتالي توحدوا مع العدو ضد مجتمعهم.
ويلعب الطابور الخامس (العملاء)، والدعاية المغرضة، والحرب النفسية (الاحتلال)، أهم الأساليب الفاعلة في عمليات التخريب الفكري للأمة، التي ترمى بالنتيجة إلى أن يصبح الإنسان مقتنعاً بعجزه وتفاهته، وعدم أهليته لمباشرة شؤون نفسه، ويتحول بالتالي إلى حيوان يأكل ويشرب ويتناسل في ظل الإحباط الكبير الذي يجلل حياته وبالتالي يسهل انقياده للمحتل ومصالحه، هذا على صعيد الفرد نفسه، وقد يزيد الأمر وخطورة عندما تنتقل هذه الإحباطات من حالة الفرد، إلى المجتمع ليشكل بالتالي ظاهرة اجتماعية نفسية معقدة يلفها الإحباط واليأس، من عدم الموائمة بين متطلبات الحياة الأساسية وبين الواقع المعاش، حيث تنشأ الأزمة النفسية من تراكمات هذه الإحباطات، الأمر الذي يدفع بعوامل الإحلال والتجانس مع المعتدي والإستسلام له بدلاً من المقاومة والتحدي له، وهذه الحالة من الإحباط الجماعي هي أخطر ما يصيب المجتمعات المحتلة.
وقد تبين من خلال دراسات الباحث، أن العملاء لم يكونوا أثناء الارتباط مع الاحتلال من ذوي الانحرافات النفسية أو الأمراض النفسية. إنما لعبت ظروف وعوامل متشابكة أخرى كانت لها علاقة ارتباطية أقوى في ذلك، وان كانت العوامل النفسية جزءاً مهماً منها.(عباس،2000: 135)
ولكنهم كانوا يحملون تصوراً ومفهوماً سلبياً عن الجوانب الانفعالية والعاطفية لديهم، حيث أن تصورهم لمشاعرهم وانفعالاتهم وعاطفتهم، كان تصوراً متدنياً، وبالتالي أثر ذلك على جمود عاطفتهم وانفعالاتهم وتبلدها، وتدنيها في واقع الحال. ولو نظرنا إلى هذه ذوات العميل كأجزاء، نرى أن الذوات التي ليس له دور كبير في تكوينها أو إنشاؤها، كالنواحي الجسدية والعقلية – التي في الغالب تكوينها فسيولوجي ووراثي- يكون مرتفعاً. والذوات الذي تشكل تكوينه العاطفي والانفعالي، أو الخلقي والروحي، والتي يكون للإرادة والاختيار الدور الأكبر في تكوينها وبلورتها.
وبعض المقابلات التي قام بها الكاتب للعملاء، أظهرت أن الخوف كان يسيطر على كثير من العملاء. وهذه بعض النماذج على ذلك يقول العميل (م.ل) “أشعر بالجبن وعدم المواجهة وعدم الشجاعة، واشعر بالخوف من الناس ومن نفسي، واشعر بالوحدة والانعزال عن المجتمع، لدي ميل للانتحار، وحاولت ذلك وفشلت، ولكني اجبن من الموت بشكل كبير … عندي شك من الذين حولي، ولو نظر إليّ شخص اعتقد انه سوف يقتلني، أنا أعيش في رعب، ويخيل لي أنني سوف أموت، أخاف من السير وحدي وخاصة في الليل، ومن العتمة ومن النوم وحدي، أو إطفاء الضوء، ومن الكلاب والفئران والقطط، واعتقد أن لو شعرة منها بلعها الإنسان فإنها تكبر في بطنه وتقتله وأخاف من أم بريص والسحلية (زواحف صغيرة) وأتخيلها كبيرة وتحاول الهجوم عليّ عندما أكون وحدي، وأخاف من جثث الموتى ومن المقابر، وتناول الطعام من لحم العزاء وأشعر كأنني آكل لحم الميت”. (عباس، 2002: 13)
ويقول العميل (د.م) “أخاف من السباحة في البحر، ومن الكلاب ومن (العشب)، ومن الدم، وأحياناً تأتي في نوبات خوف من الموت، أخاف من الجندي الإسرائيلي، وأشعر بان لدي اضطراب في الشخصية وتردد في القيام بالعمل، واشعر بأنني أخاف من المجهول والمستقبل”.
ويقول العميل (ك.و) “لا احب رؤية الدم، ولا احب أن اذبح الطيور والحيوانات واشعر بالخوف ومنظر الدم يجعل عندي رعشة وأحيانا دوخة، وأخاف من الظلام جداً، وذلك (منذ توهمت وأنا في 17 بمشاهدة قتيل في الجميزة)، ولا احب الوحدة ولا احب النوم بمفردي في غرفة واحدة، ولا أطفئ النور، ولا احب مشاهدة الميت، ومرة أدخلت ميت للقبر، وشعرت بخوف شديد وما زلت وكلما أتذكر الحادث يقف شعر رأسي ويدي، وأخاف من منظر الجندي الإسرائيلي، ومن ضابط المخابرات”.
ويقول العميل (س.هـ) “الدم منظر لا أحبه، حتى لو كان دم حيوان، وأخاف أن اذبح الطيور والحيوانات، ولا احب الحضور للمآتم مطلقا، وكل مرة اذهب فيها أو يفرض علي الذهاب لحضور المآتم للأقارب، يحدث ألم في كتفي اليمين، حتى ولو لم احمل النعش، ولقد حدث ذلك معي اكثر من مرة، وقد كنت اشعر بالحزن العميق وأفكر بالموت ورهبته عندما أرى شخصا ميتا، برغم أنني لا أفكر في الموت والوفاة بعيدا عن الجنازة، وأحيانا وأنا نائم أقوم من النوم مرعوب واستيقظ وأنا اشعر بان النبض قد توقف لدي، واعتقد بأنني وحتضر وأموت. (عباس، 2002: 19)
5- العوامل السياسية:
وهي الحالة والوضع السياسي العام الذي يعيشه قطر معين. وقد تبين خلال بعض الدراسات، أن المناطق التي تعيش واقع الحروب، تتزايد فيها الصعوبات الحياتية تبعاً لاستمرار الحرب، وعلى الأخص البقاع المحتلة، أو التي وفد إليها فيض من اللاجئين. (بهنامر،1990: 160)
والمجتمعات غير المستقرة. سواء التي في حالة الحرب، أو بعد توقفها، يكون للحالة التي تعيشها أثر كبير في بروز بعض الجرائم واختفاء بعضها الآخر. فمثلا تكثر جريمة التعامل والتجسس مع العدو، والسوق السوداء للسلاح، في حين تختفي الجرائم العادية، باعتبار أن الناس أثناء الحرب أو بعد الحرب مباشرة، تسود لديهم حالة من الإرهاق والتوتر الشديد في جميع مناحي الحياة، بسبب عنائهم الطويل وضغط الواقع والصدمات النفسية عليهم، كما أن تقلب الحياة السياسية المتواصل المجتمع الفلسطيني، بسبب الاحتلال والحروب قد أثرت عليه أيضاً.
إن عامل الحرب والهجرة والتشرد قد أثر على شخصية الشعب الفلسطيني الذي رزح تحت الاحتلال والتشرد والهجرة منذ عام 1948، ثم تواصل هذا الأمر باحتلال الجزء المتبقي من فلسطين عام 1976. حيث أن المواقف والظروف التي تعرض لها، بسبب هذا الاحتلال قد أثرت في جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها، والتي تنعكس بالتالي على العامل النفسي.
وقد عاش الشعب الفلسطيني كشعب محتل، واقعاً صعباً مريراً تعرض فيه بصورة متواصلة للعديد من المواقف الصعبة والضاغطة في شتى مجالات حياته، خاصة فئة اللاجئين التي اقتلعت من أرضها، ومرت بصدمة الحرب واللجوء والعيش في المخيمات. (أبو نجيلة،1996: 16)
وقد تمثل الواقع السياسي الذي مر به الشعب الفلسطيني بثلاث مراحل هي:
مرحلة الهزيمة، وهي التي تلت حرب الأيام الستة وخيم فيها التراجع العربي، وتمثلت بحالة الجمود العسكري والسياسي حيال إسرائيل، ومحاولة لعق الجراح.
مرحلة إعادة التوازن، التي بدأت بحرب أكتوبر، وأعادت بعض الثقة للنفسية العربية المنكسرة، وانتهت بخلق قاعدة انطلاق للعمل العسكري ضد الوجود الإسرائيلي
مرحلة السلام، التي بدأت بعقد اتفاق كامب ديفيد الذي غير مدار الصراع، وأدخل الحل السلمي لحلبة الصراع العربي الإسرائيلي كخيار استراتيجي للعرب.
أما العلاقة بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، فتمثلت في أربع مراحل هي:
مرحلة الكفاح المسلح، والتي انطلقت بعيد الاحتلال مباشرة، ولم تدخر إسرائيل جهداً في تصفيتها، حيث استخدمت في ذلك وسائل انتهكت بها القانون الدولي. فدمرت منازل السياسيين البارزين، واعتقلتهم ونفت بعضهم، وفرضت الإقامة الجبرية على آخرين، ومنعت التجوال عن أغلب مدنهم. وتعاطف رغم ذلك أغلب الناس مع المقاومة، لكنهم لم ينخرطوا فيها، لذلك ظلت المقاومة للاحتلال انتقائية، مما سهل عملية تجنيد بعض العملاء في كشف رجال المقاومة ومتابعتهم، والنجاح بالتالي في انحسارها. ولكن بمرور الزمن أصبحت المجموعات العاملة بعد عام 1967 ضد الاحتلال تفرض واقعاً جديداً. وكانت هذه المنظمات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
مرحلة الانتفاضة الأولى، حيث انخرط السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني في المقاومة، التي شكلت تحدياً حضاريا جديا للاحتلال، والتي تم إعادة بعض المقاومة المسلحة فيها، مع تكثيف العمل السياسي، وخلال الأيام الأولى من بدؤها شكلت قيادة مشتركة عرفت باسم القيادة الوطنية الموحدة للإنتفاضة، وكانت توزع التعليمات عبر مناشير يتم توزيعها سراً، وفي مضمونها كانت توجه الشعب لسبل المقاومة.
وبذلك اصبح الفلسطينيون في الأراضي المحتلة يتبنون سياسة التوجيه الذاتي، وفقاً لتعليمات القيادة الموحدة، حيث تدير الجان الشعبية المدن والقرى ومخيمات اللاجئين، كما جرى إنشاء عيادات مؤقتة في المخيمات والأحياء والقرى، وحفرت الآبار للمياه. وأن المشاركة الجماهيرية في العمل السياسي بدت واضحة في صفوف الطلبة الذين كانوا في طليعة الانتفاضة وأصبحوا الهدف المفضل لإجراءات القمع الإسرائيلية، وفي المقابل نشطت أذرعتها الأمنية بالمساومة والإسقاط على قطاع لا بأس به من أفراد المجتمع، مما أدى لمزيد من العنف من قبل المقاومة لكبح هذه الظاهرة ومحاولة تطويقها وإنهائها بالقوة. ثم تطور الوضع السياسي والنضالي بشكل كبير، بعد أن تحولت بعض الجماعات الدينية إلى أحزاب دينية سياسية مقاومة مثل، حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، ذات الطابع الإسلامي. (أبوعمرو،1989: 43)
ومرحلة اتفاقية أوسلو، وما انتجته من واقع جديد على الأرض، وخاصة ذلك الواقع بقدوم المغتربين، وبناء سلطة وطنية فلسطينية في الضفة والقطاع. وقد استمرت هذه المرحلة لعدة سنوات، ثم بدأ بريقها يخبو ويذبل شيئاً فشيئاً.
مرحلة انتفاضة الأقصى، والتي انطلق فيها الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الحالية، وما زال، من أجل نيل حقوقة الوطنية، نحو الاستقلال والتحرير، وأقامة دولتة المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف.
وقد تبين من خلال دراسات الباحث، أنه على الرغم من هذا الواقع السياسي الذي يسعى من خلالة العدو لعمل غسيل دماغ سياسي وفكري للمجتمع، إلا أنه لم يفلح في ذلك حتى مع العملاء أنفسهم، حيث لم يجذر التعامل أنمطة سياسية، أو فكرية للعميل، وبالتالي لم يوجد في فلسطين عميل فكري وحتى قد لا يوجد عميل سياسي. ويعزى ذلك لكون التعامل في فلسطين قشرى لا ينطلق من منطلقات فكرية أو سياسية، أو حتى وجهة نظر معينة، إنما كان في الأغلب تعامل عبر ظروف قهرية، ووسائل ضاغطة تعرض لها العميل على مستوى الواقع من قبل العدو.(عباس،2004: 254)
6- العوامل السكانية (الديمغرافية):
وهي التركيبة السكانية في فلسطين، وما واكبها من تغيرات هامة وجذرية خلال الصراع. وقد أبرزت نتائج حرب 1948 نوع جديد من التركيبة السكانية في فلسطين، ألا وهي اللاجئين، أولئك الذين تركوا مواطنهم الأصلية وهاجروا إما إلى قطاع غزة أو الضفة الغربية أو إحدى دول الجوار العربية، وسكنوا في معسكرات، وشكلوا بذلك الشريحة الأولى من التركيبة السكانية في المجتمع الفلسطيني، في حين شكل المواطنون الذين لم يهاجروا من الضفة والقطاع الشريحة الأخرى للمجتمع، وقد تأثرت كل شريحة بموقعها الجغرافي الذي وضع بصماته على تكوينها الاجتماعي، وقد تأثر تركيب الأسرة في القطاع بذلك أكثر من غيره، حيث وصل حجم الأسرة الواحدة إلى ما يقرب من 9 أفراد، أي أن لأجيء المخيمات بالنسبة إلى الأراضي المحتلة، كان لديهم أعلى نسبة لعدد الأفراد في الأسرة الواحدة، مما أثر بالسلب على عملية التنشأة السليمة لأفراد الأسرة.
وقد تعرض المجتمع الفلسطيني إلى أخطر عملية تدمير ديمغرافي شهدها العصر الحديث، من خلال عمليات التهجير القسري التي مارسها الاحتلال الصهيوني ضد هذا الشعب، وعمليات الإحلال التعسفية عبر استجلاب جماعات وافدة من اليهود، لتحل بدلاً منه على أرضة وفي وطنه. مما أدي لإحداث تغيير كبير وواسع على التركيبة السكانية في المنطقة برمتها.
وأكثر هذه التغيرات الديمغرافية، حدث في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث نتج عن حرب عام 1948 تهجير آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، كما نتج عن حرب عام 1967 نزوح آلاف الفلسطينيين أيضاً من قراهم ومدنهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. (العيلة،1998 :57)
وأثر ذلك شهد التعداد السكاني في قطاع غزة على سبيل المثال، انخفاضاً حاداً بسبب عدد النازحين إلى الخارج في أعقاب هذه الحرب، وحتى نهاية عام 1985، ما يقارب 18,5% من سكانه. (المركز الفلسطيني، 1999 :21)
وبرغم ذلك ظل المظهر السكاني الديمغرافي الرئيس لقطاع غزة – يمتاز بالعدد الكبير من السكان الموجودين في مساحة صغيرة من الأرض وهي أعلى كثافة سكانية في الأراضي المحتلة كلها، بل أعلى نسبة في العالم.
ولم تكتف إسرائيل بهذا الوضع المتردي الناجم عن الهجرة والاحتلال، بل تبنت سياسة الاستيطان، بزرع المستوطنين اليهود في المناطق الفلسطينيه المحتله، لتحقيق هدفها المنشود ألا وهو حدوث خلل ديمغرافي لصالح الإسرائيليين، ولهذا لم تقتصر الممارسات الإسرائيلية على طرد السكان، بل أخذت بمصادرة الأراضي، حيث وصل حتى نهاية عام 1986 مجموع ما قد صادرته إسرائيل اكثر من 60%من مساحة الضفة الغربية و40% من مساحة قطاع غزة. (شحادة،1990 :29)
وبالإضافة إلى سياسة الاستيلاء على الأراضي وتفريغها من سكانها، اتخذت إسرائيل عدة تدابير أخرى على امتداد عام 1967 وحتى عام 1993، اتبعت فيها سياسات كان الهدف منها تضييق الخناق على المواطنين ودفعهم إلى النزوح والهجرة خارج المناطق الفلسطينية. ومنها وضع قيود صارمة على حرية التنقل، وفرض مدة زمنية للإقامة في الخارج أقصاها ثلاث سنوات – من يتجاوزها يفقد حقه في المواطنة – كما قامت بتشويه المجتمع الفلسطيني وتدميره وعزله عن محيطه العربي. كما قامت بتغيير البنية الأساسية للمجتمع السكاني، من خلال هدم المنازل وشق الطرق الواسعة داخل مخيمات اللاجئين، وإقامة مشاريع الإسكان التي تهدف إلى إعادة توطين سكان المخيمات في المناطق التي أعدت خصيصاُ خارج مخيماتهم، وقدمت من اجل ذلك قروضاً عينية لتمكين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة والقطاع من تغطية نفقات البناء هذه، وهدفت من وراء ذلك إلى إزالة كل المسببات الاجتماعية والاقتصادية للمقاومة، ولإحباط الفلسطينيين كي لا يوجد لهم متنفساً عبر مقاومة الاحتلال، وتامين مناخ أفضل لترويض الإدراك الوطني والسياسي للاجئين الفلسطينيين، ولكن إندلاع انتفاضة الانتفاضتين غير من جميع المعادلات التي سعت اسرائيل لترسيخها على أرض الواقع. (شحادة،1990 :48)
وقد ظهر للباحث ن خلال دراسته أنه في حين أن أغلب المقاومين الذين قضوا مضجع الاحتلال الصهيوني، قد خرجوا من رحم المخيمات، إلا أنه قد خرج منها كذلك أغلب العملاء الفلسطينيين. بسبب أنها الأكثر كثافة سكانية، والأكثر فقراً. أي تنشط عمليات الضغط للتعامل مع العدو في المناطق التي يغلب على سكانها مستوى الكفاف الاقتصادي، والكثافة السكانيه، وانه لأمر غير مستبعد أن يكون غالبية العملاء من هذا المستوى،ولأن حجم العمل المقاوم للاحتلال في المخيمات أكبر منه في المدن والقرى. تنشط عمليات التجسس، فحيثما تنشط المقاومة ينشط التجسس والتعامل.
وهذا الواقع قد انعكس على شخصية العملاء من سكان المخيمات، حيث أن العملاء الذين يقطنون داخل المدن كانوا يشعرون أن الآخرين في المجتمع يحملون عنهم صورة ايجابية اجتماعياً، وكذلك علاقاتهم مع الآخرين من أفراد المجتمع أفضل من سكان المخيم. (عباس،2004، 213)
ثالثاً: العوامل الضاغطة (المعجلة):
وهي عملية تفاعل كينونة الفرد الذاتية وما تحمله من صفات وسمات وخصائص، مع الموقف الآني الضاغط الذي يتعرض له، خلال الواقع، فيؤثر في استجابتة نحو سلوك إجرائي معين. وقد تكون هذه العوامل من القوة والحدة، بحيث لا يستطيع معها الشخص التحمل والصمود، مما يؤدي إلى إنهيار جميع تحصيناته ودفاعاته المقاومه، أمام هذا الضغط الشديد.
كما قد تكون هذه الضغوط بيئية طارئة، يتعرض لها الشخص عند ظهور الانحراف، أو ضغوط بيئية مزمنة، تحملها الفرد مدة طويلة ثم اشتدت حدتها وضعفت مقاومتها عند ظهور الانحراف. (قرني،ب.ت:222)
وسواء كانت الضغوط بيئية طارئة، أو مزمنة، فإنها تحدث بفعل جانبين. الأول وجود القابلية الذاتية والدافعية للانحراف، والثاني وجود موقف ضاغط آني وطاريء، يشكل الظرف الموضوعي لعملية الانحراف، أي وجود عوامل ضاغطة داخلية خارجيةعليه.
أ) وجود القابلية للتعامل والتجسس :
تشكل القابلية لدى الفرد لعملية الانحراف نحو الجريمة بشكل عام، والانحراف نحو جريمة التعامل مع العدو بشكل خاص، الأمر المحوري والمفصلي في هذه العملية. فبدون هذه القابلية والاستعداد يرفض الفرد عرض التعامل عليه، أو قد ينكص على عقبية بعد الموافقة على ذلك. أي أن الأمر الأهم في عملية الارتباط مع المحتل هو القابلية الشخصية للفرد نفسه لكي يكون عميلاً، وهذا الأمر يخضع لتقدير الضابط المجند للعميل، لتقرير مدى قابلية المرشح للتجاوب مع إجراءات التجنيد، وذلك من خلال علاقته المباشرة به، والتي تتيح له التعرف عن كثب على دوافعه وحياته بشكل عام، وخصوصاً الضغوط التي تكمن في أوضاعه المادية، وحياته الخاصة والمشاكل التي يعانى منها. والتي قد تدفعه باتجاه قبول العمل السري (التجسس) والاستعداد الشخصي لتقبل الوضع الجديد له. (شحادة،1992: 83)
وبعد التأكد من قابلية الشخص للتعامل، يسعى ضابط مخابرات العدو إلى التعرف على قرار المرشح بالموافقة على التجنيد. باعتبارها هي التي تؤثر في قراراته الشخصية، وهي التي تحكم سلوكه وممارساته، وذلك بالتعرف على تصرفاته الاجتماعية وآرائه السياسية والدينية وغيرها، وكذلك المشاكل التي يعانى منها وتطلعاته المستقبلية، والضغوط التي يمكن أن تتحكم بتوجيه سلوكه.(شحادة،1992 :109)
إن الموفقة على الخيانة لا تعتمد على وجود خصم عنيد أو حقود، إنما تعتمد على شخص لديه استعداد ذاتي، ومضطلع على أسرار معينة، وتوفرت له فرصة الخيانة. وتعتمد كذلك على مزيج من نقاط الضعف في شخصية الفرد وإخفاقات في مراحل حياته، بالإضافة الى اعتمادها على الحافز الذي يحركه للانطلاق لذلك. (انترنت: 1999Richards, Heuer.)
ويعتبر وجود الدافعية والقابلية الذاتية للخيانة هي التي تضع الخائن على أول طريق الخيانة، ووجود الحاجة للشعور بإرتكاب الجريمة. والفرصة المتاحة لإرتكاب الجريمة (التي تعد بمثابة الإغراء لإرتكاب الجريمة) هي المحرك للخيانة، فهذه الفرصة قد تكون سهلّت الوصول إلى معلومات أو مواد يمكن مبادلتها بالمال أو استغلالها لتحقيق هدف آخر. وقد سهلَّ استخدام الأدوات التقنية من تنفيذ الخيانة فالكمبيوتر مثلا زاد من كمية المعلومات التي يستطيع أن يجمعها الجاسوس، حيث أصبح في هذه الأيام إمكانية أن ترتكب جريمة الخيانة بينما يجلس الفرد الى جهاز الكمبيوتر مُزاولاً عمله اليومي. كما سهل ذلك عملية ازدياد عدد الناس المضطلعين على الأسرار عما هو في الماضي بسبب الانفتاح الأمني، وتناقل المعلومات بالمجان، وخاصة في ظل انتفاضة الأقصى.
ب) الموقف الضاغط :
والمواقف الضاغطة التي ينتهجها ضابط المخابرات، تشكل الاختبار والامتحان للعوامل الكامنة، حيث يقف الفرد فيها في صراع بين مكونات هذه الأشياء، وبين ضغط اللحظة والموقف، فينشأ صراع الإقدام – الإحجام، الذي يقف الفرد مستجمعاً فيه كل قواه الذاتية، ومستنهضاً جهاز المناعة الشخصي لمجابهة مصدر الضغط، ليخرج من عملية الموازنة والمفاضلة في الخيارات التي أمامه بسلام ونجاة، وفي لحظة الصراع يتوقف النجاح على نظرة الفرد إلى اعتبار أن الصراع ذاتي أو جمعي، فإذا حصر الموقف في المنفعة الذاتية المجردة عن العقل الجمعي، فقد يستجيب للموقف الضاغط، وإذا نظر إلى لحظة الصراع على أنه صراع جمعي، ولا يمكن تجريد ذاته عنه، انتصر وتغلب على الموقف الضاغط، بشيءٍ قليل من الإرادة.
كما أن هذه الضغوط تشكل وضعاً متشعباً وشائكاً للفرد، لأن جانبه الأكبر هو لا إرادي يصعب التحكم به حتى لدى أغلب الأشخاص، كما أنها تمثل خطراً على صحة الفرد وتوازنه، وتهدد كيانه النفسي، وبالتالي ينشأ عنها آثار سلبية، كعدم القدرة على التكيف مع المجتمع، وكذلك ضعف في الثقة بالنفس، وعجز عن ممارسة مهام الحياة اليومية، وانخفاض الدافعية للعمل، خاصة عندما يتعامل الإنسان مع الموقف الضاغط بشيء من الاستسلام، ويقبل بما يمليه عليه الموقف حتى لو كان الخيانة لوطنه.
وتتمثل عمليات ضغط الموقف في استخدام الوسائل والأساليب القهرية، وهى من أخطر الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الاستخبارية للوصول إلى أهدافها، دون إرادة الإنسان ورغبته، بحيث يجد نفسه مجبراً في بعض الأحيان تحت وطأة الدافع القهري، من خلال التهديد أو الابتزاز بأن يستسلم للضغط.
وهو يتمثل في عمليات الضغط التي يتعرض لها الفرد في واقع الحياة، من خلال الموقف الآني الذي يجد نفسه فيه، ولا يستطيع مجابهته، سواء كان هذا الموقف الضاغط، يمثل ضغوطاً جسدية كعمليات التحقيق، أو ضغوطاً نفسية كالمقابلات المفروضة مع ضباط المخابرات، أو ضغوطاً اقتصادية عبر المساومة على مصدر الرزق، أو أخلاقية بتشويه السمعة الاجتماعية، أو غير ذلك من المواقف التي يتعرض لها الشخص ولا يستطيع تحملها، أو الصمود حيالها، وبالتالي تخور قوته وتنهار عزيمته أمامها.
ويعد ضغط الواقع من اخطر الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الاستخبارية للوصول الى أهدافها بأي ثمن، دون إرادة الإنسان ورغبته. “وتلجأ الأجهزة الاستخبارية لاستخدام هذا الضغط عندما لا يتوفر لها بديل، ويصبح هو المشروع الوحيد القابل للتنفيذ، من خلال التهديد أو الابتزاز، وهنا لابد من خلق ظروف وأحداث يتورط فيها المرشح للتجنيد وتستخدم بالتالي سلاحاً للتهديد المستمر، مثل التورط في عمليات الجنس والتهريب والرشوة والاختلاس وغيرها.
وقد تتخذ وسائل العمل القهري ممارسات خطيرة كخطف أحد أعضاء أسرة المرشح أو خطفه شخصياً وفي جميع الحالات لابد من أن يأخذ الجهاز الاستخباري بالاعتبار ردود الفعل المتوقعة من المرشح، وإمكانية تحويل العملية إلى فضيحة للجهاز والعاملين فيه.
وأحيانا تستخدم هذه الضغوط -خصوصاً التورط الجنسي- ضد رؤساء الدول وأصحاب المراكز السياسية والتنظيمية من خلال عمليات مدروسة ومعدة بأحكام لتصوير الشخصية “الضحية” في أوضاع لا يستطيع معها أن يقاوم الفضيحة، ويتم خلالها التجنيد. فإذا استسلم الفرد للتهديد مرة، فلن يفلت من دائرته الى الأبد، ومع الأيام تتوطد أواصر التهديد والابتزاز، ويفعل المتورط كل ما يريده المورط بدون أدنى رحمة”. (شحادة، 1992: 114).
وفي فلسطين تشكل العوامل الضاغطة أكبر عامل مساعد ومؤثر في الانزلاق، نحو جريمة التعامل مع العدو والمحتل، ومن أبرز هذه العوامل الضاغطة، المواقف الضاغطة المتمثلة في عملية المقابلة والاعتقال والتحقيق. وهذه بعض النماذج :
ففي مقابلة خاصة مع العميل (س. ق) قال: أنه تم اعتقاله هو ومجموعة اثناء عمله سنة 1989 في اسرائيل، حيث حكم ثلاثة شهور. وقال بأنه ارتبط مع المخابرات الإسرائيلية بعد الافراج عنه، حيث ارسل له تبليغ من قبل مخابرات المنطقة بالسرايا بغزة، وعرض عليه ضابط المخابرات (أبو علي) الارتباط فوافق نتيجة تهديده بالاعتقال. وقد تستلم منه قداحة (ولاعة) عبارة عن كاميرا، وحدد له مستوطنة نتساريم للقاء معه.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ع. ح. ح) قال: بأنه سافر إلى المانيا في شهر 3/1969 بهدف التعليم لكنه فشل ويعزي السبب بأنه كان على علاقه بفتيات، وفي عام 76 عاد إلى غزة، واثناء العودة قابل ضابط مخابرات إسرائيلي يدعى (أبو جودة) عرض عليه الارتباط كعميل للموساد أو الاعتقال فوافق على ذلك في شهر 8/1977 . وقد حاز على بطاقة حمراء تسمح له بالتجول في مدينة غزة أثناء منع التجوال.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ن. س. ر) قال: بأنه ارتبط بعد الاعتقال، وذلك بعد قيامه بتهريب مطاردين، وتم مساومته فارتبط مقابل الافراج عنه. وكان صغير السن.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ع. ح. ق) قال: بأنه ارتبط بسبب صفقه عرضت عليه بتخفيف الحكم عن أخيه، ثم إخراج أخيه من السجن مقابل الارتباط، فوافق على ذلك.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. ش. ش) قال: بأنه ارتبط عام 1987 وذلك من خلال التحقيق والمساومة معه بالإفراج عنه مقابل الارتباط فوافق.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (هـ. ع. م) قال: أنه ارتبط أثناء التحقيق داخل زنازين سجن غزة المركزي، وذلك في سنة 1980 على يد محقق يدعى (أبو أمير) وقد عمل داخل الزنازين كمساعد للمحققين الاسرائيلين في سحب اعترافات المعتقلين.
ففي مقابلة خاصة مع العميل (ز. أ. ج) قال: بأنه ارتبط من خلال العرض عليه أثناء التحقيق وهو في وضع نفسي سيئ، فوافق عل الارتباط، وأفرج عنه مقابل ذلك.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ي. ز. ك) قال: سبب الارتباط كان اثناء التحقيق، وذلك بسبب الخوف من الحكم مدة طويلة.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ص.ر.م) قال: بأنه ارتبط عام 1982 وعمرة 17 عام، وقال: اعتقلت على خلفية مظاهرات في المدرسة، أخذوني إلى التحقيق وأوهموني أثناء التحقيق، بأني سآخذ حكم كبير، وهددني ضابط المخابرات بالسجن لفترة طويلة إذا لم ارتبط، وخوفا من السجن والحرمان من التعليم وافقت على التعامل.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ن. ز. د) قال: بأنه ارتبط عن طريق عرض الارتباط عليه أثناء التحقيق بعد الاعتراف، فوافق على ذلك وهو في حالة نفسية سيئه.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ن. م. ع) قال: بأنه ارتبط اثر اعتقاله ومساومته من قبل المخابرات. اما يأخذ قضية وحكم، أو الارتباط فوافق على الارتباط.
إن البحث عن الرغبة الذاتية التي تمثل الدافعية الأهم لدى الفرد للتعامل، مع الاستعداد الذاتي للقيام بالمهمة التجسسية، هو المطلب الأكثر إلحاحاً وأهميه في عملية التجنيد، بل هو ضرورة مهمة من ضرورات العمل الأمني، التي يتوجب على المباشرين لعمليات التجنيد أن يلتزموا بها. وهذه إن لم توجد فقد يكون الخيار الآخر، وهو تعريض الهدف لعوامل ضاغطة تؤثر على قرارة في عملية قبول عرض التعامل.
نظرة فاحصة لتأثير العوامل السابقة على الإرتباط:
عوامل كثيرة تعترض طريق الانسان، فتؤدي لمشاكل خطيرة، منها ما قد تنفجر دون أن تؤدي إلى تصرفات خاطئة. ومنها ما قد تغير مجرى حياة الانسان. فقرار الخيانة للوطن مثلاً قد ينتج عن حدث ما يحدث للفرد في حياته، قد يدفع به إلى نقطة الانهيار. ولكن في الغالب يتعرض الكثير من الناس الى مشاكل قد تهدد كيانهم، مشاكل مالية حرجة تمتزج بفرص سانحة للربح غير الشرعي، الفشل في المنافسة الشريفة مع أقرانهم في العمل، تقترن أحياناً بفرصة غير شريفة لتحقيق المكاسب، أو المعاملة السيئة من قبل المسؤولين، تولد الحقد، مع وجود فرصة سانحة للانتقام، ..إلخ.
أي أن الانحراف لا بد له من عوامل خارجية، تشكل استفزازاً وضغطاً ومثيراً محركاً، للعوامل الكامنة، وتتناغم وتلتقي مع دوافع داخلية أخرى محركة للسلوك. لذلك نجد الشخص المتوازن عاطفيا بشكل عام، يتعامل بصورة إيجابية، ولكن غير المتوازنون فهم يتصرفون بطريقة قد تضر بهم او بمؤسساتهم. فهم قد يعقدون الوضع بان يصبحوا أشخاصا غير منتجين أو يلجأون إلى المواد المضرة كالمخدرات، أو حتى تخريب مؤسساتهم، أو يتعاملوا مع أعدائهم.
ومن خلال الاطلاع على العوامل الاستعدادية الكامنة المهيأة للانحراف، ومن خلال التعرف على العوامل المهيأة المعززة، وخاصة العوامل (الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والنفسية، والسياسية، والديمغرافيه). وكذلك العوامل الضاغطة المعجلة. تبين بأن الاحتلال منذ اللحظة الأولى لوجوده في الضفة الغربية، وقطاع غزة، عمل جاهداً وبكل الوسائل والأساليب والطرق على تدمير البيئة الفلسطينية، ونسف كل مقومات النماء الطبيعي فيها، وقد عمد بعقلية الاستعمار الاستيطاني، على قلع جذور مصادر الصمود والتحدي التي عرف الشعب بها الفلسطيني عبر تاريخه الطويل في مقارعة الاستعمار، وقوى التأخر والظلام، وقد سجل له التاريخ قوة الشكيمة والتحدي والصلابة، لكل القوى الأجنبية الغازية.
إن الاحتلال الإسرائيلي لم يدخر وسعاً، ولم يتوانى للحظة، في عرقلة مسيرة هذا الشعب، فعمد على المستوى الاجتماعي، على غرس مفاهيم وقيم اجتماعية وأخلاقية، تتنافى وتتعارض مع التركيبة الاجتماعية، ومع النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وغرس كل عوامل التفكك الأسري والاجتماعي، وحاول جاهداً أن ينمي لدى الأبناء روح التمرد والعصيان على الآباء، من خلال فتح أبواب التغريب الاستعماري على مصراعيه في أوساط الشباب.
وساعده على ذلك قوة التحكم الاقتصادي والمادي في أوساط الجماهير الفلسطينية، حيث بسط نفوذه الاقتصادي الرهيب على رقاب كل أسره فلسطينية، وغدا الوضع المادي والاقتصادي لأغلب الأسر الفلسطينية مرتبطاً مع هذا الواقع الاحتلالي، الذي حارب كل استقلال للإقتصاد الفلسطيني، وفرض عليه التبعية والإلحاق وتحكم من خلال ذلك برقاب مئات الآلاف من عمالنا المحتاجين الذين جففت منابع عملهم عمداً في موطنهم وتنازلوا قصراً، عن تطوير صناعتهم، أو زراعة حقولهم.
وفي الجانب الثقافي والتعليمي تبين مدى خوف العقلية الاستعمارية، من حجم مستوى التعليم الأفقي والعمودي لدى الشعب الفلسطيني، فسعى لتدمير كل عوامل الثقافة الوطنية والإسلامية وتدني المستوى التعليمي، وشجع على ظاهرة التسرب المبكر من المدارس، وذلك عبر إغراء النشئ بالعمل داخل إسرائيل، وتحصيل الاستقلال الاقتصادي المبكر عن الوالدين، الذي تساوق أحياناً مع طموح بعض صغار الشباب المقبل على الحياة، والذي يتطلع لبناء أسره مستقلة. وكل هذه الأمور ساعدت على خلق عوامل نفسية ضاغطة على كثير من أبناء الشعب الفلسطيني، وساهمت في تشكيل كثير من المشاكل الصدمية النفسية داخل شرائح عديدة من التركيبة الإجتماعية في فلسطين.
وقد تبين أن جريمة التعامل مع الاحتلال، لا ينطبق عليها المسلمات والقوانين المتعارف عليها غالباً في ظاهرة الانحراف والجريمة من حيث العوامل والمسببات المتعلقة بها. كما تبين تقارب العوامل جميعاً في درجة علاقتها بجريمة التعامل مع الاحتلال -عدا العامل الاقتصادي- مما يؤكد صحة منطق الاتجاه التكاملي في عملية تفسير الانحراف والجريمة، الذي يقوم على رفض فكرة التحليل والتفسير لهذا السلوك من خلال عامل واحد. بل لا بد من إجراء التفسير عبر العوامل جميعاً.
إن الاحتلال وجهازه الأمني يبحث بكل الطرق والوسائل عن المعلومة، لأن المعلومة توجد لدى جميع شرائح الشعب دون استثناء، و بالتالي لا بد من أن يتغلغل لدى جميع الشرائح الاجتماعية مستغلاً جميع العوامل بلا استثناء سواء التعليمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية وغيرها بنسب متفاوتة بحسب مصلحته.
ولهذا كان من المنطقي والطبيعي ومتسقاً مع الواقع المعاش في الأراضي الفلسطينية المحتلة أن تكون العوامل التعليمية هي أقل العوامل التي لها علاقة ترابطية مع الاحتلال، وبالتالي أقلها ارتباطاً بظاهرة التعامل. في حين تشكل العوامل الاقتصادية أسوأ العوامل على الإطلاق باعتبارها أكثر هذه العوامل لها علاقة ترابطية مع الاحتلال لتشابك المصالح الحياتية والاقتصادية بين سكان المناطق وبين السلطات الإدارية والمدنية للاحتلال، في حين تشكل العوامل الاجتماعية والنفسية نوعاً ما مع بعضها البعض، وضعاً أقل ترابطاً بشكل مباشر مع الاحتلال بالنسبة للعوامل الاقتصادية حيث ما زال هناك حيزُ لا بأس به من هذه العوامل غير مسيطرِ عليها من قبل قوات الاحتلال بحكم التركيبة الاجتماعية والنفسية والعادات والتقاليد التي تحكم الشعب الفلسطيني .
والتعامل في فلسطين يختلف عن طبيعة التعامل في العالم. حيث أن هناك عوامل قد كانت أشد قوة وتأثير في جعل العميل يرتبط بالعدو، وهي الظروف الضاغطة الآنية أو الموقفية، التي كانت تنبع من الواقع الاحتلالي المعاش والمفروض على المواطنين.
وقد كان الموقف الآني الضاغط، هو أكبر مؤثر في التعامل في فلسطين، مما يؤكد على أن التعامل في فلسطين هو تعامل سطحي قشري، لم ينفذ إلى مستوى العمق في الذات الفردية، حيث لم يدمر هذه الذات، وإن كان له تأثير مستوى سلبي على الجانب الانفعالي والخلقي.
وهذا يدل على أن العملاء في فلسطين لا ينطلقون في التعامل من منطق عميق، أو عبر قناعة شخصية أو ذاتية، إنما ينبع ذلك من خلال إما مصلحة ذاتية ضاغطة على الفرد، وإما من خلال موقف أني ضاغط، تعرض فيه للابتزاز والتهديد، غير المباشر أو المباشر. لأن العملاء في فلسطين ليسوا عملاء استراتيجيون، أو معارضين أيديولوجيين سواء عقائديون أو سياسيون. ومازال حيزاً في نفسية وذاتية هؤلاء العملاء لم يصل العطب إليها بعد، وهذا يعني أنه بالإمكان عبر عمليات التعبئة والتوجيه والإرشاد والإصلاح والتهذيب، أن يتم تغليب كوامن الخير على كوامن الشر فيهم. لأن عملية التعامل هي صراع أدمغة وعقول، وصراع بناء وصقل للنفوس. باعتبار أن العميل تتجاذبه قوتان، قوة الخير التي تنميها عوامل الانتماء والولاء للوطن والدين، وقوة الشر التي ينميها المحتل عبر عوامل الإحباط والاغتراب وضياع الهوية. وعليه لا بد من تعبئة الجمهور على مستوى الأمة، بشحذ الهمم كل في موقعه، والعمل سوياً لخلاص الشعب الفلسطيني من أخطبوط الاحتلال، المسئول الأول والأخير عن ظاهرة العملاء في فلسطين. (عباس،2004: 233)

الفصل الثالث

تجنيد الجواسيس والعملاء :
تعتبر عملية التجنيد، عملية صعبة وطويلة ومعقدة، وذلك لأنها تمتد طوال فترة البحث والتحري والتعاون ما بين العميل والجهة المجندة له. كما أنها تتطلب عدة إجراءات واعتبارات ومراحل لإتمامها. حيث تتم إجراءات العمل السري دائماً بموجب خطة معدة سلفاً تضمن عناصر الأمن، وتحتوي على إجراءات مناسبة وملائمة لها.
وعملية تجنيد العملاء لا تتم بشكل ارتجالي أو عفوي، بل تتم بشكل ممنهج ومدروس بدقة وعناية، حيث يمر المرشح بمراحل عدة من الاختبارات قبل تجنيده، كما أن الاستقصاءات حوله تتناول كل الأمور حتى ما يتعلق منها بعلاقاته الجنسية، ومدى تأثير هذا النوع من العلاقات عليه. وإذا أمضى بنجاح هذه الفترة، عين بشكل نهائي، لكن هذا لا يمنع من اختباره وعرضه على جهاز كشف الكذب. (كان،1987: 67)
ويتولى عملية التجنيد في اسرائيل الجهازين الأكثر أهمية وحيوية (الموساد والشاباك)، وجهاز الموساد الإسرائيلي، يهتم بعمليات التجنيد الخارجي بواسطة ضباط الموساد العاملين في المحطات الخارجية، وأحيانا تساعد أجهزة الأمن الأجنبية في تجنيد والمخابرات الأمريكية في ذلك، ويتم تشغيل العملاء في الساحات التي تم تجنيدهم فيها، أو يتم إعدادهم وتحضيرهم للعودة إلى أوطانهم، حيث تكون هناك مهماتهم التجسسية أو إلى دول أخرى.
وقد استطاع الموساد تجنيد عرب بشكل مباشر أو غير مباشر، وبشكل خاص بواسطة الإغراءات المالية مرتبات، مكافآت، أو سلف مالية أو للإفراج عن حساباتهم المجمدة في البنوك أو مقابل جمع شمل العائلة المشتتة بسبب الاحتلال، أو مقابل تخفيض فترة أحكامهم بالسجن، أو الغيرة والتنافس والخوف والخلافات والصراعات العشائرية، أو بنقاط ضعف فيهم – كالشذوذ الجنسي- أو الاغتصاب أو التهديد بالفضيحة، وبشكل عام فان الموساد تستغل كل الدوافع والتي تتركز بشكل أساسي في الإغراءات المالية. وأما جهاز الأمن الداخلي (الشين بيت، أوالشاباك) فيتولى مهمته تجنيد العملاء داخل فلسطين، ويستخدم أساليب ووسائل جهاز الموساد في التجنيد. (قديح، 2002، إنترنت)
وتقوم عملية تجنيد الجواسيس والعملاء على ثلاث أركان (المُجند، العميل ، العملية)
الركن الأول: المجند (مسئول التجنيد):
وهو إما يكون ضابط العملية المكلف (الأصل)، الذي يقوم بالإشراف على عملية التجنيد. بشكل مباشر، أو عبر طرف آخر ينوب عنه (البديل)، أو أحد الجواسيس أو العملاء الموثوق بهم وبقدرتهم.
وتتم عملية التجنيد بطريقتين هما الطريقة المباشرة، والطريقة غير المباشرة.
الطريقة المباشرة: وهي التي يقوم ضابط المخابرات الإسرائيلي فيها بعرض الارتباط مباشرة على الشخص المرشح، خلال المقابلة الشخصية له، وذلك بدون واسطة أو تدخل من قبل وسطاء آخرين.
والطريقة غير المباشرة: هي التي يتم فيها عرض الارتباط على أحد الأشخاص المرشحين، عبر طرف آخر وسيط، قد يكون ضابط مخابرات، أو أحد العملاء الذين تم ربطهم مع أحد أجهزة المخابرات الإسرائيلية سابقاً.
وتتم هذه الطريقة في الغالب بأسلوب عمليات الإسقاط الجنسية، أو الملذات الحسية الأخرى والضغط، بتسهيل بعض المعاملات الشخصية، أو الإغراء بالمال، أو تحقيق الوجاهة والمركز الاجتماعي، أو استغلال الخلافات العشائرية، أو ما شابة ذلك. (الناطور،1993 :143)
وكانت الطريقة غير المباشرة، من أهم طرق الإرتباط مع المخابرات الإسرائيلية قبل قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، وأما بعد قدومها فقد أصبح أسلوب الارتباط الأكثر استخداما هو الطريقة المباشرة من قبل ضابط الارتباط أو الشكاوي الإسرائيلي المتواجد دوماً على أحد المعابر الفلسطينية، وخاصة معبر بيت حانون (إيرز).
والمُجند هو: إما ضابط المخابرات (الأصل) أو(البديل) له. أو الجاسوس والعميل.
1- ضابط المخابرات: وهو إما يكون ضابط العملية نفسه (الأصل)، الذي يقوم بالإشراف على عملية التجنيد. بشكل مباشر، أو غير مباشر. أو يكون ضابط مخابرات آخر ينوب عنه (البديل).
أ) المُجند المباشر (الأصل): وهو ضابط العملية الأساس، الذي يقرر صلاحية الشخص المرشح لعملية التجنيد. وهذا الضابط يقرر أيضاً طريقة التجنيد بالشكل المباشر، أو عبر طرف ثالث بديل، وهو كذلك يقرر اعتماد إما طريقة التجنيد العادي، وهي الطريقة المتبعة، وأما استخدام الأسلوب السريع في التجنيد.
– الأسلوب العادي: وهو الأسلوب المتبع ضمن خطوات، ومراحل، وأسس مدروسة، ومعينة مسبقاً. وهو ما سوف يتم استعراضه في أحشاء هذا الكتاب.
– والأسلوب السريع: وهو الأسلوب الذي يلجأ إليه الضابط المجند، عندما تكون الفرصة للتجنيد محدودة ومحصورة ومقيدة ونادرة ووحيدة، وقد لا تتكرر مرة أخرى. وهذه الطريقة لا تتقيد بالإجراءات التي تعارف على اتباعها، وهي نوع من المغامرة التي قد تنجح أحياناً وتفشل في أغلب الأحيان. ويستخدم هذا الأسلوب عندما يظهر أحد (المرشحين) فجأة لوقت محدد وفي مكان محدود، ويكون الاحتياج للتجنيد شديد وضروري. ولن يخسر شيئاً الجهاز جراء ذلك، إلا إذا تغيرت الظروف. أما كيفية ممارسة هذا الأسلوب السريع، فلابد أن يكون للشخص المجند مؤهلات خاصة، ولا يحق لأي مجند القيام بذلك.
فمن المؤهلات أن يكون ذو خبرة واسعة وشخصية قوية، جريئاً، واثقاً بنفسه، يتحدث بدراية، ويتصرف بلباقة، سريع البديهة، توحي تصرفاته بالثقة والأمان، ويهيئ لنفسه غطاءً مناسباً واسماً وهمياً، ويقوم بعرض العمل مباشرة بشكل بسيط ومؤثر ومغرٍ، دون إثارة أو وجل، وإذا صادف عرضه القبول، فلابد أن تكون لديه خطة للاتصال، وبدء مرحلة التعامل، وبالعكس فعليه التوقف عن المحاولة والاختفاء بهدوء”. (شحادة:1992،121)
ب) المُجند (البديل): وهو إما أن يكون ضابط مخابرات أخر، وذلك لاعتبارات خاصة يرتأيها الجهاز الأمني، أو جاسوس وعميل محترف.
– المجند الضابط البديل: ويقرر ضابط العملية اختيار ضابط بديل ينوب عنه في عملية التجنيد، عندما يجد نفسه عاجزاً عن السيطرة الكاملة على المرشح، أو لوصول العلاقة الشخصية التي طورها معه لنقطة لا يستطيع بعدها الظهور بمظهر المخادع، أو من اجل الإمعان في المحافظة على نظام أمن الجهاز وأمن الضابط الشخصي نفسه. ومن هنا لابد من تكليف طرف ثالث لهذه العملية، وبطبيعة الحال فان هذا الطرف يكون قد درس كل جوانب ملف المرشح واصبح يعرف كل شئ عنه – ولكن لا يجوز أن يشعر المرشح بان الطرف الثالث هذا يعرف كل شئ عنه –ومن ثم تبدأ مهمة الضابط الأصيل باختلاق ظروف تعريف المرشح بالطرف الثالث. ومن ثم يترك الفرصة لهما بالحديث وينسحب بهدوء. وهكذا يستخدم ضابط العملية الجديد خبرته ومعلوماته في مفاتحة المرشح للعمل، وقد يفاجأ المرشح بالطلب ويسرع الى صديقه القديم (ضابط العملية الأصيل) ويخبره بالأمر، وعندها يقوم الأخير بتشجيع المرشح على القبول، ويتظاهر بان لا علاقة رسمية تربطه بالضابط الجديد، وعملية استشارة المرشح، لضابط العملية الاصيل، بهذا الامر، يعنى في عرف المخابرات أن هذا الشخص في الغالب، قد تقبل ذلك الأمر ولو نفسياً، وما على المجند الاصيل إلا أن يدغدغ عاطفته، وينمي دوافعه تجاه القبول.(شحادة،119:1992)
– المُجند العميل البديل: وهو الشخص الذي يرتبط بجهاز مخابرات معين مسبقا، ويتم توجيهه بشكل مباشر من قبل ضابط العملية، لترشيح أو تجنيد عناصر جدد للجهاز، ويقوم بالانتقاء حسب الأهداف التي يقررها مسئول التجنيد. ولا يكلف كل عميل في عملية التجنيد لعملاء جدد، بل يقتصر الأمر على بعض العملاء الين يتوفر فيهم بعض الصفات المناسبة.
بعض قواعد التجنيد:
تحكم المُجند عدة أمور يلتزم بها من منطلق أهمية وخطورة العمل الذي يمارسه منها:
-مسؤولية الضابط عن العمليات في منطقته وقيادته شخصياً لقرارات التجنيد والخطوات التي تسبق تلك القرارات.
-تحديد الضابط حاجته الحقيقية من العملاء لهدف محدد، على ضوء أولويات الأعمال المطلوبة، ويأخذ في الاعتبار مركز القوة الحقيقية التي تتحكم بإصدار القرارات.
-معرفة الهدف وكذلك العوامل التي تؤثر في حركته ومصادر قوته وارتباطاته والتي يمكن أن تؤثر على عملية التقرب منه.
-تصور النتائج التي سيحققها الاختراق والمعلومات التي يمكن إنتاجها وبالتالي الجهود التي ستبذل في المقابل سواء كانت مادية أو شخصية.
-عدم إشعار الهدف المرشح للتجنيد بما يجري حوله قبل اتمام عملية التجنيد .
– مراعاة حقوق وواجبات الرجل المجند، بحيث يعمل على الحفاظ على ما يلزم المجندين من حقوق لازمة.
– العمل على حماية رجل التجنيد، وهي من أهم الإجراءات التي يتوجب على المجند مراعاتها حيال المجند
– مراعاة سرية رجل التجنيد، وتتمثل في الإجراءات العملية والميدانية في الممارسة مع عملية التجنيد
– القيام برعاية وتوجيه رجل التجنيد، ومن أهم الإجراءات الضرورية العمل على التوجيه السليم للمجند
– تحديد مرجعية رجل التجنيد، وعليه أن يحدد للمجند بما لا يدع مجالا للبس بأنه لا يجوز له التصرف بدون مرجعية منه.
– الالتزام بقواعد الانتقاء الجيد، وهي العملية التي يقوم بها المجند بانتقاء المجند ضمن مواصفات معينة.
– تعود تحمل المسؤولية، حيث يدرك الضابط المجند انه هو المسئول الأول والأخير عن عملية نجاح وفشل عملية التجنيد. (شحادة، 109:1992)
الركن الثاني: المرشح للتجنيد (الجاسوس أو العميل) :
يعتبر العملاء والجواسيس هم مصدر المعلومات الأهم لقوات الأمن والمخابرات الأجنبية، لذلك فهم دوماً –رجال المخابرات- يقومون بتجنيد عملاء جدد، لكي يمدوهم بما يلزم من المعلومات، و يستعينون في بعض الأحيان بعملاء ذوي خبرة في ذلك. والعميل والجاسوس ليس مقتصراً على فئة دون أخرى، أو طبقة دون غيرها، إنما ينبع من كل أوساط المجتمع بمختلف طبقاته الاجتماعية ومستوياته التعليمية والمهنية والأخلاقية. فقد يكون الجاسوس طالباً، أو بروفيسوراً في جامعة، جنديا أو ضابطاً في الشرطة، مراسلا أو وزير في وزارة، ممرضا أو طبيبا في مستشفى، نادلاً أو مديرا لمطعم، مضيفا أو قبطاناً في طائرة، عاملاً أو مالكا لفندق، محررا أو مالكا لصحيفة، مذيعا أو رئيسا للتلفزيون، حارسا أو سفيرا في سفارة، أوقد يكون الجاسوس رئيسا لدولة وعميلا في الوقت نفسه لمخابرات أجنبية. كماأنه قد يأتي من أسرة مفككة مصدعة، وقد يأتي من أسرة متماسكة ومحافظة اجتماعيا. وقد يكون الجاسوس كلي أو جزئي، وقد يكون عميلا مزدوجا. وقد تكون الجاسوسة سكرتيرة حسناء فائقة الجمال، وقد تكون قبيحة لا تلفت الانتباه لأحد لقبحها. وقد يكون الجاسوس أقرب الناس إليك. فالجاسوس سر ولغز لا تنفك أحجيتة إلا بعد كشفه.(شحادة، 1993:65)
وقد كانت على سبيل المثال الإدارة السرية السوفيتية للتجسس، تسعى إلى تجنيد رجال ونساء يكون في استطاعتهم بفضل مراكزهم أو أعمالهم أن يزودوا تلك الإدارة بالمعلومات السرية، مما شاهدوه ووعوه، أو يكون في استطاعتهم سرقة هذه المعلومات الهامة. أي أن الإدارة لا تبحث عن جواسيس مهرة، لكن تسعى لرجال ونساء يستطيعون تقدير قيمة المعلومات التي يحصلون عليها، وكذلك تريد رجال ونساءً مخلصين. (كوكريدج: 1993، 86)
والتجسس لا يقتصر على جنس الرجال، ولكن تبرع أيضاً المرأة في ممارسته والقيام به، وقد أعتبر الألمان بأن المرأة الألمانية أنفع بكثير من الرجل في عالم التجسس. حيث قال: (هتلر) ” إنني شديد الإعجاب بذكائهن وخططهن النسائية نظراً لتفوقهن بسلاح الإغراء وقدرتهن الهائلة على وضع الطعم القاتل لفريسته في جو هادئ”. لذلك كلف هتلر رئيس مخابراته (زينهارد هيدرينبج) بإنشاء شبكة جاسوسية من الفاتنات الألمانيات، حيث استطاع ذلك مع بداية العام 1939 تشكيل هذه الشبكة ونشرها على عدد من بيوت الدعارة الألمانية. وتزعمت عمل هذه المجموعات امرأة ألمانية تدعى (كيمي شيديت) استطاعت بمساعدة رئيس المخابرات أن تزرع في كل غرف المتعة في بيوت الدعارة التي تديرها أحدث ميكروفونات التسجيل آنذاك بغرض التجسس. (عبد الهادي،1991: 108)
تعريف العميل: هو الشخص الذي تم تجنيده وربطه، مع أحد أذرع الأمن المعادي، من أجل القيام بأنشطة معينة، ضمن توجيهات وأوامر، رجل التجنيد، ووفق حاجة الجهة المجندة. وقام بالفعل بتقديم خدمات معلوماتية أو عمليه، قد تضر بأمن الفرد أو المجتمع برمته.
أنواع الجواسيس والعملاء:
القاسم المشترك لكل العملاء، أنهم نوعية من الناس، يكون لديهم استعداد نفسي للعمل في كافة الاتجاهات لمصلحة العدو، دون أي اعتبار لمبدأ أو أفكار أو إخلاق، وانما تحركهم مصالحهم وأهواءهم. ولكن برغم أن هذه النوعية من الناس متكررة ومتجددة على مدار التاريخ، ولدى جميع الشعوب خاصة المحتله منها. إلا أنها متغيره ومتنوعه ومتجدده نتيجة لاختلاف ظروف البلد والتجنيد وطبيعة الشخص الذي يتم تجنيده. فهناك من يتم تجنيدهم لمهمات جمع المعلومات عن محيط سكناه، والذي قد لا يؤدي إلى نتائج خطيرة، إلا أن هناك نوعاً آخر يتورط في جمع معلومات خطيرة قد تؤدي لاعتقال بعض المقاومين، ومنهم من يتم زرعه في السجون الصهيونية على أنه مقاوم تعرض لعقوبة السجن، فيقوم بالاختلاط بالسجناء وسحب معلومات واعترافات منهم تدينهم أمام المحقق الصهيوني، ومنهم من يقوم بالمشاركة في تقديم تسهيلات لعملاء “الشين بيت” أو الوحدات الخاصة لإغتيال المقاومين الفلسطينيين، كما جرى مع بعض العملاء الذين تم إكتشافهم وإعدامهم. وهذا يتبين بأن العملاء هم اكثر من نوع وصنف. وقد صنف بعض المفكرين والكتاب العملاء إلى أنواع، كل بحسب رؤيته للتعامل والتجسس، ومن الزاويه التي ينظر منها. ويمكن حصر هذه التقسيمات في التالي:
التصنيف الأول: ويقسم العملاء والجواسيس إلى أربع أنواع:
– العميل المزروع (الاختراق): وهو نوع خطير من العملاء قد يكون تأثيره مدمراً على مستوى الجهة المقصودة. حيث يستطيع الوصول لأعلى المراتب، وبالتالي لأخطر المعلومات، التي قد يؤدي الوصول إليها إلى تدمير البلد برمته. وقد دلت الأحداث خلال فترة الاحتلال الصهيوني، على مدى تركيز العدو على هذه النوعية من العملاء باختراق السلطة الوطنية، والتنظيمات الفلسطينيه والتسبب في اخطر الضربات للحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية من خلال الوصول إلى المعلومات القيمة التي نقلوها إلى العدو. وللعميل المزروع دور تخريبي ليس فقط في مجال نقل المعلومات، ولكن أيضاً في إحداث المشاكل والبلبلة، وتكوين المحاور والشللية داخل إطار المجتمع، وداخل التنظيمات الفلسطينية نفسها بهدف احداث شرخ في داخلها ومن ثم القضاء عليها. (الجبهةالشعبية، ب-ت، 45)
وعلى الساحة الفلسطينية تركزت أغلب مهام العملاء على اختراق التنظيمات الفلسطينيه، كما سوف نبين ذلك لاحقاً.
– العميل المزدوج: وهو الذي يعمل مع طرفين دون أن يعلما بذلك. أومع أحدهما، ويضلل الطرف الآخر. وللعميل المزدوج مهمات كثيرة يمكن أن يقوم بها منها:
– إحداث اختراق في الطرف المضلل، ونقل المعلومات السرية منه للطرف الآخر.
– إحداث تحويل لاهتمامات العدو بعيداً عن العمل الحقيقي الذي يقوم به هذا الطرف.
– كشف مخططات الطرف الآخر وطرق تفكيره وتصوره عن الجهة المقابلة.
والعميل المزدوج يكثر استعماله في حالة الحروب المستمرة، كما كان الحال في فترة الاستقطاب، التي كانت قائمة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي سابقاً إبان الحرب الباردة. ويقول (يعقوب بري) أحد قادة جهاز الشين بيت السابقين، ” ليس دائما التنظيمات الإرهابية يقضوا على عملاء الشاباك الذين يتم اكتشافهم، فأحيانا يفضلوا أن يحولوهم إلى عملاء مزدوجين (باللغة المهنية نصنفهم بالمزدوجين)، واكثر من مرة عندما عرفنا ذلك كنا نقنع العميل المزدوج أن يتحول لعميل ثلاثي، كنا نقول له ” المخربين يقولون لك ماذا تسلمنا نحن نقول لك ماذا تسلمهم”. والمخابرات في العالم تؤمن بالمقولة التي تقول بأن ” أجهزة الأمن تفشل عندما يصل عميل لها إلى حبل المشنقة ” ولكن تنجح عندما تجعله عميل مزدوج أو ثلاثي. (بري، 45:1999)
– العميل الحزبي أو السياسي: وهذا النوع من العملاء هو الأكثر خطورة. لأن نشاطه غير مقتصر على إطار تنظيمي محدد، ولكن يتعدى ذلك للمجتمع. ومن آثارة:
– توجيه الجماهير حسب رؤية العدو ومصالحه.
– التفريط في منجزات الشعب لصالح الأعداء.
– طرح رؤيا وقضايا هامشية للتضليل والبعد عن الأهداف العامة للشعب.
وعلى مدار التاريخ وجد العديد من هؤلاء الذين امتزجت مصالحهم وأهواءهم مع مصالح العدو،. فركبوا الموجة للوصول عبرها إلى تحقيق رغباتهم دون اعتبار لمصالح شعوبهم فضحوا بالكثير باسم الوطن والوطنية. ولكن قلما نجد في الساحة الفلسطينية من تعامل مع العدو من خلال هذا المنطق.
– العميل الفكري أو الأيديولوجي: وهو العميل الذي يحمل أفكار ومن خلالها يقتنع بضرورة سيادة هذه الأفكار في المجتمعات الأخرى ولديه الاستعداد لأن يخون وطنه في سبيل تحقيق انتشار هذه الأفكار. وقد لا يتقاضى أي اجر، بل يمكن أن يدفع الكثير في سبيل ذلك، وهو لا يعتقد بأنه يرتكب جريمة أو خيانة في ذلك. وقد ساد هذا النوع من العملاء زمن الصورة المثالية عن الأفكار الماركسية والشيوعية إبان الصراع بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي. وذها النوع ينعدم تقريباً من بين عملاء الساحة الفلسطينية للعدو الاسرائيلي.
التصنيف الثاني: ويقسم الجواسيس والعملاء لثلاث زمر، بحسب طبيعة عملهم، هي:
الزمرة الأولى: هي التي تتجسس لوطنها، وهم محاربون أبطال اختاروا أن يخدموا وطنهم في هذا الميدان الخطر. بدل أن يخدموه في ميدان أسهل، وهو ميدان الحرب.
والزمرة الثانية: التي تتجسس علي وطنها لصالح العدو، وهؤلاء هم العملاء والخونة.
والزمرة الثالثة: الجاسوس “المرتزق”، الذي يتجسس للتجسس. وهم الذين يحترفون التجسس حباً به وسعياً وراء المغانم والمطامح، أوحباً للمغامرة. وهذا إنسان يعتبر مغامر طماع خائب مصاب بالتثبيط، ومنحرف. وقد يكون جباناً أو محباً للانتقام.
وهذا النوع الخاص من الجواسيس – المرتزقة – يجعلون من الجاسوسية مهنة لهم يبيعون الأسرار التي يحصلون عليها لهؤلاء وأولئك من الفريقين المتخاصمين، دون تمييز إلا ما يخص قيمة السعر الذي يحصلون عليه، لا سيما وأن من هؤلاء فريقاً يكون عميلاً مزدوجاً – أي أنه يعمل مع فريق من المتحاربين وفى نفس الوقت يعمل ضده- إنهم محترفون باردو العاطفة جامدو الأحاسيس خطرون لا يهمهم إلا المال ولا يؤمنون بقيمة أو وطن أو خلق وهم أخطر أنواع الجواسيس وأحطها على الإطلاق. (عاقل،1973: 232-234)
والتصنيف الثالث: لرجل المخابرات الأمريكي (مايلزكوبلاند) وذلك حسب أدوارهم:
– العميل المجند: وهو العميل الذي يتم تجنيده من اجل هدف معين، ويطلب منه التجسس عليه.
– والعميل المسهل: فهو شخص يدخل مثلاً إلى البعثات الدبلوماسية الأجنبية، أو يتصل بالمسؤولين الأجانب مقدماً خدماته طواعية. وعادة ما يكون المسهل شخصاً يريد الفرار من بلاده، وتم إقناعه بالتجسس، خصوصاً إذا ما كان في موقع حساس.
– والعميل في الظلام (النائم): فهو شخص مولود في البلد، كان قد تم تجنيده قبل سنوات استباقا لعمل التجسس. وهو يتفادى كل أمر يدعو إلى الريبة والشك، وقد يتولى المناصب الحساسة، وبعد سنوات من الولاء والعمل المخلص، يتم تحريكه في الظلام لاقتراف التجسس والخيانة.
– والعميل الذي لا يعلم (المخدوع): وهو شخص يتجسس لصالح دولة أجنبية، دون أن يكون يعلم أنه يقوم بذلك. (أمرنجر،1992: 19)
والتصنيف الرابع: لبعض الكتاب والمفكرين، ويصنفوهم لخمسة أنواع، وهي:
– العميل المتطوع (الهاوي): وهذا جُبِلَ على الفساد، فهو فاسد باستخبارات وبلا إستخبارات، النميمة من طبعه والخوض فى المشاكل هوايته ، وتأتى الأفلام السينمائية والتلفزيونية والكتب البوليسية فتغذى خياله بالأحلام الإضافية وبالمعلومات العملية، هذا النوع الهاوى يحار فى كيفية إيجاد متنفس لما ينتفخ به، الى أن يتوفق به أو هو يتوفق بعميل لجهاز إستخبارات يجرى بينهما التعامل والتعاون.
وطائفة الهواة يلفت إليها النظر بشدة، إذ أن أفرادها خونة لبلادهم، ووسيلة اختيارهم تختلف اختلافاً بيناً عن الوسائل الاخرى، حيث هيئت في براعة لتناسب كل حالة على حده. (كوكريدج، 86:1993)
– العميل المرتزق (المحترف): والعميل من هذا النوع، يعتبر من طائفة الهواة، ولكن بثمن. وهو ينقل بندقيته من اليمين إلى الشمال، وبالعكس حسبما تتغير معه الظروف، وهو قابل أكثر من غيره لأن يكون عميلاً مزدوجاً يعمل لمصلحة أكثر من جهاز في آنٍ واحد. وهؤلاء عملاء محترفون يعملون لمن يدفع أكثر، فيمكن أن يقوموا بالعمل لطرفين أو أكثر بدون وازع ضمير. وهذه النوعية خطرة ومريضة في ذاتها تسعى لتحقيق مصالحها الضيقة ولو على حساب المجتمع بأكمله.
– العميل المتنفذ: وهو شخص ذو ذو مكانة وموقع حساس ومهم في البلد المراد التجسس عليه، وهؤلاء يعتبرو عملاء بارعين بقدر يكون في استطاعتهم بفضل مراكزهم او أعمالهم أن يزودوا العدو بالمعلومات السرية مما شاهدوه ووعوه، أو يكون في استطاعتهم سرقة المعلومات الهامه.
– العميل الجشع (المادي): وهو الذي لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بأي وسيلة هينة وسريعه، ويبدى استعداده ليكون عميلاً للمخابرات، ضارباً عرض الحائط بمصلحة بلاده. وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه، وهو رجل يبيع ما لديه من بضائع مقابل ثمن معين من المال، وهذا النوع من العملاء لا يقيم وزناً لأي شيء إلا المال، حتى الوطن كذلك يمكن أن يكون سلعة تباع وتشتري. فالمال هو قبلته وصلاته.
– عميل المصلحة المتبادلة: وهناك البعض من العملاء يتم تجنيده عبر اتفاق ينشأ عادة بين أشخاص أصحاب مصلحة ما، وبين من يحقق لهم هذه المصلحة. أو من خلال مصالح معينة مشتركة بين الطرفين. وقد تنشأ هذه المصلحة لتربط بين جهتين متنافرتين أحياتاً يجمعهما ، هدف مشترك للسير معاً لتحقيق تلك المصلحة.
والتصنيف الخامس: للكاتب (عبد الجواد صالح) الذي يصنفهم إلى أربعة أنواع:
– العميل التاجر، أو سمسار الأرض: يتدخّل هذا الشّخص كسمسار بين الإسرائيليّين (المستوطنون أو الصندوق القوميّ اليهوديّ) والسكّان الفلسطينيّين من العامّة لكي يحصل على الأراضي الفلسطينيّة منهم ثم يسلمها لليهود. ولأنّ الفلسطينيّن بصفة عامّة يرفضون أن يبيعوا أراضيهم لليهود. يقوم هذا العميل السمسار بشراء الأرض ، ثمّ ينقل ملكيتها إلى الإسرائيليّين.
وهذا النّوع من العملاء كان حاضرا منذ بداية القرن الماضي. ثم أخذت الحركة القوميّة الفلسطينيّة موقف المحارب لذلك العمل عام 1935-1948، واجمعت على تحريم هذه الممارسة، ثم صدرت فتوى بقتلهم، وبتحريم دفنهم مع المسلمين.
– العميل الوسيط: يعمل هذا العميل كوسيط بين الاحتلال الإسرائيليّ، وبين السكّان المحليين. وانتشر هذا النوع بعد الاحتلال الإسرائيلي لباقي فلسطين عام 1967، حيث أنشأت إسرائيل نوعاً من الإدارة المدنية لتمرير مطالب السكان عبرها، ومثل هؤلاء العملاء وبدعم من الاحتلال المفتاح لتنفيذ احتياجات هؤلاء السكان. وأحيانًا كان الأفراد يفضّلون أن يذهبوا للعملاء الوسطاء المعروفين ليحصلوا على مصلحتهم بدلاً من التّعامل مع الإدارة بأنفسهم تخفيفاً على أنفسهم من المعاناة المقصودة. ولكن دور هؤلاء العملاء الوسطاء انتهى بعد قدوم السّلطة الفلسطينيّة.
– العميل الخطير أو المسلح: هؤلاء هم العملاء الذين أصبحوا مكشوفين للناس، كسماسرة الأرض المعروفين أو الوسطاء الذين قاموا بتقديم خدمات مكشوفة للاحتلال، وغيرهم. وبذلك أصبحوا معزولين عن المجتمع، بل ومطلوبين له. وبناءً عليه قاموا بالهرب بمفردهم أو مع عائلاتهم وسكنوا إما داخل اسرائيل، أو في مناطق محددة ومعزولة. (كقرية الدهنية في قطاع غزة، وقرية فحمة في الضفة الغربية). والذين قد استعملهم الإسرائيليّون لمصاحبة قوّاتهم الخاصّة في مداهمة بيوت الفدائيين، وقد تم تسليحهم ليشاركوا في مثل هذه الغارات. مثل العميل المشهور رئيس قرية العملاء فحمة في الضفة الغربية، (أحمد ناتر) من قرية يابيد في مقاطعة جنين. الذي اعتاد أن يمدّ الإسرائيليون بالمعلومات، ويصاحب القوّات الخاصّة في الغارات على منطقته.
– العميل المرشد: وهذا العميل يجمع المعلومات عن أنشطة الكوادر والأعضاء المعيّنين في التنظيمات. سواء معلومات عامّة عن النّشاط السّياسيّ، وذلك كأن يعد قائمة بالذين شاركوا في المظاهرات، أو يحدد دائرة علاقاتهم، وما إلى ذلك من المعلومات العامة. أوقد يصل لحد الإطلاع على المعلومات الخاصة والخطيرة التي تتعلق بالجوانب العسكرية في العمل العسكري. (عبد الجواد،2001: 23-27)
أبرز مهام الجواسيس والعملاء:
جميع دول العالم تبذل قصارى جهدها لتجنيد العملاء والمتعاونين داخل بلادها وخارجها. وتوظف كل امكانياتها، وتوفر جميع الاحتياجات المطلوبة لذلك، لأن الجواسيس والعملاء يوفروا على الدوله من العناء الشيء الكثير، من خلال نشاطهم. ومن أبرز المهام التي يقوم بها العملاء والجواسيس، المهام التالية:
1- جمع المعلومات:
إن لكل عميل مهام خاصة منوطة به يسعى لتنفيذها، ولكن الهدف الأول والمشترك التي تجند من أجله أغلب مخابرات العالم، وخاصة إسرائيل يتمثل في جمع المعلومات.
وقد أورد مركز حقوق الإنسان الإسرائيلي “منظمة بتسيلم” بأن العمل الرئيس للعملاء هو جمع المعلومات بدقة، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل عليهم أن يقوموا بجمع معلومات دولية اقتصادية واجتماعية، معلومات قد تغدو في ظاهرها أنها معلومات تفاهة، ولكنها شديدة القيمة والأثر. (بتسيلم،1993: 32)
ويذكر العميل المتعاون مع الإحتلال (ع. ح) في شهادته 1993 لمنظمة بتسيلم ” أن كل متعاون توكل إليه وظيفة، وهناك عملاء سريون موزعون في المؤسسات مثل الجامعات، والمستشفيات، والنقابات العمالية، والتنظيمات السياسية … الخ” لجلب المعلومات والعديد من المهام.
وقد اعتبر (دان رافيف، ويوسي ميلمان) من جهاز الشين بيت الاسرائيلي، أن المهمة الأساس للعملاء هي جلب المعلومة. وقد كان المخبرون يتلقون مبالغ جيدة وسخية ثمن تلك المعلومات. حيث كانت تحبط بسرعة كبيرة، كثيراً من العمليات بفضل المعلومات التي يقدمها العملاء المدسوسون داخل خلايا الثوار. أو تلك المعلومات التي يتم شراؤها من المخبرين في الشارع، أوعن طريق الإكراه النفسي أو الجسدي لعشرات المشبوهين الذين كانوا يعتقلون في عمليات تنظيف المنطقة المحيطة بمسرح الهجوم. (ميلمان،ورافيف،1991: 337)
ويقول: العميل (حيدر غانم) لجريدة القدس، لقد كنت بجهد قليل اعرف كل هذه المعلومات، لان العناصر كانوا يتبرعون بالحديث عن قصص كانت تحدث معهم في السهرات التي كنت انظمها في بيتي. وكنت ادعوهم عندي الى البيت واعرض عليهم خدماتي وبعض المطلوبين كان ينام عندي احيانا، وطلب مني ضابط المخابرات ان اعرض عليهم تزويدهم باجهزة كمبيوتر كمساهمة مني لهم، ووافقوا ولكن قبل ان اتسلم الاجهزة من الضابط ابلغوني رفضهم لهديتي. وقد استطعت الوصول الى كثير من قادة المقاومة الشعبية. ويستطرد في القول ” انصح عناصر المقاومة وقادة الشعب الفلسطيني في كافة الفصائل، عدم التسرع باعطاء ما لديهم من معلومات لأي كان، وعدم التفاخر بكثير من القضايا التي يعرفونها، فالمخابرات الاسرائيلية تاخذ كل صغير او كبير من معلومات تفيدها في ضرب ابناء شعبنا، الذي يتبرع احيانا بالبوح بكل ما لديه من اسرار لاي كان. (جريدة القدس، 2003)
2- اختراق التنظيمات:
إن العمليات الاستخبارية ذات المدى البعيد، تتطلب الاختراق (زراعة) عميل داخل الهدف، بحيث يستطيع أن يتصرف وكأنه أحد المخلصين المتمتعين بثقة الهدف والعاملين فيه، ووجوده لا يمكن الوصول إليه، ما دام يتصرف وفق متطلبات الغطاء الشخصي والعملي الذي يبرر وجوده وعمله في الهدف. وإذا كانت طريقة الزراعة غير عملية، فان الوضع يتطلب “تجنيد” أحد العاملين في الهدف، ويراعى أن يكون مركزه يؤهله للاطلاع على المعلومات المطلوبة، كلما كان في مركزه أعلى، كلما كانت النتيجة افضل. (شحادة،1992: 106)
ولأن التنظيمات الفلسطينية تعتبر العدو الأول للكيان الصهيوني، لذلك عمدت المخابرات الإسرائيلية على ملاحقة الخلايا الفدائية، وبالتالي حاولت اختراق الشباب الوطني عبر تجنيد عدد من العملاء مستخدمين معهم أسلوب الترغيب والترهيب. (عيسى،1990: 7)
وتدعي المخابرات الإسرائيلية ” الشين بيت” بأنها قد اخترقت العناصر العربية المخربة على حد قولها، بما في ذلك خلايا الشيوعيين ومجموعات القوميين العرب، باستخدام المخربين من العرب الذين يسكنون نفس المناطق، أو من اليهود الشرقيين الذين يتظاهرون بأنهم عرب، وقد التقطوا أيضاً بعض الجواسيس من السكان العرب المحليين واستخدموهم كعملاء مزدوجين بالتعاون مع المخابرات العسكرية. (اللجنة، 1993: 82)
ويدعي (يعقوب بري) بأنه أحيانا كان يتم اختراق بعض التنظيمات، بواسطة زرع بعض الفدائيين، الذين تم القبض عليهم وانهاروا في التحقيق، ثم أصبحوا بعد ذلك عملاء لنا. يقول: ” سمير، المخرب صاحب الوحمة، كان من أفضل العملاء التابعين لنا، فبعد اعتقاله وموافقته على التعاون معنا، تم ترتيب قصة هروبه من السجن. وبفضله اعتقلنا خلايا تخريبية واحدة تلو الأخرى، وأحبطنا علميات خطيرة، وتم اعتقال مطلوبين كانوا مختبئين لفترات طويلة. وحسب خطتنا سار هذا المتعاون كمطلوب وظل لثلاث سنين يغطي ويحافظ على خدماتنا الهامة والخطيرة جدا في المناطق، وكان ذو ثقافة (انتلجنسيا) عالية جدا، وقد عرف المنطقة وانشأ علاقات متشعبة مع كثير من المواطنين. ولكن الأهم من هذا كله تمتعه بثقة مطلقة من منظمات المخربين، حيث كان دوما يجلب معلومات دقيقة ومدهشة، وكان يعرف جيدا أين يختبئ المخربين، وأين يجدوا السلاح مع الناس وكيف يأخذوه …الخ. ولكي لا يشتبهون به، كنا نعمل تفتيشا مفاجئ في البيت الذي أقام فيه. -واعتدنا على إخباره قبل كل عملية تفتيش، من اجل أن يختفي من البيت-. وأحيانا اعتقلنا والديه وأبناء من عائلته، من اجل أن يتم الضغط عليهم للكشف لنا أين يختبئ. ولأسفي لم استطع مكافئته كما يبدو، لأن مكافأة العملاء بشكل عام كانت تعد مشكلة، حيث كان من غير الممكن الدفع لهم مبالغ مالية كبيرة خوفا من أن غناهم قد يبدو واضحا للآخرين، مما يؤدي إلى الاشتباه بأن ذلك ناتج عن تعاملهم مع المخابرات. (بري،1999: 78)
ويدعي (يعقوب بري) ” بأنه على الرغم من الصعوبات الكثيرة لزرع عملاء في صفوف حماس، إلا انه كانت لنا بعض النجاحات التي لا يستهان بها في هذا المجال. ففي بداية التسعينيات نجحنا وبإمكانيات كبيرة في تجنيد عميل كان مقربا جدا لأوساط حماس. لم يكن هذا الشخص متديناً بكل معني الكلمة، ولكن كان دائم التنقل في المساجد مستمعاً إلى خطب الأئمة، والاهم من هذا كله انه كان يتمتع بثقة كبار نشيطي الحركة. وهو يبلغ من العمر ثلاثين سنة، وكان يأمل في التوجه إلى الأردن لكي يستكمل تعليمه. ودعا منسق الشاباك هذا العميل للاستماع إلى أقواله ، فتولدت أجواء من الثقة بين الاثنين . وقد زودنا عن الأنشطة الاجتماعية والجماهيرية لحركة حماس. بدأ في مساعدتنا في مواضيع جدية أكثر، وبعد ذلك بعدة أشهر هرب من سجن الظاهرية مجموعة من الشبان ، الذين تم اعتقالهم على خلفية الإخلال بالنظام ، وبحسب المعلومات التي وصلتنا انضم اثنين من هؤلاء الشبان إلى خلية عسكرية تابعة لحماس كانت قد خططت للقيام بهجمات ضد أهداف إسرائيلية في القدس . وكان أعضاء هذه الخلية مطلوبين لدينا. (بري،1999: 169)
ويدعي كذلك (بري)، أن الشاباك قد نجح في الكشف عن كثير من الخلايا التنظيمية عبر عملاء مدسوسين من قبل جهاز المخابرات في التنظيمات، وعلى سبيل المثال – كما يدعي- فقد تم التعرف على خلية عسكرية كبيرة تابعة للجبهة الشعبية في صيف 1991. حيث كان الخيط الوحيد للنجاح بالوصول إليها هو عميل لنا نجح في الانضمام للتنظيم، تم تنشيطه بحذر كبير، بحيث لم يتلقَ تعليماته ولقاءاته مباشرة بل بواسطة نقطة ميته، حيث كانوا يدفنون التعليمات له في موقع محدد، وبعد ذلك يحضر هذا الشخص ويأخذ الكتاب الموجود، ولمعرفتنا بموقع النقطة الميتة فقد قمنا بوضع نقاط مراقبة لمعرفة من الذي يضع هذه الرسائل، ورغم معرفتنا بالشخص الذي وضع الرسالة إلا أننا لم نعتقله، لرغبتنا في جعله طعم في اعتقال الأشخاص المسؤولين عنه، وفي هذه المرحلة زودنا العميل بتعليمات (أن يبلغ التنظيم بأنه وجد قنبلة يدوية وأخذها لبيته، ويريد أن يعرف ماذا يفعل بها) ثم قام بوضع الرسالة في المكان المحدد، وبعد ثلاث أيام تلقى الرد وبه تعليمات مفصلة حددوا له التاريخ والساعة، وحضر إليه في مكان معين بالقرب من حي سكني في مدينة عربية، (وهناك قام بوضع القنبلة في الحفرة التي أعطيناه إياها والتي قمنا بتعطيلها، وقام بدفنها في المكان المحدد حسب التعليمات) ثم قامت وحدة تنفيذية تابعة للشاباك بالاختباء في المنطقة ومتابعة ما يجري، وبعد ثلاث ساعات من الموعد المحدد حضر شخص للمكان نظر حوله للتأكد من عدم وجود أحد، وقام بحفر الموقع، وحمل القنبلة اليدوية داخل سيارته وسافر إلى رام الله، قمنا بمتابعته حتى مبنى سكني بالقرب من المنطقة الصناعية، ورغم صعوبة إيجاد نقاط استطلاع في مناطق عربية، قمنا بأعمال مختلفة من أجل التأكد من متابعة البيت وقمنا بتصوير كل من دخل المبنى، ثم قمنا باقتحام المبنى واعتقال من فيه. (بري،1999: 121)
ويقول (بري) أيضاً ” بأنه في السادس من أغسطس 1974، حيث كان يوماً مليئاً بالعمل، قامت سكرتيرتي الخاصة بتحويل مكالمة تليفونية عاجلة لي، وكان على الجانب الآخر من الخط مركز الشاباك في القدس، قال باختصار: ” إننا نجلس الآن مع توران، تعال بسرعة “، وتوران هو عميل مزروع (هكذا كنا نلقب الفلسطينيون الذين يعملون لصالحنا وتجندوا بتكليف منا في أحد التنظيمات الفلسطينية في لبنان أو سوريا بهدف إمدادنا بالمعلومات).
وكان هذا العميل مدرساً يسكن جبل المكبر، بالقرب من قصر الحاكم، ولكي يتمكن من كسب ثقة المحيطين من نشطاء فتح، قمنا بإلصاق حادثين في القدس له لا تمِت بصلة للمنظمات التخريبية، الأول حريق في أحد المصانع بالقرب (روميما)، وكذلك زرع عبوة ناسفة بالقرب من بيت نائب رئيس دائرة ضريبة الدخل، وقمنا بتزويده بكافة التفاصيل لهذين الحادثين ثم بعثنا به إلى بيروت للأختراق. وهناك قابل قائد المنطقة الغربية في تنظيم فتح المدعو “أبو فراس” وحدثنه بأنه قام وبمبادرة منه بإحراق مصنع للورق، وكذلك زرع العبوة الناسفة بالقرب من بيت نائب رئيس دائرة ضريبة الدخل. لم يكن أبو فراس ليبلع مثل تلك الروايات التي زودنا بها عميلنا بسهوله، إلا أنها انطلت عليه هذه المرة، فلقد تركت العمليات أثراً في نفسيته، حيث أنه جنّد (توران) في صفوف تنظيم فتح، وقد زودنا (توران) بالمعلومات الصحيحة عن عمليات وأنشطة المنظمات التخريبية، إلا أن تلك المعلومات لم تكن أبداً ذات أهمية كبرى، ولهذا كان من الصعب عليّ تصديق أنه أتى بمعلومات مهمة. طلبت من سكرتيرتي إلغاء العديد من المواعيد وأنا في طريقي لمقابلة (توران) ومعرفة ما لديه من معلومات. وكانت المقابلة معه في شقة والدة أحد موظفي الشاباك، بيتاً قديماً على مدخل مدينة القدس. أوقفت سيارتي بعيداً حتى لا أثير الشكوك أثناء سيري، وجلس (توران) في إحدى غرف الشقة مع اثنين من رجال الشاباك (روني وشلومو)، ولم يكن يعرفني إلا أنه استنتج أنني أتولى منصباً كبيراً في الجهاز، وطلب منه أحد الرجلين أن يعيد قصته على مسامعي. فقال (توران) أنه كان في دمشق حيث قابل هناك (أبو فراس) وخرج معه إلى أحد ورش تصليح السيارات على أطراف المدينة، وكانت الأبواب مغلقة فما كان منهم إلا أن دخلوا نحو الداخل عن طريق فتحة جانبية، في الورشة كانت تقف سيارة مرسيدس جديدة، كان العمال منهمكون في تفكيكها، وحينها أمره (أبو فراس) أن يتابع هذا العمل ويتعلم كل صغيرة وكبيرة فيه، وقال له أن هذه السيارة ستكون في الطريق إلى القدس بعد أن يتم إخفاء أسلحة وذخيرة فيها، وعند وصولها للقدس عليك تفريغها من الأسلحة وتوزيعها على رجالنا، والتعليمات في هذا الشأن ستعرفها لاحقاً.
لقد مكث عميلنا هناك لمدة ثلاثة أيام حيث كان يلاحظ عملية إخفاء الأسلحة في السيارة، كان المكان مكتظاً بالمتفجرات على مختلف أنواعها إضافة إلى الأسلحة الرشاشة والذخيرة. وكانت المفاجأة عندما أخبرنا العميل أن السيارة تابعة للمطران (كابونشي) وبأنها ستصل إلى القدس في اليوم التالي، كانت تلك معلومة مدهشة إلا أن أحداً منا لم يرف له جفن، حيث حافظنا على مظهر اللامبالاة وكأننا كنا قد سمعنا العديد من القصص المشابهة، كانت هناك قاعدة مفادها أن الضابط المجند لا يجب عليه إظهار أي ردة فعل غير طبيعية أمام العميل.
ثم إستدعينا المطران واعترف في التحقيق، بأنه هرب وسائل قتالية بناء على تعليمات أبو فراس، وهرب الكثير من الشحنات إلى البلاد بمقابل مادي، وبعد التشاور مع كل المحققين، ومع رئيس الحكومة صدر قرار بتحويل المطران كابوتشي ليعمل لصالحنا، والهدف هو إلقاء القبض على من ترسل لهم شحنات الأسلحة. (بري، 77:1999)
وفي رواية أخرى يقول (بري) ” بأن أحد العملاء المزروعين، كان رجل الاتصال في التنظيم الذي كانوا يثقون به كثيراً في ذلك التنظيم…. حيث كان الهدف في تجنيد مثل هؤلاء العملاء. هو استغلال كونهم معروفون في محيطهم الاجتماعي كأناس أمنيين، من أجل ضمهم إلى الخلايا المطلوبة وخلق اتصال مع المطلوبين. وقد أخبرنا هذا العميل في أحد الأيام انه قرر إن يقابل أحد الشباب الفارين من سجن الظاهرية. وبالطبع تتبعناه إلى حيث مكان المقابلة لإلقاء القبض علي الرجل ومحاولة معرفة مكان الآخرين بعد التحقيق معه، (إلا أننا افترضنا أن خطوة كهذه قد ” تحرق ” العميل التابع لنا). وعليه قررنا أن نتابع ما يحدث من بعد، وألا نتدخل في تلك الفترة. وتمت المقابلة مع الرجلين تحت جنح الظلام في إحدى القرى القريبة من الخليل. ولم يدلي المخرب بأسماء أصدقاءه، ولكنه قال عن الخلية التي ينتسب إليها وهي “رأس الحربة” وهي خلية مهمة للمخربين في الضفة الغربية، وأضاف إن جزءً من أعضائها من غزة.
أما نحن فأضفنا نقاطاً جديدة للمراقبة، ولكن بلا جدوى. إذ أن رجال الخلية لسبب ما لم يصلوا إلى هناك، ومع ذلك استمرت المقابلات بين العميل والمخرب كالمعتاد. وكشف المخرب في إحدى اللقاءات مع العميل النقاب عن الخلية التي ينتمي إليها بأنها تخطط لهجوم ضخم بعد ثلاث أسابيع في عيد الفصح اليهودي. (بري،1999: 170)
ومن الامثلة على اختراق الساحة العربية، العميل (جمال كرارة) الذي اخترق الساحة اللبنانية، وأصبح المسؤول الشخصي عن أمن (وليد جنبلاط) والمسؤول المباشر عن أمن الحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت، المدعو (جمال كرارة) الملقب أبو هيثم، الذي كان يعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية. والذي جندته المخابرات السوفيتية لأهمية موقعه في رقعة تنتشر فيها القوات المتعددة الجنسيات- الأميركية والفرنسية والإيطالية- من اجل مراقبة هذه القوات. ولكن غاب عن الـKGB يومذاك، وعن المخابرات السورية، إن (كرارة) قد كان مجند من قبل إسرائيل منذ ثلاث سنوات، من اجل التجسس على اللبنانيين والسوريين والسوفيت. وقد زود الإسرائيليين بمعلومات خطيرة عن واقع الوجود السوري في لبنان. (جريدة الوطن العربي، 1999)

3- تجنيد العملاء:
العملاء هم مصدر المعلومات الأهم لقوات الأمن والمخابرات في العالم، وخاصه المخابرات الاسرائيلية، فهم دوماً يقومون بتجنيد عملاء جدد، لكي يمدوهم بما يلزم من معلومات مطلوبة، وفي كثير من الأحيان، ما يستعينون بعملاء ذوي خبرة في ذلك.
وإن اعتبارات تجنيد العملاء قد تتنوع من وقت لآخر، وذلك وفق الإحتياج والواقع. ففي فلسطين على سبيل المثال، -قبل قدوم السلطة- كان يتم التركيز على تجنيد العملاء الساقطين اجتماعياً وأخلاقياً، وأما بعد قدوم السلطة فقد أصبح التركيز على العناصر غير المشبوهة، بل حتى على العناصر الشريفه، وذلك لتغير الواقع والهدف.
يقول (عبدالله عيسى) ” كانت إحدى أهم المهمات للعملاء الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة، هو ترشيح عدد من الشبان لتجنيدهم من أجل العمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.(عيسى، 1990: 40)
وكان يقوم بذلك العملاء والمتعاونون المكشوفون والمعروفون، وأما الآخرون غير المكشوفين، فيوجد منهم وكلاء تجنيد، أي وظيفتهم تجنيد العملاء الجدد. وهناك متعاونون يرسلون لمهمات في قطاعات وأماكن أخرى، حيث هناك لا يمكن أن يعرفهم أحد. ويقول أحد العملاء في شهادة له لمنظمة بتسيلم (هـ.م) ” أنا كنت وكيل مهمات وأجند عملاء، كما اشتركت في مهمات كثيرة للإمساك برجال المنظمات وخلاياهم أو قتلهم”. (بتسيلم،1993: 8)
4- المشاركة في أعمال إجرامية كالقتل:
أوضح أحد ضابط المخابرات الإسرائيلية، أنهم يحتاجون إلى التعاون الاستخباري والتزود بالمعطيات. لأن العملاء يساعدون الجيش في إيجاد الأشخاص لإعتقالهم، وذلك لأنهم يعرفون المداخل والمخارج، والأماكن الخفية والسريه، لمدنهم وقراهم.
ولكن قد يصل بعض العملاء إلى مرحلة اللاعودة، وذلك بتوريطهم بعمليات تصفية وقتل للمجاهدين مثل: العميل عياد من جنين الذي كان مخبراً وواحدا من كثيرين يبيعون عيونهم وآذانهم (للشين بيت) في المجتمع، حيث استطاع الإسرائيليون أن يجعلوا منه قاتلاً ضد أبناء شعبه. ولكن عندما تعرض لغضب الشعب وعقابه، واحتاج إلى مساعدة من الشين بيت، فإنه لم يستطع أن يحميه. (ميلمان،ورافيف،1991: 335)
يقول العميل ( أ.ط ) ” في عام 1999 وأنا في سن 35 كلفت بالتقرب من مناضل، كان يتردد على أحد كراجات السيارات حيث عملت في ذلك الكراج من اجل الالتقاء به وتوطيد علاقتي معه. وأقنعته بأنني أستطيع تهريب أسلحة بشكل عادي, وبعد أن توطدت العلاقة بيني وبين الشخص المطلوب جائني الأخير ليطلب مني تسهيل دخول شاب إلى إسرائيل، وتم الاتفاق على الموعد المحدد لتهريب ذلك الشخص، وبالفعل وصلت في الموعد والمكان المحدد. مع الشاب الشهيد (شادي الكحلوت). وهناك وجدت أحد الجنود الإسرائيليين بلباس مدني وطلب مني التقدم فمشيت بضع خطوات أمام الشاب، الذي كان يظن إنني أتحدث مع الشخص الإسرائيلي (المقلط) الذي سيساعده في الدخول إلي إسرائيل. وما هي إلا لحظات حتى أطلقت النار على الشاب (شادي) مما أدى إلى استشهاده على الفور. (جريدة الأيام،2002)
وورد في العديد من التقارير من قبل مؤسسات حقوق الإنسان، بعضاً من الممارسات العنيفة غير القانونية ضد المواطنين الفلسطينيين، بمعرفة وحماية من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، والتي أدت في بعض الأحيان إلى حد القتل.
وقد أورد تقرير من منظمة ” بتسيلم ” الاسرائيلية بعض الحالات التي قام العملاء فيها بتصرفات عنيفة. ففي 13 نوفمبر 1988 تم قتل (غانم محمد حسن حنتولي) من جنين في كمين نصبته قوات الأمن والعملاء الفلسطينيين.
وفي 27 فبراير 1989 قام “ن.ج” العميل المشتبه بقتله حنتولي ، بتهديد فلسطيني كان يريد تقديم شكوى إلى حاكم جنين العسكري بأن “ن.ج” قام بتهديده في حادثة سابقة، وطبقاً لما جاء في تقرير الجمعية قال “ن.ج” للرجل “أنني سوف أقتله كما قتلت هنتولي. وقدد تضمنت شهادة الجمعية الاسرائيلية لحقوق الانسان أيضاً العديد من الانتهاكات ارتكبت من قبل مجموعات العملاء في منطقة جنين في بداية 1989 بمعرفة وتحت رعاية وبتنسيق مع جيش الدفاع الاسرائيلي. من هذه الشكاوي أن احدى مجموعات العملاء المسلحين والتي هربت إلى معسكر (فحمة) بعد أن تم طردها من بلدة (يعبد) في شمال الضفة الغربية، قامت بمهاجمة (فؤاد فراسيني، وعلي كوتس) المقيم بالقرية المجاورة عرابة في مارس 1989.
وإن العملاء في منطقة جنين أيضاً شاركوا في تهديد المعتقلين في حجز محكمة جنين العسكرية والقيام بتحقيقات همجية وعنيفة ولا انسانية، بالإضافة إلى أن العملاء تورطوا في عدد كبير من الحوادث العنيفة في المنطقة بما فيها ضرب نساء بهروات وبلطات والتهديد بالسلاح وتخريب سيارات وممتلكات أخرى وسرقة أموال، وإلقاء قنابل غاز مسيل للدموع، ومحاولات اختطاف وحتى التورط في القتل العمد “كغالم هنتولي”. (بتسيلم،1993: 22)
وهناك حالات كثيرة معروفة استخدم فيها العملاء المسلحين مركزهم وسلاحهم لإخافة فلسطينيين آخرين، حيث استخدموا أسلحتهم للانتقام من الاشخاص المشبوهين بمحاولة ايذائهم ولتسوية حسابات شخصية ولإرتكاب جرائم.
وعلى سبيل المثال حاول مسلح بتاريخ 29 أغسطس 1995 واسمه (محمد صالح العرب) من نابلس بإطلاق النار على معتقلين محجوزين في معتقل نابلس مدعياً بأنهم متورطين بمقتل ابنه البالغ 12 عاماً قبل ستة أشهر.
وفي 20 مارس 1995 قتل (س.د) وهو عميل مسلح معروف أخيه (عمر) 34 سنة أثناء جدال جري بينهم حول بناء مزرعة دواجن عند طرف أملاكه. زوجة المرحوم (هـ. د) شاهدت الحادث وأخبرت بيتسيلم في 23 فبراير 1993.(بتسيلم،1993: 23)
وقالت شاهدت أخ زوجي العميل (س.د) يغادر منزله وهو يحمل مسدسه، وبدأ بإطلاق النار ، وشاهدت بعض الاشخاص يمنعون العميل من الخروج، إلا أنه خرج من بينهم وأطلق رصاصة أخرى على زوجي، الذي كان يقف بجانبي وبعد دقيقتين من اصابة زوجي، نقل للمستشفى. وبعد ذلك بيوم شاهدت صالح يعود إلى المنزل في سيارة حمراء… وهو يحمل مسدسه على خاصرته بشكل استفزازي … وفي صباح اليوم التالي علمت أن زوجي قد توفي… ولم أستدعَ إلى التحقيق رغم أنني كنت شاهدة على الحادث بالكامل. (بتسيلم،1993: 24 )
وكذلك العميل (ابراهيم شماسنة) من قرية قطنة قضاء رام الله، وهو عميل مسلح معروف. قام بتاريخ9 يوليو 1995 بقتل (سمير محمد غريب) 25 عام من قرية بيت اذنا. وعلى ما يبدو كان يقصد اطلاق النار على شخص آخر من عائلة بدوان، والذي يعتقد بأنه قتل ابنه أيمن في اليوم السابق. (بتسيلم،1993: 25)
والعميل (صادق بيلة) مواطن من قرية الفندق قرب قلقيلية، وهو عميل محنك ومسلح. وقد هوجم بتاريخ 23 نوفمبر 1989 من قبل ملقى حجارة في وسط نابلس، فقام بإطلاق النار بشكل عشوائي فقتل أحد المارة وهي (فريال محمد عبد النبي) 39 عام من مخيم عسكر قضاء نابلس. هذا بالإضافة إلى شكاوي كثيرة قدمتها الشرطة ضد بيلة لقيامه بالتهديد وارتكابه لإعتداءات مخزية. (بتسيلم،1993: 26)
وذكر (محمد تيم) في شهادته أنه بتاريخ 27 ابريل 1992، أصيب بطلق ناري في كتفه أطلقه بيلة، وذكر أحمد تيم أنه هوجم مرتين من قبل بيلة ورجاله بتاريخ 15 ابريل 1992. (بتسيلم،1993: 27)
وفي 24 ديسمبر 1988 أصيب وجرح أربعة أفراد من عائلة مسعد جابرية من قبل (ف.س) وابنه، وهو مقيم في قرية قضاء جنين، وفي شهادة مشفوعة بالقسم قدمت بتاريخ 29 أغسطس 1989 من أحد الجرحى ويدعى (فريد ابراهيم مسعد جابرية) إلى المحامي (اندري روزنثل) على الخط الساخن لمركز الدفاع عن الأفراد قال: بتاريخ 24 ديسمبر 1988 وصل إلى منزلنا (ف.س) وهو قريب لنا، تربطنا به صلة نسب ومعروف لدينا بأنه عميل. (بتسيلم،1993: 28)
5- منع الثورة الشعبية والانتفاضة:
ومن مهام العملاء أيضاً، الحيلولة دون نهوض الشعب وقيامه بثورة أو انتفاضة ضد الاحتلال، وذلك بزرع بذور اليأس والإحباط، في نفسه وكيانه من جهة، ومن جهة أخرى أن يخبروا الإسرائيليين بأية محاولات كبيرة لتنظيم هذا السخط، وأن يعلموهم بالنشطاء الذين يحاولون تحويل المنظمات المهنية والاجتماعية إلى مراكز قوة سياسية.
وقد وظفت اسرائيل كل امكانياتها البشرية والعسكرية والأمنية والتفنية، على أن تمنع شعب يريد الحرية والاستقلال من الثورة والتمرد، إلا أنها قد باءت بالفشل لكون الثورة أو الانتفضة الفلسطينية، تعبير عن مطلب شعبي حقيقي، وليس تلبية لرغبة سياسية أو حزبية لأحد.
6- تصفية العلماء والقادة والمفكرين:
ومن المهمات الخطيرة لجهاز المخابرات الإسرائيلي الخارجي “الموساد”، قتل وتصفية العلماء مثل عالم الذرة الكبير (يحيى المشد)، وكذلك العالم في مجال الاتصال بالأقمار الصناعية (سعيد بدير)، الذي وجد مقتولاً في شقته بالإسكندرية، والذي تروى زوجته قصة ملاحقته وتقول: ” أنه خلال وجودنا بألمانيا، تعرضنا لعمليات ترهيب شديدة، خاصة بعد رفض زوجي تخصيص أبحاثه لصالح بعض الجهات الأجنبية، التي استخدمت معه كافة السبل لإغرائه لكنه أبى وخص مصر بأبحاثه جميعاً، وبسبب ذلك تعرضنا لألغاز عديدة في حياتنا، وكنا عندما نعود للشقة التي نقطنها، نلحظ بعثرة أوراقه، وعبثا بمحتويات الشقة، كنا نستيقظ على أصوات غريبة فنضيء الأنوار فنجد المقاعد وقد انتقلت من موضعها، والصور المعلقة على الحائط نفاجأ بها معلقة في مكان آخر غير مكانها، كأن أشباح خفية كانت تطاردنا. وفي أحد الأيام، بينما كان (سعيد) يعبر أحد الشوارع، كادت سيارة مسرعة إن تدهسه، ثم توالت المكالمات الهاتفية على المنزل، ومضمونها واحد، الرضوخ أو التصفية”.(هيرش،1992 :130)
وعلى صعيد العمل الثوري والجهادي في الساحة الفلسطينية فقد تم تصفية العديد من المفكرين والقادة منهم على سبيل المثال لا الحصر “أبو جهاد الوزير، وكمال عدوان، وغسان كنفاني، وأبو علي مصطفى، والدكتور فتحي الشقاقي، وهاني عابد، والشيخ أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وغيرهم الكثير الكثير”.
7- التجسس على الدول العربية:
ومن أهم أهداف التجسس لدى الإسرائيليين التجسس على الدول العربية وخاصة دول الجوار مع الدولة العبرية. والقصص والروايات على عمليات الإختراق كثيره، ولكن من أحدثها تلك القصه المفبركه من أجل أثارة المشاعر الإنسانيه، من أجل اختراق لبنان للبحث عن الطيار الإسرائيلي المفقود (رون أراد) وذلك عبر غطاء القصة الخادعة. حيث ادعت في شتاء عام 1989. بأنه وفي إحدى المرات التي كان عدد من رجال الأعمال اليهود يتزلجون على سفوح جبل الشيخ، فوجئوا بعاصفة ثلجية تهب على المنطقة وتحمل أحد المتزلجين بعيدا عن عيون رفاقه. وبعد تفتيش دقيق عن الرجل المفقود تولتها عناصر الشرطة في الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود. تم الإعلان عن فقدان أحد المتزلجين، وطرح افتراضان الأول أن يكون ذهب ضحية الوحوش المفترسة والثاني أن تكون العاصفة قذفته إلى السفح الثاني للجبل فوقع في أيدي اللبنانيين أو الفلسطينيين في تلك البقعة.
وبعد مضي أيام على هذا الحادث ضج الإعلام الإسرائيلي بالاحتمال الثاني وأفردت الصحف الإسرائيلية مساحات واسعة للحديث عن مكانة الرجل المفقود في عالم المال والاقتصاد والموقع الذي يحتله والده داخل المؤسسات الإسرائيلية بالإضافة إلى علاقاته الوطيدة بالأميركيين لأنه يهودي من أصل أميركي. وتبين أن الرجل ثري جدا، ومقرب من حزب الليكود، ويحتل موقعا محترما داخل اللوبي الصهيوني الناشط في الولايات المتحدة. وقد بلغ الاهتمام بمصير (آراد)عام 1990 حدا كبيرا فقصد والده تونس للقاء الرئيس الفلسطيني، وعرض ثلاثة ملايين دولار للكشف عن مصير ابنه.
وقد حدث نوع من البلبلة عندما أخذت مصادر أمنية متعددة تتداول معلومات عن القضية وتروج ما خلاصته أن الاختفاء مسالة مختلفة من أساسها أطلقتها الأجهزة الإسرائيلية لأغراض أمنية لعل أبرزها التوصل إلى معرفة مصير الطيار الإسرائيلي المفقود (رون أراد). والواقع أن مصير (رون أراد) لم يكن غائبا عن التحرك الإسرائيلي في تلك الفترة. وقد حاولت أجهزة الموساد عبر والد الشاب المفقود الإمساك ببعض الخيوط التي تسمح بالتعرف إلى الجهة التي تحتجزه عن طريق الإيهام بان الكشف عن مصيره يمكن أن يقود إلى صفقة سياسية واسعة مع واشنطن. وتبقى قصة رجل الأعمال إحدى احدث الروايات الإسرائيلية المفبركة، حسب رؤية حزب الله، التي تقول انه ليس ضائعا بل انه متخف في الولايات المتحدة بناء لطلب الموساد، وحزب الله يملك الأدلة الدامغة على هذه الحقيقة. (جريدة الوطن العربي، 1999)
8- التجسس على السجناء والمعتقلين:
إن دور العملاء في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، كان يعتمد بشكل عام على القيام بدسهم في صفوف الشرفاء، أو إظهارهم بمظهر الحريصين على مصلحة الوطن، حتى يقع غيرهم في حبالهم، فهم قد كانوا كمثل العنكبوت ينصب حباله للفريسة ثم يقوم بامتصاصها. (أحمد مهنا، ب. ت: 142)
ومن أدوارهم الهامة في السجون الإنزراع في أقبية الزنازين أو عبر غرف العار والقيام بالتحقيق مع المساجين، أو استدراجهم للاعتراف. وتقول منظمة بتسيلم” إن المعلومات المتوفرة لدينا تطلعنا على أنَّ المتعاون الفلسطيني في السجون يزود بوسائل قتالية، ويقومون بتعذيب السجناء ليحصلوا منهم على اعترافات. (بتسيلم،1993: 10)
ومن الأدوار المطلوبة العمل على انهيار المعتقل والحصول منه على الاعتراف بما لديه من معلومات، وتثبيط عزم المناضلين. حيث يندس بعض العملاء في زنزانات المعتقلين، ويمثلوا عليهم دور المناضلين لكسب ثقتهم من أجل جمع المعلومات منهم، أو دور المتساقط لإضعاف وخلخلة وضعهم النفسي، أو دور الذي صمد وسيخرج إلى الحرية لعدم وجود أدلة ضده ويعرض خدماته، كالإستعداد لحمل رسالة لخارج السجن. بهدف إختراق هذا التنظيم.
وتقول بتسيلم في تقريرها ” في داخل السجون والمعتقلات يعمل عملاء فلسطينيين وأهمية عملهم تكمن في مساعدة المحققين في السجن لأخذ أقوال واعترافات الأسرى الذين بحوزتهم أقوال. وجزء من هؤلاء المتعاونين قد جرى تجنيدهم أثناء السجن (أثناء التحقيق معهم أو بصفقة للتخفيف من أحكامهم)، وقليل منهم على خلفية جنائية، وآخرين عملوا في خدمات رجال الأمن قبل أن يدخلوا إلى السجون -حسب أقوال التنظيمات الفلسطينية-. وقليلاً منهم أدخلوا متعاونين إلى السجون حتى يظهروا أنهم من مناضلي الانتفاضة، حيث كان يتم اعتقالهم عندما يتم اعتقال الخلية التابعين لها حتى لا يدور الشك حولهم.
وقد كان الفلسطينيين يلقبون المتعاونين الذين يعملون داخل أسوار السجون بالعصافير، الذي بدأ عملهم في عام 1979 –حسب رؤية بتسيلم في أعقاب أوامر أعطاها رئيس الحكومة آنذاك مناحيم بيقن بإبطال استعمال التعذيب الجسدي ضد الفلسطينيين المحقق معهم- حيث يرسل المعتقلون إلى غرف العصافير، عندما لا ينجح المحققون في أخذ معلومات واعترافات كافيه منهم، أو أن اعترافاتهم التي أدلوا بها كانت جزئية فقط. (بتسيلم،1993: 19)
العملاء في غرف العار: في أغلب الأحيان يدخل السجين إلى غرف العصافير (العملاء) عندما يكون في وضع نفسي وجسدي ضعيف نتيجة التحقيق معه، والعصافير يكونون على علم بإعترافاته وانتمائه التنظيمي وخصوصيات أخرى على اعترافاته، يستقبلونه بالترحاب ويوفرون له مكان للجلوس والراحة ويجهزون له الأكل والشرب والملابس النظيفة أيضا،ً كل ذلك ليشعر بالراحة والامان من سكان الغرفة، بعد مرور أيام صعبة عليه في التحقيق. وهذا الأمان التراكمي بين السجين وبين سكان الغرفة، قد يثير السجين للحديث عن أفعاله، وفي بعض الأحيان يدعي أحد المتعاونين على أنه “الموجه للغرفة” ويقوم بالحديث مع السجين على انفراد، حتى يشعر السجين بالثقة ويزيد من ايمانه به. وإذا كان في الغرفة متعاونين آخرين عليهم الابتعاد عنهم، ويمارسوا التموية بحيث يجلس واحد منهم بجانب الباب مثلاً، والثاني يتمشى في الغرفة مراقباً حركة الحراس ليحذرهم من تفتيش فجائي. (بتسيلم،1993: 36)
وفي بعض الأحيان يمكن أن يقدم المتعاون نفسه كمسؤول في السجن من قبل التنظيم الذي يتبع له السجين، ويعده بأنه سوف يفتح له المجال للاتصال بالقيادة الخارجية، ويوصل إليه معلومات حيوية على أماكن وجود الأسلحة والذخيرة أو المواد المطبوعة التي يهتم السجين أن تصل إلى المسؤولين خارج السجن. ويطلب في هذه الحالة من السجين أن يعرفه عن مكان وجودها ولمن يريد إيصالها، ويُطلب منه معلومات عن أفعال أو عمليات قام بها وبسببها تم اعتقاله. ويطلب منه التعرف على شركائه في الخلية لكي يتمكن المسؤول خارج السجن مساعدتهم. وأحياناً يطلب العميل من السجين كتابة هذه الأشياء بخط يده ليقوم بتوصيلها إلى قيادة السجن، ولكن هذا التقرير يرسل في الحقيقة إلى قوات الأمن الاسرائيلية التي تقدم للسجين تحقيق إضافي. وإذا ما فشلت محاولات الاقناع يستعمل العصافير طُرق العنف والتخويف والتهديد، كإتهام السجين بالتعاون، ويكون على السجين لكي يزيح عنه هذا الإتهام أن يعترف بالأفعال المنسوبة له إذا كان نفذها أم لا. (بتسيلم،37:199)
ويذكر السجين (عبد الناصر علي عيسى عبيد) من سكان العيسوية، سبعة وعشرين عاماً قال في شهادته في 17 سبتمبر 1993 أنه حقق معه في بداية سجنه في سجن ملعب الروس في القدس على خلفية عضويته لحماس، وأثناء التحقيق معه ألصق المحقق كابتن (بيني) على صدره بلاستر أبيض ومكتوب عليه بالعربية عميل قام بتصويره وقام بتهديده بنشر الصورة في السجن وفي قرية العيسوية وفي اعتقاله نقل عبيد لمكان آخر موجود به متعاونين حسب أقواله. (بتسيلم،1993: 6)
ويمكن إجمال أبرز المهام التي يقوم بها العملاء داخل السجون الاسرائيلية، وهي:
– تجميع المعلومات عن المعتقلين للاستفادة منها في التحقيق.
– التجسس على المعتقلين، أو احباطهم وتيئيسهم.
– الإلتزام مع المنظمات، للوصول لمعلومات عن نشاط بعض الأشخاص المعتقلين.
– الوصول لمواقع القيادة لاستغلالها في جمع المعلومات،وإحداث الفتن،وتشوية المناضلين.
– الوقيعة بين المنظمات المختلفة في السجون، لدفعهم للخلافات والإقتتال فيما بينهم.
– الوصول إلى المواقع الحساسة لكشف كل الاتصالات والأعمال ذات الطابع السري والعسكري
– المشاركه في الزنزانة مع الشخص المستهدف، لممارسة التجسس أو الاحباط والاعتراف.
– يقوم بعض العملاء بأعمال من شأنها التشكيك بأخلاقيات المناضلين الصلبين أمام رفاقهم.
– اسقاط المناضلين والحصول على اعترافات منهم، عبر غرف العار، وهي أقسام خاصة يسميها المناضلون (أقسام العار)، أو يسمونها غرف العصافير.
(الجبهة الشعبية، ب.ت: 40)
بعض خصائص العملاء مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين:
لقد تبين للباحث من خلال دراساته على عينة تبلغ (80) من العملاء مع الاحتلال الإسرائيلي، أنهم تميزوا بالخصائص التالية بالنسبة لمتغيرات (السن، المهنة، السكن، المستوى التعليمي، الحالة الاجتماعية، الوضع المعيشي، الوضع الصحي). حيث كانت العينة من العملاء بالنسبة لمتغير المستوى العمري، كالتالي: 48 شخص من سن: (16- 25) بنسبة (60%) و21 شخصاً من (26- 35) بنسبة (26,25%) و11 شخص من (36- فما فوق) بنسبة (13,75%). أي أن أغلب أفراد العينة كانوا وقت الارتباط مع العدو الإسرائيلي، في سن ما بين (16-25) عام، مما يعني أن أغلب العملاء في فلسطين، قد تم تجنيدهم مع العدو في مرحلة الشباب المبكر. حيث أن المخابرات الإسرائيلية تركز على هذه النوعية من الشباب، لكونهم الفئة الأنسب والأقدر على تتبع المعلومة. لأن الشباب في مثل هذا العمر هم الأكثر نشاطاً وحيوية من غيرهم. حيث ما زالوا في بداية طريق الحياة، وخبرتهم ضحلة، وتجربتهم غضة ووعيهم بسيط.
وقد اعتبر كذلك (الناطور) أن رجل المخابرات الاسرائيلي –خاصة في جهاز الشاباك- قد كان كثير التركيز على الشباب الفلسطيني من صغار السن، وذلك لكي ينشئ منهم جيشاً من العملاء. (الناطور،1993: 133)
كما أن هذه الفئة من العملاء -الأصغر سنا- كان لديهم تصوراً ومفهوماً عن ذاتهم، أدنى من العملاء الآخرين الأكبر منهم سناً، لأن مفهوم الذات يتعزز بالخبرة، والسن، والعلاقات. ولأن العميل الأكبر سناً يكون قد تكيف أكثر مع المهنة، وأصبح يتعايش معها، بشكل أكبر من العميل حديث السن. الذي ما زالت الصراعات الداخلية، والتوترات، والمخاوف، تؤثر على مفهوم الذات لديه.
وهذا يخالف خصائص العملاء والجواسيس الأمريكان الذين يعملون لصالح الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية السابقة. التي أظهرتها نتائج بعض الدراسات التي أجراها القسم الأمني للدفاع الشخصي في المخابرات الأمريكية عام (1990)، والتي بينت بأن نسبة (6%) فقط من العملاء كانوا عند الارتباط تحت سن العشرين، وأن (40 %) بين سن 20-29، وأن (27%) منهم كانوا بين سن 30-39، وأن (27%) فوق سن 40 .
وأما بالنسبة لمتغير المستوى التعليمي، فتبين بأن هؤلاء العملاء قد كان المستوى التعليمي لديهم بسيط حيث لم يتجاوز منهم المرحلة الابتدائية والأميين 39 شخص بنسبة (48,75%). والمرحلة الإعدادية 21 شخصاً بنسبة (26,25%). والمرحلة الثانوية 15 شخصاً بنسبة (18,75%). في حين لم يكن منهم في المستوى التعليمي الجامعي سوى 5 أشخاص، بنسبة (6,25). أي أن أغلب أفراد العينة بالنسبة للمستوى التعليمي، كانوا دون المرحلة التعليمية الأساسية، (في المرحلة الإعدادية وأدنى). مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية كانت تركز على من يمتازون بتعليم متدنٍ، باعتبارهم أسهل وأبسط في عملية التجنيد. لأن الهدف الأهم للعملاء بالنسبة للواقع الفلسطيني، هو أن يتلصصوا علي إخوانهم وينقلوا تحركاتهم، ويراقبوا المواقع والأماكن التي يرتادونها، وهذه المهام لا تحتاج لمستوى أكاديمي مرتفع، أو شهادات علميه عالية، وإنما يستطيع أن يؤديها أفراد في مستوى تعليم عادي أو متوسط، ولكن لا بد أن يحوزوا على مستوى مقبول من القدرات العقلية، أو الذكاء، وخاصة الذكاء الاجتماعي.
وهذا يخالف خصائص العملاء والجواسيس الأمريكان الذين يعملون لصالح الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية السابقة. والتي بينت بأن نسبة (7%) كانوا في التعليم العالي، ونسبة (39%) يحملون درجة المدرس العليا، ونسبة (20%) كانوا في التعليم في إحدى الكليات، ونسبة (20%) منهم كانوا في التعليم الجامعي، ونسبة (14%) في مرحلة الماجستير.
وأما بالنسبة لمتغير الحالة الاجتماعية، فقد كانت خصائص العملاء في فلسطين، تتمثل في التالي: أعزب: 41 شخص بنسبة (51,25%). ومتزوج: 32 شخص وذلك بنسبة (40%). ومطلق وأرمل: 7 أشخاص بنسبة (8,75%).
أي أن أغلب أفراد العينة بالنسبة للحالة الاجتماعية، كانوا من فئة العزاب. وهذا يعني بأن أغلب العملاء الذين تم ربطهم مع المخابرات الإسرائيلية كانوا من غير المتزوجين، حيث كانت المخابرات تركز على هذه النوعية من الشباب، لربطهم في أجهزة التجسس التابعة لها، لعدم تحملهم مسئوليات اجتماعية، باعتبار انهم لم يكونوا أسرة مستقلة بعد، قد تشغل حيز اهتمامهم ونشاطهم، مما يصرفهم عن أمور أخرى كثيرة، ويولد لديهم نوعاً من الاستقرار النفسي في الحياة أفضل من العزاب.
وهذا يخالف خصائص العملاء والجواسيس الأمريكان الذين يعملون لصالح الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية السابقة. والتي بينت بأن نسبة المتزوجين كانت أعلي من نسبة العزاب حيث بلغ نسبة (57%)، في حين بلغ نسبة العزاب (33%)، ومنفصلين أو مطلقين (10%).
وأما بالنسبة لمتغير مكان السكن، فقد كانت خصائص العملاء في فلسطين، تتمثل في التالي: بلغ من يقطن المخيم منهم 38 شخصاً بنسبة (47,50%). والذي يقطن المدينة 30 شخصاً بنسبة (37,50%). والذي يقطن القرية 12 شخصاً بنسبة (15%).
ويعزي ذلك للفقر، وللكثافة السكانية، كما يعزى الى أن العمل المقاوم للاحتلال في مخيمات اللاجئين أكبر منه في المدن والقرى.
وتختلف هذه الخصائص مع دراسة القسم الأمني للدفاع الشخصي بالمخابرات الأمريكية (1990) والتي بينت أن (66%) من الجواسيس والعملاء لديهم يعيشون داخل أمريكيا، وأن الثلث (34%) يعيشوا خارجها حين بدء عملية الارتباط بالعدو.
وأما بالنسبة لمتغير المهنه، فقد كانت خصائص العملاء في فلسطين تتمثل في التالي: عامل (56) شخص بنسبة (70%). طالب (7) أشخاص بنسبة (8,75%). عاطل عن العمل (6) أشخاص بنسبة: (7,50%). أعمال حرة (11) شخص، بنسبة: (13,75%)
أي أن أغلب أفراد العينة بالنسبة للمستوى المهني للعملاء في فلسطين، قد كانوا من طبقة العمال، وخاصة من الشريحة التي تعمل داخل إسرائيل. مما يعني أن المخابرات الإسرائيلية كانت تركز على هذه الطبقة أكثر من غيرها، لقدرتها على التأثير عليها، بالمساومة والابتزاز من خلال الاحتكاك اليومي بها، عبر المنافذ والمعابر التي تمر بها للعمل داخل إسرائيل وبشكل يومي.
ولكن العملاء والجواسيس لدى الولايات المتحدة حسب الدراسة الأمريكية كانوا يتمتعون بأعمال مهمة وحساسة، حيث كان نسبة (49%) منهم عسكريين نظامين، ونسبة (18%) منهم مدنيين حكوميين، ونسبة (24%) منهم متعهدين حكوميين، ونسبة (9%) منهم قد تركوا خدمة الحكومة.
وأما بالنسبة لمتغير المستوى المعيشي للعملاء في فلسطين، فقد كانت خصائص العينة تتمثل في 52 شخص منهم قد كانوا في مستوى اقتصادي ضعيف ومتردي وذلك بنسبة (65%). وأن (25) شخص قد كانوا في المستوى المعيشي المتوسط والمقبول لديهم، وذلك بنسبة (31,25%). وأن ثلاث أشخاص فقط قد كانوا بمستوى جيد وذلك بنسبة (3,75%).أي أن أغلب أفراد العينة بالنسبة للمستوى المعيشي، قد كانوا ممن يصنفون أنفسهم من ذوي المستوى الاقتصادي المتدني اقتصادياً. (أي الفقراء)، مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية، كانت تركز على هذه النوعية، لقدرتها على استغلالها من خلال وضعها المعيشي، وحاجتها المادية، ومتطلبات الواقع الضرورية.
وتختلف هذه الخصائص مع دراسة القسم الأمني للدفاع الشخصي بالمخابرات الأمريكية التي بينت أن أغلب الجواسيس والعملاء الأمريكان قد كانوا في مستوى اقتصادي جيد، وكانوا يرغبون في زيادة دخلهم من الناحية الاقتصادية، في حين أن معظمهم كانوا من ذوي الدوافع غير الاقتصادية وخاصة الدوافع العقائدية والأيديولوجية.
وأما بالنسبة لمتغير الوضع الصحي فقد كانت خصائص العملاء في فلسطين تتمثل في أن أغلب هؤلاء العملاء كانوا في مستوى صحي جيد، حيث كان 61 شخص منهم أصحاء جسدياً وذلك بنسبة (76,25%). وأن 15 شخص منهم كانوا في وضع صحي مقبول لديهم، وذلك بنسبة (18.75%). ولا يوجد سوى خمس أشخاص منهم قد كانوا يشكون من المرض، وذلك بنسبة (5%).
ومن ذلك يتبين أن أغلبهم بالنسبة للوضع الصحي الجسمي، كانوا في مستوى جيد، حيث كانت الغالبية العظمى منهم معافاة جسمياً. مما يعني أن المخابرات الإسرائيلية قد كانت تجند الذين يتمتعون بمستوى لائق جسدياً، بأعتبار أن المرضى والمعاقين وأصحاب العاهات، لا يستطيعون القيام جيداً بالمهام التجسسية لأنها تحتاج لبنى جسمية قويه وغير معتلة أو مريضة.
وتلتقي هذه الخصائص مع دراسة القسم الأمني للدفاع الشخصي بالمخابرات الأمريكية، التي أظهرت بأن أغلب الجواسيس والعملاء الأمريكان قد كانوا في مستوى صحي جسمي جيد.
ثالثاً: الإجراءات العملية في التجنيد :
تعريف التجنيد:
هو عبارة عن ” مجموع الخطط والإجراءات العملية المتبعة في انتقاء الشخص المناسب، وترشيحه للتجنيد بغرض تنفيذ مهام محددة ومعروفة لهذه الجهة. وذلك ضمن توجيهات وأوامر، رجل التجنيد، وحسب حاجة الجهة المجندة لذلك “.
وبعبارة أخرى هو ” تأسيس وبناء العلاقة الاستخبارية بين المرشح للتجنيد والجهاز الاستخباري المجند، بحيث يصبح المرشح واعياً مفهوم هذه العلاقة، موافقا على قيامها وملتزما بتوجيهاتها، ومحافظاً على أنظمتها “.
وقد تبدو بنود هذا التعريف كبيرة ويتردد أي مرشح للقبول بها للوهلة الأولى في الغالب، وهنا يأتي دور ضابط العملية في تكريس هذه المفاهيم بالتدريج دون إثارة كوامن الخوف والحذر في نفس المرشح، فيكفي أن يعرف المرشح اولا انه اصبح يتعاون مع الجهاز، وان ما يطلب منه هو بكل بساطة ما يستطيع دون التعرض إلى التفاصيل، ومن ثم التركيز على الامتيازات التي سيجنيها المرشح في ظل تعاونه.
ويأتي السؤال التقليدي؟ كيف يتم طرح الموضوع على المرشح من قبل ضابط العملية، وهنا تختلف الإجابة باختلاف الأشخاص والظروف والوقت، وأفضل من يستطيع الإجابة على هذا السؤال هو نفس ضابط العملية الذي أشرف أو قام بجمع المعلومات عن المرشح وحللها وقيمها، وعرفه عن كثب، فكل هذه المعلومات هي التي تقرر ذلك”. (شحادة،117:1992)
أهداف عملية التجنيد:
تختلف أهداف عملية التجنيد للجاسوس أ و العميل، حسب اختلاف الاحتياج الذي تحدده الجهة المعنية لذلك. فقد يكون الهدف، جلب معلومة، أو كشف مخبأ أو موقع، أو ملاحقة شخص من أجل اعتقاله أو قتله، أو المشاركة في أعمال ميدانية معينة إلخ.
أهمية عملية التجنيد:
تكمن أهمية تجنيد العملاء من أهمية العميل الإنسان نفسه على الأرض، حيث أنه برغم كل التطورات التكنولوجية النوعية والكمية لا يمكن الاستغناء عن العميل الارضي. فمثلاً يمكن استخدام التكنولوجيا في أعمال استكشاف جوي يحدد مواقع القوات المعادية، ولكن لا بد من وجود إنسان لديه من الكفاءة ليحصل على نوعية تلك القوات ودرجة كفاءتها.
اعتبارات عملية تجنيد العملاء:
البحث عن العملاء هي المهمة المستمرة التي يمارسها ضباط متخصصون أو جواسيس محترفون لاكتشاف من يصلح للعمل في شبكتهم السرية ويستطيع أن يزود الجهاز بالمعلومات التي يحتاجها، وفق الأهداف الموضوعة. وعملية البحث هذه، تتم وفق خطة موضوعة، يتمتع ضابط العملية فيها بغطاء مناسب يمكنه من التصرف بشكل عادي لا يلفت الانتباه، كما انه يمكن في حالات كثيرة اكتشاف مرشح ما للتجنيد بشكل عرضي دونما ما تصور مسبق لذلك. (شحادة: 1992، 107)
وعملية التجنيد تتم غالباً بحسب العديد من الاعتبارات، والتي تتمثل بشكل أكبر شيوعاَ، بحسب طبيعة هدف العملية واحتياجها :
– بحسب طبيعة انتماء الهدف: أي بحسب طبيعة الهدف المراد اختراقه، فقد يكون هدفا أمنياً أو استخبارياً أو عسكرياً أو علمياً أو تكنولوجيا أو اقتصادياً أو دعائياً ..الخ، لذلك يجري التركيز على الأشخاص القياديين الذين يملكون من المعلومات أكثر من غيرهم، أو الذين تتيح لهم مراكزهم الاطلاع على أكبر قدر من المعلومات، أو المرشحين لمراكز تلك القيادة في المستقبل، وباختصار فإن التوجه يكون بالنسبة للأشخاص الذين يتمتعون بالقوة أو ذوي التأثير في الهدف والذين لهم بطبيعة الحال اتصال مباشر بالهدف، وهذا لا يعني أبداً إهمال الأشخاص الذين يأتون في الصف الثاني أو الثالث فلكل حاجة ولكل دور، ولا يهم أن يكون الدور آنياً، فقد يأتي الدور لاحقاً. وبشكل عام فان القياديين، ومسئولي الدولة، والقوات المسلحة ودوائر الاستخبارات في البلد المقصود من أهم أهداف العمل السري، بل قد يكون رئيس الدولة نفسه مرشحاً للتجنيد. كما يجري البحث أحياناً في صفوف الطلبة وأساتذة الجامعات، والمعاهد العلمية والتقنية، ومؤسسات البحث العلمي، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، والنقابات، واتحاد الكتاب والصحفيين. أو توجيه الدعوات للزيارات الرسمية، أو الى حفلات ومناسبات خاصة أو عامة، أو تحت غطاء دعوات المؤسسات العلمية أو السياحية، أو الصحفية، أو رجال الأعمال والشركات، وتجار الأسلحة والمخدرات والجنس والفن،… الخ”.(شحادة: 1992، 108)
فإذا كان مثلا المقصود من عملية التجنيد للعميل هو اختراق التنظيمات، فيتم التركيز على تجنيد أناس منتمين لهذا التنظيم للوصول إلى أفكاره ونشاطه، وبؤر تواجده، لأن أجهزة الأمن الإسرائيلية تفضل عندئذ أن يكون الهدف المحدد لتجنيده للعمل معهم هو عضو حالي أو سابق في الحركة أو التنظيم المستهدف، وذلك ليكون قريباً من أفراد هذه التيارات لإمكانية حصوله على اكبر قدر من المعلومات الاستخبارية.
– بحسب طبيعة سكن الهدف : وإذا كان الهدف المنوي مراقبته وجمع معلومات عنه من الأماكن التي يغلب عليها طابع المقاومة للاحتلال، مثل الأحياء السكنية التي تعتبر معاقل للتنظيمات الإسلامية والوطنية، أو يقطنها الأشخاص الذين هم محط أنظار واهتمام رجال المخابرات الإسرائيلية بسبب نشاطهم المعادي للاحتلال، فيعتبر الهدف الذي له أولوية وأهمية في عملية التجنيد، هم من سكان أهل المنطقة.
– بحسب صلة القرابة للهدف: وأما إذا كان الهدف المنوي مراقبته من قيادات وكوادر التنظيمات الإسلامية والوطنية، فإن إحدى العوامل التي تقوم أجهزة الأمن الإسرائيلية بوضعها في الإعتبار، حين تقوم بعملية الربط للتعامل هي صلة القرابة مع هذا الهدف. وهناك شواهد كثيرة على عملاء كانوا أقارب لأناس مستهدفين، ساعدوا على قتلهم من قبل السلطات الإسرائيلية، منهم على سبيل المثال العميل الذي تسبب في مقتل الشهيد (جمال عبد الرزاق) من كتائب شهداء الاقصى وهو ابن اخته. والعميل الذي تسبب في مقتل الشهيد (محمود الخواجا) أحد قادة الجهاد الاسلامي، في معسكر الشاطئ، وهو ابن عمه، والعميل الذي ساعد في اغتيال الشهيد القسامي من رام الله (إبراهيم بني عودة)، حيث أعترف هذا العميل بأنه قد أخذ سيارة ابن عمه وأرسلها للمخابرات الإسرائيلية التي قامت بدورها في تلغيم السيارة، التي انفجرت بعد دخول إبراهيم إليها بعدة دقائق، وقد اعترف بأنه تم تجنيده من قبل القوات الإسرائيلية، ثم طلبت منة التقرب للشهيد.(2001:39.Williams,D)
– بحسب دائرة أصدقاء الهدف: إن دائرة العلاقات الشخصية، والصداقات التي تحيط بالشخص الذي يمثل الهدف، تكون هي الأخرى بمثابة مجال هام تعمد المخابرات الإسرائيلية على اختراقه والوصول إليه، كما حدث في حالة الشهيد “يحيي عياش”. الذي تم اختراقه عن طريق صديقه.(وإن لم يكن يعلم ذلك).
– بحسب محيط عمل الهدف: وإذا كان الهدف هو أحد مواقع العمل سواء الأمنية، أو العسكرية، أو المدنية، أو شخصاً يعمل فيها، يتم اختيار العملاء الذين لا يثيرون الشبهة في تواجدهم في مكان العمل المقصود، من نفس دائرة محيط العمل والمهنة، وخاصة في ظل الظروف المعيشية التي يحياها شعبنا من ارتباط وثيق بين الفرد ومجال عمله.
أبرز أماكن التجنيد:
يتم تجنيد العملاء وربطهم وإسقاطهم من قبل مخابرات العدو في أي موقع ومكان مناسب، وتمتاز بعض المواقع و الأماكن بخصوصية معينة في عالم التجسس مثل:
– صالونات الحلاقة والتجميل: اعترف العميل مازن الفحماوي بأنه وبعض العميلات معه كانوا يستغلون صالون الحلاقة لاسقاط البنات، حيث كانت تقوم صاحبة صالون الشروق في جنين، بتصفيف شعر الفتيات ثم تخديرهن، لممارسة الجنس معهن، ثم استدعاؤهن للمخابرات، وتحت التهديد والخوف من الفضيحة، ترتبط الفتاة مقابل السكوت عن ذلك. (فتح، ب.ت: 10)
– الوفود السياحية: قامت السلطات الإسرائيلية بإرسال بعض الساقطات “المومسات ” المحترفات والمصابات بمرض الإيدز ضمن وفود سياحية منظمة تأتي لزيارة مصر لعدة أسابيع ويقوم بعض أفراد هذه الشبكة النسائية الموجهة بالتعرف على الشبان المصريين المتهورين المائعين الذين يلاحقون ” السائحات الإسرائيليات حاملات الإيدز، ويقوم هؤلاء الشبان بممارسة الجنس معهن، وفي اليوم التالي سرعان ما يكتشف الشاب المصري أنه قد وقع ضحية للإصابة بفيروس الإيدز، وذلك عن طريق رسائل تتركها المومسات الاسرائيليات مكتوب فيها “أهلاً بك في نادي الإيدز العالمي”. (الجزائري،1991: ج4، 214)
– حركات السلام والتطبيع : بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل وفلسطين، ظهرت منظمات شبابية كثيرة تدعو للسلام والتعايش بين الشعبين، وقد استغلت إسرائيل هذه المنظمات بأن بدأت تنفذ مخابراتها إلى قلبها، وبالتالي عملت غسيل دماغ لهؤلاء الشباب صغار السن، مما سهل عليها بعد ذلك ربط عدد منهم باسم التعايش والسلام، من خلال إيقاعهم في ممارسات جنسية، أو الأغراء بالمال، ثم ابتزازهم للتعامل.
– المعابر والموانئ البرية والتجارية: وهي الأماكن الأكثر استخداماً للمساومة والإسقاط، بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن جزء من الأراضي الفلسطينية. حيث بدأت أجهزة الأمن الإسرائيلية باستبدال مواقع المساومة التي أصبحت خارج سيطرتها، بالتركيز على مواقع أخرى لجعلها مراكز وبؤر للمساومة والارتباط والإسقاط. وذلك مثل: معبر بيت حانون -إيرز- ومعبر الشجاعية -كارني- والمعبر التجاري-صوفا-وكذلك الموانئ البرية، ميناء رفح البري، وميناء الكرامة البري، والجسور الأردنيه”.
– مواقع وأماكن العمل: وهي الأماكن الأخطر وذلك عن طريق أرباب العمل والذي قد يكون ضابط أمن، أو قد يكون صديقا له. وذلك داخل الخط الأخضر في إسرائيل. وقد اعترف العميل (م.ش) من معسكر الشاطيء بغزة، بأنه قد تم تجنيده في موقع العمل الذي يعمل فيه داخل الخط الأخضر، من قبل ضابط الأمن في للمصنع.
– المؤسسات الخيرية والإنسانية: وقد أعترف العميل (حيدر غانم) من رفح بأنه اتخذ من عمله في مؤسسة حقوق الأنسان الإسرائيلية (بتسيلم) غطاءً لنشاطة وعملة التجسسي. حيث قام من خلال هذا النشاط بجمع المعلومات عن المقاومين الفلسطينيين وتسليمها للعدو.
ومن أبرز الذين استغلوا هذه المؤسسات في الوطن العربي العميلة الأردنية المشهورة (أمينة المفتي) التي استطاعت أن تتخذ لعملها التجسسي غطاء جيداً، وهو العمل كطبيبة متطوعة في لبنان. لذلك أحست بتفاؤل كبير، عندما تعرفت على ممرضة فلسطينية تدعى (شميسه)، تعمل بعيادة “صامد” بمخيم صبرا. قدمتها شميسه إلى مدير العيادة، الذي أوضح لها أن العديد من الأطباء من كل دول العالم، يشاركون في علاج الفلسطينيين كمتطوعين. فعرضت عليه خدماتها التطوعية، وأطلعته على شهاداتها المزورة فطلب منها الانتظار لعدة أيام ريثما يخبر رؤساءه … -هؤلاء المتطوعون في شتى المؤسسات الفلسطينية، يقابلهم ياسر عرفات، ويستعرض معهم المخيمات وملاجئ الأيتام، والمؤسسات الصحية والهلال الأحمر، وأقسام الأجهزة التعويضية والعلاج الطبيعي والمعامل المركزية وبنك الدم- وصادفت أمينة فرصة ذهبية للامتزاج بالفلسطينيين، وبدأت مرحلة العمل التجسسي الأوسع. وانخرطت في صفوف المقاومة تضمد الجروح. وكانت زياراتها المتعددة لمخيمات اللاجئين في الجنوب، في صحبة مجموعات طبية من المتطوعين، تذكرة أمان لها لدخول كل المناطق المحظورة. وكانت عيونها كاميرات تلتقط الصور وتختزنها. وآذانها أجهزة تسجيل متطورة، وانقلب عقلها لآلة جبارة لا يرهقها عناء العمل. (المفتي،2003: انترنت)
وقد اكتشف مؤخراً في لبنان شبكة تجسسه، تتخذ من جمعية المساعدات الإنسانية والاجتماعية الألمانية ستاراً لنشاطها التجسسي. حيث كان يلتقي المنسق مع أفراد هذه الخلية في بعض مطاعم بيروت المشهورة لإبعاد أية شبهة عنه، ويعطي التوجيهات والتعليمات التي يتلقاها من الشاباك أو من المحطة 504 في الشريط الحدودي المحتل عبر جهاز الراديو أو الرسائل المكتوبة بالشيفرة والرموز المتفق عليها سابقا. وقد كانت تحمل هذه الشبكة اسما وهميا هو “جمعية المساعدات الإنسانية والاجتماعية الألمانية”، وتتحرك في المناطق اللبنانية لتنفيذ مهمتها التجسسيه على هذا الأساس.
– مراكز التدليك: إنتشرت هذه المراكز خلال عمليات التجسس بين روسيا وأمريكيا سابقاً. حيث كانت العميلة المشهورة للاتحاد السوفيتي (ليديا كوزازوفا) تحصل على معلوماتها من خلال استدراج زبائنها في مركز التدليك الخاص بها في ” فرانكفورت “. والذي كان في ظاهره للتدليك، وفي حقيقته لتجنيد العملاء إلى K.G.B. حيث بات مقصد كل رجال الدولة الدبلوماسيين وضباط الجيش والأمن. وقد سخرت عشرات الفاتنات للقيام بمهمة التدليك مع الاستعداد لتقديم خدمات أخرى خلف الكواليس. لذلك وقع في مصيدة فاتناتها العديد من الشخصيات الهامة التي كانت تسجل وتصور همساتهم وأوضاعهم المختلفة وتسلمها للمخابرات الروسية، حيث أصبح لدى المخابرات الروسية أرشيفاً ضخماً لابتزاز كل هؤلاء الزبائن. (هاتون،1980: 108)
– بيوت الدعارة: انتشرت هذه المواقع كأهم أماكن للتجسس في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث استطاعت ألمانيا في عهد هتلر إنشاء شبكة من الجاسوسات والعميلات وتوزيعهن على بيوت الدعارة والقيام بإسقاط العديد من الرجال. وقد قال هتلر في هذا الصدد بأن المرأة الألمانية أنفع بكثير من الرجل في عالم التجسس وأنه شديد الإعجاب بذكائهن وخططهن النسائية نظراً لتفوقهن بسلاح الإغراء وقدرتهن الهائلة على وضع الطعم القاتل لفريستها في جو هادئ. (عبد الهادي،1991: 91)
– الملاهي الليلية: تأتى شهرة المرابع عادة من الفرق الفنية التي تكون نجماتها من أجمل النساء وأشدهن جاذبية. ومن أشهرهن (أدريين) التي لقبت فيما بعد باسم لؤلؤة البوسفور لأنها راقصة حسناء. والتي لم تجد صعوبة في جني الأرباح الكبيرة من ارتياد الملاهي ومصادقة كبار الرواد، حيث احترفت الرقص في ذلك المربع الليلي الكبير، فسحرت الألباب واسرت العقول وتحول ملهى (بابا جاللو) الى مركز للجاسوسية يرتاده الساسة والقادة بشكل خاص. (عبدة،1989: 74)
ومن خلال هذه الراقصة الحسناء استطاع الجاسوس (احمد ديللو) الألباني الجنسية والذي يعمل لصالح ألمانيا أن يستغلها و بمثل عليها الحب حيث كان مكلفا بتعقب آثارها لصلتها (بايرل) مفتاح الجاسوسية الأمريكية في تركيا وما حولها، ولم تكن تعرف دوره هذا في اول الأمر، وكان يخيل اليها انه رسول الهوى إليها ولذلك تعمقت الصلة الغرامية بينهما ولكن بعد أن عرفت الهدف من هذه العلاقة لم تمانع في تلقط الأخبار من رواد الملهى لصالحه. حيث كانت إن (ادريين) ” لؤلؤة البوسفور” نموذج للمرأة اللامبالية، وكانت كائناً منعزلا ليس له من سلاح سوى سحره الجنسي، وقد جعلت من نفسها متاعا وفريسة تفيد الرجل بالرغبة التي تثيرها في نفسه وتقتنص منه الاسراروالمعلومات. (عبده،1992 :74-82)
عناصر عملية التجنيد:
تحتوي خطة عملية التجنيد، التي يتخذها ضابط التجنيد، على العناصر التالية:
– انتقاء المكان: يجب إن يتم اختيار المكان الذي يوحي بالراحة التامة نفسياً للمرشح وألا يكون فيه مجال لزيارات مفاجئة من قبل الأهل أو الأصدقاء أو الزوار العاديين، ويمكن أن يكون المكان منزلاً أو ركناً هادئاً في مكان عام، أو أثناء رحلة جوية أو بحرية أو برية وأن يتناسب المكان مع الزمان الذي سوف يستغرقه الاجتماع.
– اختيار الزمان: اختيار الوقت الذي يستطيع المرشح قضاءه بعيداً عن خطوط العمل أو الالتزامات العائلية، والاجتماعية، بحيث يكون متفرغاً تماماً للاجتماع، وألا يكون البحث في الوقت الذي يكون فيه المرشح مشغولاً بمتابعة أحداث أو نشاطات أخرى، أو يكون مجهداً أو مريضاً، أو مضطرباً.
– توفر الأمن: أن يكون المكان آمن من أهداف النشاطات السرية الأخرى، وألا يكون سهل المراقبة والسيطرة عليه من قبل الاخرين، أو التسمع لما يدور من حديث، مع مراعاة نوعية الزوار أو العاملين في المكان، ولابد من توفر قصة غطائية تبرر وجود الطرفين معاً، وتحضير خطط لمواجهة أي ردود فعل أو أحداث يمكن أن يقوم بها المرشح أو الخصوم.
– الغطاء المناسب: يخطط الضابط المجند عدم كشف نفسه للمرشح في المراحل الاولى للتجنيد، وفي هذه الحالة قد يستخدم غطاء جديداً لتدعيم موقفه، ولابد في هذه الحالة أن يكون لديه من الوثائق ما يقنع المرشح بالقصة الغطائية والتي ستكون محور العمل المستقبلي معه.
– كشف المهمة: أي طريقة للكشف عن المهمة المطلوبة من المرشح، وأسلوب طرحها، وما هو مطلوب منه بالتحديد. ويراعي عدم إثارة مخاوف المرشح، بل على العكس، دفعه بقوة من منطلق تحقيق الخير للأطراف جميعاً.
– اجابة التساؤلات: يخطط ضابط العملية للإجابة على كافة الأسئلة المتوقعة من قبل المرشح بموضوعية، دون خداع أو كذب مكشوف كبحث وضعه الأمني والمادي والاتصالات، والجهة التي سيعمل لها، ويمكن هنا إخفاء حقيقة الجهة لتتناسب مع الداوفع والامتيازات المادية والمعنوية وأسباب اختياره، والأشخاص الذين سيتعامل معهم أو الذين سيعرفون تعامله مع الجهاز.
– القبول والموافقة: إذا وافق المرشح على العمل فمن المهم أن يعلم أنه أصبح مرتبطاً بالجهاز الاستخباري، وأن عليه التزامات معينة، كما أن له حقوقاً بالمقابل. ويتم إطلاعه على ما هو مطلوب منه مبدئياً.
ويلفت انتباهه الى سرية العمل، والاحتياجات الأمنية الواجب مراعاتها، وتزويده بالغطاء الذي يبرر وجود العلاقة مع ضابط العملية. كما يتم تزويده بخطة للاتصالات بحيث يستطيع ضابط العملية أن يلتقي به في أماكن وأوقات محددة في الظروف العادية وغير العادية، كما يبحث معه الرواتب والامتيازات التي سيحصل عليها وكيفية دفعها والتصرف بها.
ومن أهم الأمور التي يجب مراعاتها هو عدم وعده وعوداً كاذبة أو غير قابلة للتحقيق، كما يجب تحذيره بان الجهاز لا يستطيع حمايته وان الالتزام بقواعد الأمن هي الضمانة فقط وبالتالي فان حمايته تقع ضمن مسؤوليته.
كل ذلك يجب أن يتم بروح الود والأدب والرغبة في المساعدة والتعاون لتكون بداية لتأسيس الثقة على أسس واضحة، واستغلال هذه الثقة في تطوير العلاقة الاستخبارية بين الطرفين المزيد من الإنتاج، بالإضافة الى توجيه الدوافع.
– عدم الموافقة: لا يجوز أن يتوقع ضابط العملية الموافقة وحسب، وإنما عليه أن يتوقع عدم موافقة المرشح للعمل وان يضع خطة إنسحاب مناسبة لهذا الموقف، ومهم جداً أن يحافظ ضابط العملية على هدوئه، ويحاول أن يعرف أسباب الرفض ويعطي الحلول لتلك الأسباب،عن طريق الإقناع وألا يحاول استخدام التهديد، إلا كآخر مرحلة، كما أنه يمكن إعطاء المرشح فرصة أخرى للتفكير، وفي هذه الحال يوضع المرشح تحت المراقبة المشددة للتعرف على ردود فعله، وقد يتم إرسال أحد العملاء لكشف نواياه، واتخاذ الإجراءات المناسبة حيال ما يمكن أن يحدث، وقد يكون من المفيد استخدام التهديد معه، أو أي إجراء لكبح جماحه”. (شحادة،1992 : 123)
عملية جمع المعلومات (الخام) :
تطلق على العملية التي يتم بواسطتها تجميع البيانات والمعلومات من خلال الواقع، وذلك قبل إخضاعها لعمليات الدراسة والتحليل والتقييم، وهذه المعلومات لا يجوز الاعتماد عليها قبل أن تصبح معلومات استخبارية متقاطعة.
وتعتبر قاعدة المعلومات هامة لأنها تلبي الاحتياج الأمني للمخابرات فهي هامة أيضاً في ترشيح العملاء وتجنيدهم. ومن أهم الاحتياجات لعملية ترشيح مجندين جدد وجود المعلومات اللازمة، (قاعدة البيانات). لذلك لابد لإتمام عملية التجنيد أن تتوفر لضابط المخابرات قاعدة معلومات ضخمة ومتنوعة من المنطقة التي يعمل بها. وهناك طريقتان لجمع المعلومات، الطريقة المفتوحة والطريقة الخفية.
ويتم وجمع المعلومات المطلوبة عبر مصادر، قد تكون صديقه تستخلص منها المعلومات بشكل تنسيق أمني، أو عبر استخدام قصص غطائية مناسبة لذلك. وقد تجمع أحياناً بشكل عادي –غير سري- كأن تستعين بدوائر الجوازات والأحوال المدنية والمحاكم وأرشيف الصحف وسجلات المدارس والجامعات والنوادي. أو عبر المقابلات الشخصية أو التلفزيونية، أو تتم عبر عمليات التجسس والاستدراج والمراقبة التي ينفذها عملاء مختصون، بالإضافة إلى عمليات أخرى فنية كمراقبة اتصالاته، أو زرع أجهزة تنصت عليه، أو غير ذلك.
أ) جمع المعلومات عبر الطريقة العلنية (المفتوحة):
وهي وسائل جمع المعلومات، بالطرق العادية المفتوحة مثل دور النشر، والصحافة، والتلفزيون، والإذاعة، وغيرها، وتتعاون الأجهزة الاستخبارية في جمع المعلومات بالطرق المفتوحة، مع الدوائر المختصة في الدولة للحصول على المعلومات التي تحتاجها من تلك الدوائر. مثل دائرة سجل السكان، التي تمثل مجموع البيانات والمعلومات المتوفرة لدى الدوائر والمؤسسات الرسمية عن سكان البلد، والتي يستعان بها لتحديد غموض ما، أو هدف مهين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المصادر لا تعكس (الحقيقة) بالضرورة وبالتالي لا يمكن اعتمادها استخباريا قبل مرورها بعمليات الدراسة والتقييم والتحليل. (شحادة،1992: 105)
ب) جمع المعلومات عبر الطريقة الخفية (المغلقة):
وهي وسائل جمع المعلومات بالطرق السرية الاستخبارية، مثل العملاء والمراقبة العادية والفنية، وجمع المعلومات بالطرق الاستخبارية يحتاج إلى أشخاص يستطيعون الوصول إلى الهدف واختراقه وكشف أسراره، كما يحتاج العمل إلى استخدام العملية، فبإمكان آلة معينة أن تقوم بما يعجز عنه الإنسان، بل وما لا يستطيع الإنسان عمله، وتتطلب هذه الطريقة أن يكون الشخص أو الآلة قريبا جداً من الهدف ليلاحظ ويكتشف الحقائق المرغوب معرفتها عنه بسرية. وفي كل الحالات لا بد من إجراءات تقيم هذه المصادر ودراستها قبل اعتمادها على أنها (حقيقة). وبعد جمع المعلومات بالطرق المختلفة، ومرورها بمراحل الدراسة والتحليل والتقييم، يكون من نتاجها معلومات تعبر عن الحقيقة وفي هذه الحالة تسمى معلومات استخبارية. (شحادة،1992: 32)
ومن أبرز الوسائل والأساليب في جمع المعلومات عبر الطريقة الخفية (المغلقة):
– عبر العملاء: وهم المجندون للتعامل من قبل ضابط المخابرات، والموكلون بجمع المعلومات اللازمة لجهاز الأمن التابع له. والعملاء هم الذين يقومون بإثراء قاعدة المعلومات وتجديدها. فالعلاقة بين قاعدة المعلومات والمجند علاقة جدلية، فالمجندون يقومون بلعب دور أساس وهام في خلق قاعدة معلومات لدى ضابط المخابرات، وتوفر قاعدة المعلومات تساعد في تجنيد عملاء جدد يلبون الإحتياج الأمني.
– عبر المقابلات: وهي نوعان: الأول (الاستدعاء) المقصود، والثاني (الدعوه) العامه للشخص أو لمجموعة من الناس.
النوع الأول: المقابلات المقصودة (الاستدعاء): التي تتم مع بعض الأشخاص الذي يعتقد ممارستهم لنشاط معادي، أو المشبوهين في حدث ما، من أجل إكمال الصورة وبيانها، والتقرير بموجبها الإعتقال أو الإكتفاء بالتنبية والإنذار.
والنوع الثاني: المقابلات العامة (الدعوة): وهي التي تتم في منطقة الحدث، أو في منطقة الهدف، وتتم مع عامة الناس من أجل تكوين فكرة ورؤية قد تفيد في الوصول إلى المقصود. وهذه المقابلات يقوم بها ضباط المخابرات بشكل استجواب عام مع السكان والمسافرين والعمال والتجار… وغيرهم .
– التحقيق والاستجواب: وهي العملية التي يتم فيها بالفعل القاء القبض على الشخص المتهم أو المطلوب وإعتقاله، وممارسة الضغط عليه، والتحقيق معه.
– الانتحال: حيث يقوم ضابط المخابرات بانتحال شخصية تنظيمية، يسعى عبرها لتجنيد عناصر وخلايا لهذا التنظيم، ويتصل بهدف معين مدعياً أنه شخص في الخارج، وأن الاختيار قد وقع عليه لعدة مواصفات قد تجد قبولاً في نفس هذا الشخص، الذي يبدأ بمد هذا المدعي (ضابط المخابرات) بالمعلومات المطلوبه.
مراحـل عملية التجـنيد:
يذكر العاملون في الحقل الأمني بأن عملية تجنيد العملاء تمر بأربعة مراحل هي:
1- تحديد وانتـقاء المرشـحين للتجنيد:
والغرض من هذه العملية انتقاء المرشحين كعملاء، بناء على ما يراه المتخصصون في هذه العملية، ويسمون “الفرازون”، وواجبهم الاحتكاك بالأماكن العامة كالنوادي والمطاعم والملاهي وغيرها، لمراقبة الموجودين من الرجال والنساء، ويمكن أن يقوموا بهذا العمل في البلاد المختلفة مباشرة أو عن طريق طرف ثالث للبحث عن “جواسيس وعملاء المستقبل”. ولا يتم ذلك إلا من خلال الآتي:
أ) تدوين المعلومات:
إذا تم تحديد الهدف، لا بد من معرفة كل شيء عنه، حتى يتم تقوية العلاقات معه، وإجراء المزيد من التعرف عليه، والتعرف على دوافعة ونقاط الضعف لديه، وتنميتها بما يخدم مصلحة التعامل.
وأبرز الأمور التي يتطلب الإهتمام بها هي:
– تفصيلات الهوية الشخصية: كالأسماء والألقاب أو الأسماء المستعارة بما في ذلك الجنس وتاريخ ومكان الولادة والجنسية والأوصاف الخاصة والمميزات الشخصية، وهذه المعلومات تؤخذ من مصادر متنوعة، أو مباشرة من المرشح أثناء تبادل الحديث العادي، أو الاستدراج عن طريق دفع المرشح للحديث عن نفسه.
– معرفة الدوافع والصفات التي تتحكم في ممارساته: من خلال تصرفاته الاجتماعية وآرائه السياسية والدينية والمشاكل التي يعاني منها، وتطلعاته المستقبلية والضغوط التي يمكن أن تتحكم بسلوكه.
– مركز المرشح الوظيفي أو العملي أو التنظيمي: وطبيعة المعلومات التي من الممكن أن يزود الجهاز بها من خلال مركزه المذكور. (شحادة، 110:1992)
ب – فتح ملف للمرشح للتجنيد:
مع مرور الوقت يمتلئ ملف المرشح بالمعلومات المطلوبة يتم وضع كل المعلومات التي يتم جمعها في تقرير خاص يشمل كل ما يستطيع ضابط العملية أن يعرفه عن المرشح، ماضيه وحاضرة ومستقبله، ثم يحدد كيفية الالتقاء به مستقبلاً أو الاتصال به من خلال معرفة عنوان عمله وسكنه ورقم هاتفه وسيارته، وروتين حياته اليومي وأماكن تردده ونشاطاته المختلفة، وأقاربه، ومجاوريه وأصدقائه وكل ما من شانه أن يسهل فرصة اللقاء به عرضاً أو قصداً”.
ج- تصنيف المعلومات:
وبعد ذلك يتم تصنيف وتبويب هذه المعلومات، ليسهل الوصول إليها والتعامل معها بما يخدم العمليه الأمنيه وسرعتها.
د- تحليل المعلومات:
ولا بد من دراسة وتحليل واستقراء وتركيب المعلومات التي يتم تجميعها وذلك من قبل خبراء أخصائيين على مستوى عال من العلم والخبرة، وتوضع تحت تصرفهم أوسع المراجع أو الوثائق.
هـ- تقييم المعلومات:
والمعلومات التي يتم جمعها عن المرشح، يقوم ضابط العملية بالتحقق منها من خلال تقاطع المعلومات، إما عبر عميل آخر، أو من خلال جهاز أمني آخر صديق للجهاز الذي ينتمي له ضابط العملية.
و- تطوير وتجديد المعلومات:
ويبقى الملف مفتوحا لتلقي المعلومات عن المرشح حتى وان تم تجميده وان أنهيت خدماته، فان استمرارية تدفق المعلومات عن المرشح هي وسيلة المحافظة على أمن العميل والجهاز والعمليات. وعندما يقرر ضابط العملية أن المعلومات المتوفرة أصبحت كافية، فان العمل يبدأ في المرحلة الثالثة، وبطبيعة الحال، فالمرشح لا يعرف، ما يدور حوله في هذه المرحلة. (شحادة: 1992، 117)
2- مرحلة تقييم المرشح :
وفي هذه المرحلة يتم تقييم المرشح نفسه، بعد أن تم تقييم المعلومات التي جمعت، حيث تقوم الأجهزة الاستخبارية عبر (ضابط العملية) بدراسة واستعراض وتحليل المعلومات المتوفرة عن المرشح للتجنيد، وإعادة صياغتها بحيث تجيب مباشرة على جميع الأسئلة التي يمكن طرحها للتعرف على المرشح بشكل محدد.
كما يجري تدقيق وتحليل مصادر المعلومات، بالطرق الاستخبارية، لاعتماد المعلومات الواردة منها واستخدامها في عملية التقييم، لأن أي خطا في هذه المرحلة أو سوء فهم، سيعرض الجهاز الى مخاطر أمنية.
وتتم هذه المرحلة قبل عملية التجنيد، أو أثناء تطوير العلاقة بين ضابط العملية والمرشح للتجنيد، ويقوم بالتقييم ضابط العملية نفسه باعتباره افضل من يستطيع معرفة حقيقة المرشح، خصوصاً إذا كان هو نفسه الضابط المكلف بتطوير العلاقة مع المرشح، وفي هذه الحالة يكون شعور الضابط نفسه مهما جدا في تقرير خصائص ذلك المرشح. ويشمل تقرير التقييم للمرشح العناصر التالية:
– الحالة الشخصية: يحدد ضابط العملية الهوية الشخصية للمرشح للتجنيد (الاسم الكامل، الألقاب، الجنس، الجنسية أو الجنسيات السابقة والحالية، الدين، مكان وزمان المولد، العلامات الفارقة، صورة شخصية، الطبقة الاجتماعية، الحالة العائلية) ومدى اعتماده على نفسه وثقته بها، وشجاعته، وتحمله للمسؤولية، وتقديره للمسؤولية، وقدرته على الابداع، وحيويته، ووضعه الصحي.
– المؤهلات العملية: ويقصد بها الكفاءات العلمية والعملية والخبرات التي اكتسبها المرشح والتي تؤثر على القيام بالعمل والإنتاج، ويجب التفريق هنا بين الدرجات العلمية والقدرة على استثمارها، أو عدد سني الخبرة، والتمكن من خبرة معينة وبين المركز الاجتماعي والتأثير الاجتماعي، بين السمعة والحقيقة، بين المركز الوظيفي أو التنظيمي ومزاولة القوة الوظيفية أو التنظيمية، بين الجرأة والتهور.
وبشكل محدد، لابد من معرفة مدى قدرته على القيام بالمهام التي ستطلب منه وبعض المهارات الخاصة المساعدة كالقدرة على الكتابة والتعبير والملاحظة والتحليل والحكم على الأشخاص بالإضافة الى مستوى خبرته وأية مهارات أخرى كالسباحة والرماية وقيادة السيارات..الخ.
واهم ما يجب بيانه هنا مدى التصاقه بالهدف وقدرته على العمل في داخله ومستوى الاختراق الممكن إن كان الهدف هو الاختراق، وإمكانات تنقل وحركة المرشح والقيود التي تحكم تلك الحركة.
– القابلية للتجنيد: وهذا بحاجة إلى تقدير ضابط العملية لتقرير مدى قابلية المرشح للتجاوب مع إجراءات التجنيد، وذلك من خلال علاقته بالمرشح والتعرف عن كثب على دوافعه وحياته بشكل عام، وخصوصا الضغوط التي تكمن في أوضاعه المادية وحياته الخاصة والمشاكل التي يعاني منها والتي تدفعه باتجاه قبول العمل السري والاستعداد الشخصي لتقبل الوضع الجديد.
– التأثر بالتعليمات: ويقصد بذلك معرفة طريقة إدارته وتوجيهه والسيطرة الكاملة عليه، من خلال معرفة مدى تعاونه في تنفيذ التعليمات، ومتى يكون متعاونا ومتى لا يكون، وهل هو من النوع المنضبط أو الذي يميل للجدل، أو الذي يتقبل الأوامر.
وهل يملك شخصية قيادية أو تابعة أو حذرة أو هل يثور؟ وهل هو عصبي المزاج؟ ومتى؟ وهل هو هادئ الطبع أو متقلب المزاج؟ وما الذي يحكم مزاجه؟.
– المؤهلات الأمنية: ويقصد المؤهلات الشخصية الطبيعية للمرشح، والتي تنعكس على مدى قابليته للمحافظة على الأسرار أو الوقوع في دائرة الخطر الأمني من خلال معرفة سلوكه الشخصي كالغرور وحب الظهور والشهرة والشعور بالنقص وعادة الكذب، واثبات الوجود، وعادة النفاق، ومن ناحية اخرى، معرفة مدى الاستقرار العاطفي والعائلي والمادي، وهل هو من النوعية التي يمكن التأثير عليها بسهولة؟ أو دفعه الى القيام بأعمال مشينة؟ ومتى؟.
وأخيراً هل يمكن الاعتماد عليه أمنياً؟ وهل لديه حس أمني؟ وهل هو حذر، ومتزن، ومتعقل، لا يتأثر بسرعة، يستطيع السيطرة على نفسه؟ ومتى يفقد هذه المميزات؟.
– الاستعداد الذاتي للعمل السري: لابد أن يخرج ضابط العملية، نتيجة تحليل شخصية المرشح بانطباع خاص، يشير الى أن المرشح للتجنيد لديه استعداد ذاتي للعمل، أو أن هذا الاستعداد غير وارد على الإطلاق.
– مستوى الذكاء العام: ويشير الى، مستوى الذكاء العام الذي يتمتع به المرشح، وكيفية استثمار هذا الذكاء في حياته العملية وخصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع خصومه في مسائل الخداع والتآمر.
– الفوائد المتوقعة: يحدد ضابط العملية، على ضوء مركز المرشح ومدى اتصاله بالهدف، طبيعة المعلومات التي يمكن أن تكون ضمن دائرة المرشح، بالإضافة الى أي فوائد أخرى يستطيع تحقيقها، ويجب ملاحظة طبيعة وتحديد المهام التي اقتضت اختيار ذلك المرشح بالذات، وبالتالي تقرير مدى السرعة التي يجب أن تتم بها عملية التجنيد، حيث يمكن أن يتم التجنيد اليوم مع تأخير عملية الممارسة.
– التعرف على جوانب الغموض: قد تجلس مع شخص لأول مرة وتستطيع أن تقرأ حياته فيها وكأنها كتاب مفتوح، وقد تجلس معه مئات المرات ولا تستطيع أن تقرأ الصفحة الأولى من كتابه. وغالبية الناس من الطراز الأول. ولكن بعضهم من الطراز الثاني، التي يكتنف الغموض كل حياته. وعلى ضابط العملية أن يحدد فيما إذا كان المرشح (غير واضح) من ناحية حياته الخاصة أو حياته في العمل والتنظيم، وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فلابد من الوقوف على سر هذا الغموض إذا كان مفتعلاً أو طبيعياً”.(شحادة: 1992، 112-116)
3- مرحلة الاختيار للمرشح :
المعلومات التي تم جمعها عن المرشح للتجنيد، والتي تم التحقق منها وتحليلها وتقييمها، وقد تستغرق أشهراً أو سنوات، تسلط الضوء على شخصيته من جميع الجوانب، وتعطي الفرصة لضابط العملية أن يقرر الاستمرار في طريق التجنيد، أو التوقف. فإذا كانت محصلة المعلومات تشير الى قدرة المرشح على العمل والإنتاج، وفي ظروف أمنية جيدة وبدون مخاطرة، وانه سيقبل بالمهمة أو المهام التي ستسند إليه، وان المعلومات المتوقع إنتاجها تستحق النفقات المتوقعة، فإن القرار يكون باستمرار والتحضير للمرحلة التالية مرحلة التجنيد. (شحادة:1992، 115)
بعض الاجراءات الواجب اتباعها من قبل المجند في عملية عرض التجنيد:
– تطوير العلاقة الشخصية: يمكن خلق فرصة للتعارف بين المجند والمرشح بحسب نشاطات المرشح اليومية سواء العملية أو الاجتماعية أو الهوايات، والقيام بنشاطات موازية ومماثلة لنشاطاته. وبذلك تكون النتيجة الحتمية الالتقاء والتعارف، ومتى بدأ المرشح يشعر بالتماثل بينه وبين ضابط العملية فان النتيجة الطبيعية أن تبدأ الصداقة وبالتالي يبدأ تبادل الآراء والمواقف والتجارب، والتي تؤدي إلى نوع من الارتياح تتطور تدريجياً إلى مرحلة الثقة الكاملة بينهما، حيث يتحدث المرشح بكل براءة عن حياته ومشاكله ويتحدث ضابط العملية، بكل خبث عن حياته ومشاكله (المشابهة) لحياة ومشاكل المرشح، ولا بد أن يختلق كثيراً من الأحداث الملفقة ليدفع المرشح للإفضاء عن أحداث مشابهة حقيقية، وهي ردود فعل طبيعية تحدث بين الأصدقاء، فإذا ما تحدث أحدهم عن مغامرة جنسية مثلاً فلا بد أن يسمع من الطرف الآخر عن مغامرة مشابهة، أو إذا ما أثيرت مشاكل البيت والأولاد أو النفقات والديون..الخ. ومن هذه المواقف يتعرف ضابط العملية على حقيقة حياة وشخصية المرشح الأمر الذي يمكنه من معرفة الضغوط التي يمكن استغلالها لقبول عرض التجنيد بالإضافة إلى معرفة الكثير من الأسرار الشخصية والتي يمكن استخدامها ضد المرشح أو تهديده بها.
– توجية دوافع المرشح : ومن أهم الأمور التي تراعى في مرحلة التطوير للعلاقات، توجيه الدوافع بحيث تتناسب مع إمكانية تحقيق مشروع معين يخدم تلك الدوافع، هذا المشروع الذي يحاول ضابط العملية طرحه شيئا فشيئا وبشكل غامض -ويراقب في نفس الوقت ردود فعل المرشح- حتى إذا ما أصبح المشروع مقبولاً أو مطلباً للمرشح، أمكن مفاتحته بالتفاصيل. وتتم تنمية الدافع حسب التعامل، فقد يكون الدافع مثلاً الانخراط في عقيدة معيّنة، كالادعاء بمكافحة الشيوعية، أو العمل من أجل حقوق الإنسان، أو الميل للخمر والنساء، أو لعب الميسر “القمار”، أو الحاجة إلى المال.
– الربط المادي والعاطفي للمرشح: فإذا أثبتت المراقبة الدقيقة للمرشح أنه صالح للعمل التجسسي، من الضروري الاقتراب منه، بهدف معرفة المزيد عنه، كالوقوف على نقاط ضعفه التي يمكن استغلالها عند الحاجه.
يقوم ضابط المخابرات، ببذل المساعي الحميدة للمساعدة، عند الضرورة، وتحقيق بعض الفرص المادية أو المعنوية للمرشح، كمنحه فرصة عمل (وهمية) لزيادة دخله، أو تأمين بعثة دراسية لولده أو قريبه، إلى غير ذلك من الوسائل التي تجعل مصلحة المرشح في إبقاء العلاقة مع ضابط العملية ومحاولة التودد إليه والتصرف معه من هذا المنطلق في كافة الاتجاهات بعبارة أخرى، لا بد لضابط العملية أن يخلق جسوراً مادية ومصلحية تربط المرشح به حتى يصبح وضع المرشح العام معتمداً بدرجة كبيرة بعلاقته بضابط العملية.
وهكذا، ومع استمرار عملية التطوير، تكثر المعلومات عن المرشح، وتكبر الأسرار وتتعزز الدوافع، وتصبح طريق مفاتحة المرشح ودعوته للعمل السري أمراً في غاية اليسر. وخاصة عندما يكتشف العميل أنه يعمل في إحدى شبكات التجسس لكن “بعد فوات الأوان” وبعد توريطه بطريقة تجعل طريق عودته عما قام به محاطاً بالمخاطرة، بالاضافة إلى ان زماما المبادرة قد انتقل منه إلى ضابط التجنيد، الذي يجيد استغلال ما لديه من نقاط ضعف.
ولان ضابط العملية يعمل من خلال غطاء يحميه، فلا بد أن يتوقع رد فعل المرشح في حال اضطراره للكشف عن غطائه، وإذا كان رد الفعل المتوقع سلبياً، فلا يجوز لضابط العملية نفسه مفاتحة المرشح بالتجنيد، وإنما يتولى طرف ثالث المهمة.
وفي جميع الاحوال، لا بد أن تكون لدى ضابط العملية خطة تمكنه من الالتفاف على الشكوك التي قد تظهر لدى المرشح، أو المحافظة على قواعد الأمن اللازمة. ومن هنا فلا يجوز مفاتحة المرشح بالتجنيد قبل التأكد من تجاوبه لقبول هذه للدعوة “. (شحادة،117:1992 -119)
وفي حال اقتناع الضابط المجند بقبول المرشح للتجنيد يتم الانتقال للمرحلة الثانية:
4- مرحلة تفعيل المجند:
وهي المرحلة التي يبدأ العميل فيها بالعمل بتوجيه من المركز الذي سيخصص لذلك، وأصعب إجراء في هذه المرحلة هو التحويل والاتصال به، وذلك بعد زرعه في البلد المراد التجسس عليه”.(الحسيني،2002: إنترنت)
وتعتمد عملية تفعيل المجند على:
اختيار طريقة العمل:
يُوجد في طريقة العمل التجسسي نظامان هما: نظام الخط الواحد، ونظام الشبكات. وقد اعتمد جهاز الموساد الإسرائيلي، والشاباك هذين النظامين في عملية تفعيل المجند.
أ) نظام الخط الواحد:
يتكون عادةً هذا النظام، من شخصين، هما: ضابط المخابرات والعميل الأساسي، ويربط بينهما تعهد بعمل استخباري نظير ما يتلقاه العميل من مقابل، ويقوم الضابط بتدريبه وإرشاده لمعرفة الأخطاء ونقاط الضعف، وكيفية إقامة وسائل الاتصال..الخ.
وتهتم المخابرات اهتماماً كبيراً بالسيطرة على العميل بوسائل قوية ومستمرة، ومن أهم الوسائل التي تستخدمها المخابرات العالمية، لتثبيت العميل وعدم تراجعه. (الجرم المشهود) -جريمة مثبتة- وهو الذي توافرت كل عناصره، فإذا حاول العميل التحول إلى جهة معادية، أو رفض التعاون يهدد بتقديمه للمحاكمة، وعندئذ لا يكون أمامه من سبيل سوى التجاوب والتعاون. (نميري، 1996، انترنت)
وفي طريقة الخط الواحد تصل التقارير الى منسق العملية عن طريق المقيم الذي يحتفظ بأرشيف كامل لعملاء السفارة وتاريخهم وكل ما يتعلق بعملياتهم، وهنا يتضح الفارق الهام بين عمل الشبكة والخط الواحد، فعملية الخط الواحد لا تحتاج الى اجتماعات، ولا تلفت الانتباه. وإذا تم الكشف عن العملية في أسلوب الخط الواحد فغالباً ما يتم ذلك بعد انتهاء العملية. (مركز أفق، 1998: 27)
أركان عملية التجسس وفق الخط الواحد:
الجاسوس: هوشخص ينتمي للدولة التي تقوم بعملية التجسس، أو يقتنع بايدولوجيتها، ويقوم بالتجسس لصالح دولته في الدولة المعادية، وهو المسئول الميدني عن العملية غالبا في البلد الهدف.
العميل: وهو عماد العملية التجسسية وركنها الرئيسي، وهو الشخص الذي يستطيع الوصول الى الهدف وعلى الأغلب تكون جنسيته مخالفة لجنسية الدولة التي يعمل لحسابها، وم نفس البلد الهدف.
الموظف الرئيس (الضابط المجند): وهو الشخص الذي يجند العميل، ويكون وثيق الصلة به، وهو المسئول عن رفع معنوياته وتشجيعه حتى يبلغ الهدف من تجنيده.
المراسل (رجل الاتصال): هو الشخص الذي يستلم الرسالة من العميل ويسلمها لموظف القسم ثم يعيدها الى العميل بعد تصويرها في حال ضرورة عودة الوثيقة الى مكانها كي لا يفتضح أمر العميل والمراسل معروف من العميل بالنظر فقط.
المقيم: يعتبر من أهم أركان العملية لأنه يمثل الغطاء، وهو بعيد عن ساحة عمل الجاسوس، فإذا كان هدف العملية القاهرة مثلاً نجد (المقيم) في السودان، ونادراً ما يزور مكان العملية أو لا يزورها،ً وله علاقات متميزة فيها. ولا يخالف قوانينها.
ضابط العملية: وهو رئيس العملية والرأس المدير لها، وحافظ أرشيف العملية، وهو جزء من المحطة .
المحطة التجسسية: هي مجموعة أعضاء ينتمون الى الجهاز نفسه ويتواجدون في أماكن مختلفة، ويعملون غالباً تحت غطاء دبلوماسي.
وقد استخدم الأمن الداخلي الإسرائيلي، نظام الخط الواحد في عملية التجنيد، وقد زاد الاعتماد على هذا الأسلوب خلال الانتفاضة الحالية، حيث تركزت عمليات التجنيد بعد قدوم السلطة على هذه الطريقة وهذا الأسلوب في التجنيد، وخاصة بعد تقدم وسائل الاتصال وتطورها، بالإضافة إلى خطورة نظام الشبكات.
ب) طريقة الشبكات:
تتكون شبكات التجسس، دائماً، من عدة عملاء، قد يعرفون بعضهم بعضاً، أو قد لا توجد علاقة بينهم، ويكون لكل شبكة رئيس هو ضابط العملية، ويرتبط هذا الضابط مع شبكته عن طريق إحدى وسائل الاتصال السرية. (نميري، 1996، انترنت)
أركان عملية التجسس وفق نظام الشبكات:
رئيس الشبكة أو ضابط العمليات: وهو شخصية رسمية وغير موجودة في البلد الذي تعمل فيه الشبكة ويكون الاتصال بالشبكة عن طريق مندوبه ومهماته إدارة نشاط وتوجيه هذه المنظمة واستلام المعلومات المختلفة، ثم إرسالها بالشفرة إلى رئاسة الجهاز الذي يعمل فيه، ولديه صندوق تمويل بالشبكة من رواتب ومصروفات خاصة واضطرارية ويحتفظ برموز الشفرة التي يخاطب بها جهازه والشفرة المتعلقة بالشبكة التي يرأسها.
قاطع التيار أو الموصل العازل: هو شخص ليس من جنسية البلد الذي تعمل فيه الشبكة وغالبا ما يكون من جنسية البلد الذي يقيم فيه رئيس الشبكة ومن المهم جداً أن يحوز على الثقة التامة من قبل رئيس الشبكة ومن مهماته أن يستلم من المخبرين بواسطة صندوق البريد أو أعوان الاتصال تقارير يومية وأسبوعية يرسلها لرئيس الشبكة.
صندوق البريد الميت: هو شخص ترد الى بريده التقارير ويسلمها لمن يحضر لاستلامها وغالبا ما يعطي المستلم مفتاح الصندوق ليفرز الرسائل الخاصة به.
صندوق البريد الحي: هو شخص ترد الى بريده التقارير ويسلمها بدوره الى المندوب المنفذ حين ورودها.
عضو الاتصال: وهو عبارة عن المراسل الرئيسي الذي يوصل تعليمات الرئيس الى أفراد الشبكة. ويجب ألا يطلع على هذه التعليمات ولا يعلم جهاز الإرسال ولا مكانه أو من يتصل بهم أو هويتهم.
المخبر (العميل): وهو الذي يجمع المعلومات المطلوبة ويقدمها الى قاطع التيار أو عضو الاتصال دون أن يعرف هويتهما وينحصر عمله في تسليم ما لديه في مكان وزمان يحددان له ويجهل أعضاء الشبكة.
عامل اللاسلكي: وهو شخص مهمته الاتصال اللاسلكي، ويكون من جنسية البلد المقيم فيه، ويكون اتصاله مع رئيس الشبكة فقط ولا يعرف شيئا عن رئيس المنظمة التي تعمل الشبكة لحسابها ولا يعرف أحد موضع الجهاز إلا هو ورئيس الشبكة وعليه إغلاق الجهاز وإعادة قاموس الرموز الى الشبكة. ولكل مخبر رقم، ولكل رئيس شبكة رقم يتم التخاطب بناء عليه. (مركز أفق، 1998: 40)
وقد استخدم رجال الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، نظام الشبكات، ولكن وفق طبيعة وظروف العمل داخل المناطق المحتلة. وقد كان هذا الأسلوب هو الشائع في عملية ربط وتجنيد، وممارسة السلوك والنشاط التجسسي، وذلك قبل قدوم السلطة، ولكن تقلص هذا الأسلوب نظرا للمخاطر التي أصبحت تحفه من كل جانب، خاصة بعد دخول السلطة للمناطق الفلسطينية. وتعزز بدلاً منه نظام الخط الواحد، الذي أصبح هو الشكل المعتمد حالياً.
مهارات المجند في عملية تفعيل العميل: وهي تتمثل في عدة أمور لا بد منها :
أ) القدرة على الإدارة والتحكم في نشاط العميل:
الإدارة فن قديم متجدد، تختلف عناصرها باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والثقافة والنوايا والتطلعات التي تحكم طرفي المعادلة، أما وقد ترعرعت نبتة المرشح للتجنيد وأصبحت تدعى بالعميل فلابد من إحاطتها بكل الرعاية التي تحفظ لها حياتها وترعرعها وبالتالي جني ثمارها.
ب) اختبار العميل بشكل متواصل:
اختبار مصداقية وولاء العميل بشكل متواصل يتم عبر التجربة المباشرة، وفحص المعلومات، والمراقبة عبر عميل أخر، والاعتقال الوهمي، جهاز الكذب، وغير ذلك من الأساليب.
إن العمل السري لا يثق بالاشخاص، كما انه لا يثق بالأشياء، فلابد من إزالة الشك باليقين، ولابد من الاستمرار بالشك لضمان استمرار اليقين، في كل ما يتعلق بالعمليات السرية، ومن هنا لابد من وضع العميل تحت التجربة، منذ أيامه الأولى في العمل، وتتم تجربته بين حين وآخر للتأكد من سلامة توجهه وإخلاصه للعمل،ويكون ذلك عن طريق تكليفه بمهام معينة، يعرف الجهاز سلفاً المعلومات المطلوبة عنها، كما تجري مراقبة العميل بين حين وآخر لنفس الغرض وبطبيعة الحال فان العميل لا يعرف بأنه موضع شك، ولا يجوز إشعاره بذلك، وتشمل التجربة معرفة مدى تغلغله في الهدف والدقة التي يستطيع ممارستها في نقل الوقائع، وقدرته على التعبير والكتابة والاتصال، والمتابعة، والحماس للعمل. بالإضافة الى كافة العناصر التي تشكل تقرير التقييم للتأكد من محتوياته وإعادة صياغته بوضع أدق واشمل. وضابط العملية لا يتوقف أبداً عن تقييم عميله والبحث دائماً عن مؤهلات جديدة في شخصيته. (شحادة،1992: 134)
ج) تدريب العميل: (تطوير قدراته ومهاراته وادائه)
بعد السيطرة الكاملة على العميل، ينال قسطاً من التدريب مثلاً على كيفية الاتصال، واستخدام اللاسلكي، والشيفرة، والكتابة بالحبر السري… إلخ. وبعد أن يصبح على درجة يمكن أن يعتمد عليها يرسل ليقوم بزيارة البلد الذي سيعمل فيه أكثر من مرة زيارات سياحية بأي شكل أو صفة وعلى فترات. ولا يكتفون بتعليم المادة النظرية للعملاء، بل ويهتمون بالناحية العملية، كالدروس بواسطة أفلام الفيديو وأشرطة تسجيلات. ويتعلمون بطريقة عملية كيف يتعقبون الأفراد، وكيف يستفيدون ذلك، وعمليات تغيير الهيئة العامة للشخص، والتنكير في أقصر وقت ممكن. وهم يتعلمون كيف يختطفون البشر، وعميلة التحقيق معهم، وقتلهم وإخفاء أثارهم وهم يتدربون على السلاح، وحماية أنفسهم، وأشياء أخرى ضرورية للمتعاون أن يلم بها. لتنفيذ المهام الموكلة إليه.ومع إنهاء التعلم يوكل اليهم تعليم متعاونين جدد. (بتسيلم،1993: 34)
وتبدأ هذه المرحلة بعد تدريب العميل، أو قد تتزامن معها، كما تقرره ظروف الخطة، ويتم التدريب في بيوت خاصة (بيوت أمن) محلية أو خارجية يضطر العميل للسفر إليها، وهنا، على ضابط العملية أن يجد القصة الغطائية التي تبرر غياب وسفر العميل، أما مواضيع التدريب فتختلف باختلاف العملاء والمهام المطلوبة منهم.
وهناك تدريب خاص أيضاً بحسب المهمة والهدف على استخدام بعض الوسائل الفنية، والجميع يشترك في التدريب على أنظمة الأمن المتبعة، والمفاهيم العامة والأساسية للعمل السري، وأنظمة الاتصال، وتقارير الاكتشاف، وتقارير العمليات، والملاحظة، وكل ما من شانه خلق الحس الاستخباري أو العقلية الاستخبارية. وهكذا يتم تدريب العميل وتزويده بالخبرة التي تمكنه من القيام بمهماته دون منحه خبرة لا يحتاجها عملياً بالنسبة لوضعه في الجهاز.
وعلى سبيل المثال قام ضباط جهاز الموساد الاسرائيلي بتدريب العميلة (أمينة المفتي) التي كلفت بالتجسس على منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت. فأقاموا لها دورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعة أيام في شقتها بفيينا، تعلمت أثناءها أساليب التجسس المختلفة من تصوير، وتشفير، وتلقط الأخبار، وكيفية الالتزام بالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة. وعلى كيفية تحميض الأفلام، والهرب من المراقبة، واستخدام المسدس. واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقوية الذاكرة، وتخزين المعلومات والأرقام دون نسيانها. فكانوا يعرضون عليها مشهداً من فيلم سينمائي، ويطلبون منها الإجابة. وغادرت فيينا الى بيروت هذه المرة . لا للبحث عن زوجها، وإنما للانتقام له، مهمتها المحددة تقصي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية، ورجال المقاومة الذين يؤرقون أمن إسرائيل،. والتحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة، والطرق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى الأرض المحتلة، والتغلغل داخلهم لمعرفة أعداد الفدائيين، وتدريبهم، وتسليحهم. ومدى مهارتهم في التخفي والمناورة، ومخازن الأسلحة والإعاشة. (المفتي،2003: الانترنت)
وكذلك قامت عميلة الموساد (زهرة) بتدريب العميل المصري (عماد) في شبكة (عزام عزام) التجسسية حول كتابة التقارير، وكيفية أخفاؤها. وتمكنت من تعليمه في يومين اثنين فقط كيفية كتابة الرسائل بالشفرة من الكتاب المقدس بحيث يتم تجميع العبارات بأشكال مختلفة بطريقة حسابية وقام عماد بالفعل بعدة محاولات أثناء تدريبه وصفها بنفسه بأنها كانت ناجحة وكانت الطريقة الحسابية مدونة في كتيب صغير رفضت زهرة منحه لعماد بدعوى أن ماهر سيمنحه آخر. (قديح ،2002: الانترنت)
د) فن معاملة العميل: (تعزيزة مادياً ومعنوياً)
الغاية القصوى من معاملة العميل، تكمن في دفعه للعمل والإنتاج ضمن حدود الأمن والسيطرة الكاملة عليه، وفي توجيه دوافعه وربطه نهائياً بمصير الجهاز الاستخباري الذي يرتبط به، وتطوير كفاءته ودفعه لاحتلال المراكز المتقدمة في الهدف، ودعمه بالمقومات التي تحافظ على ذلك. ومن هذا المنطلق، يجري معاملة العميل كصديق لضابط العملية، أو يتم معاملته بحزم وقوة.
ففي الطريقة الأولى يسعى ضابط العملية ليتعامل مع العميل على قدم المساواة وباحترام متبادل واهتمام بشؤونه العائلية والخاصة حتى تنشا بينهما علاقة ود وثقة كاملة تدفع العميل لمزيد من الإخلاص والعطاء، ولكنها قد تخلق نوعاً من التراخي في تنفيذ المهام والتقيد الكامل بالتعليمات نظراً لطبيعة العلاقة هذه، إلا أنها ضمانة لتطوير دوافع العميل للارتباط اكثر بالعمل السري، ويمكن معالجة السلبيات التي قد تنشأ عن هذه المعاملة بالتركيز على التدريب، ومتابعة ضابط العملية للعمل كقدوة للعميل في تصرفاته وإجراءاته.
أما الطريقة الأخرى فتتلخص في آلية التعامل بالصرامة وعدم التساهل، وقد تدفع العميل للتقيد تماماً بتعليمات المهمة، ولكن لا يستطيع أحد أن يتكهن كيف ومتى سيتحول العميل إلى عميل مزدوج أو الى عدو يسعى للقضاء على من ارتبط به بسببها. إلا أن شخصية العميل، وأوضاعه المختلفة وظروف تجنيده والمهام المطلوبة منه هي التي تفرض بالنهاية طريقة التعامل معه. (شحادة،1992: 138)
هـ) الاهتمام بمعنوية العميل:
من أهم واجبات ضابط العملية في علاقته مع العميل أن يخلق فيه الشعور بالقوة والسعادة عن طريق تطوير دوافعه والاهتمام به كصديق، والبحث في مشاكله الشخصية ومحاولة مساعدته لتجاوزها، وإعطائه فرصة التعبير عن ذاته، وفرصة الاعتزاز بخبرته وأهميته عن طريق استشارته في بعض شؤون العمل أو أموره الخاصة، وتقديم الهدايا في مناسباته الشخصية كالزواج وأعياد الميلاد، مع الاعتبار بعناصر السيطرة الإدارية والعملية والأمن. أما إذا أحس ضابط العملية بان معنويات عميله أصبحت ضعيفة وانه يعاني من التوتر أو عدم الاستقرار، فان ذلك يشير الى تغير ما في وضعه العملي أو دوافعه أو أوضاعه الداخلية، وعلى أي حال فالواجب يقتضي معرفة الأسباب وراء ذلك التغيير مباشرة من العميل ورصد نشاطاته للوقوف على أسرار ذلك التحول، فقد يحاول العميل ابتزاز ضابط العملية والحصول على منافع من خلال مشاكل وهمية.
و) إصدار التعليمات للعميل:
يحدد ضابط العملية المهام المطلوب تنفيذها من قبل العميل، والتي يجب أن تتناسب مع إمكاناته الشخصية والعملية وانه قادر على تحقيقها مع الأخذ بعين الاعتبار مدى اتصاله بالهدف، وتوفير الإمكانات المساعدة للتنفيذ لو تطلبت المهمة ذلك.
ولابد أن يكون العميل في وضع صحي ونفسي بحيث يستطيع استيعاب المهمة وينفذها، ويتم كذلك اختيار الزمان والمكان المناسبين لعناصر الأمن. وتصدر التعليمات بشكل واضح ومحدد، ويتأكد ضابط العملية من أن العميل قد استوعب تماماً عناصر المهمة، ويلاحظ ردود الفعل الصادرة عنه، ويجيب على كافة التساؤلات التي يثيرها العميل في الأمور التي تتعلق بالمهمة بالقدر الذي يسمح للعميل الاطلاع عليه، حيث يمكن أن تتطلب بعض المهام استغلال العميل دون وعي بها.
ز) عملية تلقي المعلومات من العميل:
الأصل أن يتقدم العميل بتقرير خاص عن المهمة يحدد فيه الإجراءات التي قام بها والنتائج التي حققها، وفق المتطلبات الأساسية للكتابة، وفي حال توفر خطة للمقابلات الشخصية، فعلى ضابط العملية أن يبدأ بالحديث في أمور تتعلق بأحوال العميل الشخصية، ثم يترك له المجال ليتحدث عن مهمته بالتفصيل دون أي مقاطعة حتى ينهي ما عنده، ثم يبدأ بسؤاله عن النواقص التي غفل عن ذكرها، ومناقشته في دقة المعلومات وكمالها ومصادرها، واستغلال ذلك في توجيهه وتدريبه وتزويده ببعض الوسائل التي تزيد كفاءته.في الأحوال التي تسمح ظروف الأمن باللقاءات الشخصية.
(شحادة، 124:1992)
ح) السـيطرة عل العميل:
“تكون السيطرة على العميل السمة الظاهرة في التعامل معه، في كل الظروف، فهو الذي يتلقى التعليمات وهو الذي ينفذها، وهو الذي يحاسب على التقصير ويكافىء عند النجاح، وقد تكون السيطرة ظاهرة واضحة بحسب شخصية العميل وشخصية ضابط العملية، ويمكن ترجمة هذه العلاقة في كيفية التصرف بين الضابط وعميله وردود فعل الأخير تجاه تنفيذ المهام، ومن مظاهر السيطرة، القيادة والمبادرة، فالضابط هو الذي يحدد المهام، وهو الذي يعين الزمان ويعين المكان، وهو صاحب القول الفصل وهذا يتطلب من الضابط أن يكون اكثر دراية وخبرة وثقافة من العميل وإلا تنقلب الصورة ويصبح العميل في مركز القوة والقيادة، وعندها على ضابط التجنيد أن يتنحى عن إدارة العميل، ويتولى ضابط ميداني المهمة بدلا عنه، وقد تكون السيطرة بشكل غير مباشر، عندما يكون مركز العميل كبيراً في الدولة أو هناك فرق كبير في العمر، وفي هذه الحال يستخدم الضابط فنه في عرض المهمة وكأنها محاولة للاتفاق على ما يجب عمله، فيحس العميل بأنه هو صاحب الفكرة. ولأن العلاقة تكون حميمة بين الطرفين، فان التوصل عن طريق عرض احتمالات موقف معين ومناقشتها وترجيح إحداها بالتالي (وهو المهمة) يظهر ضابط العملية وكأنه هو المتلقي وليس الملقي للتعليمات، ومن مظاهر السيطرة، التلويح بالمواقف الصعبة وان الحل يكمن باتخاذ موقف معين.
ومن ناحية أخرى فكلما أوغل العميل في العمل، أصبح في وضع لا يستطيع أن يقول “لا” ومن المهم أن تكون السيطرة فاعلة ولكن غير ظاهرة للمحافظة على معنوية العميل وإخلاصه للجهاز”.(شحادة،127:1992 -128)
ط) التقييم البعدي للعميل:
وتتم عملية التقييم لنشاط العميل وفق الاعتبارات التالية:
– تقييم يقرر نفع العميل: وهذا التقييم يوصي بالاستمرار في استخدام العميل، بل وتوثيق العلاقة معه.
– تقييم يقرر عدم النفع العميل: وهذا التقييم يؤدي إما لعملية تنشيط وتفعيل العميل بشكل اكثر نجاعة، عبر التدريب، والتعزيز لسلوكه ونشاطه، إذا لم يوجد له بديل مناسب. أو تحذيره وتنبيهه من جراء النشاط غير المنتج الذي يمارسه.
– تقييم يقرر عدم قيمة العميل: ويتخذ ضد العميل في هذه الحالة، أحد الأمور الآتية: (التخلص، الاستغناء، التجميد، الفصل النهائي، الإنهاء)
– تقييم يقرر سلبية العميل: وهذا التقييم يتطلب اتخاذ أحد الإجراءات الآتية: أن يتم الفصل النهائي للعميل، أو الحرق له، أو التخلص منه، حتى لو تصفيته جسدياً.
ي) الإتصال بين الضابط المجند والعميل:
هي الوسائل والاساليب التي يستخدمها الجهاز لتأمين ونقل الموارد والمعلومات والأشخاص بين أطراف (الجهاز)، بحيث تخفي طبيعة النشاط القائم، وتحافظ على سريته، بعدا عن مجال المخابرات الدفاعية.
ووسيلة الاتصال تعتبر عاملا مهما جداً في طبيعة العمل التجسسي مع الأعداء. وذلك من أجل نقل المعلومات التي يحصل عليها العميل لضابطه المجند، أو يتم عبرها إرشاده وتوجيهه، أو يقوم بتكليفه بإحدى المهام المطلوبة منه. وعملية الإتصال بين ضابط التجنيد والعميل تتم بأحدى الطرق التالية:
1- وسائل اتصال تقليدية مباشرة:
المقابلات وجهاً لوجه بين العميل والمجند:
المقابلة تعتبر طريقة قابلة للاستعمال عندما يكون هناك احتياج مهم، كتسليم معلومات تحتاج للمناقشة. وهذه اللقاءات تكون في مناسبات عدة، وفي أماكن متفرقة، ولا تكون في أماكن محددة وثابته، وذلك للمحافظة على سرية اللقاءات، ولتشتيت عميلة المراقبه.
ويعد اللقاء بين العميل والمجند مباشرة من الجوانب الأكثر أهمية في العمل التجسسي، وتحرص أجهزة الأمن الإسرائيلية على عدم كشف اسماء ضباطها للمجندين أنفسهم. والتعامل بأسماء وهمية فقط.
أماكن الإلتقاء المباشر:
تتم المقابلات بين الضابط المجند، وبين العميل، في المكان والزمان اللذان يحدهما الضابط المجند. ولكن تبين من خلال الواقع التجسسي في فلسطين، بأن أهم أماكن الإلتقاء بين العميل وضابط المخابرات المجند هي:
– في داخل الخط الأخضر: يطلب من العميل أن يقوم بعمل تصريح عمل أو زيارة أو علاج لإسرائيل، وهناك عبرهذا الغطاء يقوم بمقابلة ضابط المخابرات.
– من خلال المعابر وموانيء السفر: وخاصة المواقع التي تربط ما بين اسرائيل والمناطق المحتلة.
– داخل المستوطنات الإسرائيلية: حيث يقوم ضابط المخابرات في بعض الأحيان باستخدام بعض المستوطنات للالتقاء مع العميل، ولكن خفف من ذلك في الآونة الأخيرة بعد إلقاء القبض على عدد من العملاء.
ولقد كانت تتم عملية المقابلة في السابق –قبل قدوم السلطة- في داخل أحد الموسسات الأمنية، أو العسكرية، أو المدنية، التابعة للعدو الإسرائيلي.مثل (الإدارة المدنية، ودوائر الحكم العسكري، ومراكز الشرطة، ومواقع الجيش، ومراكز الأمن)
– نقاط التفتيش والحواجز: وفي حالة الضرورة أيضاً يلجأ ضابط المخابرات إلى عملية استدعاء واستجواب لعدد من المسافرين على الطرقات، وذلك من أجل اتمام عملية اللقاء مع العميل.
– الاعتقال المفاجيء: أحياناً للضرورة الملحة للقاء بين العميل وضابط التجنيد، يتم اعتقال العميل في وضح النهار، وبذلك يحقق الضابط هدفين الاتصال بالعميل مباشرة، والثاني أعطاء للعميل وجه وطني من خلال اعتقاله.
– الاستدعاء المبرر لضابط المخابرات: يقومون بإرسال تبليغ للعميل يتم فيه تقرير موعد اللقاء بين العميل وبين الضابط المجند. وعندما يُسأل أحد المتعاون لماذا ذهب لمقابلة رجل المخابرات، يقول أنه ذهب مثلاً لقبض تعويضات عن العمل أو أي كذبة أخرى، أو وسيلة أخرى مضلله. (بتسيلم،1993: 35)
– اقتحام البيت: تقوم قوات الأمن والجيش تذهب في وضح النهار ويقتحمون بيت أحد المتعاونين ويجرون هناك تفتيشاً ويقومون بأخذ هويته الشخصية ويقومون بضربه وتوبيخه لغاية أن يكون هو عبارة عن بطل قومي في أعين جيرانه.
– عبر مكاتب العمل وغيرها: وقد قامت اجهزة الأمن الإسرائيلية بالالتقاء مع المتعاونين كذلك أثناء تقديمهم طلب تصريح سفر أو تصريح عمل أو تصريح جمع شمل عائلات، أو أي طلبات أخرى، من شأنها اجبار الشخص على الذهاب للمقابلة.
إجراءات الالتقاء المباشر بين العميل والضابط المجند:
وفي اللقاء كذلك يتم إلتقاط العميل عبر الحواجز العسكرية، أو مداخل المستوطنات بكلمة سر يكون متعارف عليها، ويتم نقله بوسيلة نقل خاصة، إلى مكان الالتقاء داخل المستوطنة، أو داخل الخط الأخضر، وذلك بالإيعاز له بالخروج في اليوم المحدد للقاء مع حركة العمال غالباً حتى لا يثير دخوله الشبهة. وهناك يتم تفتيشه بشكل أولي، ثم يعاد تفتيشه بعد ذلك بشكل دقيق قبل دخوله إلى مواقع اللقاء، ويتم تغطية العميل بقطعة قماش سوداء، من قبل الجنود الإسرائيليين المتواجدين في نفس المكان، حتى لا يتعرف العميل نفسه على المكان الذي سوف ينقل إليه لمقابلة ضابط المخابرات.
وتوجد عدة إجراءات تؤخذ بعين الاعتبار عند لقاء الضابط المجند بالعميل وهي:
– أن الضباط المجندينمن رجال المخابرات الاسرائيلية لا يثقون بالعملاء لأنهم يخونون شعبهم، وبالتالي لديهم قابلية لخيانتهم..
– أن يتم تحديد موعد اللقاء مع العملاء في نهاية آخر لقاء أو يتم عبر الاتصال تلفونياً أو عبر رسالة بالإنترنت أو عبر جهاز الاستقبال المزود به العميل.
– أن تأخذ المخابرات بعين الاعتبار عند تحديد اللقاء أمن العميل، وأمن ضابط المخابرات، وأمن القوات التي تقوم بالتقاط العميل ونقله للقاء ضابط الشاباك.
الاعتبارات التي يجب الانتباه لها أثناء عملية المقابله:
– حالة الجو يجب أن يكون اليوم غير قمري وجو معتم.
– يطلب من العميل ارتداء ملابس داكنة اللون.
– يجب أن يوفر العميل غطاء يبرر سبب تواجده بالمكان.
– قوم وحدة حماية الطرق بإجراء مسح للمنطقة التي سيتم التقاط العميل منها.
– يتم الاتفاق مع العميل انه في حالة إصدار إشارات ضوئية محددة، عليه مغادرة المكان بسبب وجود خطر عليه، أو أن القوات الخاصة ستقوم بنقله من المكان.
وعند استمرار الوضع الطبيعي، وتنفيذ الإجراءات والتأكد من سلامتها يتم التالي:
– يتوجه العميل صوب المستوطنة أو مكان اللقاء ويتم ذلك ليلاً.
– عند وصوله للنقطة المحددة يكون على اتصال تلفوني مع ضابط التشغيل ويعطيه أوصافه وملابسه فيظهر له الجنود الذين يقومون بتفتيشه بدقة، وبعد ذلك يلبس بزة عسكريه، ثم ينقل لوحدة خاصة لنقل العملاء تابعة للشاباك، ويتم وضعه بسيارة مغطاة بالستائر من كافة جوانبها، كما تفصل بين السائق والركاب، حتى لا يعرف الطريق.
– يطلب من العميل الانبطاح على الأرض.
– يتم تغطية العميل بغطاء عند الوصول إلى مكان اللقاء حيث يتم إخراجه من السيارة وهو مغطى الرأس وإدخاله إلى مكان اللقاء وقبل جلوسه مع ضابط المخابرات يتم تفتيشه مرة أخرى يدوياً أو بجهاز الإكس تيرن.
– يتواجد في مكان اللقاء جنود، لحماية ضابط المخابرات.
– في بداية اللقاء يبين ضابط الشاباك لعميل أن هذه إجراءات كانت لحمايته.
– يتم عرض العميل على جهاز فحص الكذب بعد فترة من عمله.
– تجري المخابرات الإسرائيلية تحرياً حول العميل عبر عملاء آخرين بشكل دائم.
(مركز أفق، 2001: 33)
ويقول العميل: (حيدر محمود حسين غانم) 39 عاما، مخيم رفح، كنت التقي مع ضابط الارتباط تقريبا مرة كل شهر، وكنت اثناء المقابلة اخضع للتفتيش قبل مقابلة الجنود بشكل مهين، وخضعت لجهاز كشف الكذب ثلاث مرات، وفي احدى المرات التقيت بالضابط على الحدود. (جريدة القدس، 2003)
2- وسائل اتصال تقليدية غير مباشرة:
أ ) النقطة الميتة: هي إحدى وسائل الاتصالات الخفية وبموجبها يستطيع أحد أفراد الجهاز (إخفاء) مادة استخبارية في مكان ما في وقت محدد ليقوم فرد آخر بالتقاط تلك المادة من نفس المكان بموجب خطة معدة سلفا، ويمكن أن تكون النقطة مكانا ثابتاً أو متحركا، ولكن سهل الوصول اليها.
ويقول (يعقوب بري) لم يتلق أحياناً العملاء تعليمات مباشرة بل عن طريق ما يعرف ” بالنقطة الميتة ” وهي مكان ما توضع أو تدفن فيها الخطابات أو الوسائل القتالية وذلك للمستهدف دون أي اتصال مباشر.(بري،1999: 220)
ومن شروط النقطة الميتة:
– أن تكون مكانا وليس شخصاً.
– أن يكون من طبيعة المكان أو الشيء السماح بإخفاء المادة السرية لفترة معقولة
– أن يتمكن الفرد من التقاط المادة الموضوعة بها بسهولة.
– أن يكون هذا المكان بمتناول كلا الطرفين، بحيث يكون لديهما إمكانية الوصول إليه بسرعة مقبولة ومعقولة، و يكون متناسبا مع سائر الطرفين.
– أن لا يحتمل كشفها بواسطة رجل الأمن الآخر بسهولة.
– أن يكون هذا المكان محمي من التغيرات الطبيعية.
– أن يكون هناك اتفاق مسبق على النقطة والزمن للشحن والتفريغ بين الطرفين.
(مركز أفق، 1998: 43)
3-وسائل إتصال غير تقليدية مباشرة:
– عبر الرسول: هو العميل الذي يقوم بمهمة نقل المواد والمعلومات بين طرفي الجهاز وفي بعض الحالات لا يكون الرسول(عميلا) عندما ينقل المعلومات والمواد دون ادراك حقيقي منه عن طبيعة العم الذي يقوم به.
– عبر جهاز التلفون (عمومي): ويتم إعطاء المجند (ضابط المخابرات) للعميل بطاقة هاتف، بغرض الاتصال من خلالها به.
– جهاز الخلوي (البلفون): ويكون هذا الجهاز غالباً من نوع “سلكوم” في الغالب -(باعتبار أن المدير العام لهذه الشركة هو “يعقوب بري” رئيس الشاباك السابق)- ويتم شراؤه من قبل المجند على نفقة جهاز المخابرات الإسرائيلي، واختيار السلكوم أو التليفون العمومي جاء لعدم القدرة على التنصت على المحادثة كما أن طبيعة الحديث الذي يدور عبر جهازي البليفون أو التليفون العمومي بين ضابط المخابرات والعميل لا يتعدى التنسيق للتأكيد على موعد ومكان اللقاء بينهما.(مركز أفق، 2001: 23)
ويقول العميل (ع.ن) انه خلال السنوات المذكورة كان يلتقي مع رجل المخابرات في مستوطنة “غوش قطيف” جنوب غزة، وأحيانا في مستوطنة “كفار داروم”. وما بين تلك اللقاءات، تتم بعض الاتصالات الهاتفية بالضابط بواسطة الهاتف الخلوي “البلفون”.
وقد قامت المخابرات بتزويده بجهازين لنقل المعلومات الأول عبارة عن جهاز “راديو ومسجل” بداخله جهاز لنقل الصوت لاسلكيا، والجهاز الثاني عبارة عن أباجورة كهربائية لها قاعدة خشبية ثمانية الشكل تخفي داخل زواياها جهاز لنقل الرسائل المسجلة موضحا انه خضع لتدريب مكثف من المخابرات الإسرائيلية على استخدام الجهازين المذكورين.(جريدة الأيام،2002)
4- وسائل اتصال غير تقليدية وغير مباشرة:
– الإتصال بالوسائل التقنيه الحديثه: يقول العميل (حيدر غانم) من مخيم رفح كان الاتصال يتم عبر الهاتف النقال، او عبر الهاتف الثابت. وتغيرت طريقة الاتصال المباشر، بالاتصال عبر الانترنت -بالاضافة الى الاتصال المباشر عبر الخلوي- واعطوني ديسكا خاصا للاتصال ايضا. (جريدة القدس، 2003)
ك) عملية تمويل ودعم العميل:
– التمويل: يتم تحديد راتب شهري للعميل ويدفع إما نقدا أو من خلال حساب خاص باسمه في أحد المصارف، ويشترط على العميل ألا تكون رواتبه سببا في الارتياب بعلاقاته، وبالتالي عليه ألا يتصرف ماديا بشكل يثير تساؤلات المحيط الذي يعيش فيه، ويطلب في الغالب من العميل التوقيع على وصولات استلام الراتب -كوسيلة ضغط مستمرة- ويمكن في حالات معينة صرف مكافآت خاصة أو تقديم هدايا ومساعدات. (شحادة،1992: 127)
وقد كانت أجهزة الأمن الاسرائيلية تتبع عدة طرق في تمويل العميل، حيث كانت في السابق تتم هذه العمليه عبر عملاء مباشرة، أو عبر ضابط التجنيد بشكل مباشر أيضاً، ولكن بعد قدوم السلطة، أصبح الأسلوب الشائع هو وضع التمويل في علبة كولا أو عصير، ثم تدفن في مكان ما يسهل الوصول إليه من قبل العميل المقصود. ولكن تطور الأمر فأصبح يتم التمويل عن طريق البنوك، أو أماكن الصرافه، وكأن هذا المبلغ كان من طرف خارجي.
يقول العميل: (حيدر محمود حسين غانم) كانوا –المخابرات الاسرائيليه- كل 3-4 شهور يرسلون لي مبلغا من المال. وكنت اتقاضى مبلغ 1500 شيكل شهريا، قبل الانتفاضة، وخلال الانتفاضة ارتفع المبلغ بشكل كبير. كما أن حجم الطلبات التي كانوا يطلبونها مني قد زادت لثقتهم بعد أن اجروا لي ثلاثة اختبارات على جهاز كشف الكذب ونجحت فيها. وبداوا يرسلون لي اوامر الى عملاء اخرين يعملون معهم، ارسلها عبر الانترنت، او اقوم بوضعها في علب كبريت او صناديق دخان في نقاط معينة واماكن هادئة نسبيا في رفح وغزة، ويتسلمها العملاء. ثم اصبحوا يرسلون اموالا ضخمة لتسليمها للعملاء بنفس الطريقة ايضا، وفي احدى المرات تسلمت (5) الاف دولار، و(10) الاف شيكل جزء منها لي، والبقية توزع على العملاء الذين لا اعرفهم، واخر مبلغ تسلمته كان (7000) دولار. (جريدة القدس، 2003)
ويقول العميل (ع. ن) إن أخر راتب تلقاه من المخابرات الإسرائيلية بلغت قيمته ثلاثة آلاف شيكل، وجرى تسليمه له أثناء قيام أحد جنود الاحتلال بإيقاف سيارة أجرة كانت تقله وآخرين، حيث افتعل الجندي إجراء التدقيق في بطاقات هوية الركاب، وقام أثناء ذلك بوضع المبلغ له في بطاقة هويته وكأن شيئا لم يكن. (جريدة الأيام،2002)
الدعم: بالاضافة للمرتب الذي يصرف العميل، تلجأ الأجهزة الاستخبارية أحياناً إلى دعم عملائها ماديا ومعنويا، لتصنع منه قوة مستمرة متطورة مؤثرة ليكون المردود بحجم التوقعات. ويبدأ الخط الأول في الدعم عن طريق تطوير إمكاناته الاستخبارية وبناء العقلية الاستخبارية لديه، ويكون الخط الثاني في بناء معنويته الشخصية وارتباط مصيره بإخلاصه للجهاز، وأخيرا عن طريق تنفيذه للمهام المطلوبة وقدراته على التخطيط والرؤية البعيدة. ويتم كل ذلك من منطلقات السيطرة التامة عليه باستمرار، من خلال جمع المعلومات عنه، وخصوصا فيما يتعلق بأخطائه، ونقاط الضعف عنده، ووضعه الأمني، وكل ما يمكن أن يؤثر على توجيه دوافعه.(شحادة،1992: 130)
ل) إنـهاء خـدمة العميل:
تقوم الأجهزة الاستخبارية احيانا بانهاء خدمة عملائها عندما تنتهي المهمة التي تم تجنيدهم من أجلها، أو يفقد العميل اتصاله بالهدف الذي يحصل منه على الأسرار، أو يتعرض لمشاكل تفقده الاستقرار والثقة أو يخون الجهاز أو ينكشف أمره للخصم، وقد يكون للسن والأحوال الصحية وظهور بعض نقاط الضعف من ناحية أمنية، مبررات لاتخاذ قرار إنهاء الخدمةويفضل تجميد نشاط العميل فترة من الوقت قبل إبلاغه قرار ا لفصل، كما يستحسن إنهاء الخدمة بطريقة ودية مبررة وأن يدفع له تعويض نهاية الخدمة، ويسلم ما بعهدته من أجهزة وينظم ضبط مخالصة يوقع عليه العميل ويحفظ لدى الجهاز. قبل إصدار قرار إنهاء الخدمة يحدد الجهاز طبيعة المعلومات التي يحتفظ بها العميل عن الجهاز ونشاطاته وأشخاصه..الخ والمخاطر التي يمكن أن تلحق بالجهاز في حال إفشائها، وهنا قد يقرر الجهاز إبقاء العميل في الخدمة مع تجميد نشاطه الى فترة من الوقت حتى تصبح معلوماته غير مجدية، أو يقرر نقله للسكن في منطقة بعيدة ويتعهد بنفقاته وإيجاد عمل بديل له، وقد يفكر بالتخلص منه مادياً إذا كان وجوده يشكل خطراً حقيقياً على نشاط الجهاز، حتى بالنسبة لإنهاء خدمات ضباط العمليات (العملاء الرئيسيين) فان الأجهزة تعمل ما وسعها لضمان إبقاء ولائهم للجهاز، وعدم الكشف عن نشاطاتهم عن طريق نشر مذكراتهم، وقد تشجعهم على كتابة مذكراتهم (ببدل كبير) شريطة الاحتفاظ بها في أرشيف الجهاز لا غير. أما إذا وجد الجهاز أن العميل لم يعد الشخصية المناسبة لتنفيذ المهام لسبب من الأسباب، أو انه استهلك، ولابد من البحث عن البديل، فتبدأ عملية الحرق برفع الدعم، وخلق الضغوط المادية والمعنوية، أو دفعه للقيام بمهمة يقوم الجهاز بكشفها لتعريته وحرقه. (شحادة،128:1992)

الفصل الرابع

القسم الأول: وسائل وأساليب التجسس والتعامل :
يعتبر الاحتلال العامل الرئيس وراء ظاهرة التعامل، حيث لجأت سلطات الاحتلال لشتى الوسائل لتجنيد العملاء مثل الإجبار، والإكراه، والإغراء، وتعد هذه الامور محظورة حسب القوانين والمعايير الدولية، لذا فإن هذه السلطات تخرق تلك القوانين عند لجوئها لمثل تلك الوسائل.(زيداني،2001: 53)
ومعظم الأساليب والوسائل التي يستخدمها العدو أو المحتل في عمليات التجنيد متشابهة رغم وجود فرق بين تلك الأساليب والوسائل من بلد إلى آخر، وهناك بلا شك شبه إجماع على أن أهم الوسائل التي يتم من خلالها ربط وإسقاط العملاء هي: ” المال والجنس والعاطفة والمصلحة والابتزاز”، إلا أن هناك فوارق في إعطاء الوسيلة الدرجة الأولى في سلم الأولويات من بلد إلى آخر، فمثلاً في بلد مفتوح كأمريكا شكل المال، والعقيدة الوسيلتين الأهم في ربط العملاء، في حين شكل الجنس والمال الوسيلتين الأهم في الربط للتعامل بالنسبة للعرب. (الجزائري،1991، 342)
وقد أعتبر (يهودا جيل) أحد الضباط البارزين في جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)، في محاضرة له عن وسائل التجنيد، بأن وسائل التجنيد ثلاث، فقال: بأنه توجد ثلاث صنابير رئيسية للتجنيد وهي: المال أو الحاجة المادية، العاطفة سواء كانت الأيديولوجية أو الانتقام، الجنس والملذات الشخصية. (Osrousky, Hoy. 1990:83)
وتتم في الغالب عمليات ربط العملاء وتجنيدهم للعدو، بأسلوبين بشكل عام هما: أسلوب الترغيبً، أو أسلوب الترهيب. بالاضافة لبعض الأساليب الأخرى أحياناً.
أسلوب الترغيب: وذلك عن طريق الوعود والاغراءات، التي تعرض على العملاء أو تمنح لهم، من قبل ضباط المخابرات الإسرائيلية، كالتودد لهم والاهتمام بهم والهدايا في المناسبات، وبذل المساعي للمساعدة عند الضرورة، وتحقيق بعض الفرص المادية أو المعنوية للمرشح، كمنحة فرصة عمل، أو تأمين بعثة دراسية له، إلى غير ذلك من الوسائل التي تجعل مصلحة المرشح في إبقاء العلاقة مع مجندة والتقرب منه. أي بعبارة أخرى لا بد للضابط المجند أن يخلق جسوراً مادية ومصلحة تربط العميل به دوماً، حتى يصبح وضعه العام معتمداً عليه إلى درجة كبيرة.
أسلوب الترهيب: وهناك نوعية من الأفراد لا تسمح شخصياتهم، بالتجاوب مع الأجهزة الاستخبارية، وهنا لا بد من استغلال أسلوب الترهيب لإجبارهم للقبول بالعمل، تحت طائلة التهديد، أوالفضائح والابتزاز.
أهم أساليب تجنيد العملاء:
ومن أشهر الأساليب، التي تستخدم في تجنيد العملاء، خاصه في فلسطين النقاط الآتية:
-استغلال الوضع المادي والمعيشي، والحاجات لدى الأفراد.
-استغلال الجوانب العاطفية، كالإيمان بمبدأ معين، أو الحقد الشخصي، أو على المجتمع أو النظام.
-استغلال الملذات الحسيه، كالجنس، والخمر، والمخدرات، والميسر، وما إلى ذلك.
-وضعهم تحت الأمر الواقع وتهديدهم بكشف أعمال سبق أن ارتكبوها.
-عبر عمليات الخداع والابتزاز والاستدراج والتوريط.
-الضغط عبر المقابلة، أو الاعتقال، أو التحقيق.
وتتمحور أكثر الوسائل انتشارا وشيوعاً، في عمليات ربط العملاء وتجنيدهم مع أجهزة المخابرات الأجنبية، في أربع مجموعات من الأساليب والوسائل هي:
1- الأساليب والوسائل المادية:
يعتبر استغلال الوضع المادي والاقتصادي والمالي، والحاجة الشخصية لدى الأفراد، من أهم الوسائل وأشهرها على الإطلاق، وهي الأكثر تفوقاً ونجاعة في مجال التجسس، حيث أن جميع أجهزة المخابرات في العالم، تؤمن إيماناً شديداً بما يسمى بالأسلوب المادي أو الحاجة المادية، حيث يركز ضباط التجنيد على هذا الأسلوب، خاصة على الأفراد الذين يضطرون له من أجل المعيشة ولقمة العيش، أو الغارقين في الديون، أو المعروف عنهم أنهم مستعدون لعمل إي شئ لقاء مبلغ من المال، فالشخص الذي يبحث عن مصلحة ذاتية يريد أن يحققها بغض النظر إن كانت تتصادم مع مصالح الغير أو تتوافق معهم، – كأن تكون رغبة تعذر عليه تحقيقها، كالمخدرات أو الاتصالات الجنسية، أو حتى راغباً في مغادرة البلاد، أو الانفصال عن أسرته، أو راغباً في الحصول على مركز جديد – لا يضيره أحد مهما كان.(عاقل،1973 :232)
أ) أسلوب توفير المال:
إن بعض الأشخاص يكون في حاجة إلى المال، لإشباع رغبة ذاتية لدية، وهذا الشخص يكون لديه رغبة عمياء في الحصول على المال بالوسيلة الهينة، ويبدى استعداده ليكون عميلاً للمخابرات، ضارباً عرض الحائط بمصلحة بلاده، وشخص من هذا النوع لا يهتم ببلاده ومجتمعه بقدر اهتمامه بنفسه. ومنهم من تضطره ظروفه الحياتية الصعبة لقبول المال الذي يعرض عليه مقابل خدماته.
وهذه بعض الشواهد التي تبين دور المال، في عملية التجنيد، لصالح مخابرات العدو.
العميل (محمد إبراهيم كامل) تم تجنيده أيضاً عبر أسلوب الحاجة المادية، حيث تم استغلال وضعه الاقتصادي السيئ، حيث ضاقت به الحياة بمصر، فذهب لإيطاليا للعمل، وقابل يهودي كان يعرفه في مصر قبل هجرته، سأله عن الأوضاع في مصر، فقال له زي الزفت، وأحس اليهودي أن الفرصة سانحة للدخول إلى هذا الفتى، وإغرائه بالتعامل، فقال له تستطيع أن تحقق آمالك وتربح مالاً كثيراً فأنت صديق قديم يمكن الوثوق به، وأنا احتاج إليك في عمل.(مجدي،1995: 92)
أما العميل (إبراهيم سعيد شاهين) من سيناء فقد قامت المخابرات الإسرائيلية بتجنيده، مستغلة حاجته الماديه، بالاضافه لكونه من ذوي النفوس الضعيفة، لأن ظروف الاحتلال كانت قاسية، حيث حرم معظم السكان من مصادر رزقهم وعيشهم وأصبحوا بحاجة ماسة لأي عمل يسدوا به رمق عائلاتهم.(الجزائري،1991: ج2،100)
أما العميلة للنازيين (ميلاني كينان) فكانت مثال المرأة الشحيحة الجشعة التي تستميت في سبيل المال، ولا تتورع عن اقتراف الكبائر والصغائر للحصول عليه، حيث عرف عنها هذا الحرص أبناء قومها البلجيكيون، الذين كانوا على يقين بأن هذه المرأة التي تملك مقهى (السنفوني) على الطريق الممتدة من (تربلون، لشيماي) لا تحجم عن ارتكاب أسوأ الأعمال من أجل قرش واحد. (كان،1987: 67)
وكذلك كان الجاسوس السوفيتي (وليام يوري اوزييوفتش كاراكوف) الذي استطاع الدخول لأميركيا والقيام فيها بعمليات تجنيد واسعة، وذلك عبر وسيلة المال عُرف منهم الضابط (باتريك) الذي استمر بتزويده بالمعلومات السرية الهامة، وربح خلال ذلك مبالغ طائلة من المال.
وكذلك العميله (إيزريكا) التي كانت معجبة به كعشيق لها، والتي أمدته بمعلومات هامة لقاء الأموال التي كان يمنحها إياها، وكان من عملائه أيضاً سكرتير أحد أعضاء مجلس الشيوخ الذي كان يتقاضى منه مبالغ ضخمة لقاء تزويده بالمعلومات من ملفات مجلس الشيوخ. ومنهم كذلك رقيب من جهاز المخابرات الأمريكية كان يزوده بمعلومات تتعلق بإجراءات المخابرات ضد الجواسيس الشيوعيين و الروس. (الجزائري،366:1991 ،ج2)
ب) أسلوب تحقيق المصلحة المتبادلة:
هناك البعض من العملاء يتم تجنيده عبر اتفاق ينشأ عادة بين أشخاص أصحاب مصلحة ما، وبين من يحقق لهم هذه المصلحة، أو مصالح معينة مشتركة بين الطرفين، وقد تنشأ مصلحة معينة – بغض النظر عن التوجه الفكري – لتربط بين جهتين متنافرتين للسير معاً لتحقيق تلك المصلحة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك عميل الموساد الإسرائيلي السعودي الجنسية الملياردير (عدنان الخاشقجي) الذي جرى تجنيده قبل عام 1984. والواقع أن صورته الاستعراضية التي كتب عنها الكثير قد فصلت في إسرائيل. ولم يكن الخاشقجي يتقاضى راتباً منتظماً من الموساد كما يفعل العملاء النظاميون لكنه كان يستخدم نفوذ الموساد في العديد من استثماراته ويحصل على القروض كلما واجه أزمة أو ضائقة مالية كما أن مبالغ كبيرة من أموال الموساد كانت تمر من خلال شركات الخاشقجي التي أنشئ العديد منها بالتعاون مع اليهودي (عافاديا غاون) وهو ثري كبير من أصل مغربي مقيم في فرنسا، والذي كان يلجأ إليه عند الحاجة إلى مبالغ كبيرة، وقد كان يستخدم الخاشقجي من أجل تجنيد الأمراء والأغنياء من العرب لحساب الموساد الإسرائيلي، حيث يقدم عارضات الأزياء لضيوفه من هؤلاء الأثرياء.
وقد أكتشف الخاشقجي في إدارة شبكة دعارة لحساب الموساد، حيث عرضت محكمة جنايات (نيس) في فرنسا قضية دعارة راقية كان مسرحها منطقة (الكوت دازور) وامتدت أحداثها حقبة من الزمن، وبلغ عدد المتهمين فيها عشرة من النساء والرجال كانت تقودهم امرأة تدعى (ميراي جريفون) كانت تمارس نشاطاها غير المشروع تحت غطاء وكالة لعارضات الأزياء الجميلات، وكانت تقوم بتقديم الفتيات الجميلات على وجه الخصوص إلى طلاب اللذة من الأثرياء والأمراء العرب ورجال الأعمال والمليونيرات الأجانب، وقد كان العميل الأول لهذه الشبكة الخاشقجي نفسه الذي يذكره المتهمون تحت اسم الكابتن، وتبين من اعترافات المتهمين وأقوال الشهود أن هذه الوكالة كانت تتميز بكثرة اتصالاتها وبقدرتها على تلبية طلبات الزبائن في أية ساعة، وكانت (مدام ميراي) لإرضاء زبائنها، تدقق كل الدقة في اختيار فتياتها على أن يكن رائعات الجمال وجذابات.(مجدي،1996: 51)
ومن هذا النوع أيضاً الرئيس السابق لباناما (مانويل نورييغا) –تخلوا عنه بعد انقضاء المصلحة منه– والذي كانت ترجع علاقته مع المخابرات المركزية الأمريكية إلى فترة الخمسينات، حين قدم نفسه مطاعاً لخدمتهما، فبدأ يوافيها بمعلومات عن زملائه الطلبة في كلية ديست العسكرية الأمريكية، وبعد التخرج التحق بخدمة المخابرات الأمريكية رسمياً حتى بلغ إيراده منها في السنوات الأولى لتعامله معها كمخبر الشيء الكثير.(الجزائري،1992:229)
ج) أسلوب تحقيق الحاجات الملحة:
وعبر هذا الأسلوب الذي تنوع بحسب الحاجة، ارتبط أغلب العملاء مع الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين:
حيث لا يكاد يوجد شخص في المناطق يقدم طلب خدمة أو تصريح من نوع ما من الحكومة الإسرائيلية العسكرية، إلا ويتلقى عرض من جهاز الأمن العام للعمل كعميل مقابل الاستجابة لطلبه، هذه هي طبيعة الاحتلال، أي شخص يحتاج أن يتقدم قليلاً في الحياة، أي شخص له طموح يواجه هذا المأزق بمستوى معين.
(بتسيلم،1993: المقدمة)
– عبر تصريح العمل: تستغل المخابرات الاسرائيلية في كثير من الأحيان، حاجة العمال للعمل داخل الخط الأخضر، فيمارس العدو عليهم مساومة عبر ذلك الأسلوب بالقبول بالتعامل مقابل توفير تصريح عمل. ومن الأمثلة على هذا النوع من العملاء العميل (أ.هـ) من رفح بقطاع غزة، الذي جُند للأمن العام الإسرائيلي –الشاباك– الذي أخبر بتسليم في ديسمبر 1993 أنه أُجبر للعمل كعميل من أجل رفع مستوى العائلة الاقتصادي، والحالة الاجتماعية لها.(بتسيلم،1993: المقدمة)
ويقول العميل الفلسطيني (ح.هـ) بدأت عملية الارتباط عندما تم اعتقالي داخل إسرائيل بسبب عدم وجود تصريح عمل لدي، وتم مساومتي بإطلاق سراحي مقابل الارتباط، وفي المقابلة الأولي مع ضابط المخابرات الإسرائيلي ضخم لي الموضوع، وضغط عليَّ بمنع الوالد من العمل في إسرائيل، وهددني بمنع أختي من السفر لزوجها، ومنع أخي من الدراسة في الخارج، كما استخدم وسائل ضغط نفسي معي، مما أجبرني على الموافقة على التعامل، وكان عمري عند الارتباط 23 سنة، وكان دافعي الأساسي للارتباط، الخوف على مصالحي ومصالح والدي وأهلي وأخي، أي سوف أدمر أسرة بأكملها لو أنني رفضت، حسبت الأمور بشكل سطحي ولم أفكر في المستقبل، وكان تفكيري ينصب فقط على المصلحة”.(عباس، 2002: 1)
كما يقول العميل (م.ع) “ارتبطت مع المخابرات وعمري 38 عام، وذلك في سنة 1993 حيث اشترينا ماكينات لمحطة بنزين من مدينة السبع وهناك تعرفت على رئيس الشركة وهي يهودية وأخذنا رخصة لمحطة البنزين، واتصلت بعد فترة رئيسة الشركة وطلبت مني إحضار خياطين لأخذ قصات خياطة وبدأت ابحث عن ناس للعمل معها وذهبت مع أحد الخياطين وشاهد عينات الخياطة واتفقوا على السعر، وكان دوري وساطة سآخذ مقابلها عمولة، وكان معي ممغنط، وعندما وصلت إلى حاجز ايرز (بيت حانون) قال لي جندي بأنني مرفوض واخذ الممغنط ورفض إدخالي، وقابلت بعدها عدة مرات وأبلغوني أنني ممنوع، وبعد ذلك ذهبت لضابط الشكاوي وقال بأنني ممنوع، وبعد شهر من مقابلة ضابط الشكاوي قابلت ضابط المخابرات وبدأ يساومني علي الارتباط، ووافق على إعطائي الممغنط “تصريح الدخول” مقابل مقابلته في تل أبيب وذهبت إلى المقابلة وبدأت عملية الارتباط ووافقت على الارتباط مقابل التصريح وهذا بهدف العمل وتم اكتشافي بأنني مرتبط صدفة، ولو لم يتم اكتشافي لبقيت لهذه اللحظة”.(عباس، 2002: 26)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ر. م. س) قال: عرضت نفسي على المخابرات الإسرائيلية بالتعامل، وذلك لأنني لم أتمكن العمل في إسرائيل، وذلك من أجل الحصول على تصريح عمل، ومن أجل توفير الحاجة المادية للأسرة، وكنت أصر كل مرة على التعامل حرصا على التصريح، لانني أعاني من وضع مادي ونفسي من جراء عدم العمل في إسرائيل.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ج. ت. ف) قال: بأنه ارتبط عام 1991 عن طريق مسؤول العمل اليهودي مقابل حصوله على تصريح عمل في إسرائيل.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. ع. ع) من سكان العريش قال: أنه في عام 1980 حضر إلى رفح للسكن بها، ليعمل في داخل إسرائيل في البناء، وقد أرتبط المذكور في عام1993 على يد ضابط المخابرات للحاجة المالية والمادية على أمل إعطائه دفع مستحقات الكهرباء المتراكمة عليه ومنحه أيضا تصريح دخول إسرائيل للعمل.
– عبر تصريح التجارة : لم يكن بمقدور أي تاجر عربي يرغب في تصدير محصوله من الحمضيات من غزة أو زيت الزيتون من الضفة الغربية، إلا بعد الحصول على التراخيص الضرورية وبموافقة جهاز (الشين بيت)، وقد قدم المواطن (أ. أ) من قرية يعبد، شهادة خطية مشفوعة بالقسم لمنظمة الحق في عام 1992، قال فيها: طلبت من العميل (أ. ن) أن يستخرج لي تصريح دخول لإسرائيل بسيارتي للتجارة، وفعلاً استلمت التصريح مقابل تنكه زيت له، ولكن بشرط مقابلة المخابرات، وبهذه الطريقة بدأ مسلسل ابتزازي وتوريطي في تقديم معلومات عن النشيطين في المنطقة، وبرغم تهربي من ذلك إلا أنهم كانوا يتفننوا في ابتكار طرق وأساليب للاتصال بي، حتى أنهم صدموا سيارتي، وكتبوا لي تعويض لكي أذهب لإستلامه، ولكنني قررت عدم الاستمرار في ذلك.(بتسيلم،1993: 11)
– عبر تصريح رخصة البناء: إذا أراد فلسطيني الحصول على رخصة بناء، كانت الحكومة العسكرية في الأراضي المحتلة تراجع الأمر أولاً مع ضابط المنطقة في جهاز (الشين بيت) قبل الموافقة على منحه ذلك، لقد كان كل نشاط يومي تقريباً وكل دقيقة من الحياة الفلسطينية خاضعة لإشراف الشين بيت فيما يشبه صفقة عمل، إذا كان العرب يوفرون المعلومات يحصلون بالمقابل على الأمن وفوائد ثانوية. (ميلمان،ورافيف،1991: 145)
– عبر تصريح جمع شمل العائلات: كل شخص في المناطق كان يقدم طلب تصريح من أي نوع من الحكومة الإسرائيلية، كان يتلقى مقابلة عرض من جهاز الأمن الاسرائيلي بالعمل كعميل معهم مقابل الاستجابة لطلبه .
ويؤكد العميل (أ. ت ) في شهادة لبتسيلم في عام 1993، بأنه ومنذ عام 1967 يتوجب على كل مقيم في المناطق، يرغب في ضم زوجته من الأردن أو غيرها، أن يختار بين الدفع السنوي ثمناً لتصريح الزيارة الشخصي لها، أو البحث عن زوجة أخرى، أو التعامل مقابل الحصول على موافقة بجمع شمل العائلة، الأمر الذي يدفعه للتعامل مع الاحتلال. (بتسيلم،1993: 9)
واستخدم الأسلوب هذا مع العميل (م.د) والذي يقول “ارتبطت مع المخابرات وكان عمري 20 عام بعد الزواج بثلاث سنوات عام 1984 حيث تزوجت من ابنة عمي من سكان الأردن كانت تحضر بتصريح زيارة وكنت عامل في مصنع “حديد” ومعي تصريح عمل، وقمت بتقديم تصريح “طلب شمل” وقالوا طلبك مرفوض “حوالي خمس سنوات” وبعدها قابلت المخابرات في سجن غزة من أجل عمل تصريح لزوجتي وفي أول مرة عرض على المخابرات الارتباط مقابل التصريح فرفضته وفي المرة الثالثة وافقت على الارتباط مقابل التصريح، وعندما منع زوجتي جددت الارتباط لهذا السبب”.(عباس، 2002: 10)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ج. م. ج) الذي كان هارباً إلى إسرائيل قال: بأنه سافر إلى مصر سنة 1982، وفي المقابلة الثانية له بالمخابرات، تم ربطه لصالح المخابرات الإسرائيلية من أجل مساعدتهم له في دخول القطاع وكان ذلك عام 1983.
– عبر تصريح السفر للخارج (للتعليم): تستغل المخابرات السفر للخارج كوسيلة لإغراء الشخص المطلوب تجنيده ووعده بتسهيل أموره لكي يسافر للخارج ويتخلص من مشاكله، وقد استغلت هذه الوسيلة كثيراً فيما يخص الطلبة الراغبين في الدراسة في الخارج أو لإتمام دراستهم بالخارج، حيث كان يتم منع الطالب من السفر لإحدى الجامعات العربية المقبول فيها، أو منعه من إتمام تعليمه في المراحل النهائية من الدراسة، إلا إذا وافق على تقديم الخدمات الخيانية، أو كان أحياناً يعتقل قبل الامتحان بفترة وجيزة، ويخضع للمساومة، الشهادة مقابل الموافقة على التعامل، أو ضياع المستقبل الذي يحلم به.(فتح، ب.ت: 18)
ويذكر العميل الطالب (عبد الله أبو ندى ) من القدس، بأنه كان يدرس في القاهرة قبل حرب 1967، وبعد احتلال القدس كان لا بد أن يحصل على إذن بالسفر للدراسة من قبل المخابرات الإسرائيلية، وهنا بدأت المضايقة له، ونقله من مكتب لمكتب، ومن ضابط لضابط، حتى كاد أن ييأس من السفر، ثم أخيراً قابل ضابط أمن إسرائيلي الذي قدم له إذن بالسفر بشرط أن يتعاون معهم في جمع المعلومات في القاهرة، ويوفر له مقابل ذلك جميع النفقات الخاصة بالدراسة، الأمر الذي جعله يوافق على ذلك خوفاً على مستقبله الدراسي”.(الجزائري،1991: ج2، 57)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (ع. ح. ح) قال: بأنه ارتبط عام 1976 اثر عودته لغزة بعد الارتباط في الخارج مع الموساد مقابل تصريح سفر.
وأما المواطن (هـ. أ ) من قرية دورا بالخليل، فقد ذكر لمنظمة (بتسيلم) في عام 1992، بأنه تعرض للإبتزاز بالتعامل مقابل السفر للدراسة، قال: لقد وصلت للجسر ومعي تصريح مغادرة للدراسة، إلا أنه أعيد لي التصريح بدون توضيح الأسباب، وتوجهت للإدارة المدنية للاستفسار، وبدأ مسلسل المماطلة والتسويف لكي أوافق على التعامل مقابل السفر، ثم انتهى بي المطاف بعد رحلة طويلة من المعاناة إلى ضابط المخابرات الذي قال: إنني أعرف عنك الكثير وأستطيع أن أرسلك إلى المعتقل، وقال أيضاً: بأن ليس هناك غيري يستطيع أن يصرح بسفرك، ومستقبلك كله في يدي، إذا تريد مساعدتي فأنا في المقابل أريد مساعدتك –وقدم لي مالاً- وقال تستطيع أخذ ما تريد، وسوف يكون لك سيارة جديدة، وسوف أمنحك بطاقة هوية إسرائيلية تمكنك من السفر بحرية في إسرائيل، ولكنني رفضت ذلك العرض بإصرار”.(بتسيلم،1993: 1)
– عبر تصريح السفر للعلاج: في محادثة مع بتسيلم في أغسطس (1993) صرح محامي إسرائيلي بقوله: بأنه قبل أربع سنين طلب مني مواطن من المناطق المساعدة، حيث إن زوجته تعاني من مشاكل صحية تسبب لها انهياراً، وإنها تحتاج لعلاج طبي في الأردن” وقد وُعد الشخص باستجابة أكيدة على طلبه للتصريح بشرط أن يتعاون مع الأمن العام الإسرائيلي، وبسبب الضغوط وافق على التعاون، إلا أنه في الممارسة لم يقدم معلومات إلى الأمن العام، والنتيجة كانت نقض الوعد من قبل المخابرات بمنح زوجته تصريح خروج إلى الأردن.(فتح، ب.ت: 18)
وفي مقابلة خاصة مع العميل (أ. ع. ح) قال: بأنه إرتبط مع المخابرات الإسرائيلية عام 1985 على يد ضابط المخابرات (روبين ) نتيجة للحالة المادية والحاجة لتصريح للعلاج.
وفي مقابلة خاصة مع العميل (م. أ. م): أقر المذكور بارتباطه مع المخابرات الإسرائيلية عام 1983 على يد الضابط (ابو جلال) وذلك بسبب سوء وضعه المادي، وكذلك بسبب مرض والده، حيث وعده الضابط بمعالجة والده في مستشفى بداخل إسرائيل على حساب المخابرات الإسرائيلية.
– من خلال الحاجة للتوظيف: وذلك كمثل الحاجة للتوظيف، وفي مقابلة خاصة مع العميل (ح. ك. م) قال: بأنه ارتبط مقابل توفير وظيفة له، حيث تقدم بطلب وظيفة في مدارس الحكومة سنة 1985 ، الا انه تم رفض طلبه، وتحويله لمقابلة ضابط المخابرات، وتمت مساومته على الارتباط فوافق على ذلك مقابل الوظيفه.
ويعترف العميل (كمال) بتعاونه مع إسرائيل –اسم مستعار- إلا انه يعتبر نفسه ضحية، ويقول انه كان سيفقد وظيفته كموظف مدني وكان سيسجن إذا لم يرضخ لضغط المخابرات الإسرائيلية عام 1986 للتعاون معهم. ويضيف لرويتير “هددوا بطردي من وظيفتي، وقالوا انهم سوف يضعوني في السجن.. أرادوا تدمير حياتي وعائلتي” لم اشعر بالفخر أبدا لما افعله.. غرقت في وحل الخيانة لمدة 14 عاما”. وقال كمال أن عائلته لم تعلم بعلاقته بإسرائيل إلى أن اعتقل، وقال انه كان يخبئ جهاز استدعاء وهاتفا محمولا يتصل بهما بالإسرائيليين في ساعة خشبية.
– من خلال الحاجة لتجديد الهوية الشخصية: وفي مقابلة مع العميل (م. ش. هـ) أقر بأنه ارتبط في عام 1988 وذلك أثناء تجديد الهويات، حيث تم حجز هويته من قبل الجيش، مما جعله يذهب للعميل المشهور (ن. خ) لمساعدته حيث أبلغه العميل بأنه سيتم اعتقاله، الا إذا وافق على العمل مع المخابرات، فوافق شريطة إحضار هويته. وقابل ضابط المخابرات (ابو جلال) الذي ربطة معه .
2- وسائل وأساليب المتعة الحسية:
وهي الأساليب والوسائل الأقدم في عمليات التجسس والتعامل في العالم، كما أنها الأخطر والأكثر فعالية، حيث أجمعت جمع أجهزة المخابرات على استخدامها وكان من أهمها وأبرزها الأمور الآتية: (الجنس والاسقاط الجنسي، والمخدرات، والخمور، والماضي السيء، وغيرها)
استغلال الجنس:
إن العلاقة بين العمل المخابراتي والجنس، قديمة قدم الجاسوسية نفسها، ففي كتاب يشوع في التوراة ورد أن الزانية رحاب قد أنقذت حياة أثنين من جواسيس يشوع، من بطش رجال ملك أريحا، وهذا أول إرتباط أزلي مسجل بين أقدم مهنتين عرفتهما البشرية.
وأهتمت جميع أجهزة المخابرات في العالم بالجنس والاسقاط، بطرق الترغيب أو بطرق الترهيب ومن أبرزها المخابرات الاسرائيلية، والمخابرات الروسية، والمخابرات الامريكية.
وقد أعتبر الكاتب الأمريكي (برونزي) أن “المخابرات الأمريكية “سى. آي. إيه ” تكاد تكون ذات مهمة وحيدة في العالم هي تخريب البشرية ” وهى لذلك مستعدة للتعاون مع الجميع لتحقيق هذا الهدف، وبوسائل قد لا تخطر على بال، والذي يرفض ذلك يتم تشويهه بطريقة بشعة.
ويشير (مايلز كوبلاند) في كتابة الشهير (اللاعب واللعبة) إلى ” أن الأسرار الهامة المتصلة بالأزمات الدولية إنما هي في أذهان الدبلوماسيين الأفريقيين والأسيويين والأمريكيين الجنوبيين، وبأن استخلاصها ممكن بواسطة نساء جميلات مدربات تدريباً خاصاً، ولهذا فإن وكالة الاستخبارات المركزية قد جمعت معظم موظفاتها من كليات شهيرة للبنات، مثل كلية: “سميث دورا، “أوكليف”، و”فاسار”، و”براين مور”، حيث يوجد لديها معين من النساء اللواتي يمتلكن المؤهلات ويستطعن بالتالي خدمة بلادهن.
وقد أنشئ لهذا الغرض في الاتحاد السوفيتي خمس مدارس لتخرج الجاسوسات الفاتنات مدرسة: ” جاكزيتا، براخوفكا، سويوزنابا، فوستكنايا ونوفايا ” وهذه المدارس
تخرج سنوياً أكثر من ألفى جاسوس وجاسوسة مثل: ” جوردن لنسديل”، “وليام آرثر مورتيمور” و”جيفرى نويل”.
وقد قامت الأجهزة الإسرائيلية بإبتكار أسلوب جنسي للاتصال بين محطات الموساد وشبكاتها اللبنانية، بواسطة أجهزة الإنترنت. حيث تم توظيف صفحات التعارف على الإنترنت لإغراء أعداد من الشبان اللبنانيين، والمسالة تبدأ عادة بصورة فتاة تظهر على شاشة الكومبيوتر بكل مفاتنها تسعى للقاء شاب لبناني في أي مكان من العالم، وتبدي استعدادها لدفع تكاليف الرحلة شرط أن تكون رجولة هذا الشاب مكتملة. واللبنانيون المولعون بهذا النمط من المغامرات يسعون أحيانا إلى اصطياد تلك الفتيات فيتم ربطهم مع أجهزة الأمن الإسرائيلية.
ومن الوسائل الأخرى للتجنيد الرحلات السياحية التي تنظمها بعض الشركات الأجنبية العاملة في لبنان إلى مناطق مختلفة من العالم بشكل يوفر فرصة لأجهزة المخابرات الإسرائيلية لاصطياد بعض الشبان المسافرين وتوريطهم في التعاون. والاصطياد يبدأ عادة بلقاء مع نساء شقراوات وينتهي في الفخ الإسرائيلي. وهذه اللعبة تمارسها الأجهزة الإسرائيلية في لبنان والعالم العربي منذ قيام إسرائيل والجديد فيها هذه المرة أنها تستخدم التقنيات الجديدة في عالم الإنترنت لتسهيل التواصل واختراق الأجهزة الأمنية. (جريدة الوطن العربي،1999)
ومن أخطر الأساليب الجنسية أسلوب الإسقاط الجنسي: وفي هذا الأسلوب يتم إغراء شخص للممارسة الجنسية مع فتاة، أو فتى، وأثناء هذه الممارسة يتم تصويرهما، ثم تهديدهما بنشر هذه الصور أو الموفقة على التعامل. وغالباً ما يتم الاسقاط من خلال نساء يتعاملن مع السلطات، ويقمن بإسقاط أخريات لممارسة الجنس مع رجال يقمن كذلك بتصويرهن أثناء العملية. وحسب العادة تجند السلطات النساء بواسطة تصويرهن عندما يكن عرايا أو يعملن عمل غير أخلاقي، ويقوموا بتهديدهن إذا لم يتعاون معهم، بتهديدهن بإرسال هذه الصور إلى أقاربهن واظهارهن في الجرائد. (بتسيلم،1993: 4)
ويعتبر أكثر عرضة للتجنيد عن طريق الاسقاط الجنسي المنحرفون والشواذ جنسياً، لأنهم ذوي حياة غريبة وتصرفات تنافي المنطق السليم المتعارف عليه اجتماعياً ومعنوياً وأدبياً، لأن المنحرف الجنسي يعتبر دائماً هدفاً سهلاً لرجال المخابرات، وهم أفضل الضحايا الذين يبحثون عنهم للتجنيد والاستثمار، وخاصة إذا ما كان هذا المنحرف ذا مركز اجتماعي أو مالي أو أدبي مرموق. (وود،1990:61 )
وقد اعتبر (هاجن) أحد أبرز الجواسيس السوفيت الذي تخصص في عمليات تجنيد المخبرين، طوال حياته، أن الابتزاز خاصة عبر الإسقاط الجنسي من أحسن الأسلحة الفعالة لإجبار الضحايا على العمل لحساب المخابرات، ولذلك كان من أساليبه المألوفة، اقتياد ضحاياه إلى مساكن السيدات العميلات والتقاط صور لهن بآلات تصوير مخفية. (الجزائري،1991: ج2،367)
وقد برعت الجاسوسة المجرية الأصل (ايفا ماري)، التي كانت تعمل لحساب المخابرات السوفيتية – قبل قيام رجال جهاز مكافحة التجسس البريطاني ” إم – 15 ” بالقبض عليها وعلى زوجها رجل الأعمال اللبناني (غازي جعفر) – في استدراج الضباط البريطانيين عبر الإغراء الجنسي، وتجنيدهم لحساب جهاز المخابرات السوفيتية “ك. ج. ب”، وقد كان اسمها (إيفا مارى إيروكساى) ثم أصبحت بعد زواجها (إيفا مارى غازي جعفر)، نسبة لاسم زوجها السابق – الذي عملت معه لحساب المخابرات السوفيتية في بيروت، ثم نقلا نشاطهما لميناء ليماسول القبرصي، بعد أميال من قاعدتي (أبيسكوبى وأكروتيرى) – وقد كانت حياة (إيفا مارى) مزدوجة، فهي أثناء النهار تلعب دور” ربة بيت ثرية ” تقوم برعاية طفليها التوأمين، وزوجها رجل الأعمال اللبناني، وفي الليل تغير شخصيتها وتلبس ثياب امرأة عابثة، كل ما تفكر به التنقل بين ملاهي وحانات المنطقة، والبحث عن فريسة لاصطيادها، حيث لم تكن تجد صعوبة في اصطياد من تريد من الجنود، عندما تستخدم أنوثتها الطاغية لذلك، وكان الجنود لا يصدقون آذانهم وعيونهم عندما يسمعون من هذه الجاسوسة الحسناء حديث الإغراء، من بعد المعاناة بالوحدة، وخاصة عندما لا تمانع في اصطحاب الجندي الصيد إلى منزلها الآمن، وكانت السعادة تغمر الصيد الذي لم يكن يعلم ما ينتظره، والتي لا تطول كثيراً، ففي اللحظة التي يحاول التقرب منها أو لمسها، يظهر زوجها فجأة مقتحماً عش الغرام الوهمي، في الوقت المناسب، ويقوم هذا الزوج الوهمي وبشكل تمثيلي إتماماً للمصيدة، بصفع الزوجة والهجوم عليها، مما يستدعى الصيد أن يحاول الدفاع عنها، عندئذ يبدأ الزوج الغيور في ممارسة التهديدات المختلفة، كإبلاغ البوليس الحربي، أو إبلاغ رؤسائه أو الاتصال بصحيفة، وكل ذلك بغرض الضغط على الشاب الضحية كي يذعن لما يطلبه منه الزوج الذي يتظاهر بأنه مخدوع بزوجته التي تخونه مع جندي أجنبي، وتستمر هذه التمثيلية تتخللها عملية المساومة والابتزاز إلى أن تستسلم الضحية وتذعن لإرادة الزوج وتوسلات الزوجة، وبذلك يقع الصيد أخيراً في شباك التجسس والعمالة.(الجزائري،81:1992)
أما (أرفين سكاربيك) الذى كان من كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، ثم نقل إلى السفارة الأميريكية في “وارسو” بدرجة سكرتير ثان، فقد تم إسقاطه وربطه مع مخابرات الخدمة السرية الشيوعية أيضاً عبر الجنس، حيث كانت تستخدم السيدات الجميلات لابتزاز وتجنيد العملاء، ويروي (سكاربيك) قصته قائلاً: لقد قابلت فتاة بولندية تدعى (أورسزولا ديشر) في مقهى “بوارسو” واحترت في كيفية الاتصال بها، وشعرت أنه ينبغي أن أتعرف عليها، وأتحدث معها لأعرف من تكون واتجهت إلى مائدتها، وسألتها ما إذا كانت لا تمانع في أن أشاركها مائدتها، ولم تمانع في ذلك، وتجاذبنا أطراف الحديث، فصرت أكثر اقتناعاً من أمرها، بأنها غير تابعة لشبكات التجسس، وتقابلنا مراراً، ووقعت في حبها وتوطدت علاقتنا، وكانت علاقتنا مجرد قصة غرامية، وفي ليلة عيد الميلاد حيث كنت معها في مسكنها، اندفع ضباط البوليس السري البولندي ليفاجئونا نحن الاثنين في الفراش، والتقطوا لنا عدة صور فوتوغرافية وبدأت المساومة للارتباط مما جعلني أوافق على ذلك. (هاتون،1980: 122)
وبأسلوب الإسقاط الجنسي كذلك، استطاعت المخابرات الروسية ” الكي جي بي” التعرف على وظيفة (ايلياف) في السفارة الإسرائيلية، فعمدت على إغوائه، فبينما كان متوجهاً من موسكو إلى جامعة لينغراد حيث لاحظ شابه جذابة في محطة القطارات بمسحة أوروبية، وكان من الصعب عليه مقاومة النظر إليها، والتقى بها ذات مساء في الفندق في لينغراد، ومع أنه كان شاكاً من أن الشابة قد أرسلت لإغرائه وإيقاعه في حبائل “الكي جي بي” إلا أنه قرر أنه لن يتضرر إذا غازلها وكان يثق بأنه يستطيع الصمود أمام الإغراء فوقع، ولكن بسرعة نقلت الموساد مكان عمله. (ميلمان،ورافيف،1990 :87)
وأما العميلة (براجا) التي عملت لصالح ألمانيا أبان الحرب العالمية الثانية، فتروى قائلة: ” نحن جميعاً أنا ووالدي وأمي وأختاي، كنا جواسيس نعمل لخدمة المحور، ولقد طفنا ببلدان الشرق الأدنى والأوسط، وكنا نتعرف إلى الضباط البريطانيين ونغريهم بجمالنا وفتنتنا، ونجلس معهم على موائد الخمر والميسر، وننتزع منهم الأسرار العسكرية، وننقلها إلى أبينا الذي كان يوصلها إلى سلطات المحور، عن طريق جهاز اللاسلكي الذي كان يمتلكه. (التكريتي،1986: 79)
ومن الذين تم استخدام وسيلة الاسقاط الجنسي معهم، كان رئيساً كاثوليكياً في إحدى بلدان أميركا اللاتينية حول سياسته باتجاه مصالح واشنطن بسبب “صورة التقطت له سراً وهو ينام في سرير الممثلة الأمريكية المعروفة جماهيرياً (إليزابيث تايلور)، وبالطبع فإن هذه الصورة الجنسية التذكارية أخذت من قسم المختصين في المخابرات الأمريكية، وبالاتفاق الكامل مع هذه الفنانة. وهذا النموذج ينسحب أيضاً على العديد من الدبلوماسيين الأجانب الذين يعملون في واشنطن أو نيويورك أو في مقر الأمم المتحدة، إذ أن العيون المزودة بالأشعة ما تحت الحمراء، تلاحق البعض منهم إلى داخل شققهم أو إلى داخل شقق أخرى مثل شقق بعض القوادين الذين يستدرجونهم لقضاء الليالي الحمراء، أو إلى شقق صديقاتهم اللواتي لا يعرفون أن معظمهن مرتبطات ” رسمياً ” بالمخابرات الأمريكية، حيث غالباً ما ينتهي الأمر بصفقة باهضة جداً لأن الارتباط بالمخابرات الأمريكية قد يكون أقل وطأة من فضيحة شخصية ترتدى الطابع العلني الذي قد يصل إلى حد تدمير مستقبل أي مسؤول يقع في هذا الفخ.
ولكن هذا الأسلوب برغم أنه يحيط بالفرد بشكل يكاد يحشره في زاوية التعامل، إلا أنه من السهل التمرد عليه ومجابهته، ومن الأمثلة التي فشل معها هذا الأسلوب، أن الموساد قد حاولت ربط مسئول كبير في إحدى الدول العربية، عبر تصويره في الفراش مع غانية تم تجنيدها لهذا الغرض –وطلب منها أن تتخذ أوضاعاً معينة بحيث تظهر الصور وجه المسئول، وأكثر ما يمكن من التفاصيل- ثم قامت الموساد بعد ذلك بعرض دليل مغامراته الماجنة عليه، ووضعوا الصور أمامه على منضدة، ولسان حالهم يقول “قد ترغب في أن تتفاوض معنا”، لكن بدلاً من أن يكون رد فعله الصدمة والخوف، أظهر أنه أعجب بالصور، وقال ” هذا رائع سآخذ صورتين من هذا الوضع، وثلاث من ذاك ” وأضاف ” بأنه يرغب في عرضها على جميع أصدقائه “، وبالتالي أحبط هذه الوسيلة. (129:Osrousky, Hoy, 1990)
كما لم يفلح عميل المخابرات السوفيتية (إيب) في إيقاع فريسته بهذا الاسلوب، حين شرع في إقامة علاقة غرامية مع الآنسة (كي) التي تعمل سكرتيرة خاصة في إحدى وزارات ألمانيا الغربية، وتستطيع بذلك تناول الوثائق السرية جداً ذات القيمة لرئاسة موسكو، وذلك رغم أنه قد أفلح في استخدام عشيقته، لالتقاط صور فوتوغرافية لها في أوضاع مشينة مع الضحايا تصلح للابتزاز فيما بعد، ولكن عندما طلب منها تصوير الوثائق السرية للغاية في الوزارة، وتزويده بما تستطيع جمعه من المعلومات السرية، رفضت ذلك، وحاول أن يبتزها بعرض عليها صوراً فوتوغرافية تصورها في أوضاع مشينة، هددها بأن طبعات من هذه الصور سوف يلقى بها من طائرة فوق مدينة (بون) إذا لم توافق بالارتباط، ولكنها لم تستسلم، وأبلغت رئيسها بما حصل وكانت النتيجة اكتشاف أمره هو ورفاقه.(120:Osrousky, Hoy, 1990)
وهذا الموقف يثبت للذين انزلقوا في الاسقاط الجنسي، ألا يتورطوا في جريمة التعامل مع الأعداء، مهما كان الوضع الأخلاقي، أو الممسك الأخلاقي مشين، ومن الأفضل أن يترفعوا أصلاً عن هذه الأعمال.
وقد استخدم الاسقاط الجنسي بشكل موسع لدى المخابرات الإسرائيلية، ولهذا فإن دولة إسرائيل تعتبر الدولة الرائدة في استخدام الجنس والنساء لأعمال المخابرات والجاسوسية حتى أن للموساد مدرسة خاصة في تل أبيب لتخريج الجاسوسات بشكل أرتيستات وغانيات وبائعات هوى، ثم يتم إرسالهن إلى الأماكن الهامة في دول العالم. (الجزائري،1994 :83)
وفي اسرائيل ومنذ البداية أعترف جهاز الموساد بقيمة الجنس في العمل الإستخباري، ويقول (مائير أميت) “إنه سلاح آخر، فالمرأة تمتلك ملكات يفتقر إليها الرجال، بكل بساطة، إنها تعرف كيف تنصت للكلام، ويحفل تاريخ المخابرات الحديث بالكثير من قصص النساء اللاتي وظفن الجنس لمصلحة بلدانهن، ومن الحماقة القول أن إسرائيل لم تلجأ لهذا الأسلوب. (توماس،1999: 198)
وقد استطاعت العميلة الأردنية للموساد الاسرائيلي (أمينة المفتي) أن تنظم مجموعة من العملاء في بيروت وتسقطهم من خلال الجنس. حيث استأجرت شقة بإحدى بنايات الروشة، وزارت صديقتها الأردنية خديجة زهران، وطلبت منها المساعدة في تركيب خط تلفون. وفي الحال اتصلت خديجة بمانويل عساف موظف التليفونات، الذي ذهب بنفسه الى أمينة في اليوم التالي، ليؤكد لها أن المنطقة تعاني من بعض الأعطال بسبب تجديدات بالشبكة، ووعدها بأنه سيسعى في القريب للتوصل الى حل. منحته خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى وهبته جسدها أيضاً. إذ وجدت فيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لتليفونات وعناوين القادة الفلسطينيين. ولم تندم عندما باعت الدين والوطن والأهل. فلم تجد غضاضة وهي تبيع نفسها لمانويل. وبذلك تصرفت كجاسوسة محترفة، بين أحضانه بدت في أقصى حالات الضعف، لكنها كانت أبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة. هكذا تفعل النساء في عالم المخابرات والجاسوسية . . فالجنس عندهن وسيلة فقط لا هدف.
وحاول مانويل عساف الوفاء بوعده ، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارون الحايك – بيده كل شيء . لذلك صارحه بما حدث، واصطحبه الى شقة أمينة. حيث كان مارون الحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته، منشغل بالتجسس على المحادثات التليفونية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردة والبحث عن صيد جديد. وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة من كنز معلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت. لذلك تركته يتناول معها وليمة فسق أتخمته، وأحاطت عقله بسياج من الغباء، وأجاب عن أسئلتها وأطلعها على التليفونات السرية للمنظمات الفلسطينية.(المفتي،2003: انترنت)
وكذلك تم تجنيد العميل (عماد عبد الحميد) المصري الجنسية في شبكة عزام عزام التجسسية ضد مصر العروبة عبر عملية ممارسة الجنس داخل إسرائيل. وفور وصوله لاسرائيل استقبله وفا عزام وهو درزي إسرائيلي، وذهب به إلى الفندق،… ثم
تم تدريبه في البداية عبر المشرفة دلال ولكنها لم تعلمه شيئا وفجأة اقتحمت عليه شادية أحمد إسماعيل صمته ودعته إلى خط الإنتاج الخاص بها وقامت بتدريبه وفي اليوم الأول من الأسبوع الثاني التقى “بازاك” وهو متعهد حفلات وعرض عليه ممارسة الجنس مع إحدى الفتيات، وقام بالفعل بممارسة الجنس داخل غرفة خاصة بها. وبعد مضي أسبوعين كانت عيون عماد عبد الحميد تبحث عن الجنس فقال لعزام (يبدو أننا أتينا للحج داخل إسرائيل لأننا لم نعاشر حتى الآن فتياتكم) فلم يكن من عزام سوى أن صحب يهوديتين روسيتين معه في المساء وعرضهما على عماد وأصدقائه. ويقول عماد عبد الحميد، لقد خرجت معهما ومارست الجنس بأشكال مختلفة وأوضاع متعددة. (قديح،2002: أنترنت)
وقد ركز جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك) على هذا الأسلوب بشكل كبير إبان الاحتلال، حتى أن غالبية الذين تم ربطهم في هذه الحقبة (قبل قدوم السلطة) قد مارسوا الجنس أو مورس معهم الجنس، وقد استخدمت النساء على نطاق واسع من أجل هذه العملية، حيث كُن يرسلن بواسطة ضباط الأمن الإسرائيلي لتجنيد عملاء ومتعاونين، وذلك بالطرق المشهورة التي تسمى الإسقاط، وقد عرف هذا المصطلح (الإسقاط) في فلسطين، وقد مورس بطرق وأساليب مختلفة ومتنوعة في المناطق المحتلة، وكان يعني القيام بالابتزاز أو الضغط أو المساومة بالتعامل مع الاحتلال من خلال ممسك جنسي –وسائل جنسية- يتعرض له الشخص. وحسب العادة كانت تجند المخابرات النساء بواسطة تصويرهن عندما يكن عاريات، أو يعملن عمل غير أخلاقي عبر عميل أو عميلة، ويقومون بتهديدهن إذا لم يتعاون معهم، بإرسال هذه الصور إلى أقاربهن، وقد استخدمت وسيلة الإسقاط والابتزاز عن طريق الصور الجنسية بنطاق واسع لدى الشاباك والموساد، لأنه حسب طريقة تفكير الموساد، فإن مثل هذه الصور قد تكون وسيلة إقناع قوية لتجنيد العملاء. (بتسيلم،1993: 4)
وقد يلجأ أحياناً ضابط المخابرات بجعل امرأة عميلة تجبر فتيات على مصاحبة أو ممارسة الجنس مع شبان عملاء، ثم الضغط عليهن، بأن يصبحن عميلات. أو قد يرسل عملاء ذكور أو إناث إلى زنازين الاعتقال لممارسة الجنس مع المعتقل، وذلك في محاولة لكسر صموده في التحقيق، ثم ربطه. (الجزائري،1991: ج3،18)
لذلك أصبح الاسقاط الجنسي يمثل المركز في نظر التنظيمات الفلسطينية. والنساء اللواتي كانت تصرفاتهم غير لائقة اتهمن بإضرار في شرف العائلة. وإضعاف الأمة والموقف الوطني، وكانت هناك إدعاءات أن النساء الفلسطينيات كان يرسلن بواسطة الأمن الاسرائيلي لتجنيد عملاء ومتعاونين، بالطرق المشهوره تحت اسم “اسقاط” وتفسيرها الانغماس في طريق العمالة. بواسطة الجنس وابتزاز بالتصوير في أوضاع غير لائقة والتهديد يفضح الصور.
ومنذ الانتفاضة الأولى بدأت التنظيمات الفلسطينية ترى بالذين يعملون في مجالات الزنا والاتجار بالمخدرات والمشروبات الروحية والصور الاباحية، وكذلك الاشخاص الذين لهم أفعال شاذة عن مجتمعهم وأيضاً الاشخاص المتهمين باللواط، كل هؤلاء رأت بهم أنهم متعاونين. (بتسيلم،1993: )
وهذه بعض الامثلة على الذين ارتبطو بواسطة الإسقاط الجنسي، يقول العميل (أ. س) ” لقد تم ارتباطي عن طريق الإسقاط بالجنس والتصوير. فبعد أن تطورت علاقتي مع الأصدقاء بالممارسة الجنسية وحضور أفلام الجنس في بيت أحد الساقطين، تعرفت على شخص من العملاء الذي عرض عليَّ ممارسة الجنس مع امرأة، ثم قام بتصويري. وكانت المرأة عميله، ثم تم استدعائي للمخابرات وهناك ابتزوني عن طريق الصور، وخوفاً من أهل الفتاة، لأن الضابط ادعى انهم يبحثوا عني لقتلي، وخوفا من الفضيحة. قبلت الإرتباط والتعامل مع المخابرات، أي كان سبب ارتباطي يتمثل في المخدرات والجنس والقابلية لذلك، خاصة أني أواجه مشاكل كثيرة في البيت.(عباس،2002: 12)
ب) تعاطي المخدرات:
لقد اعتبرت أغلب التنظيمات أن الذين يتعاطون المخدرات، أو يتاجرون بالمخدرات، هم ذوي قابلية عالية للتعامل مع الاحتلال. خاصة بعدما تبين بأن سلطات الاحتلال عادة ما تجند للتعامل الاشخاص أصحاب الأنفس الضعيفة.
إن أحد الطرق المشهورة في تجنيد العملاء يتم بواسطة المخدرات، أو مخالفات اجتماعية تمس عادات المجتمع، لأنه بهذه الطرق يكون من السهل على السلطات ابتزازهم وتهديدهم. بل كان من سياسة السلطات ادخال أكبر كمية من المخدرات للمناطق أو غض الطرف عن ادخالها المتاجرين بها، بهدف هدم الشباب الفلسطيني وابعادهم عن العمل الوطني. (بتسيلم،1993: 1)
لذلك فإننا نجد أن أولئك الذين يرغبون في الحصول على مكاسب كبيرة من تجارة المخدرات، في العادة يكونوا مخبرين ومجندين للسلطات الإسرائيلية، مقابل أن تغمض عينيها عنهم في تلك التجارة. (Taylor,1990:201)
وبهذا الأسلوب تم إسقاط العميل (أ. ب) الذي تحدث قائلاً: “كان عمري عند الارتباط 18 عاماً حيث كان وضعي الصحي سيئ من الحشيش والمخدرات، وارتباطي جاء عن طريق جارنا عام 1989 حيث كنت صديق لابنه في المدرسة وفي العمل في إسرائيل وكنت دائما أذهب عندهم إلى البيت، وأخذني لضابط المخابرات وهناك عرض عليَّ الارتباط فوافقت بدون ضغط. واعتقد أنني كنت مخدر وعندما عرض علي الارتباط لم اقدر على المقاومة لأنني كنت مرتبك وخائف والمخابرات لم تهددني. ولكن في المقابلة الأولى عندما رفضت الذهاب هددني وحضرت قوة من الجيش للبيت لهذا الغرض وحدد لي مقابلة وطلب مني الحضور فحضرت. وكنت أنا وجارنا وجميع أولاده نشرب الحشيش وحاولت إبته إغرائي ومارست معها الجنس مرة واحدة، والبيت كله ساقط تقريباً خاصة البنت وأخوها ووالدها”.(عباس، 2002: 29)
ج) تعاطي الخمور:
إن الذين يتعاطون الخمور من أخطر الناس على العمل والنشاط التجسسي، وقد تبين بأن المدمنين على الخمور أهداف للإختراق الصهيوني لأنهم ذوي قابلية عالية للتعامل معهم. ومن الذين تم تجنيدهم للتجسس في العالم من خلال تناول الكحول، ضابط البحرية السويدي (أرنست أندرسون) لصالح الاتحاد السوفيتي عبر وسيلة تناول الكحول، مع مقدار من المال، وشيء من الضغط والابتزاز، حيث استمر ولمدة خمس سنوات، بنسخ الوثائق عن معدات التسليح، عن حالة البحرية السويدية متضمنة معلومات تامة عن المنشآت الدفاعية والتكتيكات في القواعد البحرية، والدفاع ضد الأماكن المحتمل النزول منها إلى البر، على السواحل الشرقية والغربية للسويد.(هاتون،1980 :84)
أما عن تأثير الإسراف في الخمر على الارتباط، فيتحدث أحد رجال الموساد عن ذلك فيقول: “شاهدت رجلاً كان يجلس في الردهة ينظر إلى مجلة عربية، استطعت أن أرى مجلة بلاى بوي مخبأة فيها، فاقتربت منه وعرفت أنه عربي، وأدركت أنه هام، لذلك قمت بالاتصال به، وأعربت له عن تعاطفي الشديد مع القضية الفلسطينية، وبأنني فقدت مبلغ كبير في شحنة لبيروت بسبب الحرب، وقلت: أولئك الإسرائيليون الدمويون هم السبب في ذلك، وظل الرجل يتحدث عن الصفقات التجارية التي كان يعقدها في ليبيا وفى آخر المطاف، ونتيجة للإسراف في الشراب، قال: ” إننا سنجعل الإسرائيليين يأكلون البراز غداً ” فقلت: عظيم كيف ستفعلون ذلك، قال: لقد سمعنا من أحد المصادر أن إسرائيل تتابع هذا الاجتماع لمنظمة التحرير الفلسطينية مع القذافي، ولذلك سوف نقوم بخدعة في المطار، فالإسرائيليون يعتقدون أن كبار رجال المنظمة سيركبون معاً في طائرة لكنهم لن يفعلوا ذلك.(147:Osrousky, Hoy, 1990)
أما العميلة (أمينة المفتي) فقد استطاعت العميلة المشهورة (أمينة المفتي) عبر زجاجات الخمر مصحوبة بالأثارة والجنس، أن تستدرج –كما أوردت في مذكراتها- المسئول الفلسطيني (أبو ناصر) بهذا الأسلوب الذي يدفع المرء لأن يخرج ما عنده دون أن يطلب منه ذلك. وقد استطاعت أن تدفعه دفعاً لأن يفصح عن عملية فدائية ستتم في اليوم التالي داخل الأراضي الاسرائيلية. وصرخت وهي متهللة بالفرح: كيف؟ . . إنكم لشجعان حقاً عندما تنقلون عملياتكم الى قلب الدولة اليهودية . . لكن . . في ذلك خطر جسيم على رجالكم. أجابها مزهواً بأن كل شيء معد، وتم التخطيط لكل احتمالات الطقس بدقة متناهية.
وفي إحدى المرات نجحت في دعوته لقضاء سهرة في ببيتها. وهيأت له نفسها وأنواعاً عديدة من الخمر، حتى إذا ما تمكن السكر منه انطلق لسانه متباهياً بعبقريته العسكرية وكيف أنه جهز فريقاً من أكفأ رجال الكوماندوز، للتسلل الى داخل الحدود الاسرائيلية، لضرب مدينة نهاريا الساحلية بالصواريخ. التقطت أمينة الخبر دون تعليق. وكل ما فكرت فيه حينئذ هو كيف تحتويه أكثر وأكثر فيزداد انطلاقاً. . وجوعاً. . فتتبعثر منه الأسرار وتندفع بعنف كالشلال. وما كان بيدها إلا أن تمثل دور العشيقة القلقة. واستحضار نبرة الدفء المصطنعة والمشوبة بالخوف. لكنه . . وهو الغارق حتى نهايته في بحور اللذة . . لم تنفك عقد انطلاقه كلها فيعلن عن خباياه. . أو عملياته المرتقبة بالتفصيل. فكان حديثه المتقطع غامضاً.. مبهماً.. يفتقر الى معلومة واحدة مؤكدة. واستشاطت العميلة غضباً. . فالخبر هكذا يبدو ناقصاً جداً ومبتوراً وهي لم تعتد على ذلك. فقد اعتادت جلب المعلومات والأسرار من مصادرها بدقة. وما إن غط في نوم عميق حتى قامت الى ملابسه في حذر بالغ . . وفتشت جيوبه حريصة على ترتيب محتوياتها. وما بداخل جيوبه. وبينما تقلب أوراق محفظته الجلدية، استوقفتها وريقة كتب بها عدة كلمات مرعبة، جعلتها تحبس أنفاسها، وثم إرسالها فوراً لإسرائيل.(المفتي،2003:انترنت)
د) الماضي السيء:
وهي نقاط ضعف لدى الفرد، بسبب ارتكاب مخالفة في حياته السابقة، يتم تهديده بها. يقول العميل ( أ.ط ): 35 عاما، كانت مهنتي الأصلية هي سرقة السيارات “حرامي سيارات”، حيث اعتقلت في عام 1991 على خلفية تورطي بسرقة العديد من السيارات وأمضيت مدة محكوميتي وهي 4سنوات ثم افرج عني في العام 1994 وعدت لمواصلة عملي وساعدني أحد زملاء المهنة باستخراج تصريح للدخول إلى إسرائيل.
وقد استأنفت نشاطي التجسسي حيث كنت وزميلي نسرق سيارات حديثة من تل أبيب ومناطق أخري، بمساعدة ضابط إسرائيلي يدعى (ادري يوسف)، ويقوم بتسهيل عملنا مقابل مبلغ مالي يتلقاه مقابل كل سيارة. واستمر نشاطنا حتى عام 1998 حيث طلب مني الضابط (ادري يوسف) التوجه إلى ضابط آخر للتعامل معه. وهذا زودني بسلاح رشاش من نوع (اسكربيون). وقمت بدوري بتوفير المعلومات المتعلقة بتحركات الأشخاص المكلف بمتابعتهم. (جريدة الأيام،2002)
3- الوسائل والأساليب الضاغطة:
هناك نوعية من المرشحين للتجنيد لا تسمح دوافعهم وشخصياتهم ومراكزهم الاجتماعية والسياسية للتجاوب مع أهداف أجهزة استخبارية بعينها، أو قد يكونون على النقيض تماماً معها، وهنا لابد من استغلال الأسلوب القهري لإجبار المرشح للقبول بالعمل تحت طائلة التهديد والفضائح والابتزاز، كرؤساء بعض الدول، وكبار الموظفين السياسيين في الدولة والقياديين، ومسئولي التنظيمات السياسية والثورية، والعلماء والمفكرين..الخ، ويأتي من ضمن هذه النوعية السفراء وأركان السفارات وموظفو هيئة الأمم ودوائرها المختلفة. وتأخذ الأجهزة الاستخبارية في حساباتها، الأشخاص الذين يمكن أن يصلوا الى السلطة مستقبلاً فتعمل على تجنيدهم سلفاً وتكبلهم بكثير من وسائل التهديد والابتزاز بحيث لا يستطيع أحدهم مجرد التفكير بالسير على غير خط ضابطه الأعلى، وقد يتجاوب بعضهم تلقائياً، أو حتى انه يسعى بنفسه الى العمل سعياً وبالرغم من ذلك، ولان الإنسان قد تغيره الظروف والأحداث، فلابد من تكبيله بتلك الوسائل، ليطمئن الجهاز إلى مستقبل التعامل معه. ومن أبرز الوسائل القهرية استغلال الزيارات الرسمية أو الشخصية، وتهيئة وسائل الجنس وتصوير المشاهد الملائمة، أو التوريط في عمليات تهريب، رشوة، مخدرات..الخ، والاحتفاظ بالبينات المرئية والسمعية، وتقوم أحياناً الأجهزة الاستخبارية تصويره في أوضاع شاذة من اجل السيطرة عليه. وهذا المستوى المهم من العملاء، يعني التغلغل داخل حكومة الهدف (العميل، الدولة) والتأثير في الشؤون الداخلية والخارجية للدولة، بما في ذلك إيجاد وتحديد الحلفاء المحتملين أفراداً وهيئات، تربطهم مصالح معينة، ويكون التغلغل بالمشورة السياسية، المعونات المالية والديون وبناء المشاريع الفاشلة الاقتصادية منها والعسكرية والسياسية لتنوء البلاد بالأزمات المتلاحقة والديون الباهظة والتي يكون من شأنها أحكام السيطرة الفعالة على توجهات ذلك البلد “. (شحادة،120:1992-121)
وتتمثل عمليات الضغط كذلك في استخدام الوسائل والأساليب القهرية، وهى من أخطر الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الاستخبارية للوصول إلى أهدافها، دون إرادة الإنسان ورغبته، بحيث يجد الانسان نفسه مجبراً في بعض الأحيان تحت وطأة الدافع القهري، من خلال التهديد أو الابتزاز بأن يستسلم للضغط.
ومما يساعد عملية التجنيد البحث عن الرجال والنساء الأكثر إمكانية وفائدة وبخاصة من بين الذين لديهم نقاط ضعف معينة قابلة للاستغلال والابتزاز، قد يكون أحد هؤلاء رجل أعمال يتركز كل اهتمامه على زيادة مكاسبه وقد يكون شخصاً يسعى إلى تطوير وتوسيع دائرة طموحاته الشخصية كما أن هناك من يبحث عن مجرد الصيت والشهرة وآخرين يبحثون عن السلطة والنفوذ.(90: Taylor, Jack 1990)
وقد يساعد رجل المخابرات في نجاح عملية الضغط، الظروف والأحداث التي يتورط فيها المرشح للتجنيد، والتي تستخدم سلاحاً للتهديد المستمر ضده، مثل: التورط في عمليات الجنس والتهريب والرشوة والاختلاس، والمخدرات، والخمر، وغيرها، وفى حال عدم توفر هذه الأمور التي يمكن استغلالها عندئذ يعمد الضابط المجند إلى خلق الظروف التي تضع المرشح في زاوية معينة يسهل مهاجمته فيها، ولكن عندما يفشل في خلق هذه الظروف، يلجأ إلى عملية إيجاد الدافع القهري لعملية التجنيد، بحيث لا بد أن تكون فاعلة وتتناسب مع أوضاع المرشح المختلفة وتضعه في جو مرعب وضاغط، وفي هذا الجو المرعب يتم الضغط عليه، ومساومته بالتعامل، فيوافق من ضعفت إرادته وخارت معنوياته.(شحادة،1992 :114)
أهم أساليب ووسائل الضغط والإكراه :
تبين من الواقع الفلسطيني بان أغلب العملاء تم تجنيدهم من خلال الضغط والتهديد والابتزاز أما عبر المقابلات لضباط المخابرات في الشاباك، أو عند اعتقالهم، أو أثناء التحقيق معهم، حيث يتم التجنيد بالضغط عليهم ومساومتهم بالاعتقال أثناء المقابلات.
أ) من خلال التحقيق:
إن أقسى أنواع الضغط وأشده، الذي يتم في داخل السجون والمعتقلات، وخاصة في أجنحة التحقيق وهي أجنحة يديرها (الشين بيت) في السجون الإسرائيلية، فعندما كان يلقي القبض على السجناء الفلسطينيين، كان يتم إحضارهم مباشرة إلى الأجنحة الخاصة أو مراكز الاعتقال، ولم تلق الشرطة أو هيئة السجون نظرة على ما كان يدور من عذاب في الزنزانات وراء تلك الجدران، وقد اعترف (مليمان ورافيف) من رجال المخابرات الإسرائيلية بأنه قد واجه العرب المتهمون بالإرهاب استجواباً وحشيا، وكانت الضربات الجسدية جزءاً منه، كما كانت هنالك أشكال أخرى من التعذيب لم تترك أية علامات، وما إن يدخل السجناء حتى تتم تغطية رؤوسهم بكيس أسود، ثم يستمر الاستجواب لمدة ساعات، عادة ما يحرم فيها المشبوهين من النوم، أوفي بعض الأحيان يتم صب الماء البارد عليهم وعبر وسائل التعذيب الجسدية والنفسية ثم تتم عملية الابتزاز والمساومة.(ميلمان،ورافيف،1990: 147)
ومن الشواهد على الضغط للتعامل من خلال التحقيق: المواطن (م. ف) من الضفة الغربية، الذي اتصل في عام (1993) بمنظمة حقوق الإنسان في إسرائيل بتسيلم وقال: “بأنه اعتقل على تهمة بالانتماء لتنظيم، ومورس عليه التعذيب الشديد، ثم عرض عليه الارتباط أثناء التحقيق، حتى وصل لدرجة أن وافق على الارتباط من شدة التعذيب، وقامت المخابرات بتوقيعه على وثيقة بالتعامل مقابل تخفيف الحكم عنه، وحكم فعلاً ستة شهور. وفي الخارج تم التلويح له بالوثيقة التي وقعها داخل السجن مع الشاباك. وقال: إن كابتن المخابرات أخبرني بأن عليّ أن أوفي بتعهدي، فقلت له لم أكن راغباً على الإطلاق في التعاون معكم، وإنني وقعت الوثيقة بسبب التعذيب فقط، فقال الضابط إذا رفضت الارتباط فسوف تُعرض الوثيقة بتوقيعك على عائلتك، وفضحك أمام القرية، فقلت له لا يوجد قانون في العالم يجبر السجين على التعاون مع السلطات، وتحررت منهم بالإصرار على الموقف. (بتسيلم،1993: 15)
ويقول العميل (م.ق) “عندما ارتبطت كان عمري 20 عاماً، وذلك عندما دخلت السجن سنة 1985 وكان انتمائي لتنظيم الجبهة الشعبية ولم اكن مرتبط مع أي جهة، وفي عام 1986 قام الشباب في الجبهة الشعبية بالتحقيق معي وقالوا لي انك تعمل مع المخابرات الإسرائيلية وضربوني وعذبوني تعذيباً شنيعاً واعترفت لهم باني عميل ومرتبط، وبعدها بأيام قال لي الشباب أن إدارة السجن علمت عن التحقيق معي وسيحاولون إنزالي من السجن ويجب أن اضرب عن الطعام وان أطالب بالصعود عند الشباب، وفعلاً طلبتني الإدارة ونزلت إلى الزنازين وتركوني في الزنازين ليومين وبعدها طلبتني المخابرات وقالت لي انك أصبحت في نظر الجبهة التنظيم عميل معنا وان صعدت عندهم سيعدموك والأحسن أن تعمل معنا ونحن سوف نحميك منهم، وفي هذا الوقت كنت في حالة نفسية سيئة جدا ووافقت على الارتباط معهم وقلت لهم: لا أريد أن اصعد عند الشباب وارتبطت مع المخابرات من تلك الفترة وواصلت الارتباط حتى سنة 1991، وبقترة ارتباطي عملت بالزنازين”.(عباس، 2002: 8)
ومثال على ذلك أيضاً العميل (د.م) والذي تحدث عن طريقة ارتباطه قائلاً ” شاركت في الانتفاضة كباقي الشباب، وسجنت على تهمة الجبهة الديموقراطية، وكان عمري لا يتجاوز السابعة عشر، ساومتني المخابرات وخوفتني وضخمت لي قضيتي وأشعروني أنني سوف امكث في السجن فترة طويلة، ثم استغلوا صغر سني وعدم التجربة والوعي، وبدأت من لحظتها أعيش في صراع وخوف مستمر، حتى وصل بي الأمر إلى أن اشك في والدي انه يراقبني وخفت ان يكشفني، ومرة تأخرت في الليل وكنت اعتقد أن والدي ليس في البيت وعندما رجعت وجدته هناك شعرت انه يشك بي، وهربت لإسرائيل لمدة ستة شهور، ثم سلمت نفسي للسلطة، لأني شعرت أن حياتي تحولت لشيء لا يطاق، وهذه المرحلة كانت من اظلم مراحل حياتي. وخوفي وجبني من المخابرات هو الذي أوصلني لهذا الطريق”.(عباس، 2002: 15)
كما استخدم هذا الأسلوب أيضاً مع العميل (هـ.م) والذي تحدث عن طريقة ارتباطه قائلاً ” تنظمت في 1980 وسجنت في نفس العام وعندما اعتقلت انهرت في التحقيق واعترفت على نفسي وأصدقائي والمخابرات استغلت اعترافاتي وقامت بعرض الارتباط على للتجسس على زملائي في السجن بدون إبلاغ التنظيم ووافقت على ذلك وكان عمري 20 عام وكان أيضاً مقابل تخفيض الحكم وواصلت الإرتباط حتى عام 1996 وتم اكتشافي من أجهزة الأمن الفلسطينية واعترفت لهم بعملية الارتباط”.(عباس، 2002: 25)
ويقول العميل (ي.س) “ارتبطت عام 1982 عندما كان عمري 18 سنة ولم اكن متزوجا بل كنت ادرس في الثانوية العامة واعتقلت على خلفية مظاهرات في المدرسة وأخذوني الى التحقيق وخوفوني أثناء التحقيق بأنني سآخذ حكم كبير وهددني ضابط المخابرات بالسجن لفترة طويلة إذا لم ارتبط ووعدوني بتوفير فلوس لي، وخوفاً من السجن والحرمان من التعليم ولسوء الوضع المادي وافقت على الإرتباط”. (عباس، 2002، 27)
ويقول العميل: (ع.ن) 34 عاما، كانت بداية ارتباطي مع المخابرات الإسرائيلية “الشاباك” في عام 1988، حيث اعتقلت في بداية الانتفاضة الأولي مدة 18 يوما، وخلالها استدعاني رجل المخابرات وطلب مني التعاون معهم، والكشف عن هوية راشقي الحجارة، فوافقت على طلبهم كي لا يتم تجديد فترة اعتقالي مرة ثانيه. (جريدة الأيام،2002)
يقول (يعقوب بري) القينا القبض في مايو 1983 على شاب من قرية العين أثناء عودته من الأردن، ادعى الشاب أنه ذهب للأردن للتسجيل في أحد الجامعات الأردنية، كما كان يفعل الكثير من شبان الضفة، وبحسب المعلومات التي توفرت لدينا، فإنه كان مسافراً للانضمام للجبهة الديمقراطية، إنهار الشاب في التحقيق واعترف بذلك وذكر أمام المحققين أنه تم تحديد مقابله له في رام الله مع أحد رموز التنظيم، والذي وصل من لبنان لكي يوصل له وسائل قتالية في مقابل تقرير مفصل منه عن تجمعات السواح في مدينة القدس وفنادقها والأماكن السياحية، وكذلك عن المصانع والسفارات الأجنبية بهدف التخطيط لأعمال تخريبية. نصب رجالنا كمائن لهم في أماكن متفرقة في مكان الاجتماع وهو قلب مدينة رام الله، وانتحل رجل من الشاباك مكان الشاب العربي من العين، ويحمل في يده الإشارة المتفق عليها، وهي نسخة من الصحيفة اللبنانية “الهدف”، وفي الساعة المحددة للقاء وصلت للمكان سيارة بي.أم. وتحمل لوحة أرقام لبنانية. ولم يكن في هذه الجزئية شيئاً غير عادي، حيث أن السلطات الإسرائيلية في تلك الآونة سمحت لسكان جنوب لبنان الدخول بسياراتهم إلى داخل اسرائيل. (بري،1999: 84)
ب) من خلال الاعتقال :
يشكل الاعتقال بحد ذاته أداة هامة في يد المخابرات الإسرائيلية لاستغلالها والضغط من خلالها على المعتقلين ومساومتهم بالإفراج عنهم مقابل التعامل، وخاصة المعتقلين على قضايا جنائية كالسرقة وتجارة المخدرات والقتل وما شابه ذلك، وأن أغلب المعتقلين الفلسطينيين الذين اعتقلوا أو سجنوا، قد وقعوا تحت الضغط ليصبحوا مخبرين وعملاء للاحتلال، بعضهم طلب أن يبقوا كامنين لحين الطلب، والبعض الآخر بدأ يمد الاحتلال بالمعلومات تحت طائلة التهديد المباشر.(ريجبي،2001: 17)
ويقول العميل الخطير (ب.ب) في مقابلة مع مجلة “كول هعير” الأسبوعية المقدسية، “لقد كنت مطلعاً بشكل شخصي على أكثر من ثلاثمائة فلسطيني، تم حذف التهم ضدهم مقابل التعاون، وصرح بأن أحد هؤلاء السجناء، والذي كان عمره ستة عشر سنة قبل عشرين عام عندما طعن فتى في المدينة القديمة من القدس، تم تجنيده عندما كان محتجزاً للمحاكمة، حيث وعده ضابط جهاز الأمن العام بأن يطلق سراحه مقابل التعاون. (بتسيلم،1993: 16)
ويذكر العميل (محمد عياد) الذي تحول لقاتل على أيدي الشين بيت، بأنه قد تم ربطه كما قال جيرانه في قباطية بعدما تعرض للإكراه، عندما اعتقلته الشين بيت في الشهور الأولى من الاحتلال، وكان في العشرين من عمره فقط، حيث اتهم بإثارة بعض المتاعب، وعندما تمت مساومته على الارتباط وأن يستعيد حريته، وافق على ذلك. (ميلمان، ورافيف،1990: 333)
ويقول رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي السابق (يعقوب بري) بأنه في ظل الظروف الضاغطة أوجدنا عملاء، كان التعامل خارج عن ارادتهم. (بري،1999 : 49 – 50)
وقد تحدث كذلك العميل (د.د) وهو عميل نشيط في شهادة لبتسيلم (1993) بأنه قد ارتبط من خلال مساومته لإلغاء التهمة عنه، وقال: اعتقلت في عام (1976) بسبب إخبارية عني بأني أشعل إطارات سيارات على طريق قرب طولكرم، وكان العقاب على مثل هذه الأعمال غرامة حوالي 600 جنيه لقد كنت ابن سبعة عشر عاماً لا أملك مالاً، عرض جهاز الأمن العام الشاباك عليَ إلغاء التهمة إذا وافقت على العمل معهم، فوافقت على الارتباط. (بتسيلم،1993 213)
وكذلك العميل (م. ا) من منطقة نابلس بدأ العمل أيضاً مع الأمن العام بسبب تهمة جنائية تم استغلالها لربطه بالمخابرات الإسرائيلية فوافق على ذلك، ويقول في شهادته لمنظمة بتسيلم (1993) لقد عملت في نهاية السبعينات في مصنع في نتانيا بإسرائيل، واتهمت بتخريب ماكينات في المصنع والتسبب في خراب كبير فيه، والشرطة أخبرتني أنه من الممكن الحكم عليَّ بثماني سنوات، وبينما كنت في الحجز، جاء شخص من الأمن العام لمقابلتي وقال لي أن هناك العديد من الشهود العيان لإدانتي وإنني في مشكلة وأنه الوحيد الذي يستطيع مساعدتي، وعرض علي إلغاء التهم إذا وافقت على العمالة، فوافقت على ذلك.(بتسيلم،1993: 14)
وحدث ذلك أيضاً للعميل (س.ز) الذي قال أنه تم ارتباطه عام 1993 وعمره 22 عاماً، خلال التحقيق عندما اعترف على فعاليات في الانتفاضة، وكان سبب موافقته على الارتباط تخفيف الحكم وإقفال ملف القضية كما وعده ضابط المخابرات، وحكم ثلاثة شهور فقط، وقد جدد الارتباط عام 1997، وذلك إثناء اعتقاله متهرباً للعمل داخل إسرائيل، تم مساومته على الارتباط فوافق، وكان الدافع هو التهديد بالمحاكمة، والخوف من السجن، والاغراءات المادية. (عباس، 2002: 3)
و يقول أيضاً العميل (خ.ع) والذي ارتبط عام 1998 كنت عاطلاً عن العمل فهربت إلى إسرائيل وعملت هناك بشكل غير قانوني، ومن ثم اعتقلت من قبل الشرطة، وبعدها جاء رجل مخابرات وقال من زمان نحن نبحث عنك وأنت مطلوب لنا ومحكوم عليك خمس سنوات، وعرض علىّ العمل في المخابرات، وقال أي شخص يريد أن يغلبك نطيره، ونستطيع تسفيرك على أي دولة تشاء، وصار مساومة مع ضغط، واستهوتني فكرة الخروج من البلاد وأتخلص من غزة ومن أهلي ومشاكلي، ولكن بعد ارتباطي وكان عمري 22 عاماً طلبت منه أن يسفرني ولم يوافق”.(عباس، 2002: 2)
ج) من خلال المقابلات:
وهذا الأسلوب كان يستخدم بشكل كبير قبل خروج القوات الإسرائيلية، من بعض المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، حيث كان يرسل ضابط المخابرات للشخص الذي يرغب في مقابلته طلب استدعاء بالحضور إلى مقر الحاكم العسكري أو الإدارة المدنية، أو أي مكان يختاره. واليوم تتم المقابلات على المعابر خاصة معبر بيت حانون، أو داخل الخط الأخضر وإسرائيل. وهناك تبدأ عملية الضغط والمساومة من أجل التعامل، وقد كانت الشخصيات الضعيفة، سرعان ما تستجيب لهذا الضغط والمساومة، وتوافق على الإرتباط.
ومثال على ذلك العميل (ت.ب) الذي يقول “طلبني ضابط المخابرات الإسرائيلي للمقابلة، وهناك تم تهديدي وابتزازي من قبل المخابرات ومساومتي من خلال مواجهتي ببعض القضايا التي كنت قد قمت بها، وهددني بأنني سوف أحاكم على هذه القضايا، أو أوافق على الارتباط، وقام بإغوائي بالفلوس، وأن يمهد لي الطريق لكي أصبح مسؤول كبير في تنظيم الجبهة العربية، فوافقت خوفاً من الاعتقال والسجن والمحاكمة، خاصة أن الحقائق التي واجهني بها كانت صحيحة ومثبتة ولا أستطيع إنكارها.(عباس،2002: 4)
كما استخدم هذا الاسلوب بشأن العميل (م.ظ) والذي يقول “كان عمري وقت الارتباط 19 سنة، وأثناء عودتي من إسرائيل بعد إنهاء عملي أنا وأخي وقفت على الشارع في الحارة وجاء شباب من الحارة ووقفوا معي، وحينها حضر جيب عسكري وضابط مخابرات وطلب منا هويتنا وطلب مقابلتنا في مركز خان يونس، وذهبت للمقابلة، وخلالها قام ضابط المخابرات بضربي وطلب مني أن اقدم له معلومات وخفت كثيرا، ووافقت على الارتباط من خلال ذلك الخوف والضغط “.(عباس،2002: 9)
أما العميل (أ.أ) فتحدث عن أسلوب ارتباطه من خلال المقابلة قائلاً ” سافرت الى يوغسلافيا سنة 83-1984 للدراسة هناك وبقيت حتى سنة 1984 بسبب عدم إرسال فلوس لي لإكمال الدراسة، وأخذت هناك سنة لغة وسنة هندسة ميكانيكية، وقمت بممارسات جنسية مع نساء، وشربت كحول من خلال الأصدقاء، وعندما عدت الى البيت من السفر تم استدعائي في 1986 الى المخابرات لمقابلته وواجهني بالقضايا التي قمت بها في يوغسلافيا وأعترفت بهذه القضايا وهددني بالسجن 5 سنوات أو الارتباط والمساعدة، فوافقت على الارتباط”.(عباس، 2002: 29)
د) من خلال اسلوب التهديد المباشر:
لقد استطاعت عميلة الموساد المشهورة (أمينة المفتي) أن تحول (مارون الحايك) مسئول الاتصالات في بيروت، من عميل غير مباشر لها لعميل مباشر، وذلك بعد أن أحكمت قبضتها عليه. ولهذا طلبت منه أن يزورها بشقتها في بيروت، فأسرع اليها يمني نفسه بوليمة فسق مثيرة، لكنه ما إن دلف الى الصالون، حتى وقف مذهولاً وقد تجمدت الدماء في عروقه. وبينما جسده ينتفض كانت تنثر أمامه عشرات الصور التي تجمعهما معاً في أوضاع فاضحة، وتفتح جهاز التسجيل ليجيء صوته وهو يدلي بأرقام التليفونات السرية للقادة الفلسطينيين، فاقشعر بدنه وتصبب عرقاً.
انفتح على حين فجأة باب إحدى الغرف والتفت من مارون وهو يرتعد وصدر عنه صرخة تفيض هلعاً عندما رأى ثلاثة رجال ذوي نظارات سوداء ووجوه جامدة كانوا وقفوا متجاورين وأيديهم الى الخلف كالتماثيل.مرت ثوان كالدهر لم ينطق أحدهم بكلمة
لكنها صرخت فيه بعنف، وقد انتهزت فرصة وقوعه تحت السيطرة والشلل العقلي الفجائي الذي أصابه، صفعته بشدة على وجهه والشرر يتطاير من عينيها، فتملكه الفزع وقفز واقفاً يتحسس وجهه، فأطبقت على كل ما بقي لديه من إدراك وهي تهدده بأن فريقاً من الموساد يحاصر بنته . . ورصاص الفلسطينيين يتهدد صدره، وبحسم صرخت فيه أن يوقّع . . فوقّع على الورقة والقلم يرتعش كالبندول بين أصابعه وأردفت: أريد زيارة الغرفة السرية بالسنترال المركزي التي حدثتني عنها. وسوف أقوم بالتناوب – أنا وأنت – بتسجيل المكالمات بين القيادات الفلسطينية ..!!
كان المسكين كالفأر المذعور الذي وقع في المصيدة، سنوات طويلة من حياته مرت به وهو يستمرئ المغامرة ويستلذ اصطياد الفرائس. ولم يتوقع يوماً أن تجيء لحظة ينقلب فيها حاله، ويصبح هو الفريسة المرتجفة، بين يدي امرأة كانت الى عهد قريب ناعمة . مثيرة . . رقيقة انقلبت فجأة الى وحش مسعور، تنبعث رائحة الموت في لفتاتها . . ويسمع له وقع في صوتها الشيطاني الرهيب.
وقد أسفرت عملية تجنيد (مارون الحايك) عن فائدة عظيمة لإسرائيل . . إذ أن التجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية، كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة. ولم تكن الأحاديث التليفونية المتداولة من خلال التليفونات السرية أحاديثاً مكشوفة تماماً، يستطيع المتنتصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها. (المفتي،2003: انترنت)
وقد استخدمت المخابرات الصهيونية، هذا الأسلوب بشكل موسع مع كثير من المواطنين، حيث كانت تستغل أي ثلمة في حياة الفرد، فتجعل منها موضوعاً خطيراً، ثم تقوم بالضغط عليه من خلال ذلك الموقف.
4- أساليب الخداع والاستدراج:
إن فكرة التجنيد لدى الموساد أو الشاباك الإسرائيلي، تشبه دحرجة صخرة عن تله إلى الهاوية، هذه هي الطريقة التي يتم بها الاستدراج والتوريط لعملية التجنيد للتعامل، حيث يتم أخذ الشخص المستهدف، وجعله يتدحرج في السقوط تدريجيا، كأن يقوم بشيء مخالف للقانون أو للأخلاق، ويتم دفعة منحدراً عن التلة بطريق الخداع والاستدراج إلى هاوية التعامل والارتباط. لكن إن كان هذا الشخص على قاعدة راسخة فإنه لن يقدم المساعدة، ولا يمكن استخدامه، لأن القصد كله هو أن يتم استخدام الناس. ولكن لكي يتم استخدامهم يجب تجهيزهم وتحضيرهم لذلك. وخلق القابلية والاستعداد لديهم، أو خلق مشاكل تدفعهم للهاوية، وذلك بشتى الوسائل، ومن أجل خلق الظروف المناسبة لأجل اصطياده وتجنيده.
والاستدراج يعتبر إحدى وسائل جمع المعلومات، عن طريق محادثة عادية بين شخصين أو عدة أشخاص، يستطيع أحدهم أن يحصل على معلومات من الآخرين، دون معرفة قصده الحقيقي. وعملية الاستدراج تتعلق بكفاءة الرجل الاستخباري من حيث قدرته على أن يكون مقبولا في الجلسة، وقادرا على كسب الأصدقاء بسهولة، يعج بالمعرفة والفطنة والذكاء وسرعة البديهة، ويعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، وكيف يدفع الآخرين للحدث، وكيف يطرح المواضيع التي يريد أن يسمع عنها ويناقشها دون أن يترك مجالا للشعور بأنها مهمة، وذلك بتواضع، وفي نفس الوقت يعطي المتحدث شعورا بأهميته. كما لا بد من الأخذ بالاعتبار النواحي النفسية التي تدفع الإنسان للحديث، فالحديث أهم وسائل التعبير عن الذات، واهم من ذلك أن الغالبية العظمى لا تحتمل الاحتفاظ بالأسرار، فيبحثون عن الشخص المناسب أو الجو المناسب ليبدأو بالحديث عما لديهم من أسرار، وفي نفس الوقت للتعبير عن قدرتهم ووصولهم. (شحادة،1992: 131-132)
وقد عمدت المخابرات الإسرائيلية لاستخدام الأساليب والوسائل الخفية والملتوية من الخداع، للحصول على المعلومات المطلوبة، وكانت طرق ووسائل الخداع هذه لا تستخدم فقط للحصول على المعلومات، وإنما تستخدم أيضاً للقيام بعمليات الإغتيال وغيرها. (بليدوسكا، ويلوتش،1991: 63)
ومن أهم أساليب ووسائل الخداع والاستدراج التي ينتهجها الاحتلال الاسرائيلي:
أ) من خلال التظاهر بالمساعدة في البحث عن عمل:
في مقابلة مع جريدة القدس، يروي العميل: (حيدر محمود غانم) 39 عاما، من مخيم رفح، ويعمل في “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان. كيفية ارتباطه مع المخابرات الإسرائيلية. ويقول: حصلت على بكالوريوس لغة عربية، وعملت في المجال الصحفي، وأخيرا عملت كباحث ميداني في مركز “بتسيلم” الإسرائيلي لحقوق الإنسان… وقد بدأت عملية ارتباطي مع المخابرات الإسرائيلية عام 1996 ، حين قرأت إعلانا للقوى العاملة في إحدى الصحف لمن يريد أي وظيفة في إسرائيل من الضفة الغربية والقطاع، وبالفعل تقدمت وأرسلت سيرة ذاتية على الفاكس على الرقم الموجود في الإعلان. وبعد فترة جاءني الرد بقبول طلبي في وظيفة بالمجال الصحفي عبر مؤسسة حملت اسم مركز دراسات استراتيجي للشرق الأوسط. وكانوا يطلبون مني تقارير حول البنى الاستراتيجية في غزة. كانوا يقولون انهم يوزعون خدمات صحفية على الصحف إلى أن دعوني إلى حضور حفل للمكتب وهناك عرفوني على شخصية إسرائيلية تعمل في مجال دراسات الشرق الأوسط. وحينها شعرت انه ضابط في المخابرات وليس خبيرا، ومع ذلك واصلت إرسال المواد التي يطلبها، لان ما أرسله مجرد تقارير صحفية. وبعد سنة من العمل مع هذا الضابط الإسرائيلي قررت أن أتوقف عن تزويده بالمعلومات ولكنه أوضح علانية انه ضابط مخابرات وأنني اعمل مع المخابرات الإسرائيلية وهددني بان لي صورا معه وهو يرتدي الزي العسكري وكنت إلى جواره في الصورة وكانت الصورة حميمة جدا ما دفعني إلى الاستمرار في عملي معهم. (جريدة القدس، 2003)
ب) من خلال التظاهر بالعمل الإنساني:
ومن وسائل الخداع في التعامل مع العدو الصهيوني، أنهم يوهمون البعض بأن هدفهم فقط هو مجرد القيام بتقديم المعونات العامة للشعب الفلسطيني، ويدعون بأن لديهم ميزانية يريدون من يساعدهم في توزيعها على المحتاجين، وفي هذه الحالة يوافق البعض على مساعدتهم، ومن هنا تبدأ الخيانة.
يقول رئيس الشاباك السابق (يعقوب بري) إن أحد العملاء البارزين الذي جندته في بداية فترة عملي كان شيخا محترما من أحد مخيمات اللاجئين وقد قدم هذا الشيخ طلب للحاكم العسكري بالسماح لزوجته لتلقي علاج في مستشفى هداسا في القدس حيث أن هذا العلاج لم يكن موجودا في نابلس وحتى في الأردن، وقد دعوته لمكتبي على أساس أنني أريد أن أبحث معه الموضوع وأثناء حديثي معه حاولت أن استوضح ما إذا كان مستعداً للعمل معنا، ولكن أجابني سلباً ومن خلال آيات قرآنية بان المساعدة للكفار هي ضد مبادئ الإسلام ولذلك لا يوجد لديه نية للاستجابة، وبدون أن ينتظر إجابتي قام وترك الغرفة، ولكن رغم ذلك أصدرت تعليماتي لإعطاء تصريح لزوجته للذهاب لمستشفى هداسا بالقدس، ولم أره زمنا طويلا، وفي أحد الأيام حضر بشكل مفاجئ لمكتبي وطلب أن يحادثني “فاستقبلته فوراً وطلب مني أن أقدم شكره وشكر زوجته للأطباء في المستشفى لما لاقته من عناية، وعندها سألته هل فكرت مرة أخرى باقتراحي، فرد لقد فكرت بذلك كثيرا وأنا أوافق أن أساعدكم بشرط أن تعدني بأن تستخدم المعلومات التي سأجلبها لك فقط لمنع عمليات تستهدف حياة الأطفال والنساء، فوعدته بأن استخدم المعلومات لمنع عمليات تستهدف المدنيين.
وقد ساعدناه بان يشتري شاحنة قديمة، فقد سافر بها من قرية لأخرى ومن مخيم لآخر لبيع الملابس وتقديم خدمة روحانية للناس وجمع المعلومات من أجلنا، وتعودنا أن نلتقي به في أماكن سرية مختلفة في الخلاء أو في شقق للمقابلة كان الشاباك يوفرها من اجل متابعة العملاء. وعندما استخدمنا المعلومات التي قدمها، تعودنا أن نوضح له بأننا بهذه الطريقة نجحنا بمنع قتل أبرياء، وإنني قد وفيت بوعدي له ولم أحيد عن الحقيقة. وقد كان الشيخ يكتب تقاريره بخط يد رائع، هذه التقارير جعلتني اضطلع بشكل مذهل بصورة من التعابير المختلفة والتي كنت متعود عليها، هذه التعابير كان مصدرها من القرآن وأحاديث كثيرة من اللغة العربية.
والشيخ لم يكتب أن فلان أو إعلان مشتبه بقيامه بالانتماء لتنظيم غير قانوني، فقد كان وصفه الضبابي بهذا الشكل ” يوجد مكان للشك في جوهر الصداقة المتراكمة بين فلان وعلان والذين يلتقون بصورة دائمة تحت تلك الشجرة على مدخل القرية. ومعلومات الشيخ كما هي معلومات رجال دين آخرين تعاونوا معنا حيث كانت تشمل رموز ضبابية وغير سهلة تكون بين السطور. وبالمقارنة مع عملاء آخرين خاطر الشيخ بحياته يوما بيوم وساعة بساعة فالتنظيمات الإرهابية تسارع بالضغط على الزناد عندما تستطيع أن تكشف متعاون مع الشاباك، مصير كهذا كان متوقع أيضا للشيخ في حال تم اكتشاف انه يعمل من أجلنا، هو بنفسه كان مدرك ذلك، لكن أبدا لم أرَ خوفاً بعينيه.(بري،1999: 54)
وعبر الخداع بالأسلوب الإنساني أيضاً تم تجنيد عميل بارز وناجح آخر، حيث كان تجنيده في أعقاب إعلان في صحيفة قيل فيها إن سائق تكسي من قرية في شمال الضفة، كان شاهد عيان لحادث طرق بين سيارتين إسرائيليتين، وقام هذا السائق بنقل الجرحى بسيارته إلى المستشفى، لذلك قدم له الحكم العسكري شهادة تقدير، ومن جانبنا وضعنا أعيننا عليه، وقد كان السائق عضواَ في الحزب الشيوعي وتم استدعاؤه ومناقشته للعمل معنا حيث أبرزنا له أن الهدف هو جانب إنساني لإنقاذ حياة المدنيين في كلا الطرفين، فوافق على العمل لمصلحتنا. (بري،1999: 55)
ومن بين العملاء المخدوعين ممن صنفوا كعملاء معتقدين أنهم يقدمون خدمة ومساهمة لمجتمعهم وللقضية الفلسطينية بشكل عام، العميل الفلسطيني (أ. هـ) البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً الذي ارتبط مع الشاباك الإسرائيلي عام (1971)، ويتحدث عن عملية تجنيده بأنها كانت توريطه، حيث قال: ” وجدت مخزنين وخوذة في الطريق أخذتها للشرطة وهناك قد شكروني ووعدوني بأنني إذا احتجت لمساعدة فسوف يقدموها لي وما عليّ إلا أن أتوجه إليهم، وبدأت بالفعل من هذا الباب بدون ارتباط وشيئاً فشيئاً وجدت نفسي أقدم لهم خدمات، مقابل ما أحصل على خدمات، ثم حُولت للمخابرات لأبدأ التعامل وبشكل رسمي. (بتسيلم،1993: 8)
ج) من خلال التظاهر بالعمل ضد عدو مشترك:
كان ذلك يتم عبر إيهام شخصاً ما بأنهم يحاربوا عدو مشترك، الشيوعية، أو الأصولية، أو الإرهاب، أو أي مسمى يعتقدوا أنه يمثل قاعدة تفاهم مشتركة أو تناغم مع الإطار المرجعي للفرد.
يقول (يعقوب بري) كان هناك عملاء ولكن ليسوا كثيرون ساعدونا من خلال جوانب فكرية. أي أقصد الحديث عن أناس آمنوا انهم يفعلون ذلك كخطوة سليمة للتقليل من سكب الدماء وللتقدم في عملية التطبيع لأجل السلام بين الشعبين، وهم اعتادوا بان يرسلوا لنا المعلومة التي كان فحواها حسب رأيهم خدمة لهذا الهدف، وليس أي شئ آخر. وكان لهم ميزة أخرى كانت تتمثل في رفضهم الحازم تلقي اجر، من اجل أن لا يعتبروا خونة حسب وجهة نظرهم.(بري،1999: 78)
وكذلك العميل المصري (محمد إبراهيم كامل) تم تجنيده أيضا بطريقة المخادعة وهو يظن أنه يحسن صنعاً، وهذا في طبيعته جهل بالوعي الأمني وأخذ الأمور بشكل من البراءة، وإن كانت حاجته المادية الصعبة التي خرج لروما من أجل تحسينها لم تشفع له تلك العلاقة الخطيرة، وقد فاتحه ضابط المخابرات الإسرائيلي قائلاً: لقد حدثنا عنك صديقك، الذي يعرفك منذ زمن طويل، ونحن نعمل في مكافحة الشيوعية في المنطقة، ولا نريد أن تخون وطنك، وكل ما هو مطلوب منك لقاء راتبك الذي سيكون ثلاثمائة دولار أميركي شهرياً هو بعض المعلومات عن خطر الشيوعية في المنطقة فقط. (مجدي،1995: 809)
وعلى نطاق التجسس العالمي قامت مخابرات ألمانيا الشرقية باستدراج مربية اسمها (كالزهورست) تعتبرها رئاسة فرع “برلين” للخدمة السرية السوفييتية مخبراً مفيداً وقد تسلمت هذه المربية على غير انتظار برقية من والدتها التي تعيش في مدينة (جلاوخاو) في ألمانيا الشرقية أنها مريضة وأنها في حالة خطرة وطلبت منها أن تحضر حالاً”، وكانت هذه البرقية عبارة عن خدعة لحملها على المجيء إلى ألمانيا الشرقية، وعندما وصلت إلى هناك أخذت إلى رئاسة الخدمة السرية السوفيتية، وطلب منها أن تعمل جاسوسة في ألمانيا الغربية، وقد حذرت بأنها سوف ترسل هي وأمها إلى معسكر السخرة إذا ما رفضت أن تقدم المساعدة الوطنية للخدمة السرية السوفيتية، وفي المقابل سوف تحصل على راتب سخي نظير خدماتها.(هاتون،1980: 160)
د) من خلال التظاهر بالحب :
ومن أشهر قصص الاستدراج والخداع والتوريط في عاطفة الحب والغرام، تلك التي تعرض لها عالم الذرة العراقي (بطرس بن حليم)، حيث بدأت القصة حين وقفت عن قصد له في موقف الباصات الذي تعود الركوب منه في باريس، امرأة شقراء عميلة للموساد مثيرة بلباس يكشف من جسمها ما فيه الكفاية لإثارة رغبة أي رجل، وذلك من أجل لفت نظره إليها لتمرير مخطط محكم ومرسوم جيداً من قبل الموساد لإسقاطه وتوريطه في التعامل والتي فعلاً استطاعت بعد رحلة طويلة من الاستدراج أن تسقطه في براثن المخابرات الإسرائيلية.(28:Osrousky, Hoy, 1990)
وبنفس الطريقة والأسلوب تم ربط العميل العراقي الجنسية (منير ردفه) وهو أحد أفراد أسرة مسيحية مارونية ثرية في العراق كان قد تدرب عند السوفيت، وكان طياراً في سرب من طائرات ميغ 21، أحدث ما أنتجه السوفييت في ذلك الحين. ومن أجل توريطه في التعامل تم إرسال فتاه جاسوسة من الموساد إلى العراق تقمصت دور سائحة غنية، حضرت بعض الحفلات العالية المستوى في بغداد، واستطاعت أن تسحر الطيار العراقي، مع أَنه كان متزوجاً وجعلته يقع في غرامها ورفضت ممارسة الجنس معه في العراق، وعرضت عليه أن يذهب معها إلى أوروبا، وعندها يمكن أن ينال ما يريد، ووافق الطيار على مرافقتها إلى باريس، حيث يمكن أن يعيشا قصة غرام مفعمة بالسعادة، وبعد يومين قضاهما في فرنسا أكتشف أنه تم توريطه في التعامل. ثم وافق على الذهاب مع المرأة الفاتنة إلى إسرائيل، بجواز سفر مزور، ثم بعد بضعة أيام عاد هو والعميلة الإسرائيلية، التي كان يظن أنها صديقته الأمريكية إلى بغداد، وكان قد اتفق في إسرائيل بوضع دفعه له تحت الحساب في مصرف سويسري. ثم تم تهريب عائلته من العراق، بمساعدة بعض العملاء الإسرائيليين، ومن ثم نقلهم لإسرائيل، ومقابل ذلك هرب بطائرة الميج إلى إسرائيل. حيث استقبله رئيس الموساد آنذاك (مائير أميت)، وتم إعطاؤه وأسرته هويات جديدة وباقي المبلغ الذي وعدوا به، وكل ما احتاجوا إليه لبدء حياة جديدة في إسرائيل. (ميلمان،ورافيف،1991: 117)
كما أجبرت الجاسوسة (باميلا) الأمريكية الجنسية، على التعاون مع المخابرات السوفيتية، بفعل تعلقها بعشيقها عازف الجاز والمطرب الراقص (وليام) بعد أن هددها إذا لم توافق على التعامل، فإنه سوف يفضحها بعملية الإجهاض التي عملتها، وكذلك بنشر صورها الجنسية معه. (عبد الهادي،1991: 143)
وكذلك استطاع الجاسوس الألماني الشرقي تجنيد (ايلكه فالك) الألمانية الغربية كعميلة له عن طرق الخداع عبر الحب، والتي سرعان ما شغفت به حباً وهي التي أمضت شبابها تبحث عن الرجل الكامل، أما هو فقد كانت هذه هي وظيفته التقرب ما أمكن إلى قلبها وإيقاعها في شباكه ومن ثم السيطرة عليها جسدياً ونفسياً وعلاقة العشق التي قامت بينهما كانت لمصلحة الحبيب الذي أوقع العشيقة في حبائله، واستثمر ذلك إلى أقصى حدود الاستثمار، حيث كان عملها في المستشارية الألمانية كسكرتيرة، وهذا العمل يعطي الكثير من المعلومات التي تمس أمن ألمانيا، وتجسست على المستشار السابق لحكومة ألمانيا (هيلموت شميت)، واستمرت كذلك تتجسس على المستشار (هيلموت كول) إلى أن نقلت بناء على طلبها، للعمل سكرتيرة بوزارة التعاون الاقتصادي لتزويد حبيبها بمعلومات عن أسرار وزارة التعاون الاقتصادي، حيث كان يأمر وهي تنفذ، وكلما أراد معلومة من إدارة طلب منها الانتقال إلى هذه الإدارة، وهي تطيع لأنها تعودت أن تقول نعم، حتى لو أدى ذلك إلى السجن.(عبده،1989: 174)
وبهذه العاطفة تم ربط العميلة (هاجن) مع المخابرات السورية، وهي صحيفة أمريكية تعمل في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث كانت معجبة بكثير من المندوبين العرب، لذلك وافقت على التجسس على إسرائيل من أجل خطيبها الدبلوماسي السوري (غالب الخيلي)، وفي عام (1956) ذهبت إلى إسرائيل كمراسلة أجنبية وبدأت في إرسال التقارير للمخابرات السورية، ولأنها بدت مهتمة بشكل غير مألوف ضمن معايير إسرائيل، بدأت الشين بيت تراقبها على مدار الساعة، وقام رجال المخابرات الإسرائيلية بالقبض عليها، و أدينت بالتجسس، وقضت ثمانية شهور في سجن إسرائيلي. (عبده،1992: ج2،367)
هـ) من خلال أسلوب دحرجة المعلومات:
يقول (يعقوب بري) في بعض الأوقات هناك أسباب ألزمتنا القيام بعمليات واسعة النطاق، أو “عمليات الخنق” أنا بنفسي اشتركت بأربعة من هذه العمليات. وفي إطار هذه العمليات أحاطت قوات كبيرة من الجيش بالقصبة وجميع الرجال تم إحضارهم لنقطة تجميع لكي يتم تشخيصهم والوصول إلى المطلوبين والمشبوهين وذلك حسب قائمة أعدت مسبقا من قبل الشاباك، ومن خلال المقابلات التي نجريها يتم دحرجة المعلومات من شخص لآخر حتى تتبلور لدينا صورة ما عن بعض ما نريد.
وفي أحد هذه العمليات تم اقتحام منزل وهرب منه شخص مطلوب، ولكن نعتقد بأنه قد أصيب، بحثنا عنه ولم نجدة، وفي المساء التقيت في مكان سري مع عميل كان يسكن بأحد مخيمات اللاجئين بالقرب من المدينة، كلماته الأولى كانت ” أطلقتم أمس النار على شخص من بيت فوريك “، وتبحثون عنه، أجبته بنعم. وحسب أقواله وصل المصاب لتلقي العلاج عند طبيب يسكن في نفس المخيم، ولم يكن لديه أي تفاصيل أخرى. وعميلنا كان مقرب من الطبيب، لو أسرعنا لدعوة الطبيب للتحقيق لكنا تلقائيا قد حرقنا عميلنا ومن المؤكد سنجده بأحد الأيام القريبة جثته بأحد الحقول البعيدة، ومع ذلك لم يكن لدينا أي خيار إلا أن نعتقل المطلوب، فهو لم يكن سمكة صغيرة، ونشاطه سبب لنا أضرار كبيرة، كان علينا أن نخلق أسباب تمكننا من تلقي المعلومات المطلوبة بدون أن يشك الطبيب بأحد. فلجأنا إلى الحيلة.
طلبت من قيادة الشؤون الطبية بالضفة الغربية التابعة للجيش أن يستدعي جميع الأطباء المتواجدين في مدينة نابلس ومخيمات للاجئين القريبة من المدينة لاجتماع عاجل بشأن مهني، وفي اليوم التالي صباحا اجتمع الأطباء عنده ومن بينهم أيضا الطبيب الذي عالج المصاب طلبنا من رجل شاباك كان يعمل في مكان أخر لم يكن معروف لأي من الأطباء، أن يشترك في الاجتماع بصفة ضابط قيادة للشؤون الطبية، وفي إحدى الاستراحات أقام علاقة مع الطبيب، والذي قام بالتحدث عن عمله وعن المشاكل المهنية التي مرت عليه، ورجلنا طرح هو أيضا مشكلة مهنية، وحدث الطبيب أن قوة من الجيش قامت بجولة عادية في “بيت فوريك” ودخلت لبيت أحد المواطنين وأطلقت النار بالخطأ على شخص عندما حاول الهرب، بعد ذلك اتضح لنا بان هذا الشخص برئ، وهو أصيب بالخطأ والجيش قلق عليه من انه إذا مات نتيجة أصابته تحدث فضيحة، لوحظ أن الطبيب يميل إلى التصديق أن الإسرائيليين يفتشون عن المصاب من اجل أن يعالجوه بصورة افضل من اجل إنقاذ حياته، وزيادة على ذلك، لان ضابط الشاباك المزيف أكد أن المصاب برئ، استنتج الطبيب أن الحديث يدور عن موضوع إنساني، ولذلك من الأفضل التعاون، وحيلتنا توجت بالنجاح، الطبيب بدأ قبل كل شئ وطلب أن يتم التأكيد له بأنه لن يعاقب في أعقاب ما يقوله، والوعد أعطى له فورا وفي نفس المكان عالجت هذا المصاب اعترف “أخرجت له العيارات النارية من رجله ونقلته إلى بيت قريب لي من اجل أن يرتاح قليلا” وأعطى رجلنا العنوان، وخرجنا نحن فورا إلي هناك واعتقلنا المطلوب. (بري،1999: 56)
و) من خلال أسلوب إثارة الخوف من المجهول:
يقول (يعقوب بري) ” بينما كان يسير عجوز بدوي في أحد شوارع (تل الفول) وهي تله تقع في أحد شوارع القدس الغربية، فجأة بدد السكون صوت محرك سيارة. فتوقف البدوي واختبأ وراء أحد الأدغال، فرأي سيارة تسير ليس ببعيد عنه. وبينما هو كذلك فتح أحد أبوابها، وألقيت منه حقيبة. ثم أقفل الباب، واختفت السيارة في دقائق معدودة.
لاحظ أحد الاخوة أن شخصاً ما من سكان البيوت المجاورة كان يحدق بهم. والأوامر بالنسبة لهم كانت محددة وهي القضاء فورا على كل من يشاهد العملية، ولكن وقع خلاف بين الاخوة إذ أراد زهير قتل الرجل فوراً مع زوجته التي كانت معه في البيت. واعترض الأخوين الآخرين على ذلك بشدة. وأخيرا قرروا عدم القتل ثم عادوا إلى البيت –وكان ذلك يمثل صدعاً في جدار التصميم الذي كان عليه الاخوة- وعندها اقترب البدوي بخطوات متجهاً نحو الحقيبة.
وقال البدوي لاحقاً للمحققين ” اعتقدت أن الحقيبة تحتوي على شيء ذي قيمة ” ولكن لما فتح الحقيبة، وجد بدلا من ذلك مواد تخريبية وأسلحة، فما كان منه لا أن استدعي الشرطة. وطبقاً للقواعد الأمنية ما أن علمنا بالخبر حتى سارع رجالنا إلى هناك، ولم يساورنا أدني شك بأن أحدهم قد رمي الحقيبة متعمداً في ذلك المكان المتفق عليه مسبقاً لاستخدامها من قبل الخلايا التخريبية. ثم أدلي البدوي بمعلومة مهمة كذلك، حيث تمكن من التعرف على أحد الركاب، أنه كان من عائلة ملاعبة، وفوراً تحركت قوة من الشرطة وحرس الحدود نحو أحيائهم السكنية، ضربنا طوقاً حول المنطقة لكي نتمكن من إلقاء القبض عليهم، في اللحظة التي كان الاخوة الثلاثة فيها منهمكين بنصب مدافع الكاتيوشا على جبل المكبر. ومن المنظر الذي تجلي لهم أدرك الاخوة أن قوات الأمن اكتشفت أمرهم. وفي الحال ارتجلوا قصة للتغطية على ذلك. (بري،1999: 82)
ز) من خلال تقمص الأدوار (طريقة الانتحال):
يشكل الجهل وانعدام الوعي وغياب الحس الأمني لدى الكثير من عناصر التنظيمات ركيزة أساسية يعتمد عليها ضابط المخابرات بانتهاج هذا الأسلوب. حيث تعتمد العملية على ضباط المخابرات الإسرائيلي نفسه، فينتحل شخصية وطنية من خارج أو داخل الوطن، ويتقمص مشاعر وشعارات المناضل أو المجاهد الحقيقية.
ومن أحدث أساليب تجنيد العملاء ، التي اعتمدها رجل المخابرات الصهيوني، في الساحة الفلسطينية، طريقة الانتحال، وهذا الأسلوب تم العمل به من قبل المخابرات الإسرائيلية بكثافة خلال الانتفاضة الحالية، وهو يعد من أخطر أساليب التجنيد وأكثرها تحقيقاً لاحتياجات ضابط المخابرات خاصة فيما يتعلق بالاحتياجات التي يصعب على العملاء المجندون بطريقة مباشرة الوصول إليها لأي سبب كان. وهو أسلوب ناجح ومفيد بالنسبة لضابط المخابرات ويمكنه تحقيق مكاسب سياسية من خلاله.
والتجنيد عبر الإدعاء بالعمل الوطني والإسلامي، وهو أسلوب حديث الاستخدام في قطاع غزة، وبه يستطيع ضباط المخابرات الإسرائيلي خلق مصادر معلومات ذوى فائدة أكثر من المجندين معه كعملاء عاديين، حيث أن العميل لا يدرك تماماً أنه يعمل لصالح ضابط مخابرات إسرائيلي ظاناً أنه يقوم بعمل وطني أو إسلامي شريف. وفي هذا الاسلوب يقوم ضابط المخابرات بانتحال شخصية تنظيمية، ويعمل على تجنيد خلايا لها، ويحرص ألا توجد لها قواعد أو قيادة في داخل البلد، كتنظيم القاعدة أو حزب الله. ولا بد في هذه العملية أن يكون لدى ضابط المخابرات معلومات أساسية عن تركيبة التنظيم، حيث في الغالب يكون ضابط المخابرات متقمصاً لشخصية رجل تنظيم ذو مستوى عالي ويتمتع بسرية عالية جداً، ويفهم وضع وظروف التنظيم بالداخل. ويسمي نفسه اسم ينسجم مع عقلية ونفسية الشخص المراد تنظيمة، بحيث يكون هذا الشخص مقتنعاً طوال فترة العلاقة بأنه فعلاً منظم لتنظيم وطني أو اسلامي بحسب الطلب. ولإتمام دورة الخداع والتضليل يستخدم رجل المخابرات تقنيات حديثة، مثل إرسال الرسائل التنظيمية عن طريق الإنترنت.
وقد يساعد أحياناً رجل المخابرات في هذه المهمة، عملاء آخرون محترفون، غالباً دون حتى أن يدركوا جوهر المهمة التي يقومون بها، ويقتصر دورهم في كثير من الاحيان على العمل اللوجستيكي، كوضع أموال أو تستلم رسائل في نقاط ميته، وقد تكون في بعض الأحيان وضع أدوات قتالية وأسلحة قد تكون مشركة أو تحتوي على أجهزة متابعة. ويحرص ضابط المخابرات في هذا الاسلوب، على الاهتمام بالآتي:
– تبنى أفكار الهدف، والثقافة السائدة في المجتمع: فهو يتحدث في هذه المواضيع بإسهاب مع هدفه ويحاول دائماً ترغيبه بالأشياء المطلوبة المنسجمة مع الثقافة السائدة لدية. ويكون على فهم جيد بالثقافة السائدة في التنظيم والمجتمع آنذاك. ويحرص ضابط المخابرات منذ الاتصال الأول أن يطرح أفكاراً واهداف تتناسب مع أفكار الهدف ومشاعره ويتدرج ضابط المخابرات في هذا التبني كلما تقدم بعملية التجنيد.
– تنويع أساليب العمل: وذلك بما يخدم الأهداف التي يعمل عليها ضابط المخابرات من مرحلة لأخرى، بما يتناسب وظروف هذه المرحلة ومتطلباتها. وفي عملية التفريغ الوطني كان العملاء الكبار “المستوى الأول” “والمستوى الثاني” “ينظمون الشباب بأسماء التنظيمات وييسروا لهم سبل ليقوموا بأعمال مناقضة للوطنية.
– الإختيار وفق الهدف: يبحث عن هدف قابل للتجنيد بسهوله قادر على تزويده بالمعلومات ويعرف ضابط المخابرات عنه الكثير من المعلومات الشخصية والتنظيمية.
-المبالغه في الدعوة للسرية: ويبالغ ضابط المخابرات بشخصيته المنتحله الجديدة، في التركيز على السرية في العمل بدرجة كبيرة.
– توفر الاتصال بالهدف: وطرق الاتصال الأفضل في هذا الأسلوب هي الكمبيوتر (الأنترنت) أو الفاكس، حيث يحاول ضابط المخابرات بالعادة إيجاد حبكة للاتصال، ونهاية المكالمة يعطي ضابط المخابرات الهدف لقب جديد ويعده بالاتصال مره أخرى. ويطلب ضابط المخابرات من الهدف شراء محمول إذا لم يمتلك ذلك، وإذا كان يمتلك جوال يطلب منه شراء شريحة أورنج.
– تزويد الهدف بالمال: يزوده بالمال الكافي، مما يولد لدية قناعة بأن المتصل خط خارجي حقيقي، يرسل له المال للعمل الوطني، وقد يطلب منه شراء سلاح لذلك.
– عدم تعجل المعلومات المطلوبة: لا يتعجل ضابط المخابرات في طلب المعلومات من هدفه ولا يطلبها منه مباشرة إلا في بعض الحالات الضرورية وبعد أن يضمن ثقة الهدف به وسيطرته عليه.
– قصر الفترة الزمنية للعلاقة: نظراً لتعقيد عملية التجنيد غير المباشر، فإن العلاقة بين الضابط والشخص المخدوع، لا تستمر طويلاً، وتستغرق فترة معينة ثم تنقطع. (مركز أفق، 2003: 23)

القسم الثاني: أدوات التجسس والتعامل:
تعرض مفهوم التجسس والاستخبار للتحول الكمي والنوعي على مدار الحقب التاريخية، وأصبحت هناك تقنيات وأدوات مستحدثة، بإمكانها تولي كثير من المهام بالإنابة عن العنصر البشري، وفي ضوء التطور التكنولوجي المضطرد، باتت هذه الأدوات متاحة لمختلف القوى الدولية، وإن كان بمستويات مختلفة من التركيز والقدرة على الأداء.
كما أصبح هناك محطات تجسسية بالغة التعقيد تتحرك وتعمل على مدار الساعة، كان لها دور كبير في إجراء عمليات التنصت والتصوير والتقاط المعلومات وتقديمها للمعنيين على نحو عاجل ودقيق، براً أو بحراً أو فضاءاً.
ويرتبط التجنيد للعملاء بشكل عام باحتياج المخابرات المجندة لهذا العميل، فمع تنوع الاحتياجات الأمنية للمخابرات، يتنوع العملاء. وضباط المخابرات الإسرائيليين استطاعوا التكيف بسرعة فائقة مع الوضع الجديد، والاحتياج المتجدد. وقد ساهم في هذا التكيف التطور السريع لوسائل الاتصالات وانتشار الأجهزة الحديثة بكافة أنواعها. حيث أن ضباط المخابرات الإسرائيليين لا يألون جهداً عن تطويع التقنيات الحديثة لخدمة أهدافهم، وهذا ما نلاحظه حالياً من استغلالهم لشبكة الإنترنت في الاتصال بعملائهم، أو بإسقاط عملاء جدد بطريقةغير مباشرة، خاصة مع الانتشار الواسع لمقاهي الإنترنت. وكذلك ضباط المخابرات الإسرائيليين على تزويد عملائهم بالأموال عن طريق البنوك المحلية والأجنبية، التي شكلت الرافد الأهم للتمويل حديثاً. كما وظفت بشكل ملحوظ التقنية العالية والتكنولوجيا الحديثة في ملاحقة وتصفية واغتيال الفادة العسكريين والسياسيين الفلسطينيين.
وتنقسم أدوات التعامل والتجسس إلى قسمين، الأدوات التقليدية، وغير تقليدية:
أولاً: الأدوات التقليدية :
إن الحصول على المعلومات، وإرسالها، هو أساس في عملية التجسس، ويغدو البعد السري بالغ الأهمية، وقد استخدمت العمليه التجسسيه عبر تاريخها أدوات تقليديه منها:
1- الرسائل والحبر السري:
ويجب أن تكتب الرسائل بشكل سري، بحيث لا تستطيع الجهه المعاديه، أن تتعرف على محتوياتها، حتى لو وقعت في يدها. وذلك عبر وسائل اخفاء معينة، من أبرزها:
– الحبر السري: وهنالك ثلاثة أنواع من الأحبار السرية المتعارف عليها، وهي:
– الحبر السري العضوي: وتكتب به الرسائل السرية لأنه لا يرى بالعين العادية، إلا بتعريض الرسالة للإحماء بالنار، ويصنع من مواد عضوية كعرق الإنسان وبوله، ولعابه، ودمع عينه، إضافة إلى ماء البصل، والليمون، والخل، وزيت الجوز، وماءه.
– الحبر السري الكيميائي: وتكتب به الرسائل السرية لأنه يتضح عندما تعالج الرسالة السرية بعامل كيمائي معين ويتم صنعه من مواد كيميائية.
– الحبر السري المشع: حيث تكتب الرسائل بمادة طبيعية، كالمواد المستخدمة في التصوير بالأشعة السينية، وهي لا ترى عند الكتابة بها على الورق، ولكن يمكن قراءتها بوضوح عند تعريضها للأشعة السينية.
2- النقطة الميكروسكوبية :
وهي تتمثل في تصغير الرسائل حتى تصل إلى حجم نقطة صغيرة تلصق على طابع البريد، أو في نهاية إحدى الفقرات في رسالة عادية، أو في مكان متفق عليه، أو في موضع الهاتف العمومي، ثم يأتي الجاسوس الآخر لأخذها دون أن يقابلا بعضهما.
3- نظام الشيفرة:
بحيث يتم تحويل الرسالة العادية إلى أشكال يصعب حلُّها إلا على من يعرفون تلك القواعد المتفق عليها، وقد شمل مجال الشفرة الإشارات المرئية والصوتية بحيث ترسل وكالات البث التلفزيوني بثها عبر الأقمار الصناعية بطريقة غير قابلة للرؤية والاستماع إلا للمشتركين الذين يتملكون جهاز استقبال معين، أو جهاز يمكن المشترك من إعادة عرض البث بشكله الطبيعي قبل أن يوضع في شفرة، كما دخلت الشفرة مجالات أخرى، كالمكالمات السلكية واللاسلكية، وأجهزة الحاسوب.
4- نظام الرموز:
يختلف الرمز أو الكود عن الشفرة، فبينما تستخدم الشفرة حرفاً أو رقماً، ليرمز إلى حرف أو رقم آخر، فان الرمز يستخدم كلمات أو جمل أحياناً لتشير إلى كلمة أو كلمات أو جملاً أخرى. والرسالة المرسلة بالشفرة أو الرمز تتطلب مزيداً من إجراءات التأمين، كإرسال الشفرة دون مواعيد منتظمة، ومضاعفة سرعة التسجيل في حالة الرسائل المرسلة عبر الهاتف السلكي واللاسلكي، واتباع إجراءات أمن الاتصال.(نميري، 1996: إنترنت)
رمز الحائط: ويكون ذلك بواسطة رسم اشارة على الحائط، متعارف عليها بين ضابط المخابرات والعميل، يتم فيها تحديد مثلاً ساعة اللقاء مكانه، وأثناء مروره الضابط أو العميل في المكان يتم التعرف على المطلوب.
5- الأفلام الدقيقة:
وهذا النمط يجري فيه استخدام العدسات للتكبير والتصغير، فتصغر الرسالة عند ارسالها إلى أصغر حجم ممكن، عبر الميكروفيلم، وعند استلامها يتم تكبيرها مجدداً.
6- الصحف اليومية:
ويتم استخدام الصحف اليومية كوسيلة خفية، من خلال الإعلان عن منزل للإيجار أو مكتب للعمل، ويكون ذلك رمزاً بين طرفين للقاء في زمان ومكان محددين، أو يمكن ذلك بإرسال كتاب، أو صحيفة مع إحداث ثقب دبوس في الكلمات التي تشكل الرسالة السرية.
7- آلات التصوير :
وهي وسائل تصوير صغيرة يستخدمها الجاسوس للاتصال، ويكون بالإمكان إخفاؤها، أو دسها في غلاف كتاب أو غطاء، أو في المواضع السرية في حقائب السفر، وطفايات السجائر المعتادة.
8- تجسس عبر الهاتف، أو الخلوي:
استغل الهاتف العادي والخلوي كأداة تجسس من خلال التنصت على المكالمات، وقد ساهم التطور التكنولوجي في توفير إمكانيات أكثر تعقيداً. وهناك طرق عديدة لذلك منها وضع أجهزة صغيرة داخل آلة الهاتف، أو اعتراض أسلاك الهاتف وتوصيلاته لالتقاط المكالمات، وغير ذلك من الوسائل. ويعتبر مكبر الصوت أكثر الأدوات استعمالاً، حيث يُخبأ في المكان المستهدف، أو يتفرع منه سلك، ويتطلب زرعه أن ينجح أحد العملاء في دخول موقع الهدف لوضعها هنالك.
9- التجسس بزرع أجهزة التنصت :
وذلك من خلال إحداث ثقب في الجدار، أو في أطراف الأبواب والشبابيك، من الصعب ملاحظتها، ويسمح بمرور الهواء من الغرفة إلى مكبر الصوت الموضوع في الخارج، وينقل ما يدور في تلك الغرفة للجاسوس المكلف، بالصوت والصورة أحياناً.
10- التجسس عبر شريط التسجيل:
يستخدم شريط التسجيل لاستراق السمع، من خلال استخدام آلات تسجيل تعمل بالأشرطة لتسجيل ما يدور من أحاديث في المكان المستهدف بالمراقبة، وهي وسيلة لا تحتاج إلى من يديرها طوال الوقت، ويحدد حجم آلة التسجيل حسب مكان التصنت نفسه، فآلات التسجيل التي توضع داخل الهدف تكون صغيرة جداً حتى لا تلاحظ، أما التي توضع في الخارج بمكان مجاور أو بعيد ، فقد ستخدم آلات تسجيل كبيرة الحجم.
11- التجسس عبر موجات الراديو:
يعد الراديو من أدوات استراق السمع بحيث يتم إدخال مكبر الصوت والمرسل والبطارية فيها، وتكون بأحجام صغيرة، ويتراوح مدى الإرسال بين المائة متر إلى أكثر من ميل. وقد يتم التجسس من خلال جهاز صغير يزرع في شقة مجاورة، ومن ثم يقوم بنقل الحديث من الطرف الآخر، ويتم سماعه على موجة راديو محددة.
ثانياً: الأدوات غير التقليدية:
1- تجسس البرغوث الالكتروني:
آخر تقنيات التجسس هو برغوث الكتروني تستخدمه المخابرات الامريكية في التجسس على الدول العربية، ودخل البرغوث الالكتروني عالم الجاسوسية والمخابرات بقوته ودقته المتناهية واثبت نجاحا كبيرا في الحصول على المعلومات المطلوبة ونقلها بسرعة مذهلة، كما يستطيع البرغوث الجاسوس الذي يصعب اكتشافه الحصول على معلومات لم تكن تستيطع الاجهزة المخابراتية الوصول اليها كتحليل الحالةالنفسية للاشخاص المطلوب التجسس عليهم وخاصة الرؤساء.
واول اكتشاف لهذا البرغوث تم في المانيا عام 1987 وكان عبارة عن مرسل صغير حيث اشار العالم الالماني (ابرش شميدت ابينوم) ان استخدام مرسل بالغ الصغر يمكن تركيبه في أي كمبيوتر يستطيع ان يرسل ما هو موجود في هذه الكمبيوترات الى الاقمار الصناعية خلال جزء من الثانية وذلك بزراعته سواء في وحدة المعالجة المركزية أو ما يطلق عليه لوحة الرقائق cub)) أو في احدى الرقائق الموجودة في اللوحة. وقد تسلمت الموساد هذه التكنولوجيا المتقدمة (بروميس) من المخبرات الامريكية التي قامت بدروها بزرعها في الكمبيوترات التي تباع الى البلدان العربية، ومن ثم استطاع الكيان الصهيوني الاطلاع على محتويات هذه الكمبيوترات بتعاون الجهازين الاستخبارين. (الامريكي والصهيوني) حيث يجري تزويد الكمبيوتر (ببرغوث الكتروني) او البرغوث الذكي، وهو يقوم بسحب المعلومات والاسرار وارسالها لأي مكان، عن طريق محطات التقاط ومنها الى الاقمار الصناعية.
ولم يتم اكتشاف هذا البرنامج او البرغوث منذ بداية إستخدامه إلا عام 1993 على يد مدير المخابرات الفرنسية التي اكتشفتها مزروعا في كمبيوتر منظمة تحرير فلسطين وبالتحديد في مكتب ابو مازن اثناء وجوده في تونس حيث كان ينقل المعلومات اولا باول لاسرائيل وامريكا.(عبد المجيد،2003: انترنت)
2- تجسس البحثي العلمي :
للتجسس باب خلفي هو البحث العلمي، ففي مصر مثلاً توجد أربعين مؤسسة بحثية امريكية عملها الظاهر الابحاث العلمية، والحقيقي هو جمع معلومات مهمة عن المجتمع المصري بهدف تشريحه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لمعرفة نقاط القوة والضعف واستغلال ذلك لمصالحهم كترويج افكار معينة او تغيير سلوكيات وتقاليد.
ونتيجة للبحوث الدقيقة التي اجرتها امريكا عن انتاج واستهلاك القمح بمصر استطاعت وبضغوط سياسية ان توقف تنفيذ خطة مصرية سودانية لزراعة مليوني فدان قمح من اراضي الجزيرة بالسودان، بتمويل خليجي. ومن امثلة مراكز البحوث الامريكية في مصر القابعة في قفص الاتهام (مؤسسات فورد، وفورد فونديش، وهيئة A.Dومؤسسة EBIK ) وتقوم بتمويل المؤسسات الوكالة الامريكية للتنمية التي تتبع الكونجرس الامريكي، وتنفق 10 ملايين دولار سنويا على معلومات عن الاحزاب والانتخابات والاتحادات والنقابات العمالية، وتمارس هذه المؤسسات عملها عن طريق توظيف القيادات البيروقراطية لتكون اداة طيعة في يدها، بجانب استغلال الجماعات وبعض الوزارات والمراكز السياسية والاستراتيجية المعروفة بميولها الغربية، وبعض القيادات الاعلامية والصحفية لتأثيرها على الرأي العام.(عبد المجيد،2003: انترنت)
3- تجسس التحليل النفسي :
استخدمت المخابرات الامريكية علماء النفس والاخصائيين النفسيين لتحليل المعلومات الخام، لمعرفة الحالة النفسية للرؤساء العرب. وقد كان رجل المخابرات (مايلزكوبلاند) منوطاً بجمع المعلومات عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وذلك بتكليف من الاطباء النفسيين والعاديين التابعين للمخابرات الامريكية. كما قد وصف أحد تقارير (س.أي. ايه) السادات بانه يصاب بنوبات من (القلق العصبي الشديد) وسواء كانت المعلومات الصحية والنفسية صحيحة ام لا، الا انها كانت تلعب دورا كبيرا في رسم سياسة الولايات المتحدة، حيث يذكر “كوبلاند” في كتابه (لعبة الامم) انه بعد وصول المعلومات الى رجال المخابرات يتقمص كل شخص منهم شخصية احد الرؤساء وفقا لتقارير الحالتين النفسية والصحية، ويبدأ في التفكير بدلا منه.
وقد قام في الاونة الاخيرة فريق من علماء النفس الاسرائيليين بدراسة وتحليل شخصية الرئيس ابو عمار، ومن خلال ذلك قدموا لرئيس الوزراء الاسرائيلي رؤية عن شخصيته، وكيفية التعامل مع هذه الشخصية.
كما طلب البيت الابيض من المخابرات الامريكية وضع اجهزة تنصت في غرفة الشاه المصاب بالسرطان، فاصدر الرئيس الامريكي قرارا كتابيا بالتجسس، وتم زرع اجهزة الكترونية داخل غرفة الشاه في احد مستشفيات نيويورك، ويبدو انه بناء على نتائج التجسس قامت الادارة بطرد الصديق الشاه والبحث عن طريق آخر للتعامل معه.
4- تجسس الطائرات بدون طيار:
وهي عبارة عن طائرة بدون طيار يتم إطلاقها بواسطة قاذف على عربة، وتستعاد بواسطة شبكة، ويتم توجيهها والتحكم في حركتها لاسلكياً من قاعدة الإطلاق أو في برمجتها بواسطة الكمبيوتر الموجود فيها، وتقوم الطائرة بدون طيار بتصوير الهدف و ترسل الطائرة هذه الصورة إلى القاعدة المعنية، والتي ترسل بدورها السلاح الملائم لضرب الهدف، وبعد ضربه تقوم الطائرة بدون طيار بتصويره ثانية وإرسال الصورة إلى القاعدة، وتتم هذه العملية كلها خلال 20 دقيقة فقط.
ولقد راعت إسرائيل في تصنيع هذا النوع من الطائرات أن تتوفر فيها عدة مواصفات أهمها، قلة الكلفة لتقليل خسارة فقدها، وكفاية التشغيل والاستخدام، وسهولة الاستعمال ويسر التجهيزات، وسرعة استقبال المعلومات ومرونة التعامل معها. وهذه تستخدم بشكل موسع في عمليات التصفية والاغتيال.(عطوى: 2003، انترنت)
5- تجسس الأقمار الصناعية:
أصبحت الأقمار الصناعية من أهم وسائل جمع المعلومات، بعد أن تم توظيفها في هذا الشأن توظيفاً متطوراً من خلال تزويدها بأجهزة متقدمة للتصوير بعيد المدى.
ويلعب القمر الصناعي دوراً بالغ الأهمية في التجسس من خلال:
– تخفيض احتمال ضربة مفاجئة، وذلك من خلال تجسسه على المنشآت والتحركات العسكرية للدول الأخرى وإرسال إنذارات مبكرة عنها.
– التجسس على بطاريات المدفعية والصواريخ وتجمعات الدبابات والقواعد الجوية للدول، ورصد ما يطرأ على المناطق المدنية والعسكرية من متغيرات وتطورات.
– بإمكان الأقمار، التجسس وإعاقة الاتصالات السلكية واللاسلكية ووسائل الاستطلاع الإشعاعية للدول الأخرى، والسيطرة والتجسس على الاتصالات الهاتفية للبلدان والتقاطها وتسجيلها.
– توفير كماً هائلاً من المعلومات المهمة، حيث يتم الحصول على المعلومات الرقمية بواسطة المستشعرات على متن القمر الصناعي “ويتم توصيلها لحظياً إلى ذاكرة الكومبيوتر على متن هذا القمر، حيث تضاف إليها ساعة الحصول على المعلومات والتاريخ وإحداثيات أماكن تواجد الصور أو مصادر البث اللاسلكي المسجل، ثم تضغط هذه المعلومات إلكترونياً وتشّفر ليتم بثها إلى محطة أرضية عند صدور الأمر بذلك، أو تبث بشكل ما إلى حين يصبح قمر التجسس في مركز مداري ملائم للبث فوق محطة استقبال أرضية صديقة، أو أيضاً أن يصبح قريباً من قمر متخصص في إعادة البث والتقوية، وهناك عدد من أقمار إعادة البث والتقوية وضعت في مدارات ملائمة لتوصيل رسائل قمر التجسس حتى لو كان هذا الأخير في الجهة المقابلة للكرة الأرضية حيث محطة الاستقبال الأرضية الخاصة به، وحال تسلم المحطة الأرضية للمعلومات يتم تحليلها وفك شيفرتها، ثم تصنف وتوجه إلى كومبيوتر التخزين الرئيسي حيث يمكن للمستخدمين استعادة المعلومات المصوّرة أو معطيات البث عند الحاجة”.(عطوى: 2003، انترنت)
وتمتلك إسرائيل أربع أقمار صناعية تستغلها في عمليات التجسس، وهي:
– ” أوفيك أفق -1″ أطلق عام 1988.
– “أوفيك -2″ أطلق عام 1990.
– “أوفيك ـ 3″ أطلق عام 1995.
– “عاموس-1″ أطلق في العام 1996، وقامت إسرائيل بوضعه فوق مدار القمر العربي “عربسات ـ 2″ في أجواء كينيا وذلك للتجسس على الاتصالات العربية.
ومعد لـ”أوفيك –3″ أن يمر مباشرة فوق بعض العواصم العربية، ومن هذا المدار، فإن ” أوفيك –3″ المجهز بمعدات تشغيل تعمل بواسطة الطاقة الشمسية وبأنظمة استطلاع وتجسس بصرية ومعدات تنصت إلكترونية وسمعية متطورة، ستكون له قدرة استطلاعية تجسسية هائلة ستشمل على صور فوتوغرافية تصل إلى درجة “قراءة ” أرقام السيارات في الشوارع، وعلى التنصت على المكالمات الهاتفية واللاسلكية في أنحاء واسعة من منطقة الشرق الأوسط من دون أي عائق.(عطوى: 2003، الانترنت)
6- تجسس الاستشعار من بُعد:
يعد الاستشعار من بعد من أهم التقنيات التي استغلت لتكون إحدى أدوات التجسس، واصبح من خلالها يمكن ارتياد الأهداف التي تبعد آلاف الأميال، وارتياد سطح الكرة الأرضية كاملاً، والنفاذ إلى أغوار الأرض، وأعماق البحار.
7- تجسس عبر الآثير:
أتاحت الأدوات الإلكترونية كأداة تجسس، إمكانية مسح الأجواء، بحثاً عن رسائل الأعداء المبثوثة عبر الأثير، واعتراضها، وتحديد محطات البث، وفك رموز الشّفرات، ثمّ التشويش على بث الأعداء وتضليله.
8- التجسس بأجهزة الرؤية الليلية:
تُستخدم لمراقبة الأهداف ليلاً، باستعمال الأشعة غير المرئية، والأشعة دون الحمراء، وتمكن هذه الأجهزة من رؤية أهداف على بعد 600 إلى 1000 قدم، وذلك بتكبير الضوء الخافت المنبعث من الهدف نحو خمسين ألف مرة.(نميري، 1996، إنترنت)
9- جهاز بومباردسي.ألـ.327:
وهو أحدث جهاز للتجسس والمراقبة الإلكتروني الدقيق، وهو يؤمن مسحاً طوبوغرافياً شاملاً، وينقل التحركات الدقيقة من الجو مباشرة بالصورة والصوت إلى مراكز الاستخبارات الإسرائيلية في السفن البحرية، وهو عبارة عن جسم أصغر من الطائرة المروحية، دائري في أسفله وأعلاه يربط ما بينهما أنبوب أسطواني يحتوي على مروحتين تساعدانه على التحليق لساعات طويلة بدون الاعتماد على الوقود، ويكون مزوداً بأسفله بعيون كاشفة على شكل كاميرات فيديو تعمل بالأشعة تحت الحمراء مربوطة لاسلكياً بمركز تحكم وتوجيه نحو الهدف المطلوب للتجسس عليه…وتمتلك إسرائيل هذه التقنية.
10- التجسس عبر المنطاد:
وهو عبارة عن مركبة هوائية تستمد قوتها من كيس مملوء بغاز أخف من الهواء وهو عادة غاز الهليوم غير القابل للاشتعال، وهو مزوّد بمحرك وقد زودته إسرائيل بأجهزة للتجسس. وتمتلك إسرائيل كثير من المناطيد.
11- تجسس الرادار الصخرة:
طوّرت إسرائيل راداراً يشبه الصخرة تماماً وذلك للتمويه وبإمكانه إرسال الصور عن المنطقة التي هو فيها إلى الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
12- التجسس عبر اللاصق : هذا اللاصق يتم وضعه على مكان الهدف المحدد، الذي تنوي المخابرات الاسرائيلية تدميره، او قصفه، او اغتياله ان كان شخص معين. وقد استخدم في عمليات الاغتيال..كما توظف أجهزة تحديد الاتجاه بالراديو لمتابعة السيارات، حيث أنها تعمل على إرسال إشارة تصدر عن مغناطيس يُلصق بالمركبة “الهدف”، بحيث يمكن التقاط الهدف من مسافات تصل إلى نحو خمسة أميال، وقوة وضوح الإشارة المستلمة تُحدد مسافة السيارة الهدف. وقد استخدمت هذه الوسيلة من قبل بعض العملاء في فلسطين في عملية تحديد سيارات المقاومين لتنفيذ عمليات اغتيال ضدهم.
الفصل الخامس

أولاً: إجراءات الوقاية من العملاء:
مظاهر الانحراف والجريمة بشكل عام:
أن بروز الميول العدوانية لدى الفرد تجاه الآخرين، لها ارتباط، بطبيعة العلاقة مع الآخر (الوالدين) في البدء، فإذا كانت هذه العلاقه تسودها معايير صحيحة في جميع مجالاتها، تنشأ العلاقه مع الآخر المجتمع على شاكلتها، فالحب والحنان والرعاية وروح التعاون والمحبة، التي تسود الذات (الأنا) مع الآخر الوالدين، تؤدي في الأغلب إلى أن تسود هذه الروح العلاقة مع الآخر المجتمع، وإذا كانت هذه العلاقة تشوبها معايير الأنانية والحقد والكراهية والانحلال، فإنه بالتالي تسود هذه المعاني علاقة الفرد بالمجتمع القريب من حوله. فمثلاً عندما يتعود الطفل من والديه أن الحياة فرص مادية وانتهازية، ولا مكان للأخلاق فيها، فإنه يمارس هذا السلوك مع الآخرين، في البداية بشكل من التلقائية العفوية التي يغلب عليها طابع التقليد، وإذا حقق في حياته بعضاً من النجاح عبر هذا المنطق، فإنه يعتمد لديه، ويصبح من الصعب التراجع عنه إلا بموقف صدمي يعيد له التوازن والاعتدال.
إن الطفل يولد صفحة بيضاء يمكن أن يرسم عليها من يشاء، ما يشاء، فذات الطفل ما زالت في طور التشكل والبلورة، برغم أن الذات “النفس” تولد وتوجد مع وجود الفرد إلا أنها تتبلور، وتتحدد معالمها وأركانها عبر الواقع المعاش، ومن خلال هذا الواقع، ومن خلال الآخرين خاصه الوالدين في البداية، يبدأ الفرد في نسج صورة عن ذاته، ويتم ذلك في البداية عبر المرآة العاكسة لسلوك الآخرين تجاهه.
إن الآخر اللصيق المتمثل بالوالدين هم مرآة الطفل الذي يرى نفسه من خلالها، وهذه المرآة هي عاكسة لذاته، من قبل الآخرين له وخاصة الوالدين، والثقة بالنفس مثلاً، التي تمتد معه طوال سني حياته، تنعكس على ذاته كمرآة عاكسة لترتد على الآخرين من حوله، أي تنتقل هذه الثقة للآخرين، فتسود علاقته بالغير بدءاً من الآخر الفرد، حتى الآخر المجموع المحيط به، والذي عبرة يستمد انتماءه وولائه، وتتبلور وفقه هويته الوطنية والقومية.
كم أنه إذا تمتع بعلاقة وثيقة وحب للآخر القريب المجتمع، يجعله يتقبل كل ما يطرحه هذا الآخر من مفاهيم وأعراف وتقاليد، ولكن إذا حدث شرخ في علاقته بهذا الآخر فإنه يبحث عن آخر يستمد منه الدعم والعون والقوة، ولا يجد أمامه إلا الآخر الغريب، الذي قد ينبهر بسلوكه وأفكاره، مما يؤدي إلى التقليد والاتباع لكل ما يصدر عنه، وقد يتطور الأمر بالتوحد معه، فيصبح يرى برؤيته، وينظر بعينه. وتزداد الأمور خطورة وصعوبة إذا كان هذا الآخر الغريب عدواً أو محتلاً، مما يجعل الأمر ينقلب إلى ضد هويته الشخصيه والجمعيه. (عباس،2004: 215)
وهكذا يتبين بأن الفرد ينحرف عبر سلسلة من التفاعلات، تمتد منذ لحظة ولادته، ومنذ تشكيل النواه الأولى لشخصيته، ومنذ لحظة بناء الذات لديه، ثم الانسلاخ والتنكر للآخر الحميم (الوالدين)، والتمرد على الآخر القريب (المجتمع)، وبالتالي يبدأ في، والحب والولاء، وربما التوحد مع الآخر البعيد، الذي قد يكون صديق، أو قد يكون عدو، وهنا تكون الكارثة، لأن الفرد ينتقل إلى نقيض ذاته، ومحيطه اللصيق، ومحيطه القريب، ويعود خادماً مطيعاً للآخر البعيد.
وهكذا فإن الشخص المنحرف يتشكل لديه عبر تاريخه الطويل، وعبر رحلة من الانحراف الكامن والمستتر، عداءة للمجتمع في أحضان والديه، ومن خلال التنشئة الأولى له، والتي تكمن خطورتها في حفر مسار الطفل فيما بعد، نحو ذاته والآخرين من حوله، ثم تأتي العوامل الأخرى المساندة والمساعدة والضاغطة لإنماء هذا الانحراف وهذا الإجرام ضد المجتمع.
ولكن الانحراف من قبل الفرد ضد المجتمع، ليس بالضرورة أن يقود للتعامل مع العدو، أي ليس بالضرورة أن الفرد الذي يمارس سلوكاً مضاداً للمجتمع أن يتحول للنقيض، ويوظف حقده وكرهه للمجتمع الذي يعيش فيه، إلى حب لمجتمع العدو.
وقد ثبت أن كثير من المنحرفين والمجرمين داخل المجتمع، يمكن أن يمارسوا أنواع كثيرة من الجرائم بحق مجتمعهم، ولكن عندما يصل الأمر إلى ممارسة هذا الإجرام لحساب الآخر (العدو) يرفضون ذتك وبشدة، وربما ينقلبوا بغريزة الكره للعدو، لمقاومة هذا العدو بكل ضراوة وعنف، اكثر من غيرهم، لأنهم يجدوا في ذلك متنفساً لتصريف طاقة الكره للآخر ضد المجتمع، إلى الآخر العدو.
نستطيع أن نرسم بوضوح ملامح شخصية العميل قياساً على شخصية الأفراد المنحرفين والمجرمين في المجتمع. حيث يمكن للمرء أن يلمس بشكل لا يدع مجالاً للشك، ما للآخر اللصيق (الوالدين) من أهميه في حياة الطفل، ويرى معظم علماء النفس أن السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل هي الأهم في حياته، حيث تحفر فيها فكرته عن ذاته، وتنسج الخيوط الأولى من كينونة. وقد عبر عن ذلك الرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أهله يهودانه، أو يمسجانه، أو ينصرانه)، ومصداقاً للقول الشائع “العلم في الصغر كالنقش في الحجر”.
(عباس،2004: 211)
الوقاية من الجريمة التعامل:
إن من حق كل مجتمع أن يتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً في التعامل مع الإنحراف، حتى يتمكن أن يوفر لمواطنيه الإحساس بالأمن والنظام، ومجتمعنا من هذه الناحية لا يختلف عن سائر المجتمعات في ذلك، حيث أنه يستخدم العقاب مع المجرمين، ولكنه يعتمد على الوقاية والعلاج لهم كذلك. (كاشدان، 1977: 178)
ويمكن الوقاية من هذه الظاهرة بإتباع بعض الخطوات الآتية:
1- التوعية العقدية، والوطنية:
تبتدئ مسألة التعامل من الفراغ العقدي والإيماني، وعدم التوعية الوطنية والسياسية، والأمنية. فأما عقيدياً وإيمانياً فان الولاء لليهود وإسرائيل يجب أن يعمم بأنه كفر يخرج صاحبه من دائرة المؤمنين ويحشرهم في زمرة اليهود. “ومن يتولهم منكم فانه منهم”.(نوفل،2000: إنترنت)
وأما التوعية الوطنية فيجب أن تعمم لدى الجميع بأن ذلك أخطر مما يتصور البعض، حيث تضع الفرد في خانة خيانة الوطن، أي في دائرة العدو، لأنهم بذلك يمثلون خطراً داهماً لبلدهم وشعبهم.
2- التوعية الأمنية الشاملة: أي تعميم نظرية الأمن الشعبي لدى جميع المواطنين على غرار ما يحدث في إسرائيل فالأمن يجب أن يكون مطلب جماعي وشعبي للجميع، ويجب أن يتم التنسيق بين جميع فئات وطبقات وأحزاب ومنظمات البلد في الميدان الأمني ومكافحة التجسس حيث إننا نرى في واقع الدولة اليهودية أن كل السكان اليهود هم بمثابة عين ساهرة على أمنهم، خاصة أن من طبيعة كيانهم أنه لا يوجد حد فاصل فيه بين المدني والعسكري، فالسكان اليهود جميعاً هم مدربون تحت طلب الخدمة العسكرية الاحتياطية، والمخابراتية، ويعتبرون جميعاً جنوداً في الجيش الإسرائيلي عند الحاجة، أو في لحظة الخطر، مما يجعل الحضور الأمني موجوداً في كل مرافق الحياة بدءاً من عمال المخازن والدكاكين والمواصلات والاتصالات والخدمات حتى سائقي التاكسي إلى أعلى أجهزة الدولة. وفوق هذا فإن الفرد اليهودي العادي في إسرائيل مدفوع دوماً إلى خدمة أجهزة المخابرات بضغط عملية غسل الدماغ اليومية والمستمرة، تحت شعار المحافظة على بقاء إسرائيل. وليس السكان اليهود في إسرائيل فقط، بل كذلك اليهود في جميع أنحاء العالم أيضاً، مطلوب منهم التعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية بدعوى المحافظة على بقاء الدولة اليهودية. لذلك تقوم المنظمات اليهودية في جميع أنحاء العالم، حتى الخيرية منها، بإمداد المخابرات الإسرائيلية بالمعلومات وفق تعليمات هذه المخابرات الدائمة، وتقدم التغطية المطلوبة للعاملين في هذه الأجهزة، وتتعاون معهم في جميع العمليات الخارجية. (الجزائري،16:1992)
ولهذا حري بنا ونحن أصحاب الحق الشرعيين، أن نحافظ على أمن وطننا ومجتمعنا، وعلى أمن أنفسنا قبل ذلك، من عبث العابثين، وعيون الخائنين.
3- تماسك الجبهة الداخلية: إن مقاومة التجسس تقضي بتوعية المجتمع ليكون كل فرد فيه حذراً ويقظاً بمخططات الأعداء، والمحافظة على الأسرار وربط عملية إفشاء السر للعدو بخيانة لله ورسوله والمؤمنين، وهي أمانات، يقول الله تعالى عنها: “يَآيهَا الذينَ آمنُوا لا تخونُوا اللهَ والرسولَ وتخونُوا أماناتكُم وأنتُم تعلمونَ”.(الأنفال، الآية 27)
وهذا يستدعي أن تكون الجبهة الداخلية متماسكة، لقوله تعالى “بعضهم أولياء بعض”، لا يوالون عدواً، ولا يُسلمون نصيراً، قال تعالى: “يَأيهَا الذينَ آمنُوا لا تتخذُوا عدوي وعدوكُم أولياءَ تلقُونَ إليهم بالمودةِ وقَد كفرُوا بمَا جاءكُم مِن الحقِ”.(الممتحنة، الآية1) وتماسك الجبهة الداخلية أمر رباني حيث يقول الله عز وجل: “والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضهُم أولياءُ بعض يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ ويقيمونَ الصلاةَ ويؤتونَ الزكاةَ ويطيعونَ اللهَ ورسولهُ أولئكَ سيرحمهمُ اللهُ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ”(التوبة،الآية71)
ومن تماسك الجبهة الداخلية الاعتصام بحبل الله وعدم الفُرقة لقوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”. كما لا تفرقهم الشائعات، ولا يُضعف عزمهم التخذيل والأراجيف: “الذينَ قالَ لهمُ الناسُ إنَّ الناسَ قَد جمعُوا لكُم فاخشوهُم فزادهُم إيماناً وقالُوا حسبنَا اللهُ ونعمَ الوكيلُ”(آل عمران، الآية 173)
4- وقاية المواقع والأفراد:
وهو ما يختص بأمن الأفراد وأمن المنشآت وأمن المعلومات ووسائل الاتصال وكافة الإجراءات الأمنية التي تحقق الوقاية من تجسس الأعداء. وقد قال العرب قديماً “درهم وقاية خير من قنطار علاج” وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالوقاية والحيطة والحذر: (يَأيهَا الذينَ آمنُوا خذُوا حذركُم فانفرُوا ثُباتاً أو انفرُوا جميعاً)(النساء، الآية 71). (النميري،: 1996، إنترنت)
5- التآزر والإسناد العاطفي والاجتماعي:
إن أسلوب التعامل مع النكبات التي تمر بالإنسان يختلف عن أسلوب التعامل مع الضغط الداخلي. فالضغط الداخلي يحتاج إلى أسلوب الإسناد الانفعالي، وهو الأسلوب الأكثر استخداماً. فأساليب التعامل مع الضغوط الناجمة عن فقدان شخص عزيز أو الحرائق التي تحصل لممتلكات الإنسان وأمواله، أو النكبات الطبيعية، أو مع الأزمة النفسية الشديدة، أو الصدمات الانفعالية العنيفة، أو اضطراب في علاقة الفرد مع غيره من الأفراد على مستوى البيت أو العمل أو المجتمع الصغير، وغير ذلك من المشكلات أو الصعوبات التي يجابهها الفرد في حياته، والتي تدفع به إلى حالة من الضيق والتوتر والقلق، فأنها تحتاج منه لاستيعاب الموقف والتفاعل معه بنجاح، فيتخذ أسلوباً لحل تلك الأزمة، أو ذلك الضغط وفق استراتيجية نفسية خاصة تتناسب وشخصيته.
أو يلجأ لحل توفيقي وسطي، أو تسوية مؤقتة بينه وبين القوى الضاغطة، أشبه ببديل تعويضي عن فشل الكبت وما يترتب عليه من قلق، أو يلجأ لأسلوب الإسناد الاجتماعي، أو بعبارة أخرى الإسناد من الآخر الذي يجد في الأغلب لديه القدرة على تقديم الدعم والمساندة له، حيث تعارف الناس، أنه إذا أصيب شخص بعزيزٍ له أو بمال أو بآفة، أمروه بالبكاء أو الشكاية لبث أشجانه، ويسعى البعض للحصول على مساعدة الآخر اجتماعياً أو نفسياً، فيلجأ البعض إلى الأهل أو الأقرباء أو حتى العشيرة في بعض المجتمعات للحصول على الدعم الأمني عند الشعور بالتهديد لسبب معين، وقد يتجه البعض إلى أصدقائهم بهدف الحصول على الدعم والاطمئنان على مستقبلهم.
6- البعد عن التباهي والثرثرة:
ويقول العميل (حيدر غانم) : لقد كنت بجهد قليل اعرف كل هذه المعلومات، لان العناصر كانوا يتبرعون بالحديث عن قصص كانت تحدث معهم في السهرات التي كنت انظمها في بيتي. وكنت ادعوهم عندي الى البيت واعرض عليهم خدماتي وبعض المطلوبين كان ينام عندي احيانا. وقد استطعت الوصول الى كثير من قادة المقاومة الشعبية.
ويستطرد قائلاً: لذلك انصح عناصر المقاومة وقادة الشعب الفلسطيني في كافة الفصائل، عدم التسرع باعطاء ما لديهم من معلومات لأي كان، وعدم التفاخر بكثير من القضايا التي يعرفونها، فالمخابرات الاسرائيلية تاخذ كل صغير او كبير من معلومات تفيدها في ضرب ابناء شعبنا، الذي يتبرع احيانا بالبوح بكل ما لديه من اسرار لاي كان.(جريدة القدس، 2003)
أساليب الوقاية:
إن أساليب الوقاية هي الطريق والإجراءات التي يتخذها كل مناضل لبناء دائرة شخصيتة وفق مفاهيمه النضالية لتشكل له حصن لا يخترق وهي بالطبع أساس التعبئة النضالية والجماهيرية فأسرة المناضل هي الخندق الأول ويجب أن تكون كذلك لكي لا تخترق من فبل العدو.
ومن أبرز إجراءات الوقاية على مستوى الفرد هي:
– إيلاء كل الجهد للاخوة والأخوات وإرشادهم على مستوى الثقافة الأمنية والعلاقة والاهتمامات ليصبح لديهم وضوحاً ناضجاً حول مجريات الأمور.
– تعريف الاخوة والأخوات بطابع عدونا وأهدافه وأساليبه وتثقيفه بسبل مجابهة وطرق الرد على إغراءات وضغوطات العدو.
– مراقبة علاقات الاخوة والأخوات وصداقاتهم وبتر العلاقات مع مشبوهين أو سيئ السمعة، أو العملاء، ومن ثم خلق البديل. وخاصه للأخوات ومنعهن من إقامة أي صلة مع فتيات ونساء ساقطات أو مشبوهات، لأن مجرد العلاقة معهن تلحق الضرر بالفتاه.
– دفع الاخوة المؤهلين للانخراط في العمل النضالي أن ينخرطوا في إطار مؤسسة وطنية. (فتح،ب.ت: 31)
ومن أهم أمور الوقاية على مستوى المجتمع:
– الاهتمام بهذه الظاهرة بشكل أكبر، كتشكيل فريق مشترك من المتخصصين للعمل من أجل سبر غور هذه الظاهرة، والتعرف علي بواعثها وعواملها.
– أن تهتم وزارة التربية والتعليم، بإدخال مادة تعليمية للطلبة خاصة في سن المراهقة، عن هذه الظاهرة، عبر مادة (التربية الوطنية) من أجل نشر الوعي، لما لذلك من أهمية كبيرة داخل فلسطين يفوق كثير من المجالات والأمور التي يتم تناولها.
– تتبني وزارة الأوقاف مواعظ إيمانية، ودروس وندوات في المساجد، عن هذه الظاهرة التي أصبحت تمس أمن كل بيت وفرد داخل المجتمع الفلسطيني.
– يتم التركيز عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، علي تقديم الإرشادات العامة والهامة، حول هذه الظاهرة، وتبني فكرة الأمن الشعبي لدي جميع فئات وشرائح الشعب.
– يتم عمل أفلام ومسرحيات وتمثليات، عن خطورة هذه الظاهرة، أو عن طريق مقارنة العمل الفدائي لصالح الوطن، بالنشاط التجسسي لصالح العدو.
– لا يتم معاقبة من اعترفوا بجريمة التعامل كلهم بنفس المستوي، بحيث يتم تصنيفهم حسب طبيعة الجرم الذي اقترفوه، وأضرار هذا الجرم علي المستوي العام، والخاص.
– لا يتم أخذ ذوي العملاء بجريرتهم، وذلك بضرورة الفصل بين معاملة العميل، وبين معاملة ذويه، خاصة أن كل ذوي العملاء أو الأغلب منهم لا يعرف بتعامل هذا الشخص، ولا يوافق علي هذه الممارسة بتاتاً.
– لا يتم تلويث سمعة عائلة العميل، أو التسبب لهم بالحرج من كون العميل ينحدر من هذه العائلة، خاصة وأن أغلب العائلات في فلسطين هي عائلات مناضلة، شاركت في الثورة ، إما بالشهداء أو المعتقلين أو المصابين أو المنفيين أو غير ذلك.
– يعمل المسئولين، علي نشر الوعي الأمني، وذلك عبر إنشاء مجلة أمنية تتناول بشكل دوري، موضوعات أمنية هامة وحساسة، تخدم أمن الوطن والمواطن.
– أن يتم إنشاء فرع خاص في الأجهزة الأمنية لتقديم النصح والعون في هذا المجال وذلك باسم (الإرشاد الأمني)، وخاصة لأولئك الشرفاء الذين تم عرض التعامل عليهم من قبل المخابرات الإسرائيلية ورفضوا ذلك بشدة وحزم.
– الحزم مع من أستمر في ممارسة التعامل مع الاحتلال، خاصة بعد قدوم السلطة، وذلك بإنزال أقصى العقوبات بحق من يثبت عليه ذلك، باعتبار أنه لا ينوي التراجع عن هذه الجريمة.
– وضع برامج تأهيل معينة، ودروس خاصة تثقيفية، وطنية وإسلامية وأمنية، تعطى لمن تم ارتباطهم، ثم تابوا بعد ذلك، وعادوا إلى الصف الوطني. وذلك حفاظا عليهم من أن يتم استغلالهم مره أخرى. (عباس،2004: 230)
ثانياً: إجراءات إكتشاف العملاء:
وتتم عملية الاكتشاف والتعرف على العملاء، في البدايه بدخولهم في دائرة الشك والشبهة، وهناك أربع طرق رئيسية يمكن من خلالها اكتشاف الجواسيس، وذلك إما بتقديم تقارير من خلال جهاز مخابرات أجنبي، أو بالمراقبة الدورية من قبل فريق مكافحة التجسس المضاد، أو بالحصول على معلومة سرية، عن طريق شخص مقرب يكون موضع ثقة، أو من خلال الأخطاء التي يرتكبها الجواسيس أنفسهم.
1- مصادر ضمن جهاز المخابرات الأجنبية:
حيث يتم اكتشاف الجاسوس نتيجة لإرسال تقارير من قبل مصادر داخل أجهزة أمنية أجنبية أخرى، لمعلومات من قبل عميل مخترق لهذا الجهاز أو صديق في داخل جهاز المخابرات الأجنبية التي كان الجاسوس يعمل لحسابها أو نتيجة معلومات من خلال تحقيقات أو غير ذلك.
2- المراقبة الدورية لمكافحة التجسس المضاد:
وقد يتم اكتشاف الجاسوس من خلال عمليات المراقبة الدورية لمكافحة التجسس المضاد وذلك بعد دخولة دائرة الشك التي أثارتها الأمور التالية:
أ) التغيير في التصرفات:
و قد يساهم في اكتشاف الجاسوس دلائل تثير الشبهة تساهم في الاكتشاف كتغير وضع الجاسوس المادي بدون أن يكون هناك تغيير في دخله الوظيفي يتماشى مع تغيير حالته الاقتصادية المعيشية. أي أن جميع التغيرات غير المفسرة للتصرفات والسلوك التي تستدعي الانتباه والشك.قد تساعد في اكتشاف الجاسوس والعميل.
ب) التصرفات اللاعقلانية:
معظم الأشخاص الذين يقومون بخيانة بلادهم لا يفكرون بشكل عقلاني، لأنهم لو لم يكونوا كذلك لما تورطوا في نشاط من شأنه أن يدمر ذاتهم ومجتمعهم. فهؤلاء الأشخاص منقادين بشكل كبير لشعور لا عقلاني لأنهم لا يشعروا بأهميتهم. وهذه الانفعالات العاطفية لديهم غالباً خارج السيطرة، حيث تؤدي بهم للتباهي بوفرة المال أو بالتميز الاجتماعي الذي قد يطرأ عليهم، وهذه التصرفات الخاطئة كحب الاستطلاع بالنسبة للعمل التجسسي قد تكون سبباً في إلقاء القبض عليهم.
3- علامات ودلائل على تورط شخص في التجسس:
دلائل الاستخبارات هي العلامات التي تثير الشك والشبهة في انخراط شخص ما في التجسس، بعض من الدلائل تعتبر شاهداً واضحاً للسلوك غير السوي، وبعضاً منها قد تكون بسيطة ويمكن تبريرها ببراءة، ومن هذه الدلائل ما يلي:
أ) دلائل الدوافع المحتملة (علامات تثير الشبهة لها علاقة بدوافع الفرد):
– الاستياء من أحد الموظفين أو من الحكومة يكون من القوة بحيث أنه يثير الرغبة بالانتقام.
-التحريض على خرق القوانين أو التمرد على اللوائح والأنظمة القانونية.
-استعمال القوة أو العنف لإحداث تغيير سياسي، أو تبرر الولاء للمصلحة الأجنبية.
– أنشطة تبنى على افتتان غير عادي يرافقه رغبة قوية للانخراط في العمل التجسسي.
ب) دلائل محتملة لكشف العملاء العاملين في المواقع الحساسة :
– كسؤال الآخرين بغية الوصول إلى معلومات سرية مصنفة أو غير مصنفة والتي لا يسمح لأي شخص الوصول إليها.
– محاولة الحصول على وثائق هامة.
– دخل إضافي من نشاط خارجي على شخص يحتل وظيفة حساسة، وذلك في محاولة واضحة لجذب ذلك الشخص للانغماس في نشاط غير شرعي.
– الفضول الزائد أو طلب معلومات عن أشياء ليست في مجال عمل الفرد واهتماماته.
– نقل أو محاولة نقل ممتلكات مصنفة أو مواد سرية أخرى من العمل.
– حجز ممتلكات مصنفه أو معلومات أخرى حساسة تم الحصول عليها أثناء القيام بعمل سابق بدون إذن أو معرفة الجهة.
– الاستعمال المكثف لمعدات التصوير أو الفاكس أو الكمبيوتر لإعادة إنتاج أو إرسال مواد حساسة ومصنفه، بما يزيد عن احتياجات العمل.
– أخذ مواد مصنفه إلى البيت أو إثناء الرحلات للعمل عليها بدون إذن مسبق.
– العمل الإضافي أثناء تغيب الموظفين دونما سبب، أو زيارة أماكن العمل بعد ساعات العمل الاعتيادية دونما سبب منطقي.
– جلب كاميرات تصوير أو أدوات تسجيل دون موافقة، للأماكن التي بها مواد سرية.
ج) دلائل محتملة للمعلومات أو المواد المنقولة:
– تخزين مواد مصنفة في البيت أو في أي مكان غير مسموح به.
– رحلات قصيرة إلى بلاد أجنبية، لأسباب غير عادية أو غير مبررة، أو رحلات لا تتماشى مع مصالح الفرد الظاهرة وقدراته الاقتصادية.
– الاستعمال الزائد أو غير المبرر للإيميل أو الفاكس.
– عدم الرضوخ للتعليمات واللوائح التي تنص على ضرورة تسجيل كل الاتصالات أو الرحلات الخارجية، أو عدم الإفصاح عن رحلة للخارج، أو اتصالات مع اجانب.
– رحلات خارجية غير مصدقة على جواز الفرد في رحلاته إلى بلاد تكون تأشيرات الدخول عادة مبينة على الجواز.
– المحافظة على اتصالات شخصية مستمرة، دون موافقة، مع دبلوماسيين أو ممثلين آخرين من بلدان يرتبط بها الشخص بروابط اثنيه أو دينية أو ثقافية أو أية روابط عاطفية أخرى أو التزامات، أو مع شركات عماله متنافسة في تلك البلدان.
د) دلائل محتملة لدخل غير قانوني:
– أسلوب حياة لا يتماشى مع الدخل المعلوم للفرد وهذا يشمل الشراء المفاجئ لحاجيات ذات قيمة شرائية أو سفرات شخصية غير اعتيادية لا يتحملها دخل الفرد، أو السداد المفاجئ للديون أو القروض، والخروج المفاجئ من المشاكل المالية للفرد.
– إلقاء فكاهات خاصة بالعمل لصالح الاستخبارات الأجنبية أو حول مصدر غامض للدخل. (انترنت: Richards, Heuer. 1999)
ثالثاً: مكافحة التجسس والتعامل:
ومكافحة التجسس والتعامل تعني توجيه نشاط مضاد الى عمليات التجسس والتخابر الأخرى داخل الدولة ويتم ذلك عن طريق متابعة الأشخاص الذين يشتبه في انهم جواسيس وعملاء، ومراقبتهم، وتحليل تصرفاتهم واتصالاتهم. (العلوي،1993 :11)
وتتم مكافحة التجسس من خلال دراسة ظاهرة التعامل بحذافيرها، ومن ثم وضع أسس للوقاية من الاختراق الأمني ومعالجة حالات التجسس المكتشفة والاستفادة من مجريات أحداث كل حالة، وهذا يتطلب بذل أقصى درجات التعاون ما بين المواطن والأجهزة الأمنية لما يلعبه المواطن من دور كبير في ملاحظة الحالات المشبوهة من خلال دلائل بينة، ولذلك عليه إبلاغ الأجهزة الأمنية فوراً وبسرية تامة، ومن ثم ترك الأمور للجهة المختصة لتتولى هذا الأمر.
1- الاجراءات العملية في مكافحة التجسس والتعامل:
تبدا عملية الاشتباة بالشخص، وتتدرج عبر مراحل هي:
– مرحلة تلقى المعلومات التي تثير الشبهة: وفي هذه المرحلة يدخل الشخص الهدف، تحت دائرة الشك، وبالتالي يلزم العمل فحص المعلومات.
– مرحلة تحليل المعلومات التي تثير الشبهة: وفي هذه المرحلة تدخل المعلومات، الى قسم التحليل، حيث يتم من خلال ذلك تقاطع المعلومه، مما يقويها، أو تضعف، مما يحتاج لإعادة العمل عليها.
– مرحلة المراقبة للتثبت من المعلومات التي تثير الشبهة: يوضع الهدف تحت المراقبه والملاحظه مده من الزمن، وذلك من أجل التأكد من صدق المعلومات الوارده عنه. وتبدأ مرحلة المراقبة والمتابعة بحذر وافٍ، حتى لا يكتشف الهدف بأنه مراقب.
– مرحلة الاستدعاء للمقابلة: إحدى وسائل جمع المعلومات والتحقق منها، عن طريق محادثة مباشرة مع الشخص الهدف، وبموجبها يقرر المسئول الطريقه المناسبه في التعامل مع الهدف.
– مرحلة الاعتقال: وهو اجراء موجة لحجز المشتبه بتعاونهم من العملاء والجواسيس، وقد يتم احياناً بشكل احتياطي لمنع وقوع عمل ما.
– مرحلة التحقيق والاستجواب: وهو عملية تأكيد معلومات سابقة، أو الحصول على معلومات جديدة من هدف معاد، في ظروف يتحكم فيها المحقق، وضمن السيطرة الكاملة له. ولكن على المحقق التثبت من المصدر ودقة معلوماته اولاً، وإلى أن يتم كشف الحقيقة برمتها على المحقق إجراء الموازنة بين إمكانية استغلال العميل المعتقل كعميل مزدوج أو تقديمه للمحاكمة. (النميري: 1996، إنترنت)
ولتطويق خطر العملاء يجب اتباع التالي:
– العمل على ملاحقة العملاء ومحاولة إيقاف نشاطهم التجسسي.
– إعطاء التعليمات للمقاومين باتخاذ الحذر حتى يتم تفادي اغتيالهم أو اعتقالهم.
– فتح باب التوبة للعملاء وقبول توبتهم وحسن معاملتهم في التحقيق كي ينقلوا صورة حسنة لغيرهم.
– إعطاء التعليمات والإرشادات للشباب حتى لا يقعوا في شباك الخيانة والعمالة.
– توفير الفرص للشباب وغيرهم والعمل على تحسين مستوى المعيشة لشتى فئات المجتمع.
– التزام السرية التامة في العمل والائتمان على أسرار العملاء الذين يسلمون أنفسهم وعدم فضحهم أو كشف سرهم.
– البحث عن العملاء بشكل مستمر وفي كل مكان والكشف عن خلاياهم السرية وإيقاع العقوبة بحقهم كلاً حسب ما ارتكب.
كما يجب على القادة والناشطين أن يتفادوا عمليات الاعتقال والاغتيال وذلك وفق:
– عدم الظهور والاستعراض في اللقاءات الجماهيرية والمحطات التلفزيونية، لأنه قد يكون الشخص والقائد نشيطاً ولكنه غير معروف للعدو فيصبح هدفاً سهلا.
– الالتزام بالتعليمات والتوجيهات والإرشادات التي توجهها لهم بالأجهزة الأمنية للمحافظة على حياتهم.
– العمل على التغيير في نظام حياتهم اليومية، وأن يبتعدوا عن الروتين القاتل.
– الاحتراس والحذر والسرية بشكل دائم ومستمر في تحركهم ونشاطهم اليومي.
– إبلاغ الأجهزة الأمنية عن أي أمر يرتكب بحقه أو أي شك يراوده تجاه أي شخص.
– عدم الاستهانة بالحياة، وأن يعلم أنه ذو مكانة وأن فقدانه قد يكون له بالغ التأثير. (مركز أفق ،2002: 51)
طرق مراقبة ورصد المشبوهين والعملاء:
من اجراءات مكافحة جريمة التعامل والتجسس، إما اختراق جهاز مخابرات العدو، أو مراقبة ورصد ومتابعة المشبوهين الذين يمكن أن يتورطوا بعمليات تعامل وتجسس ضد بلدهم، عن طريق متابعة نشاطهم بعدة طرق ووسائل أبرزها المصادر الراصدة.
وعلى جهاز أو أجهزة مكافحة التجسس والتعامل مع العدو، أن يضعوا تحت المراقبة وبشكل دائم ومكثف، كل المشبوهين أو الضالعين في النشاط التجسسي، بواسطة مجموعة من المصادر الراصدة لتحركهم ونشاطهم.
المصادر (الرصد):
هم الأفراد الذين يلاحظون ويراقبون المشبوهين بالتورط بالتعامل، وهم إما متطوعون يقومون عن طواعية بتقديم معلوما أمنية عن العملاء والمشبوهين لأجهزة الأمن المعنية، وهم غير رسميين. وإما يكونوا مسجلين بشكل رسمي كمخبرين ومصادر لجهاز الأمن مكلفين ومربوطين بضابط تشغيل لهم.
إدارة المصادر:
تُعني إدارة المصادر بأسلوب التعامل مع مصادر الأمن من الافراد، بتدريبهم وإعدادهم، وتكليفهم بالمهام، ثم استخلاص المعلومات منهم، وتحسين أدائهم وتجويد وسائل الاتصال بهم، وحفزهم إذا أجادوا وعقابهم إن قصروا.
ويزيد من أهمية هذه الإدارة، أن العميل “المصدر” قد يكون أجنبياً فرضت عليه ظروف ما أن يكون عميلاً، وهذا يستدعي المحاذرة في التعامل معه، تعاملاً لا يُحسنه إلا إدارة متخصصة كإدارة المصادر. (نميري، 1996، انترنت)
تشغيل المصادر:
عند تكليف مصدر ما، بمهمة ما، يجب الاعتناء بالآتي:
-الحصول على المعلومات عن آخر مهمة قام بتنفيذها.
-تذكيره بالأخطاء التي حدثت في آخر مهمة وتصحيحها، ومكافأته على الإنجازات لضمان العلاقة السليمة والولاء.
-خلق حوافز لدى المصدر باستمرار “مادية، ومعنوية، وطنيه”.
-تنبيه المصدر إلى الساتر (الغطاء)، وضرورة التقيد به.
-شرح المهمة الجديدة للمصدر، بكل تفاصيلها، والاستدلال في الشرح بالصور والخرائط والرسومات، وطرق استخدام المعدات اللازمة.
-التثبت من أن المهمة المكلف بها المصدر مناسبة لقدرته وكفاءته.
-الاهتمام بألا يُكلف المصدر بأكثر من مهمة في آن واحد.
-توضيح الخطة للمصدر، وإعلامه بما إذا كانت الأولوية للدقة أم للسرعة.
-توضيح الخطط البديلة للمصدر.
-التأكد من ثقة المصدر بنفسه في تنفيذ المهام ومعالجة أية مشكلة متعلقة بشخصه أو إمكاناته.
-تحديد مكان اللقاء القادم وزمانه، ووسائل الاتصال. (نميري، 1996، إنترنت)
تدريب المصادر:
من المعهود في الأجهزة الامنية، ان المصدر يُدرب تدريجياً على:
-أمنه الشخصي، لئلا يرتكب من الأخطاء ما يكشف عنه.
-العمليات التي سينفذها.
-وسائل الاتصال بينه وبين المسئول عنه.
وبعد التدريب يتم التقييم المباشر ويُراجع أسلوب عمل المصدر إثر كل عملية يؤديها (التغذية الراجعة)، ويصحح ما يبدر منه، وينبه إلى ألا يكرر ما أخطأ فيه، وتنبيهه لعدم تكرارها. (نميري، 1996، إنترنت)
استخلاص المعلومات من المصدر:
بعد فراغ المصدر من عملية المراقبة للمهمة المكلف به، ينبغي أن يراعى الآتي:
-التثبت من أن المصدر، أثناء سيره إلى مكان اللقاء، لم يكن متبوعاً من أحد.
-التدخل بالأسئلة التوضيحية أثناء سرد المصدر المعلومات، واختباره لتفادى تلفيقه قصةً من وحي خياله.
-تجنب الأسئلة الإيجابية، والأسئلة التي يمكن أن يجيب عليها المصدر بنعم أو لا.
-تسجيل ما يقوله المصدر، كتابة أو بجهاز تسجيل.
-معاملة المصدر معاملة ودية، وجعله يتحدث بحرية، دون فقدان السيطرة عليه.
-جعل الأسئلة واضحة، وتكرارها إذا لم يفهم المصدر.
-تدوين الملاحظات عن المصدر من حيث الانطباع عن هدوئه وثقته بنفسه، وصدقه، مقارنةً بما هو معروف عنه لان ذلك يُفصح عن احتمالات كشفه من قبل العدو.
-تقدير مجهودات المصدر، وشكره، ومكافأته إذا احسن.
-تنبيه المصدر إلى الأخطاء التي ارتكبها بهدوء.
-الحرص على توجيه المصدر وإرشاده لاتباع تعليمات الأمن في حله وترحاله، وفي حياته الخاصة والعامة، وخصوصاً أثناء تكليفه بمهمة. (نميري، 1996، إنترنت)
تأمين عمل المصدر:
تضع أجهزة المخابرات عدة قواعد تفرض على المصدر الالتزام بها، لإنجاح مهمته، في مراقبة ورصد العميل وتشمل تلك القواعد ما يلي:
-التقيد الصارم بتنفيذ الخطة الموضوعة له.
-اتخاذ الغطاء المناسب (الساتر) كمبرر لوجوده في المكان والزمان المعينين، ويجب أن يكون الساتر متقناً ومناسباً.
-الإلمام بأساليب المخابرات المضادة الذي يعمل بها العدو.
-التخطيط مسبقاً للطوارئ المحتملة.
-عدم عقد صداقات عاجلة، أو الدخول في خصومات ظاهرة مع أحد، وعدم الإفصاح عن مهمته.
-الحذر من المتابعة أو المراقبة، وعدم مقابلة مصادره إلا بعد إجراءات التأكد من عدم المتابعة.
-ألا يبدي اهتماماً بمعلومة معينة، بل عليه أن يسعى للحصول على معلومات كثيرة أخرى.
-الحيطة والحذر عند تسجيل المعلومات.
-استخدام وسائل جيدة للإخفاء، كالأرقام والمسافات، التي يمكن كتابتها كأسعار أو مصروفات شخصية.
-تجنب الثرثرة ، إلا إذا كان القصد من الثرثرة استدراج الآخرين للإطالة في الحديث.
2- القوانين العقابية في مكافحة التجسس والتعامل:
أ) من منظور الشرع الإسلامي:
بين الاسلام أن الأصل بين المسلمين ألا يتجسسوا على بعضهم البعض لقوله تعالى: (يَا أيهَا الذينَ آمنُوا اجتنبُوا كثيراً منَ الظنِ إنَّ بعضَ الظنِ إثمٌ ولا تجسسُوا ولا يغتَب بعضكُم بعضاً أيحبُّ أحدكُم أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتاً فكرهتموهُ واتقُوا اللهَ إنَّ اللهَ توابٌ رحيم) الحجرات: 122
وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ والظَّن فَإِنَّ الظَنَّ أَكذبُ الحديثِ، ولاَ تَحَسّسُوا ولاَ تَجَسّسُوا، ولاَ تَنَاجَشُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَباغَضُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، وَ كُونُوْا عِبَادَ اللهِ إِخوَاناً”. (ابن حجر العسقلاني، 347:448)
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله في قعر بيته “، وقال صلى الله عليه وسلم ” من استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صب في أذنيه الإنك يوم القيامة “.
وبهذا، فان التجسس منهي عنه بنص القرآن والسنه، ولا يجوز للأفراد أو الدول ترصد أحد مُسلم أو التلصص والتجسس عليه. ولا يُباح إلا للضرورة القصوى، إذا كانت الحاجة إليه ضرورة للدفاع عن حرمة أو درء لخطر اكبر. أما الاطلاع على عورات الناس وخصوصياتهم، والتعدي على حرياتهم وأسرارهم الخاصة، فلا يجوز، مهما تذرعت الدول وأجهزتها بدعوى الصالح العام، وغيره من المبررات.
وقد تُضطر الدولة إلى اتخاذ نظام للرصد والرقابة والتجسس، لئلا يفاجئها العدو الخارجي المتخذ له جواسيس وعملاء لمعرفة الأسرار وتخريب المنشآت، وبث روح التخاذل والتمرد بين المواطنين. فمثل هذا النشاط الهدام يضطر الدولة المسلمة -حتماً- لإبتدار أساليب الرصد والمكافحة الناجعة في الوقاية من الفتن والعثرات.
ولكن هذه الإجراءات يُشترط أن تكون محكومة بقوانين شرعية، تضبط حركة أفراد الأمن وأجهزته، وتحدد سلطاتهم، وإجراءاتهم، فلا تفتيش ولا اعتقال دون أمر قضائي، يراعي الحرمات والخصوصيات، فلا يروع آمناً في مسكنه أو ماله أو عرضه، ولا يعاقب أحداً إلا ببينة تثبت أمام القضاء، قال تعالى: (يَا أيهَا الذينَ آمنُوا إن جاءكُم فاسقٌ بنبأ فتبينُوا أن تصيبُوا قوماً بجهالة فتصبحُوا علَى ما فعلتُم نادمِين) (الحجرات:123)
وجاء في الحديث الشريف: «من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها”.
أما التجسس غير المشروع فهو التجسس الساعي إلى فضح عورات الناس، وهتك أستارهم، أو المدفوع بالتشفى والحقد، أو النابع من حب الاستطلاع وحده. وقد جاء في الحديث الشريف: “انك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم”. (النميري، 1996، إنترنت)
ويجوز للدولة إزاء العناصر المعادية والأجنبية ما لا يجوز لها إزاء المواطنين والرعية، فالتجسس على الأعداء عمل مشروع – مطلقاً – وهو ضرورة من ضرورات الحرب، ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يؤديه من صحابته الاجلاء، كحذيفة بن اليمان، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن أنيس، وخوات بن جبير، وعمرو بن أمية، وسالم بن عمير، وغيرهم. وبذا، فان المسلمين مكلفون باستطلاع أخبار العدو ومواطن ضعفه، ومواقع آلياته، وحركة جنده، ويعتبر ذلك كله جهاداً في سبيل الله، يجزى فاعله خيراً لقوله تعالى: ” ولا ينالونَ مِن عدو نيلاً إلاَّ كتبَ لهُم بهِ عملٌ صالح”. (التوبة:120)
وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الاتصال بالعدو وإعطائه معلومات عن المسلمين، لأن في ذلك خيانة لله وللرسول وللمؤمنين، وقالوا: إذا لم يكن لتجسس المسلم تأويل معقول، أوعذر مقبول، وأنه قام بعمله خدمة للأعداء وموالاة للكفار، وكراهية للمسلمين وحقداً عليهم، ومحبة للأعداء وإخلاصاً لهم، واستهتاراً بالمسلمين ومصيرهم، فإنه يجوز للأمام أن يأمر بقتله تعزيراً ليكون عبرة لغيره” (الدغمي، 1985 :156)
ب) من منظور القانون الوضعي:
برغم اهتمام القانون الدولي الوضعي بالجاسوسية إلا انه لم يعالجها في زمن السلم، واكتفى بإلزام جميع الدول أن تحترم مناطق سيادة الدول الأخرى، وتأسيساً على ذلك، فان إنشاء الدول أجهزة مخابرات سرية للتجسس ومكافحة التجسس – داخل حدودها – مسموح به دولياً في أوقات السلم كما في أوقات الحرب، وقد منح القانون الدولي لكل دولة الحق الكامل في أن تسن من القوانين ما يعالج ذلك، وان تطبق القانون على مواطنيها، وعلى الأجانب الذين يرتكبون جريمة التجسس، غير أنه يُستثنى من ذلك الدبلوماسي المعتمد لدى الدولة – وان قام بنشاط اعتبرته الدولة نشاطاً تجسسياً – ولكن يمكن للدولة أن تعبر عن استيائها بطرده وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، أو أن تطالب دولته بسحبه -دون إعلان- ولها أن تتركه. وتلجأ بعض الدول إلى مساومة الدبلوماسي الجاسوس ليعمل عميلاً مزدوجاً، أو ليطلب اللجوء السياسي إذا كان الوضع في بلاده لا يشجعه على العودة .
ولقد نصت المادة “التاسعة عشرة” من لائحة “لاهاي” للحرب، على الآتي: يُعدُّ جاسوساً، ذلك الذي يعمل سراً، أو من وراء ستار زائف، للحصول على معلومات في منطقة العمليات، بنية تبليغها الفريق الخصم. وطبقاً لذلك فان العسكريين -بزيهم الرسمي- حين يتسللون إلى منطقة عمليات جيش العدو، بغية الحصول على معلومات، لا يُعدُّون جواسيس، ومثلهم أولئك العسكريون الذين يُكلفون علناً بمهمة تسليم مكاتبات إلى جيشهم، أو إلى جيش العدو، ويتضمن هؤلاء من تنقلهم السفن الجوية بغية تسليم مكاتبات، أو بغية المحافظة على الاتصالات فيما بين الأجزاء المختلفة من جيوش أو مناطق. واعتباراً لما تقدم فان الفيصل هنا هو: “قصد الحصول على معلومات”. (نميري، 1996، إنترنت)
وقد عني القانون الوضعي، بوضع القواعد القانونية الصارمة لردع كل من تسول له نفسه للقيام بمثل بهذا العمل، حفاظاً على الأمن العام. لإن جريمة التجسس والتخابر مع الغير، تعد من الجرائم المضرة بأمن الوطن وسلامته.
لذلك نصت أغلب الدول في قوانينها على تجريم من يقدم معلومات للدول الأجنبيه، وإن لم تكن معلومات ذات قيمة، قد تصل في كثير من الدول إلى عقوبة الإعدام.
فمثلاً أقر القانون المصري بأن يعاقب بالإعدام كل من تجسس لدى دوله أجنبية، أو تآمر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها للقيام بأعمال عدائية ضد الوطن.

ج) قوانين العقوبات في الأراضي الفلسطينية:
بعد عودة السلطة الفلسطينية الى أرض الوطن، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية القرار رقم: (1) لسنة 1994.م. القاضي باستمرار العمل بالقوانين والأنظمة والأوامر التي كانت سارية المفعول قبل تاريخ 5/6/1967.م في الأراضي الفلسطينية حتى يتم توحيدها، واستناداً الى هذا القرار، فانه في قطاع غزة يعمل بكافة التشريعات والأنظمة والأوامر التي كانت سائدة إبان عهد الإدارة المصرية، وكذلك التشريعات الانتدابية والعثمانية، أما في الضفة الغربية فيعمل بكافة التشريعات واللوائح والأوامر التي صدرت في عهد الإدارة الأردنية حتى 5/6/1967م.
وبالرجوع الى قانون العقوبات المعمول به في الضفة الغربية وقطاع غزة، نرى أنها تجمع على إنزال عقوبة الإعدام على من ثبت إدانته بارتكاب جريمة التخابر مع العدو.
فقانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960، المعمول به في الضفة الغربية ينص
في المادة 112 على ما يلي: ” كل أردني دس الدسائس لدى العدو أو اتصل به ليعاونه بأي وجه كان يفوز قواته على الدولة عوقب بالإعدام”.
أما في قطاع غزة، فينص الأمر رقم 555/1957 المعمول به منذ الادارة المصرية في غزة على ما يلي: “يعاقب بالإعدام كل من سهل دخول العدو في البلاد أو سلمه مدناً أو حصوناً أو منشآت أو وسائل مواصلات أو أسلحة أو ذخائر أو طائرات أو مهارات حربية أو مؤناً أو أغذية أو غير ذلك مما اعد للدفاع أو مما يستعمل في ذلك، أو خدمه بأن نقل إليه أخباراً أو كان له مرشداً”.
أما مشروع قانون العقوبات الفلسطيني المعدل من قبل وزارة العدل الفلسطينية ممثلة في ديوان الفتوى والتشريع، فلم يلغ عقوبة الإعدام، بل أكد عليها في المادة 64 منه، حيث نص على أن يعاقب بالإعدام كل فلسطيني ارتكب عمداً أحد الأفعال الآتية:
” تآمر أو تخابر أو تعاون مع دولة أجنبية أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها، للقيام بأي عمل عدواني ضد فلسطين “.
وقانون العقوبات الأردني: لم يلغ قانون العقوبات الأردني المعدل لسنة 1991م. عقوبة الإعدام بشأن جريمة التخابر والتعاون مع العدو بل أبقى عليها دون تعديل.
وقانون العقوبات المصري: لم يلغ المشروع المصري عقوبة الإعدام في قانون العقوبات المعدل رقم 112/1957م. فنص في المادة ب/77 منه على أن يعاقب كل من سعى لدى دولة أجنبية أو تخابر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها بأعمال عدائية ضد مصر”. (مركز أفق، 2001: 33)
ومن خلال ذلك يتبين أن جريمة التخابر مع العدو، والتي تؤدي لقتل أي فرد من أبناء الشعب الفلسطيني تكون عقوبتها الإعدام، وفق ما أشارت إليه الشريعة الإسلامية، وما نصت عليه قوانين العقوبات المعمول به في الأراضي المحتلة الفلسطينية. ولكن الأمور في العقوبات لا تأخذ على إطلاقها، بل يجب أن تقدر كل جريمة بقدرها، وتطبق العقوبه وفق الجرم والمجرم والواقع الفلسطيني.
د) إجراءات العقوبات ضد العملاء في فلسطين:
وهي مجموع الاجراءات الرادعة للعملاء، التي تم تبنيها من قبل السلطة أو المقاومة. والتي برزت من خلال الممارسة الميدانية. وهذه تتمثل في عدة نماذج تنحصر في:
مرحلة التنبية والتحذير:
– التنبيه السري: ويتم في هذا الإجراء لفت نظر الشخص، بأن عليه علامات إشتباه من خلال بعض الأمور، التي يجب تجنبها، والعمل عن البعد عن مواطن الشبهات فيها.
– التحذير غير المباشر: وفي هذا الأسلوب يتم تحذير الشخص بطريقه غير مباشرة، عن طريق شخص آخر أو عبر مكتوب أو رساله توجه له، عن بعض ممارساته.
– التحذير المباشر: ويتم من خلال توجة مجموعة من المقاومين على بيت المشبوه، وتحذيرة بشكل نهائي، من خلال استعراض القوه، ومن خلال توصيل رساله حيه ومباشرة بجدية الموقف، وصدق التهديد.
– التحذير النهائي: ويتم ذلك عبر كتابه اسم العميل على الجدران، أو في بيان رسمي، ويتم إمهال العميل فترة من الوقت، لكي يلتزم بما يمليه عليه البيان أو المنشور. أما أولئك الذين لا يعبأون بهذه التحذيرات ويستمرون في تعاملهم مع السلطات الإسرائيلية، فانهم يعرضون أنفسهم للعقاب، ويتم تنفيذ الإجراءات العقابيه فيهم من قبل القوى الضاربة، التي تشكلت بقرار اللجان الوطنية المحلية.(أبو نجيلة، وكوفمان، 1998)
مرحلة العقاب المعنوي:
– التشويه والنبذ الاجتماعي: ويتم تشويه سمعة الشخص بالإعلان عنه بأنه متعاون، يتم ذلك بطرق عدة منها كتابة اسمه على الجدران، والإشارة الى اسمه في المناشير، الإعلان عنه في المساجد، ويكمن الهدف من وراء هذه الأعمال نبذ المشتبه به من قبل الجمهور الفلسطيني، وبالتالي شل قدرته على إلحاق الأذى بالمقاومة وبالشعب الفلسطيني بشكل عام.
– الإقامة الجبرية: وتتضمن الإقامة الجبرية إصدار أوامر إلى المشتبه به بعدم مغادرة بيته لفترة معينة من الوقت. ويهدف هذا الأسلوب إلى عزل المشتبه فيه عن المجتمع مما يحول دون قيامه بأية تصرفات مشينة، وعادة يتم فرض الإقامة الجبرية على ذلك الشخص الذي تعتقد الحركة انه ينبغي أن تتاح له الفرصة للتفكير ليعيد ترتيب حساباته ويرجع الى سابق عهده. (أبو نجيلة، وكوفمان، 1998)
مرحلة العقاب الجسدي:
وقد تم استخدام العديد من أشكال العقاب ضد المشتبه بتعاونهم مع السلطات الإسرائيلية، ونورد فيما يلي بعضاً من أساليب العقاب التي لا تؤدي إلى الموت:
– الضرب: ويهدف إلى منع حدوث جرائم في المستقبل، وقد استخدمت العديد من الأساليب للردع خاصة التهديد بإنزال عقوبة الإعدام، وفي المقابل، هناك الردع الخاص وهو موجه إلى الفرد المذنب لمنع حدوث أية مخالفات من قبل ذلك الفرد في المستقبل، ويتم تنفيذه بإنزال العقوبة التي ستنغص عليه استمتاعه بما حصل عليه نتيجة اشتراكه في أعمال إجرامية.
– الردع: ويتضمن العقاب الجسدي ضد المشتبه بتعاونهم، إطلاق النار على أرجلهم، وتكسير أطرافهم، وتشريح وجوههم وذلك باستخدام الفؤوس وسكاكين المطبخ وأمواس الحلاقة، وعادة ما كان يتم إنزال مثل هذه العقوبات على مرأى ومسمع من الناس وذلك بغرض ردع من تسول له نفسه بمثل هذه الأعمال.
– الإعاقة: وتهدف إلى منع القيام بأية جريمة في المستقبل، وذلك بالسيطرة على الفرد بالتسبب في إعاقته الجسدية مما يترتب عليه عدم قدرته على التحرك والاشتراك في أعمال إجرامية في المستقبل. (أبو نجيلة، وكوفمان، 1998)
مرحلة التصفية الجسدية:
تصنف المنظمات الفلسطينيه العملاء عدة أصناف بحسب طبيعتهم، والجرائم التي قاموا بها، وتعتبر من يحمل منهم أسلحة مرخصة من قبل الاسرائيليين، إشارة واضحة على عمالتهم، وهؤلاء العملاء المسلحين يعتبروا أشخاص مطلوبين للعداله.
وقد كتبت في مايو 1995 في سجن عسقلان، نشرة جاء فيها ” أن العملاء المسلحين هم أشخاص فقدوا كل شىء الشرف والضمير.. وربطوا مصالحهم مع أجهزة الأمن الاسرائيلية، وأن كل محاولات الصبر معهم هي بدون فائدة “.
وفي مقابلة اجرتها بيتسليم مع مؤسس حماس الشيخ أحمد ياسين قال بأنه أمر بقتل العملاء المسلحين لأن تسليحهم يزيل أي شكوك من أنهم عملاء حقيقيين. العديد من العملاء المسلحين معروف عنهم أيضاً أنهم ساعدوا قوات الأمن في عمليات القبض على مطلوبين، وفي فرض الاغلاق ومنع التجول واغلاق الطرق واجراء اعتقالات. (بتسيلم،1993: 21)
أشكال قتل وتصفية العملاء :
على الرغم من أن المقاومة الفلسطينية استخدمت أساليب ردع ضد المشتبه بتعاونهم مع قوات الاحتلال، إلا أنها كذلك قامت بتصفية البعض منهم بأساليب متعددة منها:
– القتل بعد انتهاء التحقيق: في العادة يتم خطف المشتبه فيه من بيته أو من الشارع، ومن ثم يقتاد إلى التحقيق معه في مكان مجهول، ويتم تنفيذ عملية القتل هذه إذا قرر المحقق إنزال عقوبة الإعدام بحق المشتبه بتعاونه، وذلك وفق خطورة إعترافه.
– القتل في المكان نفسه: أشارت بتسيلم في تقرير صدر عنها عام (1994) إلى انه ووفقا لشهادات العديد من الشهود وجد أن اكثر الأساليب شيوعاً في قتل المشتبه بتعاونهم خلال الانتفاضة الأولى كان أسلوب القتل في المكان نفسه بدون تحقيق، ولا أية دعاوي قضائية أولية، ووفقاً لهذا الأسلوب يتم قتل المشتبه فيه عمداً، بصورة غير مخطط لها مسبقاً، إما في منزله أو في الشارع. وهذا خاص بالعملاء الخطيرين الذين يعتقد بأن لديهم أسلحة نارية.
– المحاكمات الشعبية: يتم إحضار المشتبه بتعاونه إلى مكان مركزي، ساحة عامة أو أي مكان آخر، وعلى مرأى ومسمع من الناس، تتم قراءة اعترافات العميل، أو توجيه الأسئلة إليه عن مسألة تعاونه، وبعد ذلك يتم إصدار حكم بالإعدام عليه فورا بناء على طلب الجماهير. وأحيانا يحكم العميل على نفسه بنفسه.
– القتل في المعتقل أو الزنازين: تشير البيانات المتوفرة لدى بتسيلم إلى ان العديد من المعتقلين الفلسطينيين في السجون والمنشآت العسكرية ومراكز الشرطة ومراكز الاعتقال، على يد معتقلين آخرين لتعاونهم مع الاحتلال. (أبو نجيلة، وكوفمان، 1998)
المصير المظلم للعملاء من قبل مجنديهم:
إن المصير الذي يلقاة العميل على يد مجندية الصهاينة، أقسى وأشد من الذي يتعرضوا له من أبناء شعبهم، لأن العدو أول المدركين بتفاهة هذا العميل الذي باع دينة ووطنة وأهلة وشعبة، من أجل ثمن رخيص، ونعمة زائفة وزائلة. وليس أبلغ من العملاء أنفسهم لكي يصوروا معاناتهم مع أسيادهم بعد أن فقدوا كل شيء إلا تعاملهم وخيانتهم. ويتحدث العميل (كمال حماد) الذي تسبب في اغتيال المهندس (يحيي عياش) لجريدة يديعوت أحرنوت الاسرائيلية فيقول: ” لقد استخدموني لاغتيال عياش، والأن يلقون بي إلى الشارع “. وتقول الجريدة: ” كمال حماد المقاول من غزة الذي ساعد اسرائيل في اغتيال المهندس يحيى عياش، سيتم اخلاؤه اليوم من شقته المجهولة التي يسكن بها في البلاد وسيبقى بدون مأوى “.
تلقى حماد قبل عدة ايام أمراً باخلاء الشقة التي يسكن بها في مكان ما من اسرائيل، لانه لم يدفع اجرة الشقة كما هو مطلوب، ويسكن في الشقة معه اثنتان من زوجاته مع 14 ولدا. وقال: حماد ” انه قد وصل الى حالة لا يستطيع معها دفع المبلغ.
وقبل عامين نشرت الصحف الاسرائيلية بان حماد طلب من دولة اسرائيل التعويض بملايين الدولارات على العقارات التي كان فقدها حين هرب من قطاع غزة بعد اغتيال عياش. ويدور الحديث عن بيوت وأراضي كانت بملكية حماد صودرت من قبل السلطة الفلسطينية التي اصدرت ضده حكم بالاعدام.
وفي مقابلة خاصة اجرتها معه معاريف قال حماد ” لقد اصدرت دولة اسرائيل ضدي حكما بالاعدام والان تريد ان تدوس على الجثة، لقد قدمت حياتي من اجل الدولة واليوم اجد نفسي في الشارع مع عائلتي، هل هذا هو الاسلوب الصحيح؟ فكرت بان الحديث يدور عن دولة سليمة ولكن كل شيء كان مجرد خدعة، وقد توصلت الى حالة افتقدت فيها الى النقود لدفع ايجار الشقة، ومن اجل توفير لقمة الخبز لاولادي وتعليمهم، لماذا يفعلون بي هكذا؟
ويوجه حماد اساس شكواه ضد ادارة تأهيل العملاء في مكتب رئيس الحكومة التي حسب قوله: ” خدعتني طوال الوقت “. وهو يتحدث عن الاهانات والاكاذيب، وعدم الالتزام بالدفع، ” أنا لا افهم لماذا تقوم ادارة العملاء بمعاقبتي، ان ما يفعلوه بي هو اكثر سوء من التنكيل، انه قتل، قال لي كبار في الشاباك ان على هذه الدولة ان تقبل قدميك، ولكن بدل ذلك ينكلون بي وبعائلتي، ولم اكن افكر حتى في اسوأ احلامي ان هذا سيحدث، ولكن هذا الكابوس ينمو ويكبر يوما اثر يوم “.
ويعيش حماد في خوف دائم على حياته، ولهذا السبب رفض التقاط صورة له، وقال: حين نشرت صوره في الصحف سابقا، اعتقلت الشرطة السورية افراد عائلة زوجته الثالثة، وبدأت تنكل بهم، وهم ينكلون بشقيق زوجتي كل يوم، اعتقلوه، وعلقوه في السقف، يجب ان ادافع عنهم وعن عائلتي هنا وعن نفسي، والان فتحوا الممر الأمن كيف نعرف من يستطيع ان يصل من غزة ليمس بي”. (يدعوت أحرنوت، 2002)
وفي نفس الاتجاة تروي عائلة العميل (مصطفى نعيرات) ما لحق بهم جراء التجسس والتعامل مع العدو. في السابق كانت العائلة تقطن قرية ميثلون قضاء (جنين) وكانوا يعيشون هناك في طمأنينة في بيتهم الكبير المحاط بحديقة تبلغ مساحتها دونم ونصف على حد قولهم، أما اليوم فتعيش العائلة في شقة من اربع غرف ونصف بدون اثاث في شارع (حتيفات كرميلي) في المدينة السفلى من (حيفا). واجرة الشقة 600 دولار، وهو يفوق مرتين الاجور المعتادة في المنطقة. وهم يشكون من سوء المعاملة، ومن عدم اكتفائهم بما يصرف لهم من مخصصات من منسق التأهيل. فعندما يحتاج المتعاونون للاستشارة يتصلون برقم هاتفي في تل ابيب ويذكرون رقمهم السري ليحولهم الى الهاتف الخلوي “للمنسق” وهذا المنسق الذي كان يشرف على تفعيلهم في السابق يسمى اليوم منسق تاهيل.
والنعيرات هي عائلة عملاء متعاونين كما يسمونهم في جهاز الدفاع, رب الاسرة (مصطفى نعيرات) يبلغ من العمر 55سنة، اضطر للفرار من القرية وسافر مع ابنه (ماهر) الى تل ابيب ليعمل في البناء في عام 1989، وعاد الى القرية بواسطة الحمولة التي ينتمي اليها، وفي ذات الوقت واصل ايصال المعلومات للشاباك. وفي عام 1995 اضطر للفرار مرة اخرى لاسرائيل، ولكن بشكل دائم هذه المرة. وماهر إبن 31 سنة الآن، كان في السابعة عشرة من عمره عندما تحول للتعامل، في مطلع التسعينات هو الاخر مع الاسرائيليين، وذلك بسبب أن والدة كان متعاونا مع السلطات الاسرائيلية. والان يعيش في حي (بات غاليم في حيفا) وهو متزوج من يهودية وله ابنتين. (جريدة هآرتس،1999)
ويروى عميل آخر اسمه (رياض كنعان) الذي عمل لصالح الموساد في بيروت، معاناته مع مستخدميه بعد انكشاف أمره وذهابه للعيش في إسرائيل. حيث يشعر بأنه مهمل في إسرائيل، رغم أنه زود مستخدميه في الموساد بمعلومات هامة. وهو يبلغ من العمر الآن 50 عاماً وعاطل عن العمل يرعى امرأة مريضة وأولاده السبعة بعد أن ساعد في إحباط عشرات الأعمال الإرهابية ضد إسرائيل على حد قوله. وهو يطالب الدولة بتعويضات لقاء خدماته. وقد أعيد كنعان إلى إسرائيل مع زوجته وأولاده في أيلول 1982 , وحين وصل إلى البلاد بدأت عائلته تعيش حياة المعاناة والذل، ونتيجة لهذه المعاناة أصيبت زوجته بأزمة نفسية حادة ودائمة، وهي لا تؤدي دورها لا كزوجة ولا كربة بيت ولا كأم.
ولد كنعان عند قيام الدولة في قرية دبورية فرب العفولة وابعد من قريته مسقط رأسه وفي عام 1988 عاد مع عائلته إلى بيت والدية الذي كان مهجورا ومدمرا وقام بترميمه, وقال كانت عائلتي بحاجة إلى النقود التي اكسبها وفي يوم ما سئمت من العمل القاسي. وقررت السفر، وقد نجح في الوصول إلى بلدة الرشيدية في لبنان، وبفضل قدرته على التحدث بالعبرية نجح في الوصول بسرعة إلى مواقع قيادية في “م.ت.ف” وأوجد القاعدة الاستخبارية للمنظمة، وبعد سنة تم ترقيته إلى لجنة فتح القيادية في بيروت، والتحق في هيئة القطاع الغربي (المسؤول عن العمل في قطاع غزة والضفة الغربية). وقد أقام كنعان قسم المعلومات وأرشيف المعلومات في فتح. وبعد عدة سنوات بدأت “م.ت.ف” بالتزود بأجهزة التنصت.
وتحول بعد ذلك إلى مساعد (كمال عدوان) قائد القطاع الغربي، وشغل عشرات المناصب القيادية في قسم المعلومات، ووحدة التنصت السرية “الوحدة 77″.
وقد انقلبت حياته في العام 1977 حين وافق على العمل لصالح إسرائيل، عندما التقى به شقيقه الذي يعيش في إسرائيل في أوروبا، وهناك كشف له أن رجال المخابرات الإسرائيلية حاولوا تجنيده، وحققوا معه حوله. وقد اقترح أخ كنعان الالتقاء مع رجل اتصال في السفارة الإسرائيلية, وطلب نصف مليون دولار لضمان عائلته من ناحية اقتصادية. وخلال سنوات، زود مستخدميه من الموساد بمعلومات قيمة جدا يجري في منظمة التحرير الفلسطينية , ويقول كنعان والدموع تنهمر من عينيه، “ليس هناك مخرج أريد أن أغادر البلاد، وأتوسل أن يسمحوا لي بالمغادرة لكنهم لا يسمحون لي”. (جريدة يدعوت أحرنوت،2002)
وخطر العملاء اليوم أصبح ليس بمعلوماتهم التي يقدمونها للعدو فحسب، بل لأن المعلومه اليوم أصبحت تتحكم بأرواح وحياة الناس، حيث كانت معلوماتهم في السابق وخيانتهم، تؤدي الي الاعتقال في الغالب، ولكنها اليوم تؤدي الي القتل والاغتيال. لذلك يجب الوقاية منهم، والعمل على ملاحقتهم واكتشافهم، ومن ثم مكافحتهم ومحاسبتهم والقضاء عليهم، خاصة الجادون منهم والمجتهدون في ملاحقة المقاومين من قادة وعناصر الشعب الفلسطيني، الذي يقف بكل كبرياء وشموخ وتحدي ضدآلة البطش الصهيونية.

الخاتمة

عبر رحلة القاريء بين السطور، ربما عثر على بعض الجوانب التي قد تضيف شيئاً ولو بسيطاً في تراكم المعرفه لديه، والتي يشعر المؤلف أن أبرز ما فيها تلك الجوانب التي تبين ما لظاهرة التعامل في فلسطين من الخصوصية، وإن كانت تشترك في عمومياتها مع تلك الظواهر، التي وقعت عبر العمق الزماني والمكاني في هذا الكون.
ويكمن ذلك في طبيعة الاحتلال نفسه، حيث يعتبر الاحتلال الصهيوني لفلسطين، احتلال استيطاني إحلالي، ينمو ويترعرع على حساب أصحاب الأرض الأصليين. كما يكمن في طبيعة العملاء أنفسهم، حيث كانوا برغم اشتراكهم في جوهر الخيانة مع أقرانهم جواسيس العالم، إلا أنهم امتازوا بخصائص وصفات معينة.
لكونهم عملاء مأجورين لم يرقوا لدرجة الجواسيس، حيث من الخطأ أن نطلق عليهم لفظ الجواسيس باعتبار أن هذا اللفظ يعني في طياته أولئك الذين يتجسسون لصالح بلدهم، أو ضدها. في حين أن أولئك الذين تعاملوا مع العدو وقدموا له خدمات ضد أمتهم ووطنهم هم مجرد أدوات، وخدم لجهاز المخابرات الصهيوني.
لذلك لم تتجذر عمليات التجنيد لتصبح ظاهرة ذات مساحة كبيرة في واقع المجتمع الفلسطيني. حيث لم تتطور رغم الفترة الزمنية ذات المساحة العميقة نسبيا للاحتلال، في تجمع أو جماعة أو حزب أو فئة أو طائفة، مما جعل هذه الظاهرة مجرد ظاهرة فردية، وفي أحسن أحوالها لا تعدو مجرد مجموعات صغيرة متناثرة لا تؤثر على مجرى ومسيرة الحياة الاجتماعية في فلسطين.
كما أن العملاء الذين تعاملوا في فلسطين مع العدو الصهيوني لم يكن أي منهم قد تعامل من خلال دافع عقائدي أو أيدلوجي، أو فكري. مما يؤكد على أن هؤلاء العملاء لم تتجذر فيهم مبدأية التعامل أو التجسس، ولم يتحولوا بالمطلق إلى دين أو عقيدة العدو. وهذا يبين مدى تفاهة الكم الاكبر من هؤلاء العملاء.
لأن أغلب العملاء في فلسطين، قد تمَّ تجنيدهم من خلال عمليات الضغط والابتزاز والمساومة، سواء من خلال الترغيب، أو الترهيب، حيث وجدوا أنفسهم تحت ضغوط كبيرة أرغمتها للقبول بالتعامل. سواء تلك الضغوط التي تمارس من خلال ضغط الدافع، أو من خلال ضغط الواقع.
ولعل أبرز العوامل التي أثرت في عملية ارتباط العملاء في فلسطين مع العدو، كانت عوامل مادية- اقتصادية بالدرجة الأولى، حيث عمد العدو الصهيوني منذ اللحظة الأولى لإحتلاله للضفة الغربية وقطاع غزة أن يجعل جميع مناحي الحياة، وحتى المدنية منها في يده، كي لا يستطيع أي شخص أن يحصل على خدمة، أو عمل، إلا بمباركة وموافقة منه. لذلك شكل العمل، ومكان العمل، وموقع العبور للعمل أبرز الأماكن والمواقع التي تتم فيها عمليات الضغط والمساومة والابتزاز للارتباط والتجنيد مع العدو، أي أنه كلما زاد الاحتكاك بالعدو زادت فرص العدو في عملية التجنيد. وهذا ما يفسر أن أغلبهم كان من طبقة العمال، وعلى وجه الخصوص الذين يعملون داخل الخط الأخضر (إسرائيل). لأن المخابرات الإسرائيلية قد كانت تركز على هذه الفئة، لقدرتها على الضغط والتأثير عليها اقتصادياُ، من خلال مساومتها على الارتباط، عبر المنافذ والمعابر التي يمر منها العمال للعمل داخل الخط الأخضر يومياً.
وهذا يتطلب السعي الدؤوب والمتواصل بالانسلاخ عن التبعية الاقتصادية والمادية عن العدو.بحيث لا يقل التحرر الاقتصادي أهمية عن التحرر السياسي.
كما أن أغلبهم من ذوي المستوى المعيشي دون المتوسط –أي في الطبقه الأكثر فقراً- مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية تركز على هذه الفئة من خلال استغلال وضعها المعيشي وحاجتها المادية، حيث أن ضغط الحاجة للعمل، خاصة داخل الخط الأخضر، كان يجبر البعض على الرضوخ لابتزاز العدو المتواصل من أجل الحصول على لقمة العيش، ومتطلبات الحياة اليوميه.
كما أن المخابرات الإسرائيلية قد كانت تركز في عملية التجنيد على اللاجئين، وذلك لأن الكثافة السكانية في مخيمات اللاجئين، أعلى بكثير من المدن والقرى من جهة، ومن جهة ثانية أن حجم العمل المقاوم للاحتلال في المخيمات أكبر بكثير أيضاً من المدن والقرى، بأعتبار أنه حيثما تنشط المقاومة للاحتلال، تنشط عمليات التجسس.
وقد تميز العملاء الفلسطينين مع الاحتلال الإسرائيلي، عن غيرهم من العملاء، بخصائص وصفات، من أهمها أن أغلبهم وقت الارتباط مع العدو، كانوا من صغار الشباب، مما يدل على أن الاحتلال الإسرائيلي يركز في عمليات التجنيد على صغار الشباب، لكونهم الأكثر نشاطاً وحيوية، والأقدر على تتبع المعلومة وملاحقتها.
لذلك يجب بالمقابل أن يتم التركيز على الشباب من قبل المجتمع الفلسطيني، على حقنهم بمصل واقي لهم من الوقوع بهذه الجريمه.
كما يلاحظ أن المستوى التعليمي للعملاء قد تركز في المرحلة الاساسية، أو أدنى. مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية كانت تستغل ذوى التعليم البسيط والمتدني لتجنيدهم للتعامل، باعتبارهم أسهل وأبسط من غيرهم، حيث تسهل عملية خداعهم واستدراجهم واسقاطهم في وكر التجسس والتعامل .
كما كان أغلبهم من شريحة العزاب. مما يدل على أن المخابرات الإسرائيلية تركز في التجنيد على العناصر الشابة غير المتزوجة. نظراً لأن أغلب هذه الشريحة لا تتحمل مسئوليات اجتماعية، ولم تنشيء بعد أسرة مستقلة تشغل حيز اهتمامها ونشاطها.
وقد طور الاحتلال الكثير على الطرق والوسائل والأساليب المستخدمه في التعامل، في عمليات تجنيد العملاء، ونشاطهم، وطرق الاتصال والالتقاء بهم، ووسائل تمويلهم. ففي السابق مثلاً كانت تتم عملية الالتقاء بين العميل وضابط المخابرات عبر المقابلات، واليوم تتطلب من العميل الذهاب إلى المستوطنات أو داخل الخط الأخضر. كما أن أماكن الربط كانت في الغالب تتم من خلال بيوت السوء، أو الإدارة المدنية. وأصبحت الآن تتم في الغالب، على المعابر وأماكن العمل والاحتكاك، وخاصه في معبر بيت حانون، في مكتب المخابرات الصهيوني الذي يدعى (مكتب الشكاوي).
كما تطورت وسائل الاتصال كثيراً، ففي حين كانت في السابق تعتمد على الأمور التقليدية كالرسائل والتلفونات، أصبحت اليوم تتم من خلال الكمبيوتر والإنترنت والإيميل (البريد الإلكتروني)، ومن خلال البلفونات، والجوال، وما شابهى ذلك.
كما طرأ تغير على طريقة الربط والتجنيد، غير المباشر عبر العملاء، إلى طريقة التجنيد المباشر عبر ضابط المخابرات. ففي حين كان يعتمد طريقة الشبكات للتجنيد في الانتفاضة السابقه، مع التركيز على أسلوب الإسقاط الجنسي، طور هذا الأمر في ظل الانتفاضة الحاليه (انتفاضة الأقصى) ليعتمد على طريقة الارتباط الفردي. والذي تجلى في استحداث أسلوب التجنيد عبر طريقة الاختراق بأسلوب الإنتحال.
إن العملاء في فلسطين لم يكونوا على وتيرة أو مستوى واحد، وإن كان يربطهم جميعاً جرم الخيانه، لكن النوع الأبرز والأخطر كان يتمثل في أولئك العملاء الذين يتعاملون داخل السجون الإسرائيلية، من خلال غرف المصائد للعملاء. والذين يساعدون المحققين الصهاينة في استدراج المعتقلين وإيقاعهم في شراكهم وتقديم المعلومات المستخلصة منهم للمحققين، أو الذين يتسببون في مقتل المقاومين والمجاهدين. لذلك يجب أن تتنا سب العقوبة بحسب الجرم الذي يقترفه العميل، وعدم التصرف مع العملاء بنفس الوتيرة والمستوى.
وفي الختام نريد أن ننوه لحقيقة هامة، تؤكد على أن ظاهرة التعامل مع العدو الإسرائيلي في فلسطين -وإن كانت تحمل الكثير من المآسي والمصائب- عندما تقارن بما حدث لدى كثير من الأمم والشعوب المحتله، فانها تغدو ظاهرة قزم حيالها، مما يبين بأن العملاء في مجتمعنا هم حفنه من التافهين على مستوى الفكر والعاطفة والممارسة، ولا تعدو عملياتهم عن كونها التقاط بعض الفتات المتنائر من أفواه المناضلين والمجاهدين، والتي يمكن بكل بساطه أن نطوق عملهم ونحصره ونحبطه بالالتزام بالسريه وعدم الثرثرة والتباهي وتوزيع المعلومات بالمجان، وتعميق الانتماء الديني والوطني، وترسيخ الولاء للشعب والأرض، بالإضافة إلى التوعية الأمنية الشاملة، التي لا تقتصر على فئة أو جهة معينة بل يجب أن تمتد لتشمل كل مواطن، ليتحول الأمن من مفهوم ضيق وخاص، إلى مفهوم عام وشامل، يطلق عليه اسم الأمن الشعبي. مع زيادة في الصرامه والقوة وعدم المهادنه أو المهاودة مع من ثبت بحقهم جرم التعامل، خاصه أولئك الذين تلطخت أيديهم بدم الشهداء الأبرار من خيرة أبناء الشعب بكل أطيافه السياسية والاجتماعيه.
وفي نفس الوقت يجب أن يتنبه الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون، إلى توجيه المنحرفين والمجرمين والمتعاونين، بالعمل على تصريف طاقتهم العدوانية تجاه الآخر العدو، بدلاً من تصريفها ضد الآخر المجتمع الذي يعيشون فيه.
لذلك يجب أن نولي، خاصة في هذه المرحلة الصعبة، إهتماماً بالغاً بدراسة وفهم، هذه الظاهرة، لإجراء المزيد من اليقظة والحذر، التي تفوت الفرصة على المدسوسين والعملاء، من أن يخترقوا هذا الشعب المرابط المجاهد، الذي سطر بصموده وتحديه لجبرت الآلة العسكرية الصهيونية، أروع الأمثلة في التاريخ.

المراجع والمصادر
– القران الكريم
– أبو شكر (1992) “الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتنظيم الهيكلي الإسرائيلي”. مجلة قراءات سياسية، العدد الرابع، من السنة الثانية، مركز دراسات الإسلام والعالم، لندن.
– أبو عمرو، زياد (1989) “الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة”، مؤسسة الثقافة الفلسطينية، دار الأسوار، عكا، فلسطين المحتلة.
– أبو نجيلة، سفيان (1996) “خصائص شخصية الفلسطينيين”. دراسة نفسية مقارنة بين الأجيال في المجتمع الفلسطيني. جامعة الأزهر –غزة.
– أبو نجيلة، سفيان، كوفمان، ايدي، وآخرين، (1998) “الفلسطينيون المدعوون بالمتعاونين مع إسرائيل وعائلاتهم “دراسة ضحايا العنف السياسي الداخلي” مركز البحوث الإنسانية والتنمية الاجتماعية، غزة.
– أبو هين، فضل (1993) “الصحة النفسية لدى عائلات المتعاونين” برنامج غزة للصحة النفسية.
– أبو هين، فضل (1998) “الصحة النفسية في المجتمع الفلسطيني”.مطبعة دار الأرقم –قطاع غزة.
– أبو ناهية، صلاح (1991) “أسس التعلم ونظرياته”، مكتبة دار النهضة العربية.
-أبو دياك،ماجد(2001)”العملاء الفلسطينيون بين ابتزاز إسرائيل وسكوت السلطة”
http://www.IslamOnline.net عمان.82/1/2001
– أرنسون، جيفري (1990) “سياسة الأمر الواقع في الضفة الغربية”. من حرب سنة 1967 إلى الانتفاضة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، جامعة البحرين، بيروت.
– إسماعيل، عماد الدين (ب.ت) “اختبار مفهوم الذات للكبار”، مكتبة النهضة المصرية-القاهرة.
– أمرنجر، تشارلز (1992) “المطرقة والدرع” دار الحسام للطباعة والنشر، بيروت.
– أيوب، حسن (1977) “الجهاد والفدائية في الإسلام”. الكويت.
– ابن حجر العسقلاني (447) صحيح البخاري فتح الباري.
– ابن كثير (الدمشقي)، الحافظ (774) “تفسير القرآن الكريم”. ج1، مكتبة دار التراث –القاهرة.
– ابن منظور (1119) “لسان العرب” دار المعارف- لبنان.
– احمد، سهير (1987) “الحرمان من الوالدين في الطفولة المبكرة وعلاقته بالنمو الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي”. مجلة علم النفس، مجلة البحوث والدراسات النفسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب –القاهرة.
– إسلام أون لاين (2001) ” العمالة الفلسطينية الاستدراج تحت سلاح الإجبار”، شؤون سياسية القضية الفلسطينية 29/7/2001، http://www.IslamOnline.ne
– بتسيلم (1993) “الفلسطينيين المتعاونين المعدومين في الانتفاضة”. تل أبيب.
– برانس، موريس (1992) “الجاسوسات الفاتنات “دار الكتاب العربي –بيروت.
– بري، يعقوب (1999) “دعني لأقتلك”. ترجمة يوسف عيسى –غزة.
– بليدوسكا، سيلينا. ويلوتش، جوناثان (1990) “حرب المخابرات “جزئين بين المخابرات الأمريكية والروسية، دار الرشيد –بيروت.
– بن فورات، يشيعياهو، واوري دان (1968) “جاسوس من إسرائيل، إيلي كوهين”، ط2، ترجمة زكي درويش، دار العلم للملايين –بيروت.
– بهنامر، رمسيس (1990) “عالم الإجرام”. القسم الثاني والثالث، مطبعة معهد دون بوسكون.
– البشري، محمد (1997) “العدالة الجنائية ومنع الجريمة”. دراسة مقارنة، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية –الرياض.
– البيومي، محمد (1994) “ظاهرة تصفية العملاء” التاريخ وجذور الأزمة. الطبعة الأولى، قطاع غزة.
– التكريتي، سليم (1986) “من قصص الجاسوسية في البلاد العربية”. منشورات دار العصور، بغداد.
– التهامي، مختار (1982) “الرأي والحرب النفسية”. دار المعارف –القاهرة.
– توق، محي الدين. وعدس عبد الرحمن (1993) “المدخل الى علم النفس”. الطبعة الثالثة، مركز الكتب الأردني، عمان.
– توماس، جوردون (1999) “جواسيس جدعون، التاريخ السري للموساد”. ترجمة: أحمد شاهين. مؤسسة النيل –مصر.
– الجادر، مدحت (1987) “غزاة في الظلام”. جولات في غابة الاستخبارات والجاسوسية، مكتبة النهضة –بغداد.
– الجزائري، سعيد (1991) “المخابرات والعالم” أربع أجزاء، دار الجليل –بيروت.
– الجزائري، سعيد (1992) “ملف الثمانينات عن أعمال المخابرات”. دار الجليل -بيروت
– الجزائري، سعيد (1994) “التجسس العالمي الجديد”. دار الرشيد –دمشق.
– الجبهة الشعبية (ب.ت) ” فلسفة المواجهة “. غزة
– جريدة البيان، (2001) الموساد بنت دولة من الشتات والوهم بالإرهاب والتآمر، جريدة البيان” 2001. .comwww.albayan
– جريدة البيان، (2001) الموساد سجل أسود وجرائم لا تنتهي، الملف السياسي، جريدة البيان، 12/1/2001. http://www.albayan.com
– جريدة البيان، (2003) المخابرات الإسرائيلية ارتكبت جرائم بشعة في الشرق الأوسط، الملف السياسي، جريدة البيان، 12/1/2003. http://www.albayan.com
– جريدة البيان،(2001) ” الجاسوسية والتجسس تحولات في الأدوات والمهام والأهداف” الملف السياسي، 12/1/2001. albayan.com www
– جريدة الحياة الجديدة-فلسطين، 2001
– جريدة الوطن العربي (1999) ” شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان ” (بقلم مصطفى محمود) لندن، العدد 1147 ، الجمعة 26/2/1999
– جريدة القدس- فلسطين، ” متعاون يروي قصة ارتباطة ” 2003
– جريدة القدس- فلسطين. ” عملاء يتحدثون عن تجاربهم المخزية في الخيانة “. 15/8/2001
– جريدة الحياة الجديدة – فلسطين. ” عالم الجاسوسية وصراع الاستخبارات “. 7/12/1998
– جريدة الأيام- فلسطين، “عميلان يرويان قصة سقوطهما في مستنقع الخيانة “. 9/1/2002
– جريدة معاريف- إسرائيل، ” العميل كمال حماد يقول.. استخدموني لأغتيال عياش والآن يلقون بي إلى الشارع ” (بقلم يوآب ليمور) 4/1/1999
– جريدة هآرتس- إسرائيل، “حوار طرشان بين عملاء ومسئول تأهيلهم” (بقلم دافيد ريتنر) 23/11/1999
– جريدة يدعوت أحرنوت- إسرائيل، ” العميل السري ضد الموساد “. (بقلم يسرائيل موشكوبيتس) 2002.
– الحسيني، محمد علي (2002) ” الموساد الإسرائيلي والإرهاب الصهيوني”. إيران –طهران. http://www.hashem150m.com
– حمودة، سميح (1985) “الوعي والثورة “دراسة حياة وجهاد الشيخ عز الدين القسام”.جمعية الدراسات العربية –القدس.
– حموده، عادل (1988) “عملية سوزانا”، دار الشباب، مكتبة مدبولي –القاهرة.
– الخطيب، محمد (2003) “علم النفس الفسيولوجي دراسة في العلاقة بين النفس والجسم”. غزة.
– الدغمي، محمد (1985) “التجسس وأحكامه في الشريعة الإسلامية”. دار السلام للطباعة والنشر –القاهرة.
– الديب، على (1997) بحوث في علم النفس، ج1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
– ديكون، ريتشارد (1991) “المخابرات الإسرائيلية “تاريخها –إدارتها –أشخاصها –أعمالها –فضائحها. طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
– رايت، بيتر (1988) “صائد الجواسيس” دار الشروق للنشر والتوزيع –عمان.
– رمضان، كافيه (1987) “التنشئة الأسرية وأثرها في تكوين شخصية الطفل العربي”. مجلة علم النفس، مجلة البحوث والدراسات، الهيئة المصرية العامة للكتاب –القاهرة. صـ91، العدد 4، السنة 1، ديسمبر 1987
– زيداني، سعيد (2001) “ظاهرة العملاء في فلسطين”. موجز أعمال ندوة دراسية، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية –القدس.
– زيور، مصطفى (1982) “مقدمة في علم النفس، بحوث مجمعة في التحليل النفسي”. القاهرة.
– صالح النعامي (2001) دور خطير للعملاء في منع العمليات الاستشهادية.www.IslamOnline.net 29-7-2001
– شحادة، رجا (1990) “قانون المحتل إسرائيل والضفة الغربية”، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الكويت.
– شحادة، محمد (1992) “قناع القناع”. دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية –عمان.
– شهيب، عبد القادر (2000) “سقوط أسطورة الموساد”.18/12/2000 http://www.geocities.com
– الشرقاوي، أنور (1986) “انحراف الأحداث”.ط2، مكتبة الأنجلو المصرية –القاهرة.
– عاقل، فاخر (1973) أصول علم النفس وتطبيقاته”. دار العلم للملايين –بيروت.
– عباس، خضر (2000) ” دراسة بعض المتغيرات المرتبطة بظاهرة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي “. دراسة غير منشورة مقدمة لنيل درجة الماجستير في علم النفس، الجامعة الإسلامية- قطاع غزة.
– عباس، خضر (2002) ” مقابلات مع عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي في السجون الفلسطينية “. ملحق خاص، غير منشور-مركز أفق.
-عباس، خضر (2004) “مفهوم الذات ومفهوم الآخر لدى عينة من عملاء الاحتلال الإسرائيلي “. دراسة غير منشورة، مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس- الصحة النفسية. البرنامج المشترك لجامعة عين شمس- القاهرة، وجامعة الأقصى- قطاع غزة.
– عبد الجواد، صالح (2001) “ظاهرة العملاء في فلسطين”. موجز أعمال ندوة دراسية، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية –القدس.
– عبد الهادي، حسام (1991) “السيدة الرئيسة، السيدة الجاسوسة” الحسام للطباعة والنشر.
– عبده، سمير (1989) “التحليل النفسي للجاسوسية”. دار الكتاب العربي –دمشق.
– عبده، سمير (1992) “التحليل النفسي للاستخبارات”. دار الكتاب العربي –دمشق.
– عبيد، حسن إسماعيل (1993) “سوسيولوجيا الجريمة”. ميد لايت المحدودة –لندن.س، ط1، 1993.
– عبيد، عبد الرؤوف (1986) “أصول علمي الإجرام والعقاب “دار الفكر العربي، القاهرة.
– عقلان، مجدي (1989) “أصول علم الإجرام”. دار الحكمة اليمانية –جامعة صنعاء.
– الحلو، محمد علاوي (2001)، “علم النفس التربوي نظرة معاصرة”، غزة دار المقداد للطباعة، ط2 ، غزة .
– عيسى، عبد الله (1990) ” المصيدة “. المؤسسة العربية للدراسات والنشر- عمان.
– العاجز، فؤاد (2000) ” تطور التعليم العام في قطاع غزة، من 1986–2000 ” الطبعة 2، الجامعة الإسلامية – غزة.
– العلوي، أيمن (1993) “الجاسوسية الإسرائيلية تحت المجهر”. الطبعة الأولى، دار الرافد للطباعة والنشر –لندن
– العيلة، رياض (1998) “تطور القضية الفلسطينية التاريخي والاجتماعي والسياسي”. جامعة الأزهر –بغزة.
– عبد المجيد، محمد (2003م، 1424هـ) “أنترنت” العدد 19 الأحد 3 ربيع الأول، القاهرة.
– عطوى، محمد (2003) ” باراك والمخابرات الإسرائيلية “. 25/10/ 2003 http://www.mersinfo.com
– فتح، حركة (1975) “الضحية تعترف، قصة العميل مازن الفحماوي”. منشورات حركة التحرير الوطني الفلسطيني، فتح . غزة
– فتح، حركة (ب.ت) ” نظرية الدوائر الهندسية “. منشورات حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح، قطاع غزة.
– فهمي، مصطفى (1966) “الشخصية في سوائها وانحرافها”. مكتبة مصر، دار مصر للطباعة القاهرة.
– قاسم، عبد الستار (1993) “العصيان المدني في الأراضي المحتلة” قراءات سياسية، السنة 30، العدد 1، مركز دراسات الإسلام والعالم.
– قديح، سمير (2002) “أساليب الموساد في تجنيد عملائها” صوت الوطن.
http://www.alwatan.com
– قرني، محمد (ب.ت) “كيف تنجح في معاملة الآخرين”. المركز العربي للنشر والتوزيع -القاهرة.
– كفافي علاء الدين، والأعسر،صفاء (2000) ” الذكاء الوجداني “،دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة.
– كاشدان، شيلدون (1977) “علم نفس الشواذ”. دار القلم –الكويت.
– كان، دافيد (1987) “حرب الاستخبارات” المؤسسة العربية للدراسات والنشر –بيروت.
– كوبلاند، مايلز (1990) “اللاعب واللعبة” دار الحمراء للطباعة والنشر –بيروت.
– كوكريدج، أ.هـ (1993) “أغرب جاسوسية في التاريخ” دار الكتاب العربي –بيروت.
– الكاشف، جمال (1990) “جواسيس وخونة”. مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع –القاهرة
– لجنة الإعداد والترجمة والتأليف (1990) (جرائم عالمية غامضة. دار الكتاب العربي –دمشق
– اللجنة القانونية (1997) “مقابلات مع عدد من العملاء عبر مجموعة قانونية من المحامين”. الضفة الغربية –فلسطين.
– اللجنة، مجموعة باحثين (1993) “وثائق سرية لوكالة المخابرات الأميركية”. مكتبة مدبولي، القاهرة.
– المتيت، أبو اليزيد (1980) “البحث العلمي عن الجريمة” ط2، مؤسسة شباب الجامعة
– المرصيفي، طلعت (1995) “أوراق مجهولة من ملفات المخابرات العالمية”، مكتبة مدبولي، القاهرة.
-مسعود، ابراهيم (ب.ت) ” الصفقة “، دار الشباب.
– مجدي، توحيد (1993) “جواسيس غير مكتملة”.مكتبة مدبولي- القاهرة.
– مجدي، توحيد (1995) “الفخ، جواسيس إسرائيل في قبضة المخابرات العربية”. دار الكتاب العربي –دمشق.
– مجدي، توحيد (1996) “فضائح وأسرار عدنان خاشقجي والموساد”. الطبعة الأولى، الناشر مدبولي الصغير –القاهرة.
– محمود، إبراهيم (1980) “مدخل علم النفس”. دار المعارف، القاهرة.
– مقبول، هاني (1987) “الأوضاع الديموغرافية في الضفة الغربية “جمعية الدراسات الفلسطينية –القدس.
– مناصرة، عبد الله (1991) “الاستخبارات العسكري في الإسلام”. مؤسسة الرسالة –بيروت.
– منصور، كميل (1990) “الشعب الفلسطيني في الداخل “مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
– مهنا، أحمد (ب.ت) “تجربتي في المعتقل”. مطبعة منصور –غزة.
– ميلمان، يوسي. رافيف، دان (1991) “أمراء الموساد” المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
– المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (1996): “الإغلاق الإسرائيلي لقطاع غزة”، سلسلة دراسات، مطبعة منصور، قطاع غزة، ص117.
– المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (1999) “دراسة حول واقع حقوق العمال في قطاع غزة”. سلسلة الدراسات، مطبعة منصور –قطاع غزة.
– مركز أفق للدراسات والتدريب (1998) ” دراسة حول ظاهرة العملاء” دراسة غير منشورة، بتاريخ 1/1998.
– مركز أفق للدراسات والتدريب، دراسة أمنية غير منشورة، (2001).
– مركز أفق للدراسات والتدريب، دراسة أمنية غير منشورة، (2002).
– مركز أفق للدراسات والتدريب (ب،ت) ” دراسة في التجسس ” ص33.
– مركز آل البيت العالمي، (2003) نفحات قرآنية، للمعلومات، 7/1/2003 http://www.al-shia.com
– ناصف، منصور (1932) “التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول”. دار الكتب العلمية، بيروت –لبنان.
– نوفل، أحمد (1983) “الحرب النفسية من منظور إسلامي”. دار الفرقان –عمان.
– نوفل، أحمد (2000) “ملف الموساد الأسود”. مجلة أخبار الحوادث، السنة التاسعة، العدد 454، ديسمبر 2000، صـ383.
– نوفل، أحمد (2002) “العملاء نبت الشيطان”. 25/12/2002.
.netwww.pinonline
– الناطور، محمود (1993) “الاستخبارات الصهيونية”. مكتبة مدبولي –القاهرة.
– النقيب، فضل (1997) “الاقتصاد الفلسطيني في الضفة والقطاع، مشكلات المرحلة الانتقالية وسياسات المستقبل”. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط1.نيسان –أبريل:1997
– النميري، علي (1996 ) الأمن والمخابرات نظرة إسلامية. http://www.qudsway.com
– هاتون، جي برنارد (1980) “صراع في الظلام” مركز البحوث والمعلومات.
– هارون، عبد السلام (1373) “تهذيب سيرة ابن هشام”. دار إحياء التراث العربي. بيروت–لبنان.
– هيرش،سمور(1992) الخيار شمشون أسرار وخفايا الترسانة النووية الإسرائيلية ترجمة: فريق من الخبراء العربي. الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي–القاهرة.
– هيئة التدريس (1998) مبادئ علم النفس، كلية التربية جامعة عين شمس ط2 .
– وود، جون (1990) “جواسيس للبيع” دار الحسام للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
– ويتيج، أرنوف (1977) “ملخصات شوم نظريات ومسائل في علم النفس”. دار ماكجر وهيل للنشر –القاهرة.
ENGLISH References:

-Abu Mourd,Tayser(2001)”Palestine Health Education Foundation “ Environmental,HealthEducation Awareness Program in Nuseirat Refugee Camp. Gaza Strip.
-Burns, R.B., (1979) The Self Concept in Theory, Measurement, Development and Behaviour” pp.6-12. Longman .London:New York.
-Bltzer Wolf., (1992) Territory of Lies”: The exclsive story of the spier Jonathan Pollard in America.
-Gelles, Mike (1995) Exploring the Mind of the Spy “. Naval Criminal
Investigative Service. www. Smdc. Army. Mil/
-Osrousky Victor, Hoy Claire., (1990 )“By way deception , A Devastation Insiders Portrait of the Mossad”.
-Punmaky, Raija-Leena ( 1986 )., Stress among Palestinian Women under Military Occupation : “Women’s Appraisal of Stressors: Their Coping Modes, and Their Mental Health”. ( International Journal of Psychology) no:21 pp.445-462. Elsevier science Publisher B V North-Holland
-Rigby, Andrew, ( 2001) The Phenomeno of Collaboration on Palestine “Palestine Academic Society for the Study of International Affairs (PASSIA(
-Richards, J. and Heuer,Jr. (1990( Espionnage by Numbers : A S tatistical Overview “. Defense Personnel Security Research Center. http://www.dss.mil/training/csg/ seg/security/ spystory/ in date 12-2-2002
-Richards, and Heuer (1999) RECENT ESPIONAGE CASES” 1999-1975,“ Defense SecurityService Monterey, California Summaries and Sources http://www.dss.mil/ training/ csg/ seg/ security/ spystory/ in date 12-2-2002.
-Richards, J. and Heuer,Jr. (1999 ) The Insider Espionage Threat “Defense Personnel Security Research Center. http://www.dss.mil/ training/ csg/ seg/ security/ spystory/ in date 12-2- 2002.
-Taylor Jack, 1990, The Taxi Papers”: Israelis Blue Print for Empire First puplished in great Britain.
-Williams, Dan (2001) “Collaboration – Recent Cases in Palestinian Territories” “Palestine Academic Society for the Study of International Affairs (PASSIA(

فهرست المواضيع

الموضوع الصفحة
الإهداء ج
المقدمة د
الفصل الأول: مفهوم التجسس والتعامل هدفه، أهميته، خطورته 1
مفهوم التجسس والتعامل 2
تعريف مفهوم التجسس 2
مفهوم العين 5
مفهوم الخيانة 5
مفهوم التعامل 6
هدف التجسس والتعامل 9
أهمية وخطورة التجسس والتعامل 11
العمق الزماني لظاهرة التجسس والتعامل 13
التجسس في العصور القديمة 13
التجسس في التاريخ اليهودي القديم 15
التجسس في التاريخ الإسلامي 16
التجسس في القرون الوسطى 19
التجسس اليهودي في الغرب 20
العمق المكاني لظاهرة التجسس والتعامل 21
التجسس والتعامل في فلسطين أبان الاحتلال البريطاني 22
إسرائيل دولة التجسس والتعامل 23
التجسس الإسرائيلي ضد الدول العربية 26
أهمية العملاء للكيان الصهيوني 29
الواقع الأمني في المناطق الفلسطينية المحتلة 30
خطر العملاء على المجتمع الفلسطيني 31
حجم ظاهرة التعامل في فلسطين 33
الفصل الثاني: العمق الزماني والمكاني لظاهرة التجسس والتعامل 37
القسم الأول: دوافع التجسس والتعامل 38
ترتيب الدوافع البشرية 39
ترتيب الحاجات الانسانية 39
دور الدوافع في السلوك الاجرامي 41
أهم الدوافع لدى الجواسيس والعملاء 41
1- الدوافع المادية 42
2- الدوافع الايدلوجية 47
حرب الجواسيس بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل 50
الدافع الأيدلوجي وتأثيره على الفرد 54
3- الدوافع العاطفية 56
أ) الحقد على المجتمع أو نظام الحكم 56
ب) الحقد الشخصي 61
4- دوافع المتعة الحسية والادمان 62
5- الدوافع الذاتية 66
القسم الثاني: العوامل المؤثرة في التجسس والتعامل 72
أولاً- العوامل الاستعدادية (الكامنة) 72
العوامل الذاتية الوراثية 73
أ) العوامل الجسمية والحالة المرضية 73
ب) عوامل القدرات العقلية والذكاء 74
2- العوامل المكتسبة (الذاتية الشخصية) 74
أ) الصفات والسمات الشخصية 74
ب) الخبرات الأولية للفرد 76
ثانياً: العوامل المهيأة والمعززة 77
الأول: العوامل الطبيعية 77
الثاني: العوامل البيئية 78
1- العوامل الاجتماعية 79
أ) العوامل الاجتماعية الأسرية 79
ب) الظروف الاجتماعية الخارجية 83
2-العوامل الاقتصادية 87
أماكن العمل ودورها في تجنيد العملاء 89
3- العوامل التعليمية والثقافية 92
4- العوامل النفسية 95
5- العوامل السياسية 100
6- العوامل السكانية (الديمغرافية) 103
ثانياً: العوامل الضاغطة (المعجلة) 105
أ) وجود القابلية للتعامل (الدافعية) 106
ب) الموقف الضاغط 107
نظرة فاحصة لتأثير العوامل السابقة على الارتباط 110
الفصل الثالث: تجنيد الجواسيس والعملاء 114
تجنيد الجواسيس والعملاء 115
الركن الأول: المجند (مسئول التجنيد) 116
ظابط المخابرات 116
أ) المجند المباشر (الأصل) 116
ب) المجند البديل 117
بعض قواعد التجنيد 118
الركن الثاني: المرشح للتجنيد (الجاسوس أو العميل) 119
أنواع الجواسيس والعملاء 120
مهام العملاء والجواسيس 126
بعض خصائص العملاء في فلسطين. 141
ثالثاً: الإجراءات العملية في التجنيد 145
تعريف التجنيد 145
أهداف عملية التجنيد 146
أهمية عملية التجنيد 146
اعتبارات عملية تجنيد العملاء 146
أبرز أماكن التجنيد 148
عناصر عملية التجنيد 152
عملية جمع المعلومات (الخام) 154
أ) جمع المعلومات عبر الطريقة العلنية (المفتوحة) 154
ب) جمع المعلومات عبر الطريقة الخفية (المغلقة) 155
أبرز الوسائل والأساليب في جمع المعلومات عبر الطريقة الخفية 155
مراحل عملية التجنيد 156
1- تحديد وانتقاء المرشحين للتجنيد 156
2- مرحلة تقييم المرشح 158
3- مرحلة الإختيار للمرشح 160
4- مرحلة التفعيل والتشغيل للمجند 162
اختيار طريقة العمل 162
أ) نظام الخط الواحد 163
ب) طريقة الشبكات 164
مهارات المجند في عملية تفعيل العميل 165
أ) القدرة على الإدارة والتحكم في نشاط العميل 165
ب) إختبار العميل بشكل متواصل 166
ج) تدريب العميل 166
د) فن معاملة العميل 168
هـ) الاهتمام بمعنوية العميل 169
و) إصدار التعليمات للعميل 169
ز) عملية تلقي المعلومات من العميل 169
ح) السيطرة على العميل 170
ط) التقييم البعدي للعميل 170
ي) الاتصال بين الظابط المجند والعميل 171
1- وسائل اتصال تقليدية مباشرة 171
أماكن الالتقاء المباشرة 172
إجراءات الالتقاء بين العميل والضابط المجند 173
الإعتبارات التي يجب الإنتباه لها أثناء عملية المقابلة 173
2- وسائل اتصال تقليدية غير مباشرة 174
أ) النقطة الميتة 174
3- وسائل اتصال غير تقليدية مباشرة 175
4- وسائل اتصال غير تقليدية وغير مباشرة 176
ك)عملية تمويل ودعم العميل 176
ل) إنهاء خدمة العميل 177
الفصل الرابع: وسائل وأساليب وأدوات التجسس والتعامل 179
القسم الأول: وسائل وأساليب تجنيد الجواسيس والعملاء 180
أهم أساليب تجنيد العملاء 181
1-الأساليب والوسائل المادية 181
أ) أسلوب توفير المال 182
ب) أسلوب تحقيق المصلحة المتبادلة 183
ج) أسلوب تحقيق الحاجات الملحة 184
2- وسائل وأساليب المتعة الحسية 190
أ) استغلال الجنس 190
ب) تعاطي المخدرات 198
ج) تعاطي الخمور 199
د) الماضي السيئ 201
3- الوسائل والأساليب الضاغطة 201
أ) من خلال التحقيق 203
ب) من خلال الاعتقال 206
ج) من خلال المقابلات 208
د) من خلال أسلوب التهديد المباشر 209
4- أساليب الخداع والاستدراج 210
أ) من خلال التظاهر بالمساعدة في البحث عن عمل 211
ب) من خلال التظاهر بالعمل الإنساني 212
ج) الخداع من خلال التظاهر بالعمل ضد عدو مشترك 214
د) من خلال التظاهر بالحب 215
هـ) من خلال أسلوب دحرجة المعلومات 217
و) من خلال أسلوب إثارة الخوف من المجهول 218
ح) من خلال تقمص الأدوار (طريقة الإنتحال) 219
القسم الثاني: أدوات التجسس والتعامل 222
أولاً: الأدوات التقليدية 222
ثانياً: الأدوات غير التقليدية 225
الفصل الخامس: وقاية واكتشاف ومكافحة الجواسيس والعملاء 231
أولاً: إجراءات الوقاية من العملاء 232
مظاهر الإنحراف والجريمة بشكل عام 232
الوقاية من جريمة التعامل 234
1- التوعية العقدية، والوطنية 234
2- التوعية الأمنية الشاملة 234
3- تماسك الجبهة الداخلية 235
4- وقاية المواقع والأفراد 236
5- التآزر والإسناد العاطفي والاجتماعي 236
6- البعد عن التباهي والثرثرة 237
أساليب الوقاية 237
أبرز إجراءات الوقاية على مستوى الفرد 237
أهم أمور الوقاية على مستوى المجتمع 238
ثانياً: إجراءات اكتشاف العملاء 239
1- مصادر ضمن جهاز المخابرات الأجنبية 239
2- المراقبة الدورية لمكافحة التجسس المضاد 239
3- علامات ودلائل على تورط شخص في التجسس 240
ثالثاً: مكافحة التجسس والتعامل 242
1- الاجراءات العملية في مكافحة التجسس والتعامل 242
طرق مراقبة ورصد المشبوهين والعملاء 244
المصادر (الرصد) 244
2- القوانين العقابية في مكافحة التجسس والتعامل 247
أ) من منظور الشرع الإسلامي 247
ب) من منظور القانون الوضعي 248
ج) قوانين العقوبات في الأراضي الفلسطينية 250
د) إجراءات العقوبات ضد العملاء في فلسطين 251
مرحلة التنبية والتحذير 251
مرحلة العقاب المعنوي 252
مرحلة العقاب الجسدي 252
مرحلة التصفية الجسدية 253
أشكال قتل وتصفية العملاء 253
المصير المظلم للعملاء من قبل مجنديهم 254
الخاتمة 258
المراجع والمصادر 262
المراجع والمصادر الأجنبية 271
الفهرس 273

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يسمح بإعادة اصدار هذا الكتاب، أو تخزينه، في نطاق استعادة المعلومات، أو نقله، أو استنساخه، بأي شكل من الأشكال.
دون إذن مسبق من المؤلف.

تصميم الغلاف
نضال أبو سلمية

طباعة وتنسيق
مركز أفق للدراسات والتدريب – غزة شارع الرشيد
مقابل السفارة النرويجية، قرب الصحة النفسية
تلفون/ 2862225 –8- 972
فاكس/ 2825528 –8- 972

الطبعة الأولى
1452هـ – 2004م

مطبعة ومكتبة الأمل التجارية
غزة – شارع الثلاثيني – مقابل الجامعة الإسلامية
ت/ 2848722 – 2866314
ذاتية المؤلف

* من قرية حمامة بفلسطين المحتلة.
* من مواليد 1952م- بقطاع غزة.
* التحق بالثورة الفلسطينية عام 1969م.
* اعتقل عدة مرات في السجون الإسرائيلية
وأمضى حوالي 15 عاماً في الأسر.
* حصل على الشهادة الجامعية البكالوريوس (أصول الدين) من الجامعة
الإسلامية – غزة عام 1986م.
* حصل على ماجستير (علم النفس) عام 2000 م من الجامعة الإسلامية- غزة
* حصل على الدكتوراة (علم النفس- الصحة النفسية) عام 2004 م من جامعة عين شمس- مصر وجامعة الأقصى- فلسطين.
* عمل مدرساً في مدارس وكالة الغوث للاجئين.
* لواء أمني متقاعد، عمل مديراً في النشاط الإسرائيلي ومكافحة التجسس، ومدير عام الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في فلسطين.
* يعمل الآن مديراً لمركز أفق للدراسات والتدريب.
ومحاضراً في جامعة الأقصى- وجامعة القدس المفتوحة.
* مدير مركز الرعاية الصحي.
* له عدد من المؤلفات، والدراسات، والمقالات.
* حصل على عدد من الدورات العلمية والأمنية.
* شارك في العديد من الندوات والمحاضرات العلمية.
* أشرف على بعض الدورات العلمية والأمنية.

About these ads
  1. أضف تعليقاً

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: